← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

وحبسه، يضارّني بذلك، اللهم أجرني منه! وقال: أنا النذِيرُ لِمسْدِي نعمة أبدًا ... إلى المقاريف ما لَم يَخبُرِ الدّخَلَا (١) إن أَنْت أكرمتهُمْ أَلفَيْتهُم بُطُرًا ... وإِن أَهَنْتهُمُ أَلفيتهمْ ذُلُلا أتشمُخونَ ومنَّا رأَسُ نعمتِكمْ ... ستَعَلَمُونَ إِذَا كانت لنا دُوَلا انظرْ فإن كنت لم تَقدِرْ على مَثَل ... له سوى الكلب فاضربْه له مَثلا بينا يُسمِّنُهُ للصيدِ صاحبُهُ ... حتى إذا ما قوي مِنْ بَعدِ ما هُزلا عدَا عليه فلم تَضرُرْهُ عَدْوَتُهُ ... ولو أَطاقَ له أَكلا لقد أَكَلَا وكتب إلى هشام: لقد بلغني الذي أحدث أمير المؤمنين من قَطْع ما قطع عنّي، ومحو ما محا من أصحابي وحُرَمي وأهلي، ولم أكن أخاف أن يبتلِيَ الله أمير المؤمنين بذلك ولا أبالي به منه؛ فإن يكن ابن سُهَيل كان منه ما كان فبحسب العيْر أن يكون قدر الذئب؛ ولم يبلغ من صنيعي في ابن سُهيل واستصلاحه، وكتابي إلى أمير المؤمنين فيه كُنْه ما بلغ أمير المؤمنين من قطيعتي؛ فإن يكن ذلك لشيء في نفس أمير المؤمنين عليّ، فقد سبّب الله لي من العهد، وكتب لي مت العمر، وقسم لي من الرزق ما لا يقدر أحد دون الله على قطع شيء منه دون مُدّته، ولا صرف شيء عن مواقعه؛ فقدَر الله يجوي بمقاديره فيما أحبّ الناس أو كرهوا، ولا تأخيرَ لعاجله ولا تعجيل لآجله، فالناس بين ذلك يقترفون الآثام على نفوسهم من الله، ولا يستوجبون العقوبة عليه، وأمير المؤمنين أحقّ أمته بالبصر بذلك والحفظ له، والله الموفّق لأمير المؤمنين بحسن القضاء له في الأمور (٢). فقال هشام لأبي الزبير: يا نسَطاس، اْتري الناس يرضون بالوليد إن حدث بي حدث؟ قال: بل يطيل الله عمرَك يا أمير المؤمنين، قال: ويحك! لابدّ من

стр. 4237

الموت؛ أفتري الناس يرضَوْن بالوليد؟ قال: يا أمير المؤمنين؛ إنّ له في أعناق الناس بَيْعةً، فقال هشام: لئن رضي الناس بالوليد ما أظنُّ الحديث الذي رواه الناس: "إن من قام بالخلافة ثلاثة أيام لم يدخل النار"، إلا باطلًا. وكتب هشام إلى الوليد: قد فهم أمير المؤمنين ما كتبت به من قَطْع ما قَطَع عنك وغير ذلك؛ وأمير المؤمنين يستغفر الله من إجرائه ما كان يجري عليك؛ ولا يتخوّف على نفسه اقتراف المآثم في الذي أحدث من قطع ما قطع، ومحو من محا من صحابتك، لأمرين: أمّا أحدُهما فإيثار أمير المؤمنين إياك بما كان يجري عليك؛ وهو يعلم وضعَك له وإنفاقه في غير سبيله، وأما الآخر فإثبات صحابتك، وإدرار أرزاقهم عليهم؛ لا ينالهم ما ينال المسلمين في كلّ عام من مكروه عند قطع البعوث، وهم معك قجُول بهم في سَفهك؛ ولأميرُ المؤمنين أحري في نفسه للتقصير في القتْرِ عليك منه للاعتداء عليك فيها، مع أن الله قد نصر أمير المؤمنين في قَطْع ما قطع عنك من ذلك ما يرجو به تكفير ما يتخوّف مما سلف فيه منه، وأما ابنُ سُهيل فلعمري لئن كان نزل منك بما نزل، وكان أهلًا أن تُسرَّ فيه أو تساء؛ ما جعله الله كذلك، وهل زاد ابنُ سهيل - لله أبوك - على أن كان مغنيًا زفّانًا (١)، قد بلغ في السفه غايته! وليس ابن سهيل مع ذلك بشرٍّ ممَّن تستصحبه في الأمور التي يكرم أمير المؤمنين نفسه عن ذكرها، مما كنتَ لَعمر الله أهلًا للتوبيخ به؛ ولئن كان أمير المؤمنين على ظنك به في الحرص على فسادك؛ إنك إذًا لغير آلٍ عن هوى أمير المؤمنين من ذلك. وأما ما ذكرتَ مما سبّب الله لك؛ فإن الله قد ابتدأ أمير المؤمنين بذلك، واصطفاه له؛ والله بالغٌ أمره. لقد أصبح أمير المؤمنين وهو على اليقين من ربّه؛ أنه لا يملك لنفسه فيما أعطاه من كرامته ضَرًّا ولا نفعًا؛ وإن الله وليّ ذلك منه؛ وإنه لا بدّ له من مزايلته؛ والله أرأف بعباده وأرحم من أن يولي أمرهم غير الرضيّ له منهم، وإنّ أمير المؤمنين من حسن ظنه برّبه لعلي أحسن الرّجاء أن يوليه تسبيب ذلك لمن هو أهله في الرضا له به ولهم، فإنّ بلاءَ الله عند أمير المؤمنين

стр. 4238

أعظمُ من أن يبلغه ذكره، أو يؤديه شكره؛ إلا بعون منه؛ ولئن كان قُدِّرَ لأمير المؤمنين تعجيل وفاةٍ، وإنّ في الذي هو مفضٍ إليه إن شاء الله من كرامةِ الله لخَلَفًا من الدنيا، ولعمري إن كتابك إلى أمير المؤمنين بما كتبتَ به لغيرُ مستنكر من سفهك وحمقك، فاربَع على نفسك من غُلوائها، وارقأ على ظَلْعك؛ فإن لله سطوات وعينًا؛ يصيب بذلك من يشاءُ، ويأذن فيه لمن يشاء ممن شاء الله؛ وأميرُ المؤمنين يسأل الله العصمة والتوفيق لأحبّ الأمور إليه وأرضاها له. فكتب الوليد إلى هشام: رأَيتُكَ تبْنِي جاهدًا في قَطِيعَتِي (١) ... فَلَوْ كُنْتَ ذَا إِرْبٍ لَهَدَّمْت ما تبْنِي تُثِيرُ على الباقِينَ مَجْنَى ضَغينةٍ ... فَوَيلٌ لهُمْ إِنْ مِتّ مِن شَرّ ما تجني! كأَني بهمْ واللَّيْثُ أَفْضل قوْلهِمْ ... أَلَا لَيْتَنا واللَّيْث إذ ذاكَ لا يُغْنِي كفَرْتَ يَدًا مِنْ مُنْعِمٍ لو شَكَرَتَها ... جَزَاكَ بها الرَّحمنُ ذو الفضل والمنِّ قال: فلم يزل الوليد مُقيمًا في تلك البرّية حتى مات هشام؛ فلما كان صبيحةُ اليوم الذي جاءته فيه الخلافة، أرسل إلى أبي الزّبير المنذر بن أبي عمرو، فأتاه فقال له: يا أبا الزبير؛ ما أتت عليّ ليلة منذ عقلت عقلي أطولَ من هذه الليلة؛ عرضت لي هموم، وحدّثت نفسي فيها بأمور من أمر هذا الرجل؛ الذي قد أولع بي - يعني هشامًا - فاركب بنا نتنَّفس؛ فركبا، فسارا ميلين؛ ووقف على كثيب، وجعل يشكو هشامًا إذ نظر إلى رَهج، فقال: هؤلاء رسلُ هشام؛ نسأل الله من خيرهم، إذ بدا رجلان على البريد مقبلان؛ أحدهما مولىً لأبي محمد السفيانيّ، والآخر جَرْدَبَة. فلما قربا أتيا الوليد، فنزلا يعدوَان حتى دنَوَا منه، فسلما عليه بالخلافة، فوَجَم، وجعل جردبة يكرّر ﵇ بالخلافة، فقال: ويحك! أمات هشام! قال: نعم؛ قال فممّن كتابك؟ قال: من مولاك سالم بن عبد الرحمن صاحب ديوان الرسائل، فقرأ الكتاب وانصرفا، فدعا مولي أبي محمد السُّفيانيّ، فسأله عن كاتبه عياض بن مسلم، فقال: يا أمير المؤمنين؛ لم يزل محبوسًا حتى نزل بهشام أمرُ الله. فلما صار في حدّ لا تُرجَى الحياة لمثله أرسل عياض إلى الخُزّان؛

стр. 4239

أن احتفظوا بما في أيديكم، فلا يصلن أحدٌ منه إلى شيء. وأفاق هشام إفاقةً، فطلب شيئًا فمنعوه فقال: أرانا كنا خُزّانًا للوليد! ومات من ساعته، وخرج عياضٌ من السجن، فختم أبواب الخزائن، وأمر بهشام فأنزِل عن فرشه؛ فما وجدوا له قُمقمًا يسخّن له فيه الماء حتى استعاروه، ولا وجدوا كفنًا من الخزائن؛ فكفَّنه غالب مولي هشام؛ فكتب الوليد إلى العباس بن الوليد بن عبد الملك بن مروان أن يأتيَ الرُّصافة، فيحصيَ ما فيها من أموال هشام وولده، ويأخذ عمّاله وحشَمه؛ إلا مسلمة بن هشام؛ فإنه كتب إليه ألّا يعرض له، ولا يدخل منزله؛ فإنه كان يكثر أن يكلم أباه في الرّفق به، ويكفَّه عنه، فقدم العباس الرُّصافة فأحكم ما كتب به إليه الوليد؛ وكتب إلى الوليد بأخذ بني هشام وحشمه وإحصاء أموال هشام، فقال الوليد: لَيْتَ هِشامًا كان حَيًّا يَرَي ... مِحْلَبَهُ الأَوْفَرَ قَدْ أُترِعا (١) ويروى: لَيْت هشامًا عاشَ حتى يري ... مِكيْالَهُ الأَوْفَرَ قَدْ طُبّعا كِلْنَاهُ بالصاعِ الذي كاله ... وما ظَلَمْنَاهُ به إِصْبعَا وما أتينا ذاكَ عَنْ بِدْعَةٍ ... أَحَلَّهُ الفُرقانُ لي أجْمَعا فاستعمل الوليد العمّال، وجاءته بيعته من الآفاق؛ وكتب إليه العمَّال، وجاءته الوفود؛ وكتب إليه مروان بن محمد: بارك الله لأمير المؤمنين فيما أصاره إليه من ولاية عباده، ووراثة بلاده؛ وكان من تغشِّي غمْرة سكرة الولاية ما حمل هشامًا على ما حاول من تصغير ما عظّم الله من حقّ أمير المؤمنين، ورام من الأمر المستصعَب عليه؛ الذي أجابه إليه المدخولون (٢) في آرائهم وأديانهم؛ فوجد ما طمع فيه مستصعبًا، وزاحمته الأقدار بأشدّ مناكبها، وكان أمير المؤمنين بمكان من الله حاطه فيه حتى أزَّره بأكرم مناطق الخلافة، فقام بما أراه الله له أهلًا، ونهض مستقلًا بما حُمِّل منها، مثبتة ولايته في سابق الزُّبُر (٣) بالأجل المسمي، وخصّه الله بها على خلْقه وهو

стр. 4240

يرى حالاتِهم، فقلّده طَوقها، ورمى إليه بأزمّة الخِلافة وعِظم الأمور. فالحمد لله الذي اختار أمير المؤمنين لخلافته، ووثائق عُرَى دينه، وذبّ له عما كاده فيه الظالمون، فرفعه ووضعهم؛ فمن أقام على تلك الخسِيسة من الأمور أوْبق (١) نفسه، وأسخطَ ربَّه، ومن عدلتْ به التوبة نازعًا عن الباطل إلى حقّ وجد الله توّابًا رحيمًا. أُخْبِرُ أميرَ المؤمنين أكرمه الله أني عندما انتهى إليّ من قيامه بولاية خلافة الله، نهضتُ إلى منبري؛ عليّ سيفان مستعدًّا بهما لأهل الغشّ، حتى أعلمت مَنْ قِبلَي ما امتنّ الله به عليهم من ولاية أمير المؤمنين، فاستبشروا بذلك، وقالوا: لم تأتنا ولاية خليفة كانت آمالنا فيها أعظم ولا هي لنا أسرّ من ولاية أمير المؤمنين؛ وقد بسطتُ يدي لبيعتك فجدّدتها ووكَّدتها بوثائق العهود وترداد المواثيق وتغليظ الأيمان، فكلهم حسُنت إجابتُهم وطاعتُهم، فأثبْهم يا أميرَ المؤمنين بطاعتهم من مال الله الذي آتاك؛ فإنك أجودُهم جودًا وأبسطهم يدًا؛ وقد انتظروك راجين فضلَك قِبلَهم بالرّحم الذي استرحموك، وزدْهم زيادة يفضّل بها مَنْ كان قِبلَك؛ حتى يظهر بذلك فضلُك عليهم وعلي رعيّتِك؛ ولولا ما أحاول من سدّ الثغر (٢) الذي أنا به، لخفتُ أن يحملني الشوق إلى أمير المؤمنين أن أستخلف رجلًا على غير أمره، وأقدمَ لمعاينة أمير المؤمنين؛ فإنها لا يعدلها عندي عادل نعمة وإن عظمت؛ فإنْ رأي أمير المؤمنين أن يأذن لي في المسير إليه لأشافهه بأمور كرهتُ الكتاب بها فعل. فلما وليَ الوليد أجري على زَمْني أهِل الشأم وعميانهم وكسَاهم، وأمر لكل إنسان منهم بخادم، وأخرج لعيالات الناس الطيبَ والكسوة؛ وزادهم على ما كان يخرج لهم هشام، وزاد الناس جميعًا في العطاء عشرة عشرة، ثم زاد أهل الشأم بعد زيادة العشرات عشرة عشرة؛ لأهل الشأم خاصّة، وزاد مَن وفد إليه من أهل بيته في جوائزهم الضِّعْف، وكان وهو وليّ عهد يُطعِم من وفد إليه من أهل الصائفة قافلًا، ويُطعِم من صدَر عن الحجّ بمنزل يقال له زِيزاء ثلاثة أيام،

