لسانه هارب منهزم - خاف أن يظهر أمره فيفتضح ويقتل، فقال لأصحابه: إني كارهٌ لسفك الدماء، ولم أحسّ أن يبلغ الأمر ما بلغ، فكفُّوا أيديَكم، فتفرَّق القوم عنه، فقال لأهل بيته: إنَّ إبراهيم قد هرب، ودخل مروان دمشق، فحُكي ذلك عن أهل بيته، فانتشر الخبر، واشرأبَّت الفتنة، ووقعت العصبيَّة بين الناس.
وكان سبب ذلك أن عبد الله بن عمر كان أعطى مضَر وربيعة عطايَا عظامًا، ولم يعطِ جعفر بن نافع بن القعقاع بن شَوْر الذهليَّ وعثمان بن الخَيبَرِيّ أخا بني تيم اللات بن ثعلبة شيئًا، ولم يسوّهما بنظرائهما؛ فدخلا عليه؛ فكلّماه كلامًا غليظًا، فغضب ابنُ عمر، وأمر بهما، فقام إليهما عبد الملك الطائي - وكان على شُرطه يقوم على رأسه - فدفعهما، فدفعاه وخرجا مغضَبيْن.
وكان ثمامة بن حَوْشب بن رُويم الشيبانيّ حاضرًا، فخرج مغاضبًا لصاحبيه، فخرجوا جميعًا إلى الكوفة، وكان هذا وابن عمر بالحيرة فلما دخلوا الكوفة نادوا: يا آل ربيعة، فثارت إليهم ربيعة، فاجتمعوا وتنمّرُوا، وبلغ الخبرُ ابنَ عمر، فأرسل إليهم أخاه عاصمًا، فأتاهم وهم بدير هند قد اجتمعوا وحشدوا، فألقى نفسه بينهم، وقال: هذه يدي لكم فاحكموا؛ فاستحَيْوا وعظَّموا عاصمًا، وتشكَّروا له، وأقبل على صاحبيْهم فسكتا وكفّا، فلمّا أمسى ابنُ عمر أرسل من تحت ليلته إلى عمر بن الغَضْبان بمئة ألف، فقسمها في قومه بني همام بن مرة بن ذُهْل بن شيبان، وأرسل إلى ثُمامة بن حَوْشب بن رُوَيم بمئة ألف، فقسَّمها في قومه، وأرسل إلى جعفر بن نافع بن القعقاع بعشرة آلاف، وإلى عثمان بن الخيبريّ بعشرة آلاف (١).
قال أبو جعفر: فلما رأت الشيعة ضَعْفَه اغتمزوا فيه، واجترؤوا عليه وطعنوا فيه ودعوْا إلى عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، وكان الذي ولي ذلك هلال بن أبي الورد مولى بني عجل، فثاروا في غوغاء الناس حتى أتوا المسجد، فاجتمعوا فيه وهلال القائم بالأمر، فبايعه ناس من الشيعة لعبد الله بن معاوية، ثم مضوا من فَوْرهم إلى عبد الله، فأخرجوه من دار الوليد بن سعيد؛ حتى أدخلوه
стр. 4307
القصر، وحالوا بين عاصم بن عمر وبين القصر، فلحق بأخيه عبد الله بالحِيرة، وجاء ابنَ معاوية الكوفيون فبايعوه، فيهم عمر بن الغضبان بن القبعثريّ ومنصور بن جمهور وإسماعيل بن عبد الله القسريّ ومَن كان من أهل الشام بالكوفة له أهل وأصل، فأقام بالكوفة أيامًا يبايعه النالس، وأتتْه البَيْعة من المدائن وفَمِ النيل، واجتمع عليه الناس، فخرج يريد عبد الله بن عمر بالحيرة، وبرز له عبد الله بن عمر فيمن كان معه من أهل الشام، فخرج رجل من أهل الشام يسأله البِراز، فبرز له القاسم بن عبد الغفار، فقال له الشاميّ: لقد دعوتُ حين دعوت، وما أظنّ أن يخرج إليّ رجل من بَكر بن وائل، والله ما أريد قتالَك، ولكن أحببتُ أن ألقى إليك ما انتهى إلينا؛ أخبرك أنه ليس معكم رجل من أهل اليمن؛ لا منصور ولا إسماعيل ولا غيرهما إلا وقد كاتب عبد الله بن عمر، وجاءته كتب مضَر، وما أرى لكم أيها الحيّ من ربيعة كتابًا ولا رسولًا، وليسوا مواقعيكم يومكم حتى تُصْبِحوا فيواقعوكم، فإن استطعتم ألّا تكون بكم الحزّة فافعلوا، فإني رجل من قَيْس، وسنكون غدًا بإزائكم؛ فإن أردتم الكتاب إلى صاحبنا أبلغتُه، وإن أردتم الوفاء لمن خرجتم معه فقد أبلغتكم حالَ الناس، فدعا القاسم رجالًا من قومه، فأعلمهم ما قال له الرجل؛ وأنّ ميمنة ابن عمر من ربيعة، ومضر ستقف بإزاء ميسرته وفيها ربيعة، فقال عبد الله بن معاوية: إنَّ هذا علامة ستظهر لنا إن أصبحنا؛ فإن أحبّ عمر بن الغضبان فليلقَني الليلة؛ وإن منعه شغل ما هو فيه فهو عذْر، وقلْ له: إني لأظن القيسيّ قد كذب، فأتى الرّسول عمرَ بذلك، فردّه إليه بكتاب يُعلِمه أن رسولي هذا بمنزلتي عندي، ويأمره أن يتوثّق من منصور وإسماعيل، وإنما أراد أن يعلمهما بذلك. قال: فأبى ابنُ معاوية أن يفعَل، فأصبح الناس غادين على القتال، وقد جعل اليمن في الميمنة ومضر وربيعة في الميسرة، ونادى مُنادٍ: من أتى برأس فله كذا وكذا، أو بأسير فله كذا وكذا، والمال عند عمر بن الغضبان.
والتقى الناسُ واقتتلوا، وحمل عمر بن الغضبان على ميمنة ابن عمر فانكشفوا، ومضى إسماعيل ومنصور من فَوْرهما إلى الحيرة ورجمتْ غوغاء النالس أهلَ اليمن من أهل الكوفة، فقتلوا فيهم أكثر من ثلاثين رجلًا، وقُتل الهاشميّ العباس بن عبد الله زوج ابنة الملاة.
стр. 4308
ذكر عمر أن محمد بن يحيى حدثَّه عن أبيه، عن عاتكة بنت الملاة، تزوّجت أزواجًا، منهم العباس بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، قُتِل مع عبد الله بن عمر بن عبد العزيز في العصبيّة بالعراق، وقتل مبكر بن الحواريّ بن زياد في غيرهم؛ ثم انكشفوا وفيهم عبد الله بن معاوية حتى دخل نصر الكوفة، وبقيت الميسرة من مُضَر وربيعة ومَنْ بإزائهم من أهل الشام، وحمل أهلُ القلب من أهل الشام على الزيديّة فانكشفوا، حتى دخلوا الكوفة، وبقيتَ الميسرة وهم نحو خمسمئة رجل، وأقبل عامر بن ضُبارة ونُبَاتة بن حنظلة بن قبيصة وعتبة بن عبد الرحمن الثعلبيّ والنضر بن سعيد بن عمرو الحرَشيّ، حتى وقفوا على ربيعة، فقالوا لعمر بن الغضبان: أمّا نحن يا معشر ربيعة، فما كنا نأمنُ عليكم ما صنع الناس بأهل اليمن، ونتخوّف عليكم مثلها؛ فانصرفوا. فقال عمر: ما كنت ببارح أبدًا حتى أموت، فقالوا: إن هذا ليس بمغنٍ عنك ولا عن أصحابك شيئًا، فأخذوا بعنان دابته فأدخلوه الكوفة.
قال عمر: حدثني عليّ بن محمد، عن سليمان بن عبد الله النوفليّ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا خِرَاش بن المغيرة بن عطية مولى لبني ليث، عن أبيه، قال: كنت كاتب عبد الله بن عمر؛ فوالله إني لعنده يومًا وهو بالحيرة إذ أتاه آت فقال: هذا عبد الله بن معاوية قد أقبل في الخَلْق، فأطرق مليًّا وجاءه رئيس خبّازِيه، فقام بين يديه كأنه يؤُذنه بإدراك طعامه، فأومأ إليه عبدُ الله: أن هاته، فجاءه بالطعام، وقد شخصت قلوبُنا، ونحن نتوقع أن يهجُم علينا ابن معاوية ونحن معه، قال: فجعلت أتفقّده: هل أراه تغيَّر في شيء من أمره من مطعم أو مشرب، أو منظر أو أمر أو نهي؟ فلا والله، ما أنكرت من هيئته قليلًا ولا كثيرًا، وكان طعامه إذا أتِيَ به وُضع بين كلّ اثنين منا صَحفة، قال: فوضِعت بيني وبين فلان صَحفة، وبين فلان وفلان صحفة أخرى؛ حتى عدّ من كان على خوانه، فلما فرغ من غدائه ووضوئه، أمر بالمال فأخرج؛ حتى أخرجت آنية من ذهب وفضة وكُسًا، ففرّق أكثر ذلك في قوّاده، ثم دعا مولى له أو مملوكًا كان يتبرّك به ويتفاءل باسمه - إمّا يدعى ميمونًا أو فتحًا أو اسمًا من الأسماء المتبرَّك بها - فقال له: خذ لواءك، وامض إلى تلّ كذا وكذا فاركزه [عليه]، وادع أصحابَك، وأقِمْ حتى آتيَك، ففعل وخرج عبدُ الله وخرجنا معه، حتى صار إلى التلّ فإذا الأرض
стр. 4309
بيضاء من أصحاب ابنِ معاوية، فأمر عبد الله مناديًا، فنادى: من جاء برأس فله خمسمئة؛ فوالله ما كان بأسرع من أن أتِيَ برأس، فوُضِع بين يديه؛ فأمر له بخمسمئة، فدفعت إلى الذي جاء به، فلما رأى أصحابه وفاءه لصاحب الرأس، ثاروا بالقوم؛ فوالله ما كان إلا هُنَيهة حتى نظرت إلى نحو من خمسمئة رأس قد ألقيت بين يديه؛ وانكشف ابنُ معاوية ومَن معه منهزمين، فكان أوّل مَنْ دخل الكوفة من أصحابه منهزمًا أبو البلاد مولى بني عبس وابنه سليمان بين يديه - وكان أبو البلاد متشيعًا - فجعل أهلُ الكوفة ينادونهم كلَّ يوم؛ وكأنهم يعيرونهم بانهزامه؛ فجعل يصيح بابنه سليمان: امضِ ودع النّواضح (١) ينفقن، قال: ومرّ عبد الله بن معاوية فطوى الكوفة، ولم يعرّج بها حتى أتى الجبل (٢). [٧/ ٣٠٣ - ٣٠٨].
* ذكر الخبر عن أمره وأمر نصر بعد قدومه عليه:
ذكر عليّ بن محمد عن شيوخه؛ أن الحارث سار إلى مَرْو، مخرجَه من بلاد الترك، فقدمها يوم الأحد لثلاث بقين من جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين ومئة، فتلقاه سلم بن أحوز، والناس بكشماهن، فقال محمد بن الفضل بن عطية العبسيّ: الحمد لله الذي أقرَّ أعينَنَا بقدومك، وردّك إلى فئة الإسلام وإلى الجماعة، قال: يا بنيّ؛ أما علمت أنّ الكثير إذا كانوا على معصية الله كانوا قليلًا، وأنّ القليل إذا كانوا على طاعة الله كانوا كثيرًا! وما قرّت عيني منذ خرجت إلى يومي هذا، وما قرة عيني إلا أن يطاع الله، فلما دخل مَرْو قال: اللهمّ إني لى أنوِ قطّ في شيء مما بيني وبينهم إلّا الوفاء، فإن أرادوا الغدر فانصرْني عليهم، وتلقَّاه نصر فأنزله قَصْر بُخاراخُذاه، وأجرى عليه نزُلًا خمسين درهمًا في كلّ يوم، وكان يقتصر على لون واحد، وأطلق نصر مَن كان عنده من أهله؛ أطلق
стр. 4310
محمد بن الحارث والألوف بنت الحارث وأمَّ بكر؛ فلما أتاه ابنه محمد، قال: اللهمَّ اجعله بارًّا تقيًّا.
قال: وقدم الوضاح بن حبيب بن بُدَيل على نَصْر بن سيّار من عند عبد الله بن عمر، وقد أصابه برد شديد، فكساه أثوابًا، وأمر له بقرىً وجاريتين؛ ثم أتى الحارث بن سريج، وعنده جماعة من أصحابه قيام على رأسه، فقال له: إنَّا بالعراق، نشهر عظْم عمودك وثقله؛ وإني أحبّ أن أراه، فقال: ما هو إلا كبعض ما ترى مع هؤلاء - وأشار إلى أصحابه - ولكني إذا ضربت به [شهرت] ضربتي، قال: وكان في عموده بالشامي ثمانية عشر رطلًا.
قال: ودخل الحارث بن سريج على نَصْر، وعليه الجوشن (١) الذي أصابه من خاقان، وكان خيّره بين مئة ألف دينار دنبكانيَّة وبين الجوشن؛ فاختار الجوشن، فنظرت إليه المرزُبانة بنت قديد؛ امرأة نصر بن سيار، فأرسلت إليه بِجرْز لها سمُّور (٢)، مع جارية لها فقالت، أقرئي ابنَ عمي السَّلام، وقولي له: اليوم بارد فاستدفئ بهذا الجرْز السَمُّور، فالحمد لله الذي أقدمك صالحًا، فقال للجارية: أقرئي بنت عميّ السلام، وقولي لها: أعارية أم هدية؟ فقالت: بل هديّة؛ فباعه بأربعة آلاف دينار وقسمها في أصحابه. وبعث إليه نصر بفرُش كثيرة وفرس، فباع ذلك كلّه، وقسّمه في أصحابه بالسّويّة، وكان يجلس على بَرذعة، وتُثْنى له وسادة غليظة، وعرض نصر على الحارث أن يوليه ويعطيه مئة ألف دينار، فلم يقبل، وأرسل إلى نصر: إني لستُ من هذه الدنيا ولا من هذه اللذات، ولا من تزويج عقائل العرب فيِ شيء؛ وإنما أسأل كتاب الله والعمل بالسنّنة واستعمال أهل الخير والفضْل، فإن فعلت ساعدتك على عدوّك.
وأرسل الحارث إلى الكرمانيّ: إن أعطاني نصر العمل بكتاب الله وما سألته من استعمال أهل الخير والفضل عضَدتُه وقمتُ بأمر الله، وإن لم يفعل استعنتُ بالله عليه، وأعنتك إن ضمنت لي ما أريد من القيام بالعدل والسنة.
стр. 4311
وكان كلما دخل عليه بنو تُميم دعاهم إلى نفسه، فبايعه محمد بن حمران ومحمد بن حرب بن جِرْفاس المِنقريّان والخليل بن غَزْوان العدويّ، وعبد الله بن مُجّاعة وهبيرة بن شَراحيل السعدّيان، وعبد العزيز بن عبدربّه الليثيّ، وبشر بن جرموز الضبيّ، ونهار بن عبد الله بن الحُتات المجاشعيّ، وعبد الله النباتي.
وقال الحارث لنصر: خرجت من هذه المدينة منذ ثلاث عشرة سنة إنكارًا للجوْر، وأنت تريدني عليه! فانضمّ إلى الحارث ثلاثة آلاف [٧/ ٣٠٩ - ٣١٠].
