← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

قال عليّ: قال مسلم بن المغيرة: استخلف أبو جعفر على أرمينيَة في تلك السنة الحسن بن قحطبة. وقال غيره: استعمل رضيعه يحيى بن مسلم بن عُروة - وكان أسود مولىً لهم - فخرجا إلى مكة فكان أبو مسلم يصلح العِقَاب ويكسو الأعراب في كلّ منزل، ويصلُ من سأله، وكسا الأعراب البُتوت والملاحف، وحفر الآبار، وسهل الطرق، فكان الصوت له، وكان الأعراب يقولون: هذا المكذوب عليه؛ حتى قدم مكة فنظر إلى اليمانية فقال لنيزك: وضرب جنبه -: يا نيزكُ، أيّ جند هؤلاء لو لقيهم رجل ظريف اللسان سريع الدمعة! [٧/ ٤٧٩ - ٤٨٠]. قال عليّ: قال مسلم بن المغيرة: كنت مع الحسن بن قحطبة بأرمينيَة فلما وجّه أبو مسلم إلى الشأم كتب أبو جعفر إلى الحسن أن يوافيَه ويسير معه، فقدمنا على أبي مسلم وهو بالموصل فأقام أيامًا، فلما أراد أن يسير، قلت للحسن: أنتم تسيرون إلى القتال وليس بك إليّ حاجة، فلو أذنتَ لي فأتيت العراق، فأقمت حتى تقدموا إن شاء الله! قال: نعم؛ لكن أعلِمْني إذا أردتَ الخروج، قلت: نعم، فلما فرغت وتهيأت أعلمتُه، وقلتُ: أتيتُك أودّعك، قال: قف لي بالباب حتى أخرُج إليك، فخرجتُ فوقفتُ وخرج، فقال: إنَي أريد أن ألقي إليك شيئًا لتبلِغَه أبا أيوب، ولولا ثقتي بك لم أخبرْك، ولولا مكانك من آلجي أيوب لم أخبرْك، فأبلغْ أبا أيوب أني قد ارتبتُ بأبي مسلم منذ قدمتُ عليه، إنه يأتيه الكتاب من أمير المؤمنين فيقرؤوه، ثم يلوى شِدقه، ويرمي بالكتاب إلى أبي نصر، فيقرؤه ويضحكان استهزاء؛ قلتُ: نعم قد فهصت، فلقيتُ أبا أيوب وأنا أرى أن قد أتيته بشيء، فضحك، قال: نحن لأبي مسلم أشدّ تُهمةً منّا لعبد الله بن عليّ إلّا أنا نرجو واحدةً، نعلم أنّ أهل خُراسان لا يحبون عبد الله بن عليّ، وقد قتَل منهم من قَتل، وكان عبد الله بن عليّ حين خَلَع خاف أهلَ خُراسان، فقتل منهم سبعة عشر ألفًا؛ أمر صاحب شرطته حيّاش بن حبيب فقتلهم. قال عليّ: فذكر أبو حفص الأزديّ أن أبا مسلم قاتل عبد الله بن عليّ فهزمه، وجَمَع ما كان في عسكره من الأموال فصيّره في حظيرة، وأصاب عينًا ومتاعًا وجوهرًا كثيرًا؛ فكان منثورًا في تلك الحظيرة، ووكّل بها وبحفظها قائدًا من

