← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

وسعيد ابناه، وأمر بالإذن، فقامت ابنتاه لتتنحيّا، فقال: وما لهما تَتنحيّان، وهشام في كلّ يوم يسوقهنّ إلى الحبس! فدخل الناس، فقام إسماعيل وابناه دون ابنتيه يسترونهما، فقال خالد: خرجتُ غازيًا في سبيل الله؛ سامعًا مطيعًا، فخُلفتُ في عَقِبي، وأخذ حُرَمي وحُرَم أهل بيتي؛ فحبِسوا مع أهل الجرائم كما يفعل بأهل الشرْك! فما منع عصابةً منكم أن تقوم فتقول: علام حُبس حُرم هذا السامع المطيع! أخفتم أن تقتلوا جميعًا! أخافكم الله! ثم قال: ما لي ولهشام! ليكفنّ عني هشام أو لأدعونّ إلى عراقيّ الهوي شأميّ الدار حجازيّ الأصل - يعني محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس - وقد أذنت لكم أن تبلّغوا هشامًا، فلما بلغه ما قال، قال: خَرِفَ أبو الهيثم. وذكر أبو زيد أن أحمد بن معاوية حدّثه عن أبي الخطاب، قال: قال خالد: أما والله، لئن ساء صاحب الرُّصافة - يعني هشامًا - لننصبنّ لنا الشأميّ الحجازيَّ العراقيَّ، ولو نخر نخرةً تداعتْ من أقطارها. فبلغت هشامًا، فكتب إليه: إنك هذَّاءَةٌ هُذَرَةٌ (١)، أبِبَجيلة القليلة الذليلة تتهدَّدني! قال: فوالله ما نصره أحد بيدٍ ولا بلسان إلّا رجل من عبس، فإنه قال: أَلا إنَّ بَحْرَ الجُودِ أَصْبَحَ سَاجِيًا ... أَسِيرَ ثَقيفٍ مُوثَقًا في السّلَاسِل فإنْ تَسْجُنوا القسريَّ لا تَسْجنوا اسمه ... ولا تسجنوا معروفَهُ في القبائل فأقام خالد ويزيد وجماعة أهل بيته بدمشق، ويوسف ملحٌّ على هشام يسأله أن يوجه إليه يزيد، وكتب هشام إلى كُلثوم بن عياض يأمره بأخْذ يزيد والبعثة به إلى يوسف، فوجه كلثوم إلى يزيد خيلًا وهو في منزله، فشدّ عليهم يزيد، فأفرجوا له، ثم مضى على فرسه، وجاءت الخيل إلى كُلثوم فأخبروه، فأرسل إلى خالد الغدَ من يوم تنحّى يزيد خيلًا، فدعا خالد بثيابه فلبسَها، وتصارخ النساء، فقال رجل منهم: لو أمرتَ هؤلاء النسوة فسكتن! فقال: ولمَ؟ أما والله لولا الطاعة لعَلم عبد بني قَسْر أنه لا ينال هذه مني، فأعلِموه مقالتي؛ فإن كان

стр. 4272

عربيًّا كما يزعم؛ فليطلب جَدّه مني، ثم مضي معهم فحبس في حَبْس دمشق، وسار إسماعيل من يومه حتى قدم الرُّصافة على هشام، فدخل على أبي الزبير حاجبه فأخبره بحبس خالد، فدخل أبو الزُّبير على هشام فأعلمه، فكتب إلى كُلثوم يعنِّفه، ويقول: خليت عمَّن أمرتك بحبسه، وحبست من لم آمرك بحبسه. ويأمره بتخلية سبيل خالد، فخلّاه. وكان هشام إذا أراد أمرًا أمَر الأبرش فكتب به إلى خالد، فكتب الأبرش: إنه بلغ أمير المؤمنين أنّ عبد الرحمن بن ثويب الضِّنيّ - ضنة سعد إخوة عُذْرة بن سعد - قام إليك، فقال: يا خالد إني لأحبك لعشر خصال: إنّ الله كريم وأنت كريم، والله جواد وأنت جواد، والله رحيم وأنت رحيم، والله حليم وأنت حليم ... حتى عدّ عشرًا؛ وأمير المؤمنين يقسم بالله لئن تحقق عنده ذلك ليستحلنّ دمك؛ فاكتب إليّ بالأمر على وجهه لأخبر به أمير المؤمنين. فكتب إليه خالد: إن ذلك المجلس كان أكثر أهلًا من أن يجوز لأحد من أهل البغي والفجور أن يحرِّف ما كان فيه إلى غيره؛ قام إليّ عبد الرحمن بن ثُويب، فقال: يا خالد أني لأحبّك لعشر خصال: إن الله كريم يحبّ كلّ كريم، والله يحبك وأنا أحبك لحبّ الله إياك؛ حتى عدّد عشر خصال؛ ولكن أعظم من ذلك قيام ابن شقي الحِمْيريّ إلى أمير المؤمنين، وقوله: يا أمير المؤمنين، خليفتك في أهلك أكرمُ عليك أم رسولك؟ فقال أمير المؤمنين: بل خليفتي في أهلي، فقال ابنُ شقي: فأنت خليفة الله ومحمد رسوله؛ ولعمري لضلالة رجل من بَجيلة إن ضلّ أهون على العامة والخاصّة من ضلالة أمير المؤمنين، فأقرأ الأبرش هشامًا كتابه، فقال خَرِفَ أبو الهيثم. فأقام خالد بدمشق خلافةَ هشام حتى هلَك، فلما هلك هشام، وقام الوليد، قدم عليه أشراف الأجناد؛ فيهم خالد؛ فلم يأذن لأحد منهم. واشتكى خالد، فاستأذن فأذِن له، فرجع إلى دمشق، فأقام أشهرًا، ثم كتب إليه الوليد: إنّ أمير المؤمنين قد علِم حال الخمسين الألف ألف؛ التي تعلم، فاقدم على أمير المؤمنين مع رسوله؛ فقد أمره ألّا يُعجلك عن جِهاز. فبعث خالد إلى عدّة من ثقاته، منهم عُمارة بن أبي كلثم الأزديّ، فأقرأهم الكتاب، وقال: أشيروا عليّ؛ فقالوا: إن الوليد ليس بمأمون عليك؛ فالرأي أن

стр. 4273

تدخل دمشق، فتأخذ بيوت الأموال وتدعوَ إلى من أحببت؛ فأكثرُ الناس قومُك، ولن يختلف عليك رجلان، فال: أو ماذا؟ قالوا: تأخذ بيوت الأموال، وتقيم حتى تتوثّق لنفسك، قال: أو ماذا؟ قالوا: أو تتوارى، قال: أما قولكم: تدعو إلى من أحببت؛ فإني أكره أن تكون الفرقة والاختلاف على يدي، وأما قولكم: تتوثّق لنفسك؛ فأنتم لا تأمنون عليّ الوليد؛ ولا ذنب لي، فكيف ترجون وفاءه لي وقد أخذت بُيوت الأموال! وأما التواري؛ فوالله ما قنَّعت رأسي خوفًا من أحد قطّ؛ فالآن وقد بلغت من السنّ ما بلغت! لا، ولكن أمضي وأستعين بالله. فخرج حتى قدم على الوليد، فلم يدعُ به، ولم يكلّمه وهو في بيته؛ معه مواليه وخدمُه، حتى قُدِم برأس يحيى بن زيد من خُراسان، فجمع الناس في رِواق، وجلس الوليد، وجاء الحاجب فوقف، فقال له خالد: إن حالي ما ترى؛ لا أقدر على المشي؛ وإنما أحِمَل في كرسيّ، فقال الحاجب: لا يدخل عليه أحد يُحمَل، ثم أذن لثلاثة نَفر، ثم قال: قم يا خالد، فقال: حالي ما ذكرت لك، ثم أذن لرجل أو رجلين، فقال: قم يا خالد، فقال: إن حالي ما ذكرت لك؛ حتى أذن لعشرة، ثم قال: قم يا خالد، وأذن للناس كلهم، وأمر بخالد فحمِل على كرسيّه؛ فدخِل به والوليد جالسٌ على على سريره، والموائد موضوعة، والناس بين يديه سماطان، وشبّة بن عقّال - أو عقّال بن شبّة - يخطب، ورأس يحيى بن زيد منصوب، فميل بخالد إلى أحد السماطين، فلما فرغ الخطيب قام الوليد وصُرف الناس، وحُمل خالد إلى أهله؛ فلما نزع ثيابه جاءه رسول الوليد فردّه، فلما صار إلى باب السرادق وقف فخرج إليه رسول الوليد، فقال: يقول لك أمير المؤمنين: أين يزيد بن خالد؟ فقال: كان أصابه من هشام ظفر، ثم طلبه فهرب منه، وكنا نراه عند أمير المؤمنين حتى استخلفه الله؛ فلما لم يظهر ظننّاه ببلاد قومه من السّراة، وما أوشكه، فرجع إليه الرسول، فقال: لا ولكنك خلَّفته طلبًا للفتنة، فقال خالد للرسول: قد علم أمير المؤمنين أنّا أهلَ بيت طاعة، أنا وأبي وجدي - قال خالد: وقد كنت أعلم بسرعة رجعة الرسول: أنّ الوليد قريب حيث يسمع كلامي - فرجع الرّسول، فقال: يقول لك أمير المؤمنين؛ لتأتينّ به أو لأزهقنّ نفسك. فرفع خالد صوتَه، وقال: قل له: هذا أردتَ، وعليه دُرْتَ؛ والله لو كان تحت قدميَّ ما رفعتُهما لك عنه؛ فاصنع

стр. 4274

ما بدا لك! فأمر الوليد غيلان صاحب حرسه بالبَسْط عليه، وقال له: أسمعني صوته. فذهب به غَيْلان إلى رَحْله، فعذْبه بالسلاسل، فلم يتكلم فرجع غَيْلان إلى الوليد، فقال: والله ما أعذّب إنسانًا؛ والله ما يتكلم ولا يتأوَّه، فقال: اكفُف عنه واحبسه عندك، فحبسه حتى قدم يوسف بن عمر بمالٍ من العراق، ثم أداروا الأمر بينهم وجلس الوليد للناس ويوسف عنده؛ فتكلّم أبان بن عبد الرحمن النميريّ في خالد، فقال يوسف: أنا أشتريه بخمسين ألف ألف، فأرسل الوليد إلى خالد إنّ يوسف يشتريك بخمسين ألف ألف؛ فإن كنت تضمنها وإلّا دفعتُك إليه، فقال خالد: ما عهدت العرب تُباع؛ والله لو سألتني أن أضمن هذا - ورفع عودًا من الأرض - ما ضمنتُه، فرَ رأيك. فدفعه إلى يوسف، فنزع ثيابه ودرّعه عباءة ولحفه بأخري، وحمله في محمل بغير وطاء، وزميله أبو قحافة المُريّ ابن أخي الوليد بن تَلِيد - وكان عامل هشام على الموصل، فانطلق به حتى نزل المحْدَثة، على مَرْحلة من عسكر الوليد، ثم دعا به فذكر أمَّه، فقال: وما ذكر الأمهات لعنك الله! والله لا أكلمك كلمة أبدًا. فبسط عليه، وعذّبه عذابًا شديدًا [وهو] لا يكلّمه كلمة، ثم ارتحل به حتى إذا كان ببعض الطريق بعث إليه زيد بن تميم القينيّ بشربة سويق حبّ رمّان مع مولى له يقال له سالم النفّاط، فبلغ يوسف فضرب زيدًا خمسمئة سوط، وضرب سالمًا ألف سوط، ثم قدم يوسف الحيرة فدعا به وبإبراهيم ومحمد ابني هشام فبسط على خالد، فلم يكلّمه، وصبر إبراهيم بن هشام وخَرعَ محمد بن هشام، فمكث خالد يومًا في العذاب، ثم وضَع على صدره المضرّسة فقتله من الليل، ودفن بناحية الحيرة في عباءته التي كان فيها، وذلك في المحرّم سنة ست وعشرين ومئة في قول الهيثم بن عديّ، فأقبل عامر بن سهلة الأشعريّ فعقر فرسه على قبره، فضربه يوسف سبعمئة سوط. قال أبو زيد: حدّثني أبو نُعيم قال: حدّثني رجل، قال: شهدتُ خالدًا حين أتِيَ به يوسف، فدعا بعود فوضع على قدميه، ثم قامت عليه الرّجال حتى كسِرت قدماه؛ فوالله ما تكلّم ولا عَبس، ثم على ساقيه حتى كُسِرَتا، ثم على فخذيه ثم على حَقْويه ثم على صدره حتى مات، فوالله ما تكلم ولا عَبس، فقال خلف بن خليفة لما قتِل الوليد بن يزيد:

стр. 4275

لقد سَكَّنَتْ كلبٌ وأَسباقُ مَذْحِجٍ ... صَدىً كان يَزْقو لَيْلَهُ غَيرَ راقِدِ تَرَكْنَ أميرَ المؤمنينَ بخالدٍ ... مُكِبًّا على خَيْشُومِهِ غَيرَ سَاجِدِ فإنْ تَقْطَعُوا مِنّا مَناطَ قِلَادَةٍ ... قَطَعْنا به منكمْ منَاطَ قَلائِدِ وَإنْ تشْغَلُونا عن ندانا فإِنَّنا ... شَغلنا الوليدَ عن غناءِ الولائد وإِنْ سافَرَ القَسريّ سَفرَةَ هالكٍ ... فإنَّ أَبا العباسِ ليسَ بشاهِدِ وقال حسان بن جعدة الجعفريّ يكذّب خلف بن خليفة في قوله هذا: إنَّ امْرَأً يَدَّعِي قتلَ الوليدِ سوَى ... أَعمامِهِ لَمَلِيء النفسِ بالكَذِب ما كان إلا امْرَأً حانَتْ مَنِيَّتُهُ ... سَارتْ إليه بنو مرْوان بالعَرَبِ وقال أبو محْجن مولى خالد: سائلْ وَليدًا وسائلْ أهلَ عسكَرِه ... غداة صَبَّحَهُ شُؤْبُوبُنا البَرِدُ هلْ جاءَ مِنْ مُضَرٍ نَفسٌ فتَمْنَعهُ ... والخَيْلُ تحْتَ عجاجِ الموتِ تَطّرِدُ مَنْ يَهْجُنا جاهِلًا بالشِّعْر نَنْقُضهُ ... بالبيض إنها بِها نَهْجُو ونَفتئدُ وقال نصر بن سعيد الأنصاريّ: أَبْلغ يَزيدَ بَنِي كرْزٍ مُغَلْغَلةً ... أَني شُفِيتُ بِغَيْب غَيْرَ مَوْتُورِ قَطَعتَ أَوْصال قَنُّورٍ على حَنَقٍ ... بِصَارِمٍ مِنْ سُيُوفِ الهِنْدِ مأْثورِ أمْسَتْ حلائلُ قَنُّورٍ مُجَدَّعَةً ... لِمَصْرَعِ العبدِ قنُّورِ بن قَنُّورِ ظلّتْ كِلابُ دمَشْقٍ وَهْيَ تَنْهَشُهُ ... كأنَّ أعضاءَهُ أعضاءُ خنزِير غادَرْنَ مِنْهُ بقايا عِنْدَ مَصرَعِهِ ... أنقاضَ شِلْوٍ على الأَطْنَابِ مَجْرور حكّمْتَ سَيْفك إذ لَمْ تَرْضَ حكمَهمُ ... والسَّيْفُ يحكمُ حكْمًا غَيْر تعذِير لا ترْضَ مِنْ خالدٍ إنْ كُنْتَ مُتَّئرًا ... إلا بكلِّ عَظِيم المُلك مَشْهُورِ أسعرْتَ مُلكَ نِزَارٍ ثمَّ رُعْتَهُمُ ... بالخيْلِ ترْكُضُ بالشُمّ المَغَاوير ما كانَ في آل قَنُّور ولا وَلَدوا ... عَدْلًا لبدرْ سَماء ساطِعٍ النّور [٧/ ٢٥٤ - ٢٦١]. قال عمرو بن مروان؛ فحدّثني يزيد بن مَصَاد، قال: كنت في عسكر سليمان، فلحقنا أهل حِمْص، وقد نزلوا السلمانيّة، فجعلوا الزيتون على أيمانهم، والجبَل على شمائلهم، والجِباب خلفهم؛ وليس عليهِم مأتىً إلا من وجْه واحد، وقد نزلوا أوّل الليل، فأراحوا دوابَّهم، وخرجنا نسري ليلتَنا