* * *
ذكر الخبر عن أمرهم وأمره وعن سبب ذلك
حدثني أحمد، قال: حدثني عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو هاشم مخلَّد بن محمد بن صالح، قال: لما انصرف مروان إلى منزله من حَرّان بعد فراغه من أهل الشام لم يلبث إلا ثلاثة أشهر؛ حتى خالفه أهل الشام، وانتقضوا عليه؛ وكان الذي دعاهم إلى ذلك ثابت بن نعيم، وراسلهم وكاتبهم، وبلغ مَرْوان خبرهم، فسار إليهم بنفسه، وأرسل أهل حمص إلى مَنْ بتدمر من كلْب؛ فشخص إليهم الأصبغ بن ذؤالة الكلبيّ ومعه بنون له ثلاثة رجال: حمرة وذؤالة وفُرافصة ومعاوية السكسكيّ - وكان فارس أهل الشام - وعصمة بن المقشعِر وهشام بن مَصاد وطفيل بن حارثة ونحو ألف من فرسانهم، فدخلوا مدينة حِمْص ليلة الفطر من سنة سبع وعشرين ومئة.
قال: ومروان بحَماة ليس بينه وبين مدينة حِمْص إلا ثلاثون ميلًا، فأتاه خبرهم صبيحة الفِطْر، فجدّ في السير، ومعه يومئذ إبراهيم بن الوليد المخلوع وسليمان بن هشام؛ وقد كانا راسلاه وطلبا إليه الأمان، فصارا معه في عسكره يكرمهما ويُدنيهما ويجلسان معه على غدائه وعشائه، ويسيران معه في مَوْكبه.
فانتهى إلى مدينة حِمْص بعد الفِطْر بيومين، والكلبيّة فيها قد ردموا أبوابها من داخل، وهو على عُدّة معه روابطه، فأحدقت خيله بالمدينة، ووقف حذاء باب من أبوابها، وأشرف على جماعة من الحائط، فناداهم مناديه: ما دعاكم إلى
стр. 4312
النكث؟ قالوا: فإنا على طاعتك لم ننكث، فقال لهم: فإن كنتم على ما تذكرون فافتحوا، ففتحوا الباب، فاقتحم منه عمرو بن الوضاح في الوضّاحية [وهم] نحو من ثلاثة آلاف فقاتلوهم في داخل المدينة؛ فلما كَثَرتهم خيلُ مروان، انتهوْا إلى باب من أبواب المدينة يقال له باب تدْمر، فخرجوا منه والروابط عليه فقاتلوهم، فقتِل عامتهم، وأفلت الأصبغ بن ذؤالة والسكسكيّ وأسر ابنا الأصبغ: ذؤالة وفُرَافصة في نيّف وثلاثين رجلًا منهم، فأُتِيَ بهم مروان فقتلهم وهو واقف، وأمر بجمع قتلاهم وهم خمسمئة أو ستمئة، فصلبوا حول المدينة، وهدم مِنْ حائط مدينتها نحوًا من غَلْوة، وثار أهل الغوطة إلى مدينة دمشق، فحاصروا أميرهم زامل بن عمرو، وولَّوْا عليهم يزيد بن خالد القسريّ، وثبت مع زامل المدينة وأهلها وقائد في نحو أربعمئة، يقال له أبو هبَّار القرشي فوجّه إليهم مَرْوان من حِمْص أبا الورد بن الكوْثر بن زُفَر بن الحارث - واسمه مجزأة - وعمرو بن الوضّاح في عشرة آلاف، فلما دنَوْا من المدينة حملوا عليهم، وخرج أبو هَبّار وخيله من المدينة، فهزموهم واستباحوا عسكرهم وحرقوا المِزّة من قرى اليمانية، ولجأ يزيد بن خالد وأبو عِلاقة إلى رجُلٍ من لخم من أهل المِزّة، فدُلّ عليهما زامل، فأرسل إليهما، فقتِلا قبل أن يوصل بهما إليه، فبعث برأسيْهما إلى مَرْوان بحِمْص، وخرج ثابت بن نُعَيم من أهل فلسطين؛ حتى أتى مدينة طَبَرِيّة، فحاصر أهلها، وعليها الوليد بن معاوية بن مَرْوان؛ ابن أخي عبد الملك بن مروان، فقاتلوه أيامًا، فكتب مَرْوان إلى أبي الورد أن يشخص إليهم فيمدّهم. قال: فرحل من دمشق بعد أيام، فلما بلغهم دنوّه خرجوا من المدينة على ثابت ومَن معه، فاستباحوا عسكرهم، فانصرف إلى فِلَسطين منهزمًا، فجمع قومه وجُنده؛ ومضى إليه أبو الورد فهزمه ثانية، وتفرّق مَن معه، وأسِر ثلاثة رجال من ولده؛ وهم نُعيم وبكْر وعمران، فبعث بهم إلى مَرْوان فقُدم بهم عليه؛ - وهو بدير أيوب - جرحى، فأمر بمداواة جراحاتهم، وتغيّب ثابت بن نعيم، فوُلِّي الرُّماحس بن عبد العزيز الكنانيّ فلسطين، وأفلت مع ثابت من ولده رفاعة بن ثابت - وكان أخبَثهم - فلحق بمنصور بن جمهور، فأكره وولّاه، وخلّفه مع أخ له يقال له منصور بن جمهور؛ فوثب عليه فقتَله، فبلغ منصورًا وهو متوجِّه إلى المُلْتان، وكان أخوه
стр. 4313
بالمنصورة، فرجع إليه فأخذه، فبنى له أسطوانة من آجرّ مجوّفة، وأدخله فيها، ثم سمّره إليها، وبنى عليه.
قال: وكتب مَرْوان إلى الرُّماحس في طلب ثابت والتلطف له، فدلّ عليه رجل من قومه فأخذ ومعه نفر، فأتِي به مَرْوان موثَقًا بعد شهرين، فأمر به وببنيه الذين كانوا في يديه، فقطِعت أيديهم وأرجلهم؛ ثم حمِلوا إلى دمشق، فرأيتهم مقطَّعين، فأقيموا على باب مسجدها؛ لأنه كان يبلغه أنهم يرجفون بثابت، ويقولون: إنه أتى مصر؛ فغلب عليها، وقتل عامل مَرْوان بها، وأقبل مَرْوان من دير أيوب حتى بايع لابنيه عبيد الله وعبد الله، وزوّجهما ابنتي هشام بن عبد الملك؛ أمّ هشام وعائشة، وجمع لذلك أهل بيته جميعًا؛ من ولد عبد الملك محمد وسعيد وبكار وولد الوليد وسليمان ويزيد وهشام وغيرهم من قريش ورؤوس العرب، وقطع على أهل الشام بعثًا وقوّاهم، وولى على كل جند منهم قائدًا منهم، وأمرهم باللّحاق بيزيد بن عمر بن هُبيرة، وكان قبل مسيره إلى الشام وجهه في عشرين ألفًا من أهل قِنّسرين والجزيرة، وأمره أن ينزل دورين إلى أن يقدم، وصيّره مقدّمة له، وانصرف من دير أيوب إلى دمشق؛ وقد استقامت له الشام كلها ما خلا تدمر، وأمر بثابت بن نعيم وبنيه والنّفر الذين قطعهم فقتلوا وصلبوا على أبواب دمشق، قال: فرأيتُهم حين قتِلوا وصُلِبوا. قال: واستبقى رجلًا منهم يقال له عمرو بن الحارث الكلبيّ، وكان - فيما زعموا - عنده علم من أموال كان ثابت وضعها عند قوم، ومضى بمن معه، فنزل القسطل من أرض حِمْص مما يلي تدمُر؛ بينهما مسيرة ثلاثة أيام؛ وبلغه أنهم قد عَوَّروا (١) ما بينه وبينها من الآبار، وطمُّوها بالصخر؛ فهيّأ المزاد والقرب والأعلاف والإبل، فحمل ذلك له ولمن معه، فكلمه الأبرش بن الوليد وسليمان بن هشام وغيرهما، وسألوه أن يُعذِر إليهم، ويحتجّ عليهم، فأجابهم إلى ذلك، فوجّه الأبرش إليهم أخاه عمرو بن الوليد، وكتب إليهم يحذّرهم ويعلمهم أنه يتخوّف أن يكون هلاكه وهلاك قومه، فطردوه ولم يُجيبوه، فسأله الأبرش أن يأذن له في التوجّه إليهم، ويؤجله أيامًا، ففعل، فأتاهم فكلمهم وخوّفهم وأعلمهم أنهم
стр. 4314
حمقى، وأنه لا طاقة لهم به، وبمَن معه، فأجابه عامّتهم، وهرب مَنْ لم يثق به منهم إلى برّية كلب وباديتهم، وهم: السكسكيّ وعِصمة بن المقشعرّ وطفيل بن حارثة ومعاوية بن أبي سفيان بن يزيد بن معاوية، وكان صهر الأبرش على ابنته، وكتب الأبرش إلى مرْوان يعلمه ذلك، فكتب إليه مرْوان: أن اهدم حائط مدينتهم، وانصرف إليّ بمن بايعك منهم.
فانصرف إليه ومعه [من رؤوسهم الأصبغ بن ذؤالة وابنه حمزة وجماعة من رؤوسهم، وانصرف مَرْوان بهم على طريق البريّه على سورية ودير اللثق، حتى قدم الرُّصافة ومعه سليمان بن هشام وعمه سعيد بن عبد الملك وإخوته جميعًا وإبراهيم المخلوع وجماعة من ولَد الوليد وسليمان ويزيد، فأقاموا بها يومًا، ثم شخص إلى الرَّقة فاستأذنه سليمان، وسأله أن يأذن له أن يقيم أيامًا ليقوَى من معه من مواليه، ويجمّ ظهره ثم يتبعه، فأذن له ومضى مَرْوان، فنزل عند واسط على شاطئ الفرات في عسكر كان ينزله، فأقام به ثلاثة أيام، ثم مضى إلى قَرْقِيسيا وابنُ هبيرة بها، ليقدمه إلى العراق لمحاربة الضحاك بن قيس الشيبانيّ الحرُوريّ، فأقبل في نحو عشرة آلاف ممن كان مَرْوان قطع عليهم البَعْث بدير أيّوب لغزو العراق مع قوّادهم حتى حلُّوا بالرُّصافة فدعوا سليمان إلى خلع مروان ومحاربته [٧/ ٣١٢ - ٣١٦].
ويقال: إنّ عبد الله بن عمر لمّا وليّ العراق ولَّى الكوفة عبيد الله بن العباس الكنديّ، وعلى شرَطه عمر بن الغضبان بن القَبَعثري، فلم يزالا على ذلك حتى مات يزيد بن الوليد، وقام إبراهيم بن الوليد، فأقرّ ابن عمر على العراق، فولَّى ابنُ عمر أخاه عاصمًا على الكوفة، وأقرّ ابن الغضبان على شُرَطه، فلم يزالوا على ذلك حتى خرج عبد الله بن معاوية فاتّهم عمر بن الغضبان، فلما انقضى أمرُ عبد الله بن معاوية ولَّى عبدُ الله بن عمر عمرَ بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب الكوفةَ، وعلى شُرَطه الحكم بن عتيبة الأسديّ من أهل الشام، ثم عزل عمر بن عبد الحميد عن الكوفة، ثم عزل عمر بن الغضبان عن شُرَطه وولى الوليد بن حسان الغسانيّ، ثم ولّى إسماعيل بن عبد الله القسريّ وعلى شرَطه أبان بن الوليد، ثم عزل إسماعيل وولّى عبد الصمد بن أبان بن النعمان بن
стр. 4315
بشير الأنصاريّ، ثم عزله فولَّى عاصم بن عمر، فقدم عليه الضّحاك بن قيس الشيبانيّ.
ويقال: إنما قدم الضحاك وإسماعيل بن عبد الله القسريّ في القصر وعبد الله بن عمر بالحيرة وابن الحَرَشيّ بدير هند، فغلب الضحاك على الكوفة، وولّى مِلْحان بن معروف الشيبانيّ عليها، وعلى شرطه الصُّفرْ من بني حنظلة - حَروريَ - فخرج ابن الحَرشيّ يريد الشام، فعارضه مِلْحان، فقتله ابنُ الحَرَشيّ فولى الضحاك على الكوفة حسان فولَّي حسان ابنه الحارث على شرَطه.
وقال عبد الله بن عمر يرثى أخاه عاصمًا لما قتله الخوارج:
رَمَى غَرَضِي رَيْبُ الزَّمانِ فلَمْ يدَعْ ... غداةَ رَمَى للقَوْسِ في الكَفِّ مِنزَعا
رَمَى غرَضي الأَقصى فأَقصَدَ عاصِمًا ... أخًا كان لي حِرْزًا ومأْوًى ومفْزَعَا
فإنْ تكُ أحزانٌ وفائضُ عَبْرَةٍ ... أذابَتْ عبيطًا من دَم الجَوْفِ منقعَا
تَجرَّعْتُها في عاصِمٍ واحْتَسَيْتُها ... فأَعظَمُ منْها ما احْتسَى وتَجَرَّعا
فلَيْتَ المنايا كُنَّ خلَّفْنَ عاصِمًا ... فعِشْنا جَمِيعًا أوؤذَهَبْنَ بِنَا معا
وذكر أن عبد الله بن عمر يقول: بلغني أنّ عين بن عين بن عين بن عين يقتل ميم بن ميم بن ميم بن ميم، وكان يأمل أن يقتله؛ فقتله عبد الله بن عليّ بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، فذكر أن أصحاب ابن عمر لما انهزموا فلحقوا بواسط، قال لابن عمر أصحابُه: علام تقيم وقد هرب الناس! قال: أتلوّم وأنظر .. فأقام يومًا أو يومين لا يرى إلا هاربًا، وقد امتلأت قلوبهم رُعبًا من الخوارج، فأمر عند ذلك بالرَّحيل إلى واسط، وجمع خالد بن الغُزَيّل أصحابَه، فلحق بمرْوان وهو مقيم بالجزيرة، ونظر عبيد الله بن العباس الكنديّ إلى ما لقيَ الناس، فلم يأمن على نفسه، فجنح إلى الضَّحاك فبايعه؛ وكان معه في عسكره، فقال أبو عطاء السنديّ يعيّره باتباعه الضحاك، وقد قتل أخاه:
قُلْ لعُبيد اللهِ لوْ كان جَعْفَرٌ ... هو الحَيّ لم يجنحْ وأَنْتَ قَتِيلُ
ولم يتبَع المرَّاقَ والثَّأْرُ فيهمُ ... وفي كفِّه عَضْب الذُّباب صَقِيل
إلى مَعْشَرٍ أرْدَوْا أخاك وأكفَرُوا ... أباك، فماذا بعد ذاك تَقُول!
