عيسى فوجّههم إلى مالك بن الهيثم، فقدموا عليه مع العصر، فقوى بهم أبو نصر، فقال يزيد مولى نصر بن سيار لأصحابه: إن تركنا هؤلاء الليلة أتتْهم الأمداد، فاحملوا على القوم؛ ففعلوا، وترجّل أبو نصر وحضّ أصحابه، وقال: إني لأرجو أن يقطع الله من الكافرين طرفًا، فاجتلدوا جلادًا صادقًا، وصبر الفريقان، فقتِل من شيعة بني مروان أربعة وثلاثون رجلًا، وأسر منهم ثمانية نفر، وحمل عبدُ الله الطائيّ - على يزيد مولى نصر عميد القوم فأسره، وانهزم أصحابه، فوجّه أبو نصر عبدَ الله الطائيّ بأسيره في رجال من الشيعة، ومعهم الأسرى والرؤوس، وأقام أبو نصر في معسكره بسفيذنج، وفي الوفد أبو حماد المروزيّ وأبو عمرو الأعجميّ، فأمر أبو مسلم بالرؤوس فنُصبت على باب الحائط الذي في معسكره، ودفع يزيد الأسلميَّ إلى أبي إسحاق خالد بن عثمان، وأمره أن يعالج يزيد مولى نَصْر من جراحات كانت به، ويحسن تعاهده، وكتب إلى أبي نصر بالقُدوم عليه، فلما اندمل يزيد مولى نصر من جِراحاته دعاه أبو مسلم، فقال: إن شئت أن تقيم معنا وتدخل في دعوتنا فقد أرشدك الله، وإن كرهت فارجع إلى مولاك سالمًا، وأعطنا عهد الله ألّا تحاربنا وألّا تكذب علينا، وأن تقول فينا ما رأيت؛ فاختار الرجوع إلى مولاه، فخلى له الطريق، وقال أبو مسلم: إنّ هذا سيردّ عنكم أهل الورع والصلاح، فإنَّا عندهم على [غَير] الإسلام.
وقدم يزيد على نصر بن سيار؛ فقال: لا مرحبًا بك؛ والله ما ظننت استبقاك القوم إلّا ليتخذوك حجة علينا، فقال يزيد: فهو والله ما ظننتَ، وقد استحلفوني ألّا أكذب عليهم، وأنا أقول: إنهم يصلّون الصلوات لمواقيتها بأذان وإقامة، ويتلون الكتاب، ويذكرون الله كثيرًا، ويدعون إلى ولاية رسول الله ﷺ ؛ وما أحسب أمرهم إلا سيعلو؛ ولولا أنك مولاي أعتقتنِي من الرقّ ما رجعتُ إليك، ولأقمت معهم. فهذه أول حرب كانت بين الشيعة وشيعة بني مروان. [٧/ ٣٥٣ - ٣٥٩].
* * *
قال أبو جعفر: وقال غير الذين ذكرنا قولهم في أمر أبي مسلم وإظهاره الدّعوة ومصيره إلى خُراسان وشخوصه عنها وعودِه إليها بعد الشخوص قولًا خلاف
стр. 4342
قولهم؛ والذي قال في ذلك: إنّ إبراهيم الإمام زوّج أبا مسلم لما توجّه إلى خراسان ابنةَ أبي النجم، وساق عنه صداقها، وكتب بذلك إلى النقباء، وأمرهم بالسمع والطاعة لأبي مسلم، وكان أبو مسلم - فيما زعم - من أهل خُطَرْنِيَة، من سواد الكوفة، وكان قَهرمانًا لإدريس بن معقل العِجْلى، فآل أمره ومنتهى ولائه لمحمد بن عليّ، ثم لإبراهيم بن محمد، ثم للأئمة من أولاد محمد بن عليّ فقدم خُراسان وهو حديث السنّ، فلم يقبله سليمان بن كثير وتخوّف ألّا يقوى على أمرهم، وخاف على نفسه وأصحابه، فردّوه - وأبو داود خالد بن إبراهيم غائب خَلْف نهر بَلْخ - فلما انصرف أبو داود، وقدم مَرْو أقرأه كتاب الإمام إبراهيم، فسأل عن الرجل الذي وجَّهه، فأخبروه أن سليمان بن كثير ردّه، فأرسل إلى جميع النقباء، فاجتمعوا في منزل عمران بن إسماعيل، فقال لهم أبو داود: أتاكم كتاب الإمام فيمن وجَّهه إليكم وأنا غائب فرددتموه، فما حجَّتكم في ردّه؟ فقال سليمان بن كثير: لحداثة سنه، وتخوّفًا ألّا يقدر على القيام بهذا الأمر؛ فأشفقنا على مَنْ دعونا إليه وعلى أنفسنا وعلى المجيبين لنا، فقال: هل فيكم أحد ينكر أن الله ﵎ اختار محمدًا ﵌ وانتخبه واصطفاه، وبعثه برسالته إلى جميع خلقه؟ فهل فيكم أحدٌ ينكر ذلك؟ قالوا: لا؛ قال: أفتشكون أنّ الله تعالى نزّل عليه كتابه فأتاه به جبريل الرّوح الأمين، أحلّ فيه حلاله، وحرّم فيه حرامه، وشرّع فيه شرائعه، وسنّ فيه سننه، وأنباه فيه بما كان قبله، وما هو كائن بعده إلى يوم القيامة؟ قالوا: لا، قال: أفتشكون أن الله قبضه إليه بعدما أدّى ما عليه من رسالة ربه؟ قالوا: لا، قال: أفتظنّون أن ذلك العلم الذي أنزل عليه رُفع معه أو خلّفه؟ قالوا: بل خلّفه، قال: أفتظنونه خلّفه عند غير عِتْرته، وأهل بيته، الأقرب فالأقرب؟ قالوا: لا، قال: فهل أحدٌ منكم إذا رأى من هذا الأمر إقبالًا، ورأى الناس له مجيبينَ بدا له أن يصرف ذلك إلى نفسه؟ قالوا: اللهم لا، وكيف يكون ذلك! قال: لستُ أقول لكم فعلتم، ولكن الشيطان ربما نَزع النزعة فيما يكون وفيما لا يكون.
قال: فهل فيكم أحدٌ بدا له أن يصرف هذا الأمر عن أهل البيت إلى غيرهم من عِتْرة النبي ﷺ ؟ قالوا: لا، قال: أفتشكُّون أنهم معدن العلم وأصحاب ميراث
стр. 4343
رسول الله ﷺ ؟ قالوا: لا، قال: فأراكم شككتم في أمرهم ورددتم عليهم علمهم؛ ولو لم يعلموا أن هذا الرجل هو الذي ينبغي له أن يقوم بأمرهم، لما بعثوه إليكم، وهو لا يتهم في موالاتهم ونصرتهم والقيام بحقهم (١).
فبعثوا إلى أبي مسلم فردوه من قومس بقول أبي داود؛ وولَّوْه أمرهم وسمعوا له وأطاعوا، ولم تزل في نفس أبي مسلم على سليمان بن كثير، ولم يزل يعرفها لأبي داود، وسمعت الشيعة من النقباء وغيرهم لأبي مسلم، وأطاعوه وتنازعوا، وقبِلوا ما جاء به، وبثّ الدعاة في أقطار خُراسان؛ فدخل الناس أفواجًا، وكثروا، وفشت الدّعاة بخراسان كلها، وكتب إليه إبراهيم الإمام يأمره أن يوافيَه بالموسم في هذه السنة - وهي سنة تسع وعشرين ومئة -، ليأمره بأمره في إظهار دعوته، وأن يقدم معه بقَحْطبة بن شبيب، ويحمل إليه ما اجتمع عنده من الأموال؛ وقد كان اجتمع عنده ثلثمئة ألف وستون ألف درهم، فاشترى بعامَّتها عَروضًا من متاع التجار؛ من القوهيّ والمرْويّ والحرير والفِرْند، وصيّر بقيته سبائك ذهب وفضة وصيّرها في الأقبية المحشوّة، واشترى البغال وخرج في النصف من جمادى الآخرة، ومعه من النقباء قحطبة بن شبيب والقاسم بن مُجاشع وطلحة بن رزيق؛ ومن الشيعة واحد وأربعون رجلًا، وتحمَّل من قُرى خزاعة، وحمل أثقاله على واحد وعشرين بَغْلًا، وحمل على كلّ بغل رجلًا من الشيعة بسلاحه، وأخذ المفازة وعدا عن مسلحة نصر بن سيار حتى انتهوا إلى أبيوَرْد.
فكتب أبو مسلم إلى عثمان بن نَهيك وأصحابه يأمرهم بالقدوم عليه، وبينه وبينهم خمسة فراسخ، فقدم عليه منهم خمسون رجلًا، ثم ارتحلوا من أبيورَدٌ؛ حتى انتهوْا إلى قرية يقال لها قافس؛ من قرى نَسا، فبدث الفضل بن سليمان إلى أندومان - قرية أسِيد - فلقي بها رجلًا من الشيعة، فسأله عن أسيد، فقال له الرّجل: وما سؤالك عنه! فقد كان اليوم شرّ طويل من العامل أخِذ، فأخِذَ معه
стр. 4344
الأحجم بن عبد الله وغَيْلان بن فَضْالة وغالب بن سعيد والمهاجر بن عثمان، فحمِلوا إلى العامل عاصم بن قيس بن الحروريّ، فحبسهم، وارتحل أبو مسلم وأصحابه حتى انتهوْا إلى أندومان، فأتاه أبو مالك والشيعة من أهل نسَا؛ فأخبره أبو مالك أنّ الكتاب الذي كان مع رسول الإمام عنده، فأمره أن يأتيَه به، أتاه بالكتاب وبلواءٍ وراية؛ فإذا في الكتاب إليه يأمره بالانصراف حيثما يلقاه كتابه؛ وأن يظهر الدعوة، فعقد اللواء الذي أتاه من الإمام على رمح، وعقد الراية، واجتمع إليه شيعة أهل نسا والدعاة والرؤوس ومعه أهل أبيوَرْد الذي قدموا معه.
وبلغ ذلك عاصمَ بن قيس الحروريّ، فبعث إلى أبي مسلم يسأله عن حاله، فأخبره أنه من الحاجّ الذين يريدون بيت الله، ومعه عدّة من أصحابه من التجار، وسأله أن يخلِّيَ سبيل من احتبس من أصحابه حتى يخرج من بلاده، فسألوا أبا مسلم أن يكتب لهم شرْطًا على نفسه؛ أن يصرف من معه من العبيد وما معه من الدوابّ والسلاح، على أن يخلّوا سبيل أصحابه الذين قدموا من بلاد الإمام وغيرهم، فأجابهم أبو مسلم إلى ذلك، وخلى سبيل أصحابه؛ فأمر أبو مسلم الشيعة من أصحابه أن ينصرفوا، وقرأ عليهم كتاب الإمام، وأمرهم بإظهار الدعوة؛ فانصرف منهم طائفة وسار معه أبو مالك أسِيد بن عبد الله الخُزاعيّ وزُرَيق بن شَوْذب وَمَنْ قدم عليه من أبيَورْد، وأمر مَن انصرف بالاستعداد، ثم سار فيمن بقي من أصحابه ومعه قَحْطَبة بن شبيب؛ حتى نزلوا تُخوَم جُرجان؛ وبعث إلى خالد بن بَرْمك وأبي عون يأمرهما بالقدوم عليه بما قِبَلهما من مال الشّيعة، فقدما عليه؛ فأقام أيامًا حتى اجتمعت القوافل. وجَهّز قحطبة بن شبيب، ودفع إليه المال الذي كان معه، والأحمال بما فيها؛ ثم وجّهه إلى إبراهيم بن محمد، وسار أبو مسلم بمَن معه حتى انتهى إلى نَسَا، ثم ارتحل منها إلى أبيوَرْد حتى قدمَها؛ ثم سار حتى أتى مَرْو متنكرًا، فنزل قرية تدعى فَنين من قرى خُزاعة لسبعِ ليال بقين من شهر رمضان؛ وقد كان واعد أصحابه أن يوافُوه بمَرْو يوم الفِطْر.
ووجّه أبا داود وعمرو بن أعين إلى طَخَارستان، والنضر بن صبيح إلى آمل وبخُارى ومعه شريك بن عيسى، وموسى بن كعب إلى أبيوَرْد ونَسا، وخازم بن خزيمة إلى مَرْورُوذ، وقدموا عليه، فصلّى بهم القاسم بن مجاشع التميميّ يوم -
стр. 4345
العيد؛ في مصلّى آل قَنْبر؛ في قرية أبي داود خالد بن إبراهيم. [٧/ ٣٦٠ - ٣٦٣].
* * *
ذكر تعاقد أهل خراسان على قتال أبي مسلم
وفي هذه السنة تحالفت وتعاقدت عامة مَنْ كان بخراسان من قبائل العرب على قتال أبي مسلم؛ وذلك حين كثر تُباع أبي مسلم وقويَ أمره.
وفيها تحوّل أبو مسلم من معسكره بإسفِيذَنْج إلى الماخُوان.
*ذكر الخبر عن ذلك والسبب فيه:
قال عليّ: أخبرنا الصبَّاح مولى جبريل، عن مسلمة بن يحيى، قال: لما ظهر أبو مسلم، تسارع إليه الناس، وجعل أهل مَرْو يأتونه؛ لا يعرض لهم نصر ولا يمنعهم, وكان الكِرمانيّ وشَيْبان لا يكرهان أمر أبي مسلم؛ لأنه دعا إلى خلع مَرْوان بن محمد، وأبو مسلم في قرية يقال بها بالين في خباء ليس له حرس ولا حجاب، وعظم أمره عند الناس، وقالوا: ظهر رجل من بني هاشم، له حلْم ووقار وسكينة؛ فانطلق فتية من أهل مَرْو نساك كانوا يطلبون الفقه، فأتوا أبا مسلم في معسكره، فسألوه عن نسبه، فقال: خَبَرِي خير لكم من نسبي، وسألوه عن أشياء من الفقه، فقال: أمرُكُم بالمعروف ونهيُكم عن المنكر خير لكم من هذا؛ ونحن في شغل، ونحن إلى عونِكم أحوجُ منا إلى مسألتكم، فأعفونا، قالوا: والله ما نعرف لك نسبًا، ولا نظنك تبقى إلا قليلًا حتى تقتل؛ وما بينك وبين ذلك إلا أن يتفرّغ أحد هذين؛ قال: أبو مسلم: بل أنا أقتلهما إن شاء الله.
فرجع الفتية فأتوا نصر بن سيار فحدّثوه، فقال: جزاكم الله خيرًا، مثلكم تفقّد هذا وعرفه، وأتوا شيبان فأعلموه، فأرسل: إنا قد أشجى بعضنا بعضًا؛ فأرسل إليه نصر: إن شئت فكفّ عني حتى أقاتله، وإن شئت فجامعْني على حربه حتى أقتله أو أنفيَه؛ ثم نعود إلى أمرنا الذي نحن عليه، فهمَّ شيبانُ أن يفعل، فظهر ذلك في العسكر، فأتت عيون أبي مسلم فأخبروه، فقال سليمان: ما هذا الأمر الذي بلغهم! تكلّمت عند أحد بشيء؟ فأخبره خبر الفتية الذين أتوْه؛ فقال: هذا لذاك إذًا، فكتبوا إلى عليّ بن الكرمانيّ: إنك موتور؛ قتل أبوك ونحن نعلم
стр. 4346
أنك لست على رأي شيبان؛ وإنما تقاتل لثأرك؛ فامنع شيبان من صلح نصر؛ فدخل على شيبان، فكلمه فثناه عن رأيه، فأرسل نصر إلى شيبان: إنك لمغرور؛ وايم الله ليتفاقمنّ هذا الأمر حتى تستصغرَني في جنبه (١).
فبينا هم في أمرهم إذ بعث أبو مسلم النَّضر بن نُعَيم الضّبي إلى هَراة وعليه عيسى بن عَقيل الليثيّ، فطرده عن هَرَاة، فقدم عيسى على نَصرٍ منهزمًا، وغلب النَّضْر على هراة، قال: فقال يحيى بن نُعَيم بن هبيرة: اختاروا إما أن تهلكوا أنتم قبل مُضَر أو مضر قبلكم، قالوا: وكيف ذاك؟ قال: إن هذا الرجل إنما ظهر أمرُه منذ شهر، وقد صار في عسكره مثل عسكركم؛ قالوا: فما الرأي؟ قال: صالحوا نَصْرًا، فإنكم إن صالحتموه قاتلوا نصْرًا وتركوكم؛ لأنّ الأمر في مُضر، وإن لم تصالحوا نصرًا صالحوه وقاتلوكم، ثم عادوا عليكم، قالوا: فما الرأي؟ قال: قدّموهم قبلكم ولو ساعة؛ فتقرّ أعينكم بقتلهم. فأرسل شيبان إلى نصر يدعوه إلى الموادعة فأجابه، فأرسل إلى سَلْم بن أحوز، فكتب بينهم كتابًا، فأتى شيبان، وعن يمينه ابن الكِرمانيّ، وعن يساره يحيى بن نُعيم، فقال سَلْم لابن الكِرمانيّ: يا أعْوَر، ما أخلقك أن تكون الأعور الذي بلغنا أنَّه يكون هلاك مضر على يديه! ثم توادعوا سنة؛ وكتبوا بينهم كتابًا؛ فبلغ أبا مسلمٍ، فأرسل إلى شيبان: إنا نُوادعك أشهرًا، فتوادعنا ثلاثة أشهر؛ فقال ابنُ الكرمانىّ: فإني ما صالحت نصرًا؛ وإنما صالحه شيبان؛ وأنا لذلك كاره، وأنا موتور، ولا أدَع قتاله، فعاوده القتال؛ وأبى شيبان أن يعينَه، وقال: لا يحلّ الغدر، فأرسل ابنُ الكرمانيّ إلى أبي مسلم يستنصرُه على نَصْر بن سيار، فأقبل أبو مسلم حتى أتى الماخُوان، وأرسل إلى ابنِ الكرمانيّ شبلَ بن طهمان: إني معك على نصر،
стр. 4347
فقال ابنُ الكِرمانيّ: إني أحبّ أن يلقاني أبو مسلم، فأبلغه ذلك شبل، فأقام أبو مسلم أربعة عشر يومًا، ثم سار إلى ابن الكرمانيّ، وخلف عسكره بالماخُوان، فتلقاه عثمان بن الكرمانيّ في خيل، وسار معه حتى دخل العسكر؛ وأتى لحجرة عليّ فوقف، فأذن له فدخل، فسلّم على عليّ بالإمرة، وقد اتخذ له عليٌّ منزلًا في قصر لمخلّد بن الحسن الأزديّ، فأقام يومين، ثم انصرف إلى عسكره بالماخُوان؛ وذلك لخمس خلوْن من المحرّم من سنة ثلاثين ومئة.
وأما أبو الخطاب، فإنه قال: لما كثرت الشيعة في عسكر أبي مسلم، ضاقت به سَفيذنج، فارتاد معسكرًا فسيحًا، فأصاب حاجته بالماخُوان؛ - وهي قرية العلاء بن حُريث وأبي إسحاق خالد بن عثمان، وفيها أبو الجهم بن عطية وإخوته، وكان مقامه بسفيذنج اثنين وأربعين يومًا، وارتحل من سفيذنج إلى الماخُوان، فنزل منزل أبي إسحاق خالد بن عثمان يوم الأربعاء، لتسعِ ليال خلْون من ذي القعدة من سنة تسع وعشرين ومئة، فاحتفر بها خندقًا، وجعل للخندق بابين، فعسكر فيه والشيعة، ووكّل بأحد بابي الخندق مُصعب بن قيس الحنفيّ وبهدل بن إياس الضبِّيّ، ووكّل بالباب الآخر أبا شراحيل وأبا عمرو الأعجمي، واستعمل على الشُّرَط أبا نصر مالك بن الهيثم، وعلى الحرس أبا إسحاق خالد بن عثمان، وعلى ديوان الجند كامل بن مظفر أبا صالح، وعلى الرسائل أسلم بن صُبيح؛ والقاسم بن مجاشع النقيب التميميّ على القضاء، وضمّ أبا الوضاح وعدّة من أهل السقادم إلى مالك بن الهيثم، وجعل أهل نَوْشان - هم ثلاثة وثمانون رجلًا - إلى أبي إسحاق في الحرس.
وكان القاسم بن مجاشع يصلي بأبي مسلم الصّلَوات في الخندق، ويقصّ القصص بعد العصر، فيذكر فَضْل بني هاشم ومعايب بني أميّة، فنزل أبو مسلم خندق الماخُوان، وهو كرجل من الشيعة في هيئته؛ حتى أتاه عبد الله بن بسْطام؛ فأتاه بالأرْوقة والفسَاطيط والمطابخ والمعالف للدوابّ وحياض الأدم للماء؛ فأوّل عامل استعمل أبو مسلم على شيء من العمل داود بن كرّاز؛ فردّ أبو مسلم العبيد عن أن يضاموا في خندقه، واحتفر لهم خندقًا في قرية شوّال، وولى الخندق داود بن كرّاز، فلما اجتمعت للعبيد جماعة، وجّههم إلى موسى بن كعب بأبيوَرْد، وأمر أبو مسلم كامل بن مظفر أن يعرض أهل الخندق بأسمائهم
стр. 4348
وأسماء آبائهم فينسبهم إلى القوي، ويجعل ذلك في دفتر ففعل ذلك كامل أبو صالح، فبلذت عدّتهم سبعة آلاف رجل، فأعطاهم ثلاثة دراهم لكلّ رجل، ثم أعطاهم أربعة أربعة على يدي أبي صالح كامل.
ثم إنّ أهل القبائل من مُضر وربيعة وقحطان توادعوا على وضع الحرب، وعلى أن تجتمع كلمتهم على محاربة أبي مسلم، فإذا نفوه عن مرْو نظروا في أمر أنفسهم وعلى ما يجتمعون عليه، فكتبوا على أنفسهم بذلك كتابًا وثيقًا.
وبلغ أبا مسلم الخبر، فأفظعه ذلك وأعظمه، فنظر أبو مسلم في أمره، فإذا ماخوان سافلة الماء؛ فتخوّف أن يقطع عنه نصر بن سيار الماء، فتحوّل إلى آلين - قرية أبي منصور طلحة بن رزيق النقيب - وذلك بعد مقامه أربعة أشهر بخندق الماخُوان، فنزل آلين في ذي الحجة من سنة تسع وعشرين ومئة، يوم الخميس لستّ خلون من ذي الحجة، فخندق بآلين خندقًا أمام القرية، فيما بينها وبين بلاش جَرِدْ، فصارت القرية من خلف الخندق، وجعل وجه دار المحتفز بن عثمان بن بشر المزنيّ في الخندق , وشرب أهل آلين من نهر يدعى الخرقان، لا يمكّن نصر بن سيار قطع الشرب عن آلين، وحضر العيدُ يوم النحر، وأمر القاسم بن مجاشع التميميّ فصلى بأبي مسلم والشيعة في مصلى آلين، وعسكر نصر بن سيّار على نهر عياض، ووضع عاصم بن عمرو ببلاش جَرْد، ووضع أبا الذّيال بطوسان، ووضع بشر بن أنيف اليربوعيّ بجلفر، ووضع حاتم بن الحارث بن سريج بخرقَ؛ وهو يلتمس مواقعة أبي مسلم، فأمَّا أبو الذيال فأنزل جنده على أهلها مع أبي مسلم في الخندق، فآذوا أهل طوسان وعسفوهُم وذبحوا الدجاج والبقر والحمام، وكلفوهم الطعام والعلَف، فشكت الشيعة ذلك إلى أبي مسلم، فوجّه معهم خيلًا، فلقوا أبا الذيّال فهزموه، وأسروا من أصحابه ميمونًا الأعسر الخوارزميَّ في نحو من ثلاثين رجلًا، فكساهم أبو مسلم، وداوى جراحاتهم وخلَّى لهم الطريق. [٧/ ٣٦٣ - ٣٦٧].
* * *
* ذكر الخبر عن مقتله:
قد مضى قبلُ ذكرُنا مقتلَ الحارث بن سُريج، وأنّ الكرمانيّ هو الذي قتله، ولما قتل الكِرمانيّ الحارث، خلَصت له مَرْو بقتله إياه، وتنحَّى نصر بن سيّار
стр. 4349
عنها إلى أبرشهر، وقوي أمرُ الكِرمانيّ، فوجَّه نصر إليه - فيما قيل - سَلْم بن أحوز، فسار في رابطة نصر وفرسانه؛ حتى لقي أصحاب الكِرمانيّ، فوجد يحيى بن نُعَيم أبا الميلاء واقفًا في ألف رجل من ربيعة، ومحمد بن المثنّى في سبعمئة من فرسان الأزْد، وابن الحسن بن الشيخ الأزديّ في ألف من فِتيانهم، والحزميّ السغْديّ في ألف رجل من أبناء اليمن، فلما تواقفوا قال سلم بن أحوز لمحمد بن المثنَّى: يا محمّد بن المثنى، مُرْ هذا الملّاح بالخروج إلينا، فقال محمد لسلم: يا بن الفاعلة؛ لأبي عليّ تقول هذا! ودلف القوم بعضهم إلى بعض، فاجتلدوا بالسيوف، فانهزم سلْم بن أحوز، وقتِل من أصحابه زيادة على مئة، وقتِل من أصحاب محمد زيادة على عشرين، وقدم أصحاب نصر عليه فلولًا، فقال له عَقِيل بن معقل: يا نصر شأمْتَ العرب؛ فأما إذ صنعت ما صنعتَ فجُدّ وشمر عن ساق، فوجَّه عصمة بن عبد الله الأسديّ فوقف موقف سَلْم بن أحوز، فنادى: يا محمد، لتعلمنّ أن السمك لا يغلب اللُّخْم؛ قال له محمد: يا بن الفاعلة، قف لنا إذًا، وأمر محمد السغديّ فخرج إليه في أهل اليمن، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فانهزم عِصْمة حتى أتى نصر بن سيار، وقد قتل من أصحابه أربعمئة.
ثم أرسل نصر بن سيَّار مالك بن عمرو التميميّ فأقبل في أصحابه، ثم نادى: يا بن المثنى، ابرز لي إن كنت رجلًا! فبرز له، فضربه التميمي على حبل العاتِق فلم يصنع شيئًا؛ وضربه محمد بن المثنّى بعمود فشدخَ رأسه؛ فالتحم القتال؛ فاقتتلوا قتالًا شديدًا كأعظم ما يكون من القتال، فانهزم أصحاب نصر، وقد قتل منهم سبعمئة رجل، وقتِل من أصحاب الكِرمانيّ ثلثمئة رجل؛ ولم يزل الشرّ بينهم حتى خرجوا جميعًا إلى الخندقين، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فلما استيقن أبو مسلم أنّ كلا الفريقين قد أثخن صاحبه؛ وأنه لا مدد لهم، جعل يكتب الكتب إلى شَيْبان، ثم يقول للرسول: اجعل طريقك على المضريّة، فإنهم سيعرضون لك، ويأخذون كتبَك، فكانوا يأخذونها فيقرؤون فيها: إني رأيت أهل اليمن لا وفاء لهم ولا خير فيهم، فلا تثقنّ بهم ولا تطمئنّ إليهم؛ فإني أرجو أن يريَك الله ما تحبّ، ولئن بقيت لا أدَع لهم شَعرًا ولا ظفرًا. ويرسل رسولًا آخر في طريق آخر بكتاب فيه ذكر المضرّية وإطراء اليمن بمثل ذلك؛ حتى صار هوى
стр. 4350
الفريقين جميعًا معه؛ وجعل يكتب إلى نصر بن سيّار وإلى الكرمانيّ: إنّ الإمام قد أوصاني بكم، ولستُ أعدو رأيه فيكم، وكتب إلى الكُور بإظهار الأمر؛ فكان أول من سَوّد - فيما ذكر - أسيد بن عبد الله بنسا، ونادى: يا محمد، يا منصور، وسوّد معه مقاتل بن حكيم وابن غزوان، وسوّد أهل أبيَورد وأهل مَرْو الرّوذ، وقرى مَرْو.
وأقبل أبو مسلم حتى نزل بين خندق نصر بن سيار وخندق جُديع الكرمانيّ، وهابه الفريقان، وكثر أصحابه، فكتب نصر بن سيار إلى مَرْوان بن محمد يعلمه حال أبي مسلم وخروجه وكثرة مَن معه ومَن تبعه، وأنه يدعو إلى إبراهيم بن محمد، وكتب بأبيات شعر:
أَرَى بَيْنَ الرَّماد وَميضَ جَمْرٍ ... فأَحجِ بأَنْ يَكُونَ لَهُ ضِرامُ
فإنَّ النارَ بالعودَيْن تُذْكَى ... وإنَّ الحَرْبَ مَبْدؤها الكلامُ
فقُلت من التَّعَجُّبِ لَيْتَ شِعْري ... أأَيقاظٌ أمَيَّةُ أَمْ نِيامُ!
فكتب إليه: الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، فاحسم الثؤلول قِبَلك، فقال نصر: أما صاحبكم فقد أعلمكم ألّا نصر عنده، فكتب إلى يزيد بن عمر بن هُبيرة يشهّده، وكتب إليه بأبيات شعر:
أبلغ يزيدَ وخيْرُ القول أصدقه ... وقد تبيَّنْتُ ألَّا خَيْرَ في الكذب
أَنَّ خُراسانَ أَرْضٌ قد رأَيْتُ بها ... بيْضًا لو أفْرَخَ قد حُدثْتَ بالعَجَب
فِراخُ عامَيْنِ إلا أنَّها كبِرَتْ ... لمّا يَطِرْنَ وقد سُرْبِلْنَ بالزَّغَبِ
فإنْ يَطِرنَ ولَمْ يُحْتَلْ لَهُنَّ بِها ... يُلْهِبْنَ نيرانَ حرْب أيَّما لَهَب
فقال يزيد: لا غلبة إلا بكثرة؛ وليس عندي رجل. وكتب نصر إلى مَرْوان يخبره خبر أبي مسلم وظهورَه وقوّته؛ وأنه يدعو إلى إبراهيم بن محمد، فألفى الكتاب مَرْوان وقد أتاه رسول لأبي مسلم إلى إبراهيم؛ كان قد عاد من عند إبراهيم، ومعه كتاب إبراهيم إلى أبي مسلم جواب كتابه، يلعن فيه أبا مسلم ويسبّه؛ حيث لم ينتهز الفرصة من نصر والكرمانيّ؛ إذ أمكناه، ويأمره ألّا يدع بخُراسان عربيًّا إلا قتله. فدفع الرسول الكتاب إلى مَرْوان، فكتب مروان إلى الوليد بن معاوية بن عبد الملك وهو على دمشق , يأمره أن يكتب إلى عامل البَلْقاء، فيسير إلى كرار الحُميمة، فليأخذ إبراهيم بن محمد ويشدّه وثاقًا،
стр. 4351
وليبعث به إليه في خيل؛ فوجه الوليد إلى عامل البَلْقاء فأتى إبراهيم وهو في مسجد القرية، فأخذه وكتفه وحمله إلى الوليد، فحمله إلى مَرْوان فحبسه مروان في السجن (١).
* * *
رجع الحديث إلى حديث نصر والكرمانيّ، وبعث أبو مسلم حين عظم الأمر بين الكرمانيّ ونصر إلى الكرمانيّ: إني معك، فقبِل ذلك الكِرمانيّ وانضمّ إليه أبو مسلم، فاشتدّ ذلك على نَصْر، فأرسل إلى الكِرمانيّ: ويلك لا تغترر! فوالله إني لخائف عليك وعلى أصحابك منه؛ ولكن هلمّ إلى الموادعة، فتدخل مَرْو، فنكتب بيننا كتابًا بصلح - وهو يريد أن يفرّق بينه وبين أبي مسلم - فدخل الكِرمانيّ منزله، وأقام أبو مسلم في المعسكر، وخرج الكِرمانيّ حتى وقف في الرَّحبَة في مئة فارس، وعليه قرطق خشكشونة، ثم أرسل إلى نصر: اخرج لنكتب بيننا ذلك الكتاب، فأبصر نصر منه غِرّة، فوجه إليه ابن الحارث بن سريج في نحو من ثلثمئة فارس، فالتقوا في الرَّحبَة، فاقتتلوا بها طويلًا.
ثم إنّ الكرمانيّ طُعِن في خاصرته فخرّ عن دابَّته، وحماه أصحابُه حتى جاءهم ما لا قِبل لهم به، فقتل نصر الكِرمانيَّ وصلبَه، ومعه سمكة، فأقبل ابنه عليّ - وقد كان صار إلى أبي مسلم، وقد جمع جمعًا كثيرًا - فسار بهم إلى نصر بن سيار فقاتله حتى أخرجه من دار الإمارة، فمال إلى بعض دور مَرْو، وأقبل أبو مسلم حتى دخل مَرْو، فأتاه عليّ بن جُديع الكرمانيّ فسلَّم عليه بالإمْرة، وأعلمه أنه معه على مساعدته، وقال: مُرْني بأمرك، فقال: أقم على ما أنت عليه حتى آمرك بأمري [٧/ ٣٦٨ - ٣٧١].
* ذكر الخبر عن ذلك وعن السبب الذي وصل به إلى الغَلَبة عليها:
ذكر عليّ بن محمد: أنّ عاصم بن حفص التميميّ ولخيره حدّثوه أنّ عبد الله بن
стр. 4352
معاوية لما هُزم بالكوفة، شخص إلى المدائن، فبايعه أهلُ المدائن، فأتاه قومٌ من أهل الكُوفة، فخرج إلى الجبال فغلب عليها، وعلى حُلوان وقُومِس وأصبهان والريّ، وخرج إليه عبيد أهل الكوفة، فلمّا غلب على ذلك أقام بأصبهان؛ وقد كان محارب بن موسى مولى بني يَشْكر عظيم القدر بفارس، فجاء يمشي في نعلين إلى دار الإمارة بإصطخر، فطرد العامل؛ عامل ابن عمر عنها، وقال لرجل يقال له عمارة: بايع الناس، فقال له أهل إصطخر: علامَ نبايع؟ قال: على ما أحببتم وكرهتم، فبايعوه لابن معاوية، وخرج محارب إلى كرمان فأغار عليهم، وأصاب في غارته إبلًا لثعلبة بن حسان المازنيّ فاستاقها، ورجع.
فخرج ثعلبة يطلب إبِله في قرية له تدعى أشهر - قال: ومع ثعلبة مولىً له - فقال له مولاه: هل لك أن نفتك بمحارب؛ فإن شئت ضربتَه وكفيتني الناس؛ وإن شئت ضربتُه وكفيتُك الناس؟ قال: ويحك! أردتَ أن تفتك [وتذهب الإبل ولم نلق] الرجل! ثم دخل على محارب فرحّب به، ثم قال: حاجتك! قال: إبلي، [قال: نعم لقد أخذت]، وما أعرفها، وقد عرفتها، فدونك إبلك! فأخذها، وقال لمولاه: [هذا خير، وما أردت؟ ].
قال: ذلك لو أخذناها كان أشفى، وانضمّ إلى محارب القواد والأمراء من أهل الشام: فسار إلى مسلم بن المسيّب وهو بشيراز عامل لابن عمر، فقتله في سنة ثمان وعشرين ومئة، ثم خرج محارب إلى أصبهان، فحوّل عبد الله بن معاوية إلى إصطخر؛ واستعمل أخاه عبد الله أخاه الحسن على الجبال، فأقبل فنزل في دير على ميل من إصطخر، واستعمل أخاه يزيد على فارس فأقام، فأتاه الناس، بنو هاشم وغيرهم؛ وجبَى المال، وبعث العمال؛ وكان معه منصور بن جُمهور وسليمان بن هشام بن عبد الملك وشيبان بن الحِلْس بن عبد العزيز الشيبانيّ الخارجيّ، وأتاه أبو جعفر عبد الله، وعبد الله وعيسى ابنا عليّ، وقدم يزيد بن عمر بن هبيرة على العراق، فأرسل نباتة بن حنظلة الكلابيّ إلى عبد الله بن معاوية؛ وبلغ سليمان بن حبيب أنّ ابن هُبيرة ولَّى نباتة الأهواز، فسرّح داود بن حاتم، فأقام بكربُج دينار ليمنع نباتة من الأهواز، فقدم نُباتة، فقاتله، فقتل داود، وهرب سليمان إلى سابور؛ وفيها الأكراد قد غلبوا عليها، وأخرجوا المسيح بن الحماريّ، فقاتلهم سليمان، فطرد الأكراد عن سابور،
стр. 4353
وكتب إلى عبد الله بن معاوية بالبيعة، فقال: عبد الرحمن بن يزيد بن المهلب: لا يفي لك، وإنما أراد أن يدفعك عنه؛ ويأكل سابور؛ فاكتب إليه فليقدم عليك إن كان صادقًا، فكتب إليه فقدم، وقال لأصحابه: ادخلوا معي؛ فإن منَعكم أحد فقاتلوه، فدخلوا فقال لابن معاوية: أنا أطوع الناس لك، قال: ارجع إلى عملك، فرجع.
ثم إن محارب بن موسى نافر ابنَ معاوية، وجمع جمعًا، فأتى سابور - وكان ابنه مخلد بن محارب محبوسًا بسابور, أخذه يزيد بن معاوية فحبسه - فقال لمحارب: ابنك في يديه وتحاربه! أما تخاف أن يقتل ابنك! قال: أبعده الله! فقاتله يزيد، فانهزم محارب، فأتى كرمان، فأقام بها حتى قدم محمد بن الأشعث، فصار معه، ثم نافرَ ابن الأشعث فقتله وأربعة وعشرين ابنًا له. ولم يزل عبد الله بن معاوية بإصطخر حتى أتاه ابن ضُبارة مع داود بن يزيد بن عمر بن هبيرة، فأمر ابن معاوية فكسروا قنطرة الكوفة، فوجَّه ابن هبيرة معنَ بن زائدة من وَجْه آخر، فقال سليمان لأبان بن معاوية بن هشام: قد أتاك القوم، قال: لم أؤمَرْ بقتالهم؛ قال: ولا تؤمر والله بهم أبدًا، وأتاهم فقاتلهم عند مَرْو الشاذان، ومعن يرتجز:
لَيْسَ أَميرُ القَوْمِ بالْخَبِّ الخدَعْ ... فَرَّ من الموْتِ وفي الموْتِ وقَعْ
قال ابن المقفع أو غيره:
فرّ من الموت وفيه قد وقع.
قال: عمدًا، قلت: قد عملت، فانهزم ابن معاوية، وكفّ معن عنهم، فقتل في المعركة رجل من آل أبي لهب، وكان يقال: يقتل رجل من بني هاشم بمَرْو الشاذان، وأسروا أسَراء كثيرة، فقتل ابن ضبارة عدّة كثيرة؛ فيقال: كان فيمن قُتِل يومئذ حكيم الفرد أبو المجد، ويقال: قتِل بالأهواز قتله نباتة.
ولما انهزم ابنُ معاوية هرب شيبان إلى جَزيرة ابن كاوان ومنصور بن جمهور إلى السند، وعبد الرحمن بن يزيد إلى عُمان، وعمرو بن سهل بن عبد العزيز إلى مصر؛ وبعث ببقيّة الأسرَاء إلى ابن هبيرة.
стр. 4354
قال حميد الطويل: أطلق أولئك الأسراء فلم يقتل منهم غير حصين بن وعلة السدُوسيّ، ولما أمر بقتله قال: أُقتَلُ من بين الأسراء! قال: نعم، أنت مشرِك، أنت الذي تقول:
ولَوْ آمُرُ الشمْسَ لَمْ تُشْرِقِ
ومضى ابنُ معاوية من وجهه إلى سِجستان، ثم أتى خراسان ومنصور بن جمهور إلى السند، فسار في طلبه معن بن زائدة وعطيَّة الثعلبيّ وغيره من بني ثعلبة، فلم يدركوه، فرجعوا، وكان حصين بن وَعْلة السدوسي مع يزيد بن معاوية، فتركه [ولحق بعبد الله بن معاوية] فأسره مورع السلميّ، رآه دخل غيضة فأخذه فأتى به [معن بن زائدة] فبعث به معن إلى ابن ضُبارة، فبعث به ابن ضبارة إلى واسط؛ وسار ابن ضبارة إلى عبد الله بن معاوية بإصطخر، فنزل بإزائه على نهر إصطخر، فعبر ابن الصَّحْصحَ في ألف، فلقيه من أصحاب عبد الله بن معاوية أبان بن معاوية بن هشام فيمن كان معه من أهل الشام، ممن كان مع سليمان بن هشام فاقتتلوا، فمال ابنُ نباتة إلى القنطرة، فلقيَهم من كان مع ابن معاوية من الخوارج، فانهزم أبان والخوارج، فأسر منهم ألفًا، فأتوْا بهم ابن ضُبارة، فخلى عنهم، وأخذ يومئذ عبد الله بن عليّ بن عبد الله بن عباس في الأسراء، فنسبه ابن ضبارة، فقال: ما جاء بك إلى ابن معاوية، وقد عرفت خلافه أمير المؤمنين! قال: كان على دين فأدّيته، فقام إليه حرب بن قطن الكنانيّ، فقال: ابن أختنا، فوهبه له، وقال: ما كنت لأقدم على رجل من قريش، وقال له ابن ضبارة: إن الذي قد كنت معه قد عِيبَ بأشياء، فعندك منها علم؟ قال: نعم، وعابه ورمى أصحابه بالِّلواط، فأتوا ابن ضبارة بغلمان عليهم أقبية قُوهيَّة مصبَّغة ألوانًا، فأقامهم للناس وهم أكثر من مئة غلام، لينظروا إليهم، وحمل ابن ضبارة عبدَ الله بن عليّ على البريد إلى ابن هبيرة ليخبره أخباره، فحمله ابن هبيرة إلى مَروان في أجناد أهل الشام، وكان يعيبه، وابن ضُبارة يومئذ في مفازة كِرمان في طلب عبد الله بن معاوية، وقد أتى ابن هبيرة مقتل نباتة، فوجّه ابن هبيرة كرَب بن مصقلة والحكم بن أبي الأبيض العبسيّ وابن محمد السكرنّي؛ كلهم خطيب، فتكلموا في تقريظ ابن ضُبارة،
стр. 4355
فكتب إليه أن سِر بالناس إلى فارس، ثم جاءه كتاب ابن هبيرة سر إلى أصبهان (١) [٧/ ٣٧١ - ٣٧٤].
* * *
زارَ الحَجيجَ عصابَةٌ قَدْ خالفوا ... دِينَ الإلهِ فَفَرَّ عبدُ الواحدِ
تَرَكَ الحَلائلَ والإمارَةَ هارِبًا ... ومضى يُخَبّط كالبَعِيرِ الشَّارِدِ
لو كان والِدُهُ تَنَصَّلَ عِرْقُه ... لَصَفَتْ مَضارِبُهُ بعرْقِ الوالد (٢)
٧/ ٣٧٦].
ثم دخلت سنة ثلاثين ومئة ذكر خبر الأحداث التي كانت فيها
* ذكر الخبر عن ذلك وسببه:
ذكر أبو الخطاب أن دخولَ أبي مسلم حائط مَرْو ونزوله دار الإمارة التي ينزلها عمَّال خراسان كان في سنة ثلاثين ومئة لتسع خلوْن من جمادى الآخرة يوم الخميس، وأن السبب في مسير عليّ بن جُديع مع أبي مسلم كان أن سليمان بن كثير كان بإزاء عليّ بن الكرمانيّ حين تعاقد هو ونصر على حَرْب أبي مسلم؛ فقال سليمان بن كثير لعليّ بن الكرمانيّ: يقول لك أبو مسلم: أما تأنف من مصالحة نصر بن سيار، وقد قتل بالأمس أباك وصلبه! ما كنتُ أحسبك تجامع نصر بن سيار في مسجد تصليان فيه! فأدرك عليّ بن الكرمانيّ الحفيظة، فرجع عن رأيه
стр. 4356
وانتقض صلح العرب، قال: ولما انتقض صلحُهم بعث نصر بن سيار إلى أبي مسلم يلتمس منه أن يدخل مع مُضر، وبعثت ربيعة وقحطان إلى أبي مسلم بمثل ذلك، فتراسلوا بذلك أيامًا، فأمرهم أبو مسلم أن يقدم عليه وفد الفريقين حتى يختار أحدهما، ففعلوا، وأمر أبو مسلم الشيعة أن يختاروا ربيعة وقحطان؛ فإنّ السلطان في مُضَر، وهم عمال مروان الجعديّ، وهم قتلة يحيى بن يزيد، فقدم الوفدان؛ فكان في وفد مُضر عقيل بن معقل بن حسان الليثيّ وعبيد الله بن عبد ربه الليثيّ والخطاب بن محرز السُّلَميّ، في رجال منهم، وكان في وفد قحطان عثمان بن الكِرمانيّ ومحمد بن المثنى وسَوْرة بن محمد بن عزيز الكنديّ، في رجال منهم؛ فأمر أبو مسلم عثمان بن الكِرْمانيّ وأصحابه فدخلوا بستان المحتفز، وقد بسط لهم فيه؛ فقعدوا وجلس أبو مسلم في بيت في دار المحتفز، وأذن لعَقِيل بن معقل وأصحابه من وفد مُضر، فدخلوا إليه، ومع أبي مسلم في البيت سبعون رجلًا من الشيعة، قرأ على الشيعة كتابًا كتبه أبو مسلم ليختاروا أحد الفريقين؛ فلما فرغ من قراءة الكتاب، قام سليمان بن كثير، فتكلم - وكان خطيبًا مفوّهًا - فاختار عليَّ بن الكرمانيّ وأصحابه، وقام أبو منصور طلحة بن رزيق النقيب فيهم - وكان فصيحًا متكلِّمًا - فقال كمقالة سليمان بن كَثير، ثم قام مزيد بن شقيق السلميّ، فقال: مضر قتلة آل النبي ﷺ وأعوان بني أمية وشيعة مَرْوان الجعديّ، ودماؤنا في أعناقهم، وأموالنا في أيديهم، والتّباعات قبَلهم، ونصر بن سيار عامل مروان على خراسان يُنفذ أمورَه، ويدعو له على منبره، ويسميِّه أمير المؤمنين؛ ونحن من ذلك إلى الله بُراء وأن يكون مَرْوان أميو المؤمنين، وأن يكون نصرٌ على هدىً وصواب، وقد اخترنا عليّ بن الكرماني وأصحابه من قحطان وربيعة، فقال السبعون الذين جمعوا في البيت بقول مزيد بن شقيق.
فنهض وفْد مضر عليهم الذّلة والكآبة؛ ووجَّه معهم أبو مسلم القاسم بن مجاشع في خيل حتى بلغوا مأمنهم، ورجع وفد عليّ بن الكرمانيّ مسرورين منصورين، وكان مقام أبي مسلم بآلين تسعة وعشرين يومًا، فرحل عن آلين راجعًا إلى خندقه بالماخُوان، وأمر أبو مسلم الشيعة أن يبتنوا المساكن، ويستعدوا للشتاء فقد أعفاهم الله من اجتماع كلمة العرب، وصيرهم بنا إلى افتراق الكلمة؛ وكان ذلك قَدَرًا من الله مقدورًا.
стр. 4357
وكان دخول أبي مسلم الماخُوان منصرفًا عن آلين سنة ثلاثين ومئة، للنصف من صفر يوم الخميس، فأقام أبو مسلم في خَنْدقه بالماخُوان ثلاثة أشهر؛ تسعين يومًا، ثم دخل حائط مرْو يوم الخميس لتسع خلَوْن من جمادى الأولى سنة ثلاثين ومئة.
قال: وكان حائط مَرْو إذ ذاك في يد نصر بن سيّار لأنّه عامل خراسان، فأرسل على بن الكرمانيّ إلى أبي مسلم أن أدخل الحائط مَن قِبَلك، وأدخل أنا وعشيرتي من قِبَلي، فنغلب على الحائط، فأرسل إليه أبو مسلم أن لست آمَن أن يجتمع يدك ويد نصر على محاربتي؛ ولكن ادخل أنت فانشب الحرب بينك وبينه وبين أصحابه؛ فدخل عليّ ين الكرماني فأنشب الحرب، وبعث أبو مسلم أبا عليّ شبل بن طهمان النقيب في جُند، فدخلوا الحائط، فنزل في قصر بخاراخذاه، فبعثوا إلى أبي مسلم أن أدخل، فدخل أبو مسلم من خندق الماخُوان، وعلى مقدّمته أسيد بن عبد الله الخزاعيّ، وعلى ميمنته مالك بن الهيثم الخزاعيّ، وعلى ميسرته القاسم بن مجاشع التميميّ؛ حتى دخل الحائط؛ والفريقان يقتتلان، فأمرهما بالكفّ وهو يتلو من كتاب الله: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ٥] ومضي أبو مسلم حتى نزل قصر الإمارة بمرْو الذي كان ينزله عمال خُراسان؛ وكان ذلك لتسع خلوْن من جُمادى الأوتى سنة ثلاثين ومئة، يوم الخميس.
وهرب نصر بن سيّار عن مَرْو الغد من يوم الجمعة لعشرٍ خلْون من جُمادى الأولى من سنة ثلاثين ومئة، وصفت مَرْو لأبي مسلم، فلما دخل أبو مسلم حائط مَرْو أمر أبا منصور طلحة بن رُزيق بأخذ البيعة على الجند من الهاشميّة خاصّة - وكان أبو منصور رجلًا فصيحًا نبيلًا مفوّهًا عالمًا بحجج الهاشمية وغوامض أمورهم؛ وهو أحد النقباء الاثني عشر؛ والنقباء الاثنا عشر هم الذين اختارهم محمد بن عليّ من السبعين الذين كانوا استجابوا له حين بعث رسوله إلى خراسان سنة ثلاث ومئة أو أربع ومئة - وأمره أن يدعو إلى الرّضا، ولا يسمي أحدًا، ومثّل له مثالًا ووصف من العدل صفة، فقدمها فدعا سرًّا، فأجابه ناس، فلما صاروا سبعين أخذ منهم اثني عشر نقيبًا.
منهم من خُزاعة: سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم وزياد بن صالح
стр. 4358
وطلحة بن رُزيق وعمرو بن أعين. ومن طيّئ: قحطبة - واسمه زياد بن شبيب بن خالد بن مَعْدان - ومن تميم: موسى بن كعب أبو عيينة ولاهز بن قريظ والقاسم بن مجاشع، كلُّهم من بني امرئ القيس، وأسلم بن سلام أبو سلام؛ ومن بكر بن وائل أبو داود خالد بن إبراهيم من بني عمرو بن شيبان أخي سدُوس وأبو عليّ الهرويّ.
ويقال: شبل بن طهمان مكان عمرو بن أعين، وعيسى بن كعب وأبو النجم عمران بن إسماعيل مكان أبي علي الهرَويّ، وهو ختَن أبي مسلم.
ولم يكن في النقباء أحد والده حيّ غير أبي منصور طلحة بن رزيق بن أسعد؛ وهو أبو زينب الخزاعيّ، وقد كان شهد حرب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وصحب المهلب بن أبي صفرة وغزا معه؛ فكان أبو مسلم يشاوره في الأمور، ويسأله عمّا شهد من الحروب والمغازي، ويسأله عن الكنية بأبي منصور: يا أبا منصور، ما تقول؟ ما رأيك؟
قال أبو الخطاب: فأخبرنا من شهد أبا منصور يأخذ البيعة على الهاشميَّة: أبايعكم على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ والطاعة للرضا من أهل بيت رسول الله ﷺ عليك بذلك عهد الله وميثاقه، والطلاق والعَتاق، والمشي إلى بيت الله، وعلى ألّا تسألوا رزقًا ولا طمعًا حتى يبدأكم به ولاتكم؛ وإن كان عدوّ أحدكم تحت قدمه فلا تهيجوه إلا بأمر ولاتكم، فلما حبس أبو مسلم سَلْم بن أحْوز ويونس بن عبد ربه، وعقيل بن معقل ومنصور بن أبي الخرقاء، وأصحابه، شاور أبا منصور، فقال: اجعل سوطك السيف، وسجنك القبر؛ فأقدمهم أبو مسلم فقتلهم، وكانت عدّتهم أربعة وعشرين رجلًا. [٧/ ٣٧٧ - ٣٨٠].
قال عليّ: أخبرنا المفضل، قال: لما قتِل شيبان مرّ رجل من بكر بن وائل - يقال له خَفَاف - برسل أبي مسلم الذين كان أرسلهم إلى شيبان، وهم في بيت، فأخرجهم وقتلهم.
وقيل: إن أبا مسلم وجّه إلى شيبان عسكرًا من قِبَله، عليهم خزيمة بن خازم وبسام بن إبراهيم [٧/ ٣٨٦].
* * *
стр. 4359
ذكر خبر قتل عليّ وعثمان ابني جُدَيع
وفي هذه السنة قَتل أبو مسلم عليًّا وعثمان ابني جُديع الكِرمانيّ.
*ذكر سبب قتل أبي مسلم إياهما:
وكان السبب في ذلك - فيما قيل: أن أبا مسلم كان وجّه موسى بن كعب إلى أبيوَرْد فافتتحها، وكتب إلى أبي مسلم بذلك، ووجّه أبا داود إلى بَلْخ وبها زياد بن عبد الرحمن القُشيريّ، فلما بلغه قَصْد أبي داود بلْخ خرج في أهل بلْخ والترمذ وغيرهما، من كُورطُخارستان إلى الجُوزجان، فلما دنا أبو داود منهم، انصرفوا منهزمين إلى التِّرمذ، ودخل أبو داود مدينة بلْخ، فكتب إليه أبو مسلم يأمره بالقدوم عليه، ووجّه مكانه يحيى بن نعيم أبا الميلاء [على بلخ، فخرج] أبو داود، فلقيه كتاب من أبي مسلم يأمره بالانصراف، فانصرف، وقدم عليه أبو الميلاء؛ فكتاب زيادَ بن عبد الرحمن يحيى بن نعيم أبو الميلاء أن يصير أيديهم واحدة، فأجابه، فرجع زياد بن عبد الرحمن القشيريّ ومسلم بن عبد الرحمن بن مسلم الباهليّ وعيسى بن زُرْعة السُّلميّ وأهل بلْخ والترمذ وملوك طخارستان، وما خلْف النهر وما دونه، فنزل زياد وأصحابه على فرسخ من مدينة بلْخ، وخرج إليه يحيى بن نعيم بمَن معه حتى اجتمعوا، فصارت كلمتهم واحدة، مضريّهم ويمانيهم وربَعيُّهم ومَن معهم من الأعاجم على قتال المسوّدة، وجعلوا الولاية عليهم لمقاتل بن حيّان النبَطيّ؛ كراهة أن يكون من الفرق الثلاثة، وأمر أبو مسلم أبا داود بالعود، فأقبل أبو داود بمَن معه حتى اجتمعوا على نهر السّرجَنان، وكان زياد بن عبد الرحمن وأصحابه قد وجّهوا أبا سعيد القرشيّ مسلحةً فيما بين العود وبين قرية يقال لها أمديان؛ لئلا يأتيهم أصحاب أبي داود من خلفهم، وكانت أعلام أبي سعيد وراياته سودًا، فلما اجتمع أبو داود وزياد وأصحابهما، واصطفوا للقتال، أمر أبو سعيد القرشيُّ أصحابَه أن يأتوا زيادًا وأصحابه مِنْ خلفهم، فرجع وخرج عليهم من سكة العود وراياته سود، فظنّ أصحاب زياد أنهم كَمِين لأبي داود، وقد نشب القتال بين الفريقين، فانهزم زياد ومَن معه، وتبعه أبو داود، فوقع عامة أصحاب زياد في نهر السرجنان، وقتل عامة رجالهم المتخلّفين، ونزل أبو داود عسكرهم،
стр. 4360
وحوَى ما فيه، ولم يتبع زيادًا ولا [أصحابه وأكثر من تبعهم سرعان من سرَعان] خيل أبي داود إلى مدينة [بلخ لم يجاوزها]، ومضى زياد ويحيى ومن معهما إلى الترمذ، وأقام أبو داود يومه [ذلك ومن الغد، ولم يدخل مدينة بلخ] واستصفى أموال من قتل بالسرجنان ومن هرب من العرب وغيرهم، واستقامت بلْخ لأبي داود.
ثم كتب إليه أبو مسلم يأمره بالقُدوم عليه، ووجّه النضر بن صُبيح المُرّيّ على بلخ، وقدم أبو داود، واجتمع رأي أبي داود وأبي مسلم على أن يفرّقا بين علي وعثمان ابني الكرمانيّ، فبعث أبو مسلم عثمان عاملًا على بلْخ، فلما قدمها استخلف الفُرافصة بن ظُهير العبسيّ على مدينة بلْخ، وأقبلت المضريّة من تِرْمذ، عليهم مسلم بن عبد الرحمن الباهلي، فالتقوا وأصحاب عثمان بن جُديع بقرية بين البَرُوقان وبين الدَّسْتَجرد، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فانهزم أصحاب عثمان بن جُديع، وغلب المضرّية ومسلم بن عبد الرحمن على مدينة بلْخ، وأخرجوا الفُرافصة منها، وبلغ عثمان بن جُديع الخبر والنّضر بن صُبيح، وهما بمرْو الرّوذ، فأقبلا نحوهم، وبلغ أصحاب زياد بن عبد الرحمن فهربوا من تحت ليلتهم، وعتّب النضر في طلبهم، رجاء أن يفوتوا، ولقيهم أصحاب عثمان بن جُديع، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فانهزم أصحاب عثمان بن جُديع، وأكثروا فيهم القتل، ومضت المضريّة إلى أصحابها، ورجع أبو داود من مَرْو إلى بلخ، وسار أبو مسلم ومعه عليّ بن جُديع إلى نيسابور.
واتّفق رأي أبي مسلم ورأي أبي داود على أن يقتل أبو مسلم عليًّا، ويقتل أبو داود عثمان في يوم واحد، فلما قدم أبو داود بلخ بعث عثمان عاملًا على الخُتل فيمن معه من يماني أهل مَرْو وأهل بلْخ وربَعيّهم، فلما خرج من بلخ خرج أبو داود [فاتبع الأثر فلحق عثمان على شاطئ نهر بوخش] من أرض الخُتّل، فوثب أبو داود على عثمان وأصحابه، فحبسهم جميعًا ثم ضرب أعناقهم صَبْرًا، وقتل أبو مسلم في ذلك اليوم عليّ بن الكرمانيّ، وقد كان أبو مسلم أمره أن يسمّي له خاصته ليوليَهم، ويأمر لهم بجوائز وكُسًا، فسماهم له فقتلهم جميعًا. [٧/ ٣٨٦ - ٣٨٨].
قال أبو جعفر: فأما غيرُ الَّذين روى عنهم علي بن محمد ما ذكرنا في أمر
стр. 4361
قَحْطبة وتوجيه أبي مسلم إياه إلى نصر وأصحابه، فإنه ذكر أن أبا مسلم لما قتل شيبان الخارجيّ وابني الكرمانيّ، ونفى نصرًا عن مرْو، وغلب على خُراسان، وجّه عماله على بلادها، فاستعمل سباع بن النعمان الأزديّ على سَمَرْقند وأبا داود خالد بن إبراهيم على طخارستان، ووجَّه محمد بن الأشعث إلى الطَّبَسيْن وفارس، وجعل مالك بن الهيثم على شُرْطته، ووجّه قحطبة إلى طُوس، ومعه عدّة من القوّاد؛ منهم أبو عون عبد الملك بن يزيد ومقاتل بن حكيم العكيّ وخالد بن بَرْمك وخازم بن خزيمة والمنذربن عبد الرحمن وعثمان بن نهِيك وجَهْور بن مرار العجليّ وأبو العباس الطوسيّ وعبد الله بن عثمان الطائيّ وسلمة بن محمد وأبو غانم عبد الحميد بن ربعيّ وأبو حُميد وأبو الجهم - وجعله أبو مسلم كاتبًا لقحطبة على الجند - وعامر بن إسماعيل ومحرز بن إبراهيم، في عدّة من القوّاد، فلقي مَنْ بطوس فانهزموا، وكان من مات منهم في الزحام أكثر ممن قُتِل؛ فبلغ عدّة القتلى يومئذ بضعة عشر ألفًا، ووجه أبو مسلم القاسم بن مجاشع إلى نيسْابور على طريق المحجة؛ وكتب إلى قحْطبة يأمره بقتال تميم بن نصر بن سيّار والنابي بن سويد، ومَنْ لجأ إليهما من أهل خُراسان، وأن يصرف إليه موسى بن كعب من أبِيورد، فلما قدم قحطبة أبيورد صرف موسى بن كعب إلى أبي مسلم، وكتب إلى مقاتل بن حكيم يأمره أن يوجّه رجلًا إلى نيسابور، ويصرف منها القاسم بن مجاشع؛ فوجّه أبو مسلم عليّ بن معقل في عشرة آلاف إلى تميم بن نصر، وأمره [إذا دخل] قحطبة طوس أن يستقبله بمَنْ معه وينضمّ إليه؛ فسار عليّ بن معقل حتى نزل قرية يقال لها حُلوان، وبلغ قَحْطبة مسير عليّ [ونزوله حيث] نزل، فعجَّل السير إلى السوذقان، وهو معسكر تميم بن نصر والنابي بن سويد، ووجّه على مقدمته أسيد بن عبد الله الخزاعيّ في [ثلاثة آلاف رجل من شيعة] أهل نسا وأبِيورد، فسار حتى نزل قرية يقال [لها حبوسان، فتعبّأ تميم والنابي] لقتاله، فكتب أسيد إلى قحطبة يعلمه [ما أجمعوا عليه من قتاله، وأنه إن] لم يعجل القدوم عليه حاكمهم إلى الله ، وأخبره أنهما في ثلاثين ألفًا من صناديد أهل خُراسان وفرسانهم. فوجّه قحطبة مقاتل بن حكيم العكيّ في ألف وخالد بن برمك في ألف، فقدما على أسيد؛ وبلغ ذلك تميمًا والنابي فكسرهما. ثم قدم عليهم قحطبة بمن معه، وتعبّأ لقتال تميم، وجعل على ميمنته مقاتل بن حكيم
стр. 4362
وأبا عون عبد الملك بن يزيد وخالد بن برمك، وعلى ميسرته أسيد بن عبد الله الخُزاعي والحسن بن قحطبة والمسيّب بن زهير وعبد الجبار بن عبد الرحمن، وصار هو في القلب، ثم زحف إليهم، فدعاهم إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وإلى الرضا من آل محمد ﷺ فلم يجيبوه، فأمر الميمنة والميسرة أنَ يحملوا، فاقتتلوا قتالًا شديدًا أشدّ ما يكون من القتال، فقتل تميم بن نصر في المعركة، وقتل معه منهم مقتلة عظيمة، واستبيح عسكرهم، وأفلت النابي في عدّة، فتحصنّوا في المدينة، وأحاطت بهم الجنود، فنقبوا الحائط ودخلوا إلى المدينة، فقتلوا النابي ومنْ كان معه، وهرب عاصم بن عمير السمرقنديّ وسالم بن راوية السعيديّ إلى نصر بن سيّار بنيسابور، فأخبراه بمقتل تميم والنابي ومَن كان معهما؛ فلما غلب قحطبة على عسكرهم بما فيه صيّر إلى خالد بن بَرْمك قبض ذلك، ووجّه مقاتل بن حكيم العكيّ على مقدمته إلى نيسابور؛ فبلغ ذلك نصر بن سيار؛ فارتحل هاربًا في أثر أهل إبْرَشهر حتى نزل قُومِس وتفرّق عنه أصحابه، فسار إلى نُباتة بن حنظلة بجرجان، وقدم قحطبة نيسابور بجنوده. [٧/ ٣٨٩ - ٣٩٠].
وأقبل قحطبة إلى جرجان في ذي القعدة من سنة ثلاثين ومئة، ومعه أسيد بن عبد الله الخزاعيّ وخالد بن بَرْمك وأبو عون عبد الملك بن يزيد وموسى بن كعب المرائىّ والمسيب بن زهير وعبد الجبار بن عبد الرحمن الأزديّ، وعلى ميمنته موسى بن كعب، وعلى ميسرته أسيد بن عبد الله، وعلى مقدّمته الحسن بن قحطبة، فقال قحطبة: يا أهلَ خُراسان، أتدرون إلى من تسيرون، ومن تقاتلون؟ إنما تقاتلون بقيَّة قوم أحْرقوا بيت الله ، وأقبل الحسن حتى نزل تُخوم خُراسان، ووجَّه الحسن عثمان بن رُفيع ونافعًا المروزيّ وأبا خالد المروروزيّ ومسعدة الطائيّ إلى مسلحة نُبَاتة، وعليها رجل يقال له ذُؤيب، فبيّتوه، فقتلوا ذؤيبًا وسبعين رجلًا من أصحابه، ثم رجعوا إلى عسكر الحسن، وقدم قحطبة فنزلوا بإزاء نباتة وأهل الشأم في عدّة لم يرَ الناس مثلها. فلما رآهم أهل خُراسان هابوهم حتى تكلَّموا بذلك وأظهروه. وبلغ قحطبة. فقام فيهم خطيبًا فقال:
يا أهل خراسان؛ هذه البلاد كانت لآبائكم الأولين، وكانوا يُنصرون على
стр. 4363
عدوّهم بعدلهم وحسن سيرتهم؛ حتى بدّلوا وظلموا، فسخط الله عليهم، فانتزع سلطانهم، وسلط عليهم أذلّ أمة كانت في الأرض عندهم، فغلبوهم على بلادهم، واستنكحوا نساءهم، واسترقّوا أولادهم؛ فكانوا بذلك يحكُمون بالعدل ويوفون بالعهد، وينصرون المظلوم، ثم بدّلوا وغيّروا وجاروا في الحكم، وأخافوا أهل البِرّ والتقوى من عِترة رسول الله ﷺ ، فسلّطكم عليهم لينتقم منهم بكم لتكونوا أشدّ عقوبة؛ لأنكم طلبتموهم بالثأر. وقد عهد إليّ الإمام أنكم تلقونهم في مثل هذه العدّة فينصركم الله عليهم فتهزموهم وتقتلونهم.
وقد قرئ على قحطبة كتاب أبي مسلم، من أبي مسلم إلى قحطبة: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد. فناهض عدوّك؛ فإنّ الله ناصرك؛ فإذا ظهرتَ عليهم فأثخن في القتل.
فالتقوا في مستهلّ ذي الحجة سنة ثلاثين ومئة في يوم الجمعة، فقال قحطبة: يا أهلَ خراسان. إن هذا اليوم قد فضّله الله ﵎ على سائر الأيام والعمل فيه مضاعف، وهذا شهر عظيم فيه عيد من أعظم أعيادكم عند الله ، وقد أخبرنا الإمام أنكم تُنصرون في هذا اليوم من هذا الشهر على عدوكم، فالقوْه بجدّ وصبر واحتساب؛ فإنّ الله مع الصابرين. ثم ناهضهم وعلى ميمنته الحسن بن قحطبة. وعلى ميسرته خالد بن بَرْمك ومقاتل بن حكيم العكِّيّ، فاقتتلوا وصبر بعضهم لبعض، فقتل نباتة، وانهزم أهل الشأم فقتل منهم عشرة آلاف، وبعث قحطبة إلى أبي مسلم برأس نُباتة وابنه حيّة.
قال: وأخبرنا شيخٌ من بني عديّ، عن أبيه، قال: كان سالم بن راوية التميميّ ممن هرب من أبي مسلم، وخرج مع نصر، ثم صار مع نباتة، فقاتل قَحْطبة برجان، فانهزم الناس، وبقيَ يقاتل وحده، فحمل عليه عبد الله الطائيّ - وكان من فُرْسان قحطبة - فضربه سالم بن راوية على وجهه، فأندر عينه، وقاتلهم حتى اضطر إلى المسجد، فدخله ودخلوا عليه، فكان لا يشدّ من ناحية إلا كشفهم، فجعل ينادي: شَرْبة! فو الله لأُنقعنّ لهم شرًّا يومي هذا. وحرّقوا عليه سقف المسجد، فرموه بالحجارة حتى قتلوه وجاؤوا برأسه إلى قحطبة،
стр. 4364
وليس في رأسه ولا وجهه مصحّ؛ فقال قحطبة: ما رأيت مثل هذا قطّ! [٧/ ٣٩١ - ٣٩٣].
وقد زعم بعضُ الناس أن خُزاعة دلت أبا حمزة على عَوْرتهم، وأدخلوهم عليهم فقتلوهم؛ وكانت المقتلة على قريش، هم كانوا أكثر الناس، وبهم كانت الشوكة، واْصيب منهم عدد كثير.
قال العباس: قال هارون: وأخبرني بعض أصحابنا أن رجلًا من قريش نظر إلى رجل من أهل اليمن وهو يقول: الحمد لله الذي أقرّ عيني بمقتل قريش، فقال لابنه: يا بنيّ ابدأ به - وقد كان من أهل المدينة - قال: فدنا منه ابنه فضرب عنقه، ثم قال لابنه: أي بنيّ، تقدم، فقاتلا حتى قتلا. ثم ورد قُلّال الناس المدينة وبكى الناس قتلاهم، فكانت المرأة تقيم على حميمها النواح، فما تبرح النساء حتى تأتيهن الأخبار عن رحالهنّ فتخرج النساء امرأة امرأة؛ كل امرأة تذهب إلى حميمها [فتنصرف] حتى ما تبقى عندها امرأة.
قال: وأنشدني أبو ضَمْرة هذه الأبيات في قَتْلَى قُديد الذين أصيبوا من قومه، رثاهم بعض أصحابهم فقال:
يا لَهفَ نَفْسي ولَهْفي غَيْرَ كاذِبَة ... على فوارِسَ بالبَطْحاء أنجادِ
عَمْرٌو وعَمْرٌو وعَبْدُ اللهِ بَيْنَهُما ... وابناهُما خامِسٌ والحارثُ السادِي
[٧/ ٣٩٣ - ٣٩٤].
* ذكر الخبر عن دخول أبي حمزة المدينة وما كان منه فيها:
حدثني العباس بن عيسى، قال: حدثنا هارون بن موسى الفروي، قال: حدثني موسى بن كثير، قال: دخل أبو حمزة المدينة سنة ثلاثين ومئة، ومضى عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك إلى الشام، فرقيَ المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال:
يا أهل المدينة؛ سألناكم عن ولاتكم هؤلاء، فأسأتم - لعمر الله - فيهم القول، وسألناكم: هل يقتلون بالظن؟ فقلتم لنا: نعم، وسألناكم: هل يستحلون المال الحرام والفَرْج الحرام؟ فقلتم لنا: نعم، فقلنا لكم: تعالوا نحن وأنتم نناشدهم الله إلّا تنحّوا عنا وعنكم، فقلتم: لا يفعلون، فقلنا لكم: تعالوا
стр. 4365
نحن وأنتم نقاتلهم؛ فإن نظهر نحن وأنتم [نأت] بمن يقيم فينا كتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ ، فقلتم: لا نقوى، فقلنا لكم: فخلُّوا بيننا وبينهم؛ فإن نظفر نعدل في أحكامكم ونحملكم على سنة نبيكم ﷺ [ونقسم] فيئكم بينكم، فأبيتم، وقاتلتمونا دونهم، فقاتلناكم، فأبعدكم الله وأسحقكم!
قال محمد بن عمر: حدّثني حزام بن هشام، قال: كانت الحَرُورية أربعمئة، وعلى طائفة من الحروية الحارث، وعلى طائفة بكار بن محمد العدويّ؛ عديّ قريش، وعلى طائفة اْبو حَمْزة، فالتقوا وقد تهيّأ الناس بعد الإعذار من الخوارج إليهم، وقالوا لهم: إنا والله ما لنا حاجة بقتالكِم، دعونا نمض إلى عدوّنا. فأبى أهل المدينة، فالتقوا لسبع ليال خَلَوْن من صَفر يوم الخميس سنة ثلاثين ومئة، فقتل أهل المدينة، لم يفلت منهم إلا الشريد، وقتل أميرهم عبد العزيز بن عبد الله، واتهمت قريش خُزاعة أن يكونوا داهنوا الحروريّة. فقال لي حزام: والله لقد آويتَ رجالًا من قريش منهم حتى آمن الناس؛ فكان بَلْج على مقدّمتهم. وقدمت الحروريّة المدينة لتسع عشرة ليلة خلت من صفر.
حدثني العباس بن عيسى، قال: قال هارون بن موسى: أخبرني بعض أشياخنا، أن أبا حمزة لما دخل المدينة قام فخطب فقال في خطبته:
يا أهل المدينة مررتُ [بكم] في زمن الأحول هشام بن عبد الملك، وقد أصابتكم عاهة في ثماركم وكتبتم إليه تسألونه أن يضع أخراصكم عنكم، فكتب إليكم يضعها عنكم، فزاد الغنيّ غنى، وزاد الفقير فقرًا، فقلتم: جزاك الله خيرًا؛ فلا جزاكم الله خيرًا ولا جزاه. [٧/ ٣٩٤ - ٣٩٥].
قال العبّاس: قال هارون: وأخبرني عبد الملك بن الماجشون، قال: لما لقى أبو حمزة وابن عطيّة، قال أبو حمزة: لا تقاتلوهم حتى تخبرُوهم، قال: فصاحوا بهم: ما تقولون في القرآن والعمل به؟ قال: فصاح ابنُ عطيَّة: نضعه في جوف الجُوالق، قال: فما تقولون في مال اليتيم؟ قال: نأكل مالَه ونفجُر بأمِّه .. في أشياء بلغني أنهم سألوهم عنها. قال: فلما سمعوا كلامهم، قاتلوهم حتى أمسوا، فصاحوا: ويحك يابن عطية! إنّ الله قد جعل الليل سكنًا،
стр. 4366
فاسكن نسكن. قال: فأبى فقاتلهم حتى قتلهم (١) [٧/ ٣٩٩].
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة غزا الصَّائفة - فيما ذكر - الوليد بن هشام، فنزل العمق، وبنى حصن مَرْعش.
وفيها وقع الطاعون بالبصرة (٢).
وفي هذه السنة قتل قحطبة بن شبيب من أهل جرجان من قتل من أهلها؛ قيل: إنه قتل منهم زُهاء ثلاثين ألفًا؛ وذلك أنه بلغه - فيما ذكر - عن أهل جرجان أنه أجمع رأيهم بعد مقتل نباتة بن حنظلة على الخروج على قحطبة، فدخل قحطبة لما بلغه ذلك من أمرهم؛ واستعرضهم، فقتل منهم من ذكرت. ولما بلغ نصر بن سيار قتل قحطبة نباتة ومن قتل من أهل جرجان وهو بقومس، ارتحل حتى نزل خُوار الرّيّ [٧/ ٤٠١].
قال عليّ: وأخبرنا المفضّل بن محمد الضبيّ، قال: لما لقي قحطبة ابنَ ضُبارة انهزم داود بن يزيد بن عمر، فسأل عنه عامر، فقيل: انهزم، فقال: لعن الله شرَّنا منقلبًا! وقاتل حتى قتل.
قال عليّ: وأخبرنا حفص بن شبيب، قال: حدّثني من شهد قحطبة وكان معه، قال: ما رأيتُ عسكرًا قطّ جمعَ ما جمع أهلُ الشأم بأصبهان من الخيل والسلاح والرقيق، كأنا افتتحنا مدينة؛ وأصبنا معهم ما لا يحصى من البرابط والطنابير والمزامير؛ ولقلّ بيت أو خِباء ندخله إلا أصبنا فيه زُكْرة أو زِقًّا من الخمر، فقال بعض الشعراء:
لما رَمَيْنَا مُضرًا بالقبّ ... قرْضَبَهُمْ قَحْطَبَةُ القِرْضَبِّ
يَدْعُونَ مَروانَ كَدَعْوَى الرَّبِّ (٣)
[٧/ ٤٠٦].
стр. 4367
قال عليّ: وأخبرنا أبو الحسن الخُراسانيّ وجبلة بن فرّوخ؛ قالا: لما قدم قحطبة نهاوند والحسن محاصرهم، أقام قحطبة عليهم، ووجّه الحسن إلى مَرْج القلعة، فقدّم الحسن خازم بن خُزيمة إلى حُلوان، وعليها عبد الله بن العلاء الكِنديّ، فهرب من حُلوان وخلَّاها.
قال عليّ: وأخبرنا محرز بن إبراهيم، قال: لما فتح قحطبة نَهاوند؛ أرادوا أن يكتبوا إلى مرْوان باسم قَحْطبة، فقالوا: هذا اسم شنيع، اقلبوه فجاء "هبط حقّ" فقالوا: الأول مع شنعته أيسر من هذا. فردّوه [٧/ ٤٠٨ - ٤٠٩].
ذكر وقعة شهرزور وفتحها
وفي هذه السنة كانت وقعة أبي عون بشهرزور.
ذكر الخبر عنها وعمّا كان فيها:
ذكر عليّ: أن أبا الحسن وجَبلة بن فروخ، حدّثاه قالا: وجّه قحطبة أبا عون عبد الملك بن يزيد الخراسانيّ ومالك بن طريف الخراساني في أربعة آلاف إلى شهرزور، وبها عثمان بن سفيان على مقدّمة عبد الله بن مَرْوان، فقدم أبو عون ومالك، فنزلا على فرسخين من شهرزور، فأقاما به يومًا وليلة، ثم ناهضا عثمان بن سفيان في العشرين من ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين ومئة فقتل عثمان بن سفيان، وبعث أبو عون بالبشارة مع إسماعيل بن المتوكّل، وأقام أبو عون في بلاد الموصل.
وقال بعضهم: لم يُقتل عثمان بن سفيان، ولكنّه هرب إلى عبد الله بن مَرْوان، واستباح أبو عون عسكره، وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة بعد قتال شديد. وقال: كان قحطبة وجَّه أبا عون إلى شهرِزور في ثلاثين ألفًا بأمر أبي مسلم إياه بذلك. قال: ولما بلغ خبرُ أبي عون مروان وهو بحرَّان، ارتحل منها ومعه جنود الشأم والجزيرة والموصل، وحشرت بنو أمية معه أبناءهم مقبلًا إلى أبي عون؛ حتى انتهى إلى الموصل، ثم أخذ في حفر الخنادق من خند إلى خندق؛ حتى نزل الزّاب الأكبر، وأقام أبو عون بشهرزور بقيّة ذي الحجة والمحرّم من سنة اثنتين وثلاثين ومئة، وفرض فيها لخمسة آلاف رجل. [٧/ ٤٠٩].
стр. 4368
وقد ذكر أن الوليد بن عروة إنما كان خرج خارجًا من المدينة، وكان مروان قد كتب إلى عمه عبد الملك بن محمد بن عطية يأمره أن يحجّ بالناس وهو باليمن؛ فكان مِنْ أمره ما قد ذكرت قبلُ، فلمّا أبطأ عليه عمه عبد الملك افتعل كتابًا من عمّه يأمره بالحجّ بالناس، فحجّ بهم.
وذكر أن الوليد بن عروة بلغه قتلُ عمه عبد الملك فمضى [إلى] الذين قتلوه، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وبقر بطون نسائهم، وقتل الصبيان، وحرّق بالنيران مَنْ قدر عليه منهم. [٧/ ٤١٠ - ٤١١].
ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
وذكر عليّ: أن الحسن بن رشيد وجبله بن فرّوخ أخبراه: أنّ قحطبة لما ترك ابنَ هبيرة ومضى يريد الكوفة، قال حوثرة بن سهيل الباهليّ وناس من وجوه أهل الشأم لابن هبيرة: قد مضى قحطبة إلى الكوفة، فاقصد أنت خراسان، ودعه ومروان فإنك تكسره، فبالحري أن يتبعك، فقال: ما هذا برأي، ما كان ليتبعني ويدع الكوفة؛ ولكنّ الرأي أن أبادره إلى الكوفة. ولما عبر قحطبة الفرات، وسار على شاطيء الفرات ارتحل ابن هُبيرة من معسكره بأرض الفلُّوجة، فاستعمل على مقدّمته حوثرة بن سهيل، وأمره بالمسير إلى الكوفة، والفريقان يسيران على شاطئ الفرات؛ ابن هُبيرة بين الفرات وسورا، وقحطبة في غربيه مما يلي البرّ. ووقف قحطبة فعبر إليه رجل أعرابيّ في زورق، فسلَّم على قحطبة، فقال: ممن أنت؟ قال: من طيئ، فقال الأعرابيّ لقحطبة: اشرب من هذا واسقني سؤرك، فغرف قحطبة في قصعة فشرب وسقاه، فقال: الحمد لله الذي نسأ أجلي حتى رأيتُ هذا الجيش يشرب من هذا الماء. قال قحطبة: أتتك الرواية؟ قال: نعم؛ قال: ممن أنت؟ قال: من طيِّئ، ثم أحد بني نَبْهان، فقال قحطبة: صدقني إمامي، أخبرني أن لي وقعة على هذا النهر لي فيها النصر، يا أخا بني نبهان، هل ها هنا مخاضة؟ قال: نعم ولا أعرفها، وأدلك على مَنْ يعرفها؛ السنديّ بن عصم. فأرسل إليه قحطبة، فجاء وأبو السنديّ وعون، فدلُّوه على المخاضة وأمسى ووافتْه مقدّمة ابن هبيرة في عشرين ألفًا، عليهم حَوْثرة.
стр. 4369
فذكر عليّ، عن ابن شهاب العبدّي، قال: نزل قحطبة الجبارية فقال: صدقني الإمام أخبرني أن النصر بهذا المكان، وأعطى الجند أرزاقهم، فردّ عليه كاتبه ستة عشر ألف درهم، فضل الدرهم والدرهمين وأكثر وأقل، فقال: لا تزالون بخير ما كنتم على هذا. ووافته خيول الشام، وقد دلُّوه على مخاضة فقال: إنما أنتظر شهر حرام وليلة عاشوراء، وذلك سنة اثنتين وثلاثين ومئة. [٧/ ٤١٣ - ٤١٤].
رجع الحديث إلى حديث عليّ عن ابن شهاب العبديّ: فأما صاحب علمَ قحطبة خيران أو يسار مولاه، فقال له: اعبر، وقال لصاحب رايته مسعود بن علاج (رجل من بكر بن وائل): اعبر، وقال لصاحب شرطته عبد الحميد بن ربعيّ أبي غانم أحد بني نبهان من طيئ: اعبر يا أبا غانم، وأبشر بالغنيمة، وعبر جماعة حتى عبر أربعمئة، فقاتلوا أصحاب حوثرة حتى نَحَّوْهم عن الشريعة، ولقوا محمد بن نباتة فقاتلوه، ورفعوا النيران، وانهزم أهل الشأم، وفقدوا قحطبة فبايعوا حُميد بن قحطبة على كُره منه، وجعلوا على الأثقال رجلًا يقال له أبو نصر في مئتين، وسار حُميد حتى نزلا كربلاء، ثم دير الأعور ثم العباسيَّة. [٧/ ٤١٤].
قال عليّ: وذكر عبد الله بن بدر قال: كنتُ مع ابن هبيرة ليلة قحطبة فعبروا إلينا، فقاتلونا على مسنَّاة عليها خمسة فوارس؛ فبعث ابنُ هبيرة محمد بن نباتة، فتلقاهم فدفعناهم دفعًا، وضرب معن بن زائدة قحطبة على حبل عاتقه، فأسرع فيه السيف، فسقط قحطبة في الماء فأخرجوه، فقال: شدُّوا يديّ، فشدّوها بعمامة، فقال: إن متّ فألقوني في الماء لا يعلم أحد بقتلي. وكرّ عليهم أهل خراسان، فانكشف ابن نباتة وأهل الشام، فاتبعونا وقد أخذ طائفة في وجه، ولحقنا قوم من أهل خراسان، فقاتلناهم طويلًا، فما نجونا إلّا برجلين من أهل الشام قاتلوا عنا قتالًا شديدًا، فقال بعض الخراسانيّة: دعُوا هؤلاء الكلاب (بالفارسية) فانصرفوا عنا. ومات قحطبة وقال قبل موته: إذا قدمتم الكوفة فوزير الإمام أبو سلمة؛ فسلموا هذا الأمرَ إليه. ورجع ابن هبيرة إلى واسط.
وقد قيل في هلاك قحطبة قول غير الذي قاله مَن ذكرنا قوله من شيوخ عليّ بن محمد؛ والذي قيل من ذلك: إنّ قحطبة لما صار بحذاء ابن هُبيرة من الجانب
стр. 4370
الغربيّ من الفرات، وبينهما الفرات، قدّم الحسن ابنه على مقدّمته، ثم أمر عبد الله الطائيّ ومسعود بن علاج وأسد بن المرزبان وأصحابهم بالعبور على خيولهم في الفرات، فعبروا بعد العصر، فطُعن أوّل فارس لقيهم من أصحاب ابن هبيرة، فولّوا منهزمين حتى بلغت هزيمتهم جسر سورا حتى اعترضهم سويد صاحب شُرطة ابن هبيرة، فضرب وجوههم ووجوه دوابّهم حتى ردّهم إلى موضعهم؛ وذلك عند المغرب؛ حتى انتهوا إلى مسعود بن علاج ومن معه؛ فكثروهم، فأمر قحطبة المخارق بن غفار وعبد الله بسَّام وسلمة بن محمد - وهم في جريدة خيل - أن يعبروا، فيكونوا ردءًا لمسعود بن علاج، فعبروا ولقيهم محمد بن نباتة، فحصر سلمة ومن معه بقرية على شاطى الفرات، وترجّل سلمة ومن معه، وحمي القتال، فجعل محمد بن نُباتة يحمل على سلمة وأصحابه، فيقتل العشرة والعشرين، ويحمل سلمة وأصحابه على محمد بن نباتة وأصحابه، فيقتل منهم المئة والمئتين، وبعث سلمة إلى قحطبة يستمدّه، فأمدّه بقواده جميعًا، ثم عبر قحطبة بفُرسانه، وأمر كل فارس أن يردف رجلًا؛ وذلك ليلة الخميس لليال خلون من المحرّم، ثم واقع قحطبة محمد بن نباتة ومن معه، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فهزمهم قحْطبة حتى ألحقهم بابن هُبيرة، وانهزم ابن هبيرة بهزيمة ابن نباتة، وخلّوا عسكرهم وما فيه من الأموال والسلاح والرّثّة والآنية وغير ذلك؛ ومضت بهم الهزيمة حتى قطعوا جسر الصَّراة، وساروا ليلتهم حتى أصبحوا بفم النيل، وأصبح أصحاب قحطبة وقد فقدوه؛ فلم يزالوا في رجاء منه إلى نصف النهار، ثم يئسوا منه وعلموا بغرقه، فأجمع القوّاد على الحسن بن قحطبة فولَّوه الأمر وبايعوه، فقام بالأمر وتولاه، وأمر بإحصاء ما في عسكر ابن هُبيرة، ووكّل بذلك رجلًا من أهل خراسان يكنى أبا النضر في مئتي فارس، وأمر بحمل الغنائم في السفن إلى الكوفة، ثم ارتحل الحسن بالجنود حتى نزل كربلاء، ثم ارتحل فنزل سورا، ثم نزل بعدها دير الأعور ثم سار منه فنزل العباسيّة. وبلغ حوثرة هزيمة ابن هبيرة، فخرج بمن معه حتى لحق بابن هُبيرة بواسط.
وكان سبب قتل قحطبة - فيما قال هؤلاء - أنّ أحلم بن إبراهيم بن بسام مولى بني ليث قال: لما رأيتُ قحطبة في الفرات، وقد سبحت به دابته حتى كادت تعبر
стр. 4371
به من الجانب الذي كنت فيه أنا وبسام بن إبراهيم أخي - وكان بسام على مقدّمة قحطبة - فذكرت من قُتل من ولد نصر بن سيار وأشياء ذكرتها منه؛ وقد أشفقت على أخي بسام بن إبراهيم لشيء بلغه عنه، فقلت: لا طلبتُ بثأر أبدًا إن نجوتَ الليلة. قال: فأتلقاه وقد صعدت به دابَّته لتخرج من الفرات وأنا على الشطّ، فضربته بالسيف على جبينه وأعجله الموت؛ فذهب في الفرات بسلاحه. ثم أخبر ابن حصين السعديّ بعد موت أحلم بن إبراهيم بمثل ذلك، وقال: لولا أنه أقرّ بذلك عند موته ما أخبرتُ عنه بشيء. [٧/ ٤١٥ - ٤١٧].
وكان سبب قتال سلم بن قتيبة سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب - فيما ذكر - أن أبا سلمة الخلال وجّه إذ فرّق العمال في البلدان بسام بن إبراهيم مولى بني ليث إلى عبد الواحد بن عمر بن هبيرة وهو بالأهواز، فقاتله بسام حتى فضّه، فلحق سلم بن قتيبة الباهليّ بالبَصْرة؛ وهو يومئذ عامل ليزيد بن عمر بن هبيرة. وكتب أبو سلمة إلى الحسن بن قحطبة أن يوجّه إلى سَلْم من أحبّ من قُوّاده، وكتب إلى سُفيان بن معاوية بعهده على البَصْرة، وأمره أن يظهر بها دعوة بني العباس، ويدعو إلى القائم منهم؛ وينفي سلم بن قتيبة. فكتب سفيان إلى سلم يأمره بالتحوّل عن دار الإمارة، ويخبره بما أتاه من رأي أبي سلمة؛ فأبى سلم ذلك، وامتنع منه، وحشد مع سفيان جميع اليمانية وحلفاءهم من ربيعة وغيرهم، وجنح إليه قائد من قوّاد ابن هبيرة؛ وكان بعثه مددًا لسلم في ألفي رجل من كلب، فأجمع السير إلى سلم بن قتيبة، فاستعدّ له سلم، وحشد معه من قدر عليه من قيس وأحياء مضر ومن كان بالبَصْرة من بني أمية ومواليهم، وسارعت بنو أمية إلى نَصْره.
فقدم سفيان يوم الخميس وذلك في صفر؛ فأتى المربد سَلْم، فوقف منه عند سوق الإبل، ووجّه الخيول في سكة المربد وسائر سكك البصرة للقاء من وجه إليه سفيان، ونادى: مَنْ جاء برأس فله خمسمئة درهم ومن جاء بأسير فله ألف درهم. ومضى معاوية بن سفيان بن معاوية في ربيعة خاصةً، فلقيه خيلٌ من تميم في السكة التي تأخذ إلى بني عامر في سكّة المربد عند الدار التي صارت لعمر بن حبيب، فطعن رجلٌ منهم فرس معاوية، فشبّ به فصرعه؛ فنزل إليه رجل من بني ضبّة يقال له: عياض، فقتله، وحمل رأسه إلى سلم بن قتيبة، فأعطاه ألف
стр. 4372
درهم، فانكسر سفيان لقتل ابنه، فانهزم ومن معه، وخرج من فوره هو وأهل بيته حتى أتى القصر الأبيض فنزلوه، ثم ارتحلوا منه إلى كسكر.
وقدم على سلم بعد غلبته على البصرة جابر بن توبة الكلابيّ والوليد بن عتبة الفراسيّ من ولد عبد الرحمن بن سمُرة في أربعة آلاف رجل، كتب إليهم ابن هبيرة أن يصيروا مددًا لسلم وهو بالأهواز، فغدا جابر بمن معه على دور المهلب وسائر الأزْد، فأغاروا عليهم، فقاتلهم من بقي من رجال الأزد قتالًا شديدًا حتى كثرت القتلى فيهم؛ فانهزموا، فسبى جابر ومن معه من أصحابه النساء، وهدموا الدور وانتهبوا؛ فكان ذلك من فعلهم ثلاثة أيام؛ فلم يزل سلم مقيمًا بالبصرة حتى بلغه قتلُ ابن هبيرة، فشخص عنها فاجتمع من البصرة من ولد الحارث بن عبد المطلب إلى محمد بن جعفر فولوه أمرهم فوليهم أيامًا يسيرة، حتى قدم البصرة أبو مالك عبد الله بن أسيد الخُزاعيّ من قِبَل أبي مسلم، فوليَها خمسة أيام، فلما قام أبو عباس ولّاها سفيان بن معاوية [٧/ ٤١٩ - ٤٢٠].
إلى هنا انتهى العصر الأموي
* * *
стр. 4373
خلافة أبي العباس عبد الله بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس
ذكر الخبر عن سبب خلافته
وكان بدء ذلك - فيما ذكر عن رسول الله ﷺ أنه أعلم العباس بن عبد المطلب أنه تؤول الخلافة إلى ولده، فلم يزل ولدهُ يتوقّعون ذلك، ويتحدّثون به بينهم (١).
وذكر عليّ بن محمد أن إسماعيل بن الحسن حدّثه عن رشيد بن كُريب، أنّ أبا هاشم خرج إلى الشام، فلقي محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، فقال: يا بن عمّ، إن عندي عِلْمًا أنبذه إليك فلا تطلعنّ عليه أحدًا؛ إن هذا الأمر الذي يرتجيه الناس، فيكم، قال: قد علمتُ فلا يسمعنَّه منك أحد (٢).
قال عليّ: وأخبرنا سليمان بن داود، عن خالد بن عجلان، قال: لما خالف ابن الأشعث، وكتب الحجاج بن يوسف إلى عبد الملك، أرسل عبد الملك إلى خالد بن يزيد فأخبره، فقال: أما إذا كان الفتْق من سِجِسْتَان فليس عليك بأس؛ إنما كنا نتخوّف لو كان من خراسان.
وقال عليّ: أخبرنا الحسن بن رُشيد وجبلة بن فرّوخ التاجيّ ويحيى بن طفيل والنعمان بن سريّ وأبو حفص الأزدي وغيرهم أن الإمام محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، قال: لنا ثلاثة أوقات: موت الطاغية يزيد بن معاوية، ورأس المئة وفتق بإفريقية، فعند ذلك يدعو لنا دعاة، ثم يُقبِل أنصارنا من المشرق حتى تردَ خيولهم المغرب، ويستخرجوا ما كنز الجبّارون فيها.
فلمّا قتل يزيد بن أبي مسلم بإفريقيَة، ونقضت البربر، بعث محمد بن عليّ
стр. 4374
رجلًا إلى خُراسان، وأمره أن يدعوَ إلى الرضا، ولا يسمّي أحدًا (١).
وقد ذكرنا قَبْلُ خبر محمد بن عليّ، وخبر الدّعاة الذي وجههم إلى خُراسان، ثم مات محمد بن عليّ وجعل وصيّه من بعده ابنه إبراهيم؛ فبعث إبراهيم بن محمد إلى خُراسان أبا سَلمة حفص بن سليمان مولى السَّبيع، وكتب معه إلى النقباء بخراسان، فقبِلوا كتبه وقام فيهم، ثم رجع إليه فردّه ومعه أبو مسلم، وقد ذكرنا أسر أبي مسلم قَبْلُ وخبره.
ثم وقع في يد مَرْوان بن محمد كتاب لإبراهيم بن محمد إلى أبي مسلم، جواب كتاب لأبي مسلم يأمره بقتل كل مَن يتكلم بالعربيّة بخراسان، فكتب مَرْوان إلى عامله بدمشق يأمره بالكتاب إلى صاحبه بالبَلْقاء أن يسيرَ إلى الحُميمة (٢) ويأخذ إبراهيم بن محمد يوجِّه به إليه، فذكر أبو زيد عمر بن شبَّة أن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب حدّثه عن عثمان بن عروة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: إني مع أبي جعفر بالحُميمة ومعه ابناه محمد وجعفر، وأنا أرقّصهما، إذ قال لي: ماذا تصنع؟ أما ترى إلى ما نحن فيه! قال: فنظرت فإذا رسل مروان تطلب إبراهيم بن محمد، قال: فقلت: دعْني أخرج إليهم، قال: تخرج من بيتي وأنت ابن عمار بن ياسر! قال: فأخذوا أبواب المسجد حين صلوا الصبح، ثم قالوا للشاميّين (٢) الذي معهم: أين إبراهيم بن محمد؟ فقالوا: هو ذا، فأخذوه؛ وقد كان مروان أمرهم بأخْذِ إبراهيم، ووصف لهم صفة أبي العباس التي كان يجدها في الكتب أنه يقتلهم؛ فلما أتوه بإبراهيم، قال: ليس هذه الصّفة التي وصفت لكم، فقالوا: قد رأينا الصفة التي وصفت، فردّهم في طلبه، ونُذروا، فخرجوا إلى العراق هُرّابًا.
قال عمر: وحدّثني عبد الله بن كثير بن الحسن العبديّ، قال: أخبرني عليّ بن موسى، عن أبيه، قال: بعث مَرْوان بن محمد رسولًا إلى الحُميمة يأتيه
стр. 4375
بإبراهيم بن محمد، ووصف له صفتَه (١) فقدم الرّسُول فوجد الصفة صفة أبي العباس عبد الله بن محمد، فلما ظهر إبراهيم بن محمد وأمن قيل للرسول: إنما أمِرت بإبراهيم؛ وهذا عبد الله! فلما تظاهر ذلك عنده ترك أبا العباس وأخذ إبراهيم، وانطلق به، قال: فشخصت معه أنا وأناس من بني العباس ومواليهم، فانطلق بإبراهيم، ومعه أمّ ولد له كان بها معجبًا، فقلنا له: إنما أتاك رجل، فهلمّ فلنقتله ثم ننكفئ إلى الكوفة، فهمْ لنا شيعة، فقال: ذلك لكم، قلنا: فأمهِلْ حتى نصيرَ إلى الطريق التي تُخْرِجُنا إلى العراق.
قال: فسرنا حتى صرنا إلى طريق تتشعّب إلى العراق، وأخرى إلى الجزيرة، فنزلنا منزلًا؛ وكان إذا أراد التعريس اعتزل لمكان أمّ ولده، فأتينا للأمر الذي اجتمعنا عليه، فصرَخْنا به، فقام ليخرج فتعلقت به أم ولده، وقالت: هذا وقت لم تكن تخرج فيه؛ فما هاجك! فالتوى عليها، فأبت حتى أخبرها، فقالت: أنشدك الله أن تقتلَه فتشأم أهلك! والله لئن قتلته لا يُبقي مروانُ من آل العباس أحدًا بالحُميمة إلّا قتله؛ ولم تفارقه حتى حلف لها ألا يفعل، ثم خرج إلينا وأخبرنا، فقلنا: أنت أعلم.
قال عبد الله: فحدثني ابن لعبد الحميد بن يحيى كاتب مروان، عن أبيه، قال: قلت لمروان بن محمد: أتتّهمني؟ قال: لا. قلتُ: أفيَحُطُّك صهرُه؟ قال: لا، قلت: فإني أرى أمره ينبغ عليك فأنكِحْه وأنكح إليه، فإن ظهر كنتَ قد أعلقتَ بينك وبينه سببًا لا يريبك معه، وإن كفيته لم يشنْك صهره. قال: ويحك! والله لو علمته صاحب ذلك لسبقتُ إليه، ولكن ليس بصاحب ذلك (٢).
وذكر أن إبراهيم بن محمد حين أخِذ للمضيّ به إلى مروان نعى إلى أهل بيته حين شيّعوه نفسَه، وأمرهم بالمسير إلى الكوفة مع أخيه أبي العباس عبد الله بن محمد، وبالسمع له وبالطاعة، وأوصى إلى أبي العباس، وجعله الخليفة بعده؛ فشخص أبو العباس عند ذلك ومَنْ معه من أهل بيته؛ منهم عبد الله بن محمد وداود بن عيسى، وصالح وإسماعيل وعبد الله وعبد الصمد بنو عليّ ويحيى بن
стр. 4376
محمد وعيسى بن موسى بن محمد بن عليّ، وعبد الوهاب ومحمد ابنا إبراهيم وموسى بن داود ويحيى بن جعفر بن تمام؛ حتى قدموا الكوفة في صَفَر، فأنزلهم أبو سلمة دار الوليد بن سَعْد مولى بني هاشم في بني أوْد، وكتم أمرهم نحوًا من أربعين ليلة من جميع القوّاد والشيعة. وأراد - فيما ذكر - أبو سلمة تحويلَ الأمر إلى آل أبي طالب لما بلغه الخبر عن موت إبراهيم بن محمد؛ فذكر عليّ بن محمد أنّ جبلة بن فرُّوخ وأبا السريّ وغيرهما قالا: قدم الإمام الكوفة في ناس من أهل بيته، فاختفوا، فقال أبو الجهم لأبي سلمة: ما فعل الإمام؟ قال: لم يقدم بعد، فألحّ عليه يسأله، قال: قد أكثرتَ السؤال، وليس هذا وقت خروجه فكانوا بذلك، حتى لقي أبو حُميد خادمًا لأبي العباس، يقال له سابق الخوارزميّ، فسأله عن أصحابه، فأخبره أنهم بالكوفة، وأنّ أبا سلمَة يأمرهم أن يختفوا، فجاء به إلى أبي الجَهْم، فأخبره خبرهم، فسرّح أبو الجهم أبا حُميد مع سابق حتى عرف منزلهم بالكوفة، ثم رجع وجاء معه إبراهيم ابن سلمَة (رجل كان معهم)، فأخبر أبا الجهم عن منزِلهم ونزول الإمام في بني أوْد، وأنه أرسل حين قدموا إلى أبي سلمة يسأله مئة دينار، فلم يفعل، فمشى أبو الجهم وأبو حُميد وإبراهيم إلى موسى بن كعْب، وقصُّوا عليه القصة، وبعثوا إلى الإمام بمئتي دينار، ومضى أبو الجهم إلى أبي سلمَة، فسأله عن الإمام، فقال: ليس هذا وقت خروجه؛ لأن واسطًا لم تفتح بعد، فرجع أبو الجهم إلى موسى بن كعب فأخبره، فأجمعوا على أن يلقوا الإمام، فمضى موسى بن كعب وأبو الجهم وعبد الحميد بن رِبْعيّ وسلمَة بن محمد وإبراهيم بن سلمة وعبد الله الطائي وإسحاق بن إبراهيم وشَراحيل وعبد الله بن بسام وأبو حُميد محمد بن إبراهيم وسليمان بن الأسود ومحمد بن الحصين إلى الإمام، فبلَغ أبا سلمة، فسأل عنهم فقيل: ركبوا إلى الكوفة في حاجة لهم.
وأتى القومُ أبا العباس، فدخلوا عليه فقالوا: أيّكم عبد الله بن محمد بن الحارثية؟ فقالوا: هذا، فسلموا عليه بالخلافة؛ فرجع موسى بن كعب وأبو الجهم الآخرين؛ فتخلفوا عند الإمام، فأرسل أبو سلمة إلى أبي الجهم: أين كنت؟ قال: ركبتُ إلى إمامي. فركب أبو سلمة إليهم، فأرسل أبو الجهم إلى أبي حميد أنَّ أبا سلمة قد أتاكم، فلا يدخلنّ على الإمام إلّا وحده؛ فلما انتهى
стр. 4377
إليهم أبو سلمة منعوه أن يدخل معه أحدٌ، فدخل وحده، فسلم بالخلافة على أبي العباس.
وخرج أبو العباس على بِرْذَوَن أبْلَق يوم الجمعة، فصلّى بالناس، فأخبرنا عَمارة مولى جبرئيل وأبو عبد الله السُّلميّ أن أبا سلمة لما سلَّم على أبي العباس بالخلافة، قال له أبو حُميد: على رَغم أنفك يا ماصّ بظر أمّه! فقال له أبو العباس: مَهْ! (١).
وذكر أنّ أبا العباس لما صعد المنبر حين بويع له بالخلافة، قام في أعلَاه، وصعد داود بن عليّ فقام دونه، فتكلم أبو العباس، فقال: الحمد لله الذي اصطفى الِإسلام لنفسه تكرمة، وشرَّفه وعظَّمه، واختاره لنا وأيّده لنا، وجعلنا أهله وكهْفه وحصنه والقوّام به، والذابين عنه والناصرين له، وألزمَنا كلمة التقوى، وجعلنا أحقّ بها وأهلها، وخصّنا برحمِ رسول الله ﷺ وقرَابته، وأنشأنا من آبائه، وأنبتنا من شجرته، واشتقّنا من نَبْعته؛ جعله من أنفسنا عزيزًا عليه ما عَنِتْنَا، حريصًا علينا بالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا، ووضعنا من الإسلام وأهله بالموضع الرفيع، وأنزل بذلك على أهل الإسلام كتابًا يُتْلَى عليهم، فقال عزّ من قائل فيما أنزل من محكم القرآن: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٢) وقال: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٣) وقال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٤) وقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ (٥) وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ (٦) فأعلمهم جل ثناؤه فضلنا، وأوجب عليهم حقنا ومودّتنا، وأجزل من الفيء والغنيمة نصيبنا تكرمةً لنا، وفضلًا علينا، والله ذو الفضل العظيم.
стр. 4378
وزعمت السبئيّة الضُّلال، أن غيرنا أحقّ بالرياسة والسياسة والخلافة منا، فشاهت وجوههم! بم ولم أيّها الناس؟ وبنا هدى الله الناس بعد ضلالتهم، وبصّرهم بعد جهالتهم، وأنقذهم بعد هَلَكتهم، وأظهر بنا الحقّ، وأدحض بنا الباطل، وأصلح بنا منهم ما كان فاسدًا، ورفع بنا الخسيسة، وتمَّ بنا النقيصة، وجمع الفُرقة، حتى عاد الناس بعد العداوة أهل تعاطف وبرّ ومواساة في دينهم ودنياهم، وإخوانًا على سرُر متقابلين في آخرتهم؛ فتح الله ذلك منّةً ومنحةً لمحمد ﷺ فلما قبضه الله إليه، قام بذلك الأمر من بعده أصحابه، وأمرهم شورى بينهم، فحوَوْا مواريث الأمم، فعدّلوا فيها ووضعُوها مواضعها، وأعطوْها أهلها، وخرجوا خماصًا منها. ثم وثب بنو حَرْب ومَرْوان، فابتزّوها وتداولوها بينهم، فجاروا فيها، واستأثروا بها، وظلموا أهلها، فأملى الله لهم حينًا حتى آسفوه، فلما آسفوه انتقم منهم بأيدينا، وردّ علينا حقّنَا، وتدارك بنا أمّتنا، وولي نصرَنا والقيام بأمرنا، ليمنّ بنا على الذين استُضعفوا في الأرض؛ وختم بنا كما افتتح بنا. وإني لأرجو ألّا يأتيَكم الجوْر من حيث أتاكم الخيرُ، ولا الفسادُ من حيث جاءكم الصلاح، وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله. يا أهل الكوفة، أنتم محلّ محبّتنا ومنزل مودَّتنا. أنتم الذين لم تتغيّروا عن ذلك، ولمَ يُثنكِم عن ذلك تحامل أهل الجور عليكم؛ حتى أدركتُم زماننا، وأتاكم الله بدَوْلتِنا؛ فأنتم أسعد الناس بنا، وأكرمهم علينا؛ وقد زدتُكم في أعطياتكم مئة درهم، فاستعدُّوا، فأنا السفاح المبِيح، والثائر المبير.
وكان موعوكًا فاشتدّ به الوعَك، فجلس على المنبر، وصعد داود بن علي فقام دونه على مراقي المنبر فقال:
الحمد لله شكرًا شكرًا شكرًا، الذي أهلَك عدوّنا، وأصار إلينا ميراثنا من نبينا محمد ﷺ . أيّها الناس، الآن أقشعت حنادس الدنيا، وانكشف غطاؤها، وأشرقت أرضها وسماؤها، وطلعت الشمس من مطلعها، وبزغ القمر من مبزغه؛ وأخذ القوس باريها، وعاد السهم إلى منزَعه، ورجع الحق إلى نصابه؛ في أهل بيت نبيِّكم، أهل الرأفة والرّحمة بكم والعطف عليكم.
أيها الناس، إنا والله ما خرجْنا في طلب هذا الأمرِ لنكثر لُجيْنًا ولا عقيانًا، ولا نحفرَ نَهْرًا، ولا نبني قصرًا؛ وإنما أخرَجنا الأنَفةُ من ابتزازهم حقَّنا،
стр. 4379
والغَضَبُ لبني عمنا، وما كرَثَنا من أموركم، وبَهظَنَا من شؤونكم، ولقد كانت أموركم تُرِمضُنا ونحن على فُرشنا، ويشتدّ علينا سوء سيرة بني أمية فيكم، وخُرْقهم بكم، واستذلالهم لكم، واستئثارُهم بفَيْئكم وصدقاتكم ومغانمكم عليكم. لكم ذمة الله ﵎، وذمة رسوله ﵌، وذمة العبّاس ﵀؛ أن نحكم فيكم بما أنزل الله، ونعمل فيكم بكتاب الله، ونسير في العامَّة منكم والخاصَّة بسيرة رسول الله ﷺ . تبًا تبًا لبني حَرْب بن أمية وبني مَرْوان! آثروا في مُدّتهم وعصرهم العاجلة على الآجلة، والدارَ الفانية على الدار الباقية، فركبوا الآثام، وظلموا الأنام، وانتهكوا المحارم، وغَشُوا الجرائم، وجاروا في سيرتهم في العباد، وسنّتهم في البلاد التي بها استلذُّوا تسربُل الأوزار، وتجلبب الآصار، ومرحوا في أعنَّة المعاصي، وركضوا في ميادين الغيّ، جهلًا باستدراج الله، وأمنًا لمكر الله؛ فأتاهم بأس الله بياتًا وهم نائمون، فأصبحوا أحاديث، ومُزِّقوا كل ممزّق، فبعدًا للقوم الظالمين! وأدالنا الله من مروان، وقد غرّه بالله الغرور، أرسل لعدوِّ الله في عنانه حتى عثر في فضل خِطامه، فظنَّ عدوّ الله أن لن نقدِر عليه، فنادى حزبه، وجمع مكايده، ورمى بكتائبه؛ فوجد أمامه ووراءه وعن يمينه وشماله، من مَكْر الله وبأسه ونقمته ما أمات باطله، ومحق ضلالَه، وجعل دائرة السوء به، وأحيا شرفَنَا وعزّنا، وردّ إلينا حقنا وإرثنا.
أيها الناس؛ إن أمير المؤمنين نصره الله نصرًا عزيزًا، إنما عاد إلى المنبر بعد الصَّلاة؛ أنه كره أن يخلط بكلام الجمعة غيره، وإنما قطعه عن استتمام الكلام بعد أن اسحنفر فيه شدّة الوَعْك، وادْعُوا الله لأمير المؤمنين بالعافية، فقد أبدلكم الله بمروان عدوِّ الرحمن خليفة الشيطان المتبع للسفلة الذين أفسدوا في الأرض بعد صلاحها بإبدال الدين وانتهاك حريم المسلمين، الشابَّ المكهّل المتمهل، المقتدي بسلفه الأبرار الأخيار، الذين أصلحوا الأرض بعد فسادها، بمعالم الهدى، ومناهج التقوى.
فعج الناس له بالدعاء ثم قال:
يا أهل الكوفة، إنا والله ما زلنا لمظلومين مقهورين على حقِّنا، حتى أتاح الله لنا شيعتنا أهل خراسان، فأحيا بهم حَقَّنَا، وأفلج بهم حجّتنا، وأظهر بهم
стр. 4380
دولتنا، وأراكم الله ما كنتم تنتظرون، وإليه تتشوّفون، فأظهر فيكم الخليفةَ من هاشم، وبيّض به وجوهكم، وأدالكم على أهل الشأم، ونقل إليكم السلطان، وعز الإسلام، ومنّ عليكم بإمام منحه العدالة، وأعطاه حسن الإيالة. فخذوا ما آتاكم الله بشكر، والزموا طاعتنا، ولا تُخْدَعوا عن أنفسكم فإن الأسر أمركم، وإنّ لكل أهل بيت مصرًا؛ وإنكم مصرُنا. ألا وإنه ما صعد منبركم هذا خليفة بعد رسول الله ﷺ إلا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وأمير المؤمنين عبد الله بن محمد - وأشار بيده إلى أبي العباس - فاعلموا أنّ هذا الأمر فينا ليس بخارج منّا حتى نسلمه إلى عيسى ابن مريم ﵇، والحمد لله رب العالمين على ما أبلانا وأولانا.
ثم نزل أبو العباس وداود بن عليّ أمامه؛ حتى دخل القصر، وأجلس أبا جعفر ليأخذ البَيْعة على الناس في المسجد، فلم يزل يأخذها عليهم، حتى صلى بهم العصر، ثم صلى بهم المغرب وجنّهم الليل فدخل (١).
وذكر أن داود بن عليّ وابنه موسى كانا بالعراق أو بغيرها، فخرجا يريدان الشُّراة فلقيَهما أبو العباس يريد الكوفة، معه أخوه أبو جعفر عبد الله بن محمد وعبد الله بن عليّ وعيسى بن موسى ويحيى بن جعفر بن تمام بن العباس، ونفر من مواليهم بدَوْمة الجندل، فقال لهم داود: أين تريدون؟ وما قِصّتكم؟ فقصّ