محمد وعيسى بن موسى بن محمد بن عليّ، وعبد الوهاب ومحمد ابنا إبراهيم وموسى بن داود ويحيى بن جعفر بن تمام؛ حتى قدموا الكوفة في صَفَر، فأنزلهم أبو سلمة دار الوليد بن سَعْد مولى بني هاشم في بني أوْد، وكتم أمرهم نحوًا من أربعين ليلة من جميع القوّاد والشيعة. وأراد - فيما ذكر - أبو سلمة تحويلَ الأمر إلى آل أبي طالب لما بلغه الخبر عن موت إبراهيم بن محمد؛ فذكر عليّ بن محمد أنّ جبلة بن فرُّوخ وأبا السريّ وغيرهما قالا: قدم الإمام الكوفة في ناس من أهل بيته، فاختفوا، فقال أبو الجهم لأبي سلمة: ما فعل الإمام؟ قال: لم يقدم بعد، فألحّ عليه يسأله، قال: قد أكثرتَ السؤال، وليس هذا وقت خروجه فكانوا بذلك، حتى لقي أبو حُميد خادمًا لأبي العباس، يقال له سابق الخوارزميّ، فسأله عن أصحابه، فأخبره أنهم بالكوفة، وأنّ أبا سلمَة يأمرهم أن يختفوا، فجاء به إلى أبي الجَهْم، فأخبره خبرهم، فسرّح أبو الجهم أبا حُميد مع سابق حتى عرف منزلهم بالكوفة، ثم رجع وجاء معه إبراهيم ابن سلمَة (رجل كان معهم)، فأخبر أبا الجهم عن منزِلهم ونزول الإمام في بني أوْد، وأنه أرسل حين قدموا إلى أبي سلمة يسأله مئة دينار، فلم يفعل، فمشى أبو الجهم وأبو حُميد وإبراهيم إلى موسى بن كعْب، وقصُّوا عليه القصة، وبعثوا إلى الإمام بمئتي دينار، ومضى أبو الجهم إلى أبي سلمَة، فسأله عن الإمام، فقال: ليس هذا وقت خروجه؛ لأن واسطًا لم تفتح بعد، فرجع أبو الجهم إلى موسى بن كعب فأخبره، فأجمعوا على أن يلقوا الإمام، فمضى موسى بن كعب وأبو الجهم وعبد الحميد بن رِبْعيّ وسلمَة بن محمد وإبراهيم بن سلمة وعبد الله الطائي وإسحاق بن إبراهيم وشَراحيل وعبد الله بن بسام وأبو حُميد محمد بن إبراهيم وسليمان بن الأسود ومحمد بن الحصين إلى الإمام، فبلَغ أبا سلمة، فسأل عنهم فقيل: ركبوا إلى الكوفة في حاجة لهم.
وأتى القومُ أبا العباس، فدخلوا عليه فقالوا: أيّكم عبد الله بن محمد بن الحارثية؟ فقالوا: هذا، فسلموا عليه بالخلافة؛ فرجع موسى بن كعب وأبو الجهم الآخرين؛ فتخلفوا عند الإمام، فأرسل أبو سلمة إلى أبي الجهم: أين كنت؟ قال: ركبتُ إلى إمامي. فركب أبو سلمة إليهم، فأرسل أبو الجهم إلى أبي حميد أنَّ أبا سلمة قد أتاكم، فلا يدخلنّ على الإمام إلّا وحده؛ فلما انتهى
стр. 4377
إليهم أبو سلمة منعوه أن يدخل معه أحدٌ، فدخل وحده، فسلم بالخلافة على أبي العباس.
وخرج أبو العباس على بِرْذَوَن أبْلَق يوم الجمعة، فصلّى بالناس، فأخبرنا عَمارة مولى جبرئيل وأبو عبد الله السُّلميّ أن أبا سلمة لما سلَّم على أبي العباس بالخلافة، قال له أبو حُميد: على رَغم أنفك يا ماصّ بظر أمّه! فقال له أبو العباس: مَهْ! (١).
وذكر أنّ أبا العباس لما صعد المنبر حين بويع له بالخلافة، قام في أعلَاه، وصعد داود بن عليّ فقام دونه، فتكلم أبو العباس، فقال: الحمد لله الذي اصطفى الِإسلام لنفسه تكرمة، وشرَّفه وعظَّمه، واختاره لنا وأيّده لنا، وجعلنا أهله وكهْفه وحصنه والقوّام به، والذابين عنه والناصرين له، وألزمَنا كلمة التقوى، وجعلنا أحقّ بها وأهلها، وخصّنا برحمِ رسول الله ﷺ وقرَابته، وأنشأنا من آبائه، وأنبتنا من شجرته، واشتقّنا من نَبْعته؛ جعله من أنفسنا عزيزًا عليه ما عَنِتْنَا، حريصًا علينا بالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا، ووضعنا من الإسلام وأهله بالموضع الرفيع، وأنزل بذلك على أهل الإسلام كتابًا يُتْلَى عليهم، فقال عزّ من قائل فيما أنزل من محكم القرآن: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٢) وقال: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٣) وقال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٤) وقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ (٥) وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ (٦) فأعلمهم جل ثناؤه فضلنا، وأوجب عليهم حقنا ومودّتنا، وأجزل من الفيء والغنيمة نصيبنا تكرمةً لنا، وفضلًا علينا، والله ذو الفضل العظيم.
стр. 4378
وزعمت السبئيّة الضُّلال، أن غيرنا أحقّ بالرياسة والسياسة والخلافة منا، فشاهت وجوههم! بم ولم أيّها الناس؟ وبنا هدى الله الناس بعد ضلالتهم، وبصّرهم بعد جهالتهم، وأنقذهم بعد هَلَكتهم، وأظهر بنا الحقّ، وأدحض بنا الباطل، وأصلح بنا منهم ما كان فاسدًا، ورفع بنا الخسيسة، وتمَّ بنا النقيصة، وجمع الفُرقة، حتى عاد الناس بعد العداوة أهل تعاطف وبرّ ومواساة في دينهم ودنياهم، وإخوانًا على سرُر متقابلين في آخرتهم؛ فتح الله ذلك منّةً ومنحةً لمحمد ﷺ فلما قبضه الله إليه، قام بذلك الأمر من بعده أصحابه، وأمرهم شورى بينهم، فحوَوْا مواريث الأمم، فعدّلوا فيها ووضعُوها مواضعها، وأعطوْها أهلها، وخرجوا خماصًا منها. ثم وثب بنو حَرْب ومَرْوان، فابتزّوها وتداولوها بينهم، فجاروا فيها، واستأثروا بها، وظلموا أهلها، فأملى الله لهم حينًا حتى آسفوه، فلما آسفوه انتقم منهم بأيدينا، وردّ علينا حقّنَا، وتدارك بنا أمّتنا، وولي نصرَنا والقيام بأمرنا، ليمنّ بنا على الذين استُضعفوا في الأرض؛ وختم بنا كما افتتح بنا. وإني لأرجو ألّا يأتيَكم الجوْر من حيث أتاكم الخيرُ، ولا الفسادُ من حيث جاءكم الصلاح، وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله. يا أهل الكوفة، أنتم محلّ محبّتنا ومنزل مودَّتنا. أنتم الذين لم تتغيّروا عن ذلك، ولمَ يُثنكِم عن ذلك تحامل أهل الجور عليكم؛ حتى أدركتُم زماننا، وأتاكم الله بدَوْلتِنا؛ فأنتم أسعد الناس بنا، وأكرمهم علينا؛ وقد زدتُكم في أعطياتكم مئة درهم، فاستعدُّوا، فأنا السفاح المبِيح، والثائر المبير.
وكان موعوكًا فاشتدّ به الوعَك، فجلس على المنبر، وصعد داود بن علي فقام دونه على مراقي المنبر فقال:
الحمد لله شكرًا شكرًا شكرًا، الذي أهلَك عدوّنا، وأصار إلينا ميراثنا من نبينا محمد ﷺ . أيّها الناس، الآن أقشعت حنادس الدنيا، وانكشف غطاؤها، وأشرقت أرضها وسماؤها، وطلعت الشمس من مطلعها، وبزغ القمر من مبزغه؛ وأخذ القوس باريها، وعاد السهم إلى منزَعه، ورجع الحق إلى نصابه؛ في أهل بيت نبيِّكم، أهل الرأفة والرّحمة بكم والعطف عليكم.
أيها الناس، إنا والله ما خرجْنا في طلب هذا الأمرِ لنكثر لُجيْنًا ولا عقيانًا، ولا نحفرَ نَهْرًا، ولا نبني قصرًا؛ وإنما أخرَجنا الأنَفةُ من ابتزازهم حقَّنا،
стр. 4379
والغَضَبُ لبني عمنا، وما كرَثَنا من أموركم، وبَهظَنَا من شؤونكم، ولقد كانت أموركم تُرِمضُنا ونحن على فُرشنا، ويشتدّ علينا سوء سيرة بني أمية فيكم، وخُرْقهم بكم، واستذلالهم لكم، واستئثارُهم بفَيْئكم وصدقاتكم ومغانمكم عليكم. لكم ذمة الله ﵎، وذمة رسوله ﵌، وذمة العبّاس ﵀؛ أن نحكم فيكم بما أنزل الله، ونعمل فيكم بكتاب الله، ونسير في العامَّة منكم والخاصَّة بسيرة رسول الله ﷺ . تبًا تبًا لبني حَرْب بن أمية وبني مَرْوان! آثروا في مُدّتهم وعصرهم العاجلة على الآجلة، والدارَ الفانية على الدار الباقية، فركبوا الآثام، وظلموا الأنام، وانتهكوا المحارم، وغَشُوا الجرائم، وجاروا في سيرتهم في العباد، وسنّتهم في البلاد التي بها استلذُّوا تسربُل الأوزار، وتجلبب الآصار، ومرحوا في أعنَّة المعاصي، وركضوا في ميادين الغيّ، جهلًا باستدراج الله، وأمنًا لمكر الله؛ فأتاهم بأس الله بياتًا وهم نائمون، فأصبحوا أحاديث، ومُزِّقوا كل ممزّق، فبعدًا للقوم الظالمين! وأدالنا الله من مروان، وقد غرّه بالله الغرور، أرسل لعدوِّ الله في عنانه حتى عثر في فضل خِطامه، فظنَّ عدوّ الله أن لن نقدِر عليه، فنادى حزبه، وجمع مكايده، ورمى بكتائبه؛ فوجد أمامه ووراءه وعن يمينه وشماله، من مَكْر الله وبأسه ونقمته ما أمات باطله، ومحق ضلالَه، وجعل دائرة السوء به، وأحيا شرفَنَا وعزّنا، وردّ إلينا حقنا وإرثنا.
أيها الناس؛ إن أمير المؤمنين نصره الله نصرًا عزيزًا، إنما عاد إلى المنبر بعد الصَّلاة؛ أنه كره أن يخلط بكلام الجمعة غيره، وإنما قطعه عن استتمام الكلام بعد أن اسحنفر فيه شدّة الوَعْك، وادْعُوا الله لأمير المؤمنين بالعافية، فقد أبدلكم الله بمروان عدوِّ الرحمن خليفة الشيطان المتبع للسفلة الذين أفسدوا في الأرض بعد صلاحها بإبدال الدين وانتهاك حريم المسلمين، الشابَّ المكهّل المتمهل، المقتدي بسلفه الأبرار الأخيار، الذين أصلحوا الأرض بعد فسادها، بمعالم الهدى، ومناهج التقوى.
فعج الناس له بالدعاء ثم قال:
يا أهل الكوفة، إنا والله ما زلنا لمظلومين مقهورين على حقِّنا، حتى أتاح الله لنا شيعتنا أهل خراسان، فأحيا بهم حَقَّنَا، وأفلج بهم حجّتنا، وأظهر بهم
стр. 4380
دولتنا، وأراكم الله ما كنتم تنتظرون، وإليه تتشوّفون، فأظهر فيكم الخليفةَ من هاشم، وبيّض به وجوهكم، وأدالكم على أهل الشأم، ونقل إليكم السلطان، وعز الإسلام، ومنّ عليكم بإمام منحه العدالة، وأعطاه حسن الإيالة. فخذوا ما آتاكم الله بشكر، والزموا طاعتنا، ولا تُخْدَعوا عن أنفسكم فإن الأسر أمركم، وإنّ لكل أهل بيت مصرًا؛ وإنكم مصرُنا. ألا وإنه ما صعد منبركم هذا خليفة بعد رسول الله ﷺ إلا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وأمير المؤمنين عبد الله بن محمد - وأشار بيده إلى أبي العباس - فاعلموا أنّ هذا الأمر فينا ليس بخارج منّا حتى نسلمه إلى عيسى ابن مريم ﵇، والحمد لله رب العالمين على ما أبلانا وأولانا.
ثم نزل أبو العباس وداود بن عليّ أمامه؛ حتى دخل القصر، وأجلس أبا جعفر ليأخذ البَيْعة على الناس في المسجد، فلم يزل يأخذها عليهم، حتى صلى بهم العصر، ثم صلى بهم المغرب وجنّهم الليل فدخل (١).
وذكر أن داود بن عليّ وابنه موسى كانا بالعراق أو بغيرها، فخرجا يريدان الشُّراة فلقيَهما أبو العباس يريد الكوفة، معه أخوه أبو جعفر عبد الله بن محمد وعبد الله بن عليّ وعيسى بن موسى ويحيى بن جعفر بن تمام بن العباس، ونفر من مواليهم بدَوْمة الجندل، فقال لهم داود: أين تريدون؟ وما قِصّتكم؟ فقصّ
стр. 4381
عليه أبو العباس قِصّتهم، وأنهم يريدون الكوفة ليظهروا بها، ويظهروا أمرهم، فقال له داود: يا أبا العباس، تأتي الكوفة وشيخ بني مروان؛ مَرْوان بن محمد بحرّان مطلٌّ على العراق في أهل الشأم والجزيرة، وشيخ العرب يزيد بن عمر بن هبيرة بالعراق في حلْبة العرب! فقال أبو الغنائم: من أحبَّ الحياة ذلَّ ثم تمثل بقول الأعشى:
فما ميتَةٌ إن مِتُّها غيرَ عاجز ... بعارِ إذا ما غالتِ النفسَ غُولُها
فالتفت داود إلى ابنه موسى فقال: صدق والله ابن عمك، فارجع بنا معه نعش أعزَّاء أو نمت كرامًا، فرجعوا جميعًا، فكان عيسى بن موسى يقول إذا ذكر خروجهم من الحُميمة يريدون الكوفة: إن نفرًا أربعة عشر رجلًا خرجوا من دارهم وأهليهم يطلبون مطالبَنا، لعظيمٌ همّهم كبيرة أنفسهم، شديدة قلوبهم. [٧/ ٤٢١ - ٤٢٩].