стр. 4241

ويعلف دوابّهم، ولم يقُلْ في شيء يُسأله: لا، فقيل: له: إن في قولك: أنظرُ، عِدَةً ما يقيم عليها الطالب؛ فقال: لا أعوّد لساني شيئًا لم أعتَده، وقال: ضمِنْتُ لكم إنْ لم تُعقْنِي عَوائِق ... بأَنَّ سَماءَ الضُرِّ عَنكم سَتُقْلِعُ (١) سَيُوشِكُ إلحاقٌ مَعًا وزيادةٌ ... وأعطِيَة مِنِّي عَليكُمْ تَبَرَّعُ مُحرَّمكُمْ دِيوانكُمْ وعطاؤكمْ ... به يكْتُبُ الكتَّابُ شَهْرًا وتَطبَعُ * * * وفي هذه السنة عقد الوليد بن يزيد لابنيْه الحكَم وعثمان البَيْعة من بعده، وجعلهما وليّيْ عهده؛ أحدهما بعد الآخر، وجعل الحكم مقدّمًا على عثمان، وكتب بذلك إلى الأمصار؛ وكان ممن كتب إليه بذلك يوسف بن عمر، وهو عامل الوليد يومئذ على العراق، وكتب بذلك يوسف إلى نَصر بن سيار؛ وكانت نسخة الكتاب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، من يوسف بن عمر إلى نَصْر بن سيّار؛ أما بعد فإني بعثت إليك نسخًة كتاب أمير المؤمنين الذي كتب به إلى مَنْ قِبَلي في الذي ولّي الحَكَم ابن أمير المؤمنين وعثمان ابن أمير المؤمنين من العهد بعده مع عقّال بن شَبَّة التميميّ وعبد الملك القينيّ، وأمرتهما بالكلام في ذلك؛ فإذا قدما عليك فاجمع لقراءة كتاب أمير المؤمنين الناس، ومُرْهم فليحشُدوا له، وقُمْ فيهم بالذي كتب أمير المؤمنين؛ فإذا فرغت فقم بقراءة الكتاب، وائْذَن لمن أراد أن يقوم بخطبة، ثم بايع الناس لهما على اسم الله وبركته، وخذ عليهم العهد والميثاق على الذي نسختُ لك في آخر كتابي هذا الذي نسخ لنا أمير المؤمنين في كتابه، فافهمه وبايع عليه، نسأل الله أن يبارك لأمير المؤمنين ورعيّته في الذي قضي لهم على لسان أمير المؤمنين، وأن يصلح الحَكم وعثمان، ويبارك لنا فيهما؛ والسلام عليك. وكتب النّضرْ يوم الخميس للنصف من شعبان سنة خمس وعشرين ومئة. بسم الله الرحمن الرحيم، تبايع لعبد الله الوليد أمير المؤمنين والحكَم ابن

стр. 4242

أمير المؤمنين إن كان من بعده وعثمان ابن أمير المؤمنين إن كان بعد الحكم على السمع والطاعة؛ وإن حدَث بواحد منهما حدث فأميرُ المؤمنين أملك في ولده ورعيته، يقدّم من أحبّ، ويؤخر مَنْ أحبّ. عليك بذلك عهد الله وميثاقه؛ فقال الشاعر في ذلك: نبايع عُثمانَ بَعْدَ الوَليـ ... ـد لِلعَهْدِ فينا ونرْجُو يَزِيدا كما كان إذا ذاك في ملكهِ ... يَزِيدُ يُرَجِّي لذاك الوَليدا عَلَى أَنَّها شَسَعَتْ شَسْمعَةً ... فنحْنُ نومّلُها أَن تَعُودا فإنْ هِيَ عَادَت فأَرْض القَريـ ... ـب عنها لِيؤيِسَ منها البَعِيدا قال أحمد: قال عليّ عن شيوخه الذين ذكرت: فقدِم عقّال بن شبَّة وعبد الملك بن نُعيم على نَصْر، وقدما بالكتاب وهو: أما بعدُ؛ فإنّ الله تباركتْ أسماؤه، وجلّ ثناؤه، وتعالي ذكره، اختار الإسلام دينًا لنفسه، وجعله دين خيرته من خَلْقه، ثم اصطفي من الملائكة رُسُلًا ومن الناس؛ فبعثهم به، وأمرهم به؛ وكان بينهم وبين مَن مضي من الأمم، وخلا من القرون قَرْنًا فقرْنًا يدعون إلى التي هي أحسن، ويهدون إلى صراط مستقيم؛ حتى انتهت كرامة الله في نبوّته إلى محمد صلوات الله عليه؛ على حين دُروسٍ من العلم، وعميً من الناس، وتشتيت من الهوي، وتفرّقٍ من السبُل، وطموسٍ من أعلام الحق؛ فأبان الله به الهُدَي، وكشف به العمي، واستنقذ به من الضلالة والرّدَي، وأبهج به الدين؛ وجعله رحمةً للعالمين، وختم به وحَيه، وجمع له ما أكرم به الأنبياء قبله؛ وقفَّي به على آثارهم؛ مصدّقًا لما نزل معهم، ومهيمنًا عليه، وداعيًا إليه، وآمرًا به؛ حتى كان مَنْ أجابه من أمته، ودخل في الدين الذي أكرمهم الله به، مصدّقين لما سلف من أنبياء الله فيما يكذّبهم فيه قومُهم، منتصحين لهم فيما يُنهونه، ذابّين لحُرمهم عما كانوا منتهكِين؛ معظمين منها لما كانوا مصغّرين؛ فليس من أمة محمد ﷺ أحدٌ كان يسمع لأحد من أنبياء الله فيما بعثه الله به مكذبًا، ولا عليه في ذلك طاعنًا، ولا له مؤذيًا بتسفيه له، أو ردٍّ عليه. أو جحد ما أنزل الله عليه ومعه، فلم يبقَ كافر إلا استحلّ بذلك دمَه، وقطع الأسباب التي كانت بينه وبينه؛ وإن كانوا آباءهم أو أبناءهم أو عشيرتَهم، ثم استخلف خلفاءه على منهاج نبوتّه؛ حين قبض نبيَّه ﷺ ، وختَم به وحَيه لإنفاذ

стр. 4243

حكمه، وإقامة سنّته وحدوده، والأخذ بفرائضه وحقوقه، تأييدًا بهم للإسلام، وتشييدًا بهم لعُرَاه؛ وتقويةً بهم لقوي حبله، ودفعًا بهم عن حريمه، وعَدْلًا بهم بين عباده، وإصلاحًا بهم لبلاده؛ فإنه تبارك وتعالي يقول: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (١)، فتتابع خلفاء الله على ما أورثَهم الله عليه من أمر أنبيائه، واستخلفهم عليه منه؛ لا يتعرّض لحقهم أحد إلا صرَعه الله، ولا يفارق جماعتهم أحدٌ إلا أهلكه الله؛ ولا يستخفّ بولايتهم، ويتَّهم قضاء الله فيهم أحدٌ إلا أمكنَهم الله منه، وسلّطهم عليه، وجعله نكالًا وموعظة لغيره؛ وكذلك صنع الله بمن فارقَ الطاعة التي أمر بلزومها والأخذ بها، والأثرة لها؛ والتي قامت السموات والأرض بها؛ قال الله تبارك وتعالي: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾ (٢) وقال عزّ ذكره: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ (٣). فبالخلافة أبقى مَن أبقي في الأرض من عباده، وإليها صيّره، وبطاعة مَنْ ولّاه إياها سعد من ألهمها ونصرها؛ فإن الله علم أنْ لا قوام لشيء، ولا صلاح له إلا بالطاعة التي يحفظ الله بها حقه، ويُمضي بها أمره، ويُنْكِل (٤) بها عن معاصيه، ويوقف عن محارِمه، ويذبّ عن حرُماته؛ فمن أخذ بحظه منها كان لله وليًّا ولأمره مطيعًا، ولرشده مصيبًا، ولعاجل الخير وآجله مخصوصًا؛ ومَن تركها ورغب عنها وحادّ الله فيها أضاع نصيبَه، وعصي ربّه، وخسر دنياه وآخرته؛ وكانَ ممن غلبت عليه الشِّقْوة، واستحوذت عليه الأمور الغاوية، التي تورد أهلها أفظعَ المشارع (٥)، وتقودهم إلى شرّ المصارع، فيما يحلّ الله بهم في الدنيا من الذلة والنقمة، ويصيّرهم فيما عندهم من العذاب والحسْرة.

стр. 4244

والطاعة رأس هذا الأمر وذِرْوته وسنامه ومِلاكه وزمامه، وعصمته وقوامه بعد كلمة الإخلاص التي ميّز الله بها بين العباد، وبالطاعة نال المفلحون من الله منازلهم، واستوجبوا عليه ثوابهم، وفي المعصية مما يحلّ بغيرهم من نقماته، ويُصيبهم عليه، ويحقُّ من سخطه وعذابه، وبترك الطاعة والإضاعة لها والخروج منها والإدبار عنها والتبذّل [للمعصية] بها، أهلك الله مَن ضلّ وعَتا، وعمى وغلا، وفارق مناهج البرّ والتقوى. فالزموا طاعة الله فيما عَراكم ونالكم؛ وألَمَّ بكم من الأمور وناصحوها واستوثقوا عليها، وسارعوا إليها وخالصوها، وابتغوا القُرْبة إلى الله بها؛ فإنكم قد رأيتم مواقع الله لأهلها في إعلائه إياهم، وإفلاجه (١) حجّتهم، ودفعه باطل مَنْ حادّهم وناوأهم وساماهم، وأراد إطفاء نور الله الذي معهم، وخُبّرتُم مع ذلك ما يصير إليه أهل المعصية من التَّوبيخ لهم والتقصير بهم؛ حتى يؤولَ أمرُهم إلى تبار وصَغار، وذلة وبوار، وفي ذلك لمن كان له رأي وموعظة عبرة يُنتفع بواضحها، ويتمسَّك بحظوتها؛ ويعرف خيرة قضاء الله لأهلها. ثم إن الله - وله الحمد والمنّ والفضل - هدي الأمة لأفضل الأمور عاقبةً لها في حَقْن دمائها، والتئام ألفتها، واجتماع كَلِمتها، واعتدال عَمُودها، وإصلاح دهمائها (٢). وذخر النعمة عليها في دنياها، بعد خلافَتِه التي جعلها لهم نظامًا، ولأمرهم قوامًا؛ وهو العهد الذي ألهم الله خلفاءه توكيَده والنظر للمسلمين في جسيم أمرهم فيه؛ ليكون لهم عندما يحدث بخلافائهم ثقةً في المفزع وملتجأ في الأمر، ولمًّا للشَّعَث، وصلاحًا لذات البَيْن، وتثبيتًا لأرجاء الإسلام، وقطعًا لنزغات الشيطان، فيما يتطلع إليه أولياؤه، ويُوثبهم عليه من تلَف هذا الدين وانصداع شَعْب أهله، واختلافهم فيما جمعهم الله عليه منه؛ فلا يريهم الله في ذلك إلّا ما ساءهم، وأكذب أمانيَّهم، ويجدون الله قد أحكم بما قضي لأوليائه من ذلك عُقد أمورهم، ونفي عنهم من أراد فيها إدغالًا أو بها إغلالًا، أو لما شدّد الله منها توهينًا، أو فيما تولّى الله منها اعتمادًا، فأكمل الله بها لخلفائه وحِزْبه البَرّ

стр. 4245

الذين أودعهم طاعته أحسن الذي عوّدهم، وسبّب لهم من إعزازه وإكرامه وإعلائه وتمكينه، فأمْرُ هذا العهد من تمام الإسلام، وكمال ما استوجب الله على أهله من المنَن العظام؛ ومما جعل الله فيه لمن أجراه على يديْه، وقضي به على لسانه، ووفّقه لمن ولّاه هذا الأمر عنده أفضلَ الذُّخر؛ وعند المسلمين أحسن الأثر فيما يؤثِر بهم من منفعته، ويتّسع لهم من نعمته، ويستندون إليه من عِزّه، ويدخلون فيه من وزره الذي يجعل الله لهم به منَعة، ويحرزهم به من كلّ مهلّكة، ويجمعهم به من كلّ فُرقة، ويقمع به أهل النفاق، ويعصِمهم به من كلّ اختلاف وشقاق، فاحمدَوا الله ربَّكم الرؤوف بكم، الصانع لكم في أموركم على الذي دلّكم عليه من هذا العهد؛ الذي جعله لكم سكنًا ومعولًا تطمئنون إليه، وتستظلون في أفنانه؛ ويستنهج لكم به مثْنَي أعناقكم، وَسِمات وجوهكم، وملتَقي نواصيكم في أمر دينكم ودنياكم؛ فإنّ لذلك خطرًا عظيمًا من النعمة، وإنّ فيه من الله بلاء حسنًا في سعة العافية؛ يعرفه ذوو الألباب والنيات المريِّئون (١) من أعمالهم في العواقب، والعارفون منارَ مناهج الرّشد؛ فأنتم حقيقون بشكْر الله فيما حفظ به دينكم وأمر جماعتكم من ذلك، جديرون بمعرفة كنه واجب حقه فيه، وحمده على الذي عزم لكم منه؛ فلتكن منزلة ذلك منكم، وفضيلته في أنفسكم على قَدْر حسن بلاء الله عندكم فيه إن شاء الله، ولا قوّة إلا بالله. ثم إنّ أمير المؤمنين لم يكن منذ استخلفه الله بشيء من الأمور أشدَّ اهتمامًا وعنايةً منه بهذا العهد؛ لعلمه بمنزلته من أمر المسلمين، وما أراهم الله فيه من الأمور التي يغتبطون بها، ويكرمهم بما يقضي لهم ويختار له ولهم فيه جهده؛ ويستقضي له ولهم فيه إلهه ووليّه؛ الذي بيده الحكْم وعند الغيب، وهو على كل شيء قدير، ويسأله أن يعينه من ذلك على الذي هو أرشد له خاصة وللمسلمين عامَّة. فرأى أمير المؤمنين أن يعهدَ لكم عهدًا بعد عهد، تكونون فيه على مثل الذي كان عليه من كان قبلكم، في مُهْلة من انفساح الأمل وطُمأنينة النفس، وصلاح ذات البين؛ وعِلْم موضع الأمر الذي جعله الله لأهله عصمةً ونجاةً وصلاحًا وحياة، ولكل منافق وفاسق يحبّ تلف هذا الدّين وفساد إهله وقْمًا وخسارًا