стр. 4316
- فلما بلغ عبيدَ الله بن العباس هذا البيت من قول أبي عطاء، قال أقول: أعضَّك الله ببظر أمِّك -
فلا وصلَتْك الرَّحْمُ من ذي قَرَابَةٍ ... وطالِبِ وتْر، والذَّليلُ ذَليلُ
تركتَ أخا شَيْبَانَ يَسلبُ بَزَّهُ ... ونَجَّاك خَوَّارُ العنَانِ مَطولُ
قال: فنزل ابن عمر منزلَ الحجاج بن يوسف بواسط - فيما قيل - في اليمانية ونزل النّضر وأخوه سليمان ابنا سعيد وحنظلة بن نُباتة وابناه محمد ونباتة في المضريّة ذات اليمين إذا صعدتَ من البصرة، وخلوا الكوفة والحيرة للضّحاك والشُّراة، وصارت في أيديهم وعادت الحرب بين عبد الله بن عمر والنَّضْر بن سعيد الحرَشيّ إلى ما كانت عليه قبل قدوم الضّحاك يطلب النضر أن يسلم إليه عبد الله بن عمر ولايةَ العراق بكتاب مَرْوان، ويأتِي عبد الله بن عمر واليمانية مع ابن عمر والنزارية مع النّضْر، وذلك أن جند أهل اليمن كانوا مع يزيد الناقص تعصّبًا على الوليد حيث أسلم خالد بن عبد الله القسريّ إلى يوسف بن عمر حتى قتله؛ وكانت القيسية مع مَرْوان، لأنه طلب بدم الوليد - وأخوال الوليد من قيس، ثم من ثقيف، أمّه زينب بنت محمد بن يوسف ابنة أخي الحجاج - فعادت الحرب بين ابن عمر والنّضر، ودخل الضحاك الكوفة فأقام بها، واستعمل عليها مِلْحَان الشيبانيّ في شعبان سنة سبع وعشرين ومئة، فأقبل منقضًّا في الشّراة إلى واسط، متبعًا لابن عمر والنضر، فنزل باب المِضْمار.
فلما رأى ذلك ابنُ عمر والنضرْ نكلا عن الحرب فيما بينهما، وصارت كلمتهما عليه واحدة؛ كما كانت بالكوفة؛ فجعل النضْر وقوّاده يعبرُون الجسر، فيقاتلون الضّحاك وأصحابه مع ابن عمر ثم يعودون إلى مواضعهم، ولا يقيمون مع ابن عمر؛ فلم يزالوا على ذلك: شعبان وشهر رمضان وشوال، فاقتتلوا يومًا من تلك الأيام، فاشتدّ قتالهم، فشدّ منصور بن جمهور على قائد من قوّاد الضحاك، كان عظيم القَدْر في الشُّراة، يقال له عكرمة بن شيبان، فضربه على باب القورَج، فقطعه باثنين فقتله، وبعث الضحاك قائدًا من قوّاده يدعى شوالًا من بني شيبان إلى باب الزّاب، فقال: اضرمْه عليهم نارًا، فقد طال الحصار علينا، فانطلق شوّال ومعه الخيبريّ؛ أحد بني شيبان في خيلهم، فلقيَهم عبدُ الملك بن علقمة، فقال لهم: أين تريدون؟ فقال له شوّال: نريد باب
стр. 4317
الزّاب، أمرني أمير المؤمنين بكذا وكذا، فقال: أنا معك؛ فرجع معه وهو حاسر، لا درَع عليه؛ وكان من قوّاد الضّحاك أيضًا وكان أشدّ الناس، فانتهوا إلى الباب فأضرموه، فأخرج لهم عبد الله بن عمر منصورَ بن جمهور في ستمئة فارس من كلْب، فقاتلوهم أشدّ القتال، وجعل عبد الملك بن علقمة يشدّ عليهم وهو حاصر؛ فقتل منهم عِدّة، فنظر إليه منصور بن جمهور، فغاظه صنيعه، فشدّ عليه فضربه على حبل عاتقه فقطعه حتى بلغ حَرْقفته؛ فخرّ ميتًا، وأقبلت امرأة من الخوارج شادَة؛ حتى أخذت بلجام منصور بن جمهور، فقالت: يا فاسق، أجب أمير المؤمنين، فضرب يدها - ويقال: ضرب عنان دابته فقطعه في يدها - ونجا.
فدخل المدينة الخيبريّ يريد منصورًا، فاعترض عليه ابنُ عمّ له من كلْب، فضربه الخيبريّ فقتله؛ [فقال حبيب بن خدرة مولى بني هلال]- وكان يزعم أنه من أبناء ملوك فارس - يرثي عبد الملك بن علقمة:
وقائلة وَدَمْعُ العَيْن يجري ... على روح ابن علقَمَة السَّلام
أأَدْركَكَ الحِمامُ وأنتَ سار ... وكلُّ فتىً لمصْرَعِهِ حِمام
فلا رَعشُ اليَدَيْنِ ولا هدانٌ ... ولا وكَلُ اللقاء ولا كَهَام
وما قَتْلٌ على شار بعار ... ولكن يُقْتَلُونَ وهُمْ كِرامُ
طغامُ الناسِ لَيْسَ لَهُمْ سبيلٌ ... شجاني يابن علقَمةَ الطغامُ
ثم إنّ منصورًا قال لابن عمر: ما رأيتُ في الناس مثل هؤلاء قطّ - يعني الشُّراة - فلم تحاربهم وتشغلهم عن مروان؟ أعطهم الرّضا، واجعلهم بينك وبين مرْوان، فإنك إن أعطيتهم الرّضا خلَّوْا عنا ومضْوا إلى مروان، فكان حدُّهم وبأسهم عليه، وأقمتَ أنت مستريحًا بموضعك هذا؛ فإن ظفروا بها كان ما أردْتَ وكنتَ عندهم آمنًا، وإن ظفر بهم وأردت خلافَه وقتاله قاتلته جامًّا مستريحًا؛ مع أن أمره وأمرهم سيطول، ويوسعونه شرًّا، فقال ابن عمرُ: لا تعجل حتى نتلوّم وننظر، فقال: أيّ شيء ننتظر!
فما تستطيع أن تطلع معهم ولا تستقرّ؛ وإن خرجنا لم نقم لهم، فما انتظارنا بهم ومروان في راحة، وقد كفيناه حدَّهم وشغلناهم عنه! أما أنا فخارج لاحقٌ بهم، فخرج فوقف حيال صفِّهم وناداهم: إني جانحٌ أريد أن أسلِم وأسمع كلام الله - قال: وهي محنتهم - فلحق بهم فبايعهم، وقال: قد أسلمتُ، فدعوْا له
стр. 4318
بغداء فتغدّى، ثم قال لهم: من الفارس الذي أخذ بعناني يوم الزّاب؟ يعني يوم ابن علقمة - فنادوا يا أمّ العنبر، فخرجت إليهم؛ فإذا أجمل الناس، فقالت له: أنت منصور؟ قال: نعم، قالت: قبح الله سيفك، أين ما تذكر منه! فوالله ما صنع شيئًا، ولا ترك - تعني ألّا يكون قتلها حين أخذت بعنانه فدخلت الجنة - وكان منصور لا يعلم يومئذ أنها امرأة، فقال: يا أمير المؤمنين، زَوّجنْيها، قال: إن لها زوجًا - وكانت تحت عبيدة بن سوَّار التغلبيّ - قال: ثم إنّ عبد الله بن عمر خرج إليهم في آخر شوّال فبايعه [٧/ ٣١٩ - ٣٢٣].
* * *
خبر خروج سليمان بن هشام على مروان بن محمد
وفي هذه السنة - أعني سنة سبع وعشرين ومئة - خلع سليمان بن هشام بن عبد الملك بن مروان مروان بن محمد ونصب الحرب.
* ذكر الخبر عن سبب ذلك وما جرى بينهما:
حدثني أحمد بن زهير، قال: حدّثني عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدّثني أبو هاشم مخلّد بن محمد بن صالح، قال: لما شخص مروان من الرصافة إلى الرَّقة لتوجيه ابن هبيرة إلى العراق لمحاربة الضّحاك بن قيس الشيبانيّ استأذنه سليمان بن هشام في مُقام أيام، لإجمام ظهره وإصلاح أمره؛ فأذن له. ومضى مرْوان، فأقبل نحو من عشرة آلاف ممن كان مَرْوان قطع عليه البعث بدير أيوب لغزو العراق مع قوّادهم؛ حتى جاؤوا الرُّصافة، فدعوْا سليمان إلى خَلْع مَروان ومحاربته، وقالوا: أنت أرضى منه عند أهل الشام وأوْلى بالخلافة، فاستزلّه الشيطان، فأجابهم، وخرج إليهم بإخوته وولده ومواليه، فعسكر [بهم] وسار بجمعهم إلى قِنَّسرين، فكاتب أهل الشام فانقضُّوا إليه من كلّ وجه وجند؛ وأقبل مَروان بعد أن شارف قَرْقيسيا منصرفًا إليه، وكتب إلى ابن هبيرة يأمره بالثبوت في عسكره من دورين حتى نزل معسكرَه بواسط، واجتمع مَن كان بالهَنيّ من موالي سليمان وولد هشام، فدخلوا حِصْنَ الكامل بذراريّهم فتحصّنوا فيه، وأغلقوا الأبواب دونه، فأرسل إليهم: ماذا صنعتم؟ خلعتم طاعتي ونقضتم بيعتي بعدما أعطيتموني من العهود والمواثيق! فردُّوا على رسله: إنا مع سليمان على مَن
стр. 4319
خالفه، فردّ إليهم: إنّي أحذّركم وأنذركم أن تعرضوا لأحد ممّن تبعني من جنْدي أو يناله منكم أذىً، فتحلُّوا بأنفسكم؛ ولا أمانً لكم عندي، فأرسلوا إليه: إنا سنكفّ.
ومضى مرْوان، فجعلوا يخرجون من حصنهم، فيغيرون على من اتّبعه من أخريات الناس وشذاذ الجند؛ فيسلبونهم خيولَهم وسلاحَهم، وبلغه ذلك، فتحرّق عليهم غيظًا، واجتمع إلى سليمان نحوٌ من سبعين ألفًا من أهل الشام والذّكْوانية وغيرهم، وعسكر في قرية لبني زفر يقال له خُسَاف من قِنسَّرين من أرضها، فلما دنا منه مَرْوان قدّم السكسكيّ في نحو سبعة آلاف، ووجّه مرْوان عيسى بن مسلم في نحو من عدّتهم، فالتقوْا فيما بين العسكرين، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، والتقى السكسكيّ وعيسى، وكلّ واحد منهما فارس بطل، فاطّعنا حتى تقصّفت رماحهما، ثم صارا إلى السيوف، فضرب السكسكيُّ مقدّم فرس صاحبه، فسقط لجامُه في صدره، وجال به فرسه، فاعترضه السَّكسكيّ، فضربه بالعمود فصرعه، ثم نزل إليه فأسره، وبارز فارسًا من فرسان أنطاكيَة، يقال له سلساق قائد الصّقالية، فأسره، وانهزمت مقدّمة مروان وبلغه الخبر وهو في مسيره، فمضى وطوى على تعبية، ولم ينزل حتى انتهى إلى سليمان، وقد تعبّأ له، وتهيّأ لقتاله، فلم يناظره حتى واقعه فانهزم سليمان ومَن معه، وأتْبعتهم خيوله تقتلهم وتأسرهم؛ وانتهوا إلى عسكرهم فاستباحوه، ووقف مروان مَوقِفًا، وأمر ابنيه فوقفا موقفين، ووقف كوثر صاحب شرطته في موضع، ثم أمره ألّا يأتوا بأسير إلّا قتلوه إلّا عبدًا مملوكًا، فأحصِيَ مِنْ قتلاهم يومئذ نيّف على ثلاثين ألفًا.
قال: وقُتِل إبراهيم بن سليمان أكبر ولده، وأتِي بخال لهشام بن عبد الملك يقال له خالد بن هشام المخزوميّ - وكان بادنًا كثير اللحم - فأدنِيَ إليه وهو يلْهث، فقال له: يا فاسق؛ أما كان لك في خمر المدينة وقيانها ما يكفُّك عن الخروج مع الحرّاء تقاتلني! قال: يا أمير المؤمنين، أكرهني، فأنشِدك الله والرّحم! قال: وتكذب أيضًا! كيف أكرهَك وقد خرجتَ بالقيان والزقاق والبَرابط معك في عسكره؟ فقتله. قال: وادّعى كثير من الأسَراء من الجند أنهم رقيق، فكفّ عن قتلهم، وأمر ببيعهِم فيمن يزيد مع ما بيع مما أصيب في عسكرهما (١).
стр. 4320
قال: ومضى سليمان مفلولًا حتى انتهى إلى حِمْص؛ فانضمّ إليه من أفلت ممّن كان معه، فعسكر بها، وبنى ما كان مروان أمر بهدمه من حيطانها، ووجّه مَرْوان يوم هزمه قوّادًا، وروابط في جَرِيدة خيل، وتقدّم إليهم أن يسبقوا كلَّ خبر؛ حتى يأتوا الكامل، فيحدقوا بها إلى أن يأتيهم حَنقًا عليهم فأتوهم فنزلوا عليهم، وأقبل مَرْوان نحوهم حتى نزل معسكرَه من واسط، فأرسل إليهم أن انزلوا على حكمي، فقالوا: لا حتى تؤمّننا بأجمعنا، فدلَف إليهم، ونصب عليهم المجانيق، فلما تتابعت الحجارة عليهم نزلوا على حكْمِه، فمثّل بهم واحتملهم أهل الرَّقة فآووْهم، وداووا جراحاتهم، وهلك بعضُهم وبقي أكثرهم، وكانت عِدّتِهم جميعًا نحوًا من ثلثمئة، ثم شخص إلى سليمان ومَنْ تجمّع معه بحِمْص، فلما دنا منهم اجتمعوا، فقال بعضهم لبعض: حتى متى ننهزم من مروان! هلمّوا فلنتبايع على الموت ولا نفترق بعد معاينته حتى نموت جميعًا، فمضى على ذلك من فرسانهم من قد وطّن نفسه على الموت نحو من تسعمئة، وولَّى سليمان على شَطْرهم معاوية السَّكسكيّ، وعلى الشَّطر الثاني ثُبيتًا البَهرانيّ، فتوجهوا إليه مجتمعين، على أن يبيّتوه إن أصابوا منه غِرّة، وبلغه خبرهم وما كان منهم، فتحرّز وزحف إليهم في الخنادق على احتراس وتعبية، فراموا تبييته فلم يقدروا، فتهيؤوا له وكمنوا في زيتون ظَهَر على طريقه، في قرية تسمى تَل منَّس من جبل السّماق، فخرجوا عليه وهو يسير على تعبيَة، فوضعوا السلاح فيمن معه، وانتبذ لهم، ونادى خيولَه فثابت إليه من المقدمة والمجنّبتين والسَّاقة، فقاتلوهم من لَدُن ارتفاع النهار إلى بعد العَصْر، والتقى السَّكسكِيّ وفارس من فرسان بني سليم، فاضطربا، فصرعه السُّلميّ عن فرسه، ونزل إليه، وأعانه رجل من بني تميم، فأتياه به أسيرًا وهو واقف؛ فقال: الحمد لله الذي أمكَن منك فطالما بلغت منَّا! فقال: استبقني فإني فارس العرب، قال: كذبت؛ الذي جاء بك أفرسُ منك، فأمر به فأوثق، وقتل ممّن صبر معه نحو من ستة آلاف.
قال: وأفلت ثُبَيت ومَن انهزم معه، فلما أتوْا سليمان خلف أخاه سعيد بن
стр. 4321
هشام في مدينة حِمْص، وعرف أنه لا طاقة له به، ومضى هو إلى تَدْمر، فأقام بها، ونزل مَرْوان على حِمْص، فحاصرهم بها عشرة أشهر، ونصب عليها نَيّفًا وثمانين مِنْجنيقًا، فطرح عليهم حجارتها بالليل والنهار وهم في ذلك يخرجون إليه كلّ يوم فيقاتلونه، وربما بيّتوا نواحي عسكره، وأغاروا على الموضع الذي يطمعون في إصابة العوْرة والفرضة منه.