* * *
ذكر بقيَّة الخبر عما كان من الأحداث في سنة اثنتين وثلاثين ومئة
تمام الخبر عن سبب البيعة لأبي العباس عبد الله بن محمد بن عليّ وما كان من أمره:
قال أبو جعفر: قد ذكرنا من أمر أبي العباس عبد الله بن محمد بن عليّ ما حضرنا ذكره قبلُ، عمن ذكرنا ذلك عنه؛ وقد ذكرنا من أمره وأمر أبي سلمة وسبب عقد الخلافة لأبي العباس أيضًا ما أنا ذاكره؛ وهو أنه لما بلغ أبا سلمة قتلُ مروان بن محمد إبراهيمَ الذي كان يقال له الإمام، بدا له في الدعاء إلى ولد العباس وأضمر الدّعاء لغيرهم؛ وكان أبو سلمة قد أنزل أبا العباس حين قدم الكوفة مع مَن قدم معه من أهل بيته في دار الوليد بن سعد في بني أوْد، فكان أبو سلمة إذا سئل عن الإمام يقول: لا تعجلوا، فلم يزل ذلك من أمره وهو في معسكره بحمّام أعين حتى خرج أبو حُميد، وهو يريد الكُناسة، فلقي خادمًا لإبراهيم يقال له سابق الخوارزميّ، فعرفه، وكان يأتيهم بالشأم فقال له: ما فعل الإمام إبراهيم؟ فأخبره أنّ مَرْوان قتله غِيلة، وأن إبراهيم أوصى إلى أخيه
стр. 4382
أبي العباس، واستخلفه من بعده، وأنه قدم الكوفة ومعه عامة أهل بيته، فسأله أبو حميد أن ينطلق به إليهم، فقال له سابق: الموعدُ بيني وبينك غدًا في هذا الموضع، وكره سابق أن يدلّه عليهم إلا بإذنهم، فرجع أبو حميد من الغد إلى الموضع الذي وعد فيه سابقًا، فلقيه، فانطلق به إلى أبي العباس وأهل بيته، فلما دخل عليهم سأل أبو حُميد: مَن الخليفة منهم؟ فقال داود بن عليّ: هذا إمامكم وخليفتكم - وأشار إلى أبي العباس - فسلم عليه بالخلافة، وقبّل يديه ورجليه، وقال: مُرنا بأمرك، وعزّاه بالإمام إبراهيم.
وقد كان إبراهيم بن سلمة دخل عسكر أبي سَلمة متنكِّرًا، فأتى أبا الجهم فاستأمنه، فأخبره أنه رسول أبي العباس وأهل بيته، وأخبره بمن معه وبموضعهم، وأنَّ أبا العباس كان سرّحه إلى أبي سلمة يسأله مئة دينار، يعطيها للجمّال كراء الجمال التي قدِم بهم عليها، فلم يبعث بها إليه، ورجع أبو حميد إلى أبي الجَهم، فأخبره بحالهم، فمشى أبو الجَهْم، وأبو حُميد ومعهما إبراهيم بن سلمة، حتى دخلوا على موسى بن كعب، فقصّ عليه أبو الجهم الخبرَ، وما أخبره إبراهيم بن سلمة، فقال موسى بن كعب: عجِّل البعثة إليه بالدّنانير وسرّحه، فانصرف أبو الجَهْم ودفع الدنانير إلى إبراهيم بن سلمة، وحمله على بَغْل وسرّح معه رجلين، حتى أدخلاه الكوفة، ثم قال أبو الجهم لأبي سلمة، وقد شاع في العسكر أن مروان بن محمد قد قتل الإمام: فإن كان قد قُتِل كان أخوه أبو العباس الخليفة والإمام من بعده؛ فردّ عليه أبو سلمة: يا أبا الجهم، اكفف أبا حميد عن دخول الكوفة، فإنهم أصحاب إرجاف وفساد.
فلما كانت الليلة الثانية أتى إبراهيم بن سلمة أبا الجهم وموسى بن كعب، فبلّغهما رسالة من أبي العباس وأهل بيته، ومشى في القواد والشيعة تلك الليلة، فاجتمعوا في منزل موسى بن كعب؛ منهم عبد الحميد بن رِبعيّ وسلمة بن محمد وعبد الله الطائيّ وإسحاق بن إبراهيم وشراحيل وعبد الله بن بسام وغيرهم من القوّاد، فأتمروا في الدخول إلى أبي العباس وأهل بيته، ثم تسللوا من الغد حتى دخلوا الكوفة وزعيمهم موسى بن كعب وأبو الجهم وأبو حميد الحميريّ - وهو محمد بن إبراهيم - فانتهوا إلى دار الوليد بن سعد، فدخلوا عليهم، فقال موسى بن كعب، وأبو الجهم: أيّكم أبو العباس؟ فأشاروا إليه، فسلموا عليه
стр. 4383
وعزّوه بالإمام إبراهيم، وانصرفوا إلى العسكر، وخلّفوا عنده أبا حميد وأبا مقاتل وسليمان بن الأسود ومحمد بن الحصين ومحمد بن الحارث ونهار بن حُصين ويوسف بن محمد وأبا هريرة محمد بن فروخ.
فبعث أبو سلمة إلى أبي الجَهْم فدعاه، وكان أخبره بدخوله الكوفة، فقال: أين كنت يا أبا الجهم؟ قال: كنت عند إمامي، وخرج أبو الجهم فدعا حاجب بن صدّان، فبعثه إلى الكوفة، وقال له: ادخل فسلِّم على أبي العباس بالخلافة، وبعث إلى أبي حميد وأصحابه: إن أتاكم أبو سلمة فلا يدخل إلا وحدَه؛ فإن دخل وبايع فسبيله ذلك؛ وإلا فاضربوا عنقه؛ فلم يلبثوا أن أتاهم أبو سلمة فدخل وحدَه، فسلم على أبي العباس بالخلافة، فأمره أبو العباس بالانصراف إلى عسكره، فانصرف من ليلته، فأصبح الناس قد لبسوا سلاحَهم، واصطفّوا لخروج أبي العباس، وأتوْه بالدواب، فركب ومَن معه من أهل بيته حتى دخلوا قصر الإمارة بالكوفة يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلَتْ من شهر ربيع الآخر، ثم دخل المسجد من دار الإمارة، فصعِد المِنبر، فحمِد الله وأثنى عليه، وذكر عظمة الربّ ﵎ وفضل النبي ﷺ وقاد الولاية والوراثة حتى انتهيَا إليه، ووعد الناس خيرًا ثم سكت.
وتكلّم داود بن عليّ وهو على المنبر أسفلَ من أبي العباس بثلاث درجات، فحمِد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ﷺ ، وقال: أيّها الناس، إنه والله ما كان بينكم وبين رسول الله ﷺ خليفة إلا عليّ بن أبي طالب وأمير المؤمنين هذا الذي خلفي، ثم نزلا وخرج أبو العباس، فعسكر بحمام أعين في عسكر أبي سَلمة، ونزل معه في حجرته، بينهما ستر، وحاجب أبي العباس يومئذ عبد الله بن بسام، واستخلف على الكوفة وأرضها عمّه داود بن عليّ، وبعث عمه عبد الله بن عليّ إلى أبي عَوْن بن يزيد، وبعث ابن أخيه عيسى بن موسى إلى الحسن بن قَحْطبة، وهو يومئذ بواسط محاصر ابنَ هبيرة، وبعث يحيى بن جعفر بن تمام بن عباس إلى حُميد بن قحطبة بالمدائن، وبعث أبا اليقظان عثمان بن عروة بن محمد بن عمار بن ياسر إلى بسام بن إبراهيم بن بسام بالأهواز، وبعث سلمة بن عمرو بن عثمان إلى مالك بن طريف، وأقام أبو العباس في العسَكر أشهرًا ثم ارتحل، فنزل المدينة الهاشميّة في قصر
стр. 4384
الكوفة، وقد كان تنكّر لأبي سلمة قبل تحوّله حتى عرف ذلك (١). [٧/ ٤٢٩ - ٤٣١].
قال عليّ: حدثنا شيخ من أهل خراسان فال: قال مرْوان للمخارق تعرف المخارق إن رأيته؛ فإنهم زعموا أنه في هذه الرؤوس التي أتينا بها، قال: نعم، قال: اعرضوا عليه تلك الرؤوس، فنظر فقال: ما أرى رأسه في هذه الرؤوس، ولا أراه إلّا وقد ذهب. فخلّى سبيله، وبلغ عبد الله بن عليّ انهزام المخارق، فقال له موسى بن كعب: اخرج إلى مَرْوان قبل أن يصل الفَلّ إلى العسكر، فيظهر ما لقي المخارق، فدعا عبد الله بن عليّ محمد بن صوْل، فاستخلفَه على العسكر، وسار على ميمنته أبو عون، وعلى ميسرة مَرْوان الوليد بن معاوية، ومع مروان ثلاثة آلاف من المحمرة ومعه الذكوانية والصَّحصحية والرّاشدية، فقال مروان لما التقى العسكران لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: إن زالت الشمس اليوم ولم يقاتلونا كنا الذين ندفعها إلى عيسى ابن مريم؛ وإن قاتلونا قبل الزوال؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون، وأرسل مَرْوان إلى عبد الله بن عليّ يسأله الموادعة، فقال عبد الله: كذب ابن زُريق، ولا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل إن شاء الله.
فقال مروان لأهل الشأم: قِفوا لا تبدؤوهم بقتال، فجعل ينظر إلى الشمس، فحمل الوليد بن معاوية بن مروان وهو ختن مروان على ابنته، فغضب وشتمه، وقاتل ابنُ معاوية أهلَ الميمنة، فانحاز أبو عون إلى عبد الله بن عليّ، فقال موسى بن كعب لعبد الله: مر الناس فلينزلوا، فنودي: الأرض، فنزل الناس، وأشرعوا الرماح، وجَثَوْا على الرّكَب، فقاتلوهم فجعل أهل الشأم يتأخّرُونَ كأنهم يدفعون، ومشى عبد الله قُدمًا وهو يقول: يا ربّ حتى متى نُقْتَل فيك! ونادى: يا أهل خُراسان، يا لثارات إبراهيم! يا محمد، يا منصور!
واشتدّ بينهم القتال، وقال مروان لقضاعة: انزلوا، فقالوا: قل لبني سليم فلينزلوا، فأرسل إلى السكاسك أن احملوا، فقالوا: قل لبني عامر فليحمِلوا
стр. 4385
فأرسل إلى السَّكون أن احملوا، فقالوا: قل لغطفان فليحملوا، فقال لصاحب شُرَطه: انزل، فقال: لا والله ما كنتُ لأجعَل نفسي غَرضًا، قال: أما والله لأسموءنّك، قال: وددت والله أنك قدرت على ذلك، ثم انهزم أهل الشام، وانهزم مروان، وقطع الجسر؛ فكان من غرق يومئذ أكثر ممن قُتِل؛ فكان فيمن غرق يومئذ إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك المخلوع وأمر عبد الله بن عليّ فعقد الجِسْر على الزّاب، واستخرجوا الغرقَى فأخرجوا ثلاثمئة، فكان فيمن أخرجوا إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، فقال عبد الله بن عليّ: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (١).
وأقام عبد الله بن عليّ في عسكره سبعة أيام، فقال رجل من ولد سعيد بن العاص يعيّر مروان:
لَجَّ الفِرارُ بمروانٍ فقلتُ لَهُ ... عادَ الظلومُ ظَليمًا همُّه الهَرَبُ
أَين الفرارُ وتركُ المُلْكِ إذ ذهبت ... عنك الهُوَينَى فلا دين ولا حَسبُ
فراشَةُ الحِلم فِرْعَوْنُ العِقابِ وِإنْ ... تَطْلُبْ نَداهُ فكلبٌ دونه كَلِبُ
وكتب عبد الله بن عليّ إلى أمير المؤمنين أبي العباس بالفتح، وهرب مروان وحوى عسكر مروان بما فيه، فوجد فيه سلاحا كثيرًا وأموالا؛ ولم يجدوا فيه امرأةً إلا جارية كانت لعبد الله بن مروان؛ فلمّا أتى العباس كتابُ عبد الله بن عليّ صلى ركعتين، ثم قال: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ إلى قوله ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ (٢). وأمر من شهد الوقعة بخمسمئة خمسمئة، ورفع أرزاقهم إلى ثمانين.
حدثنا أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد، قال: قال عبد الرحمن بن أميّة: كان مَرْوان لما لقيه أهلُ خُراسان لا يدبّر شيئًا إلا كان فيه الخلل والفساد، قال: بلغني أنَّه كان يوم انهزم واقفًا، والناس يقتتلون؛ إذ أمَر بأموال فأخرِجت، وقال للناس: اصبروا وقاتلوا، فهذه الأموال لكم، فجعل ناسٌ من الناس يصيبون من ذلك المال، فأرسلوا إليه: إنَّ الناس قد مالوا على هذا المال، ولا نأمنهم أن
стр. 4386
يذهبوا به، فأرسل إلى ابنه عبد الله أن سِرْ في أصحابِك إلى مؤخر عسكرك، فاقتل مَنْ أخذ من ذلك المال وامنعْهم؛ فمال عبد الله برايته وأصحابه، فقال الناس: الهزيمة؛ فانهزموا.
حدّثنا أحمد بن عليّ، عن أبي الجارود السُّلميّ، قال: حدّثني رجل من أهل خُراسان، قال: لقيَنا مروان على الزّاب، فحمل علينا أهل الشأم كأنهم جبال حديد، فجثوْنا وأشرعنا الرماح، فمالوا عنا كأنهم سحابة، ومَنحنا الله أكتافهم، وانقطع الجِسْر ممّا يليهم حين عبروا، فبقيَ عليه رجلٌ من أهل الشام، فخرج عليه رجل منا، فقتله الشأميّ، ثم خرج آخر فقتله؛ حتى والى بين ثلاثة؛ فقال رجل منا: اطلبوا لي سيفًا قاطعًا، وتُرْسًا صلبًا، فأعطيناه، فمشى إليه فضربه الشأميّ فاتَّقاه بالترس، وضرب رِجْله فقطعها، وقتله ورجع؛ وحملناه وكثرنا فإذا هو عبيد الله الكابليّ. [٧/ ٤٣٣ - ٤٣٥].