стр. 4246

وقدْعًا (١)، فولَّى أمير المؤمنين ذلك الحكمَ ابن أمير المؤمنين، وعثمان ابن أمير المؤمنين من بعده، وهما ممّن يرجو أمير المؤمنين أن يكون الله خلقه لذلك وصاغه، وأكمل فيه أحسنَ مناقب من كان يوليه إياه، في وفاء الرّأي وصحة الدين، وجزالة المروءة والمعرفة بصالح الأمور، ولم يألُكم أمير المؤمنين ولا نفسه في ذلك اجتهادًا وخيرًا. فبايعوا للحكَم ابن أمير المؤمنين باسم الله وبركتِه ولأخيه من بعده؛ على السمع والطاعة، واحتسبوا في ذلك أحسنَ ما كان الله يُريكم ويبليكم ويعوّدكم ويعرّفكم في أشباهه فيما مضي، من اليسر الواسع والخير العام، والفضل العظيم الذي أصبحتم في رَجائه وخفضه وأمنه ونعمته، وسلامته وعصمته، فهو الأمر الذي استبطأتموه واستسرعتم إليه، وحمدتم الله على إمضائه إياه، وقضائه لكم، وأحدثتم فيه شكرًا، ورأيتموه لكم حظًّا، تستبقونه وتجهدون أنفسكمِ في أداء حقّ الله عليكم، فإنه قد سبق لكم في ذلك من نِعمَ الله وكرامته وحسن قسْمه ما أنتم حقيقون أن تكون رغبتكم فيه، وحَدَبكم عليه، على قَدْر الذي أبلاكم الله، وصنع لكم منه. وأمير المؤمنين مع ذلك إن حدث بواحد من وليّيْ عهده حَدَثٌ أَوْلَي بأن يجعل مكانه وبالمنزل الذي كان به مَنْ أحبّ أن يجعل من أمته أو ولده، ويقدّمه بين يدي الباقي منهما إن شاء، أو أن يؤخره بعده، فاعلموا ذلك وافهموه. نسأل الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم أنْ يبارك لأمير المؤمنين ولَكُم في الذيما قضي به على لسانه من ذلك وقدّر منه؛ وأن يجعل عاقبته عافيةً وسرورًا وغبطة؛ فإن ذلك بيده ولا يملكه إلا هُوَ، ولا يرغب فيه إلا إليه، والسلام عليكم ورحمة الله. وكتب سَمَال يوم الثلاثاء لثمان بقين من رجب سنة خمس وعشرين ومئة. * * * وفيها وفد يوسف بن عمر على الوليد، فاشتري نصرًا وعماله منه، فردّ إليه الوليد ولاية خراسان. وفي هذه السنة كتب يوسف بن عمر إلى نصر بن سيَّار يأمره بالقدوم عليه،

стр. 4247

ويحمل معه ما قدَر عليه من الهدايا والأموال. * ذكر الخبر عما كان من أمر يوسف ونصر في ذلك: ذكر عليّ عن شيوخه: أن يوسف كتب إلى نَصْر بذلك، وأمرَه أن يقدَم معه بعياله أجمعين، فلما أتي نصرًا كتابه، قسّم على أهل خراسان الهدايا وعلي عُمّاله، فلم يدعْ بخُراسان جاريةً ولا عبدًا ولا بِرذوْنا فارهًا إلا أعدَّه، واشتري ألف مملوك، وأعطاهم السلاح، وحملهم على الخيل. قال: وقال بعضهم: كان قد أعدَّ خمسمئة وصيفة، وأمر بصنعة أباريق الذّهب والفِضَّة وتماثيل الظباء ورؤوس السّباع والأيايل وغير ذلك؛ فلما فرغ من ذلك كله كتب إليه الوليد يستحثّه، فسّرح الهدايا حتى بلغ أوائلها بَيْهق؛ فكتب إليه الوليد يأمره أن يبعث إليه ببرابط وطنابير، فقال بعض شعرائهم: فأَبْشِرْ يا أَمِينَ اللـ ... ـهِ أَبشِرْ بتَباشِيْر بإِبْل يُحْمَلُ المالُ ... عليها كالأَنابيرْ بِغالٌ تَحْملُ الخمرَ ... حَقائِبها طَنابِيرْ ودَلُّ البَرْبَريَّاتِ ... بِصَوتِ البَمِّ والزيْر وقَرْعُ الدُّفِّ أحيانًا ... ونَفْخٌ بالمزامِيرْ فهذا لك في الدنيا ... وفي الجَنَّةِ تَحْبيرْ قال: وقدم الأزرق بن قرّة المِسمَعيُّ من التِّرمذ أيام هشام على نصر، فقال لنصر: إنْي أريتُ الوليد بن يزيد في المنام؛ وهو وليّ عهد شبه الهارب من هشام، ورأيتُه على سرير، فشرب عسلًا وسقاني بعضه، فأعطاه نصر أربعة آلاف دينار وكُسوة، وبعثه إلى الوليد، وكتب إليه نصر. فأتي الأزرقُ الوليد، فدفع إليه المال والكسوة، فسُرّ بذلك الوليد، وألطف الأزرق، وجزي نصرًا خيرًا، وانصرف الأزرق، فبلغه قبل أن يصل إلى نَصْر موتُ هشام، ونصر لا علم له بما صنع الأزرق، ثم قدم عليه فأخبره؛ فلمّا ولي الوليدُ كتب إلى الأزرق وإلي نصر، وأمر رسوله أن يبتدئ بالأزرق فيدفع إليه كتابه، فأتاه ليلًا، فدفع إليه كتابه وكتاب نصر، فلم يقرأ الأزرق كتابه، وأتي نصرًا بالكتابين؛ فكان في كتاب الوليد إلى نصر يأمره أن يتّخذ له برابط وطنابير وأباريق ذهب وفضة، وأن يجمع له كلَّ صَنّاجة بخراسان يقدر عليها، وكلَّ بارئ

стр. 4248

وبِرْذون فاره، ثم يسير بذلك كله بنفسه في وجوه أهل خراسان، فقال رجل من باهلة: كان قوم من المنجّمين يُخبرون نصرًا بفتنةٍ تكون؛ فبعث نصر إلى صدقة بن وثَّاب وهو ببلْخ - وكان منجمًا - وكان عنده، وألحَّ عليه يوسف بالقدوم؛ فلم يزل يتباطأ، فوجّه يوسف رسولًا وأمره بلزومه يستحثه بالقدوم، أو ينادي في الناس أنه قد خَلَع؛ فلما جاءه الرسول أجازه وأرضاه، وتحوّل إلى قصره الذي هو دار الإمارة اليوم؛ فلم يأت لذلك إلا يسير حتى وقعت الفتنة، فتحوّل نصر إلى قصره بماجان، واستخلف عصمة بن عبد الله الأسديّ على خُراسان، وولّي المهلبَ بن إياس العدويّ الخراج، وولّي موسي بن ورقاءَ الناجيَ الشاشَ، وحسان من أهل صَغَانِيانَ الأسديَّ سَمَرْقند، ومُقاتل بن عليّ الشُغديَّ آمُل، وأمرهم إذا بلغهم خروجُه من مَرْو أن يستحلبوا الترك؛ وأن يغيروا على ما وراء النهر؛ لينصرف إليهم بعد خروجه، يعتلُّ بذلك، فبينما هو يسير يومًا إلى العراق طَرَقَه ليلًا موليً لبني لَيث؛ فلمَّا أصبح أذِن للناس، وبعث إلى رسل الوليد؛ فحمد الله وأثني عليه، ثم قال: قد كان في مسيري ما قد علمتُم، وبعثي بالهدايا ما رأيتم؛ فطرَقني فلان ليلًا، فأخبرني أنّ الوليد قد قُتل، وأن الفتنة قد وقعت بالشأم؛ وقدم منصور بن جمهور العراق، وقد هرب يوسف بن عمر، ونحن في بلاد قد علمتم حالتها وكثرة عدوّنا، ثم دعا بالقادم فأحلفه إنّ ما جاء به لحقّ! فحلف؛ فقال سلْم بن أحوز: أصلح الله الأمير، لو حَلفتُ لكنت صادقًا؛ إنه بعض مكايد قريش، أرادوا تهجين طاعتِك، فسِرْ ولا تهجِّنا. قال: يا سلم أنتَ رجل لك علم بالحروب، ولك مع ذلك حسن طاعة لبني أمية؛ فأمَّا مثل هذا من الأمور فرأيك فيه رأي أمَة همّاء (١). ثم قال نصر: لم أشهد بعد ابن خازم أمرًا مفظعًا إلّا كنت المفزِعَ في الرأي؛ فقال الناس: قد علمنا ذلك، فالرأي رأيك. [٧/ ٢٠٩ - ٢٢٦]. * * * وفي هذه السنة وجَّه الوليد بن يزيد خاله يوسف بن محمد بن يوسف الثقفيّ واليًا على المدينة ومكة والطائف، ودفع إليه إبراهيم ومحمد ابني هشام بن

стр. 4249

إسماعيل المخزومي موثَقَيْن في عباءتين، فقدم بهما المدينة يوم السبت لاثنتي عشرة بقيت من شعبان سنة خمس وعشرين ومئة، فأقامهما للناس بالمدينة، ثم كتب الوليد إليه يأمره أن يبعث بهما إلى يوسف بن عمر، وهو يومئذ عامله على العراق؛ فلما قدما عليه عذبّهما حتى قتلهما؛ وقد كان رُفع عليهما عند الوليد أنهما أخذا مالًا كثيرًا. * * * وفي هذه السنة عزل يوسف بن محمد سعد بن إبراهيم عن قضاء المدينة، وولاهما يحيى بن سعيد الأنصاريّ. * * * غزو قبرس وفيها غزّى الوليد بن يزيد أخاه الغَمْر بن يزيد بن عبد الملك، وأمَّر على جيش البحر الأسودَ بن بلال المحاربيّ، وأمره أن يسير إلى قبرس فيخيّرهم بين المسير إلى الشأم إن شاؤوا، وإن شاؤوا إلى الروم، فاختارت طائفة منهم جوار المسلمين، فنقلهم الأسود إلى الشأم؛ واختار آخرون أرض الروم فانتقلوا إليها. * * * وفيها قدم سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم ولاهز بن قُريظ وقحطبة بن شبيب مكة، فلقوا - في قول بعض أهل السيرَ - محمد بن عليّ فأخبروه بقصّة أبي مسلم وما رأوْا منه؛ فقال لهم؛ أحرٌّ هو أم عبد؟ قالوا: أما عيسي فيزعم أنّه عبد، وأما هو فيزعم أنه حرٌّ. قال: فاشتروْه وأعتقوه، وأعطوا محمد بن عليّ مئتي ألف درهم وكسوة بثلاثين ألف درهم، فقال لهم: ما أظنكم تلقوني بعد عامي هذا، فإن حدَثَ بي حدث فصاحبكم إبراهيم بن محمد، فإني أثق به وأوصيكم به خيرًا، فقد أوصيته بكم، فصدروا من عنده. [٧/ ٢٢٦ - ٢٢٧]. وحجّ بالناس في هذه السنة يوسف بن محمد بن يوسف الثقفيّ، حدثني بذلك أحمد بن ثابت، عمَّن ذكره، عن إسحاق بن عيسي، عن أبي معشر. [٧/ ٢٢٨]. * * *

стр. 4250

* ذكر الخبر عن مقتله: قد مضى ذكرُنا قبلُ أمرَ مصير يحيى بن زيد بن عليّ إلى خراسان، وسبب ذلك؛ ونذكر الآن سبَب مقتله؛ إذ كان ذلك في هذه السنة. ذكر هشام بن محمد الكلبيّ عن أبي مخنف، قال: أقام يحيى بن زيد بن عليّ عند الحَريش بن عمرو بن داود ببَلْخ حتى هلك هشام بن عبد الملك، وولي الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فكتب يوسف بن عمر إلى نَصْر بن سيّار بمسير يحيى بن زيد وبمنزله الذي كان ينزل؛ حتى أخبره أنه عند الحَريش، وقال له: ابعث إليه وخُذْه أشدّ الأخذ. فبعث نصر بن سيَّار إلى عَقِيل بن معقِل العجليّ، يأمره أن يأخذ الحرِيش ولا يفارقه حتى تزهق نفسه أو يأتيه بيحيى بن زيد بن عليّ. فبعث إليه عقيل، فسأله عنه، فقال: لا عِلْمَ لي به، فجلده ستمئة سَوْط، فقال له الحَرِيش: والله لو أنه كان تحت قدميّ ما رفعتُهما لك عنه؛ فلما رأي ذلك قُرَيش بن الحَريش أتي عَقِيلًا، فقال: لا تقتل أبي وأنا أدلك عليه، فأرسل معه فدلّه عليه، وهو في بيت في جوف بيت، فأخذه ومعه يزيد بن عمر والفضل مولي عبد القيس - كان أقبل معه من الكوفة - فأتي به نصر بن سيَّار فحبسه، - وكتب إلى يوسف بن عمر يخبره بذلك؛ فكتب بذلك يوسف إلى الوليد بن يزيد، فكتب الوليد إلى نصر بن سيَّار، يأمره أن يؤمنَه، ويخلّي سبيله وسبيل أصحابه، فدعاه نصر بن سيَّار، فأمره بتقوي الله، وحذَّره الفتنة، وأمره أن يلحق بالوليد بن يزيد، وأمر له بألفي درهم وبغلين، فخرج هو وأصحابه حتى انتهى إلى سَرَخْس، فأقام بها وعليها عبد الله بن قيس بن عُبّاد، فكتب إليه نصر بن سيّار أن يشخصه عنها، وكتب إلى الحسن بن زيد التميميّ - وكان رأس بني تميم، وكان على طُوس - أن انظر يحيى بن زيد، فإذا مرّ بكم فلا تَدَعه يقيم بطوس حتى يخرج منها، وأمرهما إذا هو مرّ بهما ألّا يُفارقاه حتى يدفعاه إلى عمرو بن زرارة بأبْرَشهر. فأشخصه عبد الله بن قيس من سَرْخس، ومرّ بالحسن بن زيد فأمره أن يمضي، ووكّل به سرحان بن فرُّوخ بن مجاهد بن بلعاء العنبريّ أبا الفضل، وكان على مَسْلحة. قال: فدخلت عليهُ، فذكر نصرَ بن سيّار، وما أعطاه؛ فإذا هو كالمستقلّ له؛ فذكر أمير المؤمنين الوليد بن يزيد، فأثني عليه، وذكر مجيئه بأصحابه معه،

стр. 4251

وأنه لم يأت بهم إلا مخافة أن يُسَمَّ أو يُغَمَّ، وعرَّض بيوسف؛ وذكر أنه إياه يتخوَّف، وقد كان أراد أن يقع فيه ثم كفّ، فقلت له: قُل ما أحببت رحمك الله؛ فليس عليك مني عين؛ فقد أتي إليك ما يستحقّ أن تقول فيه. ثم قال: العجب من هذا الذي يقيم الأحراس أو أمر الأحراس، قال: - وهو حينئذ يتفصّح: والله لو شئتُ أن أبعث إليه؛ فأوتَي به مربوطًا، قال: فقلتُ له: لا واللهِ ما بك صُنع هذا؛ ولكن هذا شيء يصنع في هذا المكان أبدًا، لمكان بيت المال، قال: واعتذرتُ إليه من مسيري معه، وكنت أسير معه على رأس فرْسخ، فأقبلنا معه حتى وقعنا إلى عمرو بن زُرارة، فأمر له بألف درِهم، ثم أشخصه حتى انتهى إلى بَيْهق، وخاف اغتيال يوسف إياه، - فأقبل من بَيْهق - وهي أقصي أرض خراسان، وأدناه من قُومِس - فأقبل في سبعين رجلًا إلى عمرو بن زرارة، ومرّ به تجار، فأخذ دوابّهم، وقأل: علينا أثمانها، فكتب عمرو بن زرارة إلى نصر بن سيار، فكتب نصر إلى عبد الله بن قيس وإلي الحسن بن زيد أن يمضيا إلى عمرو بن زرارة، فهو عليهم، ثم ينصبوا ليحيى بن زيد فيقاتلوه، فجاؤوا حتى انتهوْا إلى عمرو بن زرارة، واجتمعوا فكانوا عشرة آلاف، وأتاهم يحيى بن زيد؛ وليس هو إلّا في سبعين رجلًا، فهزمهم وقتل عمرو بن زرارة، وأصاب دوابّ كثيرة. وجاء يحيى بن زيد حتى مرّ بهَراة، وعليها مغلّس بن زياد العامريّ، فلم يعرض واحد منهما لصاحبه، فقطعها يحيى بن زيد، وسرّح نصر بن سيَّار سلم بن أحوز في طلب يحيى بن زيد، فأتي هَرَاة حين خرج منها يحيى بن زيد فأتبعه فلحقه بالجوزجان بقرية منها، وعليها حماد بن عمرو السُّغديّ. قال: ولحق بيحيى بن زيد رجل من بني حنيفة يقال له أبو العجلان، فقتِل يومئذ معه: ولحق به الحَسْحاس الأزديّ فقطع نصر بعد ذلك يدَه ورجله. قال: فبعث سلم بن أحوز سَوْرة بن محمد بن عزيز الكنديّ على ميمنته، وحمّاد بن عمرو السغديّ على ميسرته، فقاتله قتالًا شديدًا، فذكروا أن رجلًا من عَنَزة، يقال له عيسى، مولى عيسى ين سليمان العَنَزيّ رماه بنُشَّابة، فأصاب جبهته. قال: وقد كان محمد شهد ذلك اليوم، فأمره سلم بتعبئَة الناس، فتمارض