стр. 4276

كلَّها، حتى دفعنا إليهم؛ فلما متَع (١) النهار واشتدّ الحرّ، ودوابنا قد كلّت وثقل علينا الحديد، دنوت من مسرور بن الوليد، فقلت له - وسليمان يسمع كلامي: أنشدك الله يا أبا سعيد أن يُقدِم الأمير جندَه إلى القتال في هذه الحال! فأقبل سليمان فقال: يا غلام، أصبر نفسَك، فوالله لا أنزل حتى يقضيَ الله بيني وبينهم ما هو قاض، فتقدَّم وعلى ميمنتِه الطُّفيل بن حارثة الكلبيّ، وعلى ميسرته الطُّفَيل بن زرارة الحبشيّ، فحملوا علينا حَمْلة، فانهزمت الميمنة والميسرة أكثر من غَلْوتين، وسليمان في القلْب لم يزُل من مكانه؛ ثم حمل عليهم أصحاب سليمان حتى ردّوهم إلى موضعهم، فلم يزالوا يحملون علينا ونحمل عليهم مرارًا، فقتِل منهم زُهاء مئتي رجل، فيهم حرب بن عبد الله بن يزيد بن معاوية، وأصيب من أصحاب سليمان نحوٌ من خمسين رجلًا، وخرج أبو الهَلباء البَهْرانيّ - وكان فارسَ أهل حمْص - فدعا إلى المبارزة، فخرج إليه حَيّة بن سلامة الكلبيّ فطعنه طعنة أذراه عن فرسه، وشدّ عليه أبو جعدة (مولىً لقريش من أهل دمشق) فقتله، وخرج ثُبيت بن يزيد البهرانيّ، فدعا إلى المبارزة، فخرج إليه إيراك السُّغديّ، من أبناء ملوك السُّغد كان منقطعًا إلى سليمان بن هشام - وكان ثبيت قصيرًا، وكان إيراك جسيمًا - فلما رآه ثُبيت قد أقبل نحوه استطرد، فوقف إيراك ورماه بسهم فأثبت عضلة ساقه إلى لبْده، قال: فبينا هم كذلك إذ أقبل عبد العزيز من ثَنيّة العُقَاب، فشدّ عليهم، حتى دخل عسكرهم فقتَل ونفذ إلينا. [قال أحمد]: قال عليّ: قال عمرو بن مروان: فحدّثني سليمان بن زياد الغسانيّ قال: كنت مع عبد العزيز بن الحجاج: فلما عاين عسكر أهل حمص، قال لأصحابه: موعدكم التلَّ الذي في وسط عسكرهم؛ والله لا يتخلّف منكم أحدٌ إلّا ضربتُ عنقه. ثم قال لصاحب لوائه: تقدّم، ثم حمل وحملنا معه؛ فما عرض لنا أحد إلا قُتِل حتى صرنا على التلّ، فتصدّع عسكرهم، فكانت هزيمتهم، ونادى يزيد بن خالد بن عبد الملك القسريّ: الله الله في قومك! فكفّ الناس، وكره ما صنع سليمان وعبد العزيز؛ وكاد يقع الشرّ بين الذَّكوانيَّة وسليمان وبين بني عامر من كلْب، فكفُّوا عنهم، علَى أن يبايعوا ليزيد بن الوليد، وبعث

стр. 4277

سليمان بن هشام إلى أبي محمد السفيانيّ ويزيد خالد بن يزيد بن معاوية فأخِذا، فمرَّ بهما على الطُفيل بن حارثة، فصاحا به: يا خالاه! ننشدك الله والرّحم! فمضى معهما إلى سليمان فحبسهما، فخاف بنو عامر أن يقتلَهما، فجاءت جماعة منهم؛ فكانت معهما في الفُسطاط، ثم وجّههما إلى يزيد بن الوليد، فحبسهما في الخَضْراء مع ابني الوليد، وحبس أيضًا يزيد بن عثمان بن محمد بن أبي سفيان؛ خال عثمان بن الوليد معهم، ثم دخل سليمان وعبد العزيز إلى دمشق؛ ونزلا بعذراء، واجتمع أمر أهل دمشق، وبايعوا يزيد بن الوليد، وخرجوا إلى دمشق وحِمْص وأعطاهم يزيد العَطَاء، وأجاز الأشراف منهم معاوية بن يزيد بن الحصين والسِّمط بن ثابت وعمرو بن قيس وابن حُوَيّ والصقر بن صفوان؛ واستعمل معاوية بن يزيد بن حصين من أهل حمص، وأقام الباقون بدمشق، ثم ساروا إلى أهل الأردنّ وفلسطين وقد قتل من أهل حِمْص يومئذ ثلثمئة رَجُل. [٦/ ٢٦٤ - ٢٦٦]. قال: وحدّثني عثمان بن داود الخوْلانيّ، قال: وجّهني يزيد بن الوليد ومعي حذيفة بن سعيد إلى محمد بن عبد الملك ويزيد بن سليمان، يدعوهما إلى طاعته، ويعدهما ويمنّيهما، فبدأنا بأهل الأردنّ ومحمد بن عبد الملك، فاجتمع إليه جماعة منهم؛ فكلّمتُه فقال بعضهم: أصلح الله الأمير! اقتل هذا القدَريّ الخبيث، فكفهم عني الحكم بن جرو القيني. فأقيمت الصلاة فخلوتُ به، فقلتُ: إني رسول يزيد إليك، والله ما تركت ورائي راية تُعْقَدُ إلّا على رأس رجل من قومك، ولا دِرهم يخرج من بيت المال إلّا في يد رجل منهم؛ وهو يحمل لك كذا وكذا. قال: أنت بذاك؟ قلت: نعم: ثم خرجت فأتيت ضِبْعان بن رَوْح، فقلت له مثل ذلك، وقلت له: إنه يوليك فلسطين ما بَقِيَ، فأجابني فانصرفت، فما أصبحت حتى رَحل بأهلِ فلسطين. حدّثني أحمد، عن عليّ، عن عمرو بن مَرْوان الكلبيّ، قال: سمعتُ محمد بن سعيد بن حسان الأردنيّ، قال: كنت عَيْنًا ليزيد بن الوليد بالأردنّ، فلما اجتمع له ما يريد ولّاني خراج الأردنّ، فلما خالفوا يزيد بن الوليد أتيتُ سليمان بن هشام، فسألته أن يوجّه معي خيلًا، فأشنّ الغارة على طَبريّة، فأبى سليمان أن يوجّه معي أحدًا، فخرجت إلى يزيد بن الوليد، فأخبرته الخبر، فكتب إلى

стр. 4278

سليمان كتابًا بَخطه، يأمره أن يوجه معي ما أردت؛ فأتيتُ به سليمان، فوجه معي مسلم بن ذَكْوان في خمسة آلاف، فخرجت بهم ليلًا حتى أنزلتهم البطيحة، فتفرّقوا في القُري، وسرت أنا في طائفة منهم نحو طبريّة، وكتبوا إلى عسكرهم، فقال أهل طَبريّة: علام نقيم والجنود تجوس منازلنا وتحكم في أهالينا! ومضوا إلى حجرة يزيد بن سليمان ومحمد بن عبد الملك، فانتهبوهما وأخذوا دوابهما وسلاحهما، ولحقوا بقراهم ومنازلهم؛ فلما تفرّق أهلُ فلسطين والأردنّ، خرج سليمان حتى أتى الصِّنَّبْرَة، وأتاه أهل الأردنّ، فبايعوا ليزيد بن الوليد؛ فلما كان يوم الجمعة وجّه سليمان إلى طَبريَة، وركب مركبًا في البحيرة، فجعل يسايرهم حتى أتى طبريّه، فصلى بهم الجمعة، وبايع مَنْ حضر ثم انصرف إلى عسكره. حدثني أحمد، قال: حدَّثنا عليّ، عن عمرو بن مَرْوان الكلبيّ، قال: حدّثني عثمان بن داود، قال: لما نزل سليمان الصَّنّبرة، أرسلني إلى يزيد بن الوليد، وقال لي: أعلِمْه أنك قد علمت جفاء أهل فلسطين، وقد كفي الله مؤونتهم، وقد أزمعت على أن أولِّيَ ابن سراقة فلسطين والأسود بن بلال المحاربيّ الأردنّ. فأتيت يزيد، فقلت له ما أمرني به سليمان، فقال: أخبرني كيف قلت لضِبْعان بن رَوْح؟ فأخبرته، قال: فما صنع؟ قلت: ارتحلَ بأهل فلسطين، وارتحل ابن جِرْو بأهل الأردنّ قبل أن يُصبِحا. قال: فليسا بأحقّ بالوفاء منا، ارجع فمرْه ألّا ينصرف حتى ينزل الرمْلة، فيبايعْ أهلها، وقد استعملتُ إبراهيم بن الوليد على الأردنّ وضِبعان بن رَوْح على فلسطين ومسرور بن الوليد على قنَّسرين وابن الحصين على حِمص. [٧/ ٢٦٧ - ٢٦٨]. ثم دعا الناس إلى تجديد البيعة له، فكان أول من بايعه الأفقم يزيد بن هشام، وبايعه قيس بن هانيء العبسيّ، فقال: يا أمير المؤمنين، اتّق الله ودُمْ على ما أنت عليه، فما قام مقامك أحدٌ من أهل بيتك؛ وإن قالوا: عمر بن عبد العزيز فأنت أخذتها بحبل صالح، وإن عمر أخذها بحبل سوء. فبلغ مروان بن محمد قولُه، فقال: ما له قاتله الله ذمّنا جميعًا وذمّ عمر! فلما وليّ مروان بعث رجلًا، فقال: إذا دخلتَ مسجد دمشق فانظر قيس بن هانيء، فإنه طالما صلّى فيه، فاقتله؛ فانطلق الرجل، فدخل مسجد دمشق، فرأى قَيْسًا يصلي فقتله. * * *

стр. 4279

وفي هذه السنة عَزل يزيد بن الوليد يوسف بن عمر عن العراق وولاها منصورَ بن جُمْهور. ذكر الخبر عَنْ عزل يوسف بن عمر وولاية منصور بن جُمْهور: ولما استوثق ليزيد بن الوليد على الطاعة أهل الشام، ندب - فيما قيل - لولاية العراق عبدَ العزيز بن هارون بن عبد الله بن دحية بن خليفة الكلبيّ، فقال له عبد العزيز: لو كان معي جند لقبلت، فتركه وولّاها منصور بن جمهور. وأما أبو مخنف، فإنه قال - فيما ذكر هشام بن محمد عنه: قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك يوم الأربعاء، لليلتين بقيَتا من جمادي الآخرة سَنة ست وعشرين ومئة، وبايع الناس يزيد بن الوليد بن عبد الملك بدمشق، وسار منصور بن جمهور من البَخْراء في اليوم الذي قتِل فيه الوليد بن يزيد إلى العراق، وهو سابع سبعة، فبلغ خبرُه يوسفَ بن عمر فهرب، وقدم منصور بن جمهور الحيرة في أيام خَلْون من رجب، فأخذ بيوت الأموال، فأخرج العطاء لأهل العطاءِ والأرزاق، واستعمل حُريث بن أبي الجهم على وَاسط، وكان عليها محمد بن نُباتة، فطرقه ليلًا فحبسه وأوثقه، واستعمل جرير بن يزيد بن يزيد بن جرير على البصرة، وأقام منصور وولَّى العمال، وبايع ليزيد بن الوليد بالعراق، وفي كورها، وأقام بقيّة رجب وشعبان ورمضان، وانصرف لأيام بَقِينَ منه. وأما غيرُ أبي مخنف فإنه قال: كان منصور بن جمهور أعرابيًّا جافيًا غَيْلانيًّا، ولم يكن من أهل الدّين، وإنما صار مع يزيد لرأيه في الغَيْلانيّة، وحميّةً لقتل خالد، فشهد لذلك قتل الوليد، فقال يزيد له لما ولاه العراق: قد وليتُك العراق فسر إليه، واتّق الله، واعلم أني إنما قتلت الوليد لفسقه ولمَا أظهرَ من الجوْر؛ فلا ينبغي لك أن تركب مثل ما قتلناه عليه، فدخل على يزيد بن الوليد يزيدُ بن حجرة الغسانيّ - وكان ديّنًا فاضلًا ذا قَدْر في أهل الشأم، قد قاتل الوليد ديانةً - فقال: يا أمير المؤمنين، أولّيتَ منصورًا العراق؟ قال: نعم، لبلائه وحسن معونته، قال: يا أميرَ المؤمنين؛ إنه ليس هناك في أعرابيّته وجفائه في الدين. قال: فإذا لم أولّ منصورًا في حسن معاونته فمَنْ أوَلِّي! قال: تولِّي رجلًا من أهل الدين والصلاح والوقوف عند الشبهات، والعلم بالأحكام والحدود؛ وما لي لا أري أحدًا من قيس يغشاك، ولا يقف ببابك! قال: لولا أنه ليس من شأني

стр. 4280

سفك الدماء لعاجلتُ قيسًا، فوالله ما عزَّتْ إلّا ذلّ الإسلام. ولما بلغ يوسفَ بن عمر قتلُ الوليد، جعل يعمِد إلى مَن بحضرته من اليمانيَة فيلقيهم في السُّجون، ثم جعل يخلُو بالِرجل بعد الرّجل من المضريّة، فيقول له: ما عندك إن اضطرب حبل أو انفتق فَتْق؟ فيقول: أنا رجل من أهل الشام، أبايع مَنْ بايعوا، وأفعل ما فعلوا، فلم يرَ عندهم ما يحبّ، فأطلَق مَنْ في السجون من اليمانية، وأرسل إلى الحجاج بن عبد الله البصريّ ومنصور بن نصير - وكانا على خَبَر ما بينه وبين أهل الشام - فأمرهما بالكتاب إليه بالخبر، وجعل على طريق الشام أرصادًا، وأقام بالحيرة وجلًا، وأقبل منصور حتى إذا كان بالجمع؛ كتب إلى سُليمان بن سُليم بن كيسان كتابًا: أما بعد، فإن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم؛ وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مردَّ له؛ وإنّ الوليد بن يزيد بدّل نعمة الله كفرًا، فسفّك الدّماء، فسفك الله دَمه، وعجَّله إلى النار! وولى خلافته مَنْ هو خير منه، وأحسن هديًا؛ يزيد بن الوليد، وقد بايعه الناس، وولّى على العراق الحارثَ بن العباس بن الوليد، ووجّهني العباس لآخذ يوسف وعماله، وقد نزل الأبيض، ورائي على مرحلتين؛ فخذ يوسف وعماله، لا يفوتنّك منهم أحد، فاحبسهم قِبَلك، وإياك أن تخالف، فيحلّ بك وبأهل بيتك ما لا قِبَل لك به؛ فاختر لنفسك أو دَعْ. وقيل إنه لما كان يعين التّمْر كتب إلى مَنْ بالحيرة من قوّاد أهل الشأم يُخبرهم بقتل الوليد، ويأمرهم بأخذ يوسف وعماله. وبعث بالكتب كلها إلى سليمان بن سُليم بن كَيْسان، وأمره أن يفرّقها على القوّاد، فأمسكها سليمان، ودخل على يوسف، فأقرأه كتاب منصور إليه، فَبعِل به (١). قال حُريث بنُ أبي الجهم: كان مكثي بواسط؛ فما شعرت إلا بكتاب منصور بن جمهور قد جاءني أن خذْ عمال يوسف، فكنت أتولّى أمره بواسط، فجمعت مواليَّ وأصحابي، فركبنا نحوًا من ثلاثين رجلًا في السلاح؛ فأتينا المدينة. فقال البوابون: مَنْ أنت؟ قلتُ: حُرَيث بن أبي الجهم، فقالوا: نقسم بالله ما جاء

стр. 4281

بحريث إلا أمر مهمٌّ؛ ففتحوا الباب فدخلنا، فأخذنا العامل فاستسلم، وأصبحنا فأخذنا البَيْعة من الناس ليزيد بن الوليد. قال: وذكر عمر بن شجرة أنّ عمرو بن محمد بن القاسم كان على السِّند، فأخذ محمد بن غزّان - أو عِزّان - الكلبيّ، فضربه وبعث به إلى يوسف، فضربه وألزمه مالًا عظيمًا يؤدّى منه في كل جمعة نجمًا، وإن لم يفعل ضرِب خمسة وعشرين سوطًا، فجفت يده وبعض أصابعه، فلما ولي منصور بن جمهور العراق ولّاه السِّند وسجستان، فأتى سجسْتان فبايع ليزيد، ثم سار إلى السند، فأخذ عمرو بن محمد، فأوثقه وأمر به حرَسًا يحرسونه، وقام إلى الصلاة، فتناول عمرو سيفًا مع الحَرَس، فاتّكأ عليه مسلولًا حتى خالط جوفه، وتصايح الناسُ؛ فخرج ابن غَزّان فقال: ما دعاك إلى ما صنعت؟ قال: خفت العذاب، قال: ما كنت أبلغ منك ما بلغتَه من نفسك. فلبث ثلاثًا ثم مات، وبايع ابن غزّان ليزيد؛ فقال يوسف بن عمر لسليمان بن سليم بن كيسان الكلبيّ حين أقرأه كتاب منصور بن جمهور: ما الرأي؟ قال: ليس لك إمام تقاتل معه، ولا يقاتل أهل الشأم الحارث بن العباس معك، ولا آمن عليك منصور بن جمهور إن قدم عليك، وما الرّأي إلا أن تلحق بشأمك؛ قال: هو رأيي، فكيف الحيلة؟ قال: تظهر الطاعة ليزيد، وتدعُو له في خُطبتك؛ فإذا قرب منصور وجّهتُ معك مَنْ أثق به. فلما نزل منصور بحيث يصبّح الناس البلدَ، خرج يوسف إلى منزل سليمان بن سليم، فأقام به ثلاثًا، ثم وجّه معه من أخذ به طريق السَّمَاوة حتى صار إلى البَلْقاء. وقد قيل إنّ سليمان قال له: تستخفي وتَدع منصورًا والعملَ، قال: فعند مَنْ؟ قال: عندي، وأضعك في ثقة؛ ثم مضى سليمان إلى عمرو بن محمد بن سعيد بن العاص، فأخبره بالأمر، وسأله أن يؤويَ يوسف، وقال: أنت امرؤٌ من قريش، وأخوالك بكر بن وائل؛ فآواه. فال عمرو: فلم أر رجلًا كان مثل عُتُوّه رُعب رُعْبَه؛ أتيته بجارية نفيسة، وقلت: تدفئه وتطيِّب نفسه، فوالله ما قربها ولا نظر إليها، ثم أرسل إليّ يومًا فأتيته، فقال: قد أحسنتَ وأجملت؛ وقد بقيتْ لي حاجة، قلت: هاتها، قال: تخرجني من الكوفة إلى الشأم، قلت: نعم، وصبّحنَا منصور بن جمهور، فذكر الوليد فعابه، وذكر يزيد بن الوليد،

стр. 4282

فقرظه وذكر يوسف وجَوْره، وقامت الخطباء فشعّثوا من الوليد ويوسف، فأتيته فأقصصت قِصّتهم، فجعلت لا أذكر رجلًا ممّن ذكره بسوء إلا قال: لله عليّ أن أضربه مئة سوّط، مئتي سوط؛ ثلثمئة سوط؛ فجعلت أتعجّب من طمعه في الولاية بعد؛ وتهدده الناس، فتركه سليمان بن سُليم، ثم أرسله إلى الشام فاختفى بها، ثم تحوّل إلى البلقاء. ذكر عليّ بن محمد أن يوسف بن عمر وجّه رجلًا من بني كلاب في خمسمئة، وقال لهم: إن مرّ بكم يزيد بن الوليد فلا تَدعُنّه يجوز، فأتاهم منصور بن جمهور في ثلاثين، فلم يهايجوه، فانتزع سلاحهم منهم، وأدخلهم الكوفة، قال: ولم يخرج مع يوسف من الكوفة إلّا سفيان بن سلامة بن سليم بن كيسان وغسّان بن قعاس العذريّ، ومعه من ولده لصلبه ستون بين ذكر وأنثى، ودخل منصور الكوفة لأيام خَلَوْن من رجب، فأخذ بيوت الأموال، وأخرج العَطاء والأرزاق، وأطلق مَن في سجون يوسف من العمال وأهل الخراج. قال: فلما بلغ يوسف البلقَاء حينئذ بلغ خبرُه إلى يزيد بن الوليد؛ فحدّثني أحمد بن زهير؛ قال: حدثنا عبد الوهاب بن إبراهيم خالد بن يزيد بن هريم، قال: حدّثنا أبو هاشم مخلّد بن محمد بن صالح مولى عثمان بن عفان، قال: سمعت محمد بن سعيد الكلبيّ - وكان من قوّاد يزيد بن الوليد - يقول: إنّ يزيد وجّهه في طلب يوسف بن عمر حيث بلغه أنه في أهله بالبلقاء، قال: فخرجت في خمسين فارسًا أو أكثر، حتى أحطت بداره بالبلقاء، فلم نزل نفتّش، فلم نر شيئًا، وكان يوسف قد لبس لُبسة النساء، وجلس مع نسائه وبناته، ففتشهنّ فظفر به مع النساء، فجاء به في وَثاق، فحبسه في السجن مع الغلامين ابني الوليد، فكان في الحبس ولايةَ يزيد كلها وشهرين وعشرة أيام من ولاية إبراهيم؛ فلما قدم مروان الشام وقرب من دمشق وليَ قتلهم يزيد بن خالد، فأرسل يزيد مولى خالد - يكنى أبا الأسد - في عدَّة من أصحابه، فدخل السجن لشدخ الغلامين بالعَمد، وأخرج يوسف بن عمر فضرب عنقه. وقيل: إن يزيد بن الوليد لما بلغه مصيرُ يوسف إلى البَلْقاء وجّه إليه خمسين فارسًا، فعرض له رجل من بني نُمير، فقال: يابن عمّ، أنت والله مقتول فأطعني وامتنع، وائذن لي حتى أنتزعَك من أيادي هؤلاء. قال: لا، قال: فَدعْنِي أقتلك

стр. 4283

أنا، ولا يقتلك هذه اليمانية؛ فتغيّظنا بقتلك، قالى: ما لي في واحدة مما عرضتَ عليّ خيار، قال: فأنت أعلم. ومضوا به إلى يزيد، فقال: ما أقدمك؟ قال: قدم منصور بن جمهور واليًا فتركته والعمل، قال: لا، ولكنك كرهت أن تليَ لي، فأمر بحبسه، وقل: إن يزيد دعا مسلم بن ذكوان ومحمد بن سعيد بن مطرِّف الكلبيّ، فقال لهما؛ إنه بلغني أنّ الفاسق يوسف بن عمر قد صارَ إلى البلقاء، فانطلِقا فائْتياني به، فطلباه فلم يجدَاه: فرهَّبا ابنًا له، فقال: أنا أدلّكما عليه، فقال: إنه انطلق إلى مَزرعة له على ثلاثين ميلًا، فأخذا معهما خمسين رجلًا من جُنْد البلقاء، فوجدوا أثره - وكان جالسًا - فلما أحسّ بهم هرب وترك نعليه، ففتّشا فوجداه بين نسوة قد ألقيْن عليه قطيفة خزّ، وجلسْنَ على حواشيها حاسرات، فجرّوا برجله، فجعل يطلب إلى محمد بن سعيد أن يُرضِيَ عنه كلبًا، ويدفع عشرة آلاف دينار وديَةَ كلثوم بن عمير وهانئ بن بشر، فأقبلا إلى يزيد، فلقيه عاملٌ لسليمان على نوبة من نوائب الحرس، فأخذ بلحيته فهزّها، ونتف بعضها - وكان من أعظم الناس لحية وأصغرهم قامة - فأدخلاه على يزيد، فقبض على لحية نفسه - وإنها حينئذ لتَجوز سرّته - وجعل يقول: نتف والله يا أمير المؤمنين لحيتي، فما بقي فيها شعرة. فأمر به يزيد فحبُس في الحَضْراء، فدخل عليه محمد بن راشد، فقال له: أما تخاف أن يطلّع عليك بعض من قد وترت، فيُلقى عليك حجرًا! فقال: لا والله ما فطنت إلى هذا، فنشدتك الله إلّا كلمتَ أمير المؤمنين في تحويلي إلى مجلس غير هذا؛ وإن كان أضيقَ منه! قال: فأخبرت يزيد، فقال: ما غاب عنك من حُمقه أكثر، وما حبستُه إلا لأوجّهه إلى العراق، فيقام للناس وتُؤخذ المظالم من ماله ودمه. ولما قَتل يزيد بن الوليد الوليدَ بن يزيد، ووجّه منصور بن جمهور إلى العراق كتب يزيد بن الوليد إلى أهل العراق كتابًا يذكر فيه مساوئ الوليد، فكان مما كتب به - فيما حدّثني أحمد بن زهير عن عليّ بن محمد: إنّ الله اختار الإسلام دينًا وارتضاه وطهّره، وافترض فيه حقوقًا أمر بها، ونهى عن أمور حرّمها؛ ابتلاء لعباده في طاعتهم ومعصيتهم، فأكمل فيه كلّ منقبَة خير وجسيم فضل؛ ثم تولّاه، فكان له حافظًا ولأهله المقيمين حدوده وليًّا، يحوطهم ويعرّفهم بفضل

стр. 4284

الإسلام، فلم يكرم الله بالخلافة أحدًا يأخذ بأمر الله وينتهي إليه فيناوئه أحدٌ بميثاق أو يحاول صرف ما حباه الله به، أو ينكث ناكث إلّا كان كيدُه الأوْهن، ومكرُه الأبور؛ حتى يتمّ الله ما أعطاه، ويدّخر له أجره ومثوبته، ويجعل عدوّه الأَضَلّ سبيلًا، الأخسرَ عملًا. فتناسخت خلفاء الله ولاة دينه، قاضين فيه بحُكْمه، متبعين فيه لكتابه؛ فكانت لهم بذلك من ولايته ونصرته ما تمّت به النعم عليهم، قد رضي الله بهم لها حتى توفي هشام. ثم أفضى الأمر إلى عدوّ الله الوليد المنتهك للمحارم التي لا يأتي مثلها مُسلم، ولا يُقدِم عليها كافر؛ تكرُّمًا عن غشيان مثِلها، فلما استفاض ذلك منه واستعلن، واشتدّ فيه البلاء، وسُفِكت فيه الدماء، وأخِذَت الأموال بغير حقها؛ مع أمور فاحشة، لم يكن الله ليمليَ للعاملين بها إلا قليلًا، سرتُ إليه مع انتظار مراجعته، وإعذار إلى الله وإلى المسلمين، منكرًا لعمله وما اجترأ عليه من معاصي الله، متوخّيًا من الله وإلى المسلمين، منكرًا لعمله وما اجترأ عليه من معاصي الله، متوخّيًا من الله إتمام الذي نويتُ؛ من اعتدال عمود الدين، والأخذ في أهله بما هو رضا، حتى أتيت جندًا، وقد وَغرَتْ صدورهم على عدوِّ الله، لما رأوا من عمله؛ فإنّ عدوّ الله لم يكن يرى من شرائع الإسلام شيئًا إلا أراد تبديلَه، والعمل فيه بغير ما أنزل الله؛ وكان ذلك منه شائعًا شاملًا عريان لم يجعل الله فيه سترًا، ولا لأحد فيه شكًّا، فذكرتُ لهم الذي نَقِمتُ وخِفت من فساد الدين والدنيا، وحَضَضْتهم على تلافِي دينهم والمحاماة عنه؛ وهم في ذلك مُستريبون، قد خافوا أن يكونوا قد أبقوْا لأنفسهم بما قاموا عليه، إلى أن دعوتُهم إلى تغييره فأسرعوا الإجابة. فابتعث الله منهم بعثًا يخبرهم من أولي الدين والرضا، وبعثت عليهم عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، حتى لقىِ عدوَّ الله إلى جانب قرية يقال لها البَخْراء، فدعوْه إلى أن يكون الأمر شورَى، ينظر المسلمون لأنفسهم مَنْ يقلدونه ممّن اتفقوا عليه، فلم يجب عدوّ الله إلى ذلك؛ وأبى إلّا تتايُعًا في ضلالته؛ فبدرهم الحملة جهالة بالله، فوجد الله عزيزًا حكيمًا، وأخْذَه أليمًا شديدًا، فقتله الله على سوء عمله وعُصبتَه؛ ممن صاحبوه من بطانته الخبيثة،

стр. 4285

لا يبلغون عشرة، ودخل مَنْ كان معه سواهم في الحقّ الذي دُعوا إليه، فأطفأ الله جَمْرته وأراح العباد منه، فبُعدًا له ولمن كان على طريقته! أحببت أن أعلمكم ذلك، وأعجّل به إليكم، لتحمدوا الله وتشكروه، فإنكم قد أصبحتم اليومَ على أمثل حالكم؛ إذ ولاتكم خياركم، والعدل مبسوط لكم، لا يُسار فيكم بخلافه؛ فأكثروا على ذلك حمد ربِّكم، وتابعوا منصور بن جمهور؛ فقد ارتضيتُه لكم، على أنّ عليكم عهد الله وميثاقه، وأعظم ما عهِد وعقد على أحد من خلقه؛ لتستمعُنّ وتطيعنّ لي، ولمن استخلفته من بعدي، ممن اتفقت عليه الأمة، ولكم عليّ مثل ذلك؛ لأعملنّ فيكم بأمر الله وسنة نبيه ﷺ ، واتبع سبلَ مَنْ سلف من خياركم؛ نسأل الله ربَّنا ووليّنا أحسن توفيقه وخير قضائه [٧/ ٢٦٩ - ٢٧٧]. * * * ذكر امتناع نصر بن سيار على منصور بن جمهور وفي هذه السنة امتنع نصر بن سيار بخُراسان من تسليم عمله لعامل منصور بن جمهور، وقد كان يزيد بن الوليد ولّاها منصورًا مع العراق. قال أبو جعفر: قد ذكرت قبلُ من خَبر نصر؛ وما كان من كتاب يوسف بن عمر إليه بالمصير إليه مع هدايا الوليد بن يزيد، وشخوص نصر من خُراسان متوجهًا إلى العراق، وتباطئه في سفره، حتى قدم عليه الخبر بقتل الوليد؛ فذكر عليّ بن محمد أنّ الباهليّ أخبره، قال: قدم على نصر بشرُ بن نافع مولى سالم الليثيّ - وكان على سكك العراق - فقال: أقبل منصور بن جمهور أميرًا على العراق؛ وهرب يوسف بن عمر؛ فوجّه منصور أخاه منظور بن جمهور على الرّيّ، فأقبلتُ مع منظور إلى الرّي، وقلت: أقدم على نصر فأخبرُه، فلما صرتُ بنيسابور حبسني حُميد مولى نصر، وقال: لن تجاوزني أو تخبرَني؛ فأخبرته، وأخذت عليه عهد الله وميثاقه ألّا يخبر أحدًا حتى أقدم على نصر فأخبره، ففعل؛ فأقبلنا جميعًا حتى قدمنا على نصر، وهو بقصره بماجان، فاستأذنّا، فقال خصيّ له: هو نائم، فألححنا عليه، فانطلق فأعلمه، فخرج

стр. 4286

نصر حتى قبض على يدي وأدخلني؛ فلم يكلمني حتى صرتُ في البيت، فسألني فأخبرته، فقال لحميد مولاه: انطلق به؛ فائتِه بجائزة؛ ثم أتاني يونس بن عبد ربّه وعبيد الله بن بسام فأخبرتهما، وأتاني سلم بن أحْوَز فأخبرتُه، قال: وكان خبر يوسف عند نصر، فأتوه حين بلغهم الخبر، فأرسل إليّ فلما أخبرتهم كذبوني فقلت: استوثق من هؤلاء؛ فلما مضت ثلاث على ذلك؛ جعل على ثمانين رجلًا حَرسًا، فأبطأ الخبر على ما كنت قدّرت، فلما كانت الليلة التاسعة - وكانت ليلة نوروز - جاءهم الخبر على ما وصفتُ، فصرف إليّ عامة تلك الهدايا، وأمر لي ببرذْون بسرجه ولجامه، وأعطاني سَرْجًا صينيًّا، وقال لي: أقم حتى أعطيَك تمام مئة ألف، قال: فملا تيقّن نصر قتل الوليد ردَّ تلك الهدايا، وأعتق الرقيق، وقسم روقة (١) الجواري في ولده وخاصّته وقسم تلك الآنية في عوامّ الناس، ووجّه العمال، وأمرهم بحسن السيرة. قال: وأرجفت الأزد في خراسان أن منصور بن جمهور قادم خراسان؛ فخطب نصر، فقال في خطبته: إن جاءنا أميرٌ ظنين قطعنا يديه ورجليه. ثم باح به بعدُ؛ فكان يقول: عبد الله المخذول المثبور. قال: وولّى نصر بن سيار ربيعة واليمن، وولّى يعقوب بن يحيى بن حضين على أعلى طُخارستان، ومسعدة بن عبد الله اليشكريّ على خُوَارَزْم؛ وهو الذي يقول فيه خلَف: أقلوُ لأَصحابي معًا دون كَردَرٍ ... لمَسْعَدةُ البكرىّ غَيثُ الأَرامِلِ ثم أتبعه بأبان بن الحكم الزهرانيّ؛ واستعمل المغيرة بن شعبة الجهضميّ على قُهِستان وأمرهم بحسن السيرة، فدعا الناس إلى البيعة فبايعوه، فقال في ذلك: أقولُ لِنَصْرٍ وبايعتُهُ ... على جُلِّ بكرٍ وأحلافِها يَدِي لك رَهْنٌ بِبَكْرِ العرا ... قِ سَيِّدِها وابنِ وَصَّافها أَخَذْتُ الوثيقَةَ للمسلمينَ ... لأَهلِ البلاد وأُلَّافِها

стр. 4287

إذا آل يحيى إلى ما تُريدُ ... أتَتكَ الدِّماكُ بأخفافِها دَعَوْتَ الجنُودَ إلى بيعَةٍ ... فأنصَفْتَها كُل إنصافِها وطَدْتَ خُراسانَ للمسلمين ... إن الأَرض هَمَّتْ بإرجافها وإنْ جُمِعَتْ ألفَةُ المسلمينَ ... صَرَفَتَ الضِّرابَ لأُلّافِهِا أجارَ وَسَلَّمَ أهلَ البلا ... دِ والنازلينَ بأطرافِها فَصِرْتَ على الجندِ بالمشرقيْن ... لقوحًا لهمْ دَرُّ أخلافِها فنحن على ذاك حتى تبينَ ... مَناهِج سُبْلٍ لِعَرَّافها وحتى تَبُوحَ قريشٌ بما ... تَجُنّ ضَمائرُ أَجْوافِها فأقسَمتُ للمعْبَرَاتُ الرِّتا ... عُ لَلْعرْوُ أَوفى لأصوافِها إلى ما تؤدِّي قريشُ البطَا ... حِ أخُلّافُها بَعدَ أَشرافِها فإن كان مَنْ عَزَّ بزَّ الضَّعِيفَ ... ضَربْنَا الخيولَ بأَعْرافِها وجَدنا العَلائفَ أنّى يكو ... نُ يُحْمَى أَوارِيُّ أعلافها إذا ما تَشَارَكُ فيه كَبَتْ ... خَوَاصِرُها بَعْدَ إخطافِها فنحن على عهدنا نَسْتَديمُ ... قُريشًا ونَرْضى بأَحلافِها سنَرْضَى بظِلكَ كِنًّا لها ... وظِلُّكَ مِنْ ظِلِّ أَكنافِها لَعَلّ قريشًا إذا ناضَلَت ... تُقَرْطسُ في بعض أهدافها وتُلبِسُ أغْشيَةً بالعراقِ ... رَمَتْ دلوَ شَرْقٍ بِخُطَّافِها وبالأُسْد مِنَّا وإنَّ الأُسودَ ... لها لِبَدٌ فوقَ أكتافِها فإنْ حاذَرَتْ تَلَفًا في النِّفا ... رِ فالدهْر أَدْنى لإتلافها فقد ثَبَتتْ بك أقدامُنا ... إذا آنهارَ منهارُ أجْرافِها وَجَدْناكَ بَرًّا رؤوفًا بنا ... كرأْمَةِ أُمٍّ وإلطافِها ولَمْ تَكُ بَيْعَتُنا خُلسَةً ... لأَسرَع نَسْفةِ خَطَّافِها نِكاحَ التي أَسْرَعَتْ بالحليـ ... ـل قَبْلَ تَخَضُّبِ أَطْرافِها فكَشَّفها البَعْل قبلَ الصَّدَا ... قِ فاسْتَقْبَلَتْه بمعْتافِهَا قال: وكان نصر ولَّى عبد الملك بن عبد الله السلميّ خُوارزم؛ فكان يخطبهم ويقول في خطبته: ما أنا بالأعرابي الجلْف، ولا الفزاريّ المستنبط؛ ولقد كرّمتني الأمور وكرّمتها، أما والله لأضعنّ السيف موضعه؛ والسوط موضعه،

стр. 4288

والسجن مدخله، ولتجدّني غشمشمًا، أغْشَى الشَّجر، ولتستقيمُنّ لي على الطريقة ورفض البكّارة في السنن الأعظم، أو لأصكّنكم صكّ القطاميّ القطا القاربَ يصكهنّ جانبًا فجانبًا. قال: فقدم رجل من بَلْقين خراسان، وجّهه منصور بن جمهور، فأخذه مولىً لنصر، يقال له حميد، كان على سكّة بنيسابور؛ فضربه وكسر أنفه، فشكاه إلى نصر، فأمر له نصر بعشرين ألفًا وكساه، وقال: إنّ الذي كسر أنفك مولىً لي وليس بكفء فأقضك منه، فلا تقلْ إلّا خيرًا. [قال: ما قبلت جائزتك، وأنا أريد ألا أذكر إلا خيرًا]. قال عصمة بن عبد الله الأسديّ: يا أخا بَلْقَين، أخبر مَنْ تأتي أنا قد أعددنا قيسًا لربيعة وتميمًا للأزد، وبقيت كنانة، ليس لها مَن يكافئها، فقال نصر: كلما أصلحتُ أمرًا أفسدتموه! قال أبو زيد عمر بن شبّة: حدثني أحمد بن معاوية عن أبي الخطاب، قال: قدم قدامة بن مصعب العبديّ ورجلٌ من كندة على نَصْر بن سيّار من قِبَل منصور بن جمهور، فقال: أمات أمير المؤمنين؟ قالا: نعم، قال: وولِيَ منصور بن جمهور وهرب يوسف بن عمر عن سرير العراق؟ قالا: نعم، قال: أنا بجمهوركم من الكافرين، ثم حبسهما ووشَع عليهما، ووجّه رجلًا حتى أتى فرأى منصورًا يخطب بالكوفة، فأخرجهما، وقال لقدامة: أوليَكم رجل من كلب؟ قال: نعم؛ إنما نحن بين قيس واليمن، قال: فكيف لا يولاها رجل منكم! قال: لأنا كما قال الشاعر: إذا ما خَشِينا مِنْ أَمير ظُلَامَةً ... دَعَوْنا أَبا غَسَّانَ يومًا فَعَسْكَرَا فضحك نصر، وضمّه إليه. قال: ولما قدم منصور بن جمهور العراق ولّى عبيد الله بن العباس الكوفَة - أو وجده واليًا عليها فأقرّه - وولّى شرطتَهُ ثمامة بن حوشب ثم عزَله وولّى الحجاج بن أرطاة النخعيّ [٧/ ٢٧٧ - ٢٨٠]. * * *

стр. 4289

[ذكر مخالفة مروان بن محمد] وفي هذه السنة كتب مَرْوان بن محمد إلى الغمْر بن يزيد، أخي الوليد بن يزيد يأمره بدم أخيه الوليد. ذكر نسخة ذلك الكتاب الذي كتب إليه: حدّثني أحمد عن عليّ، قال: كتب مروان إلى الغمْر بن يزيد بعد قتل الوليد: أما بعد، فإن هذه الخلافة من الله على مناهج نبوّة رسله، وإقامة شرائع دينه، أكرمهم الله بما قلّدهم، يعزّهم ويعزّ من يعزّهم، والحَيْن (١) على مَنْ ناوأهم فابتغي غير سبيلهم، فلم يزالوا أهل رِعاية لما استودعهم الله منها يقوم بحقها ناهضٌ بعد ناهض، بأنصار لها من المسلمين، وكان أهل الشام أحسن خلقه فيه طاعة، وأذبَّه عن حُرَمه، وأوفاه بعهده، وأشدّه نكاية في مارِق مخالف ناكث ناكب (٢) عن الحق، فاستدرّت نعمة الله عليهم، قد عَمِر بهم الإسلام، وكُبِت (٣) بهم الشرك وأهله، وقد نكثوا أمر الله، وحاولوا نكثَ العهود، وقام بذلك من أشعل ضرامهَا، وإن كانت القلوب عنه نافرة، والمطلوبون بدم الخليفة ولايةٌ (٤) من بني أمية؛ فإن دمه غير ضائع؛ وإن سكنتْ بهم الفتنة، والتأمت الأمور؛ فأمرٌ أراده الله لا مردّ له. فاكتب بحالك فيما أبرموا وما تَرى؛ فإني مطرْق إلى أن أرى غِيرًا (٥) فأسطو بانتقام، وأنتقم لدين الله المنبوذة فرائضه، المتروكة مجانة، ومعي قوم أسكن الله طاعتي قلوبَهم؛ أهلُ إقدام إلى ما قدِمت بهم عليه، ولهم نظراء صدورهم مترعة ممتلئة لو يجدون منزعَّا (٦) والنّقمة دولة تأتي من الله؛ ووقت مؤجل؛ ولم

стр. 4290

أشبه محمدًا ولا مروان (١) - غير أن رأيت غِيَرًا - إن لم أشمّر للقدريّة إزاري، وأضربهم بسيفي جارحًا وطاعنًا، يرمي قضاء الله بي في ذلك حيث أخذ، أو يرمي بهم في عقوبة الله حيث بلغ منهم فيها رضاه؛ وما إطراقي إلّا لما أنتظر مما يأتيني عنك، فلا تهن عن ثأرك بأخيك، فإنّ الله جارُك وكافيك، وكفى بالله طالبًا ونصيرًا. حدثني أحمد، عن عليّ، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، عن مسلم بن ذَكْوان، قال: كلّمَ يزيد بن الوليد العباسَ بن الوليد في طُفَيل بن حارثة الكلبيّ، وقال: إنه حَمل حَمالة، فإن رأيتَ أن تكتب إلى مروان بن محمد في الوصَاة به، وأن يأذن له أن يسأل عشيرته فيها - وكان مروان يمنعُ الناس أن يسألوا شيئًا من ذلك عند العطاء - فأجابه وحمله على البريد. وكان كتاب العباس ينفذ في الآفاق بكلّ ما يكتب به، وكتب يزيد إلى مروان أنه اشترى من أبي عبيدة بن الوليد ضَيعَة بثمانية عشر ألف دينار، وقد احتاج إِلى أربعة آلاف دينار. قال مسلم بن ذكوان: فدعاني يزيد، وقال: انطلق مع طُفيل بهذا الكتاب، وكلِّمه في هذا الأمر، قال: فخرجنا ولم يعلم العباسُ بخروجي، فلما قدمنا خِلاط، لقينا عمرو بن حارثة الكلبيّ، فسألَنا عن حالنا فأخبرناه، فقال: كذبتما؛ إن لكما ولمروان لقصّةً، قلنا: وما ذاك؟ قال: أخْلَاني حين أردت الخروج، وقال لي: جماعة أهل المِزَّة يكونون ألفًا؟ قلت: وأكثر، قال: وكم بينها وبين دمشق؟ قلت: يسمعهم المنادي، قال: كم ترى عدّة بني عامر؟ (يعني بني عامر من كلْب)، قلت: عشرون ألف رجل، فحرّك أصبعه، ولوى وجهه، قال مسلم: فلما سمعت ذلك طمعتُ في مرْوان، وكتبت إليه على لسان يزيد: أما بعد، فإنني وجهت إليك ابنَ ذكوان مولاي بما سيذكره لك، ويُنْهيه إليكَ، فألق إليه ما أحببتَ، فإنه من خيار أهلي وثقات مواليّ؛ وهو شعب حصين، ووعاء أمين؛ إن شاء الله، فقدمنا على مَرْوان، فدفع طُفَيل كتاب العبالس إلى الحاجب، وأخبره أنّ معه كتاب يزيد بن الوليد، فقرأه، فخرج الحاجب، وقال: أما معك كتاب غير هذا، ولا أوصاك بشيء! قلت: لا, ولكني

стр. 4291

معي مسلم بن ذكوان، فدخل فأخبره، فخرج الحاجب، فقال: مرْ مولاه بالرواح. قال مسلم: فانصرفت، فلما حضرت المغرب أتيت المقصورة؛ فلما صلَّى مروان انصرفتُ لأعيد الصلاة، ولم أكن أعتدّ بصلاته، فلما استويت قائمًا جاءني خَصيّ، فلما نظر إليّ انصرفت وأوجزتُ الصلاة، فلحقته، فأدخلني على مروان؛ وهو في بيت من بيوت النساء، فسلمتُ وجلست، فقال: من أنت؟ فقلت: مسلم بن ذكوان مولى يزيد، قال: مولى عتاقة أو مولى تباعة؟ قلت: مولى عتاقة، قال: ذاك أفضل؛ وفي كلّ ذلك فضل؛ فاذكر ما بدا لك، قلت: إن رأى الأمير أن يجعل لي الأمان على ما قلته، أوافقه في ذلك أو أخالفه؛ فأعطاني ما أردت، فحمَدت الله وصلَّيت على نبيّه، ووصفت ما أكرم الله به بني مَرْوان من الخلافة ورضا العامة بهم، وكيف نقض الوليد العُرَى، وأفسد قلوب الناس، وذمَّتْه العامّة؛ وذكرت حاله كلَّها، فلما فرغت تكلم؛ فوالله ما حمِد الله ولا تشهَّد، وقال: قد سمعت ما قلت، قد أحسنتَ وأصبت، ولنعم الرأي رأي يزيد؛ فأشهد الله أني قد بايعته، أبذل في هذا الأمر نفسي ومالي؛ لا أريد بذلك إلا ما عند الله؛ واللهِ ما أصبحت أستزيد الوليد، لقد وصل وفرض وأشرك في ملكه؛ ولكني أشهد أنه لا يؤمن بيوم الحساب، وسألني عن أمر يزيد، فكبّرت الأمر وعظمته، فقال: اكتم أمرك؛ وقد قضيتُ حاجةَ صاحبك، وكفيته أمر حَمالته، وأمرت له بألف درهم، فأقمت أيامًا، ثم دعاني ذات يوم نصفَ النهار، ثم قال: الحقْ بصاحبك، وقل له: سدّدك الله، امض على أمر الله؛ فإنك بعين الله. وكتب جواب كتابي، وقال لي: إن قدرتَ أن تطوى أو تطير فطِرْ، فإنه يخرج بالجزيرة إلى ستّ ليال أو سبع خارجة؛ وقد خفت أن يطول أمرهم فلا تقدر أن تجوز، قلت: وما علمُ الأمير بذلك؟ فضحك، وقال: ليس من أهل هوى إلّا وقد أعطيتهم الرّضا حتى أخبروني بذات أنفسهم، فقلت في نفسي: أنا واحد من أولئك، ثم قلت: لئن فعلت ذلك أصلحك الله؛ إنه قيل لخالد بن يزيد بن معاوية: أنّي أصبت هذا العلم؟ قال: وافقتُ الرجال على أهوائهم، ودخلت معهم في آرائهم؛ حتى بذلوا لي ما عندهم، وأفضوْا لي بذات أنفسهم. فوّدعته وخرجت. فلما كنت بآمِد لقيت البُرُد تتبع بعضها بعضًا بقتل الوليد؛

стр. 4292

وإذا عبد الملك بن مروان [بن محمد] قد وثب على عامل الوليد بالجزيرة، فأخرجه منها، ووضع الأرصاد على الطريق، فتركت البُرد، واستأجرت دابّة ودليلًا، فقدمت على يزيد بن الوليد [٧/ ٢٨١ - ٢٨٤]. * * * ذكر الخبر عن عزل منصور بن جمهور عن العراق وفي هذه السنة عزل يزيد بن الوليد منصورَ بن جمهور عن العراق، وولّاها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن مروان. * ذكر الخبر عن ذلك: ذُكِر عن يزيد بن الوليد أنه قال لعبد الله بن عمر بن عبد العزيز: إن أهل العراق يميلون إلى أبيك فسرْ إليها فقد ولّيتُكها؛ فذكر عن أبي عبيدة، قال: كان عبد الله بن عمر متألّهًا متألمًا، فقدّم حين شخص إلى العراق بين يديه رُسلًا وكتبًا إلى قوّاد الشام الذين بالعراق، وخاف ألّا يسلِّم له منصور بن جمهور العمل، فانقاد له كلهم، وسلّم له منصور بن جمهور، وانصرف إلى الشام، ففرق عبد الله بن عمر عماله في الأعمال، وأعطى الناسَ أرزاقهم وأعطياتهم؛ فنازعه قوّاد أهل الشام، وقالوا: تقسم على هؤلاء فيئنَا وهم عدوّنا! فقال عبد الله لأهل العراق: إني قد أردتُ أن أردّ فيئكم عليكم، وعلصت أنكم أحقّ به؛ فنازعني هؤلاء فأنكروا عليّ. فخرج أهل الكوفة إلى الجبّانة، وتجمَّعوا، فأرسل إليهم قوّاد أهل الشام يعتذرون وينكرون، ويحلفون أنهم لم يقولوا شيئًا مما بلَغهم، وثار غوغاء الناس من الفريقين، فتناوشوا، وأصيب منهم رهط لم يُعرفوا وعبدُ الله بن عمر بالحيرة، وعبيد الله بن العباس الكنديّ بالكوفة؛ قد كان منصور بن جمهور استخلفه عليها فأراد أهل الكوفة إخراجه من القصر، فأرسل إلى عمر بن الغضبان بن القبعثريّ، فأتاه فنحَّى الناس عنه، وسكّنهم وزجر سفاءهم حتى تحاجزوا، وأمن بعضهم بعضًا، وبلغ ذلك عبد الله بن عمر، فأرسل إلى ابن الغَضْبان، فكساه وحَمله، وأحسن جائزته، وولَّاه شُرَطه وخراج السواد

стр. 4293

والمحاسبات، وأمره أن يفرض لقومه، ففرض في ستين وفي سبعين. [٧/ ٢٨٤ - ٢٨٥]. * * * [ذكر وقوع الخلاف بين اليمانية والنزارية في خراسان] وفي هذه السنة وقع الاختلاف في خراسان بين اليمانية والنزاريّة، وأظهر الكِرمانيّ فيها الخلاف لنصر بن سيار، واجتمع مع كلّ واحد منهما جماعة لنصرته. * ذكر الخبر عما كان بينهما من ذلك وعن السبب الذي أحدث ذلك: ذكر عليّ بن محمد عن شيوخه؛ أن عبد الله بن عمر لمّا قدم العراق واليًا عليها من قِبَل يزيد بن الوليد، كتب إلى نصر بعهده على خراسان؛ قال: ويقال: بل أتاه كتابه بعد خروج الكرمانيّ من حَبْس نصر، فقال المنجّمون لنصر: إنَّ خراسان سيكون بها فتنة؛ فأمر نصر برفع حاصل (١) بيت المال، وأعطى الناس بعض أعطياتهم ورِقًا وذهبًا من الآنية التي كان اتخذها للوليد بن يزيد؛ وكان أوّل من تكلم رجل من كِندة أفوه طُوال، فقال: العطاء العطاء! فلما كانت الجمعة الثانية، أمر نصر رجالًا من الحرَس، فلبسوا السلاح، وفرّقهم في المسجد مخافة أن يتكلم متكلم، فقام الكنديّ فقال: العطاء العطاء! فقام رجل مولى للأزْد - وكان يلقب أبا الشياطين - فتكلم، وقام حمّاد الصائغ وأبو السَّلِيل البكريّ، فقالا: العطاء العطاء! فقال نصر: إياكم والمعصية؛ عليكم بالطاعة والجماعة؛ فاتقوا الله واسمعوا ما توعظون به. فصعد سَلْم بن أحوز إلى نصر وهو على المنبر فكلّمه، فقال: ما يغني عنَّا كلامك هذا شيئًا، ووثب أهل السوق إلى أسواقهم؛ فغضب نصر وقال: ما لكم عندي عطاء بعد يومكم هذا، ثم قال: كأني بالرّجل منكم قد قام إلى أخيه وابن عمه، فلطم وجهَه في جمل يُهْدَى له وثوب يكساه، ويقول: مولاي وظئري؛ وكأني بهم قد نبغ من تحت أرجلهم شرّ لا يطاق، وكأني بكم مطّرحين

стр. 4294

في الأسواق كالجزُر المنحورة؛ إنه لم تطل ولاية رجل إلا ملّوها؛ وأنتم يا أهلَ خراسان؛ مسلحة في نحور العدوّ، فإياكم أن يختلف فيكم سيفان. قال عليّ: قال عبد الله بن المبارك، قال نصر في خطبته: إني لمكفِّر ومع ذلك لمظَلِّم؛ وعسى أن يكون ذلك خيرًا لي، إنكم تغشوْن أمرًا تريدون فيه الفتنة، فلا أبقى الله عليكم، والله لقد نشرتكم وطويتكم، وطويتكم ونشرتكم، فما عندي منكم عشرة. وإني وإياكم كما قال مَن كان قبلكم: اسْتَمْسِكُوا أصحابَنا نَحدُو بكمْ ... فقد عرفنا خَيركم وشَرَّكمْ فاتقوا الله، فوالله لئن اختلف فيكم ليتمنَّينّ الرجل منكن أن يُخلع من ماله وولده ولم يكنِ رآه، يا أهل خراسان، إنكم غمطتم الجماعة وركنتم إلى الفرقة، أسلطان المجهول تريدون وتنتظرون! إنه فيه لهلاككم معشر العرب، وتمثَّل بقول النابغة الذبيانيّ: فإنْ يَغْلِبْ شَقاؤكُمُ عليكمْ ... فإني في صَلَاحِكُم سَعَيْتُ وقال الحارث بن عبد الله بن الحشرج بن المغيرة بن الورد الجعديّ: أبِيتُ أَرعى النجومَ مرْتَفِقًا ... إذا استَقَلَّتْ تَجْرِي أوائِلُها مِنْ فِتنَةٍ أصبحَتْ مجَلِّلةً ... قد عَمَّ أهلَ الصَّلاةِ شامِلُها مَنْ بِخُرَاسانَ والعراقِ ومَنْ ... بالشامِ كلٌّ شَجاهُ شاغِلها فالناسُ منها في لونِ مَظلمةٍ ... دَهْماءَ ملتَجَّةٍ غَياطِلُها يمْسِي السّفِيه الذي يُعنَف بالـ ... جَهْل سواءً فيها وعاقلها والناسُ في كُرْبَةٍ يَكاد لها ... تَنبِذُ أولادَها حَوامِلُها يَغدون منها في ظلّ مُبْهَمَةٍ ... عمياءَ تغتَالهم غوائلها لا يَنظُر الناس في عواقبِها ... إلَّا التي لا يبِين قائلها كرَغوَةِ البَكرِ أَوْ كَصَيْحَةِ حُبْ ... ـلى طرَقتْ حولها قوابُلها فجاء فينا أزرَى بِوجْهَتِهِ ... فيها خُطوبٌ حُمْرٌ زَلازِلها قال: فلما أتى نصرًا عهده من قبَل عبد الله بن عمر قال الكِرْماني لأصحابه: الناس في فتنة؛ فانظروا لأموركم رجلًا - وإنما سُمّي الكرمانيّ لأنه ولد بكرْمان، واسمه جُدَيع بن عليّ بن شبيب بن بَراري بن صُنيم المعنيّ - فقالوا: أنت لنا، فقالت المضريّة لنصر: الكرمانيّ يفسد عليك؛ فأرْسِل إليه فاقتله، [أو

стр. 4295

فاحبسه]، قال: لا، ولكن لي أولاد ذكور وإناث، فأزوّج بَنيّ من بناته وبنيه من بناتي؛ قالوا: لا، قال: فأبعث إليه بمئة ألف درهم، فإنه بخيل ولا يعطي أصحابه شيئًا، ويعلمون بها فيتفرّقون عنه، قالوا: لا. هذه قوة له، قال: فدَعوه على حاله يتَّقينا ونتَّقيه، قالوا [لا، قال]: فأرسل إليه فحبسه. قال: وبلغ نصرًا أنّ الكرمانيّ يقول: كانت غايتي في طاعة بني مروان أن يقلَّد ولدي السيوف فأطلبَ بثأر بني المهلب، مع ما لقينا من نَصْر وجفائه وطول حرمانه ومكافاته إيانا بما كان من صنيع أسد إليه، فقال له عصمة بن عبد الله الأسديّ: إنها بدء فتنة، فتجنّ عليه فاحشة، وأظهر أنه مخالف واضرب عنقه وعنق سِباع بن النعمان الأزديّ والفَرَافصَة بن ظهير البكريّ، فإنه لم يزل متغضّبًا على الله بتفضيله مضر على ربيعة. وكان بخراسان، وقال جَميل بن النعمان: إنك قد شرّفتَه وإن كرهتَ قتله فادفعه إليّ أقتله، وقيل: إنما غضب عليه في مكاتبته بكْر بن فراس البَهرانيّ عامل جرْجان، يعلمه حال منصور بن جمهور حين بعث عهد الكرمانيّ مع أبي الزّعفران مولى أسد بن عبد الله، فطلبه نصر فلم يقدرْ عليه، والذي كتب إلى الكرمانيّ بقتل الوليد وقدوم منصور بن جمهور على العراق صالح الأثرم الحرار. وقيل: إن قومًا أتوا نصرًا، فقالوا: الكرمانيّ يدعو إلى الفتنة، وقال أصرم بن قبيصة لنصر: لو أن جُديعًا لم يقدر على السلطان والملك إلا بالنصرانية واليهودية لتنصر وتهوّد، وكان نصر والكرمانيّ متصافيين، وقد كان الكِرمانيّ أحسنَ إلى نصر في ولاية أسد بن عبد الله، فلما وليَ نصر خراسان عزَل الكِرمانيّ عن الرئاسة وصيَّرها لحرب بن عامر بن أيثم الواشجيّ، فمات حرب فأعاد الكرمانيّ عليها، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى عزله، وصيّرها لجميل بن النعمان، قال: فتباعد ما بين نصر والكرمانيّ فحبس الكرمانيّ في القهندز وكان على القهندز مقاتل بن عليّ المرئيّ - ويقال المريّ. قال: ولما أراد نصر حبس الكِرمانيّ أمر عبيد الله بن بسّام صاحب حرسه؛ فأتاه به، فقال له نصر: يا كِرمانيّ، ألم يأتني كتاب يوسف بن عمر يأمرني بقتلك، فراجعتُه وقلت له: شيخ خراسان وفارسها، وحقنت دمك! قال: بلى! قال: ألم أغرم عنك ما كان لزمك من الغرم وقسمتُه في أعطيات الناس! قال:

стр. 4296

بلى! قال ألم أرِش عليًّا ابنك على كرْه من قومك! قال: بلى، قال: فبدّلت ذلك إجماعًا على الفتنة! قال الكرمانيّ: لم يقل الأمير شيئًا إلّا وقد كان أكثر منه، فأنا لذلك شاكر؛ فإنْ كان الأمير حَقَن دمي فقد كان منّي أيام أسد بن عبد الله ما قد علم، فليستأنِ الأمير ويتثبَّت فلست أحبّ الفتنة، فقال عصمة بن عبد الله الأسديّ: كذبتَ؛ وأنت تريد الشَّغب، وما لا تناله. وقال سلم بن أحْوَزِ: اضرب عنقه أيها الأمير، فقال المقدام وقدامة ابنا عبد الرحمن بن نُعَيم الغامديّ: لَجلساء فرعون خير منكم، إذ قالوا: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ (١)، والله لا يقتلَنْ الكرمانيّ بقولك يا بن أحوز [وعلت الأصوات، فأمر] نصر سلمًا بحبس الكرمانيّ، فحبس لثلاث بقين من شهر رمضان سنة ست وعشرين ومئة، فكلمت الأزْد، فقال نصر: إنّي حلفت أن أحبسه ولا يبدؤه مني سوء، فإن خشيتم عليه فاختاروا رجلًا يكون معه، قال: فاختاروا يزيد النحويّ؛ فكان معه في القهندز، وصيَّر حرسه بني ناجية أصحاب عثمان وجَهْم ابني مسعود. قال: وبعث الأزد إلى نصر المغيرة بن شعبة الجهضميّ وخالد بن شعيب بن أبي صالح الحُدانيّ، فكلَّماه فيه. قال: فلبث في الحبس تسعة وعشرين يومًا؛ فقال عليّ بن وائل أحد بني ربيعة بن حنظلة: دخلت على نَصْر، والكِرمانيّ جالس ناحية، وهو يقول: ما ذنبي إن كان أبو الزعفران جاء! فوالله ما واريته ولا أعلم مكانه. وقد كانت الأزد يوم حُبس الكِرمانيّ أرادت أن تنزعَه من رُسله، فناشدهم الله الكرمانيّ ألّا يفعلوا، ومضى مع رسل سَلْم بن أحوز، وهو يضحك، فلما حبِس تكلّم عبد الملك بن حَرْملة اليَحْمَديّ والمغيرة بن شعبة وعبد الجبار بن شعيب بن عبّاد وجماعة من الأزْد، فنزلوا نَوْش، وقالوا: لا نرضى أن يحبَس الكرمانيّ بغير جناية ولا حَدَث، فقال لهم شيوخ من اليحمَد: لا تفعلوا وانظروا ما يكون من أميركم، فقالوا: لا نرضى؛ ليَكفّنّ عنا نصر أو لنَبدأنّ بكم، وأتاهم عبد العزيز بن عبّاد بن جابر بن همام بن حنظلة اليحْمَدي في مئة، ومحمد بن المثنّى وداود بن شعيب، فباتوا بنَوْش مع عبد الملك بن حَرْملة ومَن كان معه، فلما أصبحوا أتوا حوْزان، وأحرقوا منزل عزّة أمّ ولد نصر - وأقاموا ثلاثة أيام، وقالوا: لا نرضى؛ فعند ذلك صيّروا عليه الأمناء، فجعلوا معه يزيد النحويّ

стр. 4297

وغيره، فجاء رجل من أهل نَسَف، فقال لجعفر غلام الكِرمانيّ: ما تجعلون لي إن أخرجته؟ قالوا: لك ما سألت، فأتى مجرى الماء من القهندز فوسّعه، وأتى ولد الكرمانيّ، وقال لهم: اكتبوا إلى أبيكم يستعدّ الليلة للخروج، فكتبوا إليه، وأدخلوا الكتاب في الطعام، فدعا الكرمانيّ يزيد النحويّ وحصين بن حكم فتعشَّيا معه وخرجا، ودخل الكرمانيّ السرب، فأخذوا بعَضُده، فانطوت على بطنه حيّة فلم تضرّه، فقال بعض الأزد: كانت الحيّة أزْدية فلم تضرّه. قال: فانتهى إلى موضع ضيق فسحبوه فسُحج منكبه وجنبه، فلما خرج ركب بغلته دوّامة - ويقال: بل ركب فرسه البشير - والقيْد في رجله، فأتوْا به قرية تسمى غلَطان، وفيها عبد الملك بن حَرْملة، فأطلق عنه. قال عليّ: وقال أبو الوليد زهير بن هنيد العدويّ: كان مع الكِرمانيّ غلامه بسّام، فرأى خرقًا على القهندز، فلم يزل يوسعه حتى أمكنه الخروج منه. قال: فأرسل الكِرمانيّ إلى محمد بن المثنى وعبد الملك بن حَرْملة: إني خارج الليلة، فاجتمعوا وخرج فأتاهم فَرْقد مولاه، فأخبرهم، فلقوه في قرية حزب بن عامر، وعليه ملْحفة متقلدًا سيفًا، ومعه عبد الجبار بن شعيب وابنا الكرمانيّ: عليّ وعثمان، وجعفر غلامه، فأمر عمرو بن بكر أن يأتيَ غَلطان وأندَغ وأشْتُرْجَ معًا، وأمرهم أن يوافُوه على باب الرّيان بن سنان اليَحمديّ بنَوش في المرج - وكان مصلّاهم في العيد - فأتاهم فأخبرهم، فخرج القومُ من قراهم في السلاح، فصلَّى بهم الغَداة، وهم زهاء ألف، فما ترجّلت الشمس حتى صاروا ثلاثة آلاف، وأتاهم أهل السقادم، فسار على مَرْج نيران حتى أتى حَوْزان، فقال خلف بن خليفة: أَصْحِروا لِلمَرْج أَجْلَى لِلعَمَى ... فلقد أَصْحَرَ أصحاب السَّربْ إنَّ مَرْجَ الأَزدِ مَرْجٌ واسعٌ ... تَسْتَوي الأَقدام فِيهِ والرُّكبْ وقيل: إن الأزْد بايعت لعبد الملك بن حَرْملة على كتاب الله ليلة خرج الكِرمانيّ، فلما اجتمعوا في مَرْج نَوْش أقيمت الصلاة، فاختلف عبد الملك والكِرمانيّ ساعة، ثم قدمه عبد الملك، وصيَّروا الأمر له، فصلى الكِرمانيّ، ولما هَرَب الكِرمانيّ أصبح نصر معسكرًا بباب مرْو الرّوذ بناحية إبردانَة، فأقام يومًا أو يومين.

стр. 4298

وقيل: لما هرب الكِرمانيّ استخلف نصر عصمة بن عبد الله الأسديّ؛ وخرج إلى القناطر الخمس بباب مَرْو الرّوذ، وخطب الناس، فنال من الكرمانيّ، فقال: وُلد بكرمان وكان كِرْمانيًّا، ثم سقط إلى هَراة فكان هَرَويًّا، والساقط بين الفراشَيْن لا أصل ثابت؛ ولا فرع نابت، ثم ذكر الأزْد، فقال: إن يستوثقوا فأذلّ قوم، وإن يأبوْا فهم كما قال الأخطل (١): ضَفادِع في ظلماء لَيْلٍ تجاوَبَتْ ... فَذَّل عليها صَوْتُها حَيَّةَ البحر ثم نَدِمَ على ما فرط منه، فقال: اذكروا الله؛ فإنّ ذكر الله شفاء، ذكر الله خيرٌ لا شرّ فيه، يُذهب الذنب، وذكرُ الله براءة من النفاق. ثم اجتمع إلى نصر بَشَرٌ كثير، فوجَّه سلم بن أحوَز إلى الكِرمانيّ في المجفَّفة في بشر كثير، فسفر الناس بين نصرِ والكِرمانيّ، وسألوا نصرًا أن يؤمنه ولا يحبسه، ويضمن عنه قومُه ألّا يخالفه، فوضع يده في يد نصر فأمرَه بلزوم بيته، ثم بلغه عن نصر شيء، فخرج إلى قرية له، وخرج نصر فعسكر بالقناطر، فأتاه القاسم بن نجيب، فكلمه فيه فآمنه، وقال له: إنْ شئت خرج لك عن خُراسان، وإن شئت أقام في داره - وكان رأي نصر إخراجه - فقال له سلم: إن أخرجتَه نوّهت باسمه وذكره، وقال الناس: أخرجه لأنه هابه، فقال نصر: إن الذي أتخوّفه منه إذا خرج أيسر مما أتخوّفه منه وهو مقيم، والرجل إذا نُفِيَ عن بلده صَغُر أمره، فأبوْا عليه، فكفّ عنه، وأعطى مَن كان معه عشرة عشرة، وأتى الكِرمانيّ نصرًا، فدخل سرادقه فآمنه. ولحق عبد العزيز بن عبد ربّه بالحارث بن سُريج، وأتى نصرًا عزلُ منصور بن جمهور وولاية عبد الله بن عمر بن عبد العزيز في شوّال سنة ست وعشرين ومئة؛ فخطب الناس؛ وذكر ابن جمهور، وقال: قد علمتُ أنه لم يكن من عمال العراق، وقد عزله الله، واستعمل الطيب بن الطيب؛ فغضب الكرمانيّ لابن جمهور، فعاد في جمْع الرجال واتخاذ السلاح، وكان يحضر الجمعة في ألف وخمسمئة وأكثر وأقل، فيصلي خارجًا من المفصورة ثم يدخل على نَصر، فيسلم ولا يجلس، ثم ترك إتيان نَصر وأظهر الخِلاف، فأرسل إليه نصر مع سلْم بن أحوز: إنّي والله ما أردت

стр. 4299

بك في حَبْسك سوءًا، ولكن خفتُ أن تفسِدَ أمر الناس، فائْتني، فقال الكِرماني: لولا أنك في منزلي لقتلتُك، ولولا ما أعرف من حُمقك أحسنتُ أدَبك، فارجع إلى ابن الأقطع فأبلغه ما شئت من خَير وشرّ، فرجع إلى نصر فأخبره، فقال: عُد إليه، فقال: لا والله، وما بي هيبة له ولكني أكره أن يُسمِعَني فيك ما أكره، فبعث إليه عصمة بن عبد الله الأسديّ، فقال: يا أبا عليّ، إني أخاف عليك عاقبَة ما ابتدأتَ به في دينك ودنياك، ونحن نعرض عليك خِصالًا؛ فانطلق إلى أميرك يعرضها عليك، وما نريد بذلك إلا الإنذار إليك. فقال الكِرمانيّ: إني أعلم أن نصرًا لم يقل هذا لك ولكن أردت أن يبلغه فتحظى، والله لا أكلمك كلمة بعد انقضاء كلامي حتى ترجع إلى منزلك، فيرسل مَن أحب غَيرك. فرجع عصمة، وقال: ما رأيت عِلْجًا أعدى لطورِه من الكِرمانيّ، وما أعجبُ منه؛ ولكن من يحيى بن حُصين لَعنهم الله [والله لهم، أشدّ تعظيمًا له من أصحابه، قال سَلْم بن أحوز: إني أخاف فساد هذا الثغر والناس، فأرسل إليه قُدَيدًا، وقال: نصر لقُديد بن مَنيع: انطلق إليه، فأتاه فقال له: يا أبا عليّ، لقد لججتَ وأخاف أن يتفاقم الأمر فنهلك جميعًا، وتشمَت بنا هذه الأعاجم، فقال: يا قُديد؛ إني لا أتهمك؛ وقد جاء ما لا أثق بنصر معه، وقد قال رسول الله ﷺ : "البكريّ أخوك ولا تثق به"؛ قال: أما إذْ وقع هذا في نفسك فأعطه رهْنًا، قال: من؟ قال: أعطه عليًّا وعثمان، قال: فمن يعطيني؟ ولا خير فيه، قال: يا أبا عليّ، أنشدك الله أن يكون خراب هذه البلدة على يديك، ورجع إلى نصر، فقال لعَقيل بن معقل الليثيّ: ما أخوفَني أن يقع بها الثَّغر بلاء، فكلم ابن عمك، فقال عَقيل لنصر: أيها الأمير؛ أنشدك الله أن تشأم عشيرتك، إن مَرْوان بالشام تقاتله الخوارج، والناس في فتنة والأزْد سفهاء وهم جيرانك. قال: فما أصنع؟ إن علمتَ أمرًا يُصلِح الناس فدونك، فقد عزم أنه لا يثق بي، قال: فأتى عَقيل الكِرمانيّ، فقال: أبا عليّ، قد سننت سنة تُطلَبُ بعدك من الأمراء، إني أرى أمرًا أخاف أن تَذهب فيه العقول، قال الكِرمانيّ: إنّ نصرًا يريد أن آتيَه ولا آمنه، ونريد أن يعتزل ونعتزل، ونختار رجلًا من بَكْر بن وائل، نرضاه جميعًا، فيلي أمرنا جميعًا حتى يأتيَ أمرٌ من الخليفة؛ وهو يأبَى هذا، قال: يا أبا عليّ، إني أخاف أن يهلِك أهلُ هذا الثغر، فائْتِ أميرك وقل ما شئت تُجَبْ إليه، ولا تُطمِع سفهاء قومك فيما دخلوا فيه، فقال الكرمانيّ: إني لا أتهمك في نصيحة

стр. 4300

ولا عقْل، ولكنّي لا أثق بنصر؛ فليحمل من مال خَراسان ما شاء ويشخص، قال: فهل لك في أمر يجمع الأمر بينكما؟ تتزوّج إليه ويتزوّج إليك، قال: لا آمنه على حال، قال: ما بعد هذا خيرٌ، وإني خائف أن تهلِك غدًا بمضْيعَة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال له عَقيل: أعود إليك؟ قال: لا؛ ولكن أبلغه عني وقل له: لا آمن أن يحملك قوم على غير ما تريد، فتركب منا ما لا بقيّة بعده؛ فإن شئت خرجت عنك لا من هيبة لك، ولكن أكره أن أشأم أهل هذه البلدة، وأسفك الدّماء فيها، وتهيّأ ليخرج إلى جرجان [٧/ ٢٨٥ - ٢٩٣]. * * * [خبر الحارث بن سريج مع يزيد] وفي هذه السنة آمن يزيد بن الوليد الحارثَ بن سريج، وكتب له بذلك، فكتب إلى عبد الله بن عمر يأمره بردّ ما كان أخذ منه من ماله وولده. ذكر الخبر عن سبب ذلك: * ذكر أنّ الفتنة لما وقعت بخراسان بين نَصْر والكرمانيّ، خاف نصر قدوم الحارث بن سُرَيج عليه بأصحابه والترك، فيكون أمره أشدّ عليه من الكرمانيّ وغيره، وطمع أن يناصحه، فأرسل إليه مقاتل بن حيّان النَّبطيّ وثعلبة بن صفوان البنانيّ وأنس بن بَجالة الأعرجي وهدْبَة الشعراويّ وربيعة القرشيّ ليردّوه عن بلاد الترك. فذكر عليّ بن محمد عن شيوخه أن خالد بن زياد البدّيّ من أهل التّرمذ وخالد بن عمر ومولى بني عامر، خرجا إلى يزيد بن الوليد يطلبان الأمان للحارث بن سُرَيج، فقدما الكوفة، فلقيَا سعيد خُدَينة، فقال لخالد بن زياد: أتدري لم سمَّوْني خُدَينة؟ قال: لا، قال: أرادوني على قتل أهل اليمن فأبيت. وسألا أبا حنيفة أن يكتب لهما إلى الأجْلح - وكان من خاصة يزيد بن الوليد - فكتب لهما إليه، فأدخلهما عليه، فقال له خالد بن زياد: يا أمير المؤمنين، قتلت ابن عمك لإقامة كتاب الله، وعمّالك يغشمون ويظلمون! قال: لا أجد أعوانًا غيرهم، وإني لأبغضهم، قال: يا أمير المؤمنين، ولّ أهل البيوتات، وضمّ إلى كلّ عامل رجالًا من أهل الخير والفقه يأخذونهم بما في عهدك، قال:

стр. 4301

أفعل، وسألاه أمانًا للحارث بن سريج، فكتب له: أما بعد، فإنا غضبنا لله، إذْ عُطلت حدوده، وبُلغ بعباده كلّ مبلغ وسفكت الدماء بغير حلِّها، وأخذت الأموال بغير حقها، فأردنا أن نعمل في هذه الأمة بكتاب الله جلّ وعزّ وسنة نبيه ﷺ ، ولا قوّة إلا بالله؛ فقد أوضحنا لك عن ذات أنفسنا، فاقبلِ آمنًا أنت ومن معك؛ فإنكم إخواننا وأعواننا وقد كتبتُ إلى عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بردّ ما كان اصطفى من أموالكم وذراريّكم. فقدما الكوفة فدخلا على ابن عمر، فقال خالد بن زياد: أصلح الله الأمير! ألا تأمر عمالك بسيرة أبيك؟ قال: أوليس سيرة عمر ظاهرة معروفة! قال: فما ينفع النَّاس منها ولا يُعمل بها! ثم قدما مَرْو فدفعا كتاب يزيد إلى نصر، فردّ ما كان أخذ لهم مما قدر عليه، ثم نفذا إلى الحارث، فلقيا مقاتل بن حيّان وأصحابه الذين وجّههم نصر إلى الحارث، وكان ابن عمر كتب إلى نصر: إنك آمنت الحارث بغير إذني ولا إذن الخليفة، فأسْقِط في يديه فبعث يزيد بن الأحمر وأمره أن يفتك بالحارث إذا صار معه في السفينة، فلما لقيا مقاتلًا بآمُل قطع إليه مقاتل بنفسه، فكفّ عنه يزيد، قال: فأقبل الحارث يريد مَرْو - وكان مقامه بأرض الشرّك اثنتي عشرة سنة - وقدم معه القاسم الشيبانيّ ومضرّس بن عمران قاضيه وعبد الله بن سنان، فقدم سمرقند وعليها منصور بن عمر فلم يتلفَّه. وقال: أحسنْ بلاءه! وكتب إلى نصر يستأذنه في الحارث أن يثبَ به، فأيّهما قتل صاحبه فإلى الجنة أو إلى النار، وكتب إليه: لئن قدم الحارث على الأمير وقد ضرّ ببني أمية في سلطانهم، وهو والغ في دم بعد دم، قد طوى كشحًا عن الدنيا بعد أن كان في سلطانهم أقراهم لضيف، وأشدهم بأسًا، وأنفذهم غارة في الترك؛ ليفرّقن عليك بني تميم، وكان سَرْدر خُداه محبوسًا عند منصور بن عمر؛ لأنه قتل بياسان، فاستعدى ابنُه جنده (١) منصورًا، فحبسه، فكلم الحارث منصورًا فيه، فخلّى سبيله، فلزم الحارث ووفّى له. * * *

стр. 4302

كتاب إبراهيم الإمام إلى شيعة بني العباس وفي هذه السنة - فيما زعم بعضهم - وجّه إبراهيم بن محمد الإمام أبا هاشم بُكير بن ماهان إلى خراسان، وبعث معه بالسيرة والوصيّة، فقدم مَرْو، وجمع النقباء ومَنْ بها من الدّعاة، فنعى لهم الإمام محمد بن عليّ، ودعاهم إلى إبراهيم، ودفع إليهم كتاب إبراهيم، فقبلوه ودفعوا إليه ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة، فقدم بها بكير على إبراهيم بن محمد. [٧/ ٢٩٣ - ٢٩٥]. ذكر خلاف مروان بن محمد على يزيد وفي هذه السنة أظهر مَرْوان بن محمد الخلاف على يزيد بن الوليد؛ وانصرف من أرمينيَة إلى الجزيرة، مظهرًا أنه طالبٌ بدم الوليد بن يزيد، فلما صار بحرّان بايع يزيد. * ذكر الخبر عما كان منه في ذلك وعن السبب الذي حمله على الخلاف ثم البيعة: حدثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا عبد الوهاب بن إبراهيم بن خالد بن يزيد بن هريم، قال: حدثنا أبو هاشم مخلّد بن محمد بن صالح مولى عثمان بن عفان - وسألته عما شهد مما حدثنا به فقال: لم أزل في عسكر مَرْوان بن محمد - قال: كان عبد الملك بن مَرْوان بن محمد بن مروان حين انصرف عن غَزاته الصائفة مع الغَمْر بن يزيد بحرّان، فأتاه قتلُ الوليد وهو بها، وعلى الجزيرة عَبْدة بن رباح الغسانيّ عاملًا للوليد عليها، فشخص منها - حيث بلغه قتلُ الوليد - إلى الشام، ووثب عبد الملك بن مَرْوان بن محمد على حرّان ومدائن الجزيرة فضبطها، وولّاها سليمان بن عبد الله بن عُلاثة، وكتب إلى أبيه بأرمينيَة يعلمه بذلك، ويشير عليه بتعجيل السير والقدوم، فتهيّأ مَرْوان للمسير، وأظهر أنه يطلب بدم الوليد، وكره أن يَدَع الثَّغْر معطَّلًا حتى يُحكم أمرَه؛ فوجَّه إلى أهل الباب إسحاق بن مسلم العقيليّ - وهو رأس قيس - وثابت بن نعيم الجذاميّ من أهل فلسطين - وهو رأس اليمن - وكان سبب صحبة ثابت إياه أن مروان كان خلَّصه من حبس هشام بالرُّصافة، وكان مَرْوان يقدُم على هشام المرّة في السنتين، فيرفع إليه أمر الثَّغْر وحاله ومصلحة مَنْ به من جنوده، وما ينبغي أن

стр. 4303

يعمل به في عدوّه، وكان سبب حبس هشام ثابتًا ما قد ذكرنا قبل من أمره مع حَنْظلة بن صفوان وإفساده عليه الجند الذين كان هشام وجههم معه لحرب البربر وأهل إفريقيَة؛ إذ قتلوا عامل هشام عليهم، كلثوم بن عياض القسريّ، فشكا ذلك من أمره حنظلة إلى هشام في كتاب كتبه إليه، فأمر هشام حنظلة بتوجيهه إليه في الحديد، فوجّهه حنظلة إليه، فحبسه هشام، فلم يزل في حبسه حتى قدم مروان بن محمد على هشام في بعض وفاداته - وقد ذكرنا بعض أمر كلثوم بن عياض وأمر إفريقية معه في موضعه فيما مضى من كتابنا هذا - فلما قدم مروان على هشام أتاه رؤوس أهل اليمانية؛ ممن كان مع هشام، فطلبوا إليه فيه؛ وكان ممن كلّمه فيه كعب بن حامد العبسيّ صاحب شرط هشام وعبد الرحمن بن الضخم وسليمان بن حبيب قاضيه، فاستوهبه مَرْوان منه فوهبه له، فشخص إلى أرمينيةَ، فولّاه وحبَاه، فلما وجّه مروان ثابتًا مع إسحاق إلى أهل الباب، كتب إليهم معهما كتابًا يعلمهم فيه حال ثغرهم وما لهم من الأجر في لزوم أمرهم ومراكزهم، وما في ثبوتهم فيه من دفْع مكروه العدوّ عن ذراريّ المسلمين. قال: وحمل إليهم معهما أعطياتِهم، وولَّى عليهم رجلًا من أهل فلسطين يقال له حميد بن عبد الله اللخميّ - وكان رضيًّا فيهم وكان وليهم قبل ذلك - فحمدوا ولايتَه، فقاما فيهم بأمره، وأبلغاهم رسالته، وقرأا عليهم كتابه، فأجابوا إلى الثبوت في ثغرهم ولزوم مراكزهم، ثم بلغه أنّ ثابتًا قد كان يدسّ إلى قوّادهم بالانصراف من ثَغْرهم واللحاق بأجنادهم، فلما انصرفا إليه تهيّأ للمسير وعرض جنده، ودسّ ثابت بن نعيم إلى من معه من أهل الشام بالانخزال عن مَرْوان والانضمام إليه ليسير بهم إلى أجنادهم، ويتولَّى أمرهم؛ فانخزلوا عن عسكرهم مع من فرّ ليلًا وعسكروا على حِدة، وبلغ مروان أمرُهم فبات ليلَته ومن معه في السلاح يتحارسون حتى أصبح؛ ثم خرج إليهم بمن معه ومن مع ثابت يضعفون على من مع مَروان، فصافُّوهم ليقاتلوهم، فأمر مروان منادين فنادوْا بين الصّفين من الميمنة والميسرة والقلب، فنادوهم: يا أهل الشام؛ ما دعاكم إلى الانعزال! وما الذي نقمتم عليّ فيه من سِيَري! ألم ألِكم بما تحبّون، وأحسن السيرة فيكم والولاية عليكم! ما الذي دعاكم إلى سفك دمائكم! فأجابوه بأنا كنا نطيعك بطاعة خليفتنا وقد قتِل خليفتنا وبايع أهل الشأم يزيد بن الوليد، فرضينا

стр. 4304

بولاية ثابت، ورأسناه ليسير بنا على ألويتنا حتى نردّ إلى أجنادنا، فأمر مناديه فنادى: أن قد كذبتم، وليس تريدون الذي قلتم؛ وإنما أردتم أن تركبوا رؤوسكم، فتغصِبوا من مررتم به من أهل الذّمة أموالَهم وأطعمتَهم وأعلافهم؛ وما بيني وبينكم إلا السيف حتى تنقادوا إليّ، فأسير بكم حتى أورِدكم الفرات، ثم أخلِّي عن كل قائد وجنده، فتلحقون بأجنادكم، فلما رأوا الجدّ منه انقادوا إليه ومالوا له، وأمكنوه من ثابت بن نعيم وأولاده؛ وهم أربعة رجال: رفاعة، ونعيم، وبكْر، وعمران، قال: فأمر بهم فأنزِلوا عن خيولهم، وسلِبوا سلاحهم، ووضع في أرجلهم السلاسل. ووكل بهم عدّة من حَرسِه يحتفظون بهم، وشخص بجماعة من الجند من أهل الشام والجزيرة، وضمهم إلى عسكره، وضبطهم في مسيره، فلم يقدر أحد منهم على أن يفسد ولا يظلم أحدًا من أهل القرى، ولا يرزأه شيئًا إلا بثمن، حتى ورد حرّانِ، ثم أمرهم باللحاق بأجنادهم، وحبس ثابتًا معه، ودعا أهل الجزيرة إلى الفَرْض، ففرض لنيّف وعشرين ألفًا من أهل الجَلَد منهم، وتهيَّأ للمسير إلى يزيد، وكاتبه يزيد على أن يبايعَه ويوليه ما كان عبد الملك مروان ولّى أباه محمد بن مروان من الجزيرة وأرمينيَة والموصل وأذْربيجان، فبايع له مَرْوان، ووجّه إليه محمد بن عبد الله بن عُلاثة ونفرًا من وجوه الجزيرة [٧/ ٢٩٥ - ٢٩٨]. وقال بعضهم: توفِّيَ وهو ابن سبع وثلاثين سنة، وكان يكنى أبا خالد وأمه أم ولد اسمها شاه آفْريد بنت فَيْرُوز بن يَزْدجِرْد بن شَهْرِيار بن كسرى، وهو القائل: أَنَا ابنُ كِسْرى وأبى مَروانْ ... وقيصر جدي وجدّ خاقانْ وقيل: إنه كان قدريًّا، وكان - فيما حدثني أحمد، عن عليّ بن محمد في صفته - أسمر طويلًا، صغير الرأس، بوجهه خال، وكان جميلًا من رجل، في فمه بعض السعة، وليس بالمفرِط [٧/ ٢٩٨]. ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث [٦/ ٣٠٠] قال: ويقال قدم عبد الله بن معاوية الكوفة وجمع جمعًا، فلم يعلم عبد الله بن عمر حتى خرج في الجبَّانة مجمعًا على الحرب، فالتقوْا، وخالد بن

стр. 4305

قَطَن الحارثيّ على أهل اليمن، فشدّ عليه الأصبغ بن ذؤالة الكلبيّ في أهل الشام، فانهزم خالد وأهل الكوفة وأمسكت نزار عن نزار ورجعوا، وأقبل خمسون رجلًا من الزّيدّية إلى دار ابن محرز القرشيّ يريدون القتال، فقتِلوا ولم يقتل من أهل الكوفة غيرهم. قال: وخرج ابن معاوية من الكوفة مع عبد الله بن عباس التميميّ إلى المدائن، ثم خرج منها فغلب على الماهين وهَمَذان وقومِس وأصبهان والرّيّ، وخرج إليه عبيد أهل الكوفة، وقال: فلا تَرْكَبَنَّ الصنيعَ الذي ... تَلُومُ أخاكَ على مثله ولا يُعْجِبَنّكَ قَول امْرئٍ ... يخالف ما قال في فعله وأما أبو عبيدة معمر بن المثنَّى؛ فإنه زعم أن سبب ذلك أن عبد الله والحسن ويزيد بن معاوية بن عبد الله بن جعفر قدموا على عبد الله بن عمر؛ فنزلوا في النَّخَع، في دار مولى لهم، يقال له: الوليد بن سعيد، فأكرمهم ابن عمر وأجازهم، وأجرى عليهم كلّ يوم ثلثمئة درهم، فكانوا كذلك حتى هلَك يزيد بن الوليد، وبايع الناس أخاه إبراهيم بن الوليد، ومن بعده عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، فقدِمت بيعتهما على عبد الله بن عمر بالكوفة، فبايع الناس لهما، وزادهم في العطاء مئة مئة؛ وكتب بيعتهما إلى الآفاق، فجاءته البيعة، فبينا هو كذلك؛ إذ أتاه الخبر بأنّ مروان بن محمد قد سار في أهل الجزيرة إلى إبراهيم بن الوليد، وأنه امتنع من البيعة له، فاحتبس عبد الله بن عمر عبد الله بن معاوية عنده، وزاده فيما كان يجري عليه، وأعدّه لمروان بن محمد إن هو ظفر بإبراهيم بن الوليد ليبايع له؛ ويقاتل به مَرْوان؛ فماج الناس في أمرهم، وقرب مَرْوان من الشام، وخرج إليه إبراهيم فقاتله مروان، فهزمه وظفر بعسكره وخرج هاربًا، وثبت عبد العزيز بن الحجاج يقاتل حتى قتِل، وأقبل إسماعيل بن عبد الله أخو خالد بن عبد الله القسريّ هاربًا حتى أتى الكوفة؛ وكان في عسكر إبراهيم، فافتعل كتابًا على لسان إبراهيم بولاية الكوفة، فأرسل إلى اليمانية، فأخبرهم سرًا أنَّ إبراهيم بن الوليد ولّاه العراق، فقبلوا ذلك منه، وبلغ الخبرُ عبدَ الله بن عمر فباكره صلاةَ الغداة، فقاتله مِن ساعته، ومعه عمر بن الغَضْبان؛ لما رأى إسماعيل ذلك - ولا عهد معه وصاحبه الذي افتعل العهد على

стр. 4306

لسانه هارب منهزم - خاف أن يظهر أمره فيفتضح ويقتل، فقال لأصحابه: إني كارهٌ لسفك الدماء، ولم أحسّ أن يبلغ الأمر ما بلغ، فكفُّوا أيديَكم، فتفرَّق القوم عنه، فقال لأهل بيته: إنَّ إبراهيم قد هرب، ودخل مروان دمشق، فحُكي ذلك عن أهل بيته، فانتشر الخبر، واشرأبَّت الفتنة، ووقعت العصبيَّة بين الناس. وكان سبب ذلك أن عبد الله بن عمر كان أعطى مضَر وربيعة عطايَا عظامًا، ولم يعطِ جعفر بن نافع بن القعقاع بن شَوْر الذهليَّ وعثمان بن الخَيبَرِيّ أخا بني تيم اللات بن ثعلبة شيئًا، ولم يسوّهما بنظرائهما؛ فدخلا عليه؛ فكلّماه كلامًا غليظًا، فغضب ابنُ عمر، وأمر بهما، فقام إليهما عبد الملك الطائي - وكان على شُرطه يقوم على رأسه - فدفعهما، فدفعاه وخرجا مغضَبيْن. وكان ثمامة بن حَوْشب بن رُويم الشيبانيّ حاضرًا، فخرج مغاضبًا لصاحبيه، فخرجوا جميعًا إلى الكوفة، وكان هذا وابن عمر بالحيرة فلما دخلوا الكوفة نادوا: يا آل ربيعة، فثارت إليهم ربيعة، فاجتمعوا وتنمّرُوا، وبلغ الخبرُ ابنَ عمر، فأرسل إليهم أخاه عاصمًا، فأتاهم وهم بدير هند قد اجتمعوا وحشدوا، فألقى نفسه بينهم، وقال: هذه يدي لكم فاحكموا؛ فاستحَيْوا وعظَّموا عاصمًا، وتشكَّروا له، وأقبل على صاحبيْهم فسكتا وكفّا، فلمّا أمسى ابنُ عمر أرسل من تحت ليلته إلى عمر بن الغَضْبان بمئة ألف، فقسمها في قومه بني همام بن مرة بن ذُهْل بن شيبان، وأرسل إلى ثُمامة بن حَوْشب بن رُوَيم بمئة ألف، فقسَّمها في قومه، وأرسل إلى جعفر بن نافع بن القعقاع بعشرة آلاف، وإلى عثمان بن الخيبريّ بعشرة آلاف (١). قال أبو جعفر: فلما رأت الشيعة ضَعْفَه اغتمزوا فيه، واجترؤوا عليه وطعنوا فيه ودعوْا إلى عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، وكان الذي ولي ذلك هلال بن أبي الورد مولى بني عجل، فثاروا في غوغاء الناس حتى أتوا المسجد، فاجتمعوا فيه وهلال القائم بالأمر، فبايعه ناس من الشيعة لعبد الله بن معاوية، ثم مضوا من فَوْرهم إلى عبد الله، فأخرجوه من دار الوليد بن سعيد؛ حتى أدخلوه

стр. 4307

القصر، وحالوا بين عاصم بن عمر وبين القصر، فلحق بأخيه عبد الله بالحِيرة، وجاء ابنَ معاوية الكوفيون فبايعوه، فيهم عمر بن الغضبان بن القبعثريّ ومنصور بن جمهور وإسماعيل بن عبد الله القسريّ ومَن كان من أهل الشام بالكوفة له أهل وأصل، فأقام بالكوفة أيامًا يبايعه النالس، وأتتْه البَيْعة من المدائن وفَمِ النيل، واجتمع عليه الناس، فخرج يريد عبد الله بن عمر بالحيرة، وبرز له عبد الله بن عمر فيمن كان معه من أهل الشام، فخرج رجل من أهل الشام يسأله البِراز، فبرز له القاسم بن عبد الغفار، فقال له الشاميّ: لقد دعوتُ حين دعوت، وما أظنّ أن يخرج إليّ رجل من بَكر بن وائل، والله ما أريد قتالَك، ولكن أحببتُ أن ألقى إليك ما انتهى إلينا؛ أخبرك أنه ليس معكم رجل من أهل اليمن؛ لا منصور ولا إسماعيل ولا غيرهما إلا وقد كاتب عبد الله بن عمر، وجاءته كتب مضَر، وما أرى لكم أيها الحيّ من ربيعة كتابًا ولا رسولًا، وليسوا مواقعيكم يومكم حتى تُصْبِحوا فيواقعوكم، فإن استطعتم ألّا تكون بكم الحزّة فافعلوا، فإني رجل من قَيْس، وسنكون غدًا بإزائكم؛ فإن أردتم الكتاب إلى صاحبنا أبلغتُه، وإن أردتم الوفاء لمن خرجتم معه فقد أبلغتكم حالَ الناس، فدعا القاسم رجالًا من قومه، فأعلمهم ما قال له الرجل؛ وأنّ ميمنة ابن عمر من ربيعة، ومضر ستقف بإزاء ميسرته وفيها ربيعة، فقال عبد الله بن معاوية: إنَّ هذا علامة ستظهر لنا إن أصبحنا؛ فإن أحبّ عمر بن الغضبان فليلقَني الليلة؛ وإن منعه شغل ما هو فيه فهو عذْر، وقلْ له: إني لأظن القيسيّ قد كذب، فأتى الرّسول عمرَ بذلك، فردّه إليه بكتاب يُعلِمه أن رسولي هذا بمنزلتي عندي، ويأمره أن يتوثّق من منصور وإسماعيل، وإنما أراد أن يعلمهما بذلك. قال: فأبى ابنُ معاوية أن يفعَل، فأصبح الناس غادين على القتال، وقد جعل اليمن في الميمنة ومضر وربيعة في الميسرة، ونادى مُنادٍ: من أتى برأس فله كذا وكذا، أو بأسير فله كذا وكذا، والمال عند عمر بن الغضبان. والتقى الناسُ واقتتلوا، وحمل عمر بن الغضبان على ميمنة ابن عمر فانكشفوا، ومضى إسماعيل ومنصور من فَوْرهما إلى الحيرة ورجمتْ غوغاء النالس أهلَ اليمن من أهل الكوفة، فقتلوا فيهم أكثر من ثلاثين رجلًا، وقُتل الهاشميّ العباس بن عبد الله زوج ابنة الملاة.

стр. 4308

ذكر عمر أن محمد بن يحيى حدثَّه عن أبيه، عن عاتكة بنت الملاة، تزوّجت أزواجًا، منهم العباس بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، قُتِل مع عبد الله بن عمر بن عبد العزيز في العصبيّة بالعراق، وقتل مبكر بن الحواريّ بن زياد في غيرهم؛ ثم انكشفوا وفيهم عبد الله بن معاوية حتى دخل نصر الكوفة، وبقيت الميسرة من مُضَر وربيعة ومَنْ بإزائهم من أهل الشام، وحمل أهلُ القلب من أهل الشام على الزيديّة فانكشفوا، حتى دخلوا الكوفة، وبقيتَ الميسرة وهم نحو خمسمئة رجل، وأقبل عامر بن ضُبارة ونُبَاتة بن حنظلة بن قبيصة وعتبة بن عبد الرحمن الثعلبيّ والنضر بن سعيد بن عمرو الحرَشيّ، حتى وقفوا على ربيعة، فقالوا لعمر بن الغضبان: أمّا نحن يا معشر ربيعة، فما كنا نأمنُ عليكم ما صنع الناس بأهل اليمن، ونتخوّف عليكم مثلها؛ فانصرفوا. فقال عمر: ما كنت ببارح أبدًا حتى أموت، فقالوا: إن هذا ليس بمغنٍ عنك ولا عن أصحابك شيئًا، فأخذوا بعنان دابته فأدخلوه الكوفة. قال عمر: حدثني عليّ بن محمد، عن سليمان بن عبد الله النوفليّ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا خِرَاش بن المغيرة بن عطية مولى لبني ليث، عن أبيه، قال: كنت كاتب عبد الله بن عمر؛ فوالله إني لعنده يومًا وهو بالحيرة إذ أتاه آت فقال: هذا عبد الله بن معاوية قد أقبل في الخَلْق، فأطرق مليًّا وجاءه رئيس خبّازِيه، فقام بين يديه كأنه يؤُذنه بإدراك طعامه، فأومأ إليه عبدُ الله: أن هاته، فجاءه بالطعام، وقد شخصت قلوبُنا، ونحن نتوقع أن يهجُم علينا ابن معاوية ونحن معه، قال: فجعلت أتفقّده: هل أراه تغيَّر في شيء من أمره من مطعم أو مشرب، أو منظر أو أمر أو نهي؟ فلا والله، ما أنكرت من هيئته قليلًا ولا كثيرًا، وكان طعامه إذا أتِيَ به وُضع بين كلّ اثنين منا صَحفة، قال: فوضِعت بيني وبين فلان صَحفة، وبين فلان وفلان صحفة أخرى؛ حتى عدّ من كان على خوانه، فلما فرغ من غدائه ووضوئه، أمر بالمال فأخرج؛ حتى أخرجت آنية من ذهب وفضة وكُسًا، ففرّق أكثر ذلك في قوّاده، ثم دعا مولى له أو مملوكًا كان يتبرّك به ويتفاءل باسمه - إمّا يدعى ميمونًا أو فتحًا أو اسمًا من الأسماء المتبرَّك بها - فقال له: خذ لواءك، وامض إلى تلّ كذا وكذا فاركزه [عليه]، وادع أصحابَك، وأقِمْ حتى آتيَك، ففعل وخرج عبدُ الله وخرجنا معه، حتى صار إلى التلّ فإذا الأرض

стр. 4309

بيضاء من أصحاب ابنِ معاوية، فأمر عبد الله مناديًا، فنادى: من جاء برأس فله خمسمئة؛ فوالله ما كان بأسرع من أن أتِيَ برأس، فوُضِع بين يديه؛ فأمر له بخمسمئة، فدفعت إلى الذي جاء به، فلما رأى أصحابه وفاءه لصاحب الرأس، ثاروا بالقوم؛ فوالله ما كان إلا هُنَيهة حتى نظرت إلى نحو من خمسمئة رأس قد ألقيت بين يديه؛ وانكشف ابنُ معاوية ومَن معه منهزمين، فكان أوّل مَنْ دخل الكوفة من أصحابه منهزمًا أبو البلاد مولى بني عبس وابنه سليمان بين يديه - وكان أبو البلاد متشيعًا - فجعل أهلُ الكوفة ينادونهم كلَّ يوم؛ وكأنهم يعيرونهم بانهزامه؛ فجعل يصيح بابنه سليمان: امضِ ودع النّواضح (١) ينفقن، قال: ومرّ عبد الله بن معاوية فطوى الكوفة، ولم يعرّج بها حتى أتى الجبل (٢). [٧/ ٣٠٣ - ٣٠٨]. * ذكر الخبر عن أمره وأمر نصر بعد قدومه عليه: ذكر عليّ بن محمد عن شيوخه؛ أن الحارث سار إلى مَرْو، مخرجَه من بلاد الترك، فقدمها يوم الأحد لثلاث بقين من جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين ومئة، فتلقاه سلم بن أحوز، والناس بكشماهن، فقال محمد بن الفضل بن عطية العبسيّ: الحمد لله الذي أقرَّ أعينَنَا بقدومك، وردّك إلى فئة الإسلام وإلى الجماعة، قال: يا بنيّ؛ أما علمت أنّ الكثير إذا كانوا على معصية الله كانوا قليلًا، وأنّ القليل إذا كانوا على طاعة الله كانوا كثيرًا! وما قرّت عيني منذ خرجت إلى يومي هذا، وما قرة عيني إلا أن يطاع الله، فلما دخل مَرْو قال: اللهمّ إني لى أنوِ قطّ في شيء مما بيني وبينهم إلّا الوفاء، فإن أرادوا الغدر فانصرْني عليهم، وتلقَّاه نصر فأنزله قَصْر بُخاراخُذاه، وأجرى عليه نزُلًا خمسين درهمًا في كلّ يوم، وكان يقتصر على لون واحد، وأطلق نصر مَن كان عنده من أهله؛ أطلق

стр. 4310

محمد بن الحارث والألوف بنت الحارث وأمَّ بكر؛ فلما أتاه ابنه محمد، قال: اللهمَّ اجعله بارًّا تقيًّا. قال: وقدم الوضاح بن حبيب بن بُدَيل على نَصْر بن سيّار من عند عبد الله بن عمر، وقد أصابه برد شديد، فكساه أثوابًا، وأمر له بقرىً وجاريتين؛ ثم أتى الحارث بن سريج، وعنده جماعة من أصحابه قيام على رأسه، فقال له: إنَّا بالعراق، نشهر عظْم عمودك وثقله؛ وإني أحبّ أن أراه، فقال: ما هو إلا كبعض ما ترى مع هؤلاء - وأشار إلى أصحابه - ولكني إذا ضربت به [شهرت] ضربتي، قال: وكان في عموده بالشامي ثمانية عشر رطلًا. قال: ودخل الحارث بن سريج على نَصْر، وعليه الجوشن (١) الذي أصابه من خاقان، وكان خيّره بين مئة ألف دينار دنبكانيَّة وبين الجوشن؛ فاختار الجوشن، فنظرت إليه المرزُبانة بنت قديد؛ امرأة نصر بن سيار، فأرسلت إليه بِجرْز لها سمُّور (٢)، مع جارية لها فقالت، أقرئي ابنَ عمي السَّلام، وقولي له: اليوم بارد فاستدفئ بهذا الجرْز السَمُّور، فالحمد لله الذي أقدمك صالحًا، فقال للجارية: أقرئي بنت عميّ السلام، وقولي لها: أعارية أم هدية؟ فقالت: بل هديّة؛ فباعه بأربعة آلاف دينار وقسمها في أصحابه. وبعث إليه نصر بفرُش كثيرة وفرس، فباع ذلك كلّه، وقسّمه في أصحابه بالسّويّة، وكان يجلس على بَرذعة، وتُثْنى له وسادة غليظة، وعرض نصر على الحارث أن يوليه ويعطيه مئة ألف دينار، فلم يقبل، وأرسل إلى نصر: إني لستُ من هذه الدنيا ولا من هذه اللذات، ولا من تزويج عقائل العرب فيِ شيء؛ وإنما أسأل كتاب الله والعمل بالسنّنة واستعمال أهل الخير والفضْل، فإن فعلت ساعدتك على عدوّك. وأرسل الحارث إلى الكرمانيّ: إن أعطاني نصر العمل بكتاب الله وما سألته من استعمال أهل الخير والفضل عضَدتُه وقمتُ بأمر الله، وإن لم يفعل استعنتُ بالله عليه، وأعنتك إن ضمنت لي ما أريد من القيام بالعدل والسنة.
следующие страницы →