* ذكر من قال ذلك:
حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا عبد الوهاب بن إبراهيم بن خالد بن يزيد بن هريم، قال: حدّثنا أبو هاشم مخلَّد بن محمد بن صالح، قال: قدم مروان بن محمد الرَّقة حين قدمها متوجهًا إلى الضحاك بسعيد بن هشام بن عبد الملك وابنيْه عثمان ومرْوان؛ وهم في وثاقهم معه؛ فسرّح بهم إلى خليفته بحرَّان، فحبسهم في حَبْسها، ومعهم إبراهيم بن عليّ بن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر بن عبد العزيز والعباس بن الوليد، وأبو محمد السفْيانيّ - وكان يقال له البَيْطار - فهلك في سجن حَرّان منهم في وباء وقع بحرّان العباس بن الوليد وإبراهيم بن محمد وعبد الله بن عمر، قال: فلمَّا كان قبل هزيمة مَرْوان من الزَّاب يوم هزمه عبد الله بن عليّ بجمعة، خرج سعيد بن هشام ومَن معه من المحبَّسين، فقتلوا صاحب السجن، وخرج فيمن معه، وتخلف أبو محمد السفيانيّ في الحبس، فلم يخرج فيمن خرج، ومعه غيره لم يستحلّوا الخروج من الحبْس، فقتلَ أهل حَرّان ومَنْ كان فيها من الغوغاء سعيد بن هشام وشَراحيل بن مسلمة بن عبد الملك وعبد الملك بن بشر التغلبيّ، وبطريق أرمينية الرابعة - وكان اسمه كوشان - بالحجارة، ولم يلبث مَرْوان بعد قتلهم إلا نحوًا من خمس عشرة ليلة؛ حتى قدم حرّان منهزمًا من الزّاب، فخلَّى عن
стр. 4387
أبي محمد ومَن كان في حبسه من المحبَّسين.
وذكر عمر أن عبد الله بن كثير العبديّ، حدّثه عن عليّ بن موسى، عن أبيه، قال: هدم مروان على إبراهيم بن محمد بيتًا فقتله.
قال عمرو: وحدثني محمد بن معروف بن سويد، قال: حدثني أبي عن المهلهل بن صفوان - قال عمر: ثم حدّثني المفضّل بن جعفر بن سليمان بعده، قال: حدّثي المهلهل بن صفوان - قال: كنتُ أخدم إبراهيم بن محمد في الحبس؛ وكان معه في الحبس عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وشراحيل بن مسلمة بن عبد الملك فكانوا يتزاورون، وخصّ الذي بين إبراهيم وشَراحيل فأتاه رسوله يومًا بلبن، فقال: يقول لك أخوك: إنّي شربتُ من هذا اللبن فاستطبتُه فأحببتُ أن تشربَ منه، فتناوله فشرب فتوصّب من ساعته وتكسر جسده (١)، وكان يومًا يأتي فيه شراحيل، فأبطأ عليه، فأرسل إليه: جُعِلت فداك! قد أبطأت فما حبسك؟ فأرسل إليه: إني لما شربت اللبن الذي أرسلته إليّ أخلفني، فأتاه شراحيل مذعورًا وقال: لا والله الذي لا إله إلا هو؛ ما شرِبْتُ اليوم لبنًا، ولا أرسلت به إليك، فإنا لله وإنا إليه راجعون! احتيل لك والله، قال: فوالله ما بات إلّا ليلته وأصبح من غد ميتًا؛ فقال إبراهيم بن عليّ بن سلمة بن عامر بن هرمة بن هذيل بن الربيع بن عامر بن صبيح بن عديّ بن قيس - وقيس هو ابن الحارث بن فهر - يرثيه (٢):
قد كنتُ أحسِبُني جَلدًا فَضعْضَعَني ... قبرٌ بحَرَّانَ فيه عِصْمَةُ الدينِ
فيه الإِمامُ وخيرُ الناس كلِّهمُ ... بين الصفائح والأَحجار والطينِ
فيه الإِمامُ الذي عَمَّتْ مُصيبتُه ... وعَيَّلَتْ كلَّ ذي مال ومِسكينِ
فلا عفا الله عن مروانَ مظلمةً ... لكنْ عفا اللهُ عمَّن قال آمين
[٧/ ٤٣٧ - ٤٣٦].
стр. 4388
وقد خولف هؤلاء في عدد من كان مع عبد الله بن عليّ يومئذ، فذكر مسلم بن المغيرة، عن مصعب بن الربيع الخثعميّ وهو أبو موسى بن مصعب - وكان كاتبًا لمروان - قال: لما انهزم مروان، وظهر عبد الله بن عليّ على الشأم، طلبت الأمان فامنني، فإني يومًا جالس عنده؛ وهو متكى إذ ذكر مروان وانهزامه، قال: أشهدتَ القتال؟ قلتُ: نعم أصلح الله الأمير! فقال: حدَّثني عنه؛ قال: قلت: لما كان ذلك اليوم قال لي: احزر القوم، فقلت: إنما أنا صاحب قلم؛ ولستُ صاحب حرب؛ فأخذ يمنة ويسرة ونظر فقال: هم اثنا عشر ألفًا، فجلس عبد الله، ثم قال: ما له قاتله الله! ما أحصى الديوان يومئذ فضلًا على اثني عشر ألف رجل!
* * *
رجع الحديث إلى حديث علي بن محمد عن أشياخه: فانهزم مروان حتى أتى مدينة الموصل؛ وعليها هشام بن عمرو التغلبيّ، وبشر بن خزيمة الأسديّ، وقطعوا الجسر، فناداهم أهل الشأم: هذا مروان، قالوا: كذبتم، أمير المؤمنين لا يفرّ، فسار إلى بلد، فعبر دجْلة، فأتى حرّان ثم أتى دمشق، وخلّف بها الوليد بن معاوية، وقال: قاتلهم حتى يجتمع أهل الشأم، ومضى مَرْوان حتى أتى فلسطين، فنزل نهر أبي فُطْرُس، وقد غلب على فلسطين الحكم بن ضَبْعان الجُذاميّ، فأرسل مَرْوان إلى عبد الله بن يزيد بن روح بن زِنباع، فأجازه، وكان بيت المال في يد الحكم، وكتب أبو العباس إلى عبد الله بن عليّ يأمره باتباع مروان، فسار عبد الله إلى الموصل، فتلقاه هشام بن عمرو التغلبيّ وبشر بن خزيمة، وقد سوّدا في أهل الموصل، ففتحوا له المدينة، ثم سار إلى حَرّان، وولّى الموصل محمد بن صول؛ فهدم الدّار التي حبس فيها إبراهيم بن محمد، ثم سار من حَرَان، إلى منبج وقد سوّدوا، فنزل مَنْبج وولاها أبا حميد المروروذيّ، وبعث إليه أهل قنّسرين ببيعتهم إياه بما أتاه به عنهم أبو أمية التغلبيّ، وقدم عليه عبد الصمد بن عليّ، أمده به أبو العباس في أربعة آلاف، فأقام يومين بعد قدوم عبد الصّمد، ثم سار إلى قنَّسرين، فأتاها وقد سوّد أهلها، فأقام يومين، ثم سار حتى نزل حِمْص، فأقام بها أيّامًا وبايع أهلها، ثم
стр. 4389
سار إلى بعلبكّ، فأقام يومين ثم ارتحل، فنزل بعين الحرّ، فأقام يومين، ثم ارتحل، فنزل مِزّة (قرية من قرى دمشق) فأقام وقدم عليه صالح بن علي مَدَدًا، فنزل مَرْج عذراء في ثمانية آلاف، معه بسام بن إبراهيم وخفّاف وشعبة والهيثم بن بسام، ثم سار عبد الله بن عليّ، فنزل على الباب الشرقي، ونزل صالح بن علي على باب الجابية، وأبو عون على باب كيسان، وبسام على باب الصغير، وحُميد بن قحطبة على باب توما، وعبد الصمد ويحيى بن صفوان والعباس بن يزيد على باب الفراديس - وفي دمشق الوليد بن معاوية - فحصروا أهل دمشق والبلْقاء، وتعصّب الناس بالمدينة، فقتل بعضهم بعضًا، وقتلوا الوليد، ففتحوا الأبواب يوم الأربعاء لعشر مضين من رمضان سنة اثنتين وثلاثين ومئة، فكان أوّل مَنْ صعد سور المدينة من الباب الشرقيّ عبد الله الطائيّ، ومن قبَل باب الصغير بسّام بن إبراهيم، فقاتلوا بها ثلاث ساعات، وأقام عبد الله بن على بدمشق خمسة عشر يومًا، ثم سار يريد فلسطين، فنزل نهر الكُسوة، فوجّه منها يحيى بن جعفر الهاشميّ إلى المدينة، ثم ارتحل إلى الأردن، فأتوْه وقد سوّدوا، ثم نزل بَيْسان، ثم سار إلى مَرْج الرّوم، ثم أتى نهر أبي فُطْرُس، وقد هرب مَرْوان فأقام بفلسطين، وجاءه كتاب أبي العباس؛ أن وجّه صالح بن عليّ في طلب مروان، فسار صالح بن عليّ من نهر أبي فطرس في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين ومئة؛ ومعه ابن فتان وعامر بن إسماعيل وأبو عون، فقدّم صالح بن عليّ أبا عون على مقدّمته وعامر بن إسماعيل الحارثيّ، وسار فنزل الرّمْلة، ثم سار فنزلوا ساحل البحر، وجمع صالح بن عليّ السفن وتجهز يريد مَروان، وهو بالفرَماء، فسار على الساحل والسفن حذاءه في البحر؛ حتى نزل العريش.
وبلغ مروان فأحرق ما كان حوله من علف وطعام وهرب، ومضى صالح بن عليّ فنزل الليل، ثم سار حتى نزل الصعيد، وبلغه أن خيلًا لمرْوان بالساحل يحرقون الأعلاف، فوجّه إليهم قوّادًا، فأخذوا رجالًا، فقدِموا بهم على صالح وهو بالفسطاط، فعبر مَرْوان النيل، وقطع الجسر، وحرق ما حَوْله، ومضى صالح يتبعه، فالتقى هو وخيل لمرْوان على النيل فاقتتلوا، فهزمهم صالح، ثم مضى إلى خليج، فصادف عليه خيلًا لمروان، فأصاب منهم طرفًا وهزمهم، ثم
стр. 4390
سار إلى خليج آخر فعبروا، ورأوا رَهَجًا فظنوه مروان، فبعث طليعة عليها الفضْل بن دينار ومالك بن قادم، فلم يلقوْا أحدًا ينكرونه، فرجعوا إلى صالح فارتحل، فنزل موضعًا يقال له ذات الساحل؛ ونزل فقدم أبو عون عامرَ بن إسماعيل الحارثيّ، ومعه شعبة بن كثير المازنيّ، فلقوا خيلًا لمروان وافوهم، فهزموهم وأسروا منهم رجالًا، فقتلوا بعضهم، واستحيوْا بعضًا، فسألوا عن مروان فأخبروهم بمكانه، على أن يؤمنوهم، وساروا فوجدوه نازلًا في كنيسة في بُوصير، ووافوهم في آخر الليل، فهرب الجند وخرج إليهم مروان في نفرٍ يسير، فأحاطوا به فقتلوه.
قال عليّ: وأخبرني إسماعيل بن الحسن، عن عامر بن إسماعيل قال: لقينا مروان ببوصير ونحن في جماعة يسيرة فشدوا علينا، فانضوينا إلى نخل ولو يعلمون بقلتنا لأهلكونا، فقلت من معي من أصحابي: فإن أصبحنا فرأوْا قلّتنا وعددنا لم ينجُ منا أحد؛ وذكرت قول بكير بن ماهان: أنت والله تقتل مروان؛ كأني أسمعك، تقول "دهيد ياجوانكثان"، فكسرت جُفْن سيفي، وكسر أصحابي جفونَ سيوفهم، وقلت: "دهيد ياجوانكثان"، فكأنها نار صُبّت عليهم، فانهزموا وحمل رجل على مرْوان فضربه بسيفه فقتله، وركب عامر بن إسماعيل إلى صالح بن عليّ، فكتب صالح بن عليّ إلى أمير المؤمنين أبي العباس: إنّا اتّبعنا عدوّ الله الجعديّ حتى ألجأناه إلى أرض عدوّ الله شبيهه فرعون، فقتلته بأرضه (١).
قال عليّ: حدثنا أبو طالب الأنصاريّ، قال: طعن مروان رجلٌ من أهل البصرة - يقال له المغود، وهو لا يعرفه - فصرعه، فصاح صائح: صُرع أمير المؤمنين، وابتدروه، فسبق إليه رجل من أهل الكوفة كان يبيع الرمان، فاحتزّ رأسه، فبعث عامر بن إسماعيل برأس مروان إلى أبي عَوْن، فبعث بها أبو عون إلى صالح بن عليّ، وبعث صالح برأسه مع يزيد بن هانئ - وكان على شرَطه - إلى أبي العباس يوم الأحد، لثلاث بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومئة، ورجع صالح إلى الفسطاط، ثم انصرف إلى الشام، فدفع الغنائم إلى
стр. 4391
أبي عَوْن، والسلاحَ والأموال والرّقيق إلى الفَضْل بن دينار، وخلّف أبا عون على مِصْر.
قال عليّ: وأخبرَنا أبو الحسن الخُراسانيّ، قال: حدّثنا شيخ من بكْر بن وائل (١)، قال: إني لبدير قنَّى مع بكير بن ماهان ونحن نتحدّث؛ إذ مرّ فتىً معه قربتان؛ حتى انتهى إلى دجْلة، فاستقى ماء، ثم رجع فدعاه بكير، فقال: ما اسمك يا فتى؟ قال: عامر، قال: ابن مَنْ؟ قال: ابنُ إسماعيل، من بَلْحارث، قال: وأنا من بَلْحارث، قال: فكن من بني مُسليَة، قال: فأنا منهم، قال: فأنت والله تقتل مَرْوان، لكأني والله أسمعك تقول: "ياجوانكثان دهيد".