стр. 4252

عليه، فعبّي الناس سوْرة بن محمد بن عزيز الكنديّ، فاقتتلوا فقُتلوا من عند آخرهم، ومرّ سوْرة بيحيى بن زيد فأخذ رأسه، وأخذ العَنِزيّ سلَبه وقميصَه، وغلبه سوْرة على رأسه. فلما قتل يحيى بن زيد وبلغ خبرُه الوليد بن زيد، كتب - فيما ذكر هشام عن موسى بن حبيب؛ أنه حدثه - إلى يوسف بن عمر: إذا أتاك كتابي هذا، فانظر عجل العراق فأحرقه ثم انسفه في اليمّ نسفًا، قال: فأمر يوسف خراش بن حوشب، فأنزله من جِذْعه وأحرقه بالنار، ثم رضّه فجعله في قَوْصرة، ثم جعله في سفينة، ثم ذرّاه في الفرات. [٧/ ٢٢٨ - ٢٣٠]. قال: وقال عمرو بن سعيد الثقفيّ: أوفدني يوسف بن عمر إلى الوليد فلما قدمتُ قال لي: كيف رأيتَ الفاسقَ؟ يعني بالفاسق الوليد - ثم قال: إياك أن يسمع هذا منك أحدٌ، فقلت: حبيبة بنت عبد الرحمن بن جُبير طالق إن سمعتْه أذني ما دمتَ حيًّا؛ فضحك. قال: فثقل الوليدُ على الناس، ورماه بنو هشام وبنو الوليد بالكُفر وغشيان أمّهات أولاد أبيه، وقالوا: قد اتخذ مئة جامعة؛ وكتب على كلّ جامعة اسمَ رجل من بني أمية ليقتله بها، ورموْه بالزّندقة، وكان أشدّهم فيه قولًا يزيد بن الوليد بن عبد الملك، وكان الناسُ إلى قوله أميل؛ لأنه كان يُظِهر النسك ويتواضع، ويقول: ما يسعنا الرضَا بالوليد؛ حتى حمل الناس على الفتْك به. [٧/ ٢٣٢]. * * * وقال عليّ عن الحكم بن النعمان، قال: أجمع الوليد على عزل يُوسف واستعمال عبد الملك بن محمد بن الحجّاج، فكتب إلى يوسف: إنك كتبتَ إلى أمير المؤمنين تذكر تخريبَ ابن النصرانيَّة البلاد، وقد كنتَ على ما ذكرت من ذلك تحمل إلى هشام ما تحمل، وقد ينبغي أن تكون قد عَمَرت البلاد حتى رددتَها إلى ما كانت عليه؛ فاشخص إلى أمير المؤمنين، فصدّق ظنَّه بك فيما تحمل إليه لعمارتك البلاد، وليعرِف أمير المؤمنين فضلَك على غيرك؛ لما جعل الله بينك وبين أمير المؤمنين من القَرابة؛ فإنك خالُه، وأحقّ الناس بالتوفير عليه، ولما قد علمتَ ممّا أمر به أمير المؤمنين لأهل الشأم، وغيرهم من الزّيادة في أعطياتهم، وما وصل به أهلَ بيته لطول جَفْوة هشام إياهم، حتى أضرّ ذلك

стр. 4253

ببيوت الأموال، قال: فخرج يوسف واستخلف ابن عمّه يوسف بن محمد، وحمل من الأموال والأمتعة والآنية ما لم يحملْ من العراق مثله. فقدم - وخالد بن عبد الله محبوس - فلقيه حسَان النَّبطيّ ليلًا، فأخبره أنّ الوليد عازم على تولية عبد الملك بن محمد بن الحجاج، وأنه لابدّ ليوسف فيها من إصلاح أمر وزرائه، فقال: ليس عندي فضل درهم، قال: فعندي خمسمئة ألف درهم، فإن شئتَ فهي لك، وإن شئت فارددْها إذا تيسرت. قال: فأنت أعرفُ بالقوم ومنازلهم من الخليفة مني، ففرّقْها على قدر عِلْمِك فيهم، ففعل، وقدم يوسف والقوم يعطمّونه، فقال له حسان: لا تَغْدُ على الوليد؛ ولكن رُحْ إليه رواحًا؛ واكتب على لسان خليفتك كتابًا إليك: إنّي كتبت إليك ولا أملك إلا القَصْر، وادخل على الوليد والكتابُ معك متحازِنًا، فأقْرئه الكتاب، ومُرْ أبان بن عبد الرحمن النميريّ يشتري خالدًا منه بأربعين ألف ألف، ففعل يوسف، فقال له الوليد: ارجع إلى عملك، فقال له أبان: ادفع إليّ خالدًا وأدفع إليك أربعين ألف ألف درهم، قال: ومن يضمن عنك؟ قال: يوسف، قال: أتضمن عنه؟ قال: بل ادفعه إليّ، فأنا أستأديه خمسين ألف ألف، فدفعه إليه، فحمله في محمل بغير وِطاء. قال محمد بن محمد بن القاسم: فرحمتُه، فجمعت ألطافًا كانت معنَا من أخبصة يابسة وغيرها في منديل، وأنا على ناقة فارهة، فتغَفّلتُ يوسفَ، فأسرعتُ ودنوتُ من خالد، ورميتُ بالمنديل في محمله، فقال لي: هذا من متاع عُمان - يعني أن أخي الفَيْض كان على عُمان، فبعث إليّ بمال جسيم - فقلت في نفسي: هذا على هذه الحالة وهو لا يَدع هذا! ففطن يوسف بي فقال لي: ما قلتَ لابن النصرانيَّة؟ فقلت: عرضتُ عليه الحاجة، قال: أحسنتَ، هو أسير؛ ولو فطن بما ألقيتُ إليه للقيني منه أذيً. وقدم الكوفة فقتله في العذاب؛ فقال الوليد بن يؤيد - فيما زعم الهيثم بن عديّ - شعرًا يُوبّخ به أهل اليمن في تركهم نُصرة خالد بن عبد الله. وأما أحمد بن زهر، فإنه حدّثه عن عليّ بن محمد؛ عن محمد بن سعيد العامريّ، عامر كلب، أنّ هذا الشعر قاله بعض شعراء اليمن على لسان الوليد يحرّض عليه اليمانية:

стр. 4254

أَلمْ تهتجْ فتدّكرَ الوصالَا ... وحَبْلًا كان مُتَّصِلًا فزالا بَلَي فالدَّمعُ منك له سِجَامٌ ... كماءِ المُزن يَنَسجِلُ انسجالا فَدَعْ عنك ادِّكارَكَ آلَ سُعْدي ... فنحن الأَكثُرونَ حصًى ومالا ونحن المالكون الناس قسْرًا ... نَسُومهُمُ المذَلّةَ والنكالا وَطِئنا الأشعرينَ بعِزّ قيسٍ ... فيالك وطأَةً لن تُستقالا! وهذا خالدٌ فينا أَسِيرًا ... ألا منعوه إنْ كانوا رجالا! عَظِيمُهُمُ وسيّدُهُمْ قِديمًا ... جعلنا المُخْزِياتِ له ظلالا فلو كانت قبائلَ ذاتَ عزٍّ ... لَما ذهَبَتْ صَنائِعُهُ ضَلالا ولا ترَكوهُ مسلوبًا أسيرًا ... يُسامِرُ من سَلاسِلنِا الثقالا - ورواه المدائنيّ: "يعالج من سلاسلنا" - وكِنْدَةُ والسّكون فما استقالوا ... ولا برحَتْ خُيولهمُ الرّحَالا بها سُمْنا البَريَّة كُلَّ خَسْفٍ ... وهَدَّمنا السُّهُولةَ والجبالا ولكنّ الوقائع ضَعْضَعتهمْ ... وجَذَّتهُمْ وَردَّتهُمْ شِلالا فما زالوا لنا أَبَدًا عَبيدًا ... نسُومُهُمُ المذلَّةَ والسِّفالا فأصبحتُ الغداة عليَّ تاجٌ ... لمُلكِ الناس ما يَبغي انتِقالا فقال عمران بن هلباء الكلبيّ يجيبه: قِفي صدْرَ المَطِيَّةِ يا حلالا ... وجذّي حَبْل مَنْ قطعَ الوصالا أَلمْ يحْزُنْكِ أنَّ ذوِي يَمانٍ ... يُرَي مَنْ حاذَ قَيْلهم جُلالا جَعلنا للقبائِلِ مِنْ نزارٍ ... غَداة المَرْج أيامًا طِوالا بنا مَلكَ المُملّكُ من قريش ... وأوْدَي جَدّ مَنْ أوَدي فَزالا متى تلقَ السَّكُون وتلق كلبًا ... بعَبْس كل تَخْشَ مِنْ ملكٍ زوالا كذاكَ المرءُ ما لم يُلفَ عَدْلًا ... يكون عليه منطِقُهُ وَبَالا أَعِدُّوا آلَ حِمْيرَ إذْ دُعِيتُم ... سُيُوفَ الهندِ والأَسَلَ النهالا ولَّ مُقلَّصٍ نَهدِ القُصَيْرَي ... وذا فَوْدَينِ والقُبَّ الجبالا يَذَرْنَ بكلّ مُعْتَرَكٍ قتيلا ... عليه الطيرُ قد مَذِلَ السؤالا لِئن عَيرْتمونا ما فعلنا ... لقد قلتمْ وجَدِّكُمُ مَقالا لإخوانُ الأَشاعِثِ قَتَّلوهمْ ... فما وُطِئوا ولا لاقَوْا نكالا

стр. 4255

وأبناءُ المهلّبِ نحنُ صُلنا ... وقائِعَهُمْ وما صُلتُمْ مَصالا وقد كانَتْ جُذَامُ على أخيهمْ ... ولخمٌ يقتُلونُهُم شلالا هربنا أن نُساعِدَكُمْ عليهمْ ... وقد أخطا مُساعِدُكمْ وفالا فإن عُدْتُمْ فإنَّ لنا سُيوفًا ... صَوارِمَ نَسْتَجِدُّ لها الصقالا سَنَبَكِي خالِدًا بِمُهنَّداتٍ ... ولا تَذهَبْ صَنائِعُهُ ضَلالا أَلمْ يَكُ خالدٌ غَيثَ اليَتامي ... إذا حَضرُوا وكنتَ لهم هُزالا! يُكفِّنُ خالدٌ مَوْتي نِزار ... ويُثرِي حَيّهمْ نَشَبًا ومالا لو أنَّ الجائِرينَ عليه كانوا ... بساحةِ قومِهِ كانوا نَكالا ستَلقَى إن بَقِيتَ مُسَوّماتٍ ... عوابسَ لا يُزايلنَ الحِلالا فحدّثني أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد، قال: فازداد الناس على الوليد حنَقًا لمّا روي هذا الشعر، فقال ابن بيض: وصلتَ سَمَاءَ الضُّرِّ بالضرِّ بعدما ... زعمْتَ سَماءُ الضرِّ عنا سَتُقلَعُ فليت هشامًا كان حيًّا يَسُوسُنا ... وكنَّا كما كنَّا نُرَجِّي ونَطمَعُ (١) وكان هشام استعمل الوليد بن القعقاع على قِنسَّرين وعبد الملك بن القعقاع على حِمْص، فضرب الوليد بن القعقاع ابنَ هبيرة مئة سوط؛ فلما قام الوليد هرب بنو القعقاع منه، فعاثوا بقبْر يزيد بن عبد الملك؛ فبعث إليهم، فدفعهم إلى يزيد بن عمر بن هبيرة - وكان على قنَّسرين - فعذّبهم، فمات في العذاب الوليد بن القعقاع وعبد الملك بن القعقاع ورجلان معهما من آل القعقاع، واضطغن على الوليد آل الوليد وآل هشام وآل القعقاع واليمانية بما صنع بخالد بن عبد الله، فأتت اليمانية يزيدَ بن الوليد، فأرادوه على البَيْعة، فشاور عمرو بن يزيد الحكميّ، فقال: لا يبايعك الناس على هذا، وشاور أخاك العباس بن الوليد، فإنه سيّد بني مروان؛ فإنْ بايعك لم يخالفْك أحد، وإن أبي كان الناسُ له