стр. 4412

قُوّاده، فكنت في أصحابه، فجعلها نوائب بيننا، فكان إذا خرج رجل من الحظيرة فتّشه، فخرج أصحابي يومًا من الحظيرة وتخلفت، فقال لهم الأمير: ما فعل أبو حفص؟ فقِالوا: هو في الحظيرة، قال: فجاء فاطلع من الباب، وفطِنت له فنزعت خُفَّيّ وهو ينظر، فنفضتهما وهو ينظر، ونفضت سراويلي وكُمّي، ثم لبست خفي وهو ينظر، ثم قام فقعد في مجلسه وخرجت، فقال لي: ما حبسك؟ قلت: خير، فخلّاني، فقال: قد رأيتُ ما صنعتَ فلِمَ صنعتَ هذا؟ قلت: إن في الحظيرة لؤلؤًا منثورًا ودراهم منثورة؛ ونحن نتقلب عليها، فخفت أن يكون قد دخل في خُفيّ منها شيء، فنزعت خُفيّ وجوربيّ؛ فأعجبه ذلك وقال: انطلق، فكنت أدخل الحظيرة مع من يحفظ فآخذ من الدراهم ومن تلك الثياب الناعمة فأجعل بعضها في خفيّ وأشدّ بعضها على بطني، ويخرج أصحابي فيفتَّشُون ولا أفتَّش، حتى جمعت مالًا، قال: وأما اللؤلؤ فإنّي لم أكن أمسّه. [٧/ ٤٨١ - ٤٨٢]. * * * وقال غير من ذكرت خبره: لما ظفِر أبو مسلم بعسكر عبد الله بن عليّ بعث المنصور يقطين بن موسى، وأمره أن يحصيَ ما في العسكر، وكان أبو مسلم يسميه "يك دين". فقال أبو مسلم: يا يقطين، أمين على الدماء خائن في الأموال! وشتم أبا جعفر، فأبلغه يقطين ذلك. وأقبل أبو مسلم من الجزيرة مجمِعًا على الخلاف؛ وخرج من وجهه معارضًا يريد خراسان؛ وخرج أبو جعفر من الأنبار إلى المدائن؛ وكتب إلى أبي مسلم في المصير إليه، فكتب أبو مسلم، وقد نزل الزّاب وهو على الرّواح إلى طريق حُلوان: إنه لم يبق لأمير المؤمنين أكرمه الله عدوّ إلا أمكنه الله منه؛ وقد كنّا نروِي عن ملوك آل ساسان: أنّ أخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء؛ فنحن نافرون من قربك، حريصون على الوفاء بعهدك ما وفيتَ، حريُّون بالسمع والطاعة؛ غير أنها من بعيد حيث تقارنها السلامة، فإن أرضاك ذاك فأنا كأحسن عبيدك؛ فإن أبيتَ إلا أن تعطىَ نفسك إرادتَها نقضتُ ما أبرْمت من عهدك، ضنًّا بنفسي، فلما وصل الكتاب إلى المنصور كتب إلى أبي مسلم: قد فهمتُ كتابك؛ وليست صفتك صفة أولئك الوزراء الغَشَشة ملوكهم، الذين يتمنوْن اضطراب

стр. 4413

حَبْل الدولة لكثرة جرائمهم؛ فإنما راحتُهم في انتشار نظام الجماعة؛ فلمَ سوَّيْت نفسك بهم، وأنت في طاعتك ومناصحتك واضطلاعك بما حملت من أعباء هذا الأمر على ما أنت به! وليس مع الشريطة التي أوجبتَ منك سمع ولا طاعة، وحمّل إليك أمير المؤمنين عيسى بن موسى رسالة لتسكُنَ إليها إلى أن أصغَيْت إليها، وأسأل الله أن يحول بين الشيطان ونزغاته وبينك؛ فإنه لم يجد بابًا يفسد به نيتك أوكدَ عنده، وأقرب من طِبّه من الباب الذي فتحه عليك، ووجه إليه جرير بن يزيد بن جرير بن عبد الله البجليّ؛ وكان واحد أهل زمانه، فخدعه وردّه، وكان أبو مسلم يقول: والله لأقتلَنّ بالروم، وكان المنجمون يقولون ذلك؛ فأقبل والمنصور في الرومية في مضارب، وتلقاه الناس وأنزله وأكرمه أيامًا. [٧/ ٤٨٣ - ٤٨٢]. قال عليّ عن أبي حفص الأزدي، قال: كنت مع أبي مسلم، فقدِم عليه أبو إسحاق من عند أبي جعفر بكتب من بني هاشم، وقال: رأيتُ القوم على غير ما ترى، كلّ القوم يرون لك ما يرون للخليفة، ويعرفون ما أبلاهم الله بك. فسار إلى المدائن، وخلف أبا نصر في ثَقَله، وقال: أقم حتى يأتيك كتابي، قال: فاجعل بيني وبينك آية أعرف بها كتابك، قال: إن أتاك كتابي مختومًا بنصف خاتم فأنا كتبتُه، وإن أتاك بالخاتم كلِّه؛ فلم أكتبه ولم أختمه، فلما دنا من المدائن تلقاه رجل من قوّاده، فسلّم عليه، فقال له: أطعْني وارجع، فإنه إن عاينك قتلَك، قال: قد قربتُ من القوم فأكره أن أرجع، فقدم المدائن في ثلاثة آلاف، وخلّف الناس بحُلْوان، فدخل على أبي جعفر، فأمره بالانصراف في يومه، وأصبح يريده، فتلقاه أبو الخصيب فقال: أمير المؤمنين مشغولٌ، فاصبر ساعة حتى تدخل خاليًا، فأتى منزلَ عيسى بن موسى - وكان يحبّ عيسى - فدعا له بالغداء، وقال أمير المؤمنين للربيع - وهو يومئذ وصيف يخدم أبا الخصيب: انطلِق إلى أبي مسلم؛ ولا يعلم أحدٌ، فقل له: قال لك مرزوق: إن أردتَ أمير المؤمنين خاليًا فالعجل، فقام فركب، وقال له عيسى: لا تعجَل بالدّخول حتى أدخل معك، فأبطأ عيسى بالوضوء، ومضى أبو مسلم فدخل فقتل قبل أن يجيءَ عيسى، وجاء عيسى وهو مدرج في عبَاءة، فقال: أين أبو مسلم؟ قال: مُدْرجٌ في