قال علي حدثنا الكناني قال: سمعت أشياخنا بالكوفة يقولون بنو مسلية قتله مروان [٧/ ٤٣٩ - ٤٤٢].
وقد حدثني أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد، عن عليّ بن مجاهد، قالا: كان يقال: إنّ أم مَرْوان بن محمد كانت لإبراهيم بن الأشتر؛ أصابها محمد بن مَرْوان بن الحكم يوم قتل ابن الأشتر، فأخذها من ثقَله وهي تتنيّق، فولدت مَرْوان على فراشه، فلما قام أبو العباس دخل عليه عبد الله بن عيَّاش المنتوف، فقال: الحمد لله الذي أبدَلنا بحمار الجزيرة وابن أمَة النَّخَع ابن عمّ رسول الله ﷺ وابن عبد المطلب (٢).
* * *
وفي هذه السنة قتل عبد الله بن عليّ مَن قتل بنهر أبي فطرس من بني أمية، وكانوا اثنين وسبعين رجلًا.
وفيها خلع أبو الورْد أبا العباس بقنّسرين؛ فبيّض وبتضوا معه. [٧/ ٤٤٢ - ٤٤٣].
* * *
стр. 4392
ذكر الخبر عن تبييض أبي الورد وما آل إليه أمره وأمر من بيّض معه
وكان سبب ذلك فيما حدثني أحمد بن زهير - قال: حدّثني عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدّثني أبو هاشم مخلد بن محمد بن صالح، قال: كان أبو الوَرْد - واسمه: مجزأة بن الكوثر بن زفر بن الحارث الكلابيّ، من أصحاب مَرْوان وقوّاده وفرسانه - فلما هُزِم مروان، وأبو الورد بقنَّسرين، قدِمها عبد الله بن عليّ فبايعه ودخل فيما دخل فيه جندُه من الطاعة، وكان ولد مسلمة بن عبد الملك مجاوِرين له ببالِس والناعورة، فقدِم بالس قائد من قوّاد عبد الله بن عليّ من الأزارمردين في مئة وخمسين فارسًا، فبعث بولد مسلَمة بن عبد الملك ونسائهم، فشكا بعضهُم ذلك إلى أبي الورْد، فخرج من مزرعة يقال لها زرّاعة بني زفر - ويقال لها خُساف - في عدّة من أهل بيته؛ حتى هجَم على ذلك القائد وهو نازل في حصن مسلمة؛ فقاتله حتى قتله ومَن معه، وأظهر التبييض والخَلْع لعبد الله بن عليّ، ودعا أهل قنّسرين إلى ذلك، فبيّضوا بأجمعهم، وأبو العباس يومئذ بالحيرة وعبد الله بن عليّ يومئذ مشتغل بحرْب حبيب بن مرّة المرّيّ، فقاتله بأرض البلْقاء والبثنيّة وحُوران، وكان قد لقيه عبد الله بن عليّ في جموعه فقاتلهم، وكان بينه وبينهم وقعات؛ وكان من قوّاد مَرْوان وفرسانه، وكان سبب تبييضِه الخوف على نفسه وعلى قومه، فبايعتْه قيس وغيرهم ممن يليهم من أهل تلك الكور؛ البثنية وحُوران فلما بلغ عبد الله بن علي تبييضُهُم، دعا حبيب بن مرّة إلى الصلح فصالحه وآمنه ومن معه، وخرج متوجّهًا نحو قنَّسرين للقاء أبي الوْرد، فمرّ بدمشق، فخلف فيها أبا غانم عبد الحميد بن ربعيّ الطائيّ في أربعة آلاف رجل من جنده؛ وكان بدمشق يومئذ امرأة عبد الله بن عليّ أمّ البنين بنت محمد بن عبد المطلب النوفليّة أخت عمرو بن محمد، وأمهات أولاد لعبد الله وثَقَل له. فلما قدِم حِمْص في وجهه ذلك انتقض عليه بعده أهلُ دمشق فبيّضوا، ونهضوا مع عثمان بن عبد الأعلى بن سراقة الأزديّ، قال: فلقُوا أبا غانم ومَنْ معه، فهزموه وقتلوا من أصحابه مقتلة عظيمة، وانتهبوا ما كان عبد الله بن عليّ خلّف من ثقَله ومتاعه؛ ولم يعرِضوا لأهله، وبيّض أهل دمشق
стр. 4393
واستجمعوا على الخلاف، ومضى عبد الله بن عليّ - وقد كان تجمّع مع أبي الوْرد جماعة أهل قنَّسرين، وكاتبوا مَنْ يلِيهم من أهل حِمْص وتَدْمر، وقدمهم ألوف، عليهم أبو محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، فرأسوا عليهم أبا محمد، ودعوا إليه وقالوا: هو السفيانيّ الذي كان يذكر وهم في نحو من أربعين ألفًا - فلما دنا منهم عبد الله بن عليّ وأبو محمد معسكر في جماعته بمرْج يقال له مرْج الأخرم - وأبو الورْد المتولى لأمر العسكر والمدبّر له وصاحب القتال والوقائع - وجّه عبد الله أخاه عبد الصمد بن عليّ في عشرة آلاف من فرسان من معه؛ فناهضهم أبو الورْد، ولقيَهم فيما بين العسكرين، واستحرَّ القتل فيما بين الفريقيْن، وثبت القوم، وانكشف عبد الصمد ومَن معه، وقتِل منهم يومئذ ألوف، وأقبل عبد الله حيث أتاه عبد الصمد ومعه حُميد بن قحطبة وجماعة ممَّن معه من القوّاد، فالتقوْا ثانية بمرْج الأخرم، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وانكشف جماعة ممّن كان مع عبد الله، ثم ثابوا، وثبت لهم عبد الله وحميد بن قحطبة فهزموهم، وثبت أبو الورْد في نحو من خمسمئة من أهل بيته وقومه، فقتلوا جميعًا وهرب أبو محمد ومَن معه من الكلبيّة حتى لحقوا بتدمُر، وآمن عبد الله أهلَ قنَّسرين، وسوّدوا وبايعوه، ودخلوا في طاعته؛ ثم انصرف راجعًا إلى أهل دمشق، لما كان من تبييضهم عليه، وهزيمتهم أبا غانم، فلما دنا من دمشق هرَب الناس وتفرقوا، ولم يكن بينهم وقعة، وآمن عبد الله أهلها وبايعوه ولم يأخذهم بما كان منهم.
قال: ولم يَزَلْ أبو محمد متغيّبًا هاربًا؛ ولحق بأرض الحِجَاز، وبلغ زياد بن عبيد الله الحارثيّ عامل أبي جعفر مكانه الذي تغيّب فيه، فوجّه إليه خيلًا، فقاتلوه حتى قُتِل وأخذ ابنيْن له أسيرين، فبعث زياد برأس أبي محمد وابنيه إلى أبي جعفر أمير المؤمنين، فأمر بتخلية سبيلهما وآمنهما.
وأما عليّ بن محمد فإنه ذكر أنّ النعمان أبا السريّ حدّثه وجبلة بن فرّوخ وسليمان بن داود وأبو صالح المروزيّ، قالوا: خلع أبو الورد بقنَّسرين، فكتب أبو العباس إلى عبد الله بن عليّ وهو بفُطْرُس أن يقاتلَ أبا الورد، ثمّ وجّه عبد الصمد إلى قنَّسرين في سبعة آلاف، وعلى حرسه مخارق بن غفار، وعلى شُرَطه كلثوم بن شبيب؛ ثم وجّه بعده ذؤيب بن الأشعث في خمسة آلاف، ثم
стр. 4394
جعل يوجه الجنود، فلقيَ عبد الصمد أبا الورد في جَمْع كثير، فانهزمَ الناس عن عبد الصمد حتى أتوا حِمْص؛ فبعث عبد الله بن عليّ العباس بن يزيد بن زياد وسروان الجرجانيّ وأبا المتوكل الجرجانيّ؛ كلّ رجل في أصحابه إلى حِمْص؛ وأقبل عبد الله بن عليّ بنفسه، فنزل على أربعة أميال مِنْ حمص - وعبد الصمد بن عليّ بحمص - وكتب عبد الله إلى حُميد بن قحطبة، فقدم عليه من الأردنّ، وبايع أهل قنسرين لأبي محمد السفيانيّ زياد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية وأبو الورد بن حسنا، وبايعه الناس، وأقام أربعين يومًا، وأتاهم عبد الله بن عليّ ومعه عبد الصّمد وحُميد بن قحطبة، فالتقوْا فاقتتلوا أشدّ القتال بينهم، واضطرهم أبو محمد إلى شِعْب ضيّق، فجعل الناس يتفرّقون، فقال حُميد بن قحطبة لعبد الله بن عليّ: علامَ نقيم؟ هم يزيدون وأصحابنا ينقصون! ناجزهم؛ فاقتتلوا يوم الثلاثاء في آخر يوم من ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين ومئة، وعلى ميمنة أبي محمد أبو الورْد وعلى ميسرته الأصبغ بن ذؤالة، فجرح أبو الوَرْد، فحمل إلى أهله فمات، ولجأ قوم من أصحاب أبي الورْد، إلى أجَمة، فأحرقوها عليهم؛ وقد كان أهل حمص نقضوا، وأرادوا إيثار أبي محمد؛ فلما بلغهم هزيمته أقاموا.
[ذكر خبر خلع حبيب بن مرّة المرّيّ]
وفي هذه السّنة خَلَع حبيب بن مرة المرّيّ وبيّض هو ومن معه من أهل الشأم.
* ذكر الخبر عن ذلك:
ذكر عليّ عن شيوخه، قال: بيّض حبيب بن مرّة المريّ وأهل البثنيّة وحَوْران، وعبد الله بن عليّ في عسكر أبي الورْد الذي قتِل فيه.
وقد حدثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدّثنا أبو هاشم مخلَد بن محمد، قال: كان تبييض حبيب بن مرة وقتاله عبدَ الله بن عليّ قبل تبييض أبي الوْرد؛ وإنما بَيّض أبو الورد وعبد الله مشتغل بحرب حَبيب بن مرة المُريّ بأرض البلقاء أو البثنية وحَوْران، وكان قد لقيه عبد الله بن عليّ في جموعه فقاتله، وكان بينه وبينه وقَعات، وكان من قوَّاد مروان وفرسانه؛ وكان سبب تبييضه الخوف على نفسه وقومه، فبايعه قيس
стр. 4395
وغيرهم ممّن يليهم من أهل تلك الكُور؛ البثنية وحَوْران، فلما بلغ عبد الله بن عليّ تبييض أهل قنَّسرين، دعا حبيب بن مرّة إلى الصلح فصالحه، وآمنه ومَنْ معه، وخرج متوجهًا إلى قنَّسرين للقاء أبي الورد.
* * *
[ذكر خبر تبييض أهل الجزيرة وخلعهم أبا العباس]
وفي هذه السنة بيّض أيضًا أهل الجزيرة وخلعوا أبا العباس.
* ذكر الخبر عن أمرهم وما آل إليه حالهم فيه:
حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدّثنا أبو هاشم مخلد بن محمد، قال: كان أهلُ الجزيرة بيّضوا ونقضوا؛ حيثُ بلغهم خروجُ أبي الوَرْد وانتقاض أهل قِنَّسرين، وساروا إلى حَرّان، وبحرّان يومئذ موسى بن كعب في ثلاثة آلاف من الجند، فتشبّث بمدينتها وساروا إليه مبيّضين من كلّ وجه، وحاصروه ومن معه؛ وأمرُهم مشتت؛ ليس عليهم رأس يجمعهم.
وقدم على تفيئة (١) ذلك إسحاق بن مسلم من أرمينية - وكان شخص عنها حين بلغه هزيمة مَرْوان - فرأممه أهل الجزيرة عليهم، وحاصر موسى بن كعب نحوًا من شهرين، ووجَّه أبو العباس أبا جعفر فيمن كان معه من الجنود التي كانت بواسط محاصرة ابن هبيرة، فمضى حتى مرّ بقرْقيسيَا وأهلها مبيّضون، وقد غلّقوا أبوابها دونه، ثم قدم مدينة الرَّقة وهم على ذلك، وبها بكار بن مسلم، فمضى نحو حرّان، ورحل إسحاق بن مسلم إلى الرُّهاء - وذلك في سنة ثلاث وثلاثين ومئة، وخرج موسى بن كعب فيمن معه من مدينة حرّان، فلقُوا أبا جعفر، وقدم بكار على أخيه إسحاق بن مسلم، فوجّهه إلى جماعة ربيعة بدارا وماردين - ورئيس ربيعة يومئذ رجل من الحرورّية يقال له بُريكة - فصمَد إليه أبو جعفر، فلقيَهم فقاتلوه بها قتالًا شديدًا، وقتل بريكة في المعركة، وانصرف بكار إلى أخيه إسحاق بالرُّهاء فخلَفه إسحاق بها، ومضى في عُظْم العسكر إلى سُمَيْساط,
стр. 4396
فخندق على عسكره، وأقبل أبو جعفر في جُموعه حتى قابله بكار بالرّهاء؛ وكانت بينهما وقعات.
وكتب أبو العباس إلى عبد الله بن عليّ في المسير بجنوده إلى إسحاق بسُمَيْسَاط، فأقبل من الشأم حتى نزل بإزاء إسحاق بسُمْيَساط؛ وهم في ستين ألفًا أهل الجزيرة جميعها، وبينهما الفرات، وأقبل أبو جعفر من الرُّهاء فكاتبهم إسحاق وطلب إليهم الأمَان، فأجابوا إلى ذلك وكتبوا إلى أبي العباس، فأمرهم أن يؤضنوه ومَن معه، ففعلوا وكتبوا بينهم كتابًا، ووثقوا له فيه، فخرج إسحاق إلى أبي جعفر، وتمّ الصلح بينهما؛ وكان عنده من آثر أصحابه.
فاستقام أهلُ الجزيرة وأهل الشأم، وولّى أبو العباس أبا جعفر الجزيرة وأرمينيَة وأذربيجان، فلم يزل على ذلك حتى استخلف.