стр. 4256

أطَوَع، فإن أبيتَ إلّا المضيّ على رأيك فأظهِرْ أنّ العباس قد بايعك، وكانت الشأم تلك الأيام وبيّة، فخرجوا إلى البوادي؛ وكان يزيد بن الوليد متبدّيًا، وكان العباس بالقَسْطل بينهما أميال يسيرة. فحدّثني أحمد بن زهير. قال: حدّثني عليّ، قال: أتي يزيد أخاه العباس، فأخبره وشاوره، وعاب الوليد، فقال له العبّاس: مهلًا يا يزيد؛ فإنّ في نقض عهد الله فساد الدين والدنيا، فرجع يزيد إلى منزله، ودبّ في الناس فبايعوه سرًّا، ودسّ الأحنفَ الكلبيّ ويزيدَ بن عنبسة السكسكيَّ وقومًا من ثِقاته من وجوه الناس وأشرافهم، فدعوا الناس سرًّا، ثم عاود أخاه العباس ومعه قَطن مولاهم، فشاوره في ذلك، وأخبره أنّ قومًا يأتونه يريدونه على البَيْعة، فزَبرَه العباس، وقال: إن عدّت لمثل هذا لأشدَّنَّكَ وثاقًا، ولأحملنّك إلى أمير المؤمنين! فخرج يزيد وقَطَن، فأرسل العباس إلى قَطن، فقال: ويحك يا قطن! أتري يزيد جادًّا! قال: جُعلتُ فداك! ما أظنّ ذاك؛ ولكنه قد دخله مما صنع الوليد ببني هشام وبني الوليد وما يَسمع مع الناس من الاستخفاف بالدين وتهاونه ما قد ضاق به ذرعًا، قال: أما والله إني لأظنُّه أشأم سَخْلة في بني مروان؛ ولولا ما أخاف من عَجَلة الوليد مع تحامُله علينا لشددتُ يزيد وَثاقًا، وحملته إليه؛ فازجُرْه عن أمره، فإنه يسمع إليك. فقال يزيد لقَطَن: ما قال لك العباس حين رآك؟ فأخبره، فقال له: والله لا أكفّ. وبلغ معاويةَ بن عمرو بن عتبة خوضُ الناس؛ فأتي الوليدَ فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنك تبسط لساني بالأنس بك، وأكفُّه بالهيبة لك، وأنا أسمع ما لا تسمع وأخاف عليك ما أراك تأمن، أفأتكلم ناصحًا، أو أسكت مطيعًا؟ قال: كلٌّ مقبول منك؛ ولله فينا علم غَيْب نحن صائرون إليه؛ ولو علم بنو مرْوان أنهم إنما يوقدون على رَضْف (١) يلقوْنه في أجوافهم ما فعلوا، ونَعود ونسمع منك. وبلغ مَرْوانَ بن محمد بأرمينيَة أنّ يزيد يؤلّب الناس، ويدعو إلى خَلْع الوليد؛ فكتب إلى سعيد بن عبد الملك بن مَرْوان يأمره أن ينهَي الناس ويكفّهم - وكان

стр. 4257

سعيد يتألَّه -: إن الله جعل لكل أهل بيت أركانًا يعتمدون عليها، ويتّقوُن بها المخاوف، وأنت بحمد ربّك ركْنٌ من أركان أهل بيتك؛ وقد بلغني أنّ قومًا من سفهاء أهلِ بيتك قد استنّوا أمرًا - إن تمَّت لهم رَوِيّتُهم فيه على ما أجمعوا عليه من نقضِ بيعتهم - استفتحوا بابًا لن يغلِقَه الله عنهم حتى تُسفك دماء كثيرة منهم؛ وأنا مشتغل بأعظم ثغور المسلمين فُرَجًا، ولو جَمَعتَنِي وإياهم لَرممْتُ فسادَ أمرهم بيدي ولساني، ولخفت الله في ترك ذلك؛ لعلمي ما في عواقب الفُرْقة من فساد الدين والدنيا؛ وأنه لن ينتقل سلطان قوم قطُّ إلا بتشتيت كلمتهم؛ وإنّ كَلمتهم إذا تشتّت طمع فيهم عدُّوهم، وأنت أقربُ إليهم منّي، فاحتل لعلم ذلك وإظهار المتابعة لهم؛ فإذا صرت إلى علم ذلك فتهدَّدْهم بإظهار أسرارهم، وخُذْهم بلسانك، وخَوِّفهم العواقب؛ لعلّ الله أن يردَّ إليهم ما قد عزب عنهم من دينهم وعقولهم؛ فإن فيما سعَوْا فيه تغيّر النعم وذهاب الدّولة، فعاجل الأمر وحَبْل الألفة مشدودٌ، والناس سكون، والثّغور محفوظة؛ فإنّ للجماعة دَوْلة من الفُرْقة وللسَّعة دافعًا من الفقر، وللعدد منتقصًا، ودُوَل الليالي مختلفة على أهل الدنيا، والتقلّب مع الزيادة والنقصان؛ وقد امتدّت بنا - أهل البيت - متتابعات من النعم، قد يعيبها جميع الأمم وأعداء النعم وأهل الحسد لأهلها؛ وبحسد إبليس خرج آدم من الجنة، وقد أمّل القومُ في الفتنة أملا؛ لعلَّ أنفسهم تهلك دون ما أمّلوا، ولكلّ أهل بيت مشائيم يُغيّر الله النعمة بهم - فأعاذك الله من ذلك - فاجعلني من أمرهم على علم، حفظَ الله لك دينَك، وأخرجَك مما أدخلك فيه، وغلب لك نفسك على رشدك. فأعظم سعيد ذلك، وبعث بكتابه إلى العباس، فدعا العباس يزيدَ فعذَله وتهدَّده، فحذّره يزيد، وقال: يا أخي، أخاف أن يكون بعض مَنْ حسدنا هذه النعمة من عَدُوّنا أراد أن يُغْرِيَ بيننا؛ وحَلَفَ له أنه لم يفعل، فصدّقه. [٧/ ٢٣٣ - ٢٣٩]. قال: فلما اجتمع ليزيد أمره وهو متبدّ، أقبل إلى دمشق وبينه وبين دمشق أربع ليال، متنكرًّا في سبعة نفر على حمِير، فنزلوا بجَرود على مَرْحلة من دمشق، فرمى يزيد بنفسه فنام، وقال القوم لموليً لعباد بن زياد: أما عندك طعام فنشتريه؟ قال: أما لبيعٍ فلا، ولكن عندي قراكم وما يسعكم.

стр. 4258

فأتاهم بدَجاج وفراخ وعسل وسمن وشوانيز، فطعِموا، ثم سار فدخل دمشق ليلًا، وقد بايع ليزيد أكثرُ أهل دمشق سرًّا، وبايع أهل المِزّة غير معاوية بن مصاد الكلبيّ - وهو سيد أهل المِزّة - فمضي يزيد من ليلته إلى منزل معاوية بن مَصاد ماشيًا في نُفير من أصحابه - وبين دمشق وبين المِزّة ميل أو أكثر - فأصابهم مطر شديد، فأتوْا منزل معاوية بن مَصاد، فضربوا بابه، ففتح لهم، فدخلوا فقال ليزيد: الفراشَ أصلحك الله! قال: إن في رجلي طينًا، وأكره أن أفسد بساطك، فقال: الذي تريدنا عليه أفسدُ، فكلّمه يزيد فبايعه معاوية - ويقال هشام بن مصاد - ورجع يزيد إلى دمشق؛ فأخذ طريق القناة، وهو على حمار أسود؛ فنزل دار ثابت بن سليمان بن سعد الخُشنيّ، وخرج الوليد بن رَوْح، وحلف لا يدخل دمشق إلّا في السلاح، فلبس سلاحه، وكَفَّر عليه الثياب، وأخذ طريق النّيْرَب - وهو على فرس أبلق - حتى وافى يزيد، وعلي دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف فخاف الوباء، فخرج فنزل قَطَنًا واستخلف ابنه على دمشق، وعلى شُرْطته أبو العاج كثير بن عبد الله السُّلَميّ، فأجمع يزيد على الظهور، فقيل للعامل: إنّ يزيد خارج، فلم يصدّق، وأرسل يزيد إلى أصحابه بين المغرب والعشاء ليلة الجمعة سنة ست وعشرين ومئة، فكمنوا عند باب الفراديس حتى أذّنوا العتَمة، فدخلوا المسجد، فصَلَّوا - وللمسجد حَرَسٌ قد وُكّلُوا بإخراج الناس من المسجد بالليل - فلمَّا صلّي الناس صاح بهم الحرس، وتباطأ أصحاب يزيد، فجعلوا يخرجون من باب المقصورة ويدخلون من باب آخر حتى لم يبق في المسجد غيرُ الحرس وأصحاب يزيد، فأخذوا الحَرس، ومضي يزيد بن عَنْبَسَة إلى يزيد بن الوليد، فأعلمه وأخذ بيده، وقال: قم يا أمير المؤمنين وأبشر بنصر الله وعَوْنه، فقام وقال: اللهمّ إن كان هذا لك رضًا فأعنِّي عليه وسدّدْني له؛ وإن كان غير ذلك فاصرفه عنّي بموتٍ. وأقبل في اثني عشر رجلًا، فلمّا كان عند سوق ألحمُر لقوا أربعين رجلًا من أصحابهم، فلمّا كانوا عند سوق القمح لقيهم زُهاء مئتي رجل من أصحابهم، فمضوا إلى المسجد فدخلوه، فأخذوا باب المقصورة فضربوه وقالوا: رسل الوليد، ففتح لهم الباب خادم فأخذوه ودخلوا، وأخذوا أبا العاج وهو سكران،

стр. 4259

وأخذوا خزّان بيت المال وصاحب البريد، وأرسل إلى كلِّ من كان يحذره فأُخِذ. وأرسل يزيد من ليلته إلى محمد بن عبيدة - مولي معيد ابن العاص، وهو على بعلبكَّ - فأخذه، وأرسل من ليلته إلى عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف، فأخذه ووجّه إلى الثنية إلى أصحابه ليأتوه، وقال للبوابين: لا تفتحوا الباب غدوةً إلا لمن أخبركم بشعارنا. فتركوا الأبواب بالسلاسل، وكان في المسجد سلاح كثير قدم به سليمان بن هشام من الجزيرة، ولم يكن الخزّان قبضوه، فأصابوا سلاحًا كثيرًا، فلما أصبحوا جاء أهل المِزّة وابن عصام، فما انتصف النهار حتى تبايع الناس، ويزيد يتمثل [قول النابغة]: إذا اسْتُنْزِلوا عَنْهُنَّ لِلطَّعْنِ أرْقَلوا ... إلى المَوْتِ إِرْقَالَ الجمالِ المصاعبِ فجعل أصحاب يزيد يتعجّبون، ويقولون: انظروا إلى هذا، هو قبيل الصبح يُسبّح، وهو الآن ينشد الشعر! [٧/ ٢٣٩ - ٢٤١]. وحدّثني أحمد، عن علي، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، قال: حدّثني دُكين بن الشّماخ الكلبيّ وأبو عِلاقة بن صالح السَّلامانيّ أن يزيد بن الوليد نادي بأمره منادٍ: من ينتدب إلى الفاسق وله ألف درهم؟ فاجتمع إليه أقل من ألف رجل، فأمر رجلًا فنادي: مَنْ ينتدب إلى الفاسق وله ألف وخمسمئة؟ فانتدب إليه يومئذ ألف وخمسمئة، فعقد لمنصور بن جُمْهور على طائفة، وعقد ليعقوب بن عبد الرحمن بن سُلَيم الكَلبيّ على طائفة أخرى، وعقد لهَرِم بن عبد الله بن دِحيْة على طائفة أخرى، وعقد لحُميد بن حبيب اللخميّ على طائفة أخرى، وعليهم جميعًا عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، فخرج عبد العزيز فعسكر بالحِيرة (١). وحدّثني (٢) أحمد بن زهير، قال: حدّثنا عليّ، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، قال: حدّثني يعقوب بن إبراهيم بن الوليد أنّ مولىً للوليد لما خرج يزيد بن الوليد، خرج على فرس له، فأتي الوليد من يومه، فنفق فرسُه حين بلغه، فأخبر الوليد الخبر، فضربه مئة سوط وحبسه، ثم دعا أبا محمد بن

стр. 4260

عبد الله بن يزيد بن معاوية فأجازه، ووجّهه إلى دمشق، فخرج أبو محمد، فلما انتهى إلى ذنَبَةَ أقام، فوجّه يزيد بن الوليد إليه عبد الرحمن بن مصاد، فسالمه أبو محمد، وبايع ليزيد بن الوليد وأتي الوليد الخبر، وهو بالأغدف - والأغدف من عمان - فقال بَيْهس بن زُمَيل الكلابيّ - ويقال: قاله يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية: يا أمير المؤمنين، سر حتى تنزل حمص فإنها حصينة، ووجّه الجنود إلى يزيد فيُقتل أو يؤسر، فقال عبد الله بن عنبسة بن سعيد بن العاص: ما ينبغي للخليفة أن يدَع عسكره ونساءه قبل أن يقاتل ويُعذر والله مؤيدُ أمير المؤمنين وناصرُه، فقال يزيد بن خالد: وماذا يخاف على حرمه! وإنما أتاه عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك وهو ابن عمهنّ، فأخذ بقول ابن عنبسة، فقال له الأبرش سعيد بن الوليد الكلبي: يا أمير المؤمنين تَدْمُر حصينة، وبها قومي يمنعونك، فقال: ما أرى أن نأتي تَدْمُر وأهلها بنو عامر؛ وهم الذين خرجوا عليّ؛ ولكن دُلَّني على منزل حصين، فقال: أري أن تنزل القرية، قال: أكرهها، قال: فهذا الهَزِيم قال: أكره اسمه، قال: فهذا البَخْراء، قصرُ النعمان بن بشير، قال: ويحك! ما أقبح أسماء مياهكم! فأقبل في طريق السماوة، وترك الرّيف، وهو في مئتين، فقال: إذا لَم يكنْ خَيْرٌ مَع الشرّ لَمْ تَجِدْ ... نصيحًا ولا ذا حاجة حينَ تَفْزَعُ إذا ما هُم هَهمّوا بإِحْدَي هَنَاتِهِمْ ... حَسَرْتُ لهم رَأسي فلا أتقَنَّعُ فمرّ بشبكة الضّحاك بن قيس الفهريّ؛ وفيها مِنْ ولده وولد ولده أربعون رجلًا، فساروا معه وقالوا: إنا عُزْل؛ فلو أمرتَ لنا بسلاح؛ فما أعطاهم سيفًا ولا رُمحًا. فقال له بيهس بن زُمَيل: أمّا إذْ أبيتَ أن تمضيَ إلى حِمْص وتَدْمُر فهذا الحصن البَخْراء فإنه حَصِين، وهو من بناء العجم فانزله، قال: إني أخاف الطاعون، قال: الذي يُراد بك أشدّ من الطاعون؛ فنزل حصن البَخراء. قال: فندب يزيد بن الوليد الناسَ إلى الوليد مع عبد العزيز، ونادى مناديه. مَن سار معه فله ألفان، فانتدب ألفا رجل، فأعطاهم ألفيْن ألفيْن، وقال: موعدكم بذَنَبة، فوافَى بذَنبَة ألف ومئتان، وقال: موعدكم مصنعة بني عبد العزيز