فلما تتابع عليهم البلاء، ولزمهم الذُّلُّ سألوه أن يؤمّنهم على أن يمكنوه من سعيد بن هشام وابنْيه عثمان ومرْوان ومن رجل كان يسمى السكسكيّ، كان يغير على عسكرهم، ومن حبشيّ كان يشتمه ويفتري عليه؛ فأجابهم إلى ذلك وقبِله، وكانت قصّة الحبشي أنه كان يشرف من الحائط ويربط في ذكَرَه ذكَرَ حمار، ثم يقول: يا بني سليم، يا أولاد كذا وكذا، هذا لواؤكم! وكان يشتم مروان، فلما ظفر به دفعه إلى بني سُليم، فقطعوا مذاكيرَه، وأنفه، ومثّلوا به، وأمر بقتل المتسمّي السكسكيّ والاستيثاق من سعيد وابنيه، وأقبل متوجّهًا إلى الضحاك.
وأما غير أبي هاشم مخلّد بن محمد، فإنه ذكر من أمر سليمان بن هشام بعد انهزامِه من وقعة خُساف غير ما ذكره مخلّد؛ والذي ذكره من ذلك أن سليمان بن هشام بن عبد الملك حين هزمه مَرْوان يوم خُساف أقبل هاربًا؛ حتى صار إلى عبد الله بن عمر، فخرج مع عبد الله بن عمر إلى الضّحاك، فبايعه، وأخبر عن مروان بفسق وجور وحضّض عليه، وقال: أنا سائر معكم في مواليّ ومَن اتبعني، فسار مع الضحاك حين سار إلى مروان، فقال شُبيل بن عَزْرة الضُّبَعيّ في بيعتهم الضحاك:
ألم ترَ أنَّ الله أظهَرَ دينَهُ ... فصَلَّتْ قرَيْشٌ خَلف بَكْرِ بنِ وائِل
فصارت كلمة ابن عمر وأصحابه واحدة على النَّضر بن سعيد، فعلم أنه لا طاقة له بهم؛ فارتحل من ساعته يريد مَرْوان بالشام.
وذكر أبو عبيدة أن بَيْهسًا أخبره: لما دخل ذو القعدة سنة سبع وعشرين ومئة، استقام لمرْوان الشام ونفى عنها مَن كان يخالفه، فدعا يزيد بن عمر بن هبيرة، فوجَّهَه عاملًا على العراق، وضمّ إليه أجناد الجزيرة، فأقبل حتى نزل سعيد بن عبد الملك، وأرسل ابن عمر إلى الضَّحاك يعلمه ذلك.
стр. 4322
قال: فجعل الضّحاكَ لَنا مَيْسان وقال: إنها تكفيكم حتى ننظر عما تنجلي واستعمل ابن عمر عليها مولاه الحكم بن النعمان.
فأما أبو مخنف فإنه قال - فيما ذكر عنه هشام: إن عبد الله بن عمر صالح الضّحاك على أنّ بيد الضحاك ما كان غلب عليه من الكوفة وسوادها، وبيد ابن عمر ما كان بيده من كَسْكَر وميسان وِدَسْتميسان وكور دجلة والأهواز وفارس، فارتحل الضَّحاك حتى لقي مروان بكَفرْتوثَا من أرض الجزيرة.
وقال أبو عبيدة: تهيّأ الضّحاك ليسير إلى مَرْوان، ومضى النَّضْر يريد الشام، فنزل القادسيّة، وبلغ ذلك مِلْحان الشيبانيّ عامل الضَّحاك على الكوفة، فخرج إليه فقاتله وهو في قلَّة من الشَّراة، فقاتله فصبر حتى قتله النّضر، وقال ابن خدرة يرثيه وعبد الملك بن علقمة:
كائِنْ كمِلْحانَ مِنْ شارٍ أَخِي ثِقَةٍ ... وابْنِ علقَمَةَ المسْتَشهدِ الشارِي
من صادِقٍ كُنْتُ أُصْفِيهِ مخالَصتي ... فباعَ داري بأَعلى صَفْقَةِ الدارِ
إخوان صِدْقٍ أُرَجّيهمْ وأَخذلهُمْ ... أَشْكو إلى اللهِ خذلانِي وإِخفارِي
وبلغ الضّحاك قتل ملْحان، فاستعمل على الكوفة المثنّى بن عمران من بني عائدة، ثم سار الضَّحاك في ذي القَعْدة، فأخذ الموصل، وانحطّ ابن هبيرة من نهر سعيد حتى نزل غزّة من عين التَّمْر، وبلغ ذلك المثنّى بن عمران العائذيّ، عامل الضحاك على الكوفة، فسار إليه فيمَن معه من الشراة، ومعه منصور بن جمهور، وكان صار إليه حين بايع الضَّحاك خلافًا على مروان، فالتقوا بغَزّة، فاقتتلوا قتالًا شديدًا أيامًا متوالية؛ فقتل المثنى وعزيز وعمرو - وكانوا من رؤساء أصحاب الضحاك - وهرب منصور، وانهزمت الخوارج، فقال مسلم حاجب يزيد:
أَرَتْ للمثنَّى يومَ غزَّةَ حَتفَهُ ... وأذرَتْ عُزَيرًا بينَ تلكَ الجَنادل
وعمرًا أزارَتْهُ المنيَّةَ بَعْدَ ما ... أَطافَتْ بمْنصُورٍ كِفاتُ الحَبائِل
وقال غَيْلان بن حُرَيث في مدحه ابن هبيرة:
نصرْتَ يَومَ العَيْنِ إذ لقيتا ... كنَصْر داودٍ على جالُوتا
فلما قتل منهم مَنْ قتل في يوم العين، وهرب منصور بن جمهور، أقبل
стр. 4323
لا يلوي حتى دخل الكوفة، فجمع بها جَمْعًا من اليمانية والصُفْريَّة ومَن كان تفرّق منهم يوم قتل مَلْحان ومَنْ تخلف منهم عن الضحاك، فجمعهم منصور جميعًا، ثم سار بهم حتى نزل الرَّوْحاء، وأقبل ابن هبيرة في أجْنادِه حتى لقيَهم، فقاتلهم أيامًا ثم هزمهم، وقتِل البرذَوْن بن مرزوق الشيبانيّ، وهرب منصور ففي ذلك يقول غيلان بن حُرَيث:
ويَوم رَوْحاء العُذَيْبِ دفَّفُوا ... على ابنِ مرزُوقٍ سَمَامٌ مُزْعِفُ
قال: وأقبل ابن هبيرة حتى نزل الكوفة ونفى عنها الخوارج، وبلغ الضَّحاك ما لقي أصحابه، فدعا عبيدة بن سوّار التغلبيّ، فوجَّهه إليهم، وانحط ابن هبيرة يريد واسطًا وعبد الله بن عمر بها، وولى على الكوفة عبد الرحمن بن بشير العجليّ، وأقبل عبيدة بن سوّار مغذًّا في فرسان أصحابه، حتى نزل الصرّاة، ولحق به منصور بن جمهور؛ وبلغ ذلك ابن هبيرة فسار إليهم فالتقوا بالصرّاة في سنة سبع وعشرين ومئة.
* * *
وفي هذه السنة توجّه سليمان بن كثير ولاهز بن قُرَيظة وقحطبة بن شبيب - فيما ذكر - إلى مكة، فلقوا إبراهيم بن محمد الإمام بها، وأعلموه أن معهم عشرين ألف دينار ومئتي ألف درهم ومسْكًا ومتاعًا كثيرًا، فأمرهم بدفع ذلك إلى ابن عورة مولى محمد بن عليّ، وكانوا قدموا معهم بأبي مسلم ذلك العام، فقال ابن كثير لإبراهيم بن محمد: إنّ هذا مولاك.
وفيها كتب بكير بن ماهان إلى إبراهيم بن محمد يخبره أنه في أول يوم من أيام الآخرة، وآخر يوم من أيام الدنيا، وأنه قد استخلف حفص بن سليمان، وهو رضًا للأمر، وكتب إبراهيم إلى أبي سلمة يأمره بالقيام بأمر أصحابه؛ وكتب إلى أهل خراسان يخبرهم أنه قد أسند أمرهم إليه، ومضى أبو سلَمة إلى خراسان فصدّقوه، وقبلوا أمره، ودفعوا إليه ما اجتمع قبَلهم من نَفَقات الشيعة وخمس أموالهم [٧/ ٣٢٣ - ٣٢٩].
ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومئة
* ذكر الخبر عن مقتله وسبب ذلك:
قد مضى ذكر كتاب يزيد بن الوليد للحارث بأمانه، وخروج الحارث من بلاد
стр. 4324
الترك إلى خراسان ومصيره إلى نصر بن سيار، وما كان من نَصْر إليه، واجتماع مَن اجتمع إلى الحارث مستجيبين له، فذكر عليّ بن محمد عن شيوخه، أنَّ ابن هبيرة لما وَليَ العراق كتب إلى نصر بعهْده، فبايع لمرْوان، فقال الحارث: إنما آمنني يزيد بن الوليد، ومَرْوان لا يُجيز أمانَ يزيد، فلا آمنه، فدعا إلى البيْعة، فشتَم أبو السليل مَرْوانَ، فلما دعا الحارث إلى البَيْعة أتاه سلْم بن أحوز وخالد بن هرَيم وقَطَن بن محمد وعبّاد بن الأبرد بن قرّة وحمّاد بن عامر، وكلموه وقالوا له: لِمَ يصيّر نصرٌ سلطانَه وولايته في أيدي قومك؟ ألم يخرجك من أرض الترك ومن حكم خاقان! وإنما أتى بك لئلا يجترئ عليك عدوّك فخالفتَه، وفارقتَ أمر عشيرتك، وأطمَعْت فيهم عدوّهم، فنذكِّرك الله أن تفرّق جماعتنا! فقال الحارث: إنَّي لأرى في يدي الكرمانيّ ولاية، والأمر في يد نصر، فلم يجبْهم بما أرادوا، وخرج إلى حائط لحمزة بن أبي صالح السلميّ بإزاء قصر بخاراخذاه، فعسكر وأرسل إلى نصر، فقال له: اجعل الأمر شورى، فأبى نصر، فخرج الحارث فأتى منازل يعقوب بن داود، وأمر جَهْم بن صَفْوان، مولى بني راسب، فقرأ كتابًا سيَّر فيه الحارث على الناس، فانصرفوا يكبِّرون، وأرسل الحارث إلى نصر: اعزل سلْم بن أحوز عن شُرَطك، واستعمل بشر بن بسْطام البِرْجميِّ، فوقع بينه وبين مغلس بن زياد كلام، فتفرقت قيس وتميم، فعزله، واستعمل إبراهيم بن عبد الرحمن، واختاروا رجالًا يسمون لهم قومًا يعملون بكتاب الله، فاختار نصر مقاتلَ بن سليمان ومقاتل بن حَيان، واختار الحارث المغيرةَ بن شعبة الجَهْضميّ ومعاذ بن جَبلة، وأمر نصرٌ كاتبه أن يكتب ما يرضوْن من السُّنَن، وما يختارونه من العمال، فيولِّيَهم الثَّغرين؛ ثغر سَمَرْقند وطخارستان، ويكتب إلى مَن عليهما ما يرضونه من السير والسنَن.
فاستأذن سلْم بن أحوز نصرًا في الفتك بالحارث، فأبى وولّى إبراهيم الصائغ، وكان يوجّه ابنه إسحاق بالفيروزج إلى مَرو، وكان الحارث يظهر أنه صاحب الرّايات السود؛ فأرسل إليه نصر: إن كنتَ كما تزعم، وأنكم تهدمِون سور دمشق، وتزِيلون أمر بني أميَّة، فخذْ مني خمسمئة رأس ومئتي بعير، واحمل من الأموال ما شئتَ وآلة الحرب وسرْ؛ فلعمري لئن كنتَ صاحب ما ذكرت إني لفي يدك؛ وإن كنت لستَ ذلك فقد أهلكتَ عشيرتك، فقال
стр. 4325
الحارث: قد علمتُ أن هذا حقٌ، ولكن لا يبايعني عليه مَنْ صحبني، فقال نصر: فقد استبان أنهم ليسوا على رأيك، ولا لهم مثلُ بصيرتك، وأنهم هم فساق ورَعاع، فأذكرك الله في عشرين ألفًا من ربيعة واليمن سيَهْلكون فيما - بينكم، وعرض نصر على الحارث أن يولّيَه ما وراء النهر، ويعطيَه ثلثمئة ألف؛ فلم يقبل؛ فقال له نصر: فإن شئت فابدأ بالكرْمانيّ فإن قتلتَه فأنا في طاعتك، وإن شئت فخلِّ بيني وبينه؛ فإن ظفرتُ به رأتحط رأيك، وإن شئتَ فسرْ بأصحابك؛ فإذا جزت الرّيّ فأنا في طاعتك.
قال: ثم تناظر الحارث ونصر، فتراضيا أن يحكم بينهم مقاتل بن حيَان وجَهْم بن صفوان، فحكما بأن يعتزل نصر، ويكون الأمر شورى، فلم يقبل نصر، وكان جَهْم يقصّ في بيته في عسكر الحارث، وخالف الحارث نصرًا، ففرض نصر لقومه من بني سلمة وغيرهم، وصيّر سَلْمًا في المدينة في منزل ابن سوّار، وضمّ إليه الرَّابطة وإلى هدبة بن عامر الشعراويّ فرسًا، وصيَّره في المدينة، واستعمل على المدينة عبد السلام بن يزيد بن حيّان السُّلميّ، وحوَّل السلاح والدّواوين إلى القهندز، واتَّهم قومًا من أصحابه أنهم كاتبوا الحارث، فأجلس عن يساره مَن اتّبعهم ممن لا بلاء له عنده، وأجلس الّذَين ولَّاهم واصطنعهم عن يمينه؛ ثم تكلم وذكر بني مَرْوان ومَن خرج عليهم؛ كيف أظفر الله به؛ ثم قال: أحمدُ الله وأذمُّ مَن على يساري؛ وليتُ خراسان فكنتَ يا يونس بن عبد ربّه ممن أراد الهرب من كلف مؤونات مَرْو، وأنت وأهل بيتك ممن أراد أسد بن عبد الله أن يختم أعناقهم، ويجعلهم في الرّجالة، فوليتكم إذ وليتكم واصطنعتكم وأمرتكم أن ترفعوا ما أصبتم إذا أردتُ المسير إلى الوليد، فمنكم مَنْ رفع ألف ألف وأكثر وأقلّ، ثم ملأتم الحارث عليّ، فهلّا نظرتم إلى هؤلاء الأحرار الذين لزموني مؤاسين على غير بلاء! وأشار إلى هؤلاء الذين عن يمينه، فاعتذر القوم إليه، فقبل عذرهم.
وقدم على نصر من كورخراسان حين بلغهم ما صار إليه من الفتنة جماعةٌ؛ منهم عاصم بن عمير الصُّريميّ وأبو الذيّال الناجيّ وعمرو الفادوسبان السُّغدْيّ البخاريّ وحسان بن خالد الأسديّ من طُخارستان في فوارس، وعَقيل بن معْقل الليثيّ ومسلم بن عبد الرحمن بن مسلم وسعد الصَّغير في فرسان.