وقد ذُكِر أن إسحاق بن مسلم العقيليّ هذا أقام بسُمَيْساط سبعة أشهر، وأبو جعفر محاصره، وكان يقول: في عُنقي بَيْعة، فأنا لا أدَعها حتى أعلم أنّ صاحبها قد مات أو قتل، فأرسل إليه أبو جعفر: إنّ مروان قد قتل، فقال: حتى أتيقن، ثم طلب الصلح، وقال: قد علمتُ أن مَرْوان قد قتل، فآمنه أبو جعفر وصار معه، وكان عظيم المنزلة عنده.
وقد قيل: إن عبد الله بن عليّ هو الذي آمنه. [٧/ ٤٤٣ - ٤٤٨].
* ذكر الخبر عن سبب مسير أبي جعفر في ذلك، وما كان من أمره وأمر أبي مسلم في ذلك:
قد مضى ذكرى قبلُ أمرَ أبي سلَمة، وما كان من فعله في أمر أبي العباس ومن كان معه من بني هاشم عند قدومهم الكوفة، الذي صار به عندهم متّهمًا؛ فذكر عليّ بن محمد أن جبلة بن فرُّوخ قال: قال يزيد بن أسيد: قال أبو جعفر: لما ظهر أبو العباس أمير المؤمنين سمرنا ذات ليلة، فذكرنا ما صنع أبو سلمة، فقال رجل منا: ما يدريكم، لعل ما صنع أبو سلمة كان عن رأي أبي مسلم! فلم ينطق منّا أحدٌ، فقال: أمير المؤمنين أبو العباس: لئن كان هذا عن رأي أبي مسلم إنا لَبِعَرض بلاء؛ إلّا أن يدفَعه الله عنّا.
وتفرّقنا فأرسل إليّ أبو العباس، فقال: ما ترى؟ فقلت: الرأي رأيُك،
стр. 4397
فقال: ليس منا أحد أخصَّ بأبي مسلم منك، فاخرج إليه حتى تعلم ما رأيه، فليس يخفى عليك، فلو قد لقيتَه، فإن كان عن رأيه أخذنا لأنفسنا، وإن لم يكن عن رأيه طابت أنفسُنا.
فخرجت على وجل؛ فلما انتهيت إلى الريّ، إذا صاحب الريّ قد أتاه كتاب أبي مسلم: إنه بلغني أن عبد الله بن محمد توجّه إليك، فإذا قدم فأشخصه ساعةَ قدومه عليك، فلما قدمت أتاني عامل الريّ فأخبرني بكتاب أبي مسلم، وأمرني بالرّحيل، فازددت وجَلًا، وخرجت من الرّيّ وأنا حَذر خائف فسرت؛ فلما كنت بنيسابور إذا عاملُها قد أتاني بكتاب أبي مسلم: إذا قدم عليك عبد الله بن محمد فأشخصه ولا تَدَعه يقيم، فإن أرضك أرض خوراج ولا آمن عليه، فطابت نفسي وقلت: أراه يُعْنَى بأمري. فسرتُ، فلما كنت من مَرْوَ على فرسخين، تلقّاني أبو مسلم في الناس، فلما دنا منّي أقبل يمشي إليّ؛ حتى قبّل يدي، فقلت: اركب، فركب فدخل مَرْو، فنزلت دارا فمكثت ثلاثة أيام لا يسألني عن شيء، ثم قال لي في اليوم الرابع: ما أقدمك؟ فأخبرته، قال: فعلها أبو سلمة! أكفيكموه! فدعا مرّار بن أنس الضبيّ، فقال: انطلق إلى الكوفة، فاقتل أبا سلمة حيث لقيته؛ وانته في ذلك إلى رأي الإمام، فقدم مرار الكوفة، فكان أبو سَلمة يسمرُ عند أبي العبّاس، فقعد في طريقه، فلما خرج قتله فقالوا: قتله الخوارج.
قال عليّ: فحدثني شيخ من بني سليم، عن سالم، قال: صحبتُ أبا جعفر من الرّيّ إلى خُراسان، وكنت حاجبَه، فكان أبو مسلم يأتيه فينزل على باب الدّار، ويجلس في الدهليز، ويقول: استأذِنْ لي، فغضب أبو جعفر عليّ، وقال: ويلك! إذا رأيته فافتح له الباب، وقل له يدخل على دابته، ففعلت وقلت لأبي مسلم: إنه قال كذا وكذا، قال: نعم، أعلم، واستأذن لي عليه.
وقد قيل: إنّ أبا العباس قد كان تنكّر لأبي سَلمة قبل ارتحاله من عسكره بالنُّخيلة، ثم تحوّل عنه إلى المدينة الهاشميّة، فنزل قصر الإمارة بها، وهو متنكر له، قد عرف ذلك منه، وكتب إلى أبي مسلم يعلمه رأيه، وما كان همّ به من الغِشّ، وما يتخوّف منه، فكتب أبو مسلم إلى أمير المؤمنين:
إن كان اطلع على ذلك منه فليقتله؛ فقال داود بن عليّ لأبي العباس: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فيحتج عليك بها أبو مسلم وأهل خراسان الذين معك، وحاله
стр. 4398
فيهم حاله، ولكن اكتب إلى أبي مسلم فليبعث إليه من يقتله، فكتب إلى أبي مسلم بذلك، فبعث بذلك أبو مسلم مرّار بن أنس الضبيّ، فقدم على أبي العباس في المدينة الهاشمية وأعلمه سبب قدومه فأمر أبو العباس مناديًا فنادى: إن أمير المؤمنين قد رضي عن أبي سلمة ودعاه وكساه، ثم دخل عليه بعد ذلك ليلةً، فلم يزل عنده حتى ذهب عامة الليل، ثم خرج منصرفًا إلى منزله يمشي وحده؛ حتى دخل الطاقات، فعرض له مرّار بن أنس ومَن كان معه من أعوانه فقتلوه، وأغلقت أبواب المدينة، وقالوا: قتل الخوارج أبا سلمة، ثم أخرِج من الغد؛ فصلى عليه يحيى بن لمحمد بن عليّ، ودفن في المدينة الهاشميّة، فقال سليمان بن المهاجر البَجليّ:
إنَّ الوزيرَ وزيرَ آل محمد ... أَودَى فمن يَشْناك كان وزيرا
وكان يقال لأبي سلمة: وزير آل محمد، ولأبي مسلم: أمين آل محمد، فلما قتِل أبو سلمة وجّه أبو العباس أخاه أبا جعفر في ثلاثين رجلًا إلى أبي مُسلم؛ فيهم الحجاج بن أرطاة وإسحاق بن الفضل الهاشميّ.
ولما قدم أبو جعفر على أبي مسلم سايَره عبيد الله بن الحسين الأعرج وسليمان بن كثير معه، فقال سليمان بن كثير للأعرج: يا هذَا؛ إنا كنّا نرجو أن يتمّ أمركم؛ فإذا شئتم فادعونا إلى ما تريدون، فظنَّ عبيد الله أنه دسيس من أبي مسلم، فخاف ذلك، وبلغ أبا مسلم مسايرةُ سليمان بن كثير إياه، وأتى عبيد الله أبا مُسلم، فذكر له ما قال سليمان، وظنّ أنه إن لم يفعل ذلك اغتاله فقتله، فبعث أبو مسلم إلى سليمان بن كَثير، فقال له: أتحفظ قول الإمام لي: من اتهمتَه فاقتله؟ قال: نعم، قال: فإني قد اتّهمتك، فقال: أنشدك الله! قال: لا تناشدني الله وأنت منطوٍ على غشّ الإمام؛ فأمر بضرب عنقه، ولم يرَ أحدًا ممن كان يضرب عنقه أبو مسلم غيره، فانصرف أبو جعفر من عند أبي مسلم، فقال لأبي العباس: لستَ خليفةً ولا أمرك بشيء إن تركتَ أبا مسلم ولم تقتله، قال: وكيف؟ قال: والله ما يصنع إلا ما أراد، قال أبو العباس: اسكت فاكتمها. [٧/ ٤٤٨ - ٤٥٠].
وذكر أبو زيد أنّ محمد بن كثير حدّثه، قال: كلَّم ابن هبيرة يومًا أبا جعفر، فقال: يا هناه - أو يا أيّها المرء - ثم رجع، فقال: أيها الأمير؛ إنّ عهدي بكلام
стр. 4399
الناس بمثل ما خاطبتك به حديث، فسبقني لساني إلى ما لم أرده، وألحّ أبو العباس على أبي جعفر يأمره بقتله وهو يراجعه، حتى كتب إليه: والله لتقتلنّه أو لأرسلنّ إليه من يخرجه من حُجرتك، ثم يتولى قتله، فأزمع على قتله، فبعث خازم بن خزعة والهيثم بن شعبة بن ظهير؛ وأمرهما بختم بيوت الأموال، ثم بعث إلى وجوه مَن معه من القيسيَّة والمضريّة، فأقبل محمد بن نباتة وحوثرة بن سُهيل وطارق بن قدامة وزياد بن سويد وأبو بكر بن كعب العُقيليّ وأبان وبشر ابنا عبد الملك بن بشر؛ في اثنين وعشرين رجلًا من قيس، وجعفر بن حنظلة وهزّان بن سعد.
قال: فخرج سلّام بن سليم، فقال: أين حوثرة ومحمد بن نباتة؛ فقاما، فدخلا، وقد أجلس عثمان بن نهيك والفضل بن سليمان وموسى بن عقيل في مئة في حُجْرة دون حجرته، فنُزعت سيوفهمَا وكتِّفا، ثم دخل بشر وأبان ابنا عبد الملك بن بشر، ففُعل بهما ذلك؛ ثمّ دخل أبو بكر بن كعب وطارق بن قدامة، فقام جعفر بن حنظلة، فقال: نحن رؤساء الأجناد، وَلِمَ يكون هؤلاء يقدّمون علينا؟ فقال: ممن أنت؟ قال: من بَهْراء، فقال: وراءك الدّار أوسع لك، ثم قام هزّان، فتكلم فأخِّر، فقال روح بن حاتم: يا أبا يعقوب نزعت سيوف القوم، فخرج عليهم موسى بن عقيل، فقالوا له: أعطيتمونا عهد الله ثم خِسْتم به! إنا لنرجو أن يدرككم الله، وجعل ابن نباتة يفرَط في لحية نفسه، فقال له حوثرة: إنّ هذا لا يغني عنك شيئًا؛ فقال: كأني كنت أنظر إلى هذا، فقتِلوا. وأخذت خواتيمهم.
وانطلق خازم والهيثم بن شعبة والأغلب بن سالم في نحو من مئة، فأرسلوا إلى ابن هبيرة: إنا نريد حمل المال، فقال ابن هبيرة لحاجبه: يا أبا عثمان انطلق فدلهم عليه، فأقاموا عند بيت نفرًا، ثم جعلوا ينظرون في نواحي الدار، ومع ابن هبيرة ابنه داود وكاتبه عمرو بن أيّوب وحاجبه وعدّة من مواليه، وبنيٌّ له صغير في حِجْره، فجعل ينكر نظرهم فقال: أقسم بالله إنّ في وجوه القوم لشرًّا، فأقبلوا نحوه، فقام حاجبه في وجوههم، فقال: ما وراءكم؟ فضربه الهيثم بن شعبة على حبل عاتقِه فصرعه، وقاتل ابنه داود فقتِل وقتل مواليه، ونحَّى الصبّي من حِجره، وقال: دونكم هذا الصبيّ، وخرّ ساجدًا فقتل وهو ساجد، ومضوا
стр. 4400
برؤوسهم إلى أبي جعفر، فنادى بالأمان للناس إلّا للحكم بن عبد الملك بن بشر وخالد بن سلمة المخزوميّ وعمر بن ذرّ، فاستأمن زياد بن عبيد الله لابن ذرّ فآمنه أبو العباس، وهرب الحكم، وآمن أبو جعفر خالدًا، فقتله أبو العباس، ولم يُجزْ أمان أبي جعفر، وهرب أبو علاقة وهشام بن هثيم بن صفوان بن مزيد الفزاريّان، فلحقهما حجر بن سعيد الطائيّ، فقتلهما على الزّاب، فقال أبو عطاء السِّنديّ يرثيه:
ألَا إنَّ عينًا لم تجُدْ يوم واسِطٍ ... عليك بجاري دمعِها لَجَمودُ (١)
عشيَّةَ قام النائحاتُ وشُقِّقَتْ ... جُيُوبٌ بأَيْدي مأْتمٍ وخُدودُ
فإن تُمْس مهجورَ الفِناءِ فربّمَا ... أقامَ به بعد الوفود وُفودُ
فإنك لم تَبْعُدْ على متعهّدٍ ... بلى كلُّ من تحت الترابِ بعيدُ
وقال منقذ بن عبد الرحمن الهلال يرثيه:
مَنَع العزاءَ حرارةُ الصَّدْر ... والحُزن عقدَ عزيمةِ الصبْرِ
لما سمِعْتُ بوَقعَةٍ شملتْ ... بالشيب لونَ مَفارقِ الشعْر
أفنى الحُماة الغُرَّ أَنْ عَرَضَتْ ... دون الوفاء حَبِائِلُ الغَدر
مالت حبائلُ أَمرهم بفتىً ... مثلِ النجوم حَفَفْنَ بالبدرِ
عَالَى نعِيَّهمُ فقلت له ... هَلَّا أتَيتَ بصيْحةِ الحشرِ!
لله درّك مَنْ زعمتَ لنا ... أَن قد حَوَتْه حوادثُ الدهر
مَن للمنابر بعد مَهْلَكِهم ... أو مَنْ يَسُدُّ مكارم الفخر!
فإذا ذكرتُهُمُ شكا ألَمًا ... قلبي لفَقد فوارس زُهْرِ
قَتلى بدِجْلَة ما يَغُمُّهُمُ ... إلا عُبابُ زَواخِرِ البحر
فلتَبْكِ نِسْوَتنا فوارسهَا ... خيرَ الحماةِ لياليَ الذُّعْرِ
وذكر أبو زيد أن أبا بكر الباهلي حَدَّثه، قال: حدثني شيخ من أهل خراسان، قال: كان هشام بن عبد الملك خطب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة ابنتَه على ابنه معاوية، فأبى أن يزوّجه، فجرى بعد ذلك بين يزيد بن عمر وبين الوليد بن
стр. 4401
القعقاع كلام؛ فبعث به هشام إلى الوليد بن القعقاع، فضربه وحبسه، فقال ابن طَيْسلة:
يا قَلَّ خيرُ رجالٍ لا عقولَ لهمْ ... مَنْ يَعدلون إلى المحبوس في حَلَب
إلى امرئ لم تُصِبْهُ الدّهرَ معْضِلةٌ ... إلا استقلَّ بها مُسْتَرْخِيَ اللبَبِ
وقيل: إن أبا العباس لما وجّه أبا جعفر إلى واسط لقتال ابن هبيرة، كتب إلى الحسن بن قحطبة: إن العسكر عسكرُك، والقُوادَ قوّادُك، ولكن أحببتُ أن يكون أخي حاضرًا، فاسمع له وأطع، وأحسِن مؤازرته، وكتب إلى أبي نصر مالك بن الهيثم بمثل ذلك؛ فكان الحسن المدبر لذلك العسكر بأمر المنصور.
وفي هذه السنة وجّه أبو مسلم محمد بن الأشعث على فارس، وأمره أن يأخذ عمال أبي سملمة فيضرب أعناقهم، ففعل ذلك.
وفي هذه السنة وجه أبو العباس عمّه عيسى بن عليّ على فارس، وعليها محمد بن الأشعث، فهمّ به، فقيل له، إن هذا لا يسوغ لك، فقال: بلى، أمرني أبو مسلم ألا يقدمَ عليّ أحد يدّعى الولاية من غيره إلا ضربتُ عنقه.
ثم ارتدع عن ذلك لما تخوّف من عاقبته، فاستحلف عيسى بالأيمان المحرجة ألا يعلو منبرًا، ولا يتقلدَ سيفًا إلّا في جهاد؛ فلم يَل عيسى بعد ذلك عملًا، ولا تقلد سيفًا إلّا في غَزْو، ثم وجه أبو العباس بعد ذلك إسماعيل بن عليّ واليًا على فارس [٧/ ٤٥٥ - ٤٥٨].
* * *
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومئة ذكر ما كان في هذه السنة من الأحداث
وفيها كتب أبو العباس إلى أبي عون بإقراره على مصر واليًا عليها، وإلى عبد الله وصالح ابني عليّ على أجناد الشأم.
وفيها توجّه محمد بن الأشعث إلى إفريقيّة فقاتلهم قتالًا شديدًا حتى فتحها.
وفيها خرج شُرَيك بن شيخ المهريّ بخُراسان على أبي مسلم ببخارَى ونقم
стр. 4402
عليه، وقال: ما على هذا اتّبعنا آل محمد، على أن نسفك الدماء، ونعمل بغير الحقّ، وتبعه على رأيه أكثرُ من ثلاثين ألفًا، فوجّه إليه أبو مسلم زياد بن صالح الخُزاعيّ فقاتله فقتله.
وفيها توجّه أبو داود خالد بن إبراهيم من الوَخْش إلى الخُتّل، فدخلها ولم يمتنع عليه حنَش بن السبل ملكها، وأتاه ناس من دهاقين الخُتّل، فتحصّنوا معه؛ وامتنع بعضهم في الدُّروب والشعاب والقلاع، فلما ألحّ أبو داود على حَنَش، خرج من الحصن ليلًا ومعه دهاقينه وشاكريّتُه حتى انتهوْا إلى أرض فَرْغانة، ثم خرج منها في أرض الترك، حتى وقع إلى ملك الصين؛ وأخذ أبو داود مَنْ ظفر به منهم، فجاوز بهم إلى بَلْخ، ثم بعث بهم إلى أبي مسلم.
وفيها قُتِل عبد الرحمن بن يزيد بن المهلب؛ قتله سليمان الذي يقال له الأسود، بأمانٍ كتبه له.
وفيها وجّه صالح بن عليّ سعيدَ بن عبد الله لغزو الصّائفة؛ وراء الدروب، وفيها عزِل يحيى بن محمد عن الموصل، واستعمل مكانه إسماعيل بن عليّ. [٧/ ٤٥٩ - ٤٦٠].
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث
[ذكر خبر خلع بسام بن إبراهيم]
ففيها خالف بسام بن إبراهيم بن بسام، وخَلَع، وكان من فُرسان أهلِ خراسان، وشخص - فيما ذكر - من عسكر أبي العباس أمير المؤمنين مع جماعة ممّن شايعه على ذلك من رأيه؛ مستسرِّين بخروجهم، ففحص عن أمرهم، وإلى أين صاروا، حتى وقف على مكانهم بالمدائن، فوجّه إليهم أبو العباس خازم بن خزيمة، فلما لقى بسامًا ناجزه القتال، فانهزم بسام وأصحابُه وقتل أكثرهم، واستبيح عسكره، ومضى خازم وأصحابه في طلبهم في أرض جوخى إلى أن بلغ ماه، وقتل كلّ مَن لحقه منهزمًا، أو ناصبه القتال، ثم انصرف من وجهه ذلك؛ فمرّ بذات المطامير - أو بقرية شبيهة بها - وبها من بني الحارث بن كعب من بني عبد المدان؛ وهم أخوال أبي العباس ذَنَبة فمرّ بهم وهم في مجلس لهم - وكانوا
стр. 4403
خمسة وثلاثين رجلًا منهم، ومن غيرهم ثمانية عشر رجلًا، ومن مواليهم سبعة عشر رجلًا - فلم يسلِّم عليهم، فلما جاز شتموه؛ وكان في قلبه عليهم ما كان لما بلغه عنهم من حال المغيرة بن الفزع، وأنه لجأ إليهم، وكان من أصحاب بسام بن إبراهيم فكرّ راجعًا، فسألهم عما بلغه من نزول المغيرة بهم، فقالوا: مرّ بنا رجل مجتاز لا نعرفه؛ فأقام في قريتنا ليلة ثم خرج عنها، فقال لهم: أنتم أخوال أمير المؤمنين ويأتيكم عدوّه، فيأمن في قريتكم! فهلا اجتمعتم فأخذتموه! فأغلظوا له الجواب، فأمر بهم فضُرِبت أعناقهم جميعًا، وهُدمت دورهم، وانتهبت أموالهم، ثم انصرف إلى أبي العباس؛ وبلغ ما كان من فعل خازم اليمانية، فأعظموا ذلك؛ واجتمعت كلمتُهم، فدخل زياد بن عبيد الله الحارثيّ على أبي العباس مع عبد الله بن الربيع الحارثيّ وعثمان بن نهيك، وعبد الجبار بن عبد الرحمن؛ وهو يومئذ على شُرْطة أبي العباس؛ فقالوا: يا أمير المؤمنين؛ إن خازمًا اجترأ عليك بأمر لم يكن أحد من أقرب ولد أبيك ليجترئ عليك به؛ من استخفافه بحقّك؛ وقتل أخوالك الذين قطعوا البلاد، وأتوك معتزّين بك، طالبين معروفك؛ حتى إذا صاروا إلى دارك وجوارك، وثب عليهم خازم فضرب أعناقهم، وهدم دورهم، وأنهب أموالهم، وأخرب ضياعهم، بلا حدث أحدثوه، فهمّ بقتل خازم؛ فبلغ ذلك موسى بن كعب وأبا الجهم بن عطيّة، فدخلا على أبي العباس، فقالا: بلغنا يا أمير المؤمنين ما كان من تحميل هؤلاء القوم إياك على خازم؛ وإشارتهم عليك بقتله؛ وما هممتَ به من ذلك؛ وإنا نعيذك بالله من ذلك؛ فإنّ له طاعةً وسابقة؛ وهو يُحتمل له ما صنع؛ فإنّ شيعتَكم من أهل خراسان قد آثروكم على الأقارب من الأولاد والآباء والإخوان؛ وقتلوا من خالفكم، وأنت أحقّ من تعمد إساءة مسيئهم؛ فإن كنتَ لابد مجمعًا عَلى قتله فلا تتولّ ذلك بنفسك، وعرّضه من المباعث لما إن قتل فيه كنت قد بلغت الذي أردت، وإن ظفر كان ظفره لك، وأشاروا عليه بتوجيهه إلى مَن بعُمان من الخوارج إلى الجلندَى وأصحابه، وإلى الخوارج الذين بجزيرة ابن كاوان مع شيبان بن عبد العزيز اليشكريّ، فأمر أبو العباس بتوجيهه مع سبعمئة رجل؛ وكتب إلى سليمان بن عليّ وهو على البصرة بحملهم في السفن إلى جزيرة ابن كاوان وعمَان فشخص.
* * *
стр. 4404
[أمر الخوارج مع خازم بن خزيمة وقتل شيبان بن عبد العزيز]
وفي هذه السنة شخص خازم بن خزيمة إلى عُمان، فأوقع بمَنْ فيها من الخوارج، وغلب عليها وعلى ما قرُب منها من البلدان وقتل شيبان الخارجيّ.
* ذكر الخبر عما كان منه هنالك:
ذُكر أن خازم بن خزيمة شخص في السبعمئة الذين ضمّهم إليه أبو العباس، وانتخب من أهل بيته وبني عمه وسواليه ورجال من أهل مَرْو الرّوذ، قد عرفهم ووثق بهم، فسار إلى البَصْرة، فحملهم سليمان بن عليّ، وانضمّ إلى خازم بالبصرة عدّة من بني تميم، فساروا حتى أرسوْا بجزيرة ابن كاوان، فوجّه خازم نضلة بن نعيم النهشليّ في خمسمئة رجل من أصحابه إلى شيبان، فالتقوْا فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فركب شيبان وأصحابه السكن، فقطعوا إلى عُمان - وهم صُفريّة - فلما صاروا إلى عُمان نَصب لهم الجلندَى وأصحابه - وهم إباضية - فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فقُتل شيبان وَمَن معه، - ثم سار خازم في البحر بمن معه؛ حتى أرسوْا إلى ساحل عُمان، فخرجوا إلى صحراء، فلقيَهم الجلندى وأصحابه، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وكثر القتل يومئذ في أصحاب خازم؛ وهم يومئذ على ضفة البحر، وقتِل فيمن قُتِل أخٌ لخازم لأمه يقال له إسماعيل، في تسعين رجلًا من أهل مَرْو الروذ، ثم تلاقوْا في اليوم الثاني؛ فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وعلى ميمنته رجل من أهل مَرْو الروذ، يقال له حميد الورتكانيّ، وعلى ميسرته رجل من أهل مَرْو الرّوذ يقال له مسلم الأرغدّي، وعلى طلائعه نضلة بن نعيم النهشليّ، فقتل يومئذ من الخوارج تسعمئة رجل، وأحرَقوا منهم نحوًا من تسعين رجلًا، ثم التقوْا بعد سبعة أيام من مَقْدَم خازم على رأي أشار به عليه رجلٌ من أهل الصُّغْد وقع بتلك البلاد، فأشار عليه أن يأمر أصحابه فيجعلوا على أطراف أسنتهم المُشاقة ويرووها بالنِّفط، ويشُعِلوا فيها النيران؛ ثم يمشوا بها حتى يضرموها في بيوت أصحاب الجلندَى.
وكانت من خشب وخِلاف؛ فلما فعل ذلك وأضرمت بيوتُهم بالنيران وشغلوا بها وبمن فيها من أولادهم وأهاليهم شدّ عليهم خَازم وأصحابه؛ فوضعوا فيهم السيوف وهم غير ممتنعين منهم، وقتِل الجلندى فيمن قُتِل، وبلغ عدّة مَنْ قتل
стр. 4405
عشرة آلاف؛ وبعث خازم برؤوسهم إلى البصرة، فمكثتْ بالبصرة أيامًا، ثم بعث بها إلى أبي العباس، وأقام خازم بعد ذلك أشهرًا؛ حتى أتاه كتاب أبي العباس بإقفاله فقفلوا (١).
* * *
[ذكر غزة كسّ]
وفي هذه السنة غزا أبو داود خالد بن إبراهيم أهل كسّ فقتل الأخريد ملكها؛ وهو سامع مطيع قدم عليه قبل ذلك بلْخ، ثم تلقاه بكندك مما يلي كسّ؛ وأخذ أبو داود من الأخريد وأصحابه حين قتلهم من الأواني الصينيّة المنقوشة المذهبة التي لم يُرَ مثلها، ومن السروج الصينيّة ومتاع الصين كله من الديباج وغيره، ومن طُرَف الصين شيئًا كثيرًا، فحمله أبو داود أجمع إلى أبي مسلم وهو بسَمْرقَنْد، وقتل أبو داود دهقان كسّ في عدّة من دهاقينها واستحيا طاران أخا الأخريد وملكه على كسّ، وأخذ ابن النجاح وردّه إلى أرضه، وانصرف أبو مسلم إلى مَرْو بعد أن قتل في أهل الصّغْد وأهل بخارى، وأمر ببناء حائط سَمَرْقند، واستخلف زياد بن صالح على الصّغْد وأهل بخارى، ثم رجع أبو داودَ إلى بلخ [٧/ ٤٦١ - ٤٦٤].
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك خروجُ زياد بن صالح وراء نهر بلْخ، فشخص أبو مسلم من مَرْو مستعدًّا للقائِه، وبعث أبو داود خالد بن إبراهيم نصرَ بن راشد إلى الترْمذ، وأمره أن ينزل مدينتَها، مخافَة أن يبعث زياد بن صالح إلى الحصن والسفن فيأخذها؛ ففعل ذلك نصر، وأقام بها أيامًا، فخرج عليه ناس من
стр. 4406
الراونديّة من أهل الطالقان مع رجل يكنى أبا إسحاق، فقتلوا نصرًا، فلما بلغ ذلك أبا داود بعث عيسى بن ماهان في تتبّع قتلة نصر، فتتبعهم فقتلهم، فمضى أبو مسلم مسرعًا؛ حتى انتهى إلى آمُل، ومعه سباع بن أبي النعمان الأزديّ، وهو الذي كان قدم بعهد زياد بن صالح من قِبَل أبي العباس، وأمره إن رأى فرصة أن يَثِبَ على أبي مسلم فيقتلَه، فأخبِر أبو سسلم بذلك، فدفع سباع بن النعمان إلى الحسن بن الجُنيد عامله على آمُل، وأمره بحبسه عنده، وعبَر أبو مسلم إلى بخَارى، فلما نزلها أتاه أبو شاكر وأبو سعد الشرويّ في قُوّاد قد خلعوا زيادًا، فسألهم أبو مسلم عن أمر زياد ومَنْ أفسده، قالوا: سباع بن النعمان، فكتب إلى عامله على آمُل أن يضرب سباعًا مئة سوط، ثم يضرب عنقه، ففعل.
ولما أسلم زيادًا قوّادُهُ ولحقوا بأبي مسلم لجأ إلى دِهقان بارْكَث، فوثب عليه الدهقان، فضرب عنقه وجاء برأسه إلى أبي مسلم، فأبطأ أبو داود على أبي مسلم لحال الراوندية الذين كانوا خرجوا، فكتب إليه أبو مسلم: أما بعد فليفرخ رَوْعك، ويأسن سِربك، فقد قتك الله زيادًا، فاقْدَم، فقدم أبو داود، كسّ، وبعث عيسى بن ماهان إلى بسام، وبعث ابن النجاح إلى الإصبهبذ إلى شاوَغَر، فحاصر الحصن فأما أهل شاوغر فسألوا الصلح، فأجيبوا إلى ذلك.
وأما بسام فلم يصل عيسى بن ماهان إلى شيء منه؛ حتى ظهر أبو مسلم بستة عشر كتابًا وجدها من عيسى بن ماهان إلى كامل بن مظفّر صاحب أبي مسلم، يعيب فيها أبا داود، وينسبه فيها إلى العصبيّة وإيثاره العرب وقومَه على غيرهم من أهل هذه الدعوة، وأن في عسكره ستة وثلاثين سُرادقًا للمستأمنة، فبعث بها أبو مسلم إلى أبي داود، وكتب إليه: إنَ هذه كتب العِلْج الذي صَيَّرته عِدْل نفسك، فشأنَك به، فكتب أبو داود إلى عيسى بن ماهان يأمره بالانصراف إليه عن بسّام، فلما قدم عليه حبسه ودفعه إلى عمر النغم؛ وكان في يده محبوسًا، ثم دعا به بعد يومين أو ثلاثة فذكّره صنيعتَه به وإيثاره إياه على ولده، فأقرّ بذلك، فقال أبو داود: فكان جزاء ما صنعتُ بك أن سعيتَ بي وأردتَ قتلي، فأنكر ذلك، فأخرج كتبه فعرفها، فضربه أبو داود يومئذ حدّين: أحدهما للحسن بن حمدان، ثم قال أبو داود: أمّا إني قد تركت ذنبَك لك؛ ولكن الجند أعلم، فأخرج في القيود، فلما أخرج من السرّادق وثب عليه حرب بن زياد وحفص بن
стр. 4407
دينار مولى يحيى بن حُضين، فضرباه بعمود وطَبَرْزِين، فوقع إلى الأرض، وعدا عليه أهل الطالقان وغيرُهم، فأدخلوه في جوالق وضربوه بالأعمدة، حتى مات ورجع أبو مسلم إلى مَرْو. [٧/ ٤٦٦ - ٤٦٧].
ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومئة ذكر الخبر عما كان من الأحداث [٧/ ٤٦٨]
وملك بعد مروان أربع سنين، وكان - فيما ذُكِر - ذا شعرة جَعْدة، وكان طويلًا أبيض أقنَى الأنف، حسنَ الوجه واللحية.
وأمه رَيْطة بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان بن الديان الحارثيّ وكان وزيره أبو الجهم بن عطيَّة.
وصلى عليه عمه عيسى بن عليّ، ودفنه بالأنبار العتيقة في قصره.
وكان - فيما ذكر - خلَّف تسع جباب، وأربعة أقمصَة، وخمسة سراويلات، وأربعة طيالسة، وثلاثة مطارف خزّ. [٧/ ٤٧١].
وذكر عليّ بن محمد، عن الهيثم، عن عبد الله بن عيّاش، قال: لما حضرتْ أبا العباس الوفاة، أمر الناس بالبيعة لعبد الله بن محمد أبي جعفر، فبايع الناس له بالأنبار في اليوم الذي مات فيه أبو العباس، وقام بأمر الناس عيسى بن موسى، وأرسل عيسى بن موسى إلى أبي جعفر وهو بمكة محمد بن الحصين العبديّ بموت أبي العباس، وبالبَيْعة له، فلقيَه بمكان من الطريق يقال له زكيّة، فلما جاءه الكتاب دعا الناس فبايعوه، وبايعه أبو مسلم، فقال أبو جعفر: أين موضعنا هذا؟ قالوا: زكيَّة، فقال: أمر يَزْكَى لنا إن شاء الله تعالى.
وقال بعضهمْ ورد على أبي جعفر البيعة له بعدما صدر من الحجّ، في منزل من منازل طريق مكة؛ يقال له صُفيَّة، فتفاءل باسمه، وقال: صَفتْ لنا إن شاء الله تعالى (١) [٧/ ٤٧١].
* * *
стр. 4408
وقيل: إن أبا مسلم كان هو الذي تقدّم أبا جعفر، فعرف الخبر قبله، فكتب إلى أبي جعفر:
بسم الله الرحمن الرحيم، عافاك الله وأمتَع بك؛ إنه أتاني أمر أفظعني وبلَغ مني مبلغًا لم يبلغه شيء قطّ، لقيَني محمد بن الحصين بكتاب من عيسى بن موسى إليك بوفاة أبي العباس أمير المؤمنين ﵀، فنسأل الله أن يعظم أجرَك، ويُحسن الخلافة عليك، ويبارك لك فيما أنت فيه؛ إنه ليس من أهلك أحدٌ أشدّ تعظيمًا لحقك وأصفى نصيحةً لك، وحرصًا على ما يسرّك مني.
وأنفذ الكتاب إليه، ثم مكث أبو مسلم يومه ومن الغد، ثم بعث إلى أبي جعفر بالبَيْعة؛ وإنما أراد ترهيب أبي جعفر بتأخيرها. [٧/ ٤٧٢].
* * *
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومئة ذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الأحداث
قال الهيثم: كان حصار عبد الله بن عليّ مقاتلًا العكيّ أربعين ليلة، فلما بلغه مسيرُ أبي مسلم إليه، وأنه لم يظفر بمقاتل، وخشي أن يهجم عليه أبو مسلم أعطى العكيّ أمانًا، فخرج إليه فيمن كان معه، وأقام معه أيامًا يسيرة، ثم وجّهه إلى عثمان بن عبد الأعليّ بن سراقة الأزديّ إلى الرّقة ومعه ابناه، وكتب إليه كتابًا دفعه إلى العكيّ، فلما قدموا على عثمان قتَل العكيّ وحبس ابنيه، فلما بلغه هزيمة عبد الله بن عليّ وأهل الشأم بنصيبين أخرجهما فضرب أعناقهما.
وكان عبد الله بن عليّ خشى ألا يناصحه أهل خراسان، فقتل منهم نحوًا من سبعة عشر ألفًا؛ أمر صاحب شُرَطه فقتلهم؛ وكتب لحميد بن قحطبة كتابًا ووجّهه إلى حلب، وعليها زُفَر بن عاصم وفي الكتاب: إذا قدم عليك حُميد بن قحطبة فاضرب عنقَه، فسار حميد حتى إذا كان ببعض الطريق فكّر في كتابه، وقال: إنّ
стр. 4409
ذهابي بكتاب ولا أعلم ما فيه لغَرَر، ففكّ الطومار فقرأه، فلما رأى ما فيه دعا أناسًا من خاصته فأخبرهم الخبر، وأفشى إليهم أمره، وشاورهم، وقال: مَنْ أراد منكم أن ينجوَ ويهرب فلَيَسِرْ معي؛ فإني أريد أن آخذ طريق العراق، وأخبرهم ما كتب به عبد الله بن عليّ في أمره، وقال لهم: مَنْ لم يرد منكم أن يحمل نفسه على السير فلا يفشينّ سرّى، وليذهب حيث أحبّ.
قال: فاتبعه على ذلك ناس من أصحابه، فأمر حميد بدوابّه فأنعلت (١)، وأنعل أصحابه دوابهم، وتأهبوا للمسير معه، ثم فوّز (٢) بهم وبهرَجَ الطريق (٣) فأخذ على ناحية من الرّصافة؛ رصافة هشام بالشأم، وبالرّصافة يومئذ مولى لعبد الله بن عليّ يقال له سعيد البربريّ، فبلغه أنّ حُميد بن قحطبة قد خالف عبد الله بن عليّ، وأخذ في المفازة، فسار في طلبه فيمن معه من فُرسانه؛ فلحقه ببعض الطريق، فلما بصر به حُميد ثنى فَرسَه نحوه حتى لقيَه، فقال له: ويحك! أما تعرفني! والله ما لك في قتالي من خيْر فارجع؛ فلا تقتل أصحابي وأصحابك، فهو خير لك، فلما سمع كلامه عرف ما قال له، فرجع إلى موضعه بالرُّصافة، ومضى حُميد ومَن كان معه، فقال له صاحب حَرسه موسى بن ميمون: إن لي بالرُّصافة جاريةً، فإن رأيتَ أن تأذنَ لي فآتيَها فأوصيها ببعض ما أريد، ثم ألحقك! فأذن له فأتاها، فأقام عندها، ثم خرج من الرُّصافة يريد حُميدًا، فلقيه سعيد البربريّ مولى عبد الله بن عليّ، فأخذه فقتله، وأقبل عبد الله بن عليّ حتى نزل نَصِيبين، وخندق عليه.
وأقبل أبو مسلم، وكتب أبو جعفر إلى الحسن بن قحطبة - وكان خليفته بأرمينيَة - أن يوافي أبا مسلم، فقدم الحسن بن قحطبة على أبي مسلم وهو بالموْصِل، وأقبل أبو مسلم، فنزل ناحية لم يعرِض له، وأخذ طريق الشأم، وكتب إلى عبد الله: إني لم أؤْمَر بقتالك، ولم أوجَّه له، ولكن أمير المؤمنين ولَّاني الشأم؛ وإنما أريدها؛ فقال مَنْ كان مع عبد الله من أهل الشأم لعبد الله:
стр. 4410
كيف نقيم معك وهذا يأتي بلادنا وفيها حرمُنا فيقتل من قدر عليه من رجالنا، ويسبِي ذراريّنا!
ولكنا نخرج إلى بلادنا فنمنعه حَرَمنا وذراريَّنا ونقاتله إن قاتلنا، فقال لهم عبد الله بن عليّ: إنه والله ما يريد الشأم، وما وُجِّه إلا لقتالكم، ولئن أقمتم ليأتينكم، قال: فلم تطب أنفسُهم، وأبوْا إلا المسير إلى الشأم.
قال: وأقبل أبو مسلم فعسكر قريبًا منهم، وارتحل عبد الله بن عليّ من عسكره متوجّهًا نحو الشأم، وتحوّل أبو مسلم حتى نزل في معسكر عبد الله بن عليّ في موضعه، وغوّر (١) ما كان حوله من المياه، وألقى فيها الجيَف.
وبلغ عبد الله بن عليّ نزول أبي مسلم معسكره، فقال لأصحابه من أهل الشأم: ألم أقل لكم! وأقبل فوجد أبا مسلم قد سبقه إلى معسكره، فنزل في موضع عسكر أبي مسلم الذي كان فيه، فاقتتلوا أشهرًا خمسة أو ستة، وأهل الشأم أكثر فرسانًا وأكمل عُدّة، وعلى ميمنة عبد الله بكار بن مسلم العقيليّ، وعلى ميسرته حبيب بن سويد الأسديّ، وعلى الخيل عبد الصمد بن عليّ، وعلى ميمنة أبي مسلم الحسن بن قحطبة، وعلى الميسرة أبو نصر خازم بن خزيمة، فقاتلوه أشهرًا. [٧/ ٤٧٥ - ٤٧٧].
ويقال: بل استأمن لعبد الصمد بن عليّ إسماعيل بن عليّ.
وقد قيل: إن عبد الله بن عليّ لما انهزم مضى هو وعبد الصمد أخوه إلى رُصافة هشام، فأقام عبد الصمد بها حتى قدمت عليه خيول المنصور، وعليها جهور بن مرّار العجليّ، فأخذه فبعث به إلى المنصور مع أبي الخصيب مولاه موثَقًا، فلما قدم عليه أمر بصرْفه إلى عيسى بن موسى، فآمنه عيسى وأطلقه وأكرمه، وحباه وكساه.
وأما عبد الله بن عليّ فلم يلبث بالرّصافة إلا ليلة، ثم أدلَج في قواده ومواليه حتى قدم البصرة على سليمان بن عليّ وهو عاملها يومئذ، فآواهم سليمان وأكرمهم وأقاموا عنده زمانًا متوارين. [٧/ ٤٧٩].
* * *
стр. 4411
قال عليّ: قال مسلم بن المغيرة: استخلف أبو جعفر على أرمينيَة في تلك السنة الحسن بن قحطبة. وقال غيره: استعمل رضيعه يحيى بن مسلم بن عُروة - وكان أسود مولىً لهم - فخرجا إلى مكة فكان أبو مسلم يصلح العِقَاب ويكسو الأعراب في كلّ منزل، ويصلُ من سأله، وكسا الأعراب البُتوت والملاحف، وحفر الآبار، وسهل الطرق، فكان الصوت له، وكان الأعراب يقولون: هذا المكذوب عليه؛ حتى قدم مكة فنظر إلى اليمانية فقال لنيزك: وضرب جنبه -: يا نيزكُ، أيّ جند هؤلاء لو لقيهم رجل ظريف اللسان سريع الدمعة! [٧/ ٤٧٩ - ٤٨٠].
قال عليّ: قال مسلم بن المغيرة: كنت مع الحسن بن قحطبة بأرمينيَة فلما وجّه أبو مسلم إلى الشأم كتب أبو جعفر إلى الحسن أن يوافيَه ويسير معه، فقدمنا على أبي مسلم وهو بالموصل فأقام أيامًا، فلما أراد أن يسير، قلت للحسن: أنتم تسيرون إلى القتال وليس بك إليّ حاجة، فلو أذنتَ لي فأتيت العراق، فأقمت حتى تقدموا إن شاء الله! قال: نعم؛ لكن أعلِمْني إذا أردتَ الخروج، قلت: نعم، فلما فرغت وتهيأت أعلمتُه، وقلتُ: أتيتُك أودّعك، قال: قف لي بالباب حتى أخرُج إليك، فخرجتُ فوقفتُ وخرج، فقال: إنَي أريد أن ألقي إليك شيئًا لتبلِغَه أبا أيوب، ولولا ثقتي بك لم أخبرْك، ولولا مكانك من آلجي أيوب لم أخبرْك، فأبلغْ أبا أيوب أني قد ارتبتُ بأبي مسلم منذ قدمتُ عليه، إنه يأتيه الكتاب من أمير المؤمنين فيقرؤوه، ثم يلوى شِدقه، ويرمي بالكتاب إلى أبي نصر، فيقرؤه ويضحكان استهزاء؛ قلتُ: نعم قد فهصت، فلقيتُ أبا أيوب وأنا أرى أن قد أتيته بشيء، فضحك، قال: نحن لأبي مسلم أشدّ تُهمةً منّا لعبد الله بن عليّ إلّا أنا نرجو واحدةً، نعلم أنّ أهل خُراسان لا يحبون عبد الله بن عليّ، وقد قتَل منهم من قَتل، وكان عبد الله بن عليّ حين خَلَع خاف أهلَ خُراسان، فقتل منهم سبعة عشر ألفًا؛ أمر صاحب شرطته حيّاش بن حبيب فقتلهم.
قال عليّ: فذكر أبو حفص الأزديّ أن أبا مسلم قاتل عبد الله بن عليّ فهزمه، وجَمَع ما كان في عسكره من الأموال فصيّره في حظيرة، وأصاب عينًا ومتاعًا وجوهرًا كثيرًا؛ فكان منثورًا في تلك الحظيرة، ووكّل بها وبحفظها قائدًا من
стр. 4412
قُوّاده، فكنت في أصحابه، فجعلها نوائب بيننا، فكان إذا خرج رجل من الحظيرة فتّشه، فخرج أصحابي يومًا من الحظيرة وتخلفت، فقال لهم الأمير: ما فعل أبو حفص؟ فقِالوا: هو في الحظيرة، قال: فجاء فاطلع من الباب، وفطِنت له فنزعت خُفَّيّ وهو ينظر، فنفضتهما وهو ينظر، ونفضت سراويلي وكُمّي، ثم لبست خفي وهو ينظر، ثم قام فقعد في مجلسه وخرجت، فقال لي: ما حبسك؟ قلت: خير، فخلّاني، فقال: قد رأيتُ ما صنعتَ فلِمَ صنعتَ هذا؟ قلت: إن في الحظيرة لؤلؤًا منثورًا ودراهم منثورة؛ ونحن نتقلب عليها، فخفت أن يكون قد دخل في خُفيّ منها شيء، فنزعت خُفيّ وجوربيّ؛ فأعجبه ذلك وقال: انطلق، فكنت أدخل الحظيرة مع من يحفظ فآخذ من الدراهم ومن تلك الثياب الناعمة فأجعل بعضها في خفيّ وأشدّ بعضها على بطني، ويخرج أصحابي فيفتَّشُون ولا أفتَّش، حتى جمعت مالًا، قال: وأما اللؤلؤ فإنّي لم أكن أمسّه. [٧/ ٤٨١ - ٤٨٢].
* * *
وقال غير من ذكرت خبره: لما ظفِر أبو مسلم بعسكر عبد الله بن عليّ بعث المنصور يقطين بن موسى، وأمره أن يحصيَ ما في العسكر، وكان أبو مسلم يسميه "يك دين". فقال أبو مسلم: يا يقطين، أمين على الدماء خائن في الأموال! وشتم أبا جعفر، فأبلغه يقطين ذلك.
وأقبل أبو مسلم من الجزيرة مجمِعًا على الخلاف؛ وخرج من وجهه معارضًا يريد خراسان؛ وخرج أبو جعفر من الأنبار إلى المدائن؛ وكتب إلى أبي مسلم في المصير إليه، فكتب أبو مسلم، وقد نزل الزّاب وهو على الرّواح إلى طريق حُلوان: إنه لم يبق لأمير المؤمنين أكرمه الله عدوّ إلا أمكنه الله منه؛ وقد كنّا نروِي عن ملوك آل ساسان: أنّ أخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء؛ فنحن نافرون من قربك، حريصون على الوفاء بعهدك ما وفيتَ، حريُّون بالسمع والطاعة؛ غير أنها من بعيد حيث تقارنها السلامة، فإن أرضاك ذاك فأنا كأحسن عبيدك؛ فإن أبيتَ إلا أن تعطىَ نفسك إرادتَها نقضتُ ما أبرْمت من عهدك، ضنًّا بنفسي، فلما وصل الكتاب إلى المنصور كتب إلى أبي مسلم: قد فهمتُ كتابك؛ وليست صفتك صفة أولئك الوزراء الغَشَشة ملوكهم، الذين يتمنوْن اضطراب
стр. 4413
حَبْل الدولة لكثرة جرائمهم؛ فإنما راحتُهم في انتشار نظام الجماعة؛ فلمَ سوَّيْت نفسك بهم، وأنت في طاعتك ومناصحتك واضطلاعك بما حملت من أعباء هذا الأمر على ما أنت به! وليس مع الشريطة التي أوجبتَ منك سمع ولا طاعة، وحمّل إليك أمير المؤمنين عيسى بن موسى رسالة لتسكُنَ إليها إلى أن أصغَيْت إليها، وأسأل الله أن يحول بين الشيطان ونزغاته وبينك؛ فإنه لم يجد بابًا يفسد به نيتك أوكدَ عنده، وأقرب من طِبّه من الباب الذي فتحه عليك، ووجه إليه جرير بن يزيد بن جرير بن عبد الله البجليّ؛ وكان واحد أهل زمانه، فخدعه وردّه، وكان أبو مسلم يقول: والله لأقتلَنّ بالروم، وكان المنجمون يقولون ذلك؛ فأقبل والمنصور في الرومية في مضارب، وتلقاه الناس وأنزله وأكرمه أيامًا. [٧/ ٤٨٣ - ٤٨٢].
قال عليّ عن أبي حفص الأزدي، قال: كنت مع أبي مسلم، فقدِم عليه أبو إسحاق من عند أبي جعفر بكتب من بني هاشم، وقال: رأيتُ القوم على غير ما ترى، كلّ القوم يرون لك ما يرون للخليفة، ويعرفون ما أبلاهم الله بك.
فسار إلى المدائن، وخلف أبا نصر في ثَقَله، وقال: أقم حتى يأتيك كتابي، قال: فاجعل بيني وبينك آية أعرف بها كتابك، قال: إن أتاك كتابي مختومًا بنصف خاتم فأنا كتبتُه، وإن أتاك بالخاتم كلِّه؛ فلم أكتبه ولم أختمه، فلما دنا من المدائن تلقاه رجل من قوّاده، فسلّم عليه، فقال له: أطعْني وارجع، فإنه إن عاينك قتلَك، قال: قد قربتُ من القوم فأكره أن أرجع، فقدم المدائن في ثلاثة آلاف، وخلّف الناس بحُلْوان، فدخل على أبي جعفر، فأمره بالانصراف في يومه، وأصبح يريده، فتلقاه أبو الخصيب فقال: أمير المؤمنين مشغولٌ، فاصبر ساعة حتى تدخل خاليًا، فأتى منزلَ عيسى بن موسى - وكان يحبّ عيسى - فدعا له بالغداء، وقال أمير المؤمنين للربيع - وهو يومئذ وصيف يخدم أبا الخصيب: انطلِق إلى أبي مسلم؛ ولا يعلم أحدٌ، فقل له: قال لك مرزوق: إن أردتَ أمير المؤمنين خاليًا فالعجل، فقام فركب، وقال له عيسى: لا تعجَل بالدّخول حتى أدخل معك، فأبطأ عيسى بالوضوء، ومضى أبو مسلم فدخل فقتل قبل أن يجيءَ عيسى، وجاء عيسى وهو مدرج في عبَاءة، فقال: أين أبو مسلم؟ قال: مُدْرجٌ في
стр. 4414
الكساء، قال: إنا لله" قال: اسكت، فما تمّ سلطانك وأمرُك إلّا اليوم، ثم رمى به في دجلة.
قال عليّ: قال أبو حفص: دعا أمير المؤمنين عثمان بن نَهيك وأربعة من الحَرس، فقال لهم: إذا ضربت بيديّ إحداهما على الأخرى؛ فاضربوا عدّو الله، فدخل عليه أبو مسلم، فقال له: أخبرْني عن نَصْلَيْن أصبتَهما في متاع عبد الله بن عليّ، قال: هذا أحدهما الذي عليّ، قال: أرنيه فانتضاه، فناوله، فهزّه أبو جعفر، ثم وضعه تحت فراشه، وأقبل عليه يعاتبه، فقال: أخبرني عن كتابك إلى أبي العباس تنهاه عن الموات، أردتَ أن تعلّمنا الدّين! قال: ظننتُ أخذه لا يحلّ، فكتب إليّ، فلما أتاني كتابُه علمتُ أن أمير المؤمنين وأهل بيته معدن العلم، قال: فأخبرني عن تقدّمك إيايَ في الطريق؟ قال: كرهتُ اجتماعنا على الماء فيضرّ ذلك بالناس؛ فتقدّمتُك التماس الرّفق، قال: فقولك حين أتاك الخبر بموت أبي العباس من أشار عليك أن تنصرف إليّ: نقدم فنرى من رأينا؛ ومضيتَ فلا أنت أقمت حتى ألحقك ولا أنت رجعت إليّ! قال: منعنِي من ذلك ما أخبرتُك من طلب الرّفق بالناس، وقلت: نقدم الكوفة فليس عليه مني خلاف، قال: فجارية عبد الله بن عليّ أردتَ أن تتخذها؟ قال: لا؛ ولكني خفتُ أن تضيع، فحملتها في قبّة، ووكلتُ بها من يحفظها، قال: فمراغمتك وخروجك إلى خراسان؟ قال: خفتُ أن يكون قد دخلك مني شيء، فقلت: آتي خراسان، فأكتب إليك بعذري؛ وإلى ذلك ما قد ذهب ما في نفسك عليّ، قال: تالله ما رأيت كاليوم قطّ، والله ما زدتَني إلا غضبًا؛ وضرب بيده، فخرجوا عليه؛ فضربه عثمان وأصحابه حتى قتلوه.
قال عليّ: قال يزيد بن أسيد: قال أمير المؤمنين: عاتبتُ عبدَ الرحمن، فقلت: المال الذي جمعته بحرّان؟ قال: أنفقتُه وأعطيتُه الجند تقويةً لهم واستصلاحًا، قلت: فرجوعُك إلى خراسان مراغمًا؟ قال: دع هذا فما أصبحتُ أخاف أحدًا إلا الله؛ فغضبتُ فشتمته، فخرجوا فقتلوه.
وقال غير من ذكرت في أمر أبي مسلم: إنه لما أرسل إليه يوم قتِل، أتى عيسى بن موسى، فسأله أن يركب معه، فقال له: تقدّم وأنت في ذمتي؛ فدخل مضرب أبي جعفر؛ وقد أمر عثمان بن نَهيك صاحب الحرس، فأعدْ له شبيب بن
стр. 4415
واج المروروذيّ (رجلًا من الحَرَس) وأبا حنيفة حرب بن قيس، وقال لهم: إذا صفقتُ بيديَّ فشأنكم؛ وأذن لأبي مسلم، فقال لمحمد البواب النجاريّ: ما الخبر؟ قال: خير؛ يُعطينني الأمير سيفه، فقال: ما كان يُصنَع بي هذا! قال: وما عليك! فشكا ذلك إلى أبي جعفر، قال: ومَن فعل بك هذا قبحه الله! ثم أقبل يعاتبه: ألستَ الكاتب إليّ تبدأ بنفسك، والكاتب إليّ تخطب أمينة بنت عليّ وتزعم أنك ابنُ سَلِيط بن عبد الله بن عباس! ما دعاك إلى قتل سليمان بن كَثير مع أثرِه في دعوتنا؛ وهو أحد نقبائنا قبل أن نُدخلك في شيء من هذا الأمر؟ قال: أرادَ الخلافَ وعصاني فقتلتُه، فقال المنصور: وحاله عندنا حاله فقتلَته، وتعصيني وأنت مخالف عليّ! قتلني الله إن لم أقتلك! فضربه بعمود، وخرج شبيبُ وحرب فقتلاه، وذلك لخمس ليال بقين من شعبان من سنة سبع وثلاثين ومئة، فقال المنصور:
زعمتَ أنَّ الدَّين لا يُقْتَضَى ... فاسْتَوْفِ بالكَيْل أَبا مُجْرِم
سُقِيتَ كأْسًا كنتَ تَسقِي بها ... أَمَرَّ في الحَلق مِنَ العَلْقَم
قال: وكان أبو مسلم قد قَتَل في دولته وحروبه ستمئة ألف صَبْرًا.
وقيل: إن أبا جعفر لما عاتب أبا مسلم، قال له: فعلتَ وفعلتَ، قال له أبو مسلم: ليس يقال هذا لي بعد بلائي، وما كان مني؛ فقال: يا بن الخبيثة؛ والله لو كانتْ أمَةٌ مكانك لأجْزَتْ ناحيتها؛ إنما عملت ما عملت في دولتنا وبريحنا؛ ولو كان ذلك إليك ما قطعتَ فتيلًا، ألستَ الكاتبَ إليّ تبدأ بنفسك، والكاتبَ إليّ تخطب أمينة بنت عليّ، وتزعم أنك ابنُ سَليط بن عبد الله بن عباس! لقد ارتقيت لا أمّ لك مُرْتَقىً صعبًا! فأخذ أبو مسلم بيده يعرِكها ويقتلها ويعتذر إليه.
وقيل: إن عثمان بن نَهيك ضرب أبا مسلم أوّل ما ضرب ضربة خفيفة بالسيف؛ فلم يزد على أن قطع حمائل سيفه؛ فاعتقل بها أبو مسلم، وضرب شبيب بن واج رجلَه، واعتوَره بقية أصحابه حتى قتلوه، والمنصور يصيح بهم: اضربوا قطع الله أيديكم!
وقد كان أبو مسلم قال - فيما قيل - عند أول ضربة أصابته: يا أمير المؤمنين، استبقني لعدّوك قال: لا أبقاني الله إذًا! وأيّ عدوٍّ لي أعدى منك!