← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

خرج النبيّ ﷺ أبو بكر، كان لأبي بكر مَنيِحةٌ من غَنمٍ تروحُ على أهله، فأرسل أبو بكر عامرًا في الغنم إلى ثور، فكان عامر بن فهَيرة يروح بتلك الغَنَم على رسول الله ﷺ بالغار في ثَوْر، وهو الغار الذي سمّاه الله في القرآن، فأرسل بظهرهما رجلًا من بني عبد بن عديّ، حليفًا لقريش من بني سَهْم، ثم آل العاص بن وائل؛ وذلك العَدَويّ يومئذ مشركٌ، ولكنّهما استأجراه، وهو هاد بالطّريق. وفي الليالي التي مكثا بالغار كان يأتيهما عبدُ الله بن أبي بكر حين يُمسي بكلّ خبر بمكّة، ثم يصبح بمكّة ويريح عامر الغنم كلّ ليلة، فيحلُبان، ثم يسرح بُكرَةً فيصبح في رُعْيانِ النّاس، ولا يُفْطنُ له؛ حتى إذا هدأت عنهما الأصوات، وأتاهما أنْ قد سُكت عنهما، جاءهما صاحبهما ببعيريهما، فانطلقا وانطُلق معهما بعامر بن فُهَيرةَ يخدمُهما ويعينهما، يُردفه أبو بكر ويُعقبه على رَحْله، ليس معهما أحدٌ إلّا عامر بن فُهَيرة وأخو بني عديّ يهديهما الطّريق، فأجاز بهما في أسفلَ مكة، ثم مضى بهما حتى حاذَى بهما الساحل، أسفلَ من عُسْفان، ثم استجاز بهما حتى عارض الطّريق بعدما جاوز قُدَيدًا، ثم سلك الخَرَّار، ثم أجاز على ثنيَّة المَرَة، ثِم أخذ على طريق يقال لها المدْلجة بين طريق عَمْق وطريق الرَّوْحاء، حتى توافوْا طريق العَرْج، وسلك ماء يقال له الغابر عن يمين ركُوبة؛ حتى يَطْلع على بطن رئم، ثم جاء حتى قدِم المدينة علي بني عمرو بن عوف قبل القائلة (١). (٢: ٣٧٥/ ٣٧٦ / ٣٧٧).

стр. 457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 458

٥٠ - وقد حدَّثنا ابن حميد قال: حدَّثنا سلمَة، قال: حدّثني محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني محمّد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميميّ، قال: حدّثني عُروة بن الزُّبَيْر، عن عائشة زوْج النبيّ ﷺ ، قالت: كان رسول الله ﷺ لا يخطئه أحد طرفَي النهار أن يأتيَ بيت أبي بكر إمّا بُكْرةً، وإمّا عشيّة؛ حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه لرسوله بالهجرة، وبالخروج من مكّة من بين ظهراني قومه، أتانا رسول الله ﷺ بالهاجِرة، في ساعة كان لا يأتي فيها. قالت: فلمّا رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله ﷺ هذه السّاعة إلا لأمرٍ حدث. قالت: فلمّا دخل تأخّر أبو بكر عن سريره فجلس رسول الله ﷺ ، وليس عند أبي بكر إلّا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر، فقال رسول الله ﷺ : أخْرِجْ عَنّي مَنْ عندك، قال: يا نبيّ الله، إنّما هما ابنتايَ، وما ذاك فداك أبي وأمّي! قال: إنّ الله قد أذن لي بالخروج والهجرة، فقال أبو بكر: الصُّحبة يا رسول الله، قال: الصّحبة. قالت: فوالله ما شعرتُ قَطّ قبل ذلك اليوم أنّ أحدًا يبكي من الفرح؛ حتى رأيت أبا بكر يومئذ يبكي من الفرح. ثم قال: يا نبيّ الله، إن هاتينِ راحلتايَ، كنت أعددتُهما لهذا. فاستأجرا عبد الله بن أرقد -رجلًا من بني الدِّيل بن بكْر، وكانت أمّه امرأةً من بني سَهْم بن عمرو، وكان مشركًا- يدلّهما على الطّريق، ودفعا إليه راحلتيهما، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما، ولم يعلم -فيما بلغني- بخروج رسول الله ﷺ أحدٌ حين خرج إلّا عليٌّ بن أبي طالب وأبو بكر الصدّيق، وآل أبي بكر؛ فأمّا عليّ، بن أبي طالب فإنّ رسول الله ﷺ فيما بلغني- أخبره بخروجه، وأمرَهَ أن يتخلّف بعده بمكّة حتى يؤدّيَ عن رسول الله ﷺ الودائع التي كانت عنده للنّاس، وكان رسول الله ﷺ وليس بمكة أحدٌ عنده شيء يخشى عليه إلّا وضعه عند رسول الله ﷺ ، لِمَا يُعرف من صدقه وأمانته. فلمّا أجمعَ رسول الله ﷺ للخروج أتى أبا بكر بن أبي قُحافة، فخرجا من خَوْخَة لأبي بكر في ظهر بيته، ثم عَمدَا إلى غار بثَوْر جبل بأسفل مكة، فدخلاه، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله بن أبي بكر أنْ يسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهارَه، ثم يأتيهما إذا

стр. 459

أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخَبر، وأمَر عامرَ بن فُهَيرة مولاه أن يرعَى غنمه نهاره، ثم يُريحها عليهما إذا أمسى بالغار. وكانت أسماءُ بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما، فأقام رسول الله ﷺ في الغار ثلاثًا، ومعه أبو بكر، وجعلت قريش حين فقدُوه مئة ناقة لمن يردّه عليهم، فكان عبد الله بن أبي بكر يكون في قريش ومعهم، ويستمع ما يأتمرون به، وما يقولون في شأن رسول الله ﷺ وأبي بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخَبر، وكان عامر بن فُهَيرة مولَى أبي بكر يرعَى في رُعيان أهلِ مكّة، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر، فاحتلبا وذبحا، فإذا غدا عبد الله بن أبي بكر من عندهما إلى مكّة اتّبع عامر بن فهيرة أثرَه بالغنم، حتى يُعفِّيَ عليه؛ حتى إذا مضت الثلاث، وسكن عنهما الناس، أتاهما صاحبُهما الذي استأجرا ببعيريهما، وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتهما، ونسيت أن تجعل لها عِصامًا. فلما ارتحلا ذهبت لتعلّق السُّفرة، فإذا ليس فيها عِصامٌ فحلّت نطاقها، فجعلَتْه لها عصَامًا، ثم عَلّقتها به -فكان يقال لأسماء بنت أبي بكر: ذات النّطاقين؛ لذلك -فلما قَرَّب أبو بكر الرّاحلتين إلى رسول الله ﷺ ، قَرّب له أفضلهما، ثم قال له: اركب فداك أبي وأمّي! فقال رسول الله ﷺ : إنّي لا أركب بعيرًا ليس لي، قال: فهو لك يا رسولَ الله بأبي أنت وأمّي! قال: لا ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به؟ قال: كذا وكذا، قال: قد أخذتها بذلك، قال: هي لك يا رسول الله، فركبا فانطلقا، وأردف أبو بكر عامر بن فُهَيرة مولاهُ خَلْفَه يخدمُهما بالطريق (١). (٢/ ٣٧٧ / ٣٧٨/ ٣٧٩).

стр. 460

٥١ - قال أبو جعفر: وقدِم دليلهُما بهما قُباءَ، على بني عمرو بن عوف، لثْنتَي ليلةً خلَتْ من شهر ربيع الأول، يوم الإثنين حين اشتد الضُّحى، وكادت الشمس أن تعتدل (١). (٢: ٣٨١).

стр. 461

٥٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: حدّثني محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني محمّد بن جعفر بن الزبير، عن عُروة بن الزُّبَيْر، عن عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة، قال: حدثني رجال قومي من أصحاب رسول الله ﷺ ، قالوا: لما سمِعْنَا بمخرج رسول الله ﷺ من مكة، وتوكَّفنا قدومه، كنّا نخرج إذا صلّينا الصبح إلى ظاهِر حَرَّتنا، ننتظرُ رسول الله ﷺ ؛ فوالله ما نَبْرَح حتى تغلبنا الشمس على الظلال؛ فإذا لم نجد ظِلًّا دخلنا بيوتنا، وذلك في أيام حارّةٍ؛ حتى إذا كان في اليوم الذي قَدِم فيه رسول الله ﷺ جلسنا كما كنّا نجلس؛ حتى إذا لم يبق ظلٌّ دخلنا بيوتنا، وقدِم رسول الله ﷺ حين دخلنا البيوت، فكان أوّل مَنْ رآه رجلٌ من اليهود، وقد رأى ما كنَّا نصنع، وإنّا كُنّا ننتظر قدومَ رسول الله ﷺ ، فصرخ بأعلى صوته: يا بني قَيلة هذا جَدُّكم قد جاء. قال: فخرجنا إلى رسول الله ﷺ ، وهو في ظلِّ نخلة، ومعه أبو بكر في مثل سِنِّه وأكثرُنا مَنْ لم يكن رأى رسول الله ﷺ قبل ذلك، قال: وركبه الناس، وما نعرفه من أبي بكر؛ حتى زال الظلّ عن رسول الله ﷺ ، فقام أبو بكر، فأظلّه بردائه، فعرفناه عند ذلك (١). (٢: ٣٨١/ ٣٨٢).

стр. 462

٥٣ - فأقام رسول الله ﷺ بقُباء في بني عمرو بن عوف يوم الإثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، ويوم الخميس، وأسَّس مسجدهم؛ ثم أخرجه الله من بين أظهرهم يوم الجمعة؛ وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنّه مكث فيهم أكثرَ من ذلك. والله أعلم.

стр. 463

ويقول بعضهم: إنّ مقامه بقُباء كان بضعة عشر يومًا (١). (٢: ٣٨٣).

стр. 464

٥٤ - حدّثني محمّد بن إسماعيل، قال: حدَّثنا عمرو بن عثمان الحمصيّ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمد بن مسلم الطائفيّ، عن عمرو بن دينار، قال: هاجرَ رسول الله ﷺ على رأس عَشْرٍ من مُخْرَجه (١). (٢: ٣٨٤). ٥٥ - قال أبو جعفر: وقال آخرون: بل أقام بعدما استنبِيء بمكّة ثلاث عشرة سنة. ذكر من قال ذلك: حدَّثنا ابن المثنى، قال: حدَّثنا حجاج بن المنهال، قال: حدَّثنا حمّاد -يعني ابن سلمة- عن أبي جَمْرة، عن ابن عبّاس، قال: أقام رسول الله ﷺ بمكة ثلاث عشرة سنة يوحَى إليه (٢). (٢: ٣٨٤). ٥٦ - حدثني محمّد بن خلف، قال: حدَّثنا آدم، قال: حدَّثنا حمّاد بن سلَمة، قال: حدَّثنا أبو جَمْرَةَ الضُّبَعيّ، عن ابن عباس، قال: بُعِثَ رسول الله ﷺ لأربعين سنة (٣)، وأقام بمكّة ثلاث عشرة سنة. (٢: ٣٨٤). ٥٧ - حدّثني محمّد بن معمَر، قال: حدَّثنا رَوْح، قال: حدَّثنا زكرياء بن إسحاق، قال: حدَّثنا عمرو بن دينار، عن ابن عبّاس، قال: مكَث رسول الله ﷺ بمكّة ثلاث عشرة سنة (٤). (٢: ٣٨٥). ٥٨ - حدّثني عبيد بن محمد الورّاق، قال: حدَّثنا رَوْح، قال: حدَّثنا هشام، قال: حدَّثنا عِكْرمة، عن ابن عبّاس، قال: بُعِث النبيّ ﷺ لأربعين سنة، فمكث بمكّة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة (٥). (٢: ٣٨٥). ٥٩ - وقال بعضهم: كان مقامه بمكة خمس عشرة سنة:

стр. 465

ذكر من قال ذلك: حدّثني بذلك الحارث، عن ابن سعد، عن محمّد بن عمر، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن داود بن الحصين، عن عِكْرمة، عن ابن عباس؛ واستشهد بهذا البيت من قول أبي قيس صِرمة بن أبي أنس، غير أنه أنشد ذلك: ثَوَى في قُرَيشٍ خَمْسَ عَشْرَةَ حِجَّةً ... يُذَكِّرُ لو يَلْقَى صَدِيقًا مُوَاتِيَا! (١) (٢: ٣٨٦). ٦٠ - حدثني محمّد بن إسماعيل، قال: حدّثني سعيد بن أبي مريم. وحدّثني عبد الرّحمن بن عبد الله بن عبد الحكَم، قال: حدَّثنا أبي، قالا جميعًا: حدَّثنا عبد العزيز بن أبي حازم، قال: حدّثني أبو حازم، عن سَهْل بن سعد، قال: ما أصاب الناس العدَد؛ ما عدّوا من مبعث رسول الله ﷺ ، ولا من وفاته، ولا عدُّوا إلّا من مقدَمه المدينة (٢) (٢: ٣٨٩). ٦١ - حدّثني محمد بن إسماعيل، قال: حدَّثنا سعيد بن أبي مريم، قال: حدَّثنا يعقوب بن إسحاق، قال: حدّثني محمّد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن عبد الله بن عبّاس، قال: كان التأريخ في السّنة التي قدِم فيها رسول الله ﷺ المدينة، وفيها وُلد عبدُ الله بن الزُّبَيْر (٣). (٢: ٣٨٩). ٦٢ - حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكَم، قال: حدَّثنا يعقوب بن

стр. 466

إسحاق بن أبي عبّاد؛ قال: حدَّثنا محمد بن مسلم الطائفيّ، عن عمرو بن دينار، عن ابن عبّاس، قال: كان التأريخ في السنَة التي قَدِم رسول الله ﷺ فيها، فذكر مثله (١). (٢: ٣٩٠). ٦٣ - حدَّثنا ابن حُمَيد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن الزهريّ، قال: قدِم رسول الله ﷺ المدينة يوم الإثنين، لاثنتي عشرة ليلة خلتْ من شهر ربيع الأول. قال أبو جعفر: فإذا كان الأمرُ في تأريخ المسلمين كالذي وصفت، فإنّه وإن كان من الهجرة، فإنّ ابتداءهم إياه قبل مقدَم النبيّ ﷺ المدينة بشهرين وأيام؛ هي اثنا عشر؛ وذلك أنّ أوّل السنة المحرّم، وكان قدومُ النبيّ ﷺ المدينة، بعد مُضِيّ ما ذكرت من السنة، ولم يؤرّخ التأريخ من وقت قدومه، بل من أول تلك السنة (٢). (٢: ٣٩٣). ذكر ما كان من الأمور المذكورة في أول سنة من الهجرة ٦٤ - قال أبو جعفر: قد مضَى ذكرُنا وقْت مقدَم النبيّ ﷺ المدينة، وموضعه

стр. 467

الذي نزل فيه حين قدمها، وعلى مَنْ كان نزوله، وقَدْر مُكْثه في الموضع الذي نزله، وخبر ارتحاله عنه. ونذكر الآن ما لم نذكرْ قبلُ ممّا كان من الأمور المذكورة في بقيَّة سنة قدومه؛ وهي السَّنه الأولى من الهجرة. فمن ذلك تجميعهُ ﷺ بأصحابه الجمُعة في اليوم الذي ارتحل فيه من قُبَاء؛ وذلك أنّ ارتحاله عنها كان يوم الجمعة عامدًا المدينة، فأدركتْه الصلاة، صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف، ببطن واد لهم -قد اتُّخذ اليوم في ذلك الموضع مسجدًا فيما بلغني- وكانت هذه الجمعة، أوّلَ جمعة جمّعها رسول الله ﷺ في الإسلام، فخطب في هذه الجمعة، وهي أول خطبة خطبها بالمدينة فيما قيل (١) (٢: ٣٩٤). خطبة رسول الله ﷺ في أولّ جمعة جَمَّعها بالمدينة ٦٥ - حدّثني يونس بن عبد الأعْلى، قال: أخبرَنا ابنُ وهْب، قال: حدّثني سعيد بن عبد الرحمن الجُمحيّ، أنه بلغه عن خطبة رسول الله ﷺ في أوّلِ جمعة صلّاها بالمدينة في بني سالم بن عوف: الحمد لله، أحمَده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا أكفُره، وأعادي مَنْ يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأنّ محمَّدًا عبدُه ورسوله؛ أرسله بالهُدى والنور والموعظة على فَتْرَة من الرسل، وقلَّةٍ من العلم، وضلالة من النَّاس، وانقطاع من الزمان، ودُنُوٍّ من الساعة، وقُربٍ من الأجَل؛ منْ يُطع الله وَرَسُولَه فَقَد رَشدَ، ومن يعْصهما فقد غَوَى وفَرّط، وضَلّ ضلالًا بَعيدًا، وأوصيكمُ بتقوى الله، فإنه خيرُ ما أوصَى به المسلمُ المسلمَ؛ أن يَحُضّه على الآخرة، وأن يأمرَه بتقوى الله، فاحذروا ما حذّركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة، ولا أفضل من ذلك ذكرًا؛ وإنّ تقوى الله لمن عَمِلَ به على وَجلٍ ومخافة من ربّه عَوْنُ صدْق على ما تَبْغُون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السرّ والعلانية، لا ينوي بذلك إلّا وجهَ الله يكن له

стр. 468

ذكرًا في عاجل أمره، وذُخْرًا فيما بعد الموت، حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كانُ من سِوَى ذلك يَوَدُّ ﴿لَوْ أَنَّ بَينَهَا وَبَينَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. والذي صدق قوله، وأنجز وَعْدَه، لا خُلفَ لذلك، فإنَّه يقول : ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السرّ والعلانية، فإنَّه ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾، ومَنْ يتَّق الله فقد فاز فَوْزًا عظيمًا. وإنّ تقوى الله يُوَقِّي مقته، ويوقّي عقوبته، ويوقّي سَخَطه، وإنّ تقوى الله يُبيِّض الوجوه، ويرْضي الربَّ، ويرفع الدّرجة. خذوا بحظِّكم، ولا تفَرِّطوا في جَنْب الله؛ قد علَّمكم الله كتابه، ونهج لكم سبيلَه، ليعلَم الَّذين صدقوا ويعلَم الكاذبين، فأحْسِنوا كما أحْسَن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في الله حقَّ جهاده هو اجتباكم وسمّاكم المسلمين، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾، ولا قوّة إلا بالله. فأكثِرُوا ذكْرَ الله، واعملوا لما بعد اليوم، فإن مَنْ يصلح ما بينه وبين الله يَكْفه الله ما بينه وبين النَّاس، ذلك بأنّ الله يقضي على النَّاس ولا يقضُون عليه، ويملِكُ من النَّاس ولا يملكون منه؛ الله أكبرُ، ولا قوّةَ إلّا بالله العظيم (١)! (٢: ٣٩٤/ ٣٩٥ / ٣٩٦). ٦٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمَة، عن ابن إسحاق، أنّ رسول الله ﷺ ركب ناقتَه، وأرخَى لها الزّمام، فجعلَت لا تَمُرُّ بدار من دُور

стр. 469

الأنصار إلّا دعاه أهلُها إلى النزول عندهم، وقالوا له: هَلمّ يا رسولَ الله! إلى العَدَد والعُدّة والمنَعة؛ فيقول لهم ﷺ : خَلُّوا زِمامها فإنَّها مأمورة؛ حتى انتهى إلى موضع مسجده اليوم، فبرَكت على باب مسجده؛ وهو يومئذ مِرْبَدٌ لغلامين يتيمين من بني النّجار في حِجْر مُعاذ بن عَفْراء؛ يقال لأحدهما سهل وللآخر سهيل، ابنا عمرو بن عباد بن ثعلبة بن غنْم بن مالك بن النَّجار. فلما بركَتْ لم ينزل عنها رسول الله ﷺ ، ثم وثبَتْ فسارتْ غيرَ بعيد، ورسول الله ﷺ واضعٌ لها زمامها لا يثْنِيها به، ثم التفتت خلْفها، ثم رجعت إلى مَبْرَكِها أوّل مرة، فبركت فيه ووضعت جِرانَها، ونزل عنها رسول الله ﷺ ، فاحتمل أبو أيوب رحله، فوضعه في بيته، فدعَتْه الأنصار إلى النزول عليهم، فقال رسول الله ﷺ : المرءُ مع رحله. فنزل على أبي أيوب خالد بن زيد بن كليب، في بني غَنْم بن النجّار. (٢: ٣٩٦). قال أبو جعفر: وسألَ رسول الله ﷺ عن المِرْبَد لمن هو؟ فأخبره مُعاذ بن عفراء، وقال: هو ليتيمين لي، سأرضيهما. فأمر به رسول الله ﷺ أن يُبْنى مسجدًا، ونزل على أبي أيّوب، حتى بني مسجدَه ومساكنه. وقيل: إن رسول الله ﷺ اشترى موضعَ مسجده، ثم بناه (١). (٢: ٣٩٦).

стр. 470

٦٧ - والصحيح عندنا في ذلك، ما حدَّثنا مجاهد بن موسى، قال: حدَّثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا حمَّاد بن سلَمة، عن أبي التَّيّاح، عن أنس بن مالك، قال: كان موضع مسجدِ النبيّ ﷺ لبني النَّجار، وكان فيه نخل وحَرْث وقبورٌ من قبور الجاهليّة، فقال لهم رسول الله ﷺ : ثامنُوني به، فقالوا: لا نبتغي به ثمنًا إلّا ما عند الله. فأمَر رسول الله ﷺ بالنَّخْل فقطِع، وبالحرْث فأفسد، وبالقبور فنبشتْ، وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك يصلّي في مرابضِ الغنم، وحيث أدركته الصلاة (١). (٢: ٣٩٦/ ٣٩٧).

стр. 471

٦٨ - قال أبو جعفر: وتولَّى بناء مسجده ﷺ هو بنفسه وأصحابه من المهاجرين والأنصار (١). (٢: ٣٩٧). ٦٩ - وفي هذه السّنة بُنِي مسجد قُباء (٢). (٢: ٣٩٧). وفي هذه السنة مات أبو أحَيحَة بماله بالطائف. ومات الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل السَّهْميّ فيها بمكّة. * * * وفيها بَنى رسول الله ﷺ بعائشة بعد مقدَمِه المدينة بثمانيَة أشهر في ذي القَعْدة في قول بعضهم، وفي قول بعضٍ: بعد مقدَمِه المدينة بسبعة أشهر، في شَوَّال،

стр. 472

وكان تزوّجها بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين بعد وفاة خديجة وهي ابنة ستّ سنين، وقد قيل: تزوّجها وهي ابنةُ سبع (١). (٣: ٣٩٨). قال أبو جعفر: وتزوّجها رسول الله ﷺ -فيما قيل- في شوَّال، وبَنى بها حين بني بها في شَوّال (٢). (٣: ٣٩٩). وفيها -في قول بعضهم- وُلد عبد الله بن الزُّبير. وفي قول الواقديّ: وُلِدَ في السَّنَة الثانية من مقْدَم رسول الله ﷺ المدينة في شوال (٣). (٢: ٤٠٠). قال أبو جعفر: وكان أوَّلَ مولودٍ ولد من المهاجرين في دار الهِجْرَة (٤). (٤٠١: ٢) [غزوة ذات العُشيرة] ٧٠ - قال: وفيها خرجَ رسول الله ﷺ يعترض لِعَيرات قريش حين أبدأت إلى الشَّام في المهاجرين -وهي غزوة ذات العُشيرة- حتى بلغ يَنْبُع؛ واستخلف على المدينة أبا سلَمة بن عبد الأسد؛ وكان يحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب. فحدثنا سليمان بن عمرو بن خالد الرّقيُّ، قال: حدَّثنا محمّد بن سلَمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن محمّد بن يزيد بن خُثَيم؛ عن محمد بن كعب القرظيّ؛ قال: حدّثنا أبوك يزيد بن خُثَيم، عن عمَّار بن ياسر، قال: كنت أنا وعليّ رفيقين مع رسول الله ﷺ في غزوة العُشَيرَة، فنزلنا منزلًا، فرَأينا رجالًا من بني مُدْلِج يعملون في نخْل لهم، فقلت: لو انطلقنا! فنظرنا إليهم كيف يعملون، فانطلقنا فنظرنا إليهم ساعة، ثم غَشينَا النُّعَاسُ، فعمدنا إلى صَوْر من النخل؛ فنمْنا تحته في دقْعاء من التراب، فما أيقَظنا إلَّا رسول الله ﷺ ، أتانا وقد تَتَرَّبْنَا في ذلك التراب؛ فحرّك عليًّا برجله، فقال: قم يا أبا تراب؛ ألا أخبرك بأشقى النَّاس؟ أحمر ثمود عاقر النَاقة، والذي يضربُك [يا عَلِي] علَى هذا -يعني قَرْنَه- فيخضِب هذه منها؛ وأخذ بلحيته (٥). (٢: ٤٠٨/ ٤٠٩).

стр. 473

٧١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدّثني محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني يزيد بن محمد بن خُثَيم المحاربيّ، عن محمد بن كعب القرظيّ، عن محمد بن خُثَيم -وهو أبو يزيد- عن عمَّار بن ياسر، قال: كنت أنا وعليّ رفيقين، فذكر نحوه (١). (٤٠٩: ٢). ٧٢ - وقد قيل في ذلك غير هذا القول؛ وذلك ما حدّثني به محمد بن عبيد المحاربي، قال: حدَّثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، قال: قيل لسهل بن

стр. 474

سعد: إنّ بعضَ أمراء المدينة يريد أن يبعث إليك تَسُبُّ عليًّا عند المنبر، قال: أقول ماذا؟ قال: تقول: أبا تراب، قال: والله ما سَمّاه بذلك إلّا رسول الله ﷺ ، قال: قلتُ: وكيف ذاك يا أبا العبّاس؟ قال: دخل عليّ على فاطمة، ثم خرج من عندها، فاضطجع في فَيء المسجد. قال: ثم دخلَ رسول الله ﷺ على فاطمة، فقال لها: أين ابنُ عمِّك؟ فقالت: هو ذاك مضطجع في المسجد، قال: فجاءه رسول الله ﷺ ؛ فوجده قد سقط رداؤه عن ظهره، وخلَص التراب إلى ظهره، فجعل يمسح التّراب عن ظهره، ويقول: اجلس أبا تراب. فوالله ما سَمّاه به إلّا رسول الله ﷺ ؛ ووالله ما كان له اسمٌ أحبّ إليه منه! (١) (٢/ ٤٠٩). [سرية عبد الله بن جحش] ٧٣ - قال أبو جعفر الطبريّ: ولمّا رَجَع رسول الله ﷺ من طلب كُرْز بن جابر الفِهريّ إلى المدينة، وذلك في جُمادى الآخرة، بعث في رجب عبدَ الله بن جَحْش معه ثمانية رهْط من المهاجرين؛ ليس فيهم من الأنصار أحدٌ؛ فيما حدَّثنا ابن حُمَيد، قال: حدَّثنا سلَمة قال: حدّثني محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني الزّهريُّ ويزيد بن رُومان؛ عن عُرْوة بن الزبير بذلك. رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، عن الزهريّ ويزيد بن رُومان، عن عروة، قال: وكتبَ رسول الله ﷺ له كتابًا -يعني لعبد الله بن جَحْش- وأمره ألّا ينظر فيه حتى يسير يومين؛ ثم ينظر فيه فيَمضي لما أمرَه به، ولا يستكرِه أحدًا من أصحابه، فلمّا سار عبدُ الله بن جحش يومين، فتح الكتاب، ونظر فيه، فإذا فيه: "وإذا نظرتَ في كتابي هذا؛ فسِرْ حتى تنزل نَخْلة بين مكَّة والطَائف؛ فترصَّدْ بها قريشًا، وتعلَّمْ لنا من أخبارهم" فلمّا نظرَ عبدُ الله في الكتاب، قال: سمعًا وطاعةً؛ ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله ﷺ أن أمضيَ إلى نَخْلة، فأرصد بها قريشًا حتى آتيَه منهم بخبَر، وقد نهاني أن أستكرِهَ أحدًا منكم؛ فمن كان منكم

стр. 475

يريد الشهادة، ويرغب فيها فلينطلِقْ، ومَنْ كره ذلك فلْيرجِع؛ فأمّا أنا فماضٍ لأمر رسول الله ﷺ . فمضى ومضى معه أصحابُه، فلم يتخلَّف عنه منهم أحد، وسلَك على الحجاز؛ حتى إذا كان بمَعدِنَ فوق الفُرْع [يقال له بحْران]، أضلّ سعد بن أبي وقاص وعُتْبة بن غَزْوان بعيرًا لهما كانا يَعْتقبانه، فتخلَّفا عليه في طلبه. ومضى عبد الله بن جحش وبقيَّة أصحابه حتى نزل بنخْلة، فمرّت بهِ عيرٌ لقريش تحمل زَبيبًا وأدَمًا وتجارة من تجارة قريش فيها؛ عمرو بن الحضرميّ، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميَّان، والحكَم بن كَيسان مولى هشام بن المغيرة. فلمَّا رآهم القوم هابوهم؛ وقد نزلوا قريبًا منهم، فأشرف لهم عُكَّاشة بن محْصَن -وقد كان حلَق رأسه- فلما رأوْه أمنوا، وقالوا: عُمَّار لا بأس عليكم منهم. وتشاور القوم فيهم، وذلك في آخر يوم من رجب؛ فقال القوم: والله لئن تركتم القومَ هذه الليلة ليدخُلنّ الحرم؛ فليمتنعُنَّ به منكم؛ ولئن قتلتموهم لتقتُلنَّهم في الشهر الحرام، فتردّد القوم، وهابوا الإقدام عليهم؛ ثم تشجَّعوا عليهم، وأجمعوا على قتل مَنْ قدروا عليه منهم، وأخْذِ ما معهم؟ فرمى واقدُ بن عبد الله التميميّ عمرو بنَ الحضرميّ بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، وأفلت نوفل بن عبد الله فأعجزهم، وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعِير والأسيرين؛ حتى قدِموا على رسول الله ﷺ بالمدينة. قال: وقد ذكرَ بعضُ آل عبد الله بن جحش، أنّ عبد الله بن جَحْش، قال لأصحابه: إنّ لرسول الله ﷺ ممَّا غنمتم الخمسَ -وذلك قبل أن يفرض الله من الغنائم الخمس- فعزل لرسول الله ﷺ خُمْس الغنيمة، وقسّم سائرها بين أصحابه؛ فلمَّا قدمُوا على رسول الله ﷺ ، قال: ما أمرتُكم بقتال في الشَّهر الحرام. فوقَّف العير والأسيرين؛ وأبَى أن يأخذ من ذلك شيئًا. فلمَّا قال ذلك رسول الله ﷺ سُقِط في أيدي القوم، وظنُّوا أنَهم قد هَلَكوا، وعنَّفَهم المسلمون فيما صنعوا، وقالوا لهم: صنعْتُمْ ما لم تُؤْمَروا به، وقاتلتم في الشَّهرِ الحرام ولم تؤمروا بقتال! وقالت قريش: قد استحلَّ مُحمدٌ وأصحابُهُ الشَّهرَ الحرام، فسفكوا فيه الدّم وأخذوا فيه الأموال، وأسَرُوا فيه الرّجال، فقال مَنْ يردّ ذلك عليهم من

стр. 476

المسلمين ممّن كان بمكة: إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان. وقالت يهود: تفاءل بذلك على رسول الله ﷺ : عمرو بن الحضرميّ قتله واقد بن عبد الله: "عمرو" عمرت الحرب، و"الحضرميّ" حضرت الحرب، و"واقد بن عبد الله" وقدت الحرب؛ فجعل الله ذلك عليهم لا لهم. فلمَّا أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله ﷺ : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. فلمّا نزل القرآن بهذا من الأمر وفرَّج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشَّفَق، قبض رسول الله ﷺ العير والأسيرين. وبعثَت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله والحكَم بن كيسان، فقال رسول الله ﷺ : لا نُفْدِيكموهما؛ حتى يَقدَم صاحبانا -يعني سعد بن أبي وقَّاص وعتبة بن غزوان- فإنَّا نخشاكم عليهما؛ فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم. فقدم سعد وعُتْبة، ففاداهما رسول الله ﷺ منهم؛ فأما الحكم بن كَيسان فأسلم فحسُن إسلامه، وأقام عند رسول الله ﷺ حتى قتل يوم بئر مَعُونة شهيدًا (١). (٢: ٤١٠/ ٤١١ / ٤١٢/ ٤١٣).

стр. 477

وأما الواقديّ فإنه زعم أنّ رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن جحش سَرِيّةً في اثني عشر رجلًا من المهاجرين (١). (٢: ٤١٠) ذكر بقية ما كان في السنة الثانية من سني الهجرة قال أبو جعفر: وقال آخرون: إنّما صُرِفت القبلة إلى الكعبة لستَة عشر شهرًا مضت من سنِي الهجرة. ذكر من قال ذلك: ٧٤ - حدّثَنا المثنّى بن إبراهيم الآمُلِيّ، قال: حدَّثنا الحجّاج، قال: حدَّثنا همَّام بن يحيى، قال: سمعتُ قَتادة، قال: كانوا يصلُّون نحو بيتِ المقدِس، ورسولُ الله ﷺ قبل الهجرة، وبعدما هاجر رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا، ثم وُجِّه بعد ذلك نحو الكعبة البيت الحرام (٢). (٢: ٤١٧). ٧٥ - حدّثني يونسُ بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: سمعتُ ابنَ زيد يقول: استقبل النبيّ ﷺ بيتَ المقدسِ ستَّةَ عشر شهرًا، فبلغه أن يهودَ تقول والله ما دَرَى محمَّدٌ وأصحابه أين قبلتُهم حتَّى هديناهم! فكرِهَ ذلك النبيّ ﷺ ، ورفع وجهَه إلى السماء، فقال الله : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ (٣) الآية. (٢: ٤١٧).

стр. 478

وفيها كانت وقعة بدر الكبرَى بين رسول الله ﷺ والكفار من قُريش، وذلك في شهر رمضان منها (١). (٢: ٤١٨). وقال آخرون: كانتْ يوم الجمعة صبيحةَ سبع عشرة من شهر رمضان. ذكر من قال ذلك: ٧٦ - حدَّثنا ابنُ المثنّى، قال: حدَّثنا محمد بن جعفر، قال: حدَّثنا شُعبة، قال: سمعتُ أبا إسحاق يُحدّث عن حُجَير، عن الأسود وعلْقَمة: أنّ عبد الله بن مسعود، قال: التمِسُوها في سبع عَشرة. وتلا هذه الآية: ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ يوم بدر، ثم قال: أو تسعَ عشرةَ، أو إحدى وعشرين (٢). (٢: ٤١٩). ذكر وقعة بدر الكبرى ٧٧ - حدَّثنا عليّ بن نصر بن عليّ، وعبد الوارث بن عبد الصّمد بن عبد الوارث -قال عليّ: حدَّثنا عبد الصَّمد بن عبد الوارث، وقال عبد الوارث:

стр. 479

حدّثني أبي- قال: حدَّثنا أبان العطار، قال: حدَّثنا هشام بن عُروة، عن عُروة، أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان: أمّا بعد، فإنك كتبتَ إليّ في أبي سفيان ومخرَجه، تَسْألني كيف كان شأنه؟ كان من شأنه أنّ أبا سُفيان بن حَرْب أقبل من الشام في قريب من سبعين راكبًا من قبائل قريش كلّها، كانوا تجارًا بالشام، فأقبلوا جميعًا معهم أموالُهم وتجارتهم، فذكروا لرسول الله ﷺ وأصحابه؛ وقد كانت الحرب بينهم قبل ذلك، فقُتلت قتلى، وقُتِل ابن الحضرميّ في ناس بنَخْلَة، وأسِرَتْ أسارَى من قريش، فيهم بعضُ بني المغيرة، وفيهم ابن كَيسان مولاهم، أصابهم عبد الله بن جَحْش وواقد حليف بني عديّ بن كعب، في ناسٍ من أصحاب رسول الله ﷺ بعثهم مع عبد الله بن جحش، وكانت تلك الوقعة هاجت الحرب بين رسول الله ﷺ وبين قريش، وأول ما أصاب به بعضهم بعضًا من الحرب، وذلك قبلَ مخرج أبي سفيان وأصحابه إلى الشام. ثم إنّ أبا سفيان أقبل بعد ذلك ومَن معه من ركْبان قريش مقبلين من الشام، فسلَكوا طريق الساحل، فلمّا سمع بهم رسول الله ﷺ ندبَ أصحابه وحدّثهم بما معهم من الأموال، وبقلَّة عَدَدِهم، فخرجوا لا يريدون إلّا أبا سفيان والركْبَ معه؛ لا يروْنها إلّا غنيمة لهم؛ لا يظنّون أن يكون كبيرُ قتال إذا لقُوهم، وهي التي أنزل الله فيها: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. فلما سمعَ أبو سفيان أنّ أصحابَ رسول الله ﷺ معترضون له، بعث إلى قريش: إنَّ محمدًا وأصحابه معترضون لكم، فأجيرُوا تجارتَكم، فلمّا أتى قريشًا الخبرُ -وفي عيرِ أبي سفيان؛ من بُطون كعب بن لُؤيّ كلّها- نفرَ لها أهلُ مكة؛ وهي نَفْرة بني كعب بن لُؤيّ، ليس فيها من بني عامر أحدٌ إلّا من كان من بني مالك بن حِسْل؛ ولم يَسمع بنَفرَة قريش رسول الله ﷺ ولا أصحابه؛ حتى قدِم النبيّ ﷺ بدرًا- وكان طريق ركبان قريش؛ مَنْ أخذ منهم طريق الساحل إلى الشام- فخفض أبو سفيان عن بدْر، ولزِم طريقَ الساحل، وخاف الرّصَد على بدْر، وسار النبيّ ﷺ ، حتى عرّس قريبًا من بدر، وبعث النبيّ ﷺ الزبير بن العوام في عصابة من أصحابه إلى ماء بدر، وليسوا يحسبُون أنّ قريشًا خرجت لهم، فبينا رسول ﷺ قائمٌ يصلّي؛ إذ ورد بعض روايا قريش ماءَ بدر، وفيمن ورد من الرّوايا غلام لبني الحجّاج أسودُ؛ فأخذه النّفرُ الذين بعثهم رسول الله ﷺ مع الزبير إلى

стр. 480

الماء، وأفلت بعضُ أصحاب العبد نحو قريش، فأقبلوا به حتى أتوْا به رسول الله ﷺ وهو في مُعَرّشه، فسألوه عن أبي سفيان وأصحابه؛ لا يحسبون إلّا أنه معهم، فطفِق العبد يحدّثهم عن قريش ومن خرج منها، وعن رؤوسهم، ويصدُقهم الخبر؛ وهم أكره شيء إليهم الخبر الذي يخبرهم؛ وإنما يطلبون حينئذ بالركْب أبا سفيان وأصحابه، والنبيّ ﷺ يصلّي؛ يركع ويسجد يرى ويَسمع ما يُصنع بالعبد، فطفقِوا إذا ذكر لهم أنها قريش جاءتهم، ضربوه وكذّبوه، وقالوا: إنما تكتمنا أبا سفيان وأصحابه؛ فجعل العبد إذا أذلَقوه بالضرب، وسألوه عن أبي سفيان وأصحابه -وليس له بهم علم؛ إنما هو من رَوَايا قريش- قال: نعم، هذا أبو سفيان، والركْب حينئذ أسفل منهم؛ قال الله : ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ حتَّى بلغ- ﴿أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾، فطفقِوا إذا قال لهم العبد: هذه قريش قد أتتكم ضربوه، وإذا قال لهم: هذا أبو سفيان تركوه. فلمّا رأى صنيعَهم النبيّ ﷺ انصرف من صلاته وقد سمع الذي أخبرهم، فزعموا أن رسول الله ﷺ ، قال: والذي نفسي بيده، إنكم لتضربونه إذا صدَقَ، وتتركونه إذا كذب! قالوا: فإنه يحدّثنا أنّ قريشًا قد جاءت، قال: فإنه قد صدق؛ قد خرجت قريش تجير رِكابها، فدعا الغلام فسأله فأخبره بقريش، وقال: لا عِلْمَ لي بأبي سفيان، فسأله: كم القوم؟ فقال: لا أدري؛ والله هم كثير عددهم، فزعموا أن النبيّ ﷺ ، قال: مَنْ أطعمهم أوّل مِنْ أمس؟ فسمّى رجلًا أطعمهم، فقال: كم جزائر نَحرَ لهم؟ قال: تسع جزائر، قال: فَمَنْ أطعمهم أمس؟ فسمّى رجلًا، فقال: كم نحر لهم؟ قال: عشر جزائر، فزعموا أنّ النبيّ ﷺ قال: القومُ ما بين التسعمئة إلى الألف. فكان نَفْرة قريش يومئذ خمسين وتسعمئة. فانطلق النبي ﷺ فنزل الماء وملأ الحِياضَ، وصفّ عليها أصحابه، حتى قدم عليه القوم، فلمّا ورد رسول الله ﷺ بدرًا قال: هذه مصارعُهم؛ فوجدوا النبيّ ﷺ قد سبقهم إليه ونزل عليه. فلمّا طلعوا عليه زعموا أنّ النبيّ ﷺ قال: هذه قريش قد جاءت بجلَبتها وفخرها؛ تحادُّك وتُكذّبُ رسولك! اللهمّ إني أسألك ما وعدتني. فلما أقبلوا استقبلهم، فحثَا في وجوههم التراب؛ فهزمَهم الله، وكانوا قبل

стр. 481

أن يلقاهم النبيّ ﷺ قد جاءهم راكب من أبي سفيان والركب الذين معه: أن ارْجعوا -والركْب الذين يأمرون قريشًا بالرجْعَةِ بالجُحْفة- فقالوا: والله لا نرجع حتى ننزل بدرًا، فنقيم به ثلاثَ ليال، ويرانا مَن غشينا من أهل الحجاز؛ فإنه لن يرانا أحد من العرب وما جمعْنا فيقاتلنا. وهم الذين قال الله : ﴿كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾؛ فالتقوا هُمْ والنبيّ ﷺ ، ففتح الله على رسوله، وأخزى أئمة الكُفْر وشفى صدورَ المسلمين منهم. (١) (٢: ٤٢١/ ٤٢٢ / ٤٢٣/ ٤٢٤). ٧٨ - حدّثني هارون بن إسحاق، قال: حدَّثنا مصعب بن المِقْدام، قال: حدَّثنا إسرائيل، قال: حدَّثنا أبو إسحاق، عن حارثة، عن عليّ ﵇، قال: لما قَدمْنَا المدينة أصبنا من ثمارها، فاجتَويناها، وأصابنا بها وعْكٌ، وكان رسول الله ﷺ يتخبّر عن بدر؛ فلما بلغنا أنّ المشركين قد أقبلُوا سار رسول الله ﷺ إلى بدر -وبدر: بئر- فسبَقْنا المشركين إليها، فوجدنا فيها رجلين، منهم رجلٌ من قريش، ومولىً لعُقبْة بن أبي مُعَيط؛ فأما القرشيّ فانفلت، وأمّا مولى عُقْبة فأخذناه، فجعَلنا نقول: كم القوم؟ فيقول: هم والله كثير، شديدٌ بأسهم؛ فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربُوه، حتى انتهوْا به إلى رسول الله ﷺ ، فقال له: كم القوم؟ فقال: هم والله كثير، شديد بأسهم، فجهد النبي ﷺ أن يخبره كم هم، فأبى. ثم إنّ رسول الله ﷺ سأله: كم ينحرون من الجُزُر؟ فقال: عشرًا كلّ يوم، قال رسول الله ﷺ . القوم ألف. ثم إنه أصابنَا من الليل طَشٌّ من المطر، فانطلقنا تحت الشجر والحجَف نستظلُّ تحتها من المطر، وبات رسول الله ﷺ يدعو ربّه: اللهمّ إنْ تهلِكْ هذه العِصابة لا تُعبَد في الأرض. فلمّا أن طلع الفجر نادى: الصلاة عباد الله! فجاء الناس من تحت الشجر والحَجف، فصلى بنا رسول الله ﷺ ، وحَرَّض على القتال، ثم قال: إنّ جَمْع قريش عند هذه الضِّلْعة من الجبل. فلما أن دنا القوم منّا وصافَفْناهم؛ إذا رجلٌ من القوم على جَمل أحمر يسير في القوم، فقال رسول الله ﷺ : يا عليّ، نادِ لي حمزة -وكان أقربهم إلى المشركين-: مَنْ

стр. 482

صاحبُ الجمل الأحمر؟ وماذا يقول لهم؟ وقال رسول الله ﷺ : إنْ يكن في القوم مَنْ يأمر بالخير؛ فعسى أن يكون صاحب الجمل الأحمر، فجاء حمزة، فقال: هو عتْبة بن ربيعة؛ وهو ينهى عن القتال، ويقول لهم: إنّي أرى قومًا مُسْتَميتين لا تصلون إليهم وفيكم خير؛ يا قوم اعصبُوها اليومَ برأسي، وقولوا: جَبُنَ عُتْبة بن ربيعة؛ ولقد علمتم أنّي لستُ بأجبنِكم. قال: فسمعَ أبو جهل فقال: أنت تقول هذا! والله لو غيرك يقول هذا لعضضتُه! لقد ملئت رِئتُك وجوفك رُعبًا، فقال عتبة: إيّايَ تُعَيّر يا مصَفِّر استِه! ستَعلم اليومَ أيّنا أجْبَن! قال: فبرز عُتبة بن ربيعة وأخوه شيبة بن ربيعة، وابنه الوليد، حميّةً، فقالوا: مَنْ يبارز؟ فخرج فِتْيَةٌ من الأنصار ستّة، فقال عُتبة: لا نريدُ هؤلاء؛ ولكن يبارزُنا من بني عمّنا من بني عبد المطلب. فقال رسول الله ﷺ : يا عليّ قُم، يا حمزة قم، يا عُبيدة بن الحارث قم، فقتل الله عتبةَ بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، وجرح عُبيدة بن الحارث؛ فقتلنا منهم سبعين، وأسرْنا منهم سبعين. قال: فجاء رجل من الأنصار قصير بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا، فقال: يا رسولَ الله؛ والله ما هذا أسَرني، ولكن أسَرَني رجل أجْلَح من أحسن الناس وجهًا، على فرس أبْلق، ما أراه في القوم، فقال الأنصاريّ: أنا أسرته، فقال رسول الله ﷺ : لقد آزرك الله بملَكٍ كريم. قال عليّ: فأسِر من بني عبد المطّلب العباس وعَقيل ونوفل بن الحارث (١). (٢: ٤٢٤/ ٤٢٥ / ٤٢٦).

стр. 483

٧٩ - حدّثني جعفر بن محمد البزُوريّ، قال: حدَّثنا عُبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة، عن عليّ، قال: لمّا أن كان يومُ بدر، وحضر البأس اتّقينا برسول الله، فكان من أشدّ الناس بأسًا، وما كان منّا أحدٌ أقربَ إلى العدوّ منه (١). (٢: ٤٢٦). ٨٠ - حدَّثنا عمرو بن علي، قال: حدَّثنا عبد الرحمن بن مهديّ، عن شُعبة، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرّب، عن عليّ، قال: سمعتُه يقول: ما كان فينا فارسٌ يوم بدر غير مِقْداد بن الأسود، ولقد رأيتُنا وما فينا إلّا نائمٌ، إلّا رسول الله ﷺ قائمًا إلى شجرة يصلّي، ويدعو حتى الصبح (٢). (٢: ٤٢٦/ ٤٢٧). ٨١ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: فحدّثني محمد بن مسلم الزهريّ وعاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر ويزيد بن رومان عن عُروة وغيرهم من علمائنا، عن عبد الله بن عباس، كلٌّ قد حدّثني بعض هذا الحديث؛ فاجتمع حديثهم فيما سُقتُ من حديث بدر، قالوا: لما سمع رسول الله ﷺ بأبي سفيان مقبلًا من الشام، ندَب المسلمين إليهم، وقال: هذه عيرُ قِريش فيها أموالهم، فاخرُجوا إليها، لعلّ الله أن يُنَفِّلكموها، فانتدب الناس فخفّ بعضهم وثقُل بعضهم؛ وذلك أنهم لم يظنُّوا أنّ رسول الله ﷺ يلقى حَرْبًا، وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسَّس الأخبار، ويسأل مَنْ لقيَ من الرُّكبان تخوُّفًا على أموال الناس؛ حتى أصاب خبرًا من بعض الركبان: أنّ محمدًا قد استنفرَ أصحابه لك ولعيرك. فحذر عند ذلك، فاستأجر ضَمْضَم بن عمرو الغفاريّ، فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتيَ قريشًا يستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أنّ محمدًا قد عَرَض لها في أصحابه (٣) فخرج ضمضم بن عمرو سريعًا إلى مكة. (٢: ٤٢٧). ٨٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: قال ابنُ إسحاق: وحدّثني

стр. 484

مَن لا أتَّهم عن عِكْرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس ويزيد بن رُومان، عن عُروة، قال: وقد رأتْ عاتكةُ بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا أفزَعتها، فبعثتْ إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له: يا أخي، والله لقد رأيتُ الليلة رؤيا لقد أفظعتني، وتخوّفت أن يدخلَ على قومك منها شرٌّ ومصيبة، فاكتُمْ عليَّ ما أحدّثك [به] قال لها: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكبًا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح. ثم صرخ بأعلى صوته: أن انفِروا يا آل غُدَر لمصارعكم في ثلاث! فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه؛ فبينا هم حولَه مَثَلَ به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بأعلى صوته بمثلها: أن انفروا يا آلُ غدر لمصارعكم في ثلاث! ثمّ مثل به بعيرهُ على رأس أبي قُبَيس، فصرخ بمثلها، ثم أخذَ صخرة فأرسلها، فأقبلتْ تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضَّت فما بقيَ بيت من بيوت مكة، ولا دارٌ من دورها إلّا دخلت منها فِلْقة. قال العباس: والله إنّ هذه لرؤيا رأيتِ فاكتُميها ولا تذكريها لأحد. ثم خرج العباس فلقيَ الوليد بن عتبة بن ربيعة -وكان له صديقًا- فذكرها له واستكتمه إياها، فذكرها الوليد لأبيه عُتْبة، ففشا الحديث؛ حتى تحدّثت به قريش [في أنديتها]. قال العبّاس: فغدوت أطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في رهْط من قريش قُعودٌ يتحدّثون برؤيا عاتكة؛ فلمّا رآني أبو جهل، قال: يا أبا الفضْل؛ إذا فرغتَ من طوافك فأقبل إلينا. قال: فلمّا فرغت أقبلتُ إليه حتى جلست معهم، فقال لي أبو جهل: يا بني عبد المطّلب؛ متى حَدَثتْ فيكم هذه النبيّة! قال: قلتُ: وما ذاك؟ قال: الرؤيا التي رأت عاتكة، قال: فلت: وما رأت؟ قال: يا بني عبد المطّلب، أما رضيتُم أن تتنبّأ رجالُكم، حتى تتنبّأ نساؤكم! قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفرُوا في ثلاث، فسنتربّص بكم هذه الثلاث؛ فإن يكن ما قالت حقًّا فسيكون، وإن تمضِ الثلاث ولم يكن من ذلك شيء؛ نكتب عليهم كتابًا أنّكم أكذبُ أهل بيتٍ في العرب. قال العباس: فوالله ما كان منّي إليه كبير إلآ أني جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأتْ شيئًا. قال: ثم تفرّقنا؛ فلمّا أمسيتُ لم تبقَ امرأةٌ من بني عبد المطلب

стр. 485

إلّا أتتْنِي، فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع؛ ثم لم يكن عندك غَيرة لشيء مما سمعت! قال: قلت: قد والله فعلت؛ ما كان منّي إليه من كبيرٍ، وايمُ الله لأتعرّضن له؛ فإن عاد لأكفيتكموه. قال: فغدوتُ في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة، وأنا حديد مغضَب، أرى أن قد فاتني منه أمرٌ أحبّ أن أدرِكه منه. قال: فدخلت المسجد فرأيته؛ فوالله إنّي لأمشي نحوه أتعرّضه ليعود لبعض ما قال فأقع به -وكان رجلًا خفيفًا حديدَ الوجه، حديدَ اللسان، حديد النظر- إذْ خرج نحو باب المسجد يشتدّ. قال: قلتُ في نفسي: ما له لعنه الله! أكلّ هذا فرَقًا من أن أشاتمه! قال: وإذا هو قد سمع ما لم أسمع؛ صوت ضمضم بن عمرو الغفاريّ، وهو يصرخ ببطن الوادي واقفًا على بعيره، قد جدَّع بعيره، وحوَّل رحلَه، وشقّ قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش، اللطيمة اللَّطيمة! أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها؛ الغوث الغوث! قال: فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر. فتجهّز الناس سراعًا، وقالوا: أيظنّ محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرميّ! كلّا والله ليعلمُنّ غيرَ ذلك. فكانوا بين رجلين: إمّا خارج، وإمّا باعث مكانه رجلًا، وأوعَبَتْ قريش فلم يتخلّف من أشرافها أحدٌ؛ إلَّا أنّ أبا لهب بن عبد المطلب تخلّف، فبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة؛ وكان لاط له بأربعة آلاف درهم كانت له عليه، أفْلَس بها، فاستأجره بها على أن يجزيَ عنه بعثه، فخرج عنه وتخلّف أبو لهب (١). (٢: ٤٢٨/ ٤٢٩ / ٤٣٠).

стр. 486

وأمّا عامة السلف؛ فإنهم قالوا: كانوا ثلاثمئة رجل وبضْعة عشرَ رجلًا. ذكر من قال ذلك: ٨٣ - حدَّثنا هارون بن إسحاق، قال: حدَّثنا مُصعَب بن المقْدام، وحدّثني أحمد بن إسحاق الأهوازيّ، قال: حدَّثنا أبو أحمد الزُّبيريّ، قالا: حدَّثنا إسرائيل، قال: حدَّثنا أبو إسحاق، عن البَراء، قال: كنّا نتحدّث أنّ عدّة أصحاب بدر على عِدّة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر -ولم يَجُزْ معه إلّا مؤمن- ثلاثمئة وبضعة عشر (١). (٢: ٤٣٢).

стр. 487

٨٤ - حدَّثنا ابن بشار، قال: حدَّثنا أبو عامر، قال: حدَّثنا سُفيان، عن أبي إسحاق، عن البرَاء، قال: كنّا نتحدّث أن أصحاب النبيّ ﷺ كانوا يوم بدر ثلاثمئة وبضعة عشر رجلًا، على عدّة أصحاب طالوت؛ مَنْ جاز معه النهر؛ وما جاز معه إلّا مؤمنٌ (١). (٢: ٤٣٢). ٨٥ - حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: حدَّثنا أبي؛ عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن البرَاء، بنحوه (٢). (٢: ٤٣٢). ٨٦ - حدَّثنا إسماعيل بن إسرائيل الرّمْليّ، قال: حدَّثنا عبد الله بن محمد بن المغيرة، عن مِسْعر، عن أبي إسحاق، عن البَرَاء، قال: عِدّة أهل بدر عدّة أصحاب طالوت (٣). (٢: ٤٣٢). ٨٧ - حدّثني أحمد بن إسحاق، قال: حدَّثنا أبو أحمد، قال: حدَّثنا مِسْعَر، عن أبي إسحاق، عن البَرَاء، مثله (٤). (٢: ٤٣٣). ٨٨ - حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنَا

стр. 488

مَعمر، عن قَتَادة، قال: كان مع النبيّ ﷺ يوم بدر ثلاثمئة وبضعة عشر رجلًا (١). (٢: ٤٣٣). ٨٩ - حدَّثنا محمد بن عبَيد المحاربيّ، قال: حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم أبو يحيى، قال: حدَّثنا المخارق، عن طارق، عن عبد الله بن مسعود، قال: لقد شهدتُ من المقداد مشهدًا لأنْ أكونَ أنا صاحبه أحبّ إليّ مما في الأرض من شيء؛ كان رجلًا فارسًا، وكان رسول الله ﷺ إذا غضب احمارّتْ وجنتاه؛ فأتاه المقدادُ على تلك الحال، فقال: أبشِرْ يا رسولَ الله؛ فوالله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكن والذي بعثك بالحق لنكونن من بين يديك ومن خلفك، وعن يمينك وعن شمالك، أو يفْتَح الله لك (٢). (٢: ٤٣٤). ٩٠ - ثم ارتحل رسول الله ﷺ من ذَفران، فسلك على ثنايا يقال لها الأصافر، ثم انحطّ منها على بلد يقال لها الدَّبَّة، وترك الحَنّان بيمين -وهو كثيب عظيم كالجبل- ثم نزل قريبًا من بَدْر، فركب هو ورجلٌ من أصحابه -كما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حَبّان- حتى وقف على شَيخ من العرب؛ فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه، وما بلغه عنهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممّن أنتما! فقال له رسول الله ﷺ : إذا أخبرتَنا أخبرناك؛ فقال: وذاك بذلك! قال: نعم، قال الشيخ: فإنّه بلغني أنّ محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدَقَنِي الذي أخبرني فهو اليوم بمكان كذا وكذا- للمكان الذي به رسول الله ﷺ وبلغنِي أنّ قريشًا خرجوا يوم كذا وكذا؛ فإن كان الذي حدّثني صدقني فهم اليوم بمكان

стр. 489

كذا وكذا -للمكان الذي به قريش- فلما فرغ من خبره، قال: ممّن أنتما؟ فقال رسول الله ﷺ : نحن من ماء؛ ثم انصرف عنه. قال: يقول الشيخ: ما "من ماءٍ"، أمِنْ ماءِ العِرَاق (١) "! . (٢: ٤٣٥/ ٤٣٦). ٩١ - ثم رجع رسول الله ﷺ إلى أصحابه؛ فلمّا أمسى بعث عليّ بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص، في نَفرٍ من أصحابه إلى ماء بَدْر يلتمسون له الخبر عليه -كما حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق، كما حدّثني يزيد بن رومان، عن عُروة بن الزبير- فأصابوا راويةً لقريش فيها أسْلَم؛ غلام بني الحجّاج، وعَرِيض أبو يَسَار، غلام بني العاص بن سعيد؛ فأتوْا بهما رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ قائم يصلّي؛ فسألوهما، فقالا: نحن سقاة قريش؛ بعثونا لنسقيَهم من الماء، فكره القوم خبرَهما، ورَجوا أن يكونا لأبي سفيان؛ فضربوهما، فلما أذْلَقوهما قالا: نحن لأبي سفيان، فتركوهما، وركع رسول الله ﷺ ، وسجد سجدتين، ثم سلّم، فقال: إذَا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما! صَدَقَا والله! إنّهما لقريش؛ أخبراني: أين قريش؟ قالا: هم وراءَ الكثيب الذيِ ترى بالعُدْوَة القُصْوَى -والكثيب: العَقَنْقَل- فقال رسول الله ﷺ : لهما: كم القوم؟ قالا: كثيرٌ، قال: ما عِدَّتهم؟ قالا: لا ندري، قال: كم ينحرون كلّ يوم؟ قالا: يومًا تسعًا ويومًا عشرًا، قال رسول الله ﷺ : القوم ما بين التسعمئة والألف. ثم قال لهما رسول الله ﷺ : فَمَنْ فيهم من أشراف قريش؟ قالا: عُتْبة بن ربيعة، وشَيبة بن ربيعة، وأبو البختَريّ بن هشام، وحكيم بن حِزَام، ونوْفل بن خُويَلد، والحارث بن عامر بن نوفل، وطُعَيمَة بن عَدِيّ بن نوفل، والنضْر بن الحارث بن كَلَدة، وَزَمْعَة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأمَيّة بن خلَف، ونُبيه ومُنبّه ابنا الحجاج، وسُهَيل بن

стр. 490

عمرو، وعمرو بن عبد ودّ. فأقبل رسول الله ﷺ على الناس، فقال: هذه مكّة قد ألْقَتْ إليكم أفْلاذَ كبِدِها (١). (٢: ٤٣٦/ ٤٣٧).

стр. 491

٩٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: قال محمّد بن إسحاق: وحدّثني إسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم عن أشياخ من الأنصار، قالوا: لما اطمأنّ القومُ، بعثوا عُمَير بن وهب الجُمَحِيّ، فقالوا: احزُرْ لنا أصحابَ محمد، قال: فاستجال بفرسه حول العسكر، ثم رجع إليهم، فقال: ثلاثمئة رجل، يزيدون قليلًا أو ينقصون؛ ولكن أمْهلوني حتى انظر؛ أللقوم كمين أم مَدَد؟ قال: فضرب في الوادي؛ حتى أبْعد فلم ير شيئًا، فرجع إليهم، فقال: ما رأيت شيئًا، ولكني قد رأيتُ -يا معشرَ قريش- الوَلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع؛ قوم ليس لهم مَنَعة ولا مَلْجأ إلّا سيوفُهم؛ والله ما أرى [أن] يقتل رجل منهم حتى يُقتل رجل منكم؛ فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خيرُ العيش بعد ذلك! فَرَوْا رَأيكم. فلمّا سمع حَكيم بن حزام ذلك، مشى في الناس، فأتى عتبةَ بن ربيعة، فقال: يا أبا الوليد، إنك كبيرُ قريش الليلة وسيّدُها، والمطاع فيها؛ هل لك ألّا تزال تذكر منها بخير إلى آخر الدهر! قال: وما ذاك يا حكيم؟ قال: ترجع بالناس، وتحمل دمَ حليفك عمرو بن الحضرميّ! قال: قد فعلت، أنتَ عليّ بذلك، إنما هو حليفي فعليّ عَقْله، وما أصيب من ماله؛ فائتِ ابنَ الحنْظَلية؛ فإنّي لا أخشى أن يشجرُ أمرَ الناس غيرُه -يعني أبا جهل بن هشام- رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. ثم قام عُتْبة بن ربيعة خطيبًا، فقال: يا معشرَ قريش، إنكم والله ما تصنعون بأن تَلْقوا محمدًا وأصحابه شيئًا؛ والله لئن أصبتُموه لا يزال رجلٌ ينظر في وَجْهِ رجل يكره النَّظَر إليه، قتل ابن عمّه أو ابن خاله أو رجلًا من عشيرته؛ فارجعوا وخلُّوا بين محمّد وبين سائر العرب؛ فإن أصابوه فذاك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرَّضوا منه ما تريدون. قال حكيم: فانطلقتُ أؤمُّ أبا جهل؛ فوجدته قد نَثَل دِرْعًا له من جِرابها؛ فهو يُهيّئها. فقلت: يا أبا الحكم؛ إنّ عُتْبةَ قد أرسلني إليك بكذا وكذا -للذي فاد- فقال: انتفخ والله سَحْرُه حين رأى محمدًا وأصحابه؛ كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمّد وأصحابه، وما بعتْبة ما قال؛ ولكنه قد رأى محمدًا وأصحابه أكلةَ جَزور؛ وفيهم ابنه فقد تخوّفَكم عليه. ثم بعث إلى عامر بن الحضرميّ، فقال له: هذا حَلِيفُك، يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرَك بعينيك، فقم فانشُد خُفْرتك

стр. 492

ومقتَلَ أخيك. فقام عامر بن الحضرميّ فاكتشف ثم صرخ: واعمراه! واعمراه! فحميَت الحربُ، وحَقِبَ أمر الناس؛ واستوسقوا على ما هم عليه من الشرّ، وأفسِد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عُتبة بن ربيعة. فلما بلغ عُتبةَ بن ربيعة قولُ أبي جهل: "انتفخ سَحْره"، قال: سيعلم المُصَفِّرُ اسْتَهُ من انتفخ سَحْره، أنا أم هو! ثم التمس بَيضَة يُدْخِلها في رأسه فما في الجيش بيضة تَسَعُه من عِظم هامته، فلما رأى ذلك اعتَجَر على رأسه ببُرْد له. وقد خرج الأسود بن عبد الأسود المخزوميّ -وكان رجلًا شرسًا سيِّيءَ الخُلق- فقال: أعاهد الله لأشْرَبنّ من حَوْضِهم ولأهْدِمنّه أو لأمُوتنّ دونه. فلما خرج خرج له حمزة بن عبد المطلب، فلمّا التقيا ضربه حمزة، فأطنّ قدمه بنصف ساقه؛ وهو دُونَ الحوض، فوقع على ظهره تَشْخُبُ رجله دمًا نحو أصحابه؛ ثم حَبَا إلى الحوض حتى اقتحم فيه، يريد -زَعَمَ- أن يُبِرَّ يمينَه، واتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض. ثم خرج بعده عُتْبة بن ربيعة بين أخيه شَيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عُتْبة؛ حتى إذا فَصَل من الصفّ دعَا إلى المبارزة، فخرج إليه فتْية من الأنصار ثلاثة نفر منهم: عوف ومُعَوِّذ ابنا الحارث -وأمهما عفراء- ورجل آخر يقال له عبد الله بن رواحة، فقال: مَنْ أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار. فقالوا: ما لنا بكم حاجة! ثم نادى مناديهم: يا محمد، أخْرِجْ إلينا أكفاءَنا من قومنا، فقال رسول الله ﷺ : قم يا حمزة بن عبد المطلب، قم يا عبيدة بن الحارث، قم يا عليّ بن أبي طالب؛ فلما قاموا ودَنوْا منهم، قالوا: مَنْ أنتم؟ قال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال عليّ: عليّ، قالوا: نعم أكفاءٌ كِرَام! فبارز عُبيدة بن الحارث -وكان أسنّ القوم- عُتْبة بن ربيعة، وبارز حمزةُ شَيبةَ بن ربيعة، وبارز عليٌّ الوليدَ بن عتبة؛ فأمّا حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وأما عليٌّ فلم يمهل الوليد أن قتله؛ واختلف عُبيدة وعتبة بينهما بضربتين، كلاهما أثبَت صاحبه، وكرَّ حمزة وعليّ بأسيافهما على عُتْبة، فذفّفا عليه فقتلاه، واحتملا صاحبهما عبيدة فجاءا به إلى أصحابه؛ وقد قطعت رجله، فمُخُّها يسيل، فلما أتوا بعبيدة إلى رسول الله ﷺ -

стр. 493

قال: ألستُ شهيدًا يا رسول الله (١)! قال: بلى، فقال عبيدة: لو كان أبو طالب حيًّا لعلم أني أحقّ بما قال منه حيث يقول: ونُسْلِمُهُ حتى نُصَرَّعَ حَوْلَه ... ونَذْهَلَ عن أَبنائِنا وَالحَلائِل (٢: ٤٤٢ - ٤٤٤ - ٤٤٥) ٩٣ - حدَّثنا الزُّبير بن بكار، قال: حدَّثنا عثامة بن عمرو السهميّ، قال: حدّثني مُسوَّر بن عبد الملك اليَربوعيّ، عن أبيه، عن سعيد بن المسيّب، قال: بينَا نحن عند مروان بن الحَكَم؛ إذ دخل حاجبُه، فقال: هذا أبو خالد حكيم بن حزام، قال: ائذنْ له، فلمّا دخل حكيم بن حِزام، قال: مرحبًا بك يا أبا خالد! ادْنُ، فحال له مروان عن صدْر المجلس؛ حتى كان بينه وبين الوسادة، ثمّ استقبله مرْوان، فقال: حَدّثنا حديثَ بدْر، قال: خرجنا حتى إذا نزلنا الجُحْفَة رجعت قبيلة من قبائل قريش بأسْرها، فلم يشهد أحدٌ من مشركيهم بَدْرًا. ثم خرجنا حتى نزلنا العُدْوة التي ذكرها الله ، فجئت عُتْبة بن ربيعة، فقلت: يا أبا الوليد، هل لك أن تذهب بشَرَف هذا اليوم ما بقيت؟ قال: أفعل ماذا؟ قلت: إنكم لا تطلبون من محمّد إلا دَم ابن الحضرميّ؛ وهو حليفك، فتحمّل ديتَه وترجع بالناس. فقال: أنت وذاك، وأنا أتحمّل بِديَتِه، واذهبْ إلى ابن الحنظلِيّة -يعني أبا جهل- فقل له: هل لك أن ترجعَ اليوم بمَنْ معك عن ابن عمّك؟ فجئته فإذا هو في جماعة من بين يديه ومن ورائه، وإذا ابنُ الحضرميّ واقف على رأسه؛ وهو يقول: قد فَسَخْتُ عقْدي من عبد شمس، وعقْدي إلى بني مخزوم. فقلت له: يقول لك عُتْبة بن ربيعة: هل لك أن ترجعَ اليوم عن ابنِ عمك بمَنْ معك؟ قال: أما وجدَ رسولًا غيرك! قلت: لا، ولم أكن لأكون رسولًا لغيره. قال حكيم: فخرجت مبادرًا إلى عُتْبة؛ لئلا يَفُوتَني من الخبر شيء، وعتبة مُتكّئ على إيماء بن رَحَضة الغِفاريّ؛ وقد أهْدَى إلى المشركين عشر جزائر، فطلع أبو جهل والشرّ في وجهه، فقال لعتبة: انتفخ سَحْرُك! فقال له عتبة: ستعلم! فَسلّ أبو جهل سيفه، فضرب به متنَ فرسه، فقال إيماء بن رَحَضة: بئس

стр. 494

الفأل هذا! فعند ذلك قامت الحرب (١). (٢: ٤٤٣). ٩٤ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق:

стр. 495

وحدّثني عاصم بن عمرو بن قتادة؛ أن عتبة بن ربيعة قال للفتية من الأنصار حين انتسبوا: أكفاءٌ كرامٌ، إنما نريد قومنا، ثم تزاحف الناس؛ ودنا بعضُهم من بعض، وقد أمر رسول الله ﷺ أصحابه ألّا يحملوا حتى يأمرهم؛ وقال: إن اكتنفكُم القوم فانضحوهم عنكم بالنَّبْل؛ ورسول الله ﷺ في العريش معه أبو بكر (١). (٢: ٤٤٦). ٩٥ - فحدّثني محمد بن عبيد المحاربيّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن المبارك، عن عكرمة بن عَمَّار، قال: حدّثني سماك الحنفيّ، قال: سمعتُ ابنَ عباس يقول: حدّثني عمر بن الخطاب، قال: لما كان يوم بدْر، ونظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وعِدّتهم، ونظر إلى أصحابه نيّفًا على ثلاثمئة، استقبل القبلة، فجعل يدعو، يقول: اللهمّ أنجزْ لي ما وعدتَني، اللهمّ إن تَهْلِك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبَد في الأرض؛ فلم يزل كذلك حتى سقط رداؤه، فأخذ أبو بكر فوضع رداءه عليه، ثمّ التزمه من ورائه، ثم قال: كفاك يا نبيّ الله، بأبي أنت وأمي، مناشدتك ربّك؛ فإنه سينجز لك ما وعدك! فأنزل الله ﵎: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٢). (٢: ٤٤٧).
следующие страницы →