стр. 4326
وكتب الحارث بن سريج سيرته، فكانت تقرأ في طريق مَرْو والمساجد فأجابه قوم كثير؛ فقرأ رجل كتابه على باب نصر بماجان، فضربه غلمان نصر، فنابذه (١) الحارث، فأتى نصرًا هبيرة بن شرَاحيل ويزيد أبو خالد، فأعلماه، فدعا الحسن بن سعد مولى قريش، فأمره فنادى: إن الحارث بن سريج عدوّ الله قد نابذ وحارب، فاستعينوا الله ولا حوْل ولا قوّة إلا بالله.
وأرسل من ليلته عاصم بن عمير إلى الحارث، وقال لخالد بن عبد الرحمن: ما نفعل شعارَنا غدًا؟ فقال مقاتل بن سليمان: إن الله بعث نبيًّا فقاتل عدوًّا له، فكان شعاره "حم لا ينْصَرون"، فكان شعارهم "حم لا ينصرون"، وعلامتهم على الرّماح الصوف.
وكان سلْم بن أحْوَز وعاصم بن عُمير وقَطَن وعَقِيل بن معقل ومسلم بن عبد الرحمن وسعيد الصغير وعامر بن مالك والجماعة في طرف الطخارّية ويحيى بن حُضَين وربيعة في البخارييّن، ودلّ رجل من أهل مدينة مَرْو الحارث على نَقْب في الحائط، فمضى الحارث فنقَب الحائط، فدخلوا المدينة من ناحية باب بالين وهم خمسون، ونادوْا: يا منصور - بشعار الحارث - وأتوا باب نِيق، فقاتلهم جَهْم بن مسعود الناجيّ، فحمل رجل على جَهْم فطعنه في فيه فقتله، ثم خرجوا من باب نِيق حتى أتوا قبة سلْم بن أحوز فقاتلهم عصْمة بن عبد الله الأسديّ وخضِر بن خالد والأبرد بن داود من آل الأبرد بن قرّة، وعلى باب بالين حازم بن حاتم، فقتلوا كلّ من كان يحرسه، وانتهبوا منزلَ ابن أحوز ومنزل قُدَيد بن منيع؛ ونهاهم الحارث أن ينتهبوا منزل ابن أحوز ومنزل قُدَيد بن مَنِيع ومنزل إبراهيم وعيسى ابني عبد الله السلميّ إلا الدوابّ والسلاح، وذلك ليلة الإثنين لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة.
قال: وأتى نصرًا رسولُ سلْم يخبره دنوّ الحارث منه، وأرسل إليه: أخّرْه حتى نصبح، ثم بعث إليه أيضًا محمد بن قَطَن بن عمران الأسديّ، أنه قد خرج عليه عامّة أصحابه، فأرسل إليه: لا تبدأهم.
стр. 4327
وكان الذي أهاج القتال، أنّ غلامًا للنَّضْر بن محمد الفقيه يقال له عطية، صار إلى أصحاب سَلْم، فقال أصحاب الحارث: رُدُّوه إلينا، فأبوْا، فاقتتلوا، فرمى غلامًا لعاصم في عينه فمات؛ فقاتلهم ومعه عَقِيل بن مَعْقِل فهزمهم، فانتهوْا إلى الحارث وهو يصليّ الغداةَ في مسجد أبي بَكرْة، مولى بني تميم؛ فلما قضى الصلاة دنا منهم، فرجعوا حتى صاروا إلى طَرف الطُخارِيَّة، فدنا منه رجلان، فناداهما عاصم: عَرْقِبا بِرْذونه؛ فضرب الحارث أحَدهما بعَموده فقتله، ورجع الحارث إلى سكة السُّغد، فرأى أعينَ مولى حيّان، فنهاه عن القتال، فقاتل فقتل، وعَدَل في سكة بني عصمة، فأتبعه حماد بن عامر الحمانيّ ومحمد بن زُرعة، فكسر رمحيْهما، وحملِ على مرزوق مولَى سَلْم؛ فلما دنا منه رمى به فرسه؛ فدخل حانوتًا، وضرب بِرْذَوْنه على مؤخّره فنفق. قال: وركب سلْم حين أصبح إلى باب نيق، فأمرهم بالخندق، فخندقوا وأمر مناديًا، فنادى: مَن جاء برأس فله ثلثمئة، فلم تطلع الشمس حتى انهزم الحارث، وقاتلهم الليل كله، فلما أصبحنا أخذ أصحاب نصر على الرزيق، فأدركوا عبد الله بن مجّاعة بن سعد، فقتلوه، وانتهى سلْم إلى عسكر الحارث؛ وانصرف إلى نَصْر فنهاه نصر، فقال: لست منتهيًا حتى أدخل المدينة على هذا الدبُّوسيّ؛ فمضى معه محمد بن قَطَن وعبيد الله بن بسام إلى باب دَرْسنْكان - وهو القهندز - فوجده مردومًا، فصعِد عبد الله بن مَزْيَد الأسديّ السور ومعه ثلاثة، ففتحوا الباب، ودخل بن أحْوَز، ووكّل بالباب أبا مطهّر حرب بن سليمان، فقتِل سلم يومئذ كاتب الحارث بن سرَيج، واسمه يزيد بن داود، وأتى عبد ربه ابن سِيسن فقتَله، ومضى سلْم إلى باب نِيق ففتحه، وقتل رجلًا من الجزّارين كان دلّ الحارث على النَّقْب؛ فقال المنذر الرقاشيّ ابن عمّ يحيى بن حضين، يذكر صبر القاسم الشيبانيّ:
ما قاتَلَ القومَ منكُمْ غَيْرُ صاحِبنا .. في عُصْبَةٍ قاتلوا صَبرًا فما ذُعِرُوا
هُمْ قاتلوا عِندَ بابِ الحصنِ ما وَهَنُوا ... حتى أتاهُمْ غِياثُ اللهِ فانتَصرُوا
فقاسِمٌ بَعدَ أَمْرِ اللهِ أحرَزَها ... وأنتَ في معزلٍ عن ذاكَ مقتَصِرُ
ويقال: لما غلظ أمر الكرمانيّ والحارث أرسل نَصْر إلى الكرمانيّ، فأتاه على عهد، وحضرهم محمد بن ثابت القاضي ومقدام بن نعيم أخو عبد الرحمن بن
стр. 4328
نعيم الغامديّ وسلْم بن أحْوز، فدعا نصرٌ إلى الجماعة، فقال للكرْمانيّ: أنت أسعدُ الناس بذلك؛ فوقع بين سَلْم بن أحوْزَ والمقدام كلام؛ فأغلظ له سَلْم، فأعانه عليه أخوه، وغضِب لهما السُّغديّ بن عبد الرحمن الحزْميّ، فقال سلْم: لقد هممتُ أن أضربَ أنفك بالسيف، فقال السُّغديّ: لو مسستَ السَّيْف لم ترجع إليك يدُك، فخاف الكرماني أن يكون مكرًا من نصْر، فقام وتعلقوا به، فلم يجلس، وعاد إلى باب المقصورة.
قال: فتلقّوْه بفرسه، فركب في المسجد، وقال نصر: أراد الغدر بي، وأرسل الحارث إلى نصر: إنا لا نرضى بك إمامًا، فأرسل إليه نصر: كيف يكون لك عقل، وقد أفنيتَ عمرك في أرض الشرْك وغزوتَ المسلمين بالمشركين!
أتراني أتضرَّع إليك أكثر مما تضرَّعت! قال: فأسِر يومئذ جَهْم بن صفوان صاحب الجَهميّة، فقال لسلم: إن لي ولْثًا من ابنك حارث؛ قال: ما كان ينبغي له أن يفعل؛ ولو فعل ما آمنتك، ولو ملأت هذه الملاءة كواكبَ، وأبرأك إليّ عيسى ابن مريم ما نجوتَ؛ والله لو كنتَ في بطني لشققتُ بطني حتى أقتلَك؛ والله لا يقوم علينا مع اليمانية أكثر مما قمتَ؛ وأمر عبد ربّه بن سِيَسن فقتله، فقال الناس: قتِل أبو محِرز - وكان جَهْم يكنى أبا محرز.
وأسِر يومئذ هبيرة بن شراحيل وعبد الله بن مجّاعة فقال: لا أبقى الله من استبقاكما؛ وإن كنتما من تميم. ويقال: بل قُتل هبيرة، لحقَتْهُ الخيل عند دار قدَيد بن منيع فقتِل، قال: ولما هَزم نصر الحارثَ، بعث الحارث ابنَه حاتمًا إلى الكرمانيّ، فقال له محمد بن المثنّى: هما عدوّاك، دعهما يضطربان؛ فبعث الكرمانيّ السُّغديّ بن عبد الرحمن الحزْميّ معه، فدخل السُّغديّ المدينة من ناحية باب ميخان، فأتاه الحارث، فدخل فازة (١) الكِرْمانيّ، ومع الكِرْمانيّ داود بن شعيب الجدّانيّ ومحمد بن المثنى، فأقيمت الصلاة، فصلى بهم الكرمانيّ، ثم ركب الحارث، فسار معه جماعة بن محمد بن عزيز أبو خلف، فلمّا كان الغد سار الكِرمانيّ إلى باب ميدان يزيد، فقاتل أصحابَ نصر، فقتِل سعد بن سَلْم المراغيّ، وأخذوا عَلم عثمان بن الكرمانيّ؛ فأوّل من أتى الكرمانيّ
стр. 4329
بهزيمة الحارث وهو معسكر بباب ماسَرْجَسَان على فرسخ من المدينة النَّضْر بن غلّاق السُّغديّ وعبد الواحد بن المنخَّل، ثم أتاه سوادة بن سريج، [وحاتم بن الحارث والخليل بن غزوان العذريّ، أتوه ببيعة الحارث بن سريج].
وأول من بايع الكرمانيَّ يحيى بن نعيم بن هبيرة الشيبانيّ، فوجه الكرمانيّ إلى الحارث بن سريج سورة بن محمد الكندي [إلى أسمانير] والسغديَّ بن عبد الرحمن أبا طعمة وَصْعبًا أو صُعيبًا، وصبّاحًا، فدخلوا المدينة من باب ميخان، حتى أتوْا باب ركَك، وأقبل الكِرمانيّ إلى باب حَرْب بن عامر، ووجّه أصحابه إلى نصر يوم الأربعاء، فترامَوْا ثم تحاجزوا، ولم يكن بينهم يوم الخميس قتال، قال: والتقوْا يوم الجمعة، فانهزمت الأزْد؛ حتى وصلوا إلى الكِرمانيّ، فأخذ اللواء بيده فقاتل به، وحمل الخَضر بن تميم وعليه تجْفافٌ، فرموْه بالنّشاب، وحمل عليه حبيش مولى نَصْر فطعنه في حَلْقه، فأخذ الخضر السّنَان بشماله من خلفه؛ فشبَّ به فرسه، وحمل فطعن حبيشًا فأذراه عن بِرْذونه، فقتله رجَّالة الكِرمانيَ بالعصيِّ.
قال: وانهزم أصحابُ نصر، وأخذوا لهم ثمانين فرسًا، وصرع تميم بن نصر، فأخذوا له برذَوْنين؛ أخذ أحدهما السُّغديَ بن عبد الرحمن، وأخذ الآخر الخَضِر، ولحق الخضر بسلم بن أحوْز، فتناول من ابن أخيه عمودًا فضربه فصرَعه، فحمل عليه رجلان من بني تميم فهرب، فرمى سَلْم بنفسه تحت القناطر وبه بضمع عشرة ضربة على بَيْضته فسقط، فحمله محمد بن الحدَّاد إلى عسكر نصر، وانصرفوا، فلما كان في بعض الليالي خرج نصر من مَرْو، وقُتِل عصمة بن عبد الله الأسديّ، وكان يحمي أصحاب نصر؛ فأدركه صالح بن القعقاع الأزديّ، فقال له عصمة: تقدّم يا مَزُونيّ، فقال صالح: أثبت يا خصيُّ - وكان عقيمًا - فعطَف فرسه فشبَّ فسقط، فطعنه صالح فقتله.
وقاتل ابن الديليمريّ، وهو يرتجز؛ فقتِل إلى جنب عصْمة، وقتل عبيد الله بن حوتمة السلميّ، رمى مروان البهرانيّ بجرُزة، فقتل؛ فأتي الكرمانيّ برأسه فاسترجع - وكان له صديقَّا - وأخذ رجل يماني بعنان فرس مسلم بن عبد الرحمن بن مسلم فعرفه فتركه، واقتتلوا ثلاثة أيام، فهزمت آخرَ يوم المضرّيةُ اليمن، فنادى الخليل بن غزوان: يا معشرَ ربيعة واليمن؛ قد دخل
стр. 4330
الحارثُ السوق، وقتِل ابن الأقطع؛ ففتّ في أعضاد المضرّية، وكان أوّل من انهزم إبراهيم بن بسام الليثيّ، وترجّل تميم بن نصر، فأخذ برذَوْنه عبد الرحمن بن جامع الكنديّ، وقتلوا هَيَّاجًا الكلبيّ ولقيط بن أخضر؛ قتله غلام لهانئ البزّار.
قال: ويقال: لما كان يوم الجمعة تأهبَّوا للقتال، وهدموا الحيطان ليتَّسع لهم الموضع، فبعث نصر محمد بن قطن إلى الكرمانيّ: إنك لست مثل هذا الدبّوسيّ، فاتق الله، لا تشرع في الفتنة، قال: وبعث تميم بن نصر شاكريّته، وهم في دار الجَنوب بنت القعقاع؛ فرماهم أصحاب الكرمانيّ من السطوح ونذروا بهم، فقال عقيل بن معقِل لمحمد بن المثنَّى: علامَ نقتل أنفسنا لنصر والكرمانيّ! هلمّ نرجع إلى بلدنا بطَخارستان، فقال محمد: إن نصرًا لم يفِ لنا، فلسنا ندعَ حربه، وكان أصحاب الحارث والكرمانيّ يرمون نصرًا وأصحابه بعرّادة فضُرب سرادقه وهو فيه فلم يحوّله، فوجه إليهم سلْم بن أحوز فقاتلهم؛ فكان أوّل الظَّفرَ لنصر، فلما رأى الكرمانيّ ذلك أخذ لواءه من محمد بن محمد بن عَميرة، فقاتل به حتى كَسَره، وأخذ محمد بن المثنى والزّاغ وحِطَّان في كارابكل، حتى خرجوا على الرّزيق، وتميم بن نصر على قنطرة النهر، فقال محمد بن المثنى لتميم حين انتهى إليه: تنحّ يا صبيّ، وحمل محمد والزاغ معه راية صفراء، فصرعوا أعين مولى نصر، وقتلوه؛ وكان صاحب دواة نصر، وقتلوا نفرًا من شاكريّتِه وحمل الخضر بن تميم على سلْم بن أحوَز فطعنه، فمال السنان، فضربه بجُرْز على صدره وأخرى على منكبه؛ وضربه على رأسه فسقط، وحمى نصر أصحابه في ثمانية، فمنعهم من دخول السوق.
قال: ولما هزَمت اليمانيَة مُضَر، أرسل الحارث إلى نصر: إن اليمانيَة يعيّرونني بانهزامكم؛ وأنا كافّ؛ فاجعل حماة أصحابك بإزاء الكرْمانيّ، فبعث إليه نصر يزيد النحويّ أو خالدًا يتوثّق منه؛ أن يفيَ له بما أعطاه من الكفّ.
ويقال: إنما كفّ الحارث عن قتال نَصْر أن عمران بن الفضل الأزديّ وأهل بيته وعبد الجبار العدويّ وخالد بن عبيد الله بن حبيب العدويّ وعامة أصحابه نقِموا على الكِرماني فعلمه بأهل التبوشكان؛ وذلك أن أسدًا وجّهه [إليهم]، فنزلوا على حكْم أسد، فبَقر بطون خمسين رجلًا وألقاهم في نهر بَلْخ، وقطع
стр. 4331
أيدي ثلثمئة منهم وأرجلهم وصلب ثلاثةً، وباع أثقالهم فيمن يزيد، فنقِموا على الحارث عَوْنه الكرمانيّ، وقتاله نصرًا، فقال نصرٌ لأصحابه حين تغير الأمر بينه وبين الحارث: إن مُضَرَ، لا تجتمع لي ما كان الحارث مع الكرمانيّ؛ لا يتفقان على أمر، فالرأي تركهما؛ فإنهما يختلفان، وخرج إلى جُلْفرَ فيجد عبد الجبار الأحول العدويّ وعمر بن أبي الهيثم الصغديّ، فقال لهما: أيسعكما المقام مع الكرمانيّ؟ فقال عبد الجبار: وأنت فلا عدمت آسيًا؛ ما أحلك هذا المحلّ!
فلما رجع نصر إلى مَرْو أمر به فضرب أربعمئة سوط، ومضى نصر إلى خَرَق، فأقام أربعة أيام بها، ومعه مسلم بن عبد الرحمن بن مسلم وسلم بن أحْوَز وسنان الأعرابيّ، فقال نصر لنسائه: إنّ الحارث سيخلفني فيكنّ ويحميكنّ، فلما قرب من نيسابور أرسلوا إليه: ما أقدمك، وقد أظهرت من العصبية أمرًا قد كان الله أطفأه؟ وكان عامل نصر على نَيْسابور ضرار بن عيسى العامريّ، فأرسل إليه نصر بن سيار سنانًا الأعرابيّ ومسلم بن عبد الرحمن وسلم بن أحْوَز، فكلموهم فخرجوا، فتلقوْا نصرًا بالمواكب والجواري والهدايا، فقال سلم: جعلني الله فداك! هذا الحىّ من قيس؛ فإنما كانت عاتبة، فقال نصر:
أنَا ابْنُ خِنْدِفَ تنميني قبائِلُهَا ... للصالحات وعمِّي قيسُ عَيْلانا
وأقام عند نصر حين خرج من مَرْو يونس بن عبد ربّه ومحمد بن قَطَن وخالد بن عبد الرحمن في نظرائهم.
قال: وتقدّم عبّاد بن عمر الأزديّ وعبد الحكيم بن سعيد العَوْذيّ وأبو جعفر عيسى بن جرز على نَصْر من مكة بأبر شهر، فقال نصر لعبد الحكيم: أما ترى ما صنع سفهاء قومك؟ فقال عبد الحكيم: بل سفهاء قومك؛ طالت ولايتها في ولايتك، وصيّرت الولاية لقومك دون ربيعة واليمن فبطروا، وفي ربيعة واليمن حلماء وسُفهاء فغلب السفهاء الحكماء، فقال عبّاد: أتستقبل الأمير بهذا الكلام! قال: دَعْه فقد صدق، فقال أبو جعفر عيسى بن جرز - وهو من أهل قرية على نهر مَرْو: أيها الأمير، حسبك من هذه الأمور والولاية، قإنه قد أطلّ أمرٌ عظيم، سيقوم رجل مجهول النسب يُظهر السواد، ويدعو إلى دوْلة تكون، فيغلب على الأمر وأنتم تنظرون وتضطربون، فقال نصر: ما أشبه أن يكون لقلة الوفاء، واستجراح الناس، وسوء ذات البين، وجّهتُ إلى الحارث وهو بأرض الترك،
стр. 4332
فعرضتُ عليه الولاية والأموال فأبى وشغب، وظاهر عليّ، فقال أبو جعفر عيسى: إن الحارث مقتول مصلوب، وما الكرمانيّ من ذلك ببعيد، فوصله نصر، قال: وكان سَلْم بن أحوز يقول: ما رأيت قومًا أكرم إجابةً، ولا أبذل لدمائهم من قيس.
قال: فلما خرج نصر من مَرْو غلب عليها الكرمانيّ، وقال للحارث: إنما أريد كتاب الله، فقال قحطبة: لو كان صادقًا لأمددتُه ألف عنان، فقال مقاتل بن حيّان: أفي كتاب الله هدمُ الدور وانتهاب الأموال! فحبسه الكرمانيّ في خَيمة في العسكر، فكلّمه معمّر بن مقاتل بن حيّان - أو معمر بن حيان - فخلاه، فأتى الكرمانيّ المسجدَ، ووقف الحارث، فخطب الكرمانيّ الناس، وآمنهم غير محمد بن الزبير ورجل آخر، فاستأمن لابن الزبير داود بن أبي داود بن يعقوب، ودخل الكاتب فآمنه؛ ومضى الحارث إلى باب دوران وسَرخس، وعَسْكر الكرمانيّ في مصلّى أسد، وبعث إلى الحارث فأتاه، فأنكر الحارث هَدْم الدُّور وانتهاب الأموال، فهمّ الكرمانيّ به، ثم كفّ عنه، فأقام أيامًا، وخرج بشر بن جرموز الضبيّ بخَرقان، فدعا إلى الكمَاب والسنّة، وقال للحارث: إنما قاتلت معك طلبَ العدل، فأمّا إذْ كنتَ مع الكرمانيّ، فقد علمتُ أنك إنما تقاتل ليقال: غلب الحارث! وهؤلاء يقاتلون عصبيّة، فلستُ مقاتلًا معك، واعتزل في خمسة آلاف وخمسمئة - ويقال في أربعة آلاف - وقال: نحن الفئة العادلة، ندعو إلى الحقّ ولا نقاتل إلّا مَن يقاتلنا، وأتى الحارث مسجد عياض، فأرسل إلى الكرمانيّ يدعوه إلى أن يكون الأمر شورى، فأبى الكرمانيّ، وبعث الحارث ابنه محمدًا فحمل ثقله من دار تميم بن نصر، فكتب نصر إلى عشيرته ومُضر؛ أن الزموا الحارث مناصحةً فأتوه؛ فقال الحارث: إنكم أصلُ العرب وفرعها، وأنتم قريب عهد بالهزيمة، فاخرجوا إليّ بالأثقال، فقالوا: لم نكن نرضى بشيء دون لقائه، وكان من مدبّري عسكر الكِرمانيّ مقاتل بن سليمان، فأتاه رجل من البُخاريّين، فقال: أعطني أجر المِنجنيق التي نصبتها، فقال: أقم البيّنة أنك نصبتَها من منفعة المسلمين، فشهد له شيبة بن شيخ الأزدي، فأمر مقاتل فصُكّ له إلى بيت المال، قال: فكتب أصحاب الحارث إلى الكِرْمانيّ: نوصيكم بتقوى الله وطاعته وإيثار أئمة الهدى وتحريم ما حرّم الله من دمائكم؛ فإن الله جعل
стр. 4333
اجتماعَنا كان إلى الحارث ابتغَاء الوسيلة إلى الله، ونصيحةً في عباده، فعرّضنا أنفسنا للحرب ودماءنا للسفك وأموالنا للتلف، فصغُر ذلك كله عندنا في جنْب ما نرجو من ثواب الله؛ ونحن وأنتم إخوان في الدين وأنصار على العدوّ، فاتقوا الله وراجعوا الحقّ، فإنا لا نريد سفك الدماء بغير حلها.
فأقاموا أيامًا، فأتى الحارث بن سُريج الحائط فثلَم فيه ثلمة ناحية نوبان عند دار هشام بن أبي الهيثم، فتفرّق عن الحارث أهلُ البصائر، وقالوا: غدرت، فأقام القاسم الشيبانيّ وربيع التيميّ في جماعة، ودخل الكرمانيّ من باب سرخس، فحاذى الحارث، ومرّ المنخّل بن عمرو الأزديّ فقتله السَّميدع؛ أحد بني العَدوِيّة، ونادى: يا لثارات لَقِيط! واقتتلوا وجعل الكرمانيّ على ميمنته داود بن شعيب وإخوته: خالدًا ومزيَدًا والمهلب، وعلى ميسرته سورة بن محمد بن عزيز الكِنديّ، في كندة وربيعة، فاشتدّ الأمر بينهم، فانهزم أصحابُ الحارث، وقُتلوا ما بين الثلمة وعسكر الحارث، والحارث على بَغْل فنزل عنه، وركب فرسًا فضربه، فجرى وانهزم أصحابُه، فبقي في أصحابه، فقتِل عند شجرة، وقُتل أخوه سوادة وبشر بن جُرْموز وقَطن بن المغيرة بن عجرد، وكَفّ الكرمانيّ وقُتل مع الحارث مئة، وقُتل من أصحاب الكِرمانيّ مئة، وصُلب الحارث عند مدينة مَرْو بغير رأس.
وكان قُتل بعد خروج نصر من مَرو بثلاثين يومًا، قُتل يومَ الأحد لستّ بقين من رَجب، وكان يقال: إن الحارث يُقتل تحت زيتونة أو شجرة غُبَيْراءَ.
فقتل كذلك سنة ثمان وعشرين ومئة، وأصاب الكِرمانيّ صفائح ذهب للحارث فأخذها وحبس أمّ ولده ثم خلّى عنها، وكانمت عند حاجب بن عمرو بن سلمة بن سكن بن جون بن دبيب، قال: وأخذ أموال مَنْ خرج مع نصر، واصطفى متاع عاصم بن عمير، فقال إبراهيم: بِمَ تستحل ماله؟ فقال صالح من آل الوضاح: اسقِني دمه، فحال بينه وبينه مقاتل بن سليمان، فأتى به منزله. [٧/ ٣٣٠ - ٣٤١].
وقالت أم كثير الضبيّة:
لا بارَكَ اللهُ في أُنثى وعذَّبَها ... تزَوَّجتْ مضَريًّا آخِرَ الدهرِ
أبْلغْ رجالَ تميمٍ قَولَ مُوجَعَةٍ ... أحلَلتُمُوها بدار الذلِّ والفقر
стр. 4334
إنْ أنتمُ لَمْ تكرُّوا بَعْدَ جَوْلتِكُمْ ... حتَى تُعِيدُوا رِجالَ الأَزْدِ في الظَّهْر
إنِّي استَحَيْتُ لَكُمْ من بَذْلِ طاعَتِكُمُ ... هذا المَزُونيَّ يَجْبيكُم على قَهْر
وقال عبّاد بن الحارث:
ألا يا نَصْرُ قَدْ بَرَحَ الخَفاءُ ... وقد طالَ التَّمنِّي والرِّجاءُ
وأصْبَحَتِ المَزُونُ بأَرْضِ مَروٍ ... تُقَضِّي في الحكومَةِ ما تَشاءُ
يَجُوزُ قضاؤها في كُلِّ حُكْمِ ... على مُضَرٍ وإِنْ جارَ القضاءُ
وَحِمْيَرُ في مَجالسِهِا قُعُودٌ ... ترَقرَقُ في رَقابِهِمُ الدِّمِاءُ
فإنْ مُضَرٌ بذا رَضِيَتْ وَذلَّتْ ... فطالَ لها المَذَلَّة والشَّقَاءُ
وإنْ هِيَ أعتَبَتْ فيها وإلا ... فحَلَّ على عساكِرِها العفاءُ
وقال:
ألا يا أيها المرءُ الْـ ... لَذي قد شَفَّهُ الطَّرَبُ
أَفِقْ وَدَعِ الذي قَد كنْـ ... ـت تطلبُهُ ونَطَّلِبُ
فقد حَدَثَتْ بحَضْرَتنا ... أمُورٌ شأْنُها عجبُ
الأزْدُ رأيْتُها عَزَّتْ ... بمَرْوَ وَذَلّتِ العَرَبُ
فجَازَ الصُّفرُ لما كا ... ن ذاكَ وبُهْرِجَ الذهَبُ
وقال أبو بكر بن إبراهيم لعليّ وعثمان ابني الكرمانيّ
إني لمُرْتَحِلٌ أُريدُ بِمِدْحَتِي ... أخوَيْن فوْقَ ذُرَى الأَنامِ ذراهُما
سبقا الجيادَ فَلَمْ يزالا نُجْعَةً ... لا يَعْدَمُ الضَّيْفُ الغريبُ قراهُما
يسْتَعْلِيَانِ ويَجْريانِ إلى العُلا ... ويَعِيشُ في كَنَفيْهمَا حَيَّاهُما
أعْنِي عَلِيًّا إِنَّهُ وَوَزيرَهُ ... عُثمانَ ليسَ يَذِلُّ مَنْ والاهُما
جَرَيَا لكَيْمَا يَلحقَا بأبيهِمَا ... جَرْيَ الجيادِ من البعيدِ مَداهُما
فلئنْ هُما لَحِقا به لمُنَصَّبٍ ... يَسْتَعلِيانِ ويَلحقَانِ أبَاهُما
ولَئِنْ أَبَرَّ عليهمَا فَلَطَالما ... جَرَيا فَبذَّهُما وبَذّ سِواهُما
فلأَمْدَحَنَّهُمَا بما قدْ عاينَت ... عيني وإِنْ لَمْ أُحْصِ كلَّ نَداهُما
فَهُما التَّقيَّانِ المُشارُ إليْهما ... الحَامِلانِ الكاملان كِلاهُما
وهُما أزالا عن عرِيكَةِ ملكهِ ... نصْرًا ولاقى الذلَّ إذْ عاداهُما
نَفَيَا ابنَ أقطَعَ بعدَ قتل حُماتِهِ ... وتَقَسَّمَتْ أسلَابَهُ خَيلاهُما
стр. 4335
والحارث بن سُرَيج إذ قَصَدُوا لَهُ ... حتى تعاورَ رأْسَهُ سَيفاهُمَا
أخذا بِعَفْو أبيهما في قدرِهِ ... إذ عزَّ قَوْمهُما ومن والاهما
* * *
وفي هذه السنة وجّه إبراهيم بن محمد أبا مسلم إلى خراسان، وكتب إلى أصحابه: إني قد أمرته بأمري، فاسمعوا منه واقبلوا قوله؛ فإني قد أمّرته على خراسان وما غلب عليه بعد ذلك؛ فأتاهم فلم يقبلوا قوله، وخرجوا من قابل، فالتقوْا بمكة عند إبراهيم، فأعلمه أبو مسلم أنهم لم ينفذوا كتابه وأمره، فقال إبراهيم: إني قد عرضت هذا الأمر على غير واحد فأبوْه عليّ، وذلك أنه كان عَرض ذلك قبلَ أن يوجّه أبا مسلم على سليمان بن كثير، فقال: لا ألِي اثنين أبدًا، ثم عرضه على إبراهيم بن سلمة فأبى، فأعلمهم أنه أجمع رأيه على أبي مسلم، وأمرهم بالسمع والطاعة، ثم قال: يا عبد الرحمن، إنك رجلٌ منّا أهل البيت؛ فاحتفظ وصيَّتي، وانظر هذا الحيّ من اليمن فأكرمْهم وحُلّ بين أظهرهم؛ فإن الله لا يتمّ هذا الأمر إلا بهم؛ وانظر هذا الحيّ من ربيعة فاتَّهِمْهم في أمرهم، وانظر هذا الحيّ من مضر؛ فإنهم العدوّ القريب الدار، فاقتل مَنْ شككت في أمره ومن كان في أمره شبهة ومَنْ وقع في نفسك منه شيء؛ وإن استطعت ألّا تدع بخراسان لسانًا عربيًّا فافعل، فأيّما غلام بلغ خمسة أشبار تتّهمه فاقتله، ولا تخالف هذا الشيخ - يعني سليمان بن كثير - ولا تعصِه، وإذا أشكل عليك أمر فاكتفِ به منى (١) [٧/ ٣٤٢ - ٣٤٤].
وقال الواقدي: وافتتح مروان حمص وهدم سورها، وأخذ نُعيم بن ثابت الجُزاميّ فقتله في شوال سنة ثمان، وقد ذكرنا من خالفه في ذلك قبل. [٧/ ٣٤٨].
وقد حدثني محمد بن حسن: أن أبا حمزة مر بمعدن بن سليم وكثير بن
стр. 4336
عبد الله عامل على المعدن، فسمع بعض كلامه، فأمره به فجلد سبعين سوطًا، ثم مضى إلى مكة، فلما قدم أبو حمزة المدينة، حين افتتحها تغيّب كثير حتى كان من أمرهم ما كان (١) [٧/ ٣٤٨].
*ذكر الخبر عن ذلك وكيف كان الأمر فيه:
قال عليّ بن محمد عن شيوخه: لم يزل أبو مسلم يختلف إلى خُراسان، حتى وقَعت العصبيّة بها؛ فلما اضطرب الحبل، كتب سليمان بن كثير إلى أبي سَلَمة الخلّال يسأله أن يكتب إلى إبراهيم، يسأله أن يوجّه رجلًا من أهل بيته، فكتب أبو سلمة إلى إبراهيم، فبعث أبا مسلم، فلما كان في سنة تسع وعشرين ومئة، كتب إبراهيم إلى أبي مسلم يأمره بالقدوم عليه ليسأله عن أخبار الناس، فخرج في النصف من جمادى الآخرة مع سبعين نفسًا من النقباء، فلما صار بالدَّنْدانقان من أرض خُراسان عرض له كامل - أو أبو كامل - قال: أين تريدون؟ قالوا: الحجّ، ثم خلا به أبو مسلم، فدعاه فأجابهم، وكفّ عنهم، ومضى أبو مسلم إلى بيوَرْد، فأقام بها أيامًا، ثم سار إلى نَسا؛ وكان بها عاصم بن قيس السُّلميَ عاملًا لنصر بن سيار الليثيّ؛ فلما قرب منها أرسل الفَضْل بن سليمان الطوسيّ إلى أسِيد بن عبد الله الخُزاعيّ ليعلمه قدومه، فمضى الفضل فدخل قريةً من قرى نَسا، فلقي رجلًا من الشيعة يعرفه، فسأله عن أسيد، فانتهره، فقال: يا عبد الله، ما أنكرت من مسألتي عن منزل رجل؟ قال: إنه كان في هذه القرية شرّ، سَعَى برجلين قدما إلى العامل، وقيل: إنهما داعيان، فأخذهما، وأخذ الأحجم بن عبد الله وغَيْلان بن فضالة وغالب بن سعيد والمهاجر بن عثمان. فانصرف الفضل إلى أبي مسلم وأخبره، فتنكَّب الطريق، وأخذ في أسفل القُرى، وأرسل طرخان الجمّال إلى أسيد، فقال: ادعُه لي ومَن قدرتَ عليه من الشيعة، وإياك أن تكلم أحدًا لم تعرفه، فأتى طرخان أسيدًا فدعاه، وأعلمه بمكان أبي مسلم، فأتاه فسأله عن الأخبار، قال: نعم، قدم الأزهر بن شعيب وعبد الملك بن سعد بكتبٍ من الإمام إليك، فخلّفا الكتبَ عندي وخرجا، فأخِذَا فلا أدري مَنْ سعى بهما! فبعث بهما العامل إلى عاصم بن قيس، فضرب
стр. 4337
المهاجرين عثمان وناسًا من الشيعة، قال: فأين الكتب؟ قال: عندي، قال: فائْتني بها [فأتاه بالكتب فقرأها].
قال: ثم سار حتى أتى قُومِس، وعليها بيهس بن بُديل العِجليّ، فأتاهم بَيْهس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: الحجّ، قال: أفمعكم فضل بِرْذون تبيعونه؟ قال أبو مسلم: أما بيعًا فلا؛ ولكن خذ أيّ دوابَنا شئت؛ قال: اعرضوها عليّ، فعرضوها، فأعجَبَه برْذون منها سَمَنْد، فقال أبو مسلم: هو لك، قال: لا أقبله إلّا بثمن، قال: احتكم، قال: سبعمئة، قال: هو لك، وأتاه وهو بقومِس كتاب من الإمام إليه وكتاب إلى سليمان بن كثير؛ وكان في كتاب أبي مسلم: إني قد بعثت إليك براية النصر فارجع من حيث ألفاك كتابي، ووجّهْ إليّ قَحطبة بما معك يوافني به في الموسم، فانصرف أبو مسلم إلى خُراسان، ووجّه قحطبة إلى الإمام، فلما كانوا بنَسا عرض لهم صاحب مَسْلحة في قرية من قُرى نَسا، فقال لهم: من أنتم؟ قالوا: أردنا الحجّ، فبلغنا عن الطريق شيء خفناه، فأوصلهم إلى عاصم بن قيس السلَميّ، فسألهم فأخبروه، فقال: [ارتحلوا وأمر] المفضل بن الشرقي السلميّ - وكان على شُرطته - أن يزعجهم، فخلا به أبو مسلم وعرض عليه أمرهم، فأجابه، وقال: ارتحلوا على مَهل، ولا تعجلوا، وأقام عندهم حتى ارتحلوا.
فقدم أبو مسلم مرْو في أول يوم من شهر رمضان سنة تسع وعشرين ومئة، ودفع كتاب الإمام إلى سليمان بن كثير، وكان فيه أن أظهرْ دعوَتك ولا تربّص، فقد آن ذلك، فنصبوا أبا مُسلم، وقالوا: رجل من أهل البيت، ودعْوا إلى طاعة بني العباس، وأرسلوا إلى مَنْ قرب منهم أو بعد ممن أجابهم، فأمروه بإظهار أمرهم والدعاء إليهم، ونزل أبو مُسلم قريةً من قرى خُزاعة يقال لها سفيذنج، وشيبان والكِرمانيّ يقاتلان نصر بن سيار، فبثّ أبو مسلم دعاتَه في الناس، وظهر أمره، وقال الناس: قدم رجل من بني هاشم، فأتوْه من كلّ وجه، فظهر يومَ الفطر في قرية خالد بن إبراهيم، فصلى بالناس يوم الفِطر القاسم بن مجاشع المَرائيّ، ثم ارتحل فنزل بالين - ويقالى قرية اللين - لخزاعة، فوافاه في يوم واحد أهلُ ستين قرية، فأقام اثنين وأربعين يومًا؛ فكان أوّلى فتح أبي مسلم من قبَل موسى بن كعب في بيوَرْد، وتشاغل بقتل عاصم بن قيس، ثم جاء فتح من قبل مَرْوالرّوذ.
стр. 4338
قال أبو جعفر: وأما أبو الخطاب فإنه قال: كان مقدم أبي مسلم أرض مَرْو منصرفًا من قومِس، وقد أنفذ من قُومِس قحطبة بن شبيب بالأموال التي كانت معه والعروض إلى الإمام إبراهيم بن محمد، وانصرف إلى مَرْو، فقدمها في شعبان سنة تسع وعشرين ومئة لتسع خلوْن منه يوم الثلاثاء، فنزل قرية تدعى فنين على أبي الحكم عيسى بن أعين النّقيب، وهي قرية أبي داود النقيب، فوجّه منها أبا داود ومعه عمرو بن أعين إلى طخارستان فما دون بلْخ بإظهار الدّعوة في شهر رمضان من عامهم، ووجّه النّضر بن صبيح التميميّ ومعه شريك بن غضيّ التميميّ إلى مَرْوالرّوذ بإظهار الدّعوة في شهر رمضان، ووجّه أبا عاصم عبد الرحمن بن سليم إلى الطالقان، ووجه أبا الجهم بن عطيّة إلى العلاء بن حريث بخوارزم بإظهار الدّعوة في شهر رمضان لخمس بقين من الشهر، فإن أعجلهم عدوّهم دون الوقت، فعرض لهم بالأذى والمكروه فقد حل لهم أن يدفعوا عن أنفسهم، وأن يُظهِروا السيوف ويجرّدوها من أغمادها، ويجاهدوا أعداء الله ومَنْ شغلهم عدوّهم عَن الوقت فلا حرج عليهم أن يظهروا بعد الوقت.
ثم تحوّل أبو مسلم عن منزل أبي الحكم عيسى بن أعين، فنزل على سليمان بن كثير الخُزاعيّ في قريته التي تدعى سَفيذنج من رُبع خرقان لليلتين خلتا من شهر رمضان من سنة تسع وعشرين ومئة؛ فلما كانت ليلة الخميس لخمس بقين من شهر رمضان سنة تسع وعشرين ومئة اعتقدوا اللواء الذي بعث به الإمام إليه الذي يُدعى الظلّ، على رمح طوله أربعة عشر ذراعًا، وعقد الرّاية التي بعث بها الإمام التي تدعى السحاب على رمح طوله ثلاثة عشر ذراعًا، وهو يتلو: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]، ولبس السوّاد هو وسليمان بن كثير وإخوة سليمان ومواليه ومن كان أجاب الدعوة من أهل سفيذنج، منهم غيلان بن عبد الله الخُزاعيّ - وكان صهر سليمان على أخته أم عمرو بنت كثير - ومنهم حُمَيد بن رزين وأخوه عثمان بن رُزين، فأوقدوا النيران ليلتهم أجمع للشيعة من سكان ربع خرقان - وكانت العلامة بين الشيعة - فتجمعوا له حين أصبحوا مُغِذّين، وتأويل هذين الاسمين: الظلّ والسحاب، أن السحاب يطبّق الأرض؛ وكذلكَ دعوة بني العباس، وتأويل الظلّ أن الأرض لا تخلو من الظلّ أبدًا، وكذلك لا تخلو من خليفة عباسيّ أبد الدهر.
стр. 4339
وقدم على أبي مسلم الدعاة من أهل مَرْو بمن أجاب الدعوة؛ وكان أوّل مَنْ قدم عليه أهل السقادم مع أبي الوضاح الهُرْمُزْفرّيّ عيسى بن شُبيل في تسعمئة رجل وأربعة فرسان، ومن أهل هُرْمُزفرّة سليمان بن حسان وأخوه يزدان بن حسان والهيثم بن يزيد بن كيسان، وبُويع مولى نصر بن معاوية وأبو خالد الحسن وجردي ومحمد بن علوان، وقدم أهل السقادم مع أبي القاسم محرز بن إبراهيم الجوبانيّ في ألف وثلثمئة راجل وستة عشر فارسًا، ومنهم من الدّعاة أبو العباس المرّوزيّ وخذام بن عمّار وحمزة بن زُنيم، فجعل أهل السقادم يكبّرون من ناحيتهم وأهل السقادم مع محرز بن إبراهيم يُجيبونهم بالتكبير؛ فلم يزالوا كذلك حتى دخلوا عسكر أبي مسلم بسفيذنج؛ وذلك يوم السبت من بعد ظهور أبي مسلم بيومين، وأمر أبو مسلم أن يُرَمّ حصن سفيذنج ويحصّن ويدرّب؛ فلما حضر العيد يوم الفطرْ بسفيذنج أمر أبو مسلم سليمان بن كثير أن يصلي به وبالشيعة، ونصب له منبرًا في العسكر، وأمره أن يبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة - وكانت بنو أميّة تبدأ بالخطبة والأذان، ثم الصلاة بالإقامة على صلاة يوم الجمعة فيخطبون على المنابر جلوسًا في الجمعة والأعياد - وأمر أبو مسلم سليمان بن كثير أن يكبّر الركعة الأولى ستّ تكبيرات تِباعًا، ثم يقرأ ويركع بالسابعة، ويكبر في الركعة الثانية خمس تكبيرات تباعًا، ثم يقرأ ويركع بالسادسة، ويفتتح الخطبة بالتكبير ويختمها بالقرآن، وكانت بنو أمية تكبر في الرّكعة الأولى أربع تكبجرات يوم العيد وفي الثانية ثلاث تكبيرات (١) فلما قضى سليمان بن كثير الصلاة والخطبة انصرف أبو مُسلم والشيعة إلى طعام قد أعدّه لهم أبو مسلم الخراسانيّ، فطعموا مستبشرين، وكان أبو مسلم وهو في الخندق إذا كتب إلى نصر بن سيار يكتب: للأمير نصر؛ فلما قوي أبو مسلم بمن اجتمع إليه في خندقه من الشيعة بدأ بنفسه، فكتب: إلى نصر: أما بعد، فإن الله تبارك
стр. 4340
أسماؤه وتعالى ذكره عيّر أقوامًا في القرآن فقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٢ - ٤٣].
فتعاظم نصرٌ الكتاب وأنه بدأ بنفسه، وكسر له إحدى عينيه [وأطال الفكرة] وقال: هذا كتاب له جواب، فلما استقرّ بأبي مسلم معسكره بالماخُوَان أمر محرز بن إبراهيم أن يخندق خندقًا بجِيرَنْج، ويجتمع إليه أصحابه ومَنْ نزع إليه من الشيعة، فيقطع مادّة نصر بن سيار من مروالروذ وبلخ وكُور طخارستان.
ففعل ذلك محرز بن إبراهيم، واجتمع له في خندق نحو من ألف رجل، فأمر أبو مسلم أبا صالح كامل بن مظفر أن يوجه رجلًا إلى خندق محرز بن إبراهيم لعرض مَنْ فيه وإحصائهم في دفتر بأسمائهم وأسماء آبائهم وقراهم، فوجّه أبو صالح حُميدًا الأزرق لذلك، وكان كاتبًا، فأحصى في خندق محرز ثمانمئة رجل وأربعة رجال من أهل الكفّ؛ وكان فيهم من القوّاد المعروفين زيادة بن سيّار الأزديّ من قرية تدعى أسبِوادق من ربع خرقان، وخِذام بن عمار الكنديّ من ربع السقادِم ومن قرية تدعى بالأوايق، وحنيفة بن قيس من ربع السقادم، ومن قرية تدعى الشنج، وعبدويه الجردامذ بن عبد الكريم من أهل هَراة، وكان يجلب الغنم إلى مَرْو، وحمزة بن زُنيم الباهليّ من ربع خرقان من قرية تدعى ميلاذ جرد، وأبوه هاشم خَليقة بن مهران من ربع السقادم من قرية تدعى جُوبان وأبو خَديجة جيلان بن السغديّ وأبو نُعيم موسى بن صبيح، فلم يزل محرز بن إبراهيم مقيمًا في خندقه حتى دخل أبو مسلم حائط مَرْو، وعطل الخندق بماخُوَان وإلى أن عسكر بمارسَرْجَس يريد نيسابور؛ فضمّ إليه محرز بن إبراهيم أصحابه؛ وكان من الأحداث، وأبو مسلم بسَفيذنْج، وكان نصر بن سيار وجّه مولى له يقال له يزيد في خيل عظيمة لمحاربة أبي مسلم بعد ثمانية عشر شهرًا من ظهوره، فوجّه إليه أبو مسلم مالك بن الهيثم الخُزاعيّ ومَعه مصعب بن قيس، فالتقوْا بقرية تدعى آلين، فدعاهم مالك إلى الرّضا من آل رسول الله ﷺ ، فاستكبروا عن ذلك، فصافّهم مالك وهو في نحو من مئتين من أوّل النهار إلى وقت العصر.
وقدم على أبي مسلم صالح بن سليمان الضّبيّ وإبراهيم بن يزيد وزياد بن
стр. 4341
عيسى فوجّههم إلى مالك بن الهيثم، فقدموا عليه مع العصر، فقوى بهم أبو نصر، فقال يزيد مولى نصر بن سيار لأصحابه: إن تركنا هؤلاء الليلة أتتْهم الأمداد، فاحملوا على القوم؛ ففعلوا، وترجّل أبو نصر وحضّ أصحابه، وقال: إني لأرجو أن يقطع الله من الكافرين طرفًا، فاجتلدوا جلادًا صادقًا، وصبر الفريقان، فقتِل من شيعة بني مروان أربعة وثلاثون رجلًا، وأسر منهم ثمانية نفر، وحمل عبدُ الله الطائيّ - على يزيد مولى نصر عميد القوم فأسره، وانهزم أصحابه، فوجّه أبو نصر عبدَ الله الطائيّ بأسيره في رجال من الشيعة، ومعهم الأسرى والرؤوس، وأقام أبو نصر في معسكره بسفيذنج، وفي الوفد أبو حماد المروزيّ وأبو عمرو الأعجميّ، فأمر أبو مسلم بالرؤوس فنُصبت على باب الحائط الذي في معسكره، ودفع يزيد الأسلميَّ إلى أبي إسحاق خالد بن عثمان، وأمره أن يعالج يزيد مولى نَصْر من جراحات كانت به، ويحسن تعاهده، وكتب إلى أبي نصر بالقُدوم عليه، فلما اندمل يزيد مولى نصر من جِراحاته دعاه أبو مسلم، فقال: إن شئت أن تقيم معنا وتدخل في دعوتنا فقد أرشدك الله، وإن كرهت فارجع إلى مولاك سالمًا، وأعطنا عهد الله ألّا تحاربنا وألّا تكذب علينا، وأن تقول فينا ما رأيت؛ فاختار الرجوع إلى مولاه، فخلى له الطريق، وقال أبو مسلم: إنّ هذا سيردّ عنكم أهل الورع والصلاح، فإنَّا عندهم على [غَير] الإسلام.
وقدم يزيد على نصر بن سيار؛ فقال: لا مرحبًا بك؛ والله ما ظننت استبقاك القوم إلّا ليتخذوك حجة علينا، فقال يزيد: فهو والله ما ظننتَ، وقد استحلفوني ألّا أكذب عليهم، وأنا أقول: إنهم يصلّون الصلوات لمواقيتها بأذان وإقامة، ويتلون الكتاب، ويذكرون الله كثيرًا، ويدعون إلى ولاية رسول الله ﷺ ؛ وما أحسب أمرهم إلا سيعلو؛ ولولا أنك مولاي أعتقتنِي من الرقّ ما رجعتُ إليك، ولأقمت معهم. فهذه أول حرب كانت بين الشيعة وشيعة بني مروان. [٧/ ٣٥٣ - ٣٥٩].
* * *
قال أبو جعفر: وقال غير الذين ذكرنا قولهم في أمر أبي مسلم وإظهاره الدّعوة ومصيره إلى خُراسان وشخوصه عنها وعودِه إليها بعد الشخوص قولًا خلاف
стр. 4342
قولهم؛ والذي قال في ذلك: إنّ إبراهيم الإمام زوّج أبا مسلم لما توجّه إلى خراسان ابنةَ أبي النجم، وساق عنه صداقها، وكتب بذلك إلى النقباء، وأمرهم بالسمع والطاعة لأبي مسلم، وكان أبو مسلم - فيما زعم - من أهل خُطَرْنِيَة، من سواد الكوفة، وكان قَهرمانًا لإدريس بن معقل العِجْلى، فآل أمره ومنتهى ولائه لمحمد بن عليّ، ثم لإبراهيم بن محمد، ثم للأئمة من أولاد محمد بن عليّ فقدم خُراسان وهو حديث السنّ، فلم يقبله سليمان بن كثير وتخوّف ألّا يقوى على أمرهم، وخاف على نفسه وأصحابه، فردّوه - وأبو داود خالد بن إبراهيم غائب خَلْف نهر بَلْخ - فلما انصرف أبو داود، وقدم مَرْو أقرأه كتاب الإمام إبراهيم، فسأل عن الرجل الذي وجَّهه، فأخبروه أن سليمان بن كثير ردّه، فأرسل إلى جميع النقباء، فاجتمعوا في منزل عمران بن إسماعيل، فقال لهم أبو داود: أتاكم كتاب الإمام فيمن وجَّهه إليكم وأنا غائب فرددتموه، فما حجَّتكم في ردّه؟ فقال سليمان بن كثير: لحداثة سنه، وتخوّفًا ألّا يقدر على القيام بهذا الأمر؛ فأشفقنا على مَنْ دعونا إليه وعلى أنفسنا وعلى المجيبين لنا، فقال: هل فيكم أحد ينكر أن الله ﵎ اختار محمدًا ﵌ وانتخبه واصطفاه، وبعثه برسالته إلى جميع خلقه؟ فهل فيكم أحدٌ ينكر ذلك؟ قالوا: لا؛ قال: أفتشكون أنّ الله تعالى نزّل عليه كتابه فأتاه به جبريل الرّوح الأمين، أحلّ فيه حلاله، وحرّم فيه حرامه، وشرّع فيه شرائعه، وسنّ فيه سننه، وأنباه فيه بما كان قبله، وما هو كائن بعده إلى يوم القيامة؟ قالوا: لا، قال: أفتشكون أن الله قبضه إليه بعدما أدّى ما عليه من رسالة ربه؟ قالوا: لا، قال: أفتظنّون أن ذلك العلم الذي أنزل عليه رُفع معه أو خلّفه؟ قالوا: بل خلّفه، قال: أفتظنونه خلّفه عند غير عِتْرته، وأهل بيته، الأقرب فالأقرب؟ قالوا: لا، قال: فهل أحدٌ منكم إذا رأى من هذا الأمر إقبالًا، ورأى الناس له مجيبينَ بدا له أن يصرف ذلك إلى نفسه؟ قالوا: اللهم لا، وكيف يكون ذلك! قال: لستُ أقول لكم فعلتم، ولكن الشيطان ربما نَزع النزعة فيما يكون وفيما لا يكون.
قال: فهل فيكم أحدٌ بدا له أن يصرف هذا الأمر عن أهل البيت إلى غيرهم من عِتْرة النبي ﷺ ؟ قالوا: لا، قال: أفتشكُّون أنهم معدن العلم وأصحاب ميراث
стр. 4343
رسول الله ﷺ ؟ قالوا: لا، قال: فأراكم شككتم في أمرهم ورددتم عليهم علمهم؛ ولو لم يعلموا أن هذا الرجل هو الذي ينبغي له أن يقوم بأمرهم، لما بعثوه إليكم، وهو لا يتهم في موالاتهم ونصرتهم والقيام بحقهم (١).
فبعثوا إلى أبي مسلم فردوه من قومس بقول أبي داود؛ وولَّوْه أمرهم وسمعوا له وأطاعوا، ولم تزل في نفس أبي مسلم على سليمان بن كثير، ولم يزل يعرفها لأبي داود، وسمعت الشيعة من النقباء وغيرهم لأبي مسلم، وأطاعوه وتنازعوا، وقبِلوا ما جاء به، وبثّ الدعاة في أقطار خُراسان؛ فدخل الناس أفواجًا، وكثروا، وفشت الدّعاة بخراسان كلها، وكتب إليه إبراهيم الإمام يأمره أن يوافيَه بالموسم في هذه السنة - وهي سنة تسع وعشرين ومئة -، ليأمره بأمره في إظهار دعوته، وأن يقدم معه بقَحْطبة بن شبيب، ويحمل إليه ما اجتمع عنده من الأموال؛ وقد كان اجتمع عنده ثلثمئة ألف وستون ألف درهم، فاشترى بعامَّتها عَروضًا من متاع التجار؛ من القوهيّ والمرْويّ والحرير والفِرْند، وصيّر بقيته سبائك ذهب وفضة وصيّرها في الأقبية المحشوّة، واشترى البغال وخرج في النصف من جمادى الآخرة، ومعه من النقباء قحطبة بن شبيب والقاسم بن مُجاشع وطلحة بن رزيق؛ ومن الشيعة واحد وأربعون رجلًا، وتحمَّل من قُرى خزاعة، وحمل أثقاله على واحد وعشرين بَغْلًا، وحمل على كلّ بغل رجلًا من الشيعة بسلاحه، وأخذ المفازة وعدا عن مسلحة نصر بن سيار حتى انتهوا إلى أبيوَرْد.
فكتب أبو مسلم إلى عثمان بن نَهيك وأصحابه يأمرهم بالقدوم عليه، وبينه وبينهم خمسة فراسخ، فقدم عليه منهم خمسون رجلًا، ثم ارتحلوا من أبيورَدٌ؛ حتى انتهوْا إلى قرية يقال لها قافس؛ من قرى نَسا، فبدث الفضل بن سليمان إلى أندومان - قرية أسِيد - فلقي بها رجلًا من الشيعة، فسأله عن أسيد، فقال له الرّجل: وما سؤالك عنه! فقد كان اليوم شرّ طويل من العامل أخِذ، فأخِذَ معه
стр. 4344
الأحجم بن عبد الله وغَيْلان بن فَضْالة وغالب بن سعيد والمهاجر بن عثمان، فحمِلوا إلى العامل عاصم بن قيس بن الحروريّ، فحبسهم، وارتحل أبو مسلم وأصحابه حتى انتهوْا إلى أندومان، فأتاه أبو مالك والشيعة من أهل نسَا؛ فأخبره أبو مالك أنّ الكتاب الذي كان مع رسول الإمام عنده، فأمره أن يأتيَه به، أتاه بالكتاب وبلواءٍ وراية؛ فإذا في الكتاب إليه يأمره بالانصراف حيثما يلقاه كتابه؛ وأن يظهر الدعوة، فعقد اللواء الذي أتاه من الإمام على رمح، وعقد الراية، واجتمع إليه شيعة أهل نسا والدعاة والرؤوس ومعه أهل أبيوَرْد الذي قدموا معه.
وبلغ ذلك عاصمَ بن قيس الحروريّ، فبعث إلى أبي مسلم يسأله عن حاله، فأخبره أنه من الحاجّ الذين يريدون بيت الله، ومعه عدّة من أصحابه من التجار، وسأله أن يخلِّيَ سبيل من احتبس من أصحابه حتى يخرج من بلاده، فسألوا أبا مسلم أن يكتب لهم شرْطًا على نفسه؛ أن يصرف من معه من العبيد وما معه من الدوابّ والسلاح، على أن يخلّوا سبيل أصحابه الذين قدموا من بلاد الإمام وغيرهم، فأجابهم أبو مسلم إلى ذلك، وخلى سبيل أصحابه؛ فأمر أبو مسلم الشيعة من أصحابه أن ينصرفوا، وقرأ عليهم كتاب الإمام، وأمرهم بإظهار الدعوة؛ فانصرف منهم طائفة وسار معه أبو مالك أسِيد بن عبد الله الخُزاعيّ وزُرَيق بن شَوْذب وَمَنْ قدم عليه من أبيَورْد، وأمر مَن انصرف بالاستعداد، ثم سار فيمن بقي من أصحابه ومعه قَحْطَبة بن شبيب؛ حتى نزلوا تُخوَم جُرجان؛ وبعث إلى خالد بن بَرْمك وأبي عون يأمرهما بالقدوم عليه بما قِبَلهما من مال الشّيعة، فقدما عليه؛ فأقام أيامًا حتى اجتمعت القوافل. وجَهّز قحطبة بن شبيب، ودفع إليه المال الذي كان معه، والأحمال بما فيها؛ ثم وجّهه إلى إبراهيم بن محمد، وسار أبو مسلم بمَن معه حتى انتهى إلى نَسَا، ثم ارتحل منها إلى أبيوَرْد حتى قدمَها؛ ثم سار حتى أتى مَرْو متنكرًا، فنزل قرية تدعى فَنين من قرى خُزاعة لسبعِ ليال بقين من شهر رمضان؛ وقد كان واعد أصحابه أن يوافُوه بمَرْو يوم الفِطْر.
ووجّه أبا داود وعمرو بن أعين إلى طَخَارستان، والنضر بن صبيح إلى آمل وبخُارى ومعه شريك بن عيسى، وموسى بن كعب إلى أبيوَرْد ونَسا، وخازم بن خزيمة إلى مَرْورُوذ، وقدموا عليه، فصلّى بهم القاسم بن مجاشع التميميّ يوم -
стр. 4345
العيد؛ في مصلّى آل قَنْبر؛ في قرية أبي داود خالد بن إبراهيم. [٧/ ٣٦٠ - ٣٦٣].
* * *
ذكر تعاقد أهل خراسان على قتال أبي مسلم
وفي هذه السنة تحالفت وتعاقدت عامة مَنْ كان بخراسان من قبائل العرب على قتال أبي مسلم؛ وذلك حين كثر تُباع أبي مسلم وقويَ أمره.
وفيها تحوّل أبو مسلم من معسكره بإسفِيذَنْج إلى الماخُوان.
*ذكر الخبر عن ذلك والسبب فيه:
قال عليّ: أخبرنا الصبَّاح مولى جبريل، عن مسلمة بن يحيى، قال: لما ظهر أبو مسلم، تسارع إليه الناس، وجعل أهل مَرْو يأتونه؛ لا يعرض لهم نصر ولا يمنعهم, وكان الكِرمانيّ وشَيْبان لا يكرهان أمر أبي مسلم؛ لأنه دعا إلى خلع مَرْوان بن محمد، وأبو مسلم في قرية يقال بها بالين في خباء ليس له حرس ولا حجاب، وعظم أمره عند الناس، وقالوا: ظهر رجل من بني هاشم، له حلْم ووقار وسكينة؛ فانطلق فتية من أهل مَرْو نساك كانوا يطلبون الفقه، فأتوا أبا مسلم في معسكره، فسألوه عن نسبه، فقال: خَبَرِي خير لكم من نسبي، وسألوه عن أشياء من الفقه، فقال: أمرُكُم بالمعروف ونهيُكم عن المنكر خير لكم من هذا؛ ونحن في شغل، ونحن إلى عونِكم أحوجُ منا إلى مسألتكم، فأعفونا، قالوا: والله ما نعرف لك نسبًا، ولا نظنك تبقى إلا قليلًا حتى تقتل؛ وما بينك وبين ذلك إلا أن يتفرّغ أحد هذين؛ قال: أبو مسلم: بل أنا أقتلهما إن شاء الله.
فرجع الفتية فأتوا نصر بن سيار فحدّثوه، فقال: جزاكم الله خيرًا، مثلكم تفقّد هذا وعرفه، وأتوا شيبان فأعلموه، فأرسل: إنا قد أشجى بعضنا بعضًا؛ فأرسل إليه نصر: إن شئت فكفّ عني حتى أقاتله، وإن شئت فجامعْني على حربه حتى أقتله أو أنفيَه؛ ثم نعود إلى أمرنا الذي نحن عليه، فهمَّ شيبانُ أن يفعل، فظهر ذلك في العسكر، فأتت عيون أبي مسلم فأخبروه، فقال سليمان: ما هذا الأمر الذي بلغهم! تكلّمت عند أحد بشيء؟ فأخبره خبر الفتية الذين أتوْه؛ فقال: هذا لذاك إذًا، فكتبوا إلى عليّ بن الكرمانيّ: إنك موتور؛ قتل أبوك ونحن نعلم