стр. 4261

ابن الوليد بالبرّيّة، فوافاه ثمانمئة، فسار، فتلقاهم ثَقَل (١) الوليد فأخذوه، ونزلوا قريبًا من الوليد، فأتاه رسول العباس بن الوليد: إني آتيك، فقال الوليد: أخرجوا سريرًا، فأخرجوا سريرًا فجلس عليه وقال: أعليّ توثّب الرجال، وأنا أثِبُ على الأسد وأتخصّرُ (٢) الأفاعي! وهم ينتظرون العباس، فقاتلهم عبد العزيز، وعلي الميمنة عمرو بن حُوَيّ السَّكسَكيّ وعلي المقدّمة منصور بن جُمهور وعلى الرّجالة عُمارة بن أبي كلثم الأزديّ، ودعا عبد العزيز ببغل له أدْهم فركبه، وبعث إليهم زياد بن حصين الكلبيّ، يدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيّه، فقتله قطريّ مولي الوليد، فانكشف أصحابُ يزيدُ، فترجّل عبد العزيز، فكرّ أصحابه، وقد قتل من أصحابه عدّة، وحملت رؤوسهم إلى الوليد وهو على باب حصن البَخْراء قد أخرج لواء مروان بن الحكم الذي كان عقده بالجابِية، وقتِل من أصحاب الوليد بن يزيد عثمان الخَشَبيّ، قتله جناح بن نعيم الكلبيّ، وكان من أولاد الخشبيّة الذين كانوا مع المختار. وبلغ عبدَ العزيز مسيرُ العباس بن الوليد، فأرسل منصور بن جُمهور في خيل، وقال: إنكم تلقون العباس في الشِّعْب، ومعه بنوه [في الشِّعب] فخذوهم، فخرج منصور في الخيل فلما صاروا بالشِّعب إذا هم بالعباس في ثلاثين من بنيه، فقالوا له: اعدل إلى عبد العزيز، فشتَمهم، فقال له منصور: والله لئن تقدّمتَ لأنفُذنّ حَصيَنك - يعني درعك - وقال نوح بن عمرو بن حُوَيّ السكسكيُّ: الذي لقي العباسَ بن الوليد يعقوب بن عبد الرحمن بن سليم الكلبيّ - فعدل به إلى عبد العزيز، فأبي عليه فقال: يا بن قُسْطنْطِين، لئن أبيتَ لأضربنّ الذي فيه عيناك، فنظر العباس إلى هَرِم بن عبد الله بن دحية، فقال: مَنْ هذا؟ قال: يعقوب بن عبد الرحمن بن سليم، قال: أما والله إن كان لبغيضًا إلى أبيه أن يقف ابنُه هذا الموقف؛ وعدل به إلى عسكر عبد العزيز، ولم يكن مع العباس أصحابه، كان تقدّمهم مع بنيه، فقال: إنه لله! فأتوا به عبد العزيز، فقال له: بايع لأخيك يزيد بن الوليد، فبايع ووقف ونصبوا راية، وقالا: هذه راية العباس بن الوليد، وقد بايع لأمير المؤمنين يزيد بن الوليد، فقال العباس:

стр. 4262

إنا لله! خُدْعَةٌ من خُدَع الشيطان! هلك بنو مروان فتفرّق النّاس عن الوليد، فأتوا العباس وعبد العزيز وظاهر الوليد بين دِرْعين، وأتوه بفرسيْه: السنديّ والزّائد، فقاتلهم قتالًا شديدًا، فناداهم رجل: اقتلوا عدوّ الله قِتْلةَ قوم لوط، ارموه بالحجارة (١). فلما سمع ذلك دخل القصر، وأغلق الباب، وأحاط عبد العزيز وأصحابه بالقصر، فدنا الوليد من الباب، فقال: أمَا فيكم رجل شريف له حسب وحياء أكلّمه! فقال له يزيد بن عنبسة السَّكسكيّ: كلمني، قال له: من أنت؟ قال: أنا يزيد بن عنبسة، قال: يا أخا السكاسك؛ ألم أزِدْ في أعطياتكم! ألم أرفع المؤَن عنكم! ألم أعطِ فقراءكم! ألم أخدم زَمْنَاكم! فقال: إنا ما ننقم عليكَ في أنفسنا، ولكن ننقِم عليك في انتهاك ما حَرّم الله وشُرْب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك، واستخفَافك بأمر الله؛ قال: حسبُك يا أخا السكاسك، فلعمري لقد أكثرت وأغرقت؛ وإن فيما أحِلّ لي لسعةً عمّا ذكرت. ورجع إلى الدار فجلس وأخذ مصحفًا، وقال: يوْمٌ كيوم (٢) عثمان؛ ونشر المصحف يقرأ، فَعَلُوا الحائط، فكان أوّل من علا الحائط يزيد بن عنبسة السَّكْسَكيّ، فنزل إليه وسيف الوليد إلى جَنْبه، فقال له يزيد: نحّ سيفك، فقال له الوليد: لو أردتُ السيف لكانتْ لي ولك حالة فيهم (٣) غير هذه، فأخذ بيد الوليد؛ وهو (٤) يريد أن يحبسه ويؤامرَ

стр. 4263

فيه، فنزل من الحائط عشرة: منصور بن جمهور وحبال بن عمرو الكلبيّ وعبد الرحمن بن عَجْلان مولي يزيد بن عبد الملك وحميد بن نصر اللخْميّ والسريّ بن زياد بن أبي كبشة وعبد السلام اللخْميّ، فضربه عبد السلام على رأسه، وضربه السريّ على وجهه، وجرُّوه بين خمسة ليخرجوه (١)، فصاحت امرأة كانت معه في الدار، فكفّوا عنه ولم يخرجوه، واحتزّ أبو علاقة القُضاعيّ رأسه، فأخذ عَقَبًا (١) فخاط الضَّرْبة التي في وجهه، وقدم بالرأس على يزيد رَوْح بن مقبل، وقال: أبشر يا أمير المؤمنين بقتل الفاسق الوليد وأسْرِ من كان معه، والعباس - ويزيد يتغدّي - فسجد ومَن كان معه، وقام يزيد بن عنبسة السّكسكِيّ، وأخذ بيد يزيد، وقال: قم يا أمير المؤمنين، وأبشر بنصر الله، فاختلج يزيد يده من كفّه، وقال: اللهمَّ إن كان هذا لك رضًا فسدّدني، وقال ليزيد بن عنبسة: هل كلّمكم الوليد؟ قال: نعم، كلّمني من وراء الباب، وقال: أما فيكم (٢) ذو حسب فأكلّمه! فكلمته ووبّخته، فقال: حسبُك، فقد لعمري أغرقت وأكثرت، أما والله لا يُرْتَقُ فتقكم، ولا يُلمّ شعثكم، ولا تجمع كلمتكم. [٧/ ٢٤٣ - ٢٤٧]. وحدّثني أحمد عن عليّ، عن عمرو بن مَرْوان الكلبيّ، قال: حدّثني المثنّى بن معاوية، قال: أقبل الوليد فنزل اللؤلؤة، وأمر ابنه الحَكم والمؤمّل بن العباس أن يفرضا لمن أتاهما ستين دينارًا في العطاء، فأقبلتُ أنا وابن عمّي سليمان بن محمد بن عبد الله إلى عَسْكر الوليد، فقرّبني المؤمّل وأدناني، وقال: أدخلِك على أمير المؤمنين، وأكلّمه حتى يفرض لك في مئة دينار. قال المثنّى: فخرج الوليد من اللؤلؤة فنزل المليكة، فأتاه رسول عمرو بن قيس من حِمْص يخبره أن عمرًا قد وجَّه إليه خمسمئة فارس، عليهم عبد الرحمن بن أبي الجَنوب البهرانيّ، فدعا الوليد الضّحاك بن أيمن من بني عوف بن كلب، فأمره أن يأتيَ ابن أبي الجنَوب - وهو بالغُوَير - فيستعجله، ثم يأتي الوليد بالملكية، فلما أصبح أمر الناس بالرّحيل، وخرج على برْذون كُمَيت، عليه قبَاء خَزّ وعمامة خز، محتزمًا برَيْطة رقيقة قد طواها، وعلى كتفيه

стр. 4264

رَيْطة صفراء فوق السيف، فلقيه بنو سليم بن كيسان في ستة عشر فارسًا ثم سار قليلًا، فتلقَّاه بنو النعمان بن بشير في فوارس، ثم أتاه الوليد ابن أخي الأبرش في بني عامر من كَلْب، فحمله الوليد وكساه، وسار الوليد على الطريق ثم عدل في تَلْعة يقال لها المشبهة، فلقيه ابنُ أبي الجنوب في أهل حِمْص، ثم أتي البَخْراء، فضجّ أهلُ العسكر، وقالوا: ليس معنا عَلَف لدوابنا، فأمر رجلًا فنادي: إن أمير المؤمنين قد اشترَى زُروع القرية، فقالوا: ما نصنع بالقصيل (١)! تضعف عليه دوابُّنا؛ وإنما أرادوا الدراهم. قال المثنّى: أتيت الوليد، فدخلت من مؤخّر الفُسطاط، فدعا بالغَداء، فلما وُضع بين يديه أتاه رسولُ أمّ كُلْثوم بنت عبد الله بن يزيد بن عبد الملك يقال له عمرو بن مُرّة، فأخبره أنّ عبد العزيز بن الحجاج؛ قد نزل اللؤلؤة، فلم يلتفت إليه، وأتاه خالد بن عثمان المخراش - وكان على شُرَطه - برجل من بني حارثة بن جناب، فقال له: إنّي كنتُ بدمشق مع عبد العزيز، وقد أتيتك بالخبر؛ وهذه ألف وخمسمئة قد أخذتها - وحلَّ هِمْيانًا من وسطه، وأراه - وقد نزل اللؤلؤة: وهو غاد منها إليك، فلم يجبه والتفَت إلى رجل إلى جَنْبه، وكلمه بكلام لم أسمعْه، فسألت بعض مَنْ كان بيني وبينه عمّا قال، فقال: سأله عن النهر الذي حفره بالأردنّ: كم بقي منه؟ وأقبل عبد العزيز من اللؤلؤة، فأتي المليكة فحازَها، ووجّه منصور بن جمهور، فأخذ شرقيّ القري - وهو تلّ مشرف في أرض مَلْساء على طريق نِهْيا إلى البَخْراءِ - وكان العباس بن الوليد تهيأ في نحو من خمسين ومئة من مواليه وولده، فبعث العباس رجلًا من بني ناجية يقال له حُبيش إلى الوليد يخيِّره بين أن يأتيَه فيكون معه؛ أو يسير إلى يزيد بن الوليد، فاتّهم الوليد العباس، فأرسل إليه يأمره أن يأتيَه فيكون معه، فلقي منصور بن جمهور الرّسول، فسأله عن الأمر فأخبره، فقال له منصور: قل له: والله لئن رحلتَ من موضعك قبل طلوع الفجر لأقتلَنك ومَنْ معك؛ فإذا أصبح فليأخذ حيث أحبّ، فأقام العباس يتهيّأ؛ فلما كان في السَّحرَ سمعنا تكبير أصحاب عبد العزيز قد أقبلوا إلى البَخْراءِ، فخرج خالد بن عثمان المخْراش، فعبّأ الناس؛ فلم يكن بينهم قتال حتى طلعت الشمس؛ وكان مع أصحاب يزيد بن

стр. 4265

الوليد كتاب معلّق في رمح، فيه: إنا نَدْعُوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وأن يصير الأمر شورى، فاقتتلوا فقتِل عثمان الخشبيّ، وقُتِل من أصحاب الوليد زهاءُ ستين رجلًا، وأقبل منصور بن جُمهور على طريق نِهيْا، فأتي عسكر الوليد مِن خلفهم، فأقبل إلى الوليد وهو في فُسطاطه؛ ليس بينه وبين منصور أحد. فلما رأيتُه خرجتُ أنا وعاصم بن هبيرة المَعَافريّ خليفة المخراش، فانكشف أصحاب عبد العزيز، ونكص أصحاب منصور، وصُرع سُميّ بن المغيرة وقُتِل، وعدل منصور إلى عبد العزيز، وكان الأبرش على فرس له يدعي الأديم، عليه قَلَنسوة ذات أذنين؛ قد شدّها تحت لحيته؛ فجعل يصيح بابن أخيه: يا بن اللخناء، قدّمْ رايتَك، فقال له: لا أجدُ متقدّمًا، إنها بنو عامر. وأقبل العباس بن الوليد فمنَعه أصحاب عبد العزيز، وشدّ مولي لسليمان بن عبد الله بن دحْية - يقال له التركيّ - على الحارث بن العباس بن الوليد، فطعنه طعنة أذْراه عن فرسه؛ فعدل العباس إلى عبد العزيز، فأسقِط في أيدي أصحاب الوليد وانكسروا، فبعث الوليد بن يزيد الوليدَ بن خالد إلى عبد العزيز بن الحجاج بأن يعطيَه خمسين ألف دينار، ويجعل له ولاية حِمْص ما بقي، ويؤمِّنه على كلّ حَدَث، على أن ينصرف ويكفّ؛ فأبي ولم يجبه، فقال له الوليد: ارجعْ إليه فعاودْه أيضًا، فأتاه الوليد فلم يجبه إلى شيء، فانصرف الوليد؛ حتى إذا كان غيرَ بعيد عطف دابَّته، فدنا من عبد العزيز، فقال له: أتجعل له خمسة آلاف دينار وللأبرش مثلها، وأن أكون كأخصّ رجل من قومي منزلة وآتيك، فأدخل معك فيما دخلت فيه؟ فقال له عبد العزيز: على أن تحمل الساعة على أصحاب الوليد؛ ففعل. وكان على ميمنة الوليد بن أبي سفيان بن يزيد بن خالد، فقال لعبد العزيز: أتجعل لي عشرين ألف دينار وولاية الأردنّ والشركة في الأمر على أن أصير معكم؟ قال: على أن تحمل على أصحاب الوليد من ساعتك، ففعل، فانهزم أصحاب الوليد، وقام الوليد فدخل البَخْراء، وأقبل عبد العزيز فوقف على الباب وعليه سلسلة، فجعل الرّجل بعد الرّجل يدخل من تحت السلسلة. وأتى عبْدَ العزيز عبد السلام بن بكير بن شمّاخ اللخميّ، فقال له: إنه يقول: أخرج على حُكْمك، قال: فليخرج؛ فلما ولّى قيل له: ما تصنع بخروجه! دعه يكفيكه الناس، فدعا عبد السلام فقال: لا حاجة لي فيما عَرَض عليّ، فنظرت

стр. 4266

إلى شابّ طويل على فرس، فدنا من حائط القَصْر فعلاه، ثم صار إلى داخل القصر، قال: فدخلت القصر، فإذا الوليد قائم في قميص قَصب وسراويل وَشْي، ومعه سيف في غمد والناس يشتمونه، فأقبل إليه بشر بن شيبان مولى كنانة بن عمير؛ وهو الذي دخل من الحائط، فمضى الوليد يريد الباب - أظنه أراد أن يأتي عبد العزيز - وعبد السلام عن يمينه ورسول عمرو بن قيس عن يساره، فضربه على رأسه؛ وتعاوره الناس بأسيافهم فقتِل، فطرح عبد السلام نفسَه عليه يحتزُّ رأسه - وكان يزيد بن الوليد قد جعل في رأس الوليد مئة ألف - وأقبل أبو الأسد مولى خالد بن عبد الله القسريّ فسلخ من جلد الوليد قَدْر الكفّ، فأتي بها يزيدَ بن خالد بن عبد الله، وكان محبوسًا في عسكر الوليد، فانتهب الناس عسكر الوليد وخزائنه، وأتاني يزيد العُلَيميّ أبو البَطريق بن يزيد؛ وكانت ابنته عند الحكم بن الوليد، فقال: امنع لي متاع ابنتي، فما وصل أحدٌ إلى شيء زعم أنه له. قال أحمد: قال عليّ: قال عمرو بن مَروان الكلبيّ: لما قُتل الوليد قُطعت كفّه اليسرى، فبُعث بها إلى يزيد بن الوليد، فسبقت الرّأس؛ قُدِم بها ليلة الجمعة، وأتِيَ برأسه من الغِد، فنصبه للناس بعد الصلاة، وكان أهل دمشق قد أرجفوا بعبد العزيز، فلما أتاهم رأس الوليد سكتوا وكفّوا. قال: وأمر يزيد بنصب الرأس، فقال له يزيد بن فروة مولي بني مروان: إنما تنصب رؤوس الخوارج، وهذا ابنُ عمّك؛ وخليفة، ولا آمنُ إن نصبتَه أن ترقّ له قلوب الناس، ويغضب له أهل بيته؛ فقال: والله لأنصبنّه، فنصبه على رمح، ثم قال له: انطلق به، فطُفْ به في مدينة دمشق؛ وأدخله دار أبيه. ففعل، فصاح الناس وأهل الدار، ثم ردّه إلى يزيد، فقال: انطلق به إلى منزلك؛ فمكث عنده قريبًا من شهر، ثم قال له: ادفعه إلى أخيه سليمان - وكان سليمان أخو الوليد ممن سعي على أخيه - فغسل ابن فروة الرّأس، ووضعه في سَفط، وأتي به سليمان، فنظر إليه سليمان، فقال: بُعدًا له! أشهد أنه كان شَرُوبًا للخمر، ماجنًا فاسقًا؛ ولقد أرادني على نفسي الفاسق، فخرج ابن فروة من الدار، فتلقَّته مولاة للوليد، فقال لها: ويحكِ! ما أشدَّ ما شتمه! زعم أنه أراده على نفسه! فقالت: كذب والله الخبيث، ما فعل، ولئن كان أراده على نفسه لقد فَعَل؛ وما كان ليقدر على الامتناع منه.

стр. 4267

وحدثني أحمد، عن عليّ، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، قال: حدثني يزيد بن مَصَاد، عن عبد الرحمن بن مصاد، قال: بعثني يزيد بن الوليد إلى أبي محمد السفيانيّ - وكان الوليد وجّهه حين بلغه خبر يزيد واليًا على دمشق وأتي ذنَبَة، وبلغ يزيد خبره، فوجّهني إليه - فأتيته، فسالم وبايع ليزيد، قال: فلم نرِمْ حتى رُفع لنا شخص مُقبلٌ من ناحية البَرّية، فبعثت إليه، فأتيت به فإذا هو الغُزَيِّل أبو كامل المغنِّي، على بغلة للوليد تدعي مريم، فأخبرنا أنّ الوليد قد قتل، فانصرفت إلى يزيد، فوجدت الخبر قد أتاه قبل أن آتيَه. حدّثني أحمد، عن عليّ، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، قال: حدّثني دُكَين بن شمَّاخ الكلبيّ ثم العامريّ، قال: رأيت بشر بن هلباء العامريّ يوم قُتِل الوليد ضرب باب البَخْراء بالسيف، وهو يقول: سَنبكي خالدًا بمُهَنَّداتٍ ... ولا تَذْهَبْ صنائعُهُ ضَلالا وحدّثني أحمد، عن عليّ، عن أبي عاصم الزّياديّ، قال: ادّعي قتلَ الوليد عشرة، وقال: إني رأيتُ جلدةَ رأس الوليد في يدِ وَجْه الفَلْس فقال: أنا قتلته؛ وأخذت هذه الجلدة، وجاء رجل فاحتزَّ رأسه، وبقيت هذه الجلدة في يدِي، واسم وجه الفَلْس عبد الرحمن، قال: وقال الحكم بن النعمان مولي الوليد بن عبد الملك: قدم برأس الوليد على يزيد منصور بن جمهور في عشرة؛ فيهم رَوْح بن مُقْبِل، فقال رَوْح: يا أميرَ المؤمنين؛ أبشر بقتل الفاسق وأسرِ العباس؛ وكان فيمن قدم بالرأس عبد الرحمن وَجْه الفلْس، وبشر مولي كنانة من كلْب؛ فأعطى يزيد كلَّ رجل منهم عشرة آلاف. قال؛ وقال الوليد يوم قُتِل وهو يقاتلهم: مَنْ جاء برأس فله خمسمئة: ؛ فجاء قوم بأرؤس، فقال الوليد: اكتبوا أسماءهم، فقال رجل من مواليه ممن جاء برأس: يا أمير المؤمنين؛ ليس هذا بيوم يُعْمَل فيه بنسيئة! قال: وكان مع الوليد مالك بن أبي السمح المغنّي وعمرو الوادي؛ فلما تفرّق عن الوليد أصحابُه، وحُصِر، قال مالك لعمرو: اذهب بنا، فقال عمرو: ليس هذا من الوفاء؛ ونحن لا يُعْرَضُ لنا لأنا لسنا ممن يقاتل، فقال ما لك: ويلك! والله لئنْ ظفروا بنا لا يقتَل أحد قبلي وقبلك؛ فيوضع رأسه بين رأسيْنا؛ ويقال

стр. 4268

للناس: انظروا مَن كان معه في هذه الحال؛ فلا يعيبونه بشيء أشدّ من هذا؛ فهربا. [٧/ ٢٤٧ - ٢٥٢]. وكان يكنى أبا العباس، وأمه أمّ الحجاج بنت محمد بن يوسف الثقفيّ؛ وكان شديد البَطْش، طويل أصابع الرجلين؛ كان يوتَد له سكة حديد فيها خيط ويشُدّ الخيط في رجله، ثم يثب على الدابة، فينتزع السكة ويركب، ما يمسّ الدابة بيده. وكان شاعرًا شَروبًا للخمر؛ حدّثني أحمد، قال: حدّثنا عليّ، عن ابن أبي الزّناد، قال: قال أبي: كنتُ عند هشام، وعنده الزُّهريّ، فذكر الوليدَ، فتنقّصاه وعاباه عَيْبًا شديدًا، ولم أعرض في شيء مما كانا فيه؛ فاستأذن الوليد، فأذن له، وأنا أعرف الغضب في وجهه، فجلس قليلًا، ثم قام، فلما مات هشام كتب فيّ فحمِلت إليه فرحّب بي، وقال: كيف حالك يابن ذكوان؟ وألطف المسألة بي، ثم قال: أتذكُر يوم الأحول وعنده الفاسق الزهريّ، وهما يعيبانني؟ قلت: أذكر ذلك؛ فلم أعرض في شيء مما كانا فيه، قال: صدقت؛ أرأيت الغلام الذي كان قائمًا على رأس هشام؟ قلت: نعم، قال: فإنه نمَّ إليّ بما قالا؛ وايمُ الله لو بقيَ الفاسق - يعني الزُّهريّ - لقتلته، قلتُ: قد عرفتُ الغضب في وجهك حين دخلت، ثم قال: يا بن ذكوان، ذهب الأحول بعمري، فقلت: بل يطيل الله لك عمرك يا أمير المؤمنين؛ ويمتّع الأمة ببقائك؛ فدعا بالعَشاءِ فتعشينا، وجاءت المغرب فصلينا، وتحدّثنا حتى جاءت العشاء الآخرة فصلينا وجلس، وقال: اسقني؛ فجاؤوا بإناء مغطَّى، وجاء ثلاث جوار فصُففن بين يديه، بيني وبينه، ثم شرب؛ وذهبنا فتحدّثنا واستسقي فصنعن مثل ما صنعن أولًا؛ قال: فما زال على ذلك يتحدّث ويستسقي ويصنعن مثل ذلك حتى طلع الفجر، فأحصيتُ له سبعين قدحًا (١). [٧/ ٢٥٣ - ٢٥٤]. * * * وفي هذه السنة قتِل خالد بن عبد الله القسريّ.

стр. 4269

* ذكر الخبر عن مقتله وسبب ذلك: قد تقدم ذكرنا الخبر عن عزل هشام إياه عن عمله وولايته العراق وخراسان واستعماله على العراق يوسف بن عمر؛ وكان - فيما ذكر - عمل لهشام على ذلك خمس عشرة سنة غير أشهر؛ وذلك أنه - فيما قيل - ولي العراق لهشام سنة خمس ومئة، وعُزل عنها في جمادي الأولي سنة عشرين ومئة، ولما عزله هشام وقدم عليه يوسف واسطًا أخذه وحبسه بها، ثم شخص يوسف بن عمر إلى الحِيرة، فلم يزل محبوسًا بالحيرة تمام ثمانية عشر شهرًا مع أخيه إسماعيل بن عبد الله وابنه يزيد بن خالد وابن أخيه المنذر بن أسد بن عبد الله، واستأذن يوسف هشامًا في إطلاق يده عليه وتعذيبه، فلم يأذن له حتى أكثر عليه، واعتلّ عليه بانكسار الخراج وذهاب الأموال، فأذن له مرّة واحدة، وبعث حرسيًّا يشهد ذلك، وحلف: لئن أتى على خالد أجلُه، وهو في يده ليقتلنّه؛ فدعا به يوسف؛ فجلس على دُكان بالحيرة وحضر الناس، وبسط عليه؛ فلم يكلّمه واحدةً حتى شتمه يوسف، فقال: يابنَ الكاهن - يعني شِقّ بن صعب الكاهن - فقال له خالد: إنك لأحمق، تعيّرني بشرفي! ولكن يا بن السبّاء، إنما كان أبوك سَبّاء خمر - يعني يبيع الخمر - ثم ردّه إلى حبسه، ثم كتب إليه هشام يأمره بتخلية سبيله في شوال سنة إحدى وعشرين ومئة، فنزل خالد في قصر إسماعيل بن عبد الله بدُوران، خلْف جسر الكوفة، وخرج يزيد بن خالد وحده؛ فأخذه على بلاد طّييء؛ حتى ورد دمشق، وخرج خالد ومعه إسماعيل والوليد؛ قد جهَّزهم عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد ما أخذ لهم، وردّ بعض الموالي إلى الرّقّ، فقدم خالد قصر بني مقاتل؛ وقد أخذ كل شيء لهم، فسار إلى هِيت، ثم تحمَّلوا إلى القرية - وهي بإزاء باب الرُّصافة - فأقام بها بقيَّة شوال وذا القعدة وذا الحجة والمحرّم وصَفر؛ لا يأذن لهم هشام في القدوم عليه، والأبْرَشُ يكاتب خالدًا، وخرج زيد بن عليّ فقُتِل. قال الهيثم بن عديّ - فيما ذكر عنه -: وكتب يوسف إلى هشام: إن أهلَ هذا البيت من بني هاشم قد كانوا هلكوا جوعًا؛ حتى كانت همَّةُ أحدهم قوت عياله؛ فلما ولي خالد العراق أعطاهم الأموال فقَوْوا بها حتى تاقت أنفسهم إلى طلَب

стр. 4270

الخلافة، وما خرج زيد إلا عن رأي خالد؛ والدليل على ذلك نزولُ خالد بالقرية على مَدْرجة العراق يستنشي (١) أخبارها. فسكت هشام حتى فرغ من قراءة الكتاب، ثم قال للحكم بن حَزْن القينيّ - وكان على الوفد، وقد أمره يوسف بتصديق ما كتَب به، ففعل - فقال له هشام: كذبت وكذبَ مَنْ أرسلك؛ ومهما اتَّهمنا خالدًا فلسنا نتَّهمه في طاعة؛ وأمر به فوجِئَتْ عنقه، وبلغ الخبرُ خالدًا فسار حتى نزل دمشق فأقام حتى حضرت الصائفة، فخرج فيها ومعه يزيد وهشام ابنا خالد بن عبد الله؛ وعلى دمشق يومئذ كلثوم بن عِيَاض القسريّ، وكان متحاملًا على خالد؛ فلما أدربوا (٢) ظهر في دور دمشق حريق؛ كلّ ليلة يلقيه رجل من أهل العراق يقال له أبو العمرَّس وأصحاب له؛ فإذا وقع الحريق أغاروا يسرقون، وكان إسماعيل بن عبد الله والمنذر بن أسد بن عبد الله وسعيد ومحمد ابنا خالد بالساحل لحدث كان من الروم؛ فكتب كلثوم إلى هشام يذكر الحريق، ويخبره أنه لم يكن قطّ؛ وأنه عمَلُ موالي خالد؛ يريدون الوثوب على بيت المال، فكتب إليه هشام يأمره أن يحبس آل خالد؛ الصغير منهم والكبير، ومواليهم والنساء؛ فأخذ إسماعيل والمنذر ومحمد وسعيد من الساحل فقدِم بهم في الجوامع ومَن كان معهم من مواليهم؛ وحبس أمّ جرير بنت خالد والرّائقة وجميع النساء والصبيان؛ ثم ظهر على أبي العمرّس؛ فأخذ ومَن كان معه، فكتب الوليد بن عبد الرحمن عامل خراج دمشق إلى هشام يخبره بأخذ أبي العمرّس ومَن كان معه، سماهم رجلًا رجلًا، ونسبهم إلى قبائلهم وأمصارهم، ولم يُذكر فيهم أحد من موالِي خالد، فكتب هشام إلى كلثوم يشتِمه ويعنّفه، ويأمره بتخلية سبيل جميع من حبس منهم، فأرسلهم جميعًا واحتبس الموالي رجاء أن يكلمه فيهم خالد إذا قدم من الصائفة، فلما أقبل الناس وخرجوا عن الدّرب بلغ خالدًا حبسُ أهله، ولم يبلغه تخليتُهم؛ فدخل يزيد بن خالد في غمار الناس حتى أتى حمص، وأقبل خالد حتى نزل منزله من دمشق، فلما أصبح أتاه الناس، فبعث إلى ابنتيه: زينب وعاتكة؛ فقال: إني قد كبِرت وأحببت أن تليَا خدمتي؛ فسُرَّتا بذلك - ودخل عليه إسماعيل أخوه ويزيد

стр. 4271

وسعيد ابناه، وأمر بالإذن، فقامت ابنتاه لتتنحيّا، فقال: وما لهما تَتنحيّان، وهشام في كلّ يوم يسوقهنّ إلى الحبس! فدخل الناس، فقام إسماعيل وابناه دون ابنتيه يسترونهما، فقال خالد: خرجتُ غازيًا في سبيل الله؛ سامعًا مطيعًا، فخُلفتُ في عَقِبي، وأخذ حُرَمي وحُرَم أهل بيتي؛ فحبِسوا مع أهل الجرائم كما يفعل بأهل الشرْك! فما منع عصابةً منكم أن تقوم فتقول: علام حُبس حُرم هذا السامع المطيع! أخفتم أن تقتلوا جميعًا! أخافكم الله! ثم قال: ما لي ولهشام! ليكفنّ عني هشام أو لأدعونّ إلى عراقيّ الهوي شأميّ الدار حجازيّ الأصل - يعني محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس - وقد أذنت لكم أن تبلّغوا هشامًا، فلما بلغه ما قال، قال: خَرِفَ أبو الهيثم. وذكر أبو زيد أن أحمد بن معاوية حدّثه عن أبي الخطاب، قال: قال خالد: أما والله، لئن ساء صاحب الرُّصافة - يعني هشامًا - لننصبنّ لنا الشأميّ الحجازيَّ العراقيَّ، ولو نخر نخرةً تداعتْ من أقطارها. فبلغت هشامًا، فكتب إليه: إنك هذَّاءَةٌ هُذَرَةٌ (١)، أبِبَجيلة القليلة الذليلة تتهدَّدني! قال: فوالله ما نصره أحد بيدٍ ولا بلسان إلّا رجل من عبس، فإنه قال: أَلا إنَّ بَحْرَ الجُودِ أَصْبَحَ سَاجِيًا ... أَسِيرَ ثَقيفٍ مُوثَقًا في السّلَاسِل فإنْ تَسْجُنوا القسريَّ لا تَسْجنوا اسمه ... ولا تسجنوا معروفَهُ في القبائل فأقام خالد ويزيد وجماعة أهل بيته بدمشق، ويوسف ملحٌّ على هشام يسأله أن يوجه إليه يزيد، وكتب هشام إلى كُلثوم بن عياض يأمره بأخْذ يزيد والبعثة به إلى يوسف، فوجه كلثوم إلى يزيد خيلًا وهو في منزله، فشدّ عليهم يزيد، فأفرجوا له، ثم مضى على فرسه، وجاءت الخيل إلى كُلثوم فأخبروه، فأرسل إلى خالد الغدَ من يوم تنحّى يزيد خيلًا، فدعا خالد بثيابه فلبسَها، وتصارخ النساء، فقال رجل منهم: لو أمرتَ هؤلاء النسوة فسكتن! فقال: ولمَ؟ أما والله لولا الطاعة لعَلم عبد بني قَسْر أنه لا ينال هذه مني، فأعلِموه مقالتي؛ فإن كان

стр. 4272

عربيًّا كما يزعم؛ فليطلب جَدّه مني، ثم مضي معهم فحبس في حَبْس دمشق، وسار إسماعيل من يومه حتى قدم الرُّصافة على هشام، فدخل على أبي الزبير حاجبه فأخبره بحبس خالد، فدخل أبو الزُّبير على هشام فأعلمه، فكتب إلى كُلثوم يعنِّفه، ويقول: خليت عمَّن أمرتك بحبسه، وحبست من لم آمرك بحبسه. ويأمره بتخلية سبيل خالد، فخلّاه. وكان هشام إذا أراد أمرًا أمَر الأبرش فكتب به إلى خالد، فكتب الأبرش: إنه بلغ أمير المؤمنين أنّ عبد الرحمن بن ثويب الضِّنيّ - ضنة سعد إخوة عُذْرة بن سعد - قام إليك، فقال: يا خالد إني لأحبك لعشر خصال: إنّ الله كريم وأنت كريم، والله جواد وأنت جواد، والله رحيم وأنت رحيم، والله حليم وأنت حليم ... حتى عدّ عشرًا؛ وأمير المؤمنين يقسم بالله لئن تحقق عنده ذلك ليستحلنّ دمك؛ فاكتب إليّ بالأمر على وجهه لأخبر به أمير المؤمنين. فكتب إليه خالد: إن ذلك المجلس كان أكثر أهلًا من أن يجوز لأحد من أهل البغي والفجور أن يحرِّف ما كان فيه إلى غيره؛ قام إليّ عبد الرحمن بن ثُويب، فقال: يا خالد أني لأحبّك لعشر خصال: إن الله كريم يحبّ كلّ كريم، والله يحبك وأنا أحبك لحبّ الله إياك؛ حتى عدّد عشر خصال؛ ولكن أعظم من ذلك قيام ابن شقي الحِمْيريّ إلى أمير المؤمنين، وقوله: يا أمير المؤمنين، خليفتك في أهلك أكرمُ عليك أم رسولك؟ فقال أمير المؤمنين: بل خليفتي في أهلي، فقال ابنُ شقي: فأنت خليفة الله ومحمد رسوله؛ ولعمري لضلالة رجل من بَجيلة إن ضلّ أهون على العامة والخاصّة من ضلالة أمير المؤمنين، فأقرأ الأبرش هشامًا كتابه، فقال خَرِفَ أبو الهيثم. فأقام خالد بدمشق خلافةَ هشام حتى هلَك، فلما هلك هشام، وقام الوليد، قدم عليه أشراف الأجناد؛ فيهم خالد؛ فلم يأذن لأحد منهم. واشتكى خالد، فاستأذن فأذِن له، فرجع إلى دمشق، فأقام أشهرًا، ثم كتب إليه الوليد: إنّ أمير المؤمنين قد علِم حال الخمسين الألف ألف؛ التي تعلم، فاقدم على أمير المؤمنين مع رسوله؛ فقد أمره ألّا يُعجلك عن جِهاز. فبعث خالد إلى عدّة من ثقاته، منهم عُمارة بن أبي كلثم الأزديّ، فأقرأهم الكتاب، وقال: أشيروا عليّ؛ فقالوا: إن الوليد ليس بمأمون عليك؛ فالرأي أن

стр. 4273

تدخل دمشق، فتأخذ بيوت الأموال وتدعوَ إلى من أحببت؛ فأكثرُ الناس قومُك، ولن يختلف عليك رجلان، فال: أو ماذا؟ قالوا: تأخذ بيوت الأموال، وتقيم حتى تتوثّق لنفسك، قال: أو ماذا؟ قالوا: أو تتوارى، قال: أما قولكم: تدعو إلى من أحببت؛ فإني أكره أن تكون الفرقة والاختلاف على يدي، وأما قولكم: تتوثّق لنفسك؛ فأنتم لا تأمنون عليّ الوليد؛ ولا ذنب لي، فكيف ترجون وفاءه لي وقد أخذت بُيوت الأموال! وأما التواري؛ فوالله ما قنَّعت رأسي خوفًا من أحد قطّ؛ فالآن وقد بلغت من السنّ ما بلغت! لا، ولكن أمضي وأستعين بالله. فخرج حتى قدم على الوليد، فلم يدعُ به، ولم يكلّمه وهو في بيته؛ معه مواليه وخدمُه، حتى قُدِم برأس يحيى بن زيد من خُراسان، فجمع الناس في رِواق، وجلس الوليد، وجاء الحاجب فوقف، فقال له خالد: إن حالي ما ترى؛ لا أقدر على المشي؛ وإنما أحِمَل في كرسيّ، فقال الحاجب: لا يدخل عليه أحد يُحمَل، ثم أذن لثلاثة نَفر، ثم قال: قم يا خالد، فقال: حالي ما ذكرت لك، ثم أذن لرجل أو رجلين، فقال: قم يا خالد، فقال: إن حالي ما ذكرت لك؛ حتى أذن لعشرة، ثم قال: قم يا خالد، وأذن للناس كلهم، وأمر بخالد فحمِل على كرسيّه؛ فدخِل به والوليد جالسٌ على على سريره، والموائد موضوعة، والناس بين يديه سماطان، وشبّة بن عقّال - أو عقّال بن شبّة - يخطب، ورأس يحيى بن زيد منصوب، فميل بخالد إلى أحد السماطين، فلما فرغ الخطيب قام الوليد وصُرف الناس، وحُمل خالد إلى أهله؛ فلما نزع ثيابه جاءه رسول الوليد فردّه، فلما صار إلى باب السرادق وقف فخرج إليه رسول الوليد، فقال: يقول لك أمير المؤمنين: أين يزيد بن خالد؟ فقال: كان أصابه من هشام ظفر، ثم طلبه فهرب منه، وكنا نراه عند أمير المؤمنين حتى استخلفه الله؛ فلما لم يظهر ظننّاه ببلاد قومه من السّراة، وما أوشكه، فرجع إليه الرسول، فقال: لا ولكنك خلَّفته طلبًا للفتنة، فقال خالد للرسول: قد علم أمير المؤمنين أنّا أهلَ بيت طاعة، أنا وأبي وجدي - قال خالد: وقد كنت أعلم بسرعة رجعة الرسول: أنّ الوليد قريب حيث يسمع كلامي - فرجع الرّسول، فقال: يقول لك أمير المؤمنين؛ لتأتينّ به أو لأزهقنّ نفسك. فرفع خالد صوتَه، وقال: قل له: هذا أردتَ، وعليه دُرْتَ؛ والله لو كان تحت قدميَّ ما رفعتُهما لك عنه؛ فاصنع

стр. 4274

ما بدا لك! فأمر الوليد غيلان صاحب حرسه بالبَسْط عليه، وقال له: أسمعني صوته. فذهب به غَيْلان إلى رَحْله، فعذْبه بالسلاسل، فلم يتكلم فرجع غَيْلان إلى الوليد، فقال: والله ما أعذّب إنسانًا؛ والله ما يتكلم ولا يتأوَّه، فقال: اكفُف عنه واحبسه عندك، فحبسه حتى قدم يوسف بن عمر بمالٍ من العراق، ثم أداروا الأمر بينهم وجلس الوليد للناس ويوسف عنده؛ فتكلّم أبان بن عبد الرحمن النميريّ في خالد، فقال يوسف: أنا أشتريه بخمسين ألف ألف، فأرسل الوليد إلى خالد إنّ يوسف يشتريك بخمسين ألف ألف؛ فإن كنت تضمنها وإلّا دفعتُك إليه، فقال خالد: ما عهدت العرب تُباع؛ والله لو سألتني أن أضمن هذا - ورفع عودًا من الأرض - ما ضمنتُه، فرَ رأيك. فدفعه إلى يوسف، فنزع ثيابه ودرّعه عباءة ولحفه بأخري، وحمله في محمل بغير وطاء، وزميله أبو قحافة المُريّ ابن أخي الوليد بن تَلِيد - وكان عامل هشام على الموصل، فانطلق به حتى نزل المحْدَثة، على مَرْحلة من عسكر الوليد، ثم دعا به فذكر أمَّه، فقال: وما ذكر الأمهات لعنك الله! والله لا أكلمك كلمة أبدًا. فبسط عليه، وعذّبه عذابًا شديدًا [وهو] لا يكلّمه كلمة، ثم ارتحل به حتى إذا كان ببعض الطريق بعث إليه زيد بن تميم القينيّ بشربة سويق حبّ رمّان مع مولى له يقال له سالم النفّاط، فبلغ يوسف فضرب زيدًا خمسمئة سوط، وضرب سالمًا ألف سوط، ثم قدم يوسف الحيرة فدعا به وبإبراهيم ومحمد ابني هشام فبسط على خالد، فلم يكلّمه، وصبر إبراهيم بن هشام وخَرعَ محمد بن هشام، فمكث خالد يومًا في العذاب، ثم وضَع على صدره المضرّسة فقتله من الليل، ودفن بناحية الحيرة في عباءته التي كان فيها، وذلك في المحرّم سنة ست وعشرين ومئة في قول الهيثم بن عديّ، فأقبل عامر بن سهلة الأشعريّ فعقر فرسه على قبره، فضربه يوسف سبعمئة سوط. قال أبو زيد: حدّثني أبو نُعيم قال: حدّثني رجل، قال: شهدتُ خالدًا حين أتِيَ به يوسف، فدعا بعود فوضع على قدميه، ثم قامت عليه الرّجال حتى كسِرت قدماه؛ فوالله ما تكلّم ولا عَبس، ثم على ساقيه حتى كُسِرَتا، ثم على فخذيه ثم على حَقْويه ثم على صدره حتى مات، فوالله ما تكلم ولا عَبس، فقال خلف بن خليفة لما قتِل الوليد بن يزيد:

стр. 4275

لقد سَكَّنَتْ كلبٌ وأَسباقُ مَذْحِجٍ ... صَدىً كان يَزْقو لَيْلَهُ غَيرَ راقِدِ تَرَكْنَ أميرَ المؤمنينَ بخالدٍ ... مُكِبًّا على خَيْشُومِهِ غَيرَ سَاجِدِ فإنْ تَقْطَعُوا مِنّا مَناطَ قِلَادَةٍ ... قَطَعْنا به منكمْ منَاطَ قَلائِدِ وَإنْ تشْغَلُونا عن ندانا فإِنَّنا ... شَغلنا الوليدَ عن غناءِ الولائد وإِنْ سافَرَ القَسريّ سَفرَةَ هالكٍ ... فإنَّ أَبا العباسِ ليسَ بشاهِدِ وقال حسان بن جعدة الجعفريّ يكذّب خلف بن خليفة في قوله هذا: إنَّ امْرَأً يَدَّعِي قتلَ الوليدِ سوَى ... أَعمامِهِ لَمَلِيء النفسِ بالكَذِب ما كان إلا امْرَأً حانَتْ مَنِيَّتُهُ ... سَارتْ إليه بنو مرْوان بالعَرَبِ وقال أبو محْجن مولى خالد: سائلْ وَليدًا وسائلْ أهلَ عسكَرِه ... غداة صَبَّحَهُ شُؤْبُوبُنا البَرِدُ هلْ جاءَ مِنْ مُضَرٍ نَفسٌ فتَمْنَعهُ ... والخَيْلُ تحْتَ عجاجِ الموتِ تَطّرِدُ مَنْ يَهْجُنا جاهِلًا بالشِّعْر نَنْقُضهُ ... بالبيض إنها بِها نَهْجُو ونَفتئدُ وقال نصر بن سعيد الأنصاريّ: أَبْلغ يَزيدَ بَنِي كرْزٍ مُغَلْغَلةً ... أَني شُفِيتُ بِغَيْب غَيْرَ مَوْتُورِ قَطَعتَ أَوْصال قَنُّورٍ على حَنَقٍ ... بِصَارِمٍ مِنْ سُيُوفِ الهِنْدِ مأْثورِ أمْسَتْ حلائلُ قَنُّورٍ مُجَدَّعَةً ... لِمَصْرَعِ العبدِ قنُّورِ بن قَنُّورِ ظلّتْ كِلابُ دمَشْقٍ وَهْيَ تَنْهَشُهُ ... كأنَّ أعضاءَهُ أعضاءُ خنزِير غادَرْنَ مِنْهُ بقايا عِنْدَ مَصرَعِهِ ... أنقاضَ شِلْوٍ على الأَطْنَابِ مَجْرور حكّمْتَ سَيْفك إذ لَمْ تَرْضَ حكمَهمُ ... والسَّيْفُ يحكمُ حكْمًا غَيْر تعذِير لا ترْضَ مِنْ خالدٍ إنْ كُنْتَ مُتَّئرًا ... إلا بكلِّ عَظِيم المُلك مَشْهُورِ أسعرْتَ مُلكَ نِزَارٍ ثمَّ رُعْتَهُمُ ... بالخيْلِ ترْكُضُ بالشُمّ المَغَاوير ما كانَ في آل قَنُّور ولا وَلَدوا ... عَدْلًا لبدرْ سَماء ساطِعٍ النّور [٧/ ٢٥٤ - ٢٦١]. قال عمرو بن مروان؛ فحدّثني يزيد بن مَصَاد، قال: كنت في عسكر سليمان، فلحقنا أهل حِمْص، وقد نزلوا السلمانيّة، فجعلوا الزيتون على أيمانهم، والجبَل على شمائلهم، والجِباب خلفهم؛ وليس عليهِم مأتىً إلا من وجْه واحد، وقد نزلوا أوّل الليل، فأراحوا دوابَّهم، وخرجنا نسري ليلتَنا
следующие страницы →