стр. 4414

الكساء، قال: إنا لله" قال: اسكت، فما تمّ سلطانك وأمرُك إلّا اليوم، ثم رمى به في دجلة. قال عليّ: قال أبو حفص: دعا أمير المؤمنين عثمان بن نَهيك وأربعة من الحَرس، فقال لهم: إذا ضربت بيديّ إحداهما على الأخرى؛ فاضربوا عدّو الله، فدخل عليه أبو مسلم، فقال له: أخبرْني عن نَصْلَيْن أصبتَهما في متاع عبد الله بن عليّ، قال: هذا أحدهما الذي عليّ، قال: أرنيه فانتضاه، فناوله، فهزّه أبو جعفر، ثم وضعه تحت فراشه، وأقبل عليه يعاتبه، فقال: أخبرني عن كتابك إلى أبي العباس تنهاه عن الموات، أردتَ أن تعلّمنا الدّين! قال: ظننتُ أخذه لا يحلّ، فكتب إليّ، فلما أتاني كتابُه علمتُ أن أمير المؤمنين وأهل بيته معدن العلم، قال: فأخبرني عن تقدّمك إيايَ في الطريق؟ قال: كرهتُ اجتماعنا على الماء فيضرّ ذلك بالناس؛ فتقدّمتُك التماس الرّفق، قال: فقولك حين أتاك الخبر بموت أبي العباس من أشار عليك أن تنصرف إليّ: نقدم فنرى من رأينا؛ ومضيتَ فلا أنت أقمت حتى ألحقك ولا أنت رجعت إليّ! قال: منعنِي من ذلك ما أخبرتُك من طلب الرّفق بالناس، وقلت: نقدم الكوفة فليس عليه مني خلاف، قال: فجارية عبد الله بن عليّ أردتَ أن تتخذها؟ قال: لا؛ ولكني خفتُ أن تضيع، فحملتها في قبّة، ووكلتُ بها من يحفظها، قال: فمراغمتك وخروجك إلى خراسان؟ قال: خفتُ أن يكون قد دخلك مني شيء، فقلت: آتي خراسان، فأكتب إليك بعذري؛ وإلى ذلك ما قد ذهب ما في نفسك عليّ، قال: تالله ما رأيت كاليوم قطّ، والله ما زدتَني إلا غضبًا؛ وضرب بيده، فخرجوا عليه؛ فضربه عثمان وأصحابه حتى قتلوه. قال عليّ: قال يزيد بن أسيد: قال أمير المؤمنين: عاتبتُ عبدَ الرحمن، فقلت: المال الذي جمعته بحرّان؟ قال: أنفقتُه وأعطيتُه الجند تقويةً لهم واستصلاحًا، قلت: فرجوعُك إلى خراسان مراغمًا؟ قال: دع هذا فما أصبحتُ أخاف أحدًا إلا الله؛ فغضبتُ فشتمته، فخرجوا فقتلوه. وقال غير من ذكرت في أمر أبي مسلم: إنه لما أرسل إليه يوم قتِل، أتى عيسى بن موسى، فسأله أن يركب معه، فقال له: تقدّم وأنت في ذمتي؛ فدخل مضرب أبي جعفر؛ وقد أمر عثمان بن نَهيك صاحب الحرس، فأعدْ له شبيب بن

стр. 4415

واج المروروذيّ (رجلًا من الحَرَس) وأبا حنيفة حرب بن قيس، وقال لهم: إذا صفقتُ بيديَّ فشأنكم؛ وأذن لأبي مسلم، فقال لمحمد البواب النجاريّ: ما الخبر؟ قال: خير؛ يُعطينني الأمير سيفه، فقال: ما كان يُصنَع بي هذا! قال: وما عليك! فشكا ذلك إلى أبي جعفر، قال: ومَن فعل بك هذا قبحه الله! ثم أقبل يعاتبه: ألستَ الكاتب إليّ تبدأ بنفسك، والكاتب إليّ تخطب أمينة بنت عليّ وتزعم أنك ابنُ سَلِيط بن عبد الله بن عباس! ما دعاك إلى قتل سليمان بن كَثير مع أثرِه في دعوتنا؛ وهو أحد نقبائنا قبل أن نُدخلك في شيء من هذا الأمر؟ قال: أرادَ الخلافَ وعصاني فقتلتُه، فقال المنصور: وحاله عندنا حاله فقتلَته، وتعصيني وأنت مخالف عليّ! قتلني الله إن لم أقتلك! فضربه بعمود، وخرج شبيبُ وحرب فقتلاه، وذلك لخمس ليال بقين من شعبان من سنة سبع وثلاثين ومئة، فقال المنصور: زعمتَ أنَّ الدَّين لا يُقْتَضَى ... فاسْتَوْفِ بالكَيْل أَبا مُجْرِم سُقِيتَ كأْسًا كنتَ تَسقِي بها ... أَمَرَّ في الحَلق مِنَ العَلْقَم قال: وكان أبو مسلم قد قَتَل في دولته وحروبه ستمئة ألف صَبْرًا. وقيل: إن أبا جعفر لما عاتب أبا مسلم، قال له: فعلتَ وفعلتَ، قال له أبو مسلم: ليس يقال هذا لي بعد بلائي، وما كان مني؛ فقال: يا بن الخبيثة؛ والله لو كانتْ أمَةٌ مكانك لأجْزَتْ ناحيتها؛ إنما عملت ما عملت في دولتنا وبريحنا؛ ولو كان ذلك إليك ما قطعتَ فتيلًا، ألستَ الكاتبَ إليّ تبدأ بنفسك، والكاتبَ إليّ تخطب أمينة بنت عليّ، وتزعم أنك ابنُ سَليط بن عبد الله بن عباس! لقد ارتقيت لا أمّ لك مُرْتَقىً صعبًا! فأخذ أبو مسلم بيده يعرِكها ويقتلها ويعتذر إليه. وقيل: إن عثمان بن نَهيك ضرب أبا مسلم أوّل ما ضرب ضربة خفيفة بالسيف؛ فلم يزد على أن قطع حمائل سيفه؛ فاعتقل بها أبو مسلم، وضرب شبيب بن واج رجلَه، واعتوَره بقية أصحابه حتى قتلوه، والمنصور يصيح بهم: اضربوا قطع الله أيديكم! وقد كان أبو مسلم قال - فيما قيل - عند أول ضربة أصابته: يا أمير المؤمنين، استبقني لعدّوك قال: لا أبقاني الله إذًا! وأيّ عدوٍّ لي أعدى منك!

стр. 4416

وقيل: إن عيسى بن موسى دخل بعد ما قُتِل أبو مسلم، فقال: يا أميرَ المؤمنين، أين أبو مسلم؟ فقال: قد كان هاهنا آنفًا، فقال عيسى: يا أمير المؤمنين، قد عرفتَ طاعته ونصيحَته ورأيَ الإمام إبراهيم كان فيه؛ فقال: يا أنوَك؛ والله ما أعلم في الأرض عدوًّا أعدى لك منه؛ ها هو ذاك في البِساط، فقال عيسى: إنا لله وإنا إليه راجعون! وكان لعيسى رأي في أبي مسلم، فقال له المنصور: خلع الله قلبك؛ وهل كان لكم مُلْك أو سلطان أو أمر أو نهي مع أبي مسلم! قال: ثم دعا أبو جعفر جعفر بن حنظلة، فدخل عليه، فقال: ما تقول في أبي مسلم؟ فقال. يا أمير المؤمنين، إن كنت أخذتَ شعرة من رأسه فاقتلْ تم اقتلْ ثم اقتلْ؛ فقال المنصور: وفّقك الله! ثم أمره بالقيام والنظر إلى أبي مسلم مقتولًا، فقال: يا أميرَ المؤمنين، عُدّ من هذا اليوم لخلافتك. ثم استؤذن لإسماعيل بن عليّ، فدخل، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي رأيتُ في ليلتي هذه كأنك ذبحتَ كبشًا وأني توطّأته برجلي، فقال: نامت عينُك يا أبا الحسن، قم فصدّق رؤياك؛ قد قتل الله الفاسق، فقام إسماعيل إلى الموضع الذي فيه أبو مسلم، فتوطّأه. ثم إنّ المنصور همّ بقتل أبي إسحاق صاحب حَرَس أبي مسلم وقتل أبي نصر مالك - وكان على شُرط أبي مسلم - فكلّمه أبو الجهم، فقال: يا أمير المؤمنين، جنده جندك، أمرتهم بطاعته فأطاعوه، ودعا المنصور بأبي إسحاق، فلما دخل عليه ولم ير أبا مسلم، قال له أبو جعفر: أنت المتابع لعدوّ الله أبي مسلم على ما كان أجمع؛ فكفّ وجعل يلتفت يمينًا وشمالًا تخوّفًا من أبي مسلم، فقال له المنصور: تكلم بما أردت، فقد قتل الله الفاسق؛ وأمر بإخراجه إليه مقطّعًا، فلما رآه أبو إسحاق خرّ ساجدًا، فأطال السجود، فقال له المنصور: ارفع رأسك وتكلم؛ فرفع رأسه وهو يقول: الحمدُ لله الذي آمنني بك اليوم؛ والله ما أمنتُه يومًا واحدًا منذ صحبتُه، وما جئتهُ يومًا قطّ إلا وقد أوصيتُ وتكفَّنتُ وتحنّطتُ؛ ثم رفع ثيابه الظاهرة فإذا تحتها ثِيابُ كَتَّان جُدَد، وقد تحنّط، فلما رأى أبو جعفر حاله رحمه، ثم قال: استقبل طاعةَ خليفتك، واحمد الله الذي أراحك من الفاسق، ثم قال له أبو جعفر: فرِّق عني هذه الجماعة، ثم دعا بمالك بن الهيثم فحدّثه بمثل ذلك، فاعتذر إليه بأنه أسره بطاعته؛ وإنما خدمه وخفّ له الناسُ

стр. 4417

بمرضاته، وأنه قد كان في طاعتهم قبل أن يعرف أبا مسلم فقبِل منه وأمره بمثل ما أمر به أبا إسحاق من تفريق جند أبي مسلم. وبعث أبو جعفر إلى عِدّة من قوّاد أبي مسلم بجوائز سنيّة، وأعطى جميع جنده حتى رضُوا، ورجع أصحابه وهم يقولون: بعنا مولانا بالدراهم، ثم دعا أبو جعفر بعد ذلك أبا إسحاق، فقال: أقسِم بالله لئن قطعوا طنُبًا من أطنابي لأضربنّ عنقك ثم لأجاهدنّهم، فخرج إليهم أبو إسحاق فقال: يا كلاب انصرِفوا. قال عليّ: قال أبو حفص الأزديّ: لما قُتِل أبو مسلم كتب أبو جعفر إلى أبي نصر كتابًا عن لسان أبي مسلم يأمره بحمل ثقله وما خلّف عنده، وأن يقدم، وختم الكتاب بخاتم أبي مسلم، فلما رأى أبو نصر نقْش الخاتم تامًّا، علم أن أبا مسلم لم يكتب الكتاب، فقال: أفعلتموها! وانحدر إلى هَمذان وهو يريد خراسان، فكتب أبو جعفر لأبي نصر عهدَه على شهرزور، ووجَّه رسولًا إليه بالعهد، فأتاه حين مضى الرسول بالعهد أنه قد توجَّه إلى خراسان، فكتب إلى زهير بن التركيّ - وهو على همذان: إن مرّ بك أبو نصر فاحبِسْه، فسبق الكتاب إلى زهير وأبو نصر بهَمَذان، فأخذه فحبسه في القصْر، وكان زهير مولىً لخزاعة، فأشرف أبو نصر على إبراهيم بن عريف - وهو ابن أخي أبي نصر لأمه - فقال: يا إبراهيم، تقتل عمّك! قال: لا والله أبدًا، فأشرف زهير فقال لإبراهيم: إني مأمور والله، إنه من أعزّ الخلق عليّ؛ ولكني لا أستطيع ردّ أمر أمير المؤمنين، ووالله لئن رسى أحدكم بسهم لأرمينّ إليكم برأسه، ثم كتب أبو جعفر كتابًا آخر إلى زهير: إن كنت أخذتَ أبا نصر فاقتله. وقدم صاحبُ العهد على أبي نصر بعده فخلّى زهير سبيله لهواه فيه؛ فخرج، ثم جاء بعد يوم الكتابُ إلى زهير بقتله، فقال: جاءني كتابٌ بعهده فخليتُ سبيله. وقدم أبو نصر على أبي جعفر، فقال: أشرتَ على أبي مسلم بالمضيّ إلى خراسان؛ فقال: نعم يا أمير المؤمنين؛ كانت له عندي أيادٍ وصنائع فاستشارني فنصحتُ له، وأنت يا أمير المؤمنين إن اصطنعتَني نصحتُ لك وشكرتُ فعفا عنه؛ فلما كان يوم الراونديّة قام أبو نصر على باب القصر، وقال: أنا اليوم

стр. 4418

البوّاب، لا يدخل أحد القصر وأنا حيٌّ، فقال أبو جعفر: أين مالك بن هيثم؟ فأخبروه عنه، فرأى أنه قد نصح له. وقيل: إن أبا نصر مالك بن الهيثم لما مضى إلى همذان كتب أبو جعفر إلى زهير بن التركيّ: إنّ لله دمك إن فاتك مَالِكٌ؛ فأتى زهير مالكًا، فقال له: إني قد صنعتُ لك طعامًا، فلو أكرمتَني بدخول منزلي! فقال: نعم، وهيّأ زهير أربعين رجلًا تخيَّرهم، فجعلهم في بيتين يُفضيان إلى المجلس الذي هيأه، فلما دخل مالك قال: يا أدهم، عجّل طعامك؛ فخرج أولئك الأربعون إلى مالك، فشدّوه وثاقًا، ووضع في رجليه القيود، وبعث به إلى المنصور فمنّ عليه وصفح عنه واستعمله على الموصل. * * * وفي هذه السنة ولّى أبو جعفر المنصور أبا داود خالد بن إبراهيم خراسان وكتب إليه بعهده. [٧/ ٤٨٩ - ٤٩٤]. * ذكر الخبر عن سنباذ: ذُكر أن سنباذ هذا كان مجوسيًّا، من أهل قرية من قُرى نيسابور يقال لها أهن، وأنه كثر أتباعُه لما ظهر؛ وكان خروجه غضبًا لقتل أبي مسلم - فيما قيل - وطلبًا بثأره، وذلك أنه كان من صنائعه، وغلَب حين خرج على نيسابور وقُومِس والرّيّ، وتسمَّى فيروز أصبهبذ. [٧/ ٤٩٥]. * * * وفي هذه السنة خرج لملبَّد بن حرملة الشيبانيّ، فحكم بناحية الجزيرة، فسارت إليه روابط الجزيرة؛ وهم يومئذ فيما قيل ألف، فقاتلهم ملبَّد فهزمهم، وقَتَل مَنْ قتل منهم، ثم سارت إليه روابط الموصل فهزمهم، ثم سار إليه يزيد بن حاتم المهلبيّ، فهزمه ملبَّد بعد قتال شديد كان بينهما؛ وأخذ ملبَّد جارية ليزيد كان يطؤها، وقتل قائدًا من قوّاده، ثم وجّه إليه أبو جعفر مولاه المهلهل بن صفوان في ألفين من نُخبة الجند، فهزمهم ملبّد، واستباح عسكرهم. ثم وجّه إليه نزارًا (قائدًا من قوّاد أهل خراسان) فقتله ملبَّد، وهزم أصحابه، ثم وجه إليه زياد بن مشكان في جَمْع كثير، فلقيهم ملبَّد فهزمهم.

стр. 4419

ثم وجَّه إليه صالح بن صبيح في جيش كثيف وخيل كثيرة وعدّة، فهزمهم. ثم سار إليه حُمَيد بن قحطبة وهو يومئذ على الجزيرة، فلقيه الملبَّد فهزمه، وتحصَّن منه حميدٌ، وأعطاه مئة ألف درهم على أن يكفّ عنه. وأما الواقديّ فإنه زعم أن ظهور ملبَّد وتحكيمه كان في سنة ثمان وثلاثين ومئة، ولم يكن للناس في هذه السنة صائفة لشَغْل السلطان بحرب سنباذ. [٧/ ٤٩٥ - ٤٩٦]. * ذكر الخبر عن سبب خلعه إياه: وكان سببُ ذلك - فيما ذُكِر - أن جَهْور لما هزم سنباذ حوى ما في عسكره، وكان فيه خزائنُ أبي مسلم التي كان خلفها بالرَّيّ، فلم يوجّهها إلى أبي جعفر، وخاف فخلَع، فوجّه إليه أبوجعفر محمد بن الأشعث الخُزاعيّ في جيش عظيم، فلقيه محمد، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، ومع جَهْور نُخَب فرسان العجم؛ زياد والأشتاخنج، فهزِم جَهْور وأصحابه، وقُتل من أصحابه خلْق كثير، وأسر زياد والأشتاخنج، وهرب جَهْور فلحق بأذْرَبيجان فأخِذ بعد ذلك باسباذْرُو فقتل. وفي هذه السنة قتل الملبّد الخارجيّ: * ذكر الخبر عن مقتله: ذكِر أن أبا جعفر لما هزم الملبّد حميد بن قحطبة، وتحصن منه حُميد، وجَّه إليه عبد العزيز بن عبد الرحمن أخا عبد الجبار بن عبد الرحمن، وضمَّ إليه زياد بن مشكان، فأكمن له الملبّد مئة فارس، فلما لقيَه عبد العزيز خرج عليه الكَمِين؛ فهزموه، وقتلوا عامّة أصحابه، فوجّه أبو جعفر إليه خازم بن خزيمة في نحو من ثمانية آلاف من المروروذيّة، فسار خازم حتى نزل الموصل، وبعث إلى الملبَّد بعض أصحابه وبعث معهم الفعلة، فسار إلى بلد فخندقوا، وأقاموا له الأسواق؛ وبلغ ذلك الملبَّد، فخرج حتى نزل ببلد، في خندق خازم؛ فلما بلغ ذلك خازمًا خرج إلى مكان من أطراف الموصل حريز فعسكر به، فلما بلغ ذلك الملبَّد عَبَر دجْلة من بلد، وتوجه إلى خازم من ذلك الجانب يريد الموصل، فلما بلغ خازمًا ذلك، وبلغ إسماعيل بن عليّ - وهو على الموصل - أمر إسماعيل خازمًا أن يرجع من معسكره حتى يعبُر من جسر الموصل؛ فلم يفعل، وعقد

стр. 4420

جسرًا من موضع معسكره، وعبَر إلى الملبّد، وعلى مقدّمته وطلائعه نَضلَة بن نعيم بن خازم بن عبد الله النهشليّ، وعلى ميمنته زُهير بن محمد العامريّ، وعلى ميسرته أبو حماد الأبرص مولى بني سليم، وسار خازم في القلْب، فلم يزل يساير الملبّد وأصحابه حتى غشيَهم الليل ثم تواقفوا ليلتَهم، وأصبحوا يوم الأربعاء، فمضى الملبَّد وأصحابه متوجّهين إلى كورة حَزّة، وخازم وأصحابه يسايرونهم حتى غشيهم الليل، وأصبحوا يوم الخميس، وسار الملبّد وأصحابه، كأنه يريد الهرب من خازم، فخرج خازم وأصحابه في أثرهم، وتركوا خندقهم، وكان خازم تخندق عليه وعلى أصحابه بالحسَك، فلما خرجوا من خندهم كرّ عليهم الملبّد وأصحابه، فلما رأى ذلك خازم ألقى الحسَك بين يديه وبين يدي أصحابه، فحملوا على ميمنة خازم وطووْها، ثم حملوا على الميسرة وطَوَوها، ثم انتهوا إلى القلْب، وفيه خازم، فلما رأى ذلك خازم نادى في أصحابه: الأرضَ، فنز لوا ونزل الملبَّد وأصحابه، وعقروا عامة دوابّهم، ثم اضطربوا بالسيوف حتى تقطعت، وأمر خازم نضَلة بن نعيم أن إذا سطع الغبار ولم يبصر بعضنا بعضًا فارجع إلى خيلك وخيل أصحابك فاركبوها، ثم ارُموا بالنشاب، ففعل ذلك، وتراجع أصحاب خازم من الميمنة إلى الميسرة، ثم رشقُوا الملبَّد وأصحابه بالنشاب، فقُتل الملبَّد في ثمانمئة رجل ممن ترجّل، وقتل منهم قبل أن يترجلوا زهاء ثلاثمئة، وهرب الباقون، وتبعهم نَضلة فقتل منهم مئة وخمسين رجلًا. [٧/ ٤٩٧ - ٤٩٩]. ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من إقامة مصالح بن عليّ والعباس بن محمد بملَطْية؛ حتى استتما بناء مَلَطْية، ثم غزوا الصائفة من دَرْب الحديث، فوغَلا في أرض الروم - وغَزا مع صالح أختاه: أم عيسى ولبابة ابنتا عليّ؛ وكانتا نذرتا إن زال ملك بني أميّة أن تجاهدا في سبيل الله. وفي هذه السنة كان الفداء الذي جرى بين المنصور وصاحب الرّوم؛ فاستنقذ المنصور منهم أسَراء المسلمين، ولم يكن بعد ذلك - فيما قيل - للمسلمين صائفة

стр. 4421

إلى سنة ست وأربعين ومئة، لاشتغال أبي جعفر بأمر ابنَيْ عبد الله بن الحسن؛ إلّا أن بعضهم ذكر أن الحسن بن قحطبة غزا الصَّائفة مع عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام في سنة أربعين، وأقبل قسطنطين صاحب الرّوم في مئة ألف، فنزل جَيْحَان، فبلغه كثرة المسلمين فأحجم عنهم؛ ثم لم يكن بعدها صائفة إلى سنة ست وأربعين ومئة. وفي هذه السنة سار عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مَرْوان إلى الأندلس، فملّكه أهلُها أمرَهم، فولده ولاتها إلى اليوم. * * * وفيها وسَّع أبو جعفر المسجد الحرام، وقيل إنها كانت سنة خَصِبة فسمِّيت سنة الخصب. [٧/ ٥٠٠]. فلما عزل سليمان وولَّى سفيان توارى عبد الله بن عليّ وأصحابه خوفًا على أنفسهم؛ فبلغ ذلك أبا جعفر، فبعث إلى سليمان وعيسى ابني علي، وكتب إليهما في إشخاص عبد الله بن عليّ، وعزم عليهما أن يفعلا ذلك ولا يؤخّراه، وأعطاهما من الأمان لعبد الله بن عليّ ما رضياه له ووثقا به، وكتب إلى سفيان بن معاوية يعلمه ذلك، ويأمره بإزعاجهما واستحثاثهما بالخروج بعبد الله ومَن معه من خاصَته، فخرج سليمان وعيسى بعبد الله وبعامّة قوّاده وخواصّ أصحابه ومواليه، حتى قدموا على أبي جعفر؛ يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجّة. [ذكر خبر حبس عبد الله بن عليّ] وفيها أمر أبو جعفر بحبس عبد الله بن عليّ، وبحبس مَن كان معه من أصحابه وبقتل بعضهم. * ذكر الخبر عن ذلك: ولما قدم سليمان وعيسى ابنا عليّ على أبي جعفر أذِن لهما، فدخلا عليه، فأعلماه حضورَ عبد الله بن عليّ، وسألاه الإذن له، فأنعم لهما بذلك، وشغلهما بالحديث، وقد كان هيأ لعبد الله بن عليّ محبسًا في قصره، وأمر به أن ينصرف

стр. 4422

إليه بعد دخول عيسى وسليمان عليه، ففُعِل ذلك به؛ ونهض أبو جعفر من مجلسه، فقال لسليمان وعيسى: سارعا بعبد الله، فلما خرجا افتقدا عبد الله من المجلس الذي كان فيه، فعلما أنه قد حُبس، فانصرفا راجعين إلى أبي جعفر، فحِيل بينهما وبين الوصول إليه، وأخذت عند ذلك سيوف مَنْ حضر من أصحاب عبد الله بن عليّ من عواتقهم وحبسوا. وقد كان خُفاف بن منصور حذّرهم ذلك وندِم على مجيئه، وقال لهم: إن أنتم أطعتموني شددنا شدّة واحدة على أبي جعفر؛ فوالله لا يحول بيننا وبينه حائل حتى نأتي على نفسه، ونشدّ على هذه الأبواب مصلِتين سيوفنا، ولا يعرض لنا عارض إلا أفاتنا نفسه حتى نخرج وننجوَ بأنفسنا، فعصوْه، فلما أخذت السيوفُ وأمر بحبسهم جعل خفاف يضرِط في لحيته، ويتفل في وجوه أصحابه، ثم أمر أبو جعفر بقتل بعضهم بحضرته؛ وبعث بالبقيَّة إلى أبي داود خالد بن إبراهيم بخراسان فقتلهم بها. وقد قيل إن حبس أبي جعفر عبد الله بن عليّ كان في سنة أربعين ومئة. [٧/ ٥٠١ - ٥٠٢] * * * ثم دخلت سنة أربعين ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان فيها من مهلك عامل خراسان. * ذكر الخبر عن ذلك وسبب هلاكه: ذكر أن ناسًا من الجند ثاروا بأبي داود خالد بن إبراهيم بخُراسان وهو عامل أبي جعفر المