فذكر أن خالد بن عبد الملك، قال لهما: اغْدُوَا علينا غدًا، فلستُ لعبد الملك إن لم أفصل بينكما، فباتت المدينة تغلي كالمرجل، يقول قائل: كذا وقائل كذا، قائل يقول قال زيد كذا، وقائل يقول: قال عبد الله كذا. فلما كان الغدُ جلس خالد في المجلس في المسجد، واجتمع الناس، فمن شامت ومن مهموم، فدعا بهما خالد، وهو يحبّ أن يتشاتما، فذهب عبد الله يتكلم، فقال زيد: لا تعجَل يا أبا محمد، أعتق زيد ما يملك إن خاصمك إلي خالد أبدًا؛ ثم أقبل علي خالد فقال له: يا خالد؛ لقد جمعتَ ذرّية رسول الله ﷺ لأمر ما كان يجمعهم عليه أبو بكر ولا عمر؛ قال خالد: أما لهذا السفيه أحدٌ! فتكلم رجل من الأنصار من آل عمرو بن حزم، فقال: يا بن أبي تراب وابن حسين السفيه، ما تري لوالٍ عليك حقًّا ولا طاعة! فقال زيد: اسكت أيَّها القحطانيّ، فإنا لا نجيب مثلك، قال: ولمَ ترغب عني! فوالله إني لخير منك، وأبي خير من أبيك، وأمّي خير من أمك! فتضاحك زيد، وقال: يا معشرَ قريش، هذا الدين قد ذهب، أفذهبت الأحساب! فوالله إنه ليذهب دينُ القوم وما تذهب أحسابهم.
فتكلم عبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فقال: كذبت والله أيّها القحطانيّ، فوالله لهو خير منك نفسًا وأبًا وأمًّا ومحتدًا، وتناوله بكلام كثير؛ قال القحطانيّ: دعْنا منك يا بن واقد؛ فأخذ ابن واقد كفًّا من حصىً؛ فضرب بها الأرض، ثم قال له: والله مالنا علي هذا صبر، وقام.
وشخص زيد إلي هشام بن عبد الملك فجعل هشام لا يأذن له، فيرفع إليه القصص؛ فكلّما رفع إليه قصّة كتب هشام في أسفلها: ارجع إلي أميرك؛ فيقول زيد: والله لا أرجع إلي خالد أبدًا، وما أسأل مالًا؛ إنما أنا رجل مخاصم؛ ثم أذن له يومًا بعد طول حَبْس.
فذكر عمر بن شبّة، عن أيوب بن عمر بن أبي عمرو، قال: حدّثني محمد بن عبد العزيز الزهريّ قال: لما قدم زيد بن عليّ علَي هشام بن عبد الملك أعلمه حاجبُه بمكانه، فرقِيَ هشام إلي عِلّيّة له طويلة، ثم أذن له، وأمر خادمًا أن يتبعَه، وقال: لا يَرينّك، واسمع ما يقول قال: فأتعبته الدَّرَجَةَ -وكان بادنًا- فوقف في بعضها، فقال: والله لا يحبّ الدنيا أحد إلا ذلّ، فلما صار إلي هشام قضي حوائجه، ثم مضي نحو الكوفة، ونسي هشام أن يسأل الخادم حتي مضي
стр. 4202
لذلك أيام، ثم سأله فأخبره، فألتفت إلي الأبرش، فقال: والله ليأتينّك خلعُه أوّلَ شيء، وكان كما قال (١). [٧/ ١٦٣ - ١٦٥].
رجع الحديث إلي حديث هشام بن محمد الكلبيّ عن أبي مخنف، قال: فجعلت الشيعة تختلف إلي زيد بن عليّ، وتأمره بالخروج، ويقولون: إنا لنرجو أن تكون المنصورَ، وأن يكون هذا الزمان الذي يهلِك فيه بنو أمية. فأقام بالكوفة، فجعل يوسف بن عمر يسأل عنه، فيقال: هو هاهنا، فيبعث إليه أن اشخص، فيقول: نعم؛ ويعتلّ له بالوَجع، فمكث ما شاء الله، ثم سأل أيضًا عنه فقيل له: هو مقيم بالكوفة بعدُ لم يبرح، فبعث إليه، فاستحثّه بالشخوص، فاعتلّ عليه بأشياء يبتاعُها، وأخبره أنه في جهازه، ورأي جدّ يوسف في أمره فتهيَّأ، ثم شخص حتي أتي القادسيّة، وقال بعض الناس: أرسل معه رسولًا حتي بلَّغه العُذَيب، فلحقتْه الشّيعة، فقالوا له: أين تذهب عنّا ومعك مئة ألف رجل من أهل الكوفة، يضربون دونَك بأسيافهم غدًا وليس قبَلك من أهل الشأم إلا عدّة قليلة، لو أن قبيلة من قبائلنا نحو مذحِج أو هَمْدان أو تميم أو بكْر نصبت لهم لكفتكهم بإذن الله تعالي! فننشدك الله لمَّا رجعتَ؛ فلم يزالوا به حتي ردُّوه إلي الكوفة. [٧/ ١٦٦].
وأما أبو عبيدة، فذكِر عنه، أنه قال: صدّق هشامٌ زيدًا ومن كان يوسف قرفه بما قرفه به، ووجَّههم إلي يوسف، وقال: إنهم قد حلفوا لي، وقبلتُ أيمانهم وأبرأتُهم من المال، وإنما وجهتُ بهم إليك لتجمع بينهم وبين خالد فيكذّبُوه، قال: ووصلهم هشام؛ فلما قدموا علي يوسف أنزلهم وأكرمهم، وبعث إلي خالد فأتِيَ به، فقال: قد حلف القوم، وهذا كتاب أمير المؤمنين ببراءتهم، فهل عندك بيّنة بما ادعيت؟ فلم تكن له بيّنة، فقال القوم لخالد: ما دعاك إلي ما صنعت؟ قال: غلّظ عليّ العذاب فادّعيت ما ادعيت، وأمّلْت أن يأتيَ الله بفرج قبل قدومكم، فأطلقهم يوسف، فمضي القرشيَّان: الجمحيّ والمخزوميّ إلي المدينة؛ وتخلّف الهاشميَّان: داود بن عليّ وزيد بن عليّ بالكوفة.
وذكر عن أبي عبيدة، أنه قال: اتّبعوه إلي الثعلبّية وقالوا له: نحن أربعون
стр. 4203
ألفًا، إن رجعت إلي الكوفة لم يتخلّف عنك أحدٌ، وأعطوُه المواثِيق والأيمان المغلَّظة، فجعل يقول: إني أخاف أن تخذلوني وتسلموني كفعلكم بأبي وجدّي. فيحلفون له، فيقول داود بن عليّ: يابن عمّ، إن هؤلاء يغرّونَك من نفسك! أليس قد خذلوا مَن كان أعزّ عليهم منك؛ جدّك عليّ بن أبي طالب حتي قتل! والحسن من بعده بايعوه ثم وثبوا عليه فانتزعوا رداءه من عنقه، وانتهبوا فُسطاطه، وجرَحوه! أوَليس قد أخرجوا جدّك الحسين، وحلَفوا له بأوْكد الأيمان ثم خذلوه وأسلموه، ثم لم يرضْوا بذلك حتي قتلوه! فلا تفعلْ ولا ترجع معهم، فقالوا: إن هذا لا يريد أن تظهر أنتَ، ويزعم أنه وأهل بيته أحقّ بهذا الأمر منكم، فقال: زيد لداود: إن عليًّا كان يقاتله معاوية بدهائه ونكرائه بأهل الشأم، وإنّ الحسين قاتله يزيد بن معاوية والأمر عليهم مقبل؛ فقال له داود: إني لخائف إن رجعتَ معهم ألّا يكون أحد أشدَّ عليك منهم؛ وأنت أعلم، ومضي داود إلي المدينة ورجع زيد إلي الكوفة [٧/ ١٦٧ - ١٦٨].
وذكر عمر عن أبي إسحاق -شيخٌ من أهل أصبهان حدّثه- أن عبد الله بن حسن كتب إلي زيد بن عليّ: يا بن عمّ؛ إن أهلَ الكوفة نُفخ العلانية، خور السريرة، هُوج في الرخاء، جُزُع في اللقاء، تقدمهم ألسنتهم، ولا تشايعهم قلوبُهم، لا يبيتون بعُدّة في الأحداث، ولا ينوؤن بدولة مرجوّة، ولقد تواترت إليّ كتبهم بدعوتهم، فصمّصْت عن ندائهم؛ وألبست قلبي غشاءً عن ذكرهم؛ يأسًا منهم واطراحًا لهم؛ وما لي مَثَل إلا ما قال عليّ بن أبي طالب:
إن أهمِلتم خضتم، وإن حُوربتم خُرْتم، وإن اجتمع الناس علي إمام طعنتم، وإن أجبتم إلي مشاقّة نكصتم. [٧/ ١٦٩].
* * *
ذكر الخبر عن غزوة نصر بن سيّار ما وراء النهر
وفي هذه السنة غزا نصر بن سيار ما وراء النهر مرِّتين، ثم غزا الثالثة، فقتل كورصُول.
ذكر الخبر عن غزواته هذه:
ذكرَ عليّ عن شيوخه: أن نصرًا غزا من بَلْخ ما وراء النهر من ناحية باب
стр. 4204
الحديد؛ ثم قفل إلي مَرْو، فخطب الناس، فقال: ألا إن بهرامسيس كان مانحَ المجوس، يمنحهم ويدفع عنهم، ويحمل أثقالهم علي المسلمين؛ ألا إنّ اشبداد بن جريجور كان مانح النصاري؛ ألا إن عقيبة اليهوديّ كان مانح اليهود يفعل ذلك، ألا إني مانح المسلمين، أمنحهم وأدفع عنهم، وأحمل أثقالهم علي المشركين؛ ألا إنه لا يُقبل مني إلا يُوَفّى الخراج علي ما كتِب ورفع. وقد استعملتُ عليكم منصور بن عمر بن أبي الخَرْقاء، وأمرتُه بالعدل عليكم، فأيما رجل منكم من المسلمين كان يؤخذ منه جزية من رأسه، أو ثُقِّل عليه في خراجه، وخفّف مثل ذلك عن المشركين، فليرفع ذلك إلي المنصور بن عمر، يحوّله عن المسلم إلي المشرك. قال: فما كانت الجمعة الثانية؛ حتي أتاه ثلاثون ألف مُسلِم، كانوا يؤدُّون الجزية عن رؤوسهم وثمانون ألف رجل من المشركين قد ألقيِت عنهم جزيتهم، فحوّل ذلك عليهم، وألقاه عن المسلمين. ثم صنّف الخراج حتي وضعه مواضعه، ثم وظّف الوظيفة التي جَري عليها الصُّلح. قال: فكانت مَرْو يؤخذ منها مئة ألف سوي الخراج أيام بني أميّة، ثم غزا الثانية إلي وَرَغْرَ وسمرقند ثم قفل، ثم غزا الثالثة إلي الشاش من مَرْو، فحال بينه وبين قطوع النهر (نهر الشاش) كورصول في خمسة عشر ألفًا، استأجر كلّ رجل منهم في كلّ شهر بشِقّة حرير؛ الشقّة يومئذ بخمسة وعشرين درهمًا، فكانت بينهم مراماة، فمنع نصرًا من القطوع إلي الشاش، وكان الحارث بن سُريج يومئذ بأرض الترك، فأقبل معهم؛ فكان بإزاء نصر، فرمي نصرًا؛ وهو علي سريره علي شاطيء النهر بِحُسبان (١)، فوقع السهم في شِدْق وصيف لنصر يوضّئه، فتحوّل نصر عن سريره، ورمي فرسًا لرجل من أهل الشأم فنفق، وعبر كورصول في أربعين رجلًا، فبيّت أهل العسكر، وساق شاء لأهل بُخاري، وكانوا في الساقة، وأطاف بالعسكر في ليلة مظلمة؛ ومع نصر أهل بخاري وسمرقند وكِسّ وأشْرُوسنة، وهم عشرون ألفًا، فنادي نصر في الأخماس: ألا لا يخرجنّ أحدٌ من بنائه، واثبتوا علي مواضعكم، فخرج عاصم بن عمير وهو علي جُنْد أهل سَمرقند، حتي مرّت خيل كورصول، وقد كانت الترك صاحتْ صيحة، فظنّ أهلُ العسكر أنّ الترك قد قطِعوا كلُّهم، فلما مرّت خيل كورصول علي ذلك حمل
стр. 4205
علي آخرهم، فأسر رجلًا؛ فإذا هو مَلِك من ملوكهم صاحب أربعة آلاف قبّة، فجاؤوا به إلي نصر، فإذا هو شيخ يسحب درعَه شِبْرًا، وعليه رانا ديباج فيهما حلَقٌ، وقباء فرند مُكفّف بالدّيباج، فقال له نصر: من أنت؟ قال: كورصولي، فقال نصر: الحمد لله الذي أمكن منك يا عدّو الله! قال: فما ترجو من قَتْل شيخ. وأنا أعطيك ألف بعير من إبل الترك، وألف برْذون تقوّي بها جندك، وخلّ سبيلي! فقال نصر لمن حوله من أهل الشأم وأهل خراسان: ما تقولون؟ فقالوا: خلّ سبيله، فسأله عن سنّه، قال: لا أدري، قال: كم غزوت؟ قال: اثنتين وسبعين غزوة، قال: أشهدتَ يوم العَطَش؟ قال: نعم، قال: لو أعطيتني ما طلعتْ عليه الشمس ما أفلتَّ من يدي بعدما ذكرت من مشاهدك. وقال لعاصم بن عمير السغديّ: قم إلي سَلبِه فخذه؛ فلما أيقن بالقتل، قال: مَنْ أسرني؟ قال نصر وهو يضحك: يزيد بن قُرّان الحنظليّ -وأشار إليه- قال: هذا لا يستطيع أن يغسل استَه -أو قال لا يستطيع أن يتمّ بوله- فكيف يأسرني! فأخبِرْني مَنْ أسرني؛ فإني أهلٌ أن أقتَل سبع قتلات، قيل له: عاصم بن عمير، قال: لستُ أجد مسَّ القتل إذ كان الذي أسرني فارسًا من فرسان العرب، فقتله وصلبَه علي شاطيء النهر، قال: وعاصم بن عمير هو الهزارمرد، قتِل بنهاوند أيام قحطبة.
قال: فلما قتِل كورصول تخدّرت الترك وجاؤوا بأبنيتِه فحرقوها، وقطعوا آذانهم، وجرّدوا وجوهَهم، وطفِقوا يبكون عليه؛ فلما أمسى نصر وأراد الرحلة، بعث إلي كورصول بقارورة نِفْط، فصبّها عليه، وأشعل فيه النار لئلا يحملوا عظامه، قال: وكان ذلك أشدّ عليهم من قتله.
وارتفع نصر إلي فَرْغانة، فسبي منها ثلاثين ألف رأس، قال: فقال عنبر بن بُرْعُمَة الأزدي: كتب يوسف بن عمر إلي نصر: سرْ إلي هذا الغارز ذنبه بالشاش -يعني الحارث بن سُريج- فإن أظفرك الله به وبأهل الشاش، فخرّب بلادهم، واسب ذراريّهم؛ وإياك وورْطة المسلمين.
قال: فدعا نصرٌ الناس، فقرأ عليهم الكتاب، وقال: ما ترون؟ فقال يحيي بن حُضَين: امض لأمر أمير المؤمنين وأمر الأمير، فقال نصر: يا يحيي، تكلمتَ لياليَ عاصم بكلمة، فبلغت الخليفة فحظيتَ بها، وزيد في عطائك،
стр. 4206
وفرِض لأهل بيتك، وبلغتَ الدّرجة الرفيعة، فقلتَ: أقول مثلَها، سرْ يا يحيي، فقد ولّيتُك مقدّمتي، فأقبل الناس علي يحيي يلومونه، فقال نصر يومئذ: وأيّ ورطة أشدّ من أن تكون في السفر وهم في القرار! .
قال: فسار إلى الشاش، فأتاه الحارث بن سُريج فنصب عرّادتين (١) تلقاء بني تميم؛ فقيل له: هؤلاء بنو تميم، فنقلهما فنصبهما علي الأزْد -ويقال: علي بكر بن وائل- وأغار عليهم الأخرم، وهو فارس الترك، فقتله المسلمون، وأسروا سبعة من أصحابه، فأمر نصر بن سيار برأس الأخرم، فرمي به في عسكرهم بمنجَنيق، فلما رأوه ضجوا ضجة عظيمة، ثم ارتحلوا منهزمين، ورجع نصر، وأراد أن يعبُر، فحِيل بينه وبين ذلك، فقال أبو نميلة صالح بن الأبَّار:
كنا وأَوْبَةُ نصر عندَ غيبته ... كراقِبِ النَّوْء حتي جاده المطَرُ
أوْدَي بأخرَم منه عارضٌ بَرِدٌ ... مُسْتَرْجِفٌ بمنايا القوم مُنْهَمرُ
وأقبل نصر فنزل سَمَرْقند في السنة التي لقي فيها الحارث بن سريج، فأتاه بخاراخُذاه منصرفًا؛ وكانت المسلحة عليهم، ومعهم دهقانان من دهاقين بُخاري، وكانا أسلما على يدي نصر، وقد أجمعا على الفَتْك بواصل بن عمرو القيسي عامل بُخاري وببخاراخُذاه يتظلّمان من بخاراخذاه، -واسمه طوق شياده- فقال بخاراخذُاه لنصْر: أصلح الله الأمير! قد علمت أنهما قد أسلما على يديك، فما بالهما معلِّقي الخناجر عليهما! فقال لهما نصر. ما بالكما معلِّقي الخناجر وقد أسلمتما! قال: بيننا وبين بخاراخذاه عَدَاوَةٌ فلا نأمنه علي أنفسنا، فأمر نصر هارون بن السياوش مولَي بني سليم -وكان يكون علي الرابطة- فاجتذبهما فقطعهما، ونهض بخاراخذُاه إلي نصر يسارّه في أمرهما، فقالا: نموت كريميْن؛ فشدّ أحدهما علي واصل بن عمرو فطعنه في بطنه بسكين، وضربه واصل بسيفه علي رأسه؛ فأطار قَحْف رأسه فقتله، ومضي الآخر إلي بخاراخُذاه -وأقيمت الصّلاة، وبخاراخُذاه جالس علي كرسيّ- فوثب نصر، فدخل السرادق، وأحضر بخاراخُذاه، فعثر عند باب السرادق فطعَنه، وشدّ عليه
стр. 4207
الجوزجان بن الجوزجان، فضربه بجرُز كان معه فقتله، وحُمل بخاراخُذاه فأدخل سرادق نصر، ودعا له نصر بوسادة فاتّكأ عليها، وأتاه قرعة الطبيب، فجعل يعالجه وأوصي إلي نصر، ومات من ساعته، ودفن واصل في السرادق، وصلي عليه نصر. وأما طوْق شياده فكشطوا عنه لَحمه، وحملوا عظامه إلى بخارى.
قال: وسار نصر إلي الشَّاش، فلا قدم أشروسنَة عَرض دهقانها أباراخرّه مالًا، ثم نفذ إلي الشاش، واستعمل علي فَرْغانة محمد بن خالد الأزديّ، وجّهه إليها في عشرة نفر، وردّ من فَرْغانة أخاجيش فيمن كان معه من دهاقين الخُتَّل وغيرهم، وانصرف منها بتماثيل كثيرة، فنصبها في أشروسنة.
وقال بعضهم: لما أتي نصر الشاش تلقّاه قدر ملكها بالصُّلح والهدّية والرّهن، واشترط عليه إخراجَ الحارث بن سُريج من بلده، فأخرجه إلي فاراب؛ واستعمل علي الشاش نيزك بن صالح مولي عمرو بن العاص، ثم سار حتي نزل قُبَاء من أرض فرغانة، وقد كانوا أحسوا بمجيئه، فأحرقوا الحشِيش وحبسوا الميرة، ووجّه نصر إلي وليّ عهد صاحب فرغانة في بقية سنة إحَدي وعشرين ومئة، فحاصروه في قلعة من قلاعها، فغفل عنهم المسلمون، فخرجوا علي دوابّهم فاستاقوها، وأسروا ناسًا من المسلمين، فوجّه إليهم نصر رجالًا من بني تميم، ومعهم محمد بن المثنى -وكان فارسًا- فكايدهم المسلمون، فأهملوا دوابّهم وكمنوا لهم، فخرجوا فاستاقوا بعضَها، وخرج عليهم المسلمون فهزموهم، وقتلوا الدِّهقان، وأسروا منهم أسراء، وحمل ابن الدهقان المقتول علي ابن المثني، فختله محمد بن المثنّي، وهو غلام أمرد، فأتي به نصرًا فضرب عنقه.
وكان نصر بعث سليمان بن صول إلي صاحب فَرْغانة بكتاب الصلح بينهما، قال سليمان: فقدمتُ عليه فقال لي: مَنْ أنت؟ قلت: شاكريٌّ خليفةُ كاتب الأمير، قال: فقال: أدخلوه الخزائن ليري ما أعددنا، فقيل له: قم، قال: قلت ليس بي مَشْي، قال: قدّموا له دابة يركبها، قال: فدخلت خزائنَه، فقلت في نفسي: يا سليمان، شمِتِ بك إسرايل وبشر بن عُبَيد؛ ليس هذا إلّا لكراهة الصلح، وسأنصرف بخُفَّيْ حُنَيْن. قال: فرجعت إليه، فقال: كيف رأيت
стр. 4208
الطريق فيما بيننا وبينكم؟ قلت: سهلًا كثير الماء والمرعي؛ فكره ما قلت له، فقال: ما علمك؟ فقلت: قد غزوت غُرْشِسْتان وغُور والختل وطَبَرِستان، فكيف لا أعلم! قال: فكيف رأيتَ ما أعددنا؟ قلت: رأيت عُدّة حسنة؛ ولكن أما علمت أن صاحب الحصار لا يسلم من خصال! قال: وما هُنّ؟ قلت: لا يأمن أقربَ الناس إليه وأحبَّهم إليه وأوثقَهم في نفسه أن يثب به يطلب مرتبته، ويتقرّب بذلك، أو يفني ما قد جمع، فيسلم برُمَّته، أو يصيبه داء فيموت فقطّب وكره ما قلت له وقال: انصرف إلي منزلك، فانصرفت فأقمت يومين، وأنا لا أشكّ في تركه الصلح، فدعاني فحملتُ كتاب الصّلح مع غلامي، وقلت له: إن أتاك رسولي يطلب الكتاب فانصرف إلي المنزل، ولا تظهر الكتاب، وقل لي: إني خلفتُ الكتاب في المنزل، فدخلت عليه، فسألني عن الكتاب، فقلت: خلّفتُه في المنزل، فقال: ابعث مَنْ يجيئك به، فقبل الصُّلح، وأحسن جائزتي، وسرّح معي أمّه، وكان صاحبة أمره.
قال: فقدمتُ على نصْر؛ فلما نظر إليّ قال: ما مثلك إلا كما قال الأوّل:
فأرْسِل حكيمًا ولا تُوصِهِ (١)
فأخبرته، فقال: وُفِّقت، وأذن لأمه عليه، وجعل يكلمها والترجمان يعبّر عنها، فدخل تميم بن نصر، فقال للترجمان: قل لها: تعرفين هذا؟ فقالت: لا، فقال: هذا تميم بن نصر، فقالت: والله ما أري له حلاوة الصّغِير، ولا نُبْل الكبير.
قال أبو إسحاق بن ربيعة: قالت لنصر: كل مَلِك لا يكون عنده ستة أشياء فليس بملِك: وزير يباثُّه بكتاب نفسه وما شجر في صدره من الكلام، ويشاوره ويثق بنصيحته، وطباخ إذا لم يشتهِ الطعام اتخذ له ما يشتهي، وزوجة إذا دخل عليها مغتمًّا فَنظر إلي وجهها زال غمّه، وحصن إذا فزع أو جُهد فزع إليه فأنجاه -تعني البرذون- وسيف إذا قارع الأقران لم يخش خيانتَه، وذخيرة إذا حملها فأين وقع بها من الأرض عاش بها.
стр. 4209
ثم دخل تميم بن نصر في الأزفلة (١) وجماعة، فقالت: من هذا؟ قالوا: هذا فتي خراسان، هذا تميم بن نصر، قالت: ماله نُبْل الكبار ولا حلاوة الصغار.
ثم دخل الحجاج بن قتيبة فقالت: مَنْ هذا؟ فقالوا: الحجاج بن قتيبة، قال: فحيّتْه، وسألت عنه؛ وقالت: يا معشر العرب، مالكم وفاء؛ لا يصلح بعضكم لبعض، قتيبة الذي وطّن لكم ما أري، وهذا ابنه تُقعده دونك! فحقك أن تجلسه هذا المجلس وتجلس أنت مجلسَه. [٧/ ١٧٣ - ١٧٨].
ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من أحداث
خبر مقتل زيد بن عليّ
فمن ذلك مقتل زيد بن عليّ.
ذكر الخبر عن ذلك:
ذكرَ هشام عن أبي مخنف، أنّ زيد بن عليّ لما أمرَ أصحابه بالتأهّب للخروج والاستعداد، أخذ مَن كان يريد الوفاء له بالبيعة فيما أمرهم به من ذلك، فانطلق سليمان بن سُراقة البارقيّ إلي يوسف بن عمر، فأخبره خبره، وأعلمه أنه يختلف إلي رجل منهم يقال له عامر، وإلي رجل من بني تميم يقال له طُعْمَة؛ ابن أختٍ لبارق؛ وهو نازل فيهم، فبعث يوسف يطلب زيد بن عليّ في منزلهما فلم يوجد عندهما، وأخِذ الرّجلان، فأتيَ بهما، فلما كلَّمهما استبان له أمرُ زيد وأصحابه، وتخوّف زيد بن عليّ أن يُؤخذ، فتعجّل قبل الأجل الذي جعله بينه وبين أهل الكوفة، قال: وعلي أهل الكوفة يومئذ الحكَم بن الصلْت، وعلي شُرَطه عمرو بن عبد الرحمن، (رجل من القارة)؛ وكانت ثقيف أخواله؛ وكان فيهم ومعه عبيد الله بن العباس الكنديّ، في أناس من أهل الشأم، ويوسف بن عمر بالحيرة، قال: فلما رأي أصحابُ زيد بن عليّ الذين بايعوه أنّ يوسف بن عمر قد
стр. 4210
بلغه أمر زيد، وأنه يدسّ إليه، ويستبحث عن أمره، اجتمعت إليه جماعة من رؤوسهم، فقالوا: رحمَك الله! ما قولك، في أبي بكر وعمر؟ قال زيد: رحمهما الله وغفر لهما، ما سمعتُ أحدًا من أهل بيتي يتبرّأ منهما ولا يقول فيهما إلا خيرًا، قالوا: فلم تطلب إذًا بدم أهل هذا البيت إلّا أن وثبا علي سلطانكم فنزعاه من أيديكم! فقال لهم زيد: إن أشدّ ما أقول فيما ذكرتم أنّا كنا أحقّ بسلطان رسول الله ﷺ من الناس أجمعين، وإنّ القوم استأثروا علينا، ودفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرًا، قد وُلّوا فعَدَلوا في الناس، وعملوا بالكتاب والسنة. قالوا: فلم يظلمك هؤلاء! وإن كان أولئك لم يظلموك، فلمَ تدعو إلي قتال قوم ليسوا لك بظالمين! فقال: وإنّ هؤلاء ليسوا كأولئك؛ إن هؤلاء ظالمون لي ولكم ولأنفسهم؛ وإنما ندعوكم إلي كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وإلي السنن أن تُحيا، وإلي البِدَع أن تُطفأ؛ فإن أنتم أجبتمونا سعِدتم، وإن أنتم أبيتم فلست عليكم بوكيل، ففارقوه ونكثوا بيعتَه، وقالوا: سبق الإمام- وكانوا يزعمون أنّ أبا جعفر محمد بن عليّ أخا زيد بن عليّ هو الإمام -وكان قد هلك يومئذ- وكان ابنه جعفر بن محمد حيًا، فقالوا: جعفر إمامنا اليومَ بعد أبيه؛ وهو أحق بالأمر بعد أبيه؛ ولا نتبَع زيد بن عليّ فليس بإمام. فسمّاهم زيد الرّافضة، فهم اليوم يزعمون أن الذي سماهم الرافضة المغيرة (١) حيث فارقوه، وكانت منهم طائفة قبل خروج زيد مرّوا إلي جعفر بن محمد بن عليّ، فقالوا له: إن زيد بن عليّ فينا يبايع؛ أفتري لنا أن نبايعه؟ فقال لهم: نعم بايعوه، فهو والله أفضلُنا وسيدنا وخيرُنا فجاؤوا، فكتموا ما أمرهم به.
قال: واستتبّ لزيد بن عليّ خروجه، فواعد أصحابه ليلة الأربعاء أول ليلة من صفر سنة اثنتين وعشرين ومئة.
وبلغ يوسفَ بن عمر أنّ زيدًا قد أزمع علي الخروج، فبعث إلي الحكَم بن الصلت، فأمره أن يجمع أهل الكوفة في المسجد الأعظم يحصرُهم فيه، فبعث الحكم إلي العُرَفاء والشُّرط والمناكب (٢) والمقاتلة، فأدخلهم المسجد، ثم نادي مناديه: ألا إنّ الأمير يقول: مَنْ أدركناه في رحلة فقد برئت منه الذّمّة؛ ادخلوا
стр. 4211
المسجد الأعظم، فأتي الناس المسجد يوم الثلاثاء قبل خروج زيد بيوم، وطلبوا زيدًا في دار معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري، فخرج ليلًا، وذلك ليلة الأربعاء، في ليلة شديدة البرد، من دار معاوية بن إسحاق، فرفعوا الهراديّ (١) فيها النيران ونادوا: يا منصور أمتْ، أمتْ يا منصور، فكلما أكلت النار هُرْديًّا رفعوا آخر، فما زالوا كذلك حتي طلع الفجر؛ فلما أصبحوا بعث زيد بن عليّ القاسم التِّنْعيّ ثم الحضرميّ ورجلًا آخر من أصحابه، يناديان بشعارهما، فلما كانوا في صحراء عبد القيس لقيهم جعفر بن العباس الكنِديّ، فشدُّوا عليه وعلي أصحابه، فقتِل الرجل الذي كان مع القاسم التِّنعيّ، وارتُثّ القاسم، فأتِيَ به الحكم، فكلمه فلم يردّ عليه شيئًا، فأمر به فضربتْ عُنُقه على باب القصر؛ فكان أوّل مَنْ قتِل من أصحاب زيد بن عليّ هو وصاحبه، وأمر الحكم بن الصلت بدروب (٢) السوق فغلقت، وغلقت أبواب المسجد علي أهل الكوفة، وعلى أرباع الكوفة يومئذ؛ على رُبْع أهل المدينة إبراهيم بن عبد الله بن جرير البجليّ، وعلى مَذْحج وأسد عمرو بن أبي بذْل العبديّ، وعلى كِنْدة وربيعة المنذر بن محمد بن أشدث بن قيس الكنديّ، وعلى تميم همْدان محمد بن مالك الهمْدانيّ ثم الخَيْوانيّ.
قال: وبعث الحكم بن الصّلت إلى يوسف بن عمر، فأخبره الخبر، فأمر يوسف مناديه فنادي في أهل الشأم: مَنْ يأتي الكوفة فيقترب من هؤلاء القوم فيأتيني بخبَرهم؟ فقال جعفر بن العباس الكنديّ: أنا، فركب في خمسين فارسًا، ثم أقبل حتي انتهي إلي جبّانة سالم السَّلوليّ، فاستخبرهم، ثم رجع إلي يوسف بن عمر فأخبره، فلما أصبح خرج إلي تلّ قريب من الحيرة، فنزل عليه ومعه قريش وأشراف الناس؛ وعلي شُرْطته يومئذ العباس بن سعيد المُزَنيّ، فبعث الرّيان بن سلَمة الإراشيّ في ألفين ومعه ثلثمئة من القِيقانيّة رُجّالًا معهم النُّشاب.
وأصبح زيد بن عليّ، فكان جميعُ مَنْ وافاه تلك الليلة مئتي رجل وثمانية
стр. 4212
عشر رجلًا، فقال زيد: سبحان الله! أين الناس! فقيل له: هم في المسجد الأعظم محصورون، فقال: لا والله ما هذا لمن بايَعنا بعذر، وسمع نصر بن خزيمة النداء، فأقبل إليه، فلقي عمر بن عبد الرحمن صاحب شرطة الحكم بن الصّلت في خيله من جُهينة عند دار الزّبير بن أبي حكمة في الطريق الذي يخرج إلي مسجد بني عدّي، فقال نصر بن خزيمة، يا منصور أمتْ؛ فلم يردّ عليه شيئًا، فشدّ عليه نصر وأصحابه، فقتل عمر بن عبد الرحمن، وانهزم مَن كان معه، وأقبل زيد بن عليّ من جبّانة سالم حتي انتهي إلي جبّانة الصائديّين، وبها خمسمئة من أهل الشأم، فحمل عليهم زيد بن عليّ فيمن معه فهزمهم، وكان تحت زيد بن عليّ يومئذ بِرْذَوْن أدْهَم بهيم؛ اشتراه رجل من بني نَهْد بن كهمس بن مروان النجّاريّ بخمسة وعشرين دينارًا، فلما قتِل زيد بعد ذلك أخذه الحكم بن الصّلت.
قال: وانتهي زيد بن عليّ إلي باب دار رجل من الأزْد، يقال له أنس بن عمرو -وكان فيمن بايعه- فنودي وهو في الدار فجعل يجيب، فناداه زيد يا أنَس: اخرج إليّ رحمك الله، فقد جاء الحق وزهقالباطل، إن الباطل كان زهوقًا، فلم يخرج إليه، فقال زيد: ما أخلفكم! قد فعلتموها، الله حسيبكم!
قال: ثم إنّ زيدًا مضي حتي انتهي الكُناسة، فحمل علي جماعة بها من أهل الشأم فهزمهم؛ ثم خرج حتي ظهر إلي الجبّانة ويوسف بن عمر علي التلّ ينظر إليه هو وأصحابه، وبين يديه حِزام بن مرة المزنيّ وزمزم بن سُلَيم الثعلبيّ؛ وهما علي المجفّفة، ومعه نحو من مئتي رجل؛ والله لو أقبل علي يوسف لقتله، والريّان بن سلَمة يتْبع أثر زيد بن عليّ بالكوفة في أهل الشأم.
ثم إن زيدًا أخذ ذات اليمين علي مصلّي خالد بن عبد الله حتي دخل الكوفة، وكانت فرقة من أصحاب زيد بن عليّ حيث وجّه إلي الكُناسة قد انشعبتْ نحو جبّانة مِخْنف بن سُلَيم، ثم قال بعضهم لبعض: ألا ننطلق نحو جَبانةِ كنْدة! قال: فما زاد الرّجل علي أن تكلم بهذا الكلام. وطلع أهلُ الشأم؛ فلما رأوهم دخلوا زُقاقًا فمضَوْا فيه، وتخلّف رجل منهم، فدخل المسجد فصلي فيه ركعتين، ثم خرج إليهم فقاتلهم ساعة، ثم إنهم صرَعُوه، فجعلوا يضربونه بأسيافهم؛ فنادي رجل منهم مقنَّع بالحديد: أن اكشفوا المِغفر ثم اضربوا رأسه بعمود حديد؛ ففعلوا؛ وقتِل وحمل أصحابه عليهم فكشفوهم عنه وقد قتل، وانصرف أهل
стр. 4213
الشأم؛ وقد اقتطعوا رجلًا، ونجا سائرهم، فذهب ذلك الرّجل حتي دخل دار عبد الله بن عَوْف، فدخل أهل الشأم عليه فأسروه، فذهب به إلي يوسف بن عمر فقتله.
قال: وأقبل زيد بن عليّ، وقد رأي خِذلان الناس إيّاه، فقال: يا نصر بن خزيمة، أتخاف أن يكون قد جعلوها حسينيّة! فقال له: جعلني الله لك الفداء! أما أنا فوالله لأضربنّ معك بسيفي هذا حتي أموت؛ فكان قتاله يومئذ بالكوفة. ثم إن نصر بن خزيمة قال لزيد بن عليّ: جعلني الله لك الفداء! إنّ الناس في المسجد الأعظم محصورون، فامض بنا نحوهم، فخرج بهم زيد نحو المسجد، فمرّ على دار خالد بن عَرْفطة، وبلغ عبيدَ الله بن العباس الكنديّ إقبالُه، فخرج في أهل الشأم، وأقبل زيد فالتقوْا علي باب عمر بن سعد بن أبي وقّاص، فكعّ (١) صاحب لواء عبيد الله -وكان لواؤه مع سلمان مولاه- فلما أراد عبيد الله الحملة ورآه قد كعّ عنه، قال: احمل يا بن الخبيثة! فحمل عليهم، فلم ينصرف حتي خُضِّب لواؤه بالدّم.
ثم إن عبيد الله برز فخرج إليه واصل الحنّاط، فاضطربا بسيفهما، فقال للأحول: خذها منّي وأنا الغلام الحنّاط! وقال الآخر: قطع الله يدي إن كِلْتَ بقفيزٍ أبدًا. ثم ضربه فلم يصنع شيئًا، وانهزم عبيد الله بن العباس وأصحابُه، حتي انتهوْا إلي دار عمرو بن حُرَيث، وجاء زيد وأصحابه حتى انتهوْا إلى باب الفيل، فجعل أصحابُ زيد يُدخلون راياتِهم من فوق الأبواب، ويقولون: يا أهلَ المسجد، اخرجوا، وجعل نصر بن خُزَيمة يناديهم، ويقول: يا أهل الكوفة، اخرجوا من الذلّ إلى العزّ، اخرجوا إلى الدين والدنيا؛ فإنكم لستم في دين ولا دنيا، فأشرف عليهم أهلُ الشام، فجعلوا يرمُونهم بالحجارة من فوق المسجد -وكان يومئذ جمع كبير بالكوفة في نواحيها، وقيل في جبّانة سالم- وانصرف الريّان بن سلَمة إلى الحيرة عند المساء، وانصرف زيد بن عليّ فيمن معه، وخرج إليه ناس من أهل الكوفة، فنزل دار الرزق، فأتاه الريّان بن سلمة، فقاتله عند دار الرزق قتالًا شديدًا، فجرح من أهل الشأم وقتِل منهم ناس كثير،
стр. 4214
وتبعهم أصحاب زيد من دار الرّزق؛ حتى انتهوْا إلى المسجد؛ فرجع أهلُ الشأم مساء يوم الأربعاء أسوأ شيء ظنًّا؛ فلما كان من الغد غداة يوم الخميس، دعا يوسف بن عمر الريّان بن سَلمة، فلم يوجَد حاضرًا تلك الساعة.
وقال بعضُهم: بل أتاه وليس عليه سلاحه فأفَّفَ به، وقال له: أفٍّ لك من صاحب خيل! اجلس، فدعا العباس بن سعيد المُزنيّ صاحب شرطته، فبعثه في أهل الشأم، فسار حتى انتهى إلى زيد بن عليّ في دار الرزق، وثَمّ خشب للتجار كثير، فالطريق متضايق، وخرج زيد في أصحابه، وعلى مجنَّبتيه نصر بن خزيمة العبسيّ ومعاوية بن إسحاق الأنصاريّ، فلما رآهم العباس -ولم يكن معه رجال- نادي: يا أهلَ الشأم، الأرضَ والأرضَ! فنزل ناسٌ كثير ممن معه، فاقتتلوا قتالًا شديدًا في المعركة، وقد كان رجل من أهل الشأم من بني عَبْس يقال له نائل بن فَرْوة قال ليوسف بن عمر: والله لئن أنا ملأتُ عيني من نصر بن خزيمة لأقتلنّه أو ليقتلنّي، فقال له يوسف: خذ هذا السيف، فدفع إليه سيفًا لا يمرّ بشيء إلا قطعه، فلما التقي أصحاب العباس بن سعيد وأصحاب زيد واقتتلوا، بصُر نائل بن فروة بنصر بن خزيمة، فأقبل نحوه، فضرب نصرًا فقطع فَخِذه، وضربه نصر ضربةً فقتله؛ فلم يلبث نصر أن مات، واقتتلوا قتالًا شديدًا.
ثم إن زيد بن عليّ هزمهم وقتل من أهل الشأم نحوًا من سبعين رجلًا، فانصرفوا وهم بشرّ حال، وقد كان العباس بن سعيد نادي في أصحابه أن اركبوا؛ فإن الخيل لا تطيق الرجال في المضِيق فركبوا، فلما كان العشيّ عبّأهم يوسف بن عمر ثم سرّحهم، فأقبلوا حتى التقوْا هم وأصحاب زيد، فحمل عليهم زيد في أصحابه فكشفهم، ثم تبعهم حتى أخرجهم إلي السَّبَخة، ثم شدّ عليهم بالسبَخة حتى أخرجهم إلي بني سُليم، ثم تبعهم في خيله ورجاله: حتى أخذوا علي المسنّاة (١).
ثم إنّ زيدًا ظهر لهم فيما بين بارق ورُؤَاس، فقاتلهم هنالك قتالًا شديدًا.
وصاحب لوائه يومئذ رجل يقال له عبد الصمد بن أبي مالك بن مسروح، من بني سعد بن زيد، حليف العباس بن عبد المطلب، وكان مسروح السعديّ تزوّج
стр. 4215
صفية بنت العباس بن عبد المطلب، فجعلت خيلُهم لا تثبُت لخيله ورجله، فبعث العباس إلي يوسف بن عمر يعلمه ذلك، فقال له: ابعث إليّ الناشبة، فبعث إليهم سليمان بن كيسان الكلبيّ في القِيقانيّة والبُخاريّة؛ وهم ناشبة، فجعلوا يرمون زيدًا وأصحابه، وكان زيد حريصًا على أن يصرفهم حين انتهوا إلى السَّبَخة، فأبوْا عليه، فقاتل معاوية بن إسحاق الأنصاريّ بين يدي زيد بن عليّ قتالًا شديدًا، فقتل بين يديه، وثبت زيد بن عليّ ومَنْ معه حتى إذا جنح الليل رُمِيَ بسهم فأصاب جانب جَبهته اليسري، فتشبّث في الدّماغ، فرجع ورجع أصحابه؛ ولا يظنُّ أهلُ الشأم أنهم رجعوا إلا للمساء والليل.
قال: فحدّثني سلمة بن ثابت الليثيّ -وكان مع زيد بن عليّ، وكان آخر من انصرف من الناس يومئذ، هو وغلام لمعاوية بن إسحاق- قال: أقبلتُ أنا وصاحبي نقصُّ أثر زيد بن عليّ، فنجدهُ قد أنزل؛ وأدخل بيت حَرّان بن كريمة (مولى لبعض العرب في سكّة البريد في دُور أرْحَب وشاكر). قال سلمة بن ثابت: فدخلت عليه، فقلت له: جعلني الله فداك أبا الحسين! وانطلق أصحابهُ فجاؤوا بطبيب يقال له شُقَير (مولىً لبني رُؤاس) فانتزع النَّصل من جبهته، وأنا أنظر إليه، فوالله ما عدا أن انتزعه جعل يصيح، ثم لم يلبث أن قضى؛ فقال القوم: أين ندفُنه، وأين نواريه؟ فقال بعض أصحابه: نلبّسه درعَه ونطرحُه في الماء، وقال بعضهم: بل نحتزّ رأسَه ونضعه بين القتلى، فقال ابنه يحيى: لا والله لا تأكل لحم أبي الكلاب. وقال بعضهم: لا بل نحمله إلى العباسيّة فندفنه.
قال سلمة: فأشرتُ عليهم أن ننطلق به إلي الحُفْرة التي يؤخذ منها الطين فندفنه فيها، فقبلوا رأي وانطلقنا، وحفرنا له بين حُفْرتَين، وفيه حينئذ ماء كثير؛ حتى إذا نحن أمكنّا له دفناه، وأجرينا عليه الماء، وكان معنا عبد له سنديٌّ، قال: ثم انصرفنا حتى نأتي جبّانة السبجع، ومعنا ابنه، فلم نزل بها، وتصدّع الناس عنا، وبقيت في رهط معه لا يكونون عشرة، فقلت له: أين تريد؟ هذا الصبح قد غشيك -ومعه أبو الصّبَّار العبديّ- قال: فقال: النّهرين، فظننتُ أنه يريد أن يتشطّط الفرات ويقاتلهم- فقلتُ له: لا تبرح مكانَك، تقاتلهم حتى تُقتل، أو يقضي الله ما هو قاض. فقال لي: أنا أريد نهرَيْ كربلاء.
فقلت له: فالنّجاء قبل الصبح، فخرج من الكوفة، وأنا معه وأبو الصبّار
стр. 4216
ورهط معنا، فلمّا خرجنا من الكوفة سمعنا أذان المؤذّنين، فصلينا الغَداة بالنُّخيلة، ثم توجَّهنا سراعًا قِبَل نِينَوَي، فقال لي: إني أريد سابقًا مولي بشر بن عبد الملك بن بِشْر، فأسرع السير، وكنتُ إذا لقيت القوم أستطعمهم فأطعَمُ الأرغفة فأطعِمها إياه، فيأكل ونأكل معه، فانتهينا إلي نِينَوَي وقد أظلمنا، فأتينا منزل سابق، فدعوتُ علي الباب، فخرج إلينا فقلت له: أما أنا فآتي الفيّوم، فأكون به؛ فإذا بدا لك أن ترسل إليّ فأرسل، قال: ثم إني مضيت وخلّفته عند سابق؛ فذلك آخر عهدي به.
قال: ثم إن يوسف بن عمر بعث أهل الشأم يطلبون الجرحَي في دور أهل الكوفة، فكانوا يخرجون النساء إلي صحن الدار، ويطوفون البيت يلتمسون الجرحَي.
قال: ثم دلّ غلام زيد بن علي السنديُّ يوم الجمعة علي زيد، فبعث الحكم بن الصَّلت العباسَ بن سعيد المزنيّ وابن الحكم بن الصَّلت، فانطلقا فاستخرجاه، فكرِه العباس أن يغلب عليه ابن الحكم بن الصّلت، فتركه وسرّح بشيرًا إلى يوسف بن عمر غداة يوم الجمعة برأس زيد بن عليّ مع الحجاج بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبي عَقيل، فقال أبو الجُويرية مولي جُهَينة:
قُلْ للذينَ انتهكوا المحارمْ ... ورفعوا الشَّمْعَ بصَحْرا مالِمْ
كيف وَجَدْتُمْ وقعةَ الأَكارمْ ... يا يوسفَ بنَ الحكمِ بن القاسم!
قال: ولما أتي يوسفَ بن عمر البشيرُ، أمر يزيد فصلب بالكُناسة، هو ونصر بن خُزيمة ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاريّ وزياد النهديّ؛ وكان يوسف قد نادي: مَن جاء برأسٍ فله خمسمئة درهم، فجاء محمد بن عبّاد برأس نصر بن خُزيمة، فأمر له يوسف بن عمر بألف درهم، وجاء الأحول مولي الأشعريّين برأس معاوية بن إسحاق؛ فقال: أنت قتلتَه؟ فقال: أصلح الله الأمير! ليس أنا قتلته؛ ولكني رأيتُه فعرفته، فقال: أعطوه سبعمئة درهم، ولم يمنعه أن يتمّ له ألفًا، إلّا أنه زَعم أنه لم يقتله.
وقد قيل: إنّ يوسف بن عمر لم يعلم بأمر زيد ورجوعه من الطريق إلي الكوفة بعدما شخص إلّا بإعلام هشام بن عبد الملك إياه. وذلك أن رجلًا من بني أمية كتب -فيما ذكر- إلى هشام، يذكر له أمر زيدٍ، فكتب هشام إلى يوسف يشتمه ويجهّله، ويقول: إنك لغافل، وزيد غارز ذَنبه بالكوفة يبايَع له فألححْ في
стр. 4217
طلبه، فأعطِه الأمان فإن لم يقبل فقاتله، فكتب يوسف إلي الحَكم بن الصّلت من آل أبي عَقيل وهو خليفته علي الكوفة بطلبه، فطلبه فخفيَ عليه موضعَهُ، فدسّ يوسف مملوكًا خُراسانيًّا ألكَن، وأعطاه خمسة آلاف درهم، وأميره أن يلطف لبعض الشّيعة فيخبره أنه قد قدم من خُراسان حبًّا لأهل البيت، وأنّ معه مالًا يريد أن يقوّيَهم به؛ فلم يزل المملوك يلقَي الشيعة، ويخبرهم عن المال الذي معه حتى أدخلوه علي زيد، فخرج فدَلّ يوسف علي موضعه، فوجّه يوسف إليه الخيل، فنادي أصحابه بشعارهم، فلم يجتمع إليه منهم إلا ثلثمئة أو أقلّ، فجعل يقول: كان داود بن عليّ أعلم بكم؛ قد حذّرني خِذلانكم فلم أحذر! .
وقيل: إنّ الذي دَلّ علي موضع زيد الذي كان دُفن فيه -وكان دفن في نهر يعقوب فيما قيل، وكان أصحابُه قد سَكروا (١) النهر ثم حفروا له في بطنه، فدفنوه في ثيابه، ثم أجْروا عليه الماء- عَبْدٌ قصَّار كان به، فاستجعل جُعلًا علي أن يدلَّهم علي موضعه، ثم دلّهم، فاستخرجوه، فقطعوا رأسَه، وصلبوا جسده، ثم أمروا بحراسته لئلا يُنزل، فمكث يُحرَس زمانًا.
وقيل إنه كان فيمن يحرُسه زهير بن معاوية أبو خيثمة، وبُعث برأسه إلي هشام فأمر به فنصِب علي باب مدينة دمشق، ثم أرسِل به إلي المدينة، ومكث البَدَن مصلوبًا حتى مات هشام، ثم أمر به الوليد فأنزِل وأحرق، وقيل: إن حكيم بن شريك كان هو الذي سعي بزيد إلي يوسف.
فأما أبو عبيدة معمر بن المثني فإنه قال في أمر يحيي بن زيد: لما قُتِل زيد عَمد رجلٌ من بني أسد إلي يحيي بن زيد، فقالي له: قد قتِل أبوك، وأهلُ خراسان لكم شيعةٌ، فالرأي أن تخرج إليها. قال: وكيف لي بذلك؟ قال: تتواري حتى يكفّ عنك الطلب ثم تَخرج، فواراه عنده ليلة، ثم خاف فأتي عبد الملك بن بشر بن مَرْوان، فقال له: إن قَرابة زيد بك قريبة، وحقّه عليك واجب، قال له: أجَل؛ ولقد كان العفو عنه أقربَ إلي التقوي، قال: فقد قتل وهذا ابنه غلامًا حَدَثًا لا ذنب له؛ وإن علم يوسف بن عمر بمكانه قتله، فتُجيره وتواريه عندك، قال: نعم وكرامة، فأتاه به فواراه عنده، فبلغ الخبر يوسف، فأرسل إلي عبد الملك:
стр. 4218
قد بلَغني مكان هذا الغلام عندك، وأعطي الله عهدًا لئن لم تأتني به لأكتبنّ فيك إلي أمير المؤمنين، فقال له عبد الملك: أتاك الباطل والزور؛ أنا أواري مَنْ ينازعني سلطاني ويدّعي فيه أكثر من حقي! ما كنت أخشاك علي قبول مثل هذا عليّ ولا الاستماع من صاحبه، فقال: صدق والله ابن بِشْر؛ ما كان ليواري مثل هذا، ولا يستر عليه؛ فكفّ عن طلبه؛ فلما سكن الطلبُ خرج يحيي في نفر من الزيدّية إلي خُراسان (١).
وخطب يوسف بعد قتل زيد بالكوفة فقال:
يا أهل الكوفة، إن يحيَي بن زيد يتنقّل في حِجال نسائكم كما كان يفعل أبوه؛ والله لو أبدي لي صفحته لعرقتُ خصيَيه كما عرقت خصيَي أبيه.
وذكر عن رجل من الأنصار قال: لما جيء برأس زيد فصُلب بالمدينة في سنة ثلاث وعشرين مئة، أقبل شاعر من شعراء الأنصار فقام بحياله، فقال:
ألا يا ناقِضَ الميثا ... قِ أَبشرْ بالذي ساكا
نقَضتَ العهْدَ والميثا ... قَ قِدْمًا كان قدْماكا
لقد أخلَفَ إِبليس الّـ ... ـذي قد كان مَنّاكا
قال: فقيل له: ويلك! أتقول هذا لمثل زيد! فقال: إن الأمير غضبان فأردتُ أن أرضيَه، فردَّ عليه بعض شعرائهم:
ألا يا شاعرَ السوْءِ ... لقد أَصْبَحْت أفَّاكا
أَشَتْمُ ابنِ رسول اللـ ... ـه يُرْضِي مَنْ تَوَلاكا
ألَا صَبّحَكَ اللهُ ... بخِزيٍ ثم مَسّاكا
ويوم الحشر لا شكَّ ... بأَن النَّارَ مثواكا
وقيل: كان خِراش بن حَوْشب بن يزيد الشيباني علي شُرَط يوسف بن عمر؛ فهو الذي نَبَشَ زيدًا، وصلَبه، فقال السيّد:
بتّ ليلي مُسهدَا ... ساهِرَ الطَّرفِ مُقصَدا
ولقد قلتُ قولةً ... وأطَلتُ التَّبلّدا
стр. 4219
لَعَن اللهُ حَوْشَبًا ... وخِراشًا ومزْيَدا
ويزيدًا فإِنه ... كان أعْتَى وأعْندا
ألفَ ألف وألفَ أَلـ ... ـفٍ من اللعْن سَرمدا
إنهم حاربوا الإِلـ ... ـه وآذوْا محمدا
شركوا في دَمِ المطـ ... ـهَّرِ زيد تعَنُّدا
ثم عالوه فوق جِذْ ... عٍ صريعًا مُجَرَّدا
يا خِراشَ بنَ حوشَبٍ ... أنت أشقَى الورَى غدَا
قال أبو مخنف: ولما قتل يوسف زيدَ بن عليٍّ أقبل حتى دخل الكوفة فصعِد المنبر، فقال:
يا أهلَ المدَرة الخبيثة، إني والله ما تقرَن بي الضَّعْبَة، ولا يقعقَع لي بالشّنان، ولا أخَوّف بالذنب، هيهات! حُبِيت بالساعد الأشدّ، أبشروا يا أهلَ الكوفة بالصَّغار والهوان، لا عطاء لكم عندنا ولا رزق؛ ولقد هممت أن أخرب بلادكم ودوركم، وأحرمكم أموالكم، أمَا والله ما علوت منبري إلا أسمعتُكم ما تكرهون عليه، فإنكم أهلُ بغي وخلاف، ما منكم إلا مَن حارب الله ورسوله؛ إلا حكيم بن شريك المحاربيّ؛ ولقد سألت أميرَ المؤمنين أن يأذن لي فيكم؛ ولو أذن لقتلتُ مقاتلتكم، وسبيت ذراريّكم (١). [٧/ ١٨٠ - ١٩١].
وفيها ولد الفضل بن صالح ومحمد بن إبراهيم بن محمد بن عليّ.
وفيها وجّه يوسف بن عمر بن شُبرمة علي سِجِسْتان، فاستقضي ابنَ أبي ليلي [٧/ ١٩١].
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
[ذكر خبر صلح نصر بن سيار مع السُّغْد]
فمن ذلك ما جرَى بين أهل السُّغد ونَصْر بن سيار من الصّلح.
стр. 4220
* ذكر الخبر عن ذلك وسببه:
ذكر عليّ بن محمد، عن شيوخه، أن خاقان لما قُتل في ولاية أسد، تفرَّقت الترك في غارة بعضها على بعض؛ فطمع أهل السُّغد في الرَّجْعة إليها، وانحاز قوم منهم إلى الشاش، فلما ولي نصر بن سيار أرسل إليهم يدعوهم إلى الفيئة والمراجعة إلى بلادهم، وأعطاهم كلّ ما أرادوا.
قال: وكانوا سألوا شُروطًا أنكرها أمراء خُراسان؛ منها: ألّا يعاقب مَن كان مسلمًا وارتدّ عن الإسلام، ولا يعدّى عليهم في دَين لأحد من الناس، ولا يؤخذون بقَبالة عليهم في بيت المال، ولا يؤخذ أسراء المسلمين من أيديهم إلا بقضيّة قاض وشهادة العدول؛ فعاب الناس ذلك على نصر، وكلّموه فقال: أما والله لو عاينتم شَوْكتهم في المسلمين ونِكايتهم مثل الذي عاينت ما أنكرتم ذلك! فأرسل رسولًا إلى هشام في ذلك؛ فلما قدم الرّسول أبى أن ينفذ ذلك لنصر، فقال الرسول: جَرّبت يا أمير المؤمنين حرْبنا وصُلْحنا، فاختر لنفسك، فغضب هشام، فقال الأبرش الكلبيّ: يا أمير المؤمنين، تألّف القوم واحمل لهم؛ فقد عرفْتَ نكايتهم كانت في المسلمين، فأنفذ هشام ما سأل (١).
وفي هذه السنة أوفد يوسفُ بن عمر الحَكَم بن الصّلت إلى هشام بن عبد الملك، يسأله ضمّ خراسان إليه وعَزْل نصر بن سيّار.
* ذكر الخبر عن سبب ذلك وما كان من الأمر فيه:
ذكر عليّ عن شيوخه، قال: لما طالت ولاية نَصْر بن سيار، ودانت له خُراسان، كتب يوسف بن عمر إلى هشام حسدًا له: إن خُراسان دَبَرةٌ دبِرةٌ (٢)، فإن رأى أمير المؤمنين أن يضمَّها إلي العراق فأسرّح إليها الحكَم بن الصلت؛ فإنه كان مع الجُنيد، ووليَ جسيم أعمالها، فأعمر بلاد أمير المؤمنين بالحكم. وأنا باعث بالحكم بن الصَّلْتِ إلي أمير المؤمنين، فإنه أديب أريب، ونصيحته لأمير المؤمنين مثل نصيحتنا ومودّتنا أهلَ البيت.
стр. 4221
فلما أتى هشامًا كتابُه بعث إلى دار الضيافة، فوجد فيها مقاتل بن عليّ السُّغديّ، فأتوْه به، فقال: أمِن خراسان أنت؟ قال: نعم، وأنا صاحب الترك -قال: وكان قدم علي هشام بخمسين ومئة من الترك- فقال: أتعرف الحكم بن الصلت؟ قال: نعم، قال: فما وليَ بخراسان؟ قال: وليَ قرية يقال لها الفارَياب، خراجها سبعون ألفًا، فأسِره الحارث بن سُريج، قال: ويحك! وكيف أفلتَ منه! قال: عرك أذنه، وقفده (١)، وخلّي سبيله، قال: فقدم عليه الحكم بعدُ بخراج العراق، فرأي له جمالًا وبيانًا، فكتب إلى يوسف، إنّ الحكمَ قدم وهو على ما وصفت، وفيما قبَلك له سعةٌ، وخلِّ الكنانيّ وعمله.
* * *
وفي هذه السنة غزا نصر فرغانة غزوتَه الثانية، وأوفد مغراء بن أحمر إلى العراق، فوقع فيه عند هشام.
* ذكر الخبر عن ذلك وما كان من هشام ويوسف بن عمر فيه:
ذكر أن نصرًا وجّه مَغْراءَ بن أحمر إلى العراق وافدًا، منصرفَه من غَزْوتِه الثانية فَرْغانة، فقال له يوسف بن عمر: يا بن أحمر؛ يغلبكم ابن الأقطع يا معشر قيس على سلطانكم! فقال: قد كان ذلك أصلح الله الأمير! قال: فإذا قدمتَ على أمير المؤمنين فابقر بطنه، فقدموا على هشام، فسألهم عن أمر خُراسان، فتكلّم مغراء، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر يوسف بن عمر بخير، فقال: ويحك! أخبرني عن خراسان، قال: ليس لك جند يا أمير المؤمنين أحدّ ولا أنجد منهم، من سُواذق (٢) في السماء، وفرسان مثل الفيلة؛ وعُدّة وعَدد من قوم ليس لهم قائد، قال: ويحك! فما فعل الكنانيّ؟ قال: لا يعرف ولَده من الكبَر، فردّ عليه مقالته، وبعث إلى دار الضيافة، فأتِيَ بشُبَيل بن عبد الرحمن المازنيّ، فقال له هشام: أخبرني عن نَصْر: قال: ليس بالشيخ يُخشي خَرَفه، ولا الشابّ يُخشي سفهُه، المجرِّب المجرَّب، قد ولي عامَّة ثغور خراسان وحروبها قبل ولايته، فكتب إلى يوسف بذلك، فوضع يوسف الأرصاد، فلما انتهوا إلى الموْصِل
стр. 4222
تركوا طريق البَريد، وتكأدَّوا حتى قدموا بيْهق- وقد كُتِب إلى نصر بقول شُبَيل - وكان إبراهيم بن بسام في الوفْد، فمكر به يوسف، ونعَى له نصرًا، وأخبره أنه قد ولّى الحكم بن الصّلت بن أبي عقيل خُراسان. فقسم له إبراهيم أمر خُراسان كله؛ حتى قدم عليه إبراهيم بن زياد رسول نصر؛ فعرف أنّ يوسف قد مكَر به وقال: أهلكني يوسف.
وقيل: إن نصرًا أوفد مغراء، وأوفد معه حَمَلة بن نعيم الكلبيّ، فلما قدموا على يوسف، أطمع يوسف مغراء، إن هو تنقّص نصرًا عند هشام أن يوليَه السند، فلما قدما عليه ذكر مَغْراء بأس نصر ونجدته ورأيه، وأطنب في ذلك، ثم قال: لو كان الله متّعنا منه ببقيّة! فاستوى هشام جالسًا، ثم قال: ببقيّة ماذا؟ قال: لا يَعْرِف الرّجل إلا بِجِرْمه، ولا يفهم عنه حتى يُدني منه، وما يكاد يُفهم صوته من الضّعف لأجل كِبَره، فقام حَمَلة الكلبيّ، فغال: يا أميرَ المؤمنين، كذب والله، ما هو كما قال: هو هو. فقال هشام: إن نصرًا ليس كما وصف، وهذا أمر يوسف بن عمر حسدٌ لنصر؛ وقد كان يوسف كتب إلى هشام يذكر كِبَر نصر وضعفه، ويذكر له سَلْم بن قتيبة، فكتب إليه هشام: الْهُ عن ذكر الكنانيّ، فلما قدم مغراء علي يوسف، قال له: قد علمتَ بلاء نصر عندي، وقد صنعتُ به ما قد علمتَ، فليس لي في صحبته خير، ولا لي بخراسان مقام؛ فأمره بالمقام، وكتب إلى نصر: إني قد حوّلت اسمَه، فأشخص إليّ مَن قِبَلك من أهله.
وقيل: إنّ يوسف لما أمر مغراء بعيب نَصْر، قال: كيف أعيبه مع بلائه وآثاره الجميلة عندي وعند قومي! فلم يزل به، فقال: فبِمَ أعيبه؟ أعيب تجربته أم طاعته؟ أم يُمْن نقيبته أم سياسته؟ قال: عِبْه بالكِبَر، فلما دخل علي هشام تكلم مغراء، فذكر نصرًا بأحسن ما يكون، ثم قال في آخر كلامه: لولا ... ، فاستوى هشام جالسًا، فقال: ما لولا! قال: لولا أنّ الدهر قد غلب عليه، قال: ما بلغ به ويحك الدهرُ! قال: ما يعرِف الرّجل إلا من قريب، ولا يعرفه إلا بصوته، وقد ضعُف عن الغَزْو والرّكُوب، فشقّ ذلك على هشام، فتكلّم حَمَلة بن نُعيم، فلما بلغ نصرًا قول مغْراء بعث هارون بن السياوش إلى الحكم بن نُميلة، وهو في السرّاجيق يعرض الجند، فأخذ برجله فسحبه عن
стр. 4223
طِنفسة له، وكسر لواءه على رأسه، وضرب بطِنْفسته وجهه، وقال: كذلك يفعل الله بأصحاب الغدر!
وذكر عليُّ بن محمد عن الحارث بن أفلح بن مالك بن أسماء بن خارجة: لما ولي (١) نصر خراسان أدني مغراء بن أحمر بن مالك بن سارية النميريّ والحكم بن نُمَيلة بن مالك والحجاج بن هارون بن مالك؛ وكان مغراء بن أحمر النميريّ رأس أهلِ قنَّسرين، فآثر نصر مغراء وسنَّي منزلته، وشفَّعه في حوائجه، واستعمل ابنَ عمه الحكم بن نُميلة علي الجُوزَجان، ثم عقد للحكم علي أهل العالية، وكان أبوه بالبصرة عليها؛ وكان بعده عُكَابة بن نُمَيلة، ثم أوفد نصر وفدًا من أهل الشأم وأهل خراسان، وصيّر عليهم مغراء؛ وكان في الوفد حَمَلة بن نعيم الكلبيّ، فقال عثمان بن صدقة بن وثاب لمسلم بن عبدالرحمن بن مسلم عامل طُخارستان:
خيَّرَنِي مسْلمٌ مراكِبَهُ ... فقُلْتُ حَسْبي مِنْ مُسْلِمٍ حكَما
هذا فتى عامر وسَيِّدُها ... كَفى بمَنْ سادَ عامرًا كرما
يعني الحكم بن نُميْلة.
قال: فتغيّر نصر لقيس وأوحشه ما صنع مغراء. قال: وكان أبو نُمَيلة صالح الأبّار مولي بني عبس، خرج مع يحيي بن زيد بن عليّ بن حسين، فلم يزل معه حتى قُتل بالجُوزَجان. وكان نصر قد وَجد عليه لذلك، فأتى عبيد الله بن بسام صاحب نصر، فقال:
قد كُنْتُ في هِمَّةٍ حَيْرَان مَكْتَئبًا ... حتَّي كفاني عُبَيْدُ اللهِ تَهْمامِي
ناديْتُهُ فسَما للمَجْدِ مُبْتَهِجًا ... كغُرَّة البَدْرِ جَلَّي وَجْه إِظلام
فاسْمُ برَأي أَبي ليْثٍ وصَوْلَتِهِ ... إن كنتَ يَوْمَ حفاظٍ بامريءٍ سامِ
تظفرْ يَداكَ بمنْ تَمَّتْ مُرُوَّتهُ ... واخْتصَّهُ رَيُّه مِنْهُ بإِكرامِ
ماضي العزائمِ ليْثِيٍّ مَضاربُهُ ... على الكَريهَةِ يَوْمَ الرَّوْعِ مِقدام
لا هَذِرٌ ساحَةَ النَّادي ولا مَذِلٌ ... فيه ولا مُسْكِتٌ إِسكاتَ إِفحامِ
له مِنَ الحِلم ثوْباهُ ومجْلِسُهُ ... إِذَا المجالِسُ شانَتْ أَهَلَ أَحلام
стр. 4224
قال: فأدخله عبيد الله على نصر، فقال أبو نُمَيلة: أصلحك الله! إني ضعيف؛ فإن رأيت أن تأذن لراويتي! فأذن له، فأنشده:
فاز قِدْحُ الكلبيّ فاعْتقَدَتْ مَغـ ... ـرَاءَ في سعْيهِ عُرُوقُ لئيم
فأَبينِي نُمَيْرُ ثُمّ أَبِينِي ... أَلعَبْدٍ مغراءُ أَمْ لِصَمِيم
فلئِنْ كان منكمُ ما يكُونُ الـ ... ـغدرُ والكفْر مِنْ خصالِ الكرِيمِ
ولئنْ كان أصلُه كان عبْدا ... ما عليْكمْ مِنْ غدْرِهِ مِنْ شتيم
وليته لَيْثٌ وأَيُّ وُلاةٍ ... بأَيادٍ بيضٍ وأَمْرٍ عظيمِ!
أسمنْتهُ حتى إذا راحَ مَغْبُو ... طًا بخيْرٍ مِنْ سَيْبِها المَقْسومِ
كادَ ساداتِهِ بأَهْون مِنْ نَهـ ... ـقَةِ عَيْرٍ بقَفْرَة مَرْقومِ
فضرَبنا لِغيْرنا مَثلَ الكَلـ ... ـبِ ذميمًا والذَّمُّ للمَذْمُومِ
وحَمِدنا ليثًا ويأْخُذُ بالفَضـ ... ـل ذَوُو الجود والنَّدَي والحُلُومِ
فاعلَمُنْ يَا بني القَساورةِ الغُلـ ... ـب وأَهل الصَّفا وأَهلَ الحَطيمِ
أن في شكرِ صالِحِينا لَمَا يَدْ ... حَضُ قَوْلَ المرهّقِ المَوصُومِ
قد رأَى اللهُ ما أَتَيْتَ ولنْ يَنـ ... ـقصَ نبْحُ الكلابِ زُهْرَ النُّجُومِ
فلما فرغ قال نصر: صدقت، وتكلمت القيسية واعتذروا، قال: وأهان نصر قيسًا وباعدهم حين فعل مغراء ما فعل، فقال في ذلك بعض الشعراء:
لقدْ بَغَّض الله الكِرامَ إليكُم ... كما بغَّضَ الرَّحمنُ قيْسًا إلى نَصرِ
رأَيْتُ أَبا لَيْث يُهينُ سَرَاتَهمْ ... ويُدْني إليْه كلَّ ذي والثٍ غُمْرِ
[٧/ ١٩٢ - ١٩٧].
ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومئة ذكر الأخبار عما كان فيها من الأحداث
فمِمّا كان فيها من ذلك مَقْدَم جماعة من شيعة بني العباس الكوفَة يريدون مكّة، وشرَى بُكَير بن ماهان -في قول بعض أهل السير- أبا مسلم صاحبَ دعوْة بني العباس من عيسي بن معقل العجليّ.
* ذكر الخبر عن سبب ذلك:
وقد اختُلف في ذلك؛ فأمّا عليّ بن محمد، فإنه ذكر أن حمزة بن طلحة
стр. 4225
السّلميّ حدثه عن أبيه، قال: كان بُكير بن ماهان كاتبًا لبعض عمّال السند، فقدمها، فاجتمعوا بالكوفة في دار، فغُمِز بهم فأخذوا، فحبس بكير وخُلِّي عن الباقين، وفي الحبس يونس أبو عاصم وعيسي بن معقل العجليّ، ومعه أبو مسلم يخدُمه، فدعاهم بُكير فأجابوه إلى رأيه، فقال لعيسي بن معقل: ما هذا الغلام؟ قال: مملوك، قال: تبيعه؟ قال: هو لك، قال: أحبّ أن تأخذ ثمنه، قال: هو لك بما شئت؛ فأعطاه أربعمئة درهم، ثم أُخْرِجوا من السجن، فبعث به إلى إبراهيم فدفعه إبراهيم إلى أبي موسي السراج، فسمع منه وحفظ، ثم صار إلى أن اختلف إلى خراسان (١).
وقال غيره: توجّه سليمان بن كئير ومالك بن الهْيثم ولاهز بن قريظ، وقَحطبة بن شَبيب من خراسان، وهم يريدون مكة في سنة أربع وعشرين ومئة، فلما دخلوا الكوفة أتوْا عاصم بن يونس العِجليّ؛ وهو في الحبس، قد اتُّهم بالدّعاء إلى ولد العباس، ومعه عيسي وإدريس ابنا معقل؛ حبسهما يوسف بن عمر فيمن حبس من عُمّال خالد بن عبد الله، ومعهما أبو مسلم يخدُمهما؛ فرأوْا فيه العلامات، فقالوا: مَن هذا؟ قالوا: غلام معنا من السَّراجين -وقد كان أبو مسلم يسمع عيسي وإدريس يتكلمان في هذا الرأي فإذا سمعهما بكي- فلما أروا ذلك منه دعوْه إلى ما هم عليه، فأجاب وقبِل.
وفي هذه السنة غزا سليمان بن هشام الصائفة، فلقي أليون ملك الروم فسلم وغنم (٢).
وفيها مات -في قول الواقديّ- محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس (٣). [٧/ ١٩٨ - ١٩٩].
وحجّ في هذه السنة عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك معه امرأته أم سلمة بنت هشام بن عبد الملك.
وذكر محمد بن عمر أن يزيد مولى أبي الزّناد حدّثه، قال: رأيت محمد بن
стр. 4226
هشام على بابها يرسل بالسلام وألطافه على بابها كثيرة، ويعتذر فتأبى؛ حتى كان يأيس من قبول هدّيته، ثم أمرت بقبضها (١). [٧/ ١٩٩].
ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
ذكر الخبر عن العلة التي كانت بها وفاته
حدّثني أحمد بن زُهير، قال: حدّثني عليّ بن محمد، قال: حدثني شيبة بن عثمان، قال: حدّثني عمرو بن كليع؛ قال: حدّثني سالم أبو العلاء كاتب هشام، قال: خرج علينا هشام بن عبد الملك يومًا وهو كئيب، يعرَف ذلك فيه، مسترخٍ عليه ثيابه، وقد أرخى عنان دابّته، فسار ساعةً ثم انتبه، فجمع ثيابه وأخذ بعِنان دابته، وقال للرّبيع: ادعُ الأبرش، فدُعِيَ فسار بيني وبين الأبرش، فقال له الأبرش: يا أمير المؤمنين؛ لقد رأيتُ منك شيئًا غمّني، قال: "وما هو؟ قال: رأيتك قد خرجت على حال غمّني، قال: ويحك يا أبرش! وكيف لا أغتمّ وقد زعم أهل العلم أني ميت إلى ثلاثة وثلاثين يومًا! قال سالم: فرجعت إلى منزلي، فكتبت في قرطاس: "زعم أمير المؤمنين يوم كذا وكذا أنه يسافر إلى ثلاثة وثلاثين يومًا". فلمّا كان في الليلة التي استكمل فيها ثلاثة وثلاثين يومًا إذا خادم يدقّ الباب يقول: أجِبْ أميرَ المؤمنين، واحمِل معك دواء الذُّبَحة -وقد كان أخذه مرّة فتعالج فأفاق- فخرجتُ ومعي الدواء فتغرغَر به، فازداد الوجعُ شِدّة، ثم سكن فقال لي: يا سالم، قد سكن بعض ما كنت أجد؛ فانصرِفْ إلى أهلكِ، وخلّف الدواء عندي. فانصرفت، فما كان إلا ساعة حتى سمعت الصُّراخ عليه، فقالوا: مات أمير المؤمنين! فلما مات أغلق الخزّان الأبواب، فطلبوا قُمقمًا يسخَّن فيه الماء لغسله، فما وجدوه حتى استعاروا قُمقمًا من بعض الجيران، فقال بعض من حضر ذلك: إن في هذا لمعتبرًا لمن اعتبر، وكان وفاته بالذُّبَحَة، فلما مات صلى عليه ابنه مَسْلمَة بن هشام. [٧/ ٢٠٠ - ٢٠١].
وحدثني أحمد، قال عليّ: لم يكن أحدٌ يسير في أيام هشام في موكب إلّا
стр. 4227
مسلمة بن عبد الملك، قال: ورأي هشام يومًا سالمًا في موكب، فزجره وقال: لأعلمنّ متي سرتَ في موكب. وكان يقدم الرجل الغريب فيسير معه، فيقف سالم، ويقول: حاجتك، ويمنعه أن يسير معه، وكان سالم كأنه هو أمّر هشامًا.
قال: ولم يكن أحدٌ من بني مَرْوان يأخذ العطاء إلا عليه الغزْو؛ فمنهم مَنْ يغزو، ومنهم من يُخرج بدلًا.
قال: وكان لهشام بن عبد الملك مولي يقال له يعقوب، فكان يأخذ عطاء هشام مئتي دينار ودينارًا، يفضّل بدينار، فيأخذها يعقوب ويغزو، وكانوا يصيّرون أنفسَهم في أعوان الدّيوان، وفي بعض ما يجوّز لهم المقام به، ويوضع به الغَزْو عنهم، وكان داود وعيسي ابنا عليّ بن عبد الله بن عباس، -وهما لأم- في أعوان السّوق بالعراق لخالد بن عبد الله، فأقاما عنده، فوصلهما، ولولا ذلك لم يستطع أن يحبسهما، فصيّرهما في الأعوان، فسمَرا، وكانا يسامرانه ويحدّثانه.
قال: فولَّى هشام بعض مواليه ضيعةً له، فعمَّرها فجاءت بغلَّة عظيمة كبيرة ثم عمَّرها أيضًا، فأضعفت الغلّة، وبعث بها مع ابنه، فقدم بها علي هشام، فأَخبره خبر الضَّيْعة فجزاه خيرًا، فرأي منه انبساطًا، فقال: يا أمير المؤمنين، إن لي حاجة، قال: وما هي؟ قال: زيادة عشرة دنانير في العطاء، فقال: ما يخيّل إلى أحدكم أن عشرة دنانير في العطاء إلا بقدر الجوْز! لا لعمري لا أفعل.
حدّثني أحمد، قال: حدثنا عليّ، قال: قال حماد الأبحّ: قال: هشام لغيْلان: ويحك يا غيلان! قد أكثر الناس فيك، فنازعنْا بأمرك، فإن كان حقًّا اتّبعناك، وإن كان باطلًا نزعتَ عنه، قال: نعم، فدعا هشام ميمون بن مهران ليكلِّمه، فقال له ميمون: سلْ؛ فإنّ أقوي ما تكونون إذا سألتم، قال له: أشاء الله أن يُعصَى؟ فقال له ميمون: أفعُصي كارهًا! فسكت، فقال هشام: أجبه فلم يجبه، فقال له هشام: لا أقالني الله إن أقلته، وأمر بقطع يديه ورجليه.
حدّثني أحمد، قال: حدّثنا عليّ عن رجل من غَنيّ، عن بِشْر مولى هشام، قال: أتِيَ هشامٌ برجل عنده قِيان وخَمْر وبَرْبَط، فقال: اكسروا الطنبور (١) على
стр. 4228
رأسه، وضربه، فبكى الشيخ، قال بِشْر: فقلت له -وأنا أعزّيه: عليك بالصبر، فقال: أتراني أبكي للضّرب! إنما أبكي لاحتقاره للبَرْبَط إذ سماه طنبورًا!
قال: وأغلظ رجل لهشام، فقال له هشام: ليس لك أن تُغلظ لإمامك!
قال: وتفقّد هشام بعض ولده -ولم يحضر الجمعة- فقال له: ما منعك من الصلاة؟ قال: نفقَتْ دابتي، قال: أفعجزتَ عن المشي فتركت الجمعة! فمنعه الدّابّة سنَة.
قال: وكتب سليمان بن هشام إلى أبيه: إنّ بغلتي قد عجزت عني؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمُر لي بدابّة فعل، فكتب إليه: قد فهم أميرُ المؤمنين كتابك، وما ذكرتَ من ضَعْف دابّتك، وقد ظنّ أمير المؤمنين أن ذلك من قلة تعهّدك لعلَفها، وأنّ علفها يضيع، فتعهّد دابّتَك في القيام عليها بنفسك، ويرى أمير المؤمنين رأيه في حُملانك (١).
قال: وكتب إليه بعضُ عمّاله: إني قد بعثت إلى أمير المؤمنين بسلّة دُراقن (٢)؛ فليكتب إليَّ أميرُ المؤمنين بوصولها، فكتب إليه: قد وصل إلى أمير المؤمنين الدّراقن الذي بعثتَ به فأعجبه، فزدْ أمير المؤمنين منه، واستوثق من الوعاء.
قال: وكتب إلى بعض عُمّاله: قد وصلتِ الكَمْأة التي بعثتَ بها إلى أمير المؤمنين وهي أربعون، وقد تغيّر بعضها، ولم تُؤتَ في ذلك إلا من حشوها، فإذا بعثت إلى أمير المؤمنين منها شيئًا فأجد حَشْوَها في الظَّرْف الذي تجعلها فيه بالرّمل؛ حتى لا تضطرب ولا يصيب بعضُها بعضًا.
حدّثني أحمد، قال: حدثني عليّ، قال: حدّثنا الحارث بن يزيد، قال: حدّثني مولي لهشام، قال: بعث معي مولي لهشام كان على بعض ضِياعه بطيْرين ظريفين، فدخلت إليه وهو جالس على سرير في عَرْصة الدار، فقال: أرسلهما في الدار، قال: فأرسلتهُما فنظر إليهما، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين، جائزتي، قال: ويلك! وما جائزة طيرين؟ قلتُ: ما كان، قال: خذ أحَدهما، فعدوْتُ في
стр. 4229
الدار عليهما، فقال: ما لك؟ قلت: أختار خيرَهما، قال: أتختار أيضًا خيرهما وتدع شرّهما لي! دعْهما ونحن نعطيك أربعين درهمًا أو خمسين درهمًا (١).
قال: وأُقطِع هشام أرضًا يقال لها دورين، فأرسل في قَبْضها؛ فإذا هي خراب، فقال لذُوَيْد (كاتب كان بالشأم): ويحك! كيف الحيلة؟ قال: ما تجعل لي؟ قال: أربعمئة دينار، فكتب "دورين وقراها"، ثم أمضاها في الدواوين، فأخذ شيئًا كثيرًا، فلما ولي هشام دخل عليه ذُويَد، فقال له هشام: دورين وقراها! لا والله لا تلي لي ولاية أبدًا، وأخرجه من الشأم. [٧/ ٢٠٣ - ٢٠٥].
قال: وقال بعض آل مروان لهشام: أتطمع في الخلافة وأنت بخيل جبَّان؟ قال: ولمَ لا أطمع فيها وأنا حليم عفيف! .
قال: وقال هشام يومًا للأبرش: أوَضَعَتْ أعنزك؟ قال: إي والله، قال: لكن أعنزي تأخّر ولادها، فاخرج بنا إلى أعنزك نُصِبْ من ألبانها، قال: نعم، أفأقدّم قومًا؟ قال: لا، قال: أفأقدّم خباءً حتى يضرب لنا؟ قال: نعم، فبعث برجلين بخباء فضُرب، وغدا هشام والأبرش وغدا الناس، فقعد هشام والأبرش، كلّ واحد منهما على كرسيّ، وقدّم إلى كلّ واحد منهما شاة، فحلب هشام الشاة بيده، وقال: تعلّم يا أبرش أني لم أبسّ الحلب! ثم أمر بمَلّة فعُجنت، وأوقد النّار بيده، ثم فحصها وألقي الملَّة، وجعل يقلِّبها بالمحراث، ويقول: يا أبرش: كيف تري رفقي! حتى نضجت ثم أخرجها، وجعل يقلّبها بالمحراث، ويقول: جبينك جبينك، والأبرش يقول: لبّيك لبيك -وهذا شيء تقوله الصبيان إذا خُبزت لهم المَلَّة- ثم تغدَّي وتغدّي الناس ورجع.
قال: وقدم علباء بن منظور الليثيّ على هشام، فأنشده:
قالت عُليَّةُ واعْتزْمتُ لِرَحْلةٍ ... زَوْرَاءَ بالأُذْنَيْن ذاتِ تسَدُّرِ
أينَ الرحيلُ وأَهلُ بيتكَ كلّهُمْ ... كَلٌّ عليك كبيرهُمْ كالأَصْغرِ!
فأَصاغِرٌ أَمثالُ سِلكانِ القَطا ... لا في ثَري مالي ولا في مَعْشر
إني إلى ملكِ الشَّآم لَراحِلٌ ... وإِليه يَرْحَلُ كُلّ عبد مُوقَر
فلأترُكَنَّكِ إن حِييتُ غَنِيّة ... بِنَدَى الخليفةِ ذي الفَعالِ الأَزهرِ
стр. 4230
إنّا أُناسٌ مَيّتٌ دِيوَانُنا ... ومتى يُصِبْهُ ندَي الخليفة ينشرِ
فقال له هشام: هذا الذي كنت تحاول، وقد أحسنتَ المسألة، فأمر له بخمسمئة دِرْهم، وألحق له عَيْلًا في العطاء.
قال: وأتي هشامًا محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فقال: ما لك عندي شيء، ثم قال: إيّاك أن يغرّك أحد فيقول: لم يعرفك أمير المؤمنين؛ إني قد عرفتُك، أنت محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فلا تقيمنّ وتُنفق ما معك، فليس لك عندي صلة، فالحق بأهلك.
قال: ووقف هشام يومًا قريبًا من حائط فيه زَيتْون، ومعه عثمان بن حَيّان المريّ، وعثمان قائم يكاد رأسه يوازِي رأسَ أمير المؤمنين وهو يكلمه إذ سمع نفض الزيتون، فقال لرجل: انطلق إليهم فقل لهم: القطوه لقطًا، ولا تنفضوه نفضًا، فتتفقّأ عيونُه، وتتكسَّر غصونه.
قال: وحجّ هشام، فأخذ الأبرش مخنّثين ومعهم البرابط، فقال هشام: احبسوهم وبيعوا متاعهم -وما درى ما هو- وصيِّروا ثمنه في بيت المال، فإذا صلحوا فردّوا عليهم الثمن (١).
وكان هشام بن عبد الملك ينزل الرُّصافة -وهي فيما ذكر- من أرض قنَّسرين. وكان سبب نزوله إياها -فيما حدّثني أحمد بن زهير بن حرب، عن عليّ بن محمد- قال: كان الخلفاء وأبناء الخلفاء يتبدّوْن ويهربون من الطاعون، فينزلون البرّيّة خارجًا عن الناس، فلما أراد هشام أن ينزل الرُّصافة قيل له: لا تخرج؛ فإنّ الخلفاء لا يُطعَنون؛ ولم نرَ خليفة طُعِن، قال: أتريدون أن تجرّبوا بي! فنزل الرُّصافة وهي برّية، ابتني بها قصرين، والرّصافة مدينة رُوميّة بنتْها الروم.
وكان هشام أحول، فحدثني أحمد، عن عليّ، قال: بعث خالد بن عبد الله إلى هشام بن عبد الملك بحادٍ فحَدا بين يديه بأرجوزة أبي النجم:
والشمسُ في الأُفْقِ كعَين الأَحولِ ... صَغْواءُ قد هَمَّتْ ولَمَّا تفَعْلِ
فغضب هشام وطرده.
стр. 4231
وحدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثني عليّ بن محمد، قال: حدثنا أبو عاصم الضبيّ، قال: مرّ بي معاوية بن هشام، وأنا أنظر إليه في رَحْبة أبي شِريك -وأبو شريك رجل من العجم كانت تنسب إليه وهي مزرعة- وقد أختبز خبزة، فوقف عليّ، فقلتُ: الغداء! فنزل وأخرجتها، فوضعتها في لَبن، فأكل ثم جاء الناس، فقلت: مَنْ هذا؟ قالوا: معاوية بن هشام، فأمر لي بصلة، وركب وثار بين يديه ثعلب، فركض خلفه، فما تبعه غَلْوة؛ حتى عثر به فرسه فسقَط فاحتملوه ميّتًا، فقال هشام: تالله لقد أجمعتُ أن أرشّحه للخلافة، ويتبع ثعلبًا (١).
قال: وكانت عند معاوية بن هشام ابنة إسماعيل بن جرير وامرأة أخرى، فأخرج هشام كلّ واحدة منهما من نصف الثُّمْن بأربعين ألفًا. [٧/ ٢٠٥ - ٢٠٧].
حدثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا إبراهيم بن المنذر الحِزاميّ، قال: حدّثنا حسين بن يزيد عن شهاب بن عبد ربّه عم عمرو بن عليّ، قال: مشيتُ مع محمد بن عليّ إلى داره عند الحمّام، فقلت له: إنه قد طال مُلك هشام وسلطانه، وقد قرب من العشرين، وقد زعم الناس أن سليمان سأل ربّهُ مُلكًا لا ينبغي لأحد من بعده، فزعم الناس أنها العشرون، فقال: ما أدري ما أحاديث الناس! ولكن أبي حدّثني عن أبيه، عن عليّ، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "لن يعمّر الله مَلِكًا في أمَّة نبيّ مضَي قبله ما بلغ بذلك النبيّ من العمر" (٢). [٧/ ٢٠٨].
خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان ذكر الخبر عن بعض أسباب ولايته الخلافة
قد مضى ذكري سبب عقد أبيه يزيد بن عبد الملك بن مروان له الخلافة بعد
стр. 4232
أخيه هشام بن عبد الملك؛ وكان الوليدُ بن يزيد يومَ عَقد له أبوه يزيد ذلك ابنَ إحدى عشرة سنة، فلم يمُتْ يزيد حتى بلغ ابنُه الوليد خمس عشرة سنة، فندِم يزيد على استخلافه هشامًا أخاه بعده؛ وكان إذا نظر إلى ابنه الوليد، قال: الله بيني وبين مَنْ جعل هشامًا بيني وبينك! فتوفِّي يزيد بن عبد الملك وابنه الوليد ابن خمس عشرة سنة، وولي هشام وهو للوليد مكرّم معظم مقرّب؛ فلم يزل ذلك من أمرهما حتى ظهر من الوليد بن يزيد مجون وشرب الشراب؛ حمله على ذلك (١) فيما حدّثني أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد، عن جُويرية بن أسماء وإسحاق بن أيوب وعامر بن الأسود وغيرهم: عبدُ الصمد بن عبد الأعلى الشبّانيّ أخو عبد الله بن عبد الأعلى - وكان مؤدّب الوليد - واتَّخذ الوليد ندماء، فأراد هشام أن يقطعهم عنه فولاه الحجَّ سنة تسع عشرة ومئة، فحمل معه كلابًا في صناديق، فسقط منها صندوق - فيما ذكر عليّ بن محمد عمّن سميتُ من شيوخه - عن البعير وفيه كلب، فأجالوا على الكريّ السِّياط، فأوجعوه ضربًا، وحمل معه قبّة عملها على قدر الكعبة ليضعها على الكعبة، وحمل معه خمرًا، وأراد أن ينصب القبَّة على الكعبة؛ ويجلس فيها؛ فخوّفه أصحابه وقالوا: لا نأمن الناس عليك وعلينا معك؛ فلم يحرّكها. وظهر للناس منه تهاون بالدين واستخفاف به، وبلغ ذلك هشامًا فطمع في خلعه والبيعة لابنه مسلمة بن هشام، فأراده على أن يخلعها ويبايع لمسلمة؛ فأبي، فقال له: اجعلها له مِنْ بعدك؛ فأبَى، فتنكَّر له هشام وأضرّ به، وعمل سرًّا في البيعة لابنه؛ فأجابه قوم (٢)،
стр. 4233
قال: فكان ممَّن أجابه خالاه: محمد وإبراهيم ابنا هشام بن إسماعيل المخزوميّ، وبنو القعقاع بن خليد العبسيّ وغيرهم من خاصّته.
قال: وتمادى الوليدُ في الشراب وطلب اللذات فأفرط، فقال له هشام: ويحك يا وليد! والله ما أدري أعلى الإسلام أنت أم لا! ما تَدع شيئًا من المنكر إلا أتيْتَه غير متحاشٍ ولا مستتر به! فكتب إليه الوليد:
стр. 4234
يا أَيُّها السائل عن دينِنا ... نحن على دين أَبي شاكر (١)
نشرْبُها صِرْفًا وممزوجةً ... بالشُّخْنِ أَحيانًا وبالفاتِر
فغضب هشام على ابنه مسَلمة - وكان يكني أبا شاكر - وقال له: يعيّرني بك الوليد وأنا أرشّحك للخلافة! فالزم الأدب واحضر الجماعة.
وولّاه الموسم سنة تسع عشرة ومئة، فأظهر النسك والّوقار واللين، وقسم بمكة والمدينة أموالًا، فقال مولى لأهل المدينة:
يا أيّها السائل عن ديننا ... نحنُ على دين أبي شاكِر
الواهبِ الجُرْدَ بأرسانها ... ليس بزِندِيق ولا كافِر
يعرّض بالوليد.
وأمّ مسلمة بن هشام أمّ حكيم بنت يحيي بن الحكم بن أبي العاص، فقال الكميت:
إنّ الخلافة كائنٌ أَوتادُها ... بعدَ الوليد إلى ابن أُتمّ حكيم
فقال خالد بن عبد الله القسريّ: أنا برئ من خليفة يكني أبا شاكر؛ فغضب مسلمة بن هشام على خالد، فلما مات أسد بن عبد الله أخو خالد بن عبد الله، كتب أبو شاكر إلى خالد بن عبد الله بشعر هجا به [يحيي] بن نوفل خالدًا وأخاه أسدًا حين مات:
أَراحَ مِن خالدٍ وأَهلكه ... ربُّ أَراح العبادَ مِنْ أَسدِ
أَمَّا أَبُوهُ فكان مؤتَشِبًا ... عبدًا لئيمًا لأَعْبُد قُفْدِ (٢)
وبعث بالطومار مع رسول على البريد إلى خالد؛ فظنّ أنه عزاه عن أخيه، ففضّ الخاتم، فلم ير في الطُومار غير الهجاء، فقال: ما رأيت كاليوم تعزية!
وكان هشام يعيب الوليدَ ويتنقَّصه، وكَثُر عبثه به وبأصحابه وتقصيره به، فلمّا رأي الوليد خرج وخرج معه ناس من خاصّته ومواليه، فنزل بالأزرق؛ بين أرض بَلْقَيْنَ وفَزارة، على ماء يقال له الأغدف، وخلَّف كاتبه عيَاض بن مسلم
стр. 4235
مولى عبد الملك بن مروان بالرّصافة، فقال له: اكتب إليّ بما يحدث قبَلكم، وأخرج معه عبد الصمد بن عبد الأعلى، فشربوا يومًا فلما أخذ فيهم الشراب، قال الوليد لعبد الصمد: يا أبا وهب، قل أبياتًا، فقال (١):
أَلم تَر للنجم إذ شُيِّعا ... يُبادِرُ في بُرجِه المَرْجِعا
تحيَّرَ عنْ قصدِ مَجْراتِهِ ... أَتي الغوْر والتَمَس المَطْلَعا
فقلتُ وأعْجبَنِي شأْنُه ... وقد لاحَ إذ لاحَ لِي مُطعِمَا:
لعَلَّ الوليدَ دنا مُلكُهُ ... فأَمسى إليه قدِ استُجمعَا
وكنَّا نؤمِّلُ في ملكِه ... كتأْميلِ ذي الجدْب أن يُمْرِعًا
عَقَدنا له مَحْكمَاتِ الأُمو ... رِطوعًا فكان لهَا مَوْضعا
ورُوي الشعر؛ فبلغ هشامًا؛ فقطع عن الوليد ما كان يُجري عليه، وكتب إلى الوليد: بلغني عَنْك أنك اتّخذتَ عبد الصمد خِدنًا ومحدّثًا ونديمًا؛ وقد حقَّق ذلك عندي ما بلغني عنك، ولم أبَرئك من سوء، فأخرِج عبد الصمد مذمومًا مدحورًا، فأخرجه، وقال فيه:
لقد قَذفوا أَبا وهْبٍ بأَمرٍ ... كبير بل يزيدُ على الكَبيرِ (٢)
فأَشهَدُ أنهم كَذبوا عليه ... شهادةَ عالِمٍ بِهِمِ خبِيرِ
وكتب الوليد إلى هشام يُعْلمه إخراج عبد الصمد، واعتذر إليه مما بلغه من منادمته، وسأله أن يأذن لابن سهيل في الخروج إليه - وكان ابن سهيل من أهل اليمن وقد ولي دمشق غير مرّة، وكان ابن سهيل من خاصّة الوليد - فضرب هشام بنَ سُهيل وسيّره، وأخذ عياض بن مسلم كاتب الوليد، وبلغه أنه يكتب بالأخبار إلى الوليد، فضربه ضربًا مبرِّحًا، وألبسه المُسوح. فبلغ الوليد، فقال: مَنْ يثق بالناس، ومن يصطنع المعروف! هذا الأحول المشؤوم قدّمه أبي على أهل بيته فصيَّره وليّ عهده، ثم يصنع بي ما ترون؛ لا يعلم أنّ لي في أحد هوًى إلا عبث به، كتب إليّ أن أخرِج عبد الصمد فأخرجتُه إليه، وكتبت إليه أن يأذن لابن سهيل في الخروج إليّ، فضربه وسيَّره، وقد علم رأي فيه، وقد علم انقطاع عياض بن مسلم إليّ، وتحرّمه بي ومكانه مني وأنه كاتبي، فضربه
стр. 4236
وحبسه، يضارّني بذلك، اللهم أجرني منه! وقال:
أنا النذِيرُ لِمسْدِي نعمة أبدًا ... إلى المقاريف ما لَم يَخبُرِ الدّخَلَا (١)
إن أَنْت أكرمتهُمْ أَلفَيْتهُم بُطُرًا ... وإِن أَهَنْتهُمُ أَلفيتهمْ ذُلُلا
أتشمُخونَ ومنَّا رأَسُ نعمتِكمْ ... ستَعَلَمُونَ إِذَا كانت لنا دُوَلا
انظرْ فإن كنت لم تَقدِرْ على مَثَل ... له سوى الكلب فاضربْه له مَثلا
بينا يُسمِّنُهُ للصيدِ صاحبُهُ ... حتى إذا ما قوي مِنْ بَعدِ ما هُزلا
عدَا عليه فلم تَضرُرْهُ عَدْوَتُهُ ... ولو أَطاقَ له أَكلا لقد أَكَلَا
وكتب إلى هشام:
لقد بلغني الذي أحدث أمير المؤمنين من قَطْع ما قطع عنّي، ومحو ما محا من أصحابي وحُرَمي وأهلي، ولم أكن أخاف أن يبتلِيَ الله أمير المؤمنين بذلك ولا أبالي به منه؛ فإن يكن ابن سُهَيل كان منه ما كان فبحسب العيْر أن يكون قدر الذئب؛ ولم يبلغ من صنيعي في ابن سُهيل واستصلاحه، وكتابي إلى أمير المؤمنين فيه كُنْه ما بلغ أمير المؤمنين من قطيعتي؛ فإن يكن ذلك لشيء في نفس أمير المؤمنين عليّ، فقد سبّب الله لي من العهد، وكتب لي مت العمر، وقسم لي من الرزق ما لا يقدر أحد دون الله على قطع شيء منه دون مُدّته، ولا صرف شيء عن مواقعه؛ فقدَر الله يجوي بمقاديره فيما أحبّ الناس أو كرهوا، ولا تأخيرَ لعاجله ولا تعجيل لآجله، فالناس بين ذلك يقترفون الآثام على نفوسهم من الله، ولا يستوجبون العقوبة عليه، وأمير المؤمنين أحقّ أمته بالبصر بذلك والحفظ له، والله الموفّق لأمير المؤمنين بحسن القضاء له في الأمور (٢).
فقال هشام لأبي الزبير: يا نسَطاس، اْتري الناس يرضون بالوليد إن حدث بي حدث؟ قال: بل يطيل الله عمرَك يا أمير المؤمنين، قال: ويحك! لابدّ من
стр. 4237
الموت؛ أفتري الناس يرضَوْن بالوليد؟ قال: يا أمير المؤمنين؛ إنّ له في أعناق الناس بَيْعةً، فقال هشام: لئن رضي الناس بالوليد ما أظنُّ الحديث الذي رواه الناس: "إن من قام بالخلافة ثلاثة أيام لم يدخل النار"، إلا باطلًا.
وكتب هشام إلى الوليد:
قد فهم أمير المؤمنين ما كتبت به من قَطْع ما قَطَع عنك وغير ذلك؛ وأمير المؤمنين يستغفر الله من إجرائه ما كان يجري عليك؛ ولا يتخوّف على نفسه اقتراف المآثم في الذي أحدث من قطع ما قطع، ومحو من محا من صحابتك، لأمرين: أمّا أحدُهما فإيثار أمير المؤمنين إياك بما كان يجري عليك؛ وهو يعلم وضعَك له وإنفاقه في غير سبيله، وأما الآخر فإثبات صحابتك، وإدرار أرزاقهم عليهم؛ لا ينالهم ما ينال المسلمين في كلّ عام من مكروه عند قطع البعوث، وهم معك قجُول بهم في سَفهك؛ ولأميرُ المؤمنين أحري في نفسه للتقصير في القتْرِ عليك منه للاعتداء عليك فيها، مع أن الله قد نصر أمير المؤمنين في قَطْع ما قطع عنك من ذلك ما يرجو به تكفير ما يتخوّف مما سلف فيه منه، وأما ابنُ سُهيل فلعمري لئن كان نزل منك بما نزل، وكان أهلًا أن تُسرَّ فيه أو تساء؛ ما جعله الله كذلك، وهل زاد ابنُ سهيل - لله أبوك - على أن كان مغنيًا زفّانًا (١)، قد بلغ في السفه غايته! وليس ابن سهيل مع ذلك بشرٍّ ممَّن تستصحبه في الأمور التي يكرم أمير المؤمنين نفسه عن ذكرها، مما كنتَ لَعمر الله أهلًا للتوبيخ به؛ ولئن كان أمير المؤمنين على ظنك به في الحرص على فسادك؛ إنك إذًا لغير آلٍ عن هوى أمير المؤمنين من ذلك.
وأما ما ذكرتَ مما سبّب الله لك؛ فإن الله قد ابتدأ أمير المؤمنين بذلك، واصطفاه له؛ والله بالغٌ أمره. لقد أصبح أمير المؤمنين وهو على اليقين من ربّه؛ أنه لا يملك لنفسه فيما أعطاه من كرامته ضَرًّا ولا نفعًا؛ وإن الله وليّ ذلك منه؛ وإنه لا بدّ له من مزايلته؛ والله أرأف بعباده وأرحم من أن يولي أمرهم غير الرضيّ له منهم، وإنّ أمير المؤمنين من حسن ظنه برّبه لعلي أحسن الرّجاء أن يوليه تسبيب ذلك لمن هو أهله في الرضا له به ولهم، فإنّ بلاءَ الله عند أمير المؤمنين
стр. 4238
أعظمُ من أن يبلغه ذكره، أو يؤديه شكره؛ إلا بعون منه؛ ولئن كان قُدِّرَ لأمير المؤمنين تعجيل وفاةٍ، وإنّ في الذي هو مفضٍ إليه إن شاء الله من كرامةِ الله لخَلَفًا من الدنيا، ولعمري إن كتابك إلى أمير المؤمنين بما كتبتَ به لغيرُ مستنكر من سفهك وحمقك، فاربَع على نفسك من غُلوائها، وارقأ على ظَلْعك؛ فإن لله سطوات وعينًا؛ يصيب بذلك من يشاءُ، ويأذن فيه لمن يشاء ممن شاء الله؛ وأميرُ المؤمنين يسأل الله العصمة والتوفيق لأحبّ الأمور إليه وأرضاها له.
فكتب الوليد إلى هشام:
رأَيتُكَ تبْنِي جاهدًا في قَطِيعَتِي (١) ... فَلَوْ كُنْتَ ذَا إِرْبٍ لَهَدَّمْت ما تبْنِي
تُثِيرُ على الباقِينَ مَجْنَى ضَغينةٍ ... فَوَيلٌ لهُمْ إِنْ مِتّ مِن شَرّ ما تجني!
كأَني بهمْ واللَّيْثُ أَفْضل قوْلهِمْ ... أَلَا لَيْتَنا واللَّيْث إذ ذاكَ لا يُغْنِي
كفَرْتَ يَدًا مِنْ مُنْعِمٍ لو شَكَرَتَها ... جَزَاكَ بها الرَّحمنُ ذو الفضل والمنِّ
قال: فلم يزل الوليد مُقيمًا في تلك البرّية حتى مات هشام؛ فلما كان صبيحةُ اليوم الذي جاءته فيه الخلافة، أرسل إلى أبي الزّبير المنذر بن أبي عمرو، فأتاه فقال له: يا أبا الزبير؛ ما أتت عليّ ليلة منذ عقلت عقلي أطولَ من هذه الليلة؛ عرضت لي هموم، وحدّثت نفسي فيها بأمور من أمر هذا الرجل؛ الذي قد أولع بي - يعني هشامًا - فاركب بنا نتنَّفس؛ فركبا، فسارا ميلين؛ ووقف على كثيب، وجعل يشكو هشامًا إذ نظر إلى رَهج، فقال: هؤلاء رسلُ هشام؛ نسأل الله من خيرهم، إذ بدا رجلان على البريد مقبلان؛ أحدهما مولىً لأبي محمد السفيانيّ، والآخر جَرْدَبَة.
فلما قربا أتيا الوليد، فنزلا يعدوَان حتى دنَوَا منه، فسلما عليه بالخلافة، فوَجَم، وجعل جردبة يكرّر ﵇ بالخلافة، فقال: ويحك! أمات هشام! قال: نعم؛ قال فممّن كتابك؟ قال: من مولاك سالم بن عبد الرحمن صاحب ديوان الرسائل، فقرأ الكتاب وانصرفا، فدعا مولي أبي محمد السُّفيانيّ، فسأله عن كاتبه عياض بن مسلم، فقال: يا أمير المؤمنين؛ لم يزل محبوسًا حتى نزل بهشام أمرُ الله. فلما صار في حدّ لا تُرجَى الحياة لمثله أرسل عياض إلى الخُزّان؛
стр. 4239
أن احتفظوا بما في أيديكم، فلا يصلن أحدٌ منه إلى شيء. وأفاق هشام إفاقةً، فطلب شيئًا فمنعوه فقال: أرانا كنا خُزّانًا للوليد! ومات من ساعته، وخرج عياضٌ من السجن، فختم أبواب الخزائن، وأمر بهشام فأنزِل عن فرشه؛ فما وجدوا له قُمقمًا يسخّن له فيه الماء حتى استعاروه، ولا وجدوا كفنًا من الخزائن؛ فكفَّنه غالب مولي هشام؛ فكتب الوليد إلى العباس بن الوليد بن عبد الملك بن مروان أن يأتيَ الرُّصافة، فيحصيَ ما فيها من أموال هشام وولده، ويأخذ عمّاله وحشَمه؛ إلا مسلمة بن هشام؛ فإنه كتب إليه ألّا يعرض له، ولا يدخل منزله؛ فإنه كان يكثر أن يكلم أباه في الرّفق به، ويكفَّه عنه، فقدم العباس الرُّصافة فأحكم ما كتب به إليه الوليد؛ وكتب إلى الوليد بأخذ بني هشام وحشمه وإحصاء أموال هشام، فقال الوليد:
لَيْتَ هِشامًا كان حَيًّا يَرَي ... مِحْلَبَهُ الأَوْفَرَ قَدْ أُترِعا (١)
ويروى:
لَيْت هشامًا عاشَ حتى يري ... مِكيْالَهُ الأَوْفَرَ قَدْ طُبّعا
كِلْنَاهُ بالصاعِ الذي كاله ... وما ظَلَمْنَاهُ به إِصْبعَا
وما أتينا ذاكَ عَنْ بِدْعَةٍ ... أَحَلَّهُ الفُرقانُ لي أجْمَعا
فاستعمل الوليد العمّال، وجاءته بيعته من الآفاق؛ وكتب إليه العمَّال، وجاءته الوفود؛ وكتب إليه مروان بن محمد:
بارك الله لأمير المؤمنين فيما أصاره إليه من ولاية عباده، ووراثة بلاده؛ وكان من تغشِّي غمْرة سكرة الولاية ما حمل هشامًا على ما حاول من تصغير ما عظّم الله من حقّ أمير المؤمنين، ورام من الأمر المستصعَب عليه؛ الذي أجابه إليه المدخولون (٢) في آرائهم وأديانهم؛ فوجد ما طمع فيه مستصعبًا، وزاحمته الأقدار بأشدّ مناكبها، وكان أمير المؤمنين بمكان من الله حاطه فيه حتى أزَّره بأكرم مناطق الخلافة، فقام بما أراه الله له أهلًا، ونهض مستقلًا بما حُمِّل منها، مثبتة ولايته في سابق الزُّبُر (٣) بالأجل المسمي، وخصّه الله بها على خلْقه وهو
стр. 4240
يرى حالاتِهم، فقلّده طَوقها، ورمى إليه بأزمّة الخِلافة وعِظم الأمور.
فالحمد لله الذي اختار أمير المؤمنين لخلافته، ووثائق عُرَى دينه، وذبّ له عما كاده فيه الظالمون، فرفعه ووضعهم؛ فمن أقام على تلك الخسِيسة من الأمور أوْبق (١) نفسه، وأسخطَ ربَّه، ومن عدلتْ به التوبة نازعًا عن الباطل إلى حقّ وجد الله توّابًا رحيمًا.
أُخْبِرُ أميرَ المؤمنين أكرمه الله أني عندما انتهى إليّ من قيامه بولاية خلافة الله، نهضتُ إلى منبري؛ عليّ سيفان مستعدًّا بهما لأهل الغشّ، حتى أعلمت مَنْ قِبلَي ما امتنّ الله به عليهم من ولاية أمير المؤمنين، فاستبشروا بذلك، وقالوا: لم تأتنا ولاية خليفة كانت آمالنا فيها أعظم ولا هي لنا أسرّ من ولاية أمير المؤمنين؛ وقد بسطتُ يدي لبيعتك فجدّدتها ووكَّدتها بوثائق العهود وترداد المواثيق وتغليظ الأيمان، فكلهم حسُنت إجابتُهم وطاعتُهم، فأثبْهم يا أميرَ المؤمنين بطاعتهم من مال الله الذي آتاك؛ فإنك أجودُهم جودًا وأبسطهم يدًا؛ وقد انتظروك راجين فضلَك قِبلَهم بالرّحم الذي استرحموك، وزدْهم زيادة يفضّل بها مَنْ كان قِبلَك؛ حتى يظهر بذلك فضلُك عليهم وعلي رعيّتِك؛ ولولا ما أحاول من سدّ الثغر (٢) الذي أنا به، لخفتُ أن يحملني الشوق إلى أمير المؤمنين أن أستخلف رجلًا على غير أمره، وأقدمَ لمعاينة أمير المؤمنين؛ فإنها لا يعدلها عندي عادل نعمة وإن عظمت؛ فإنْ رأي أمير المؤمنين أن يأذن لي في المسير إليه لأشافهه بأمور كرهتُ الكتاب بها فعل.
فلما وليَ الوليد أجري على زَمْني أهِل الشأم وعميانهم وكسَاهم، وأمر لكل إنسان منهم بخادم، وأخرج لعيالات الناس الطيبَ والكسوة؛ وزادهم على ما كان يخرج لهم هشام، وزاد الناس جميعًا في العطاء عشرة عشرة، ثم زاد أهل الشأم بعد زيادة العشرات عشرة عشرة؛ لأهل الشأم خاصّة، وزاد مَن وفد إليه من أهل بيته في جوائزهم الضِّعْف، وكان وهو وليّ عهد يُطعِم من وفد إليه من أهل الصائفة قافلًا، ويُطعِم من صدَر عن الحجّ بمنزل يقال له زِيزاء ثلاثة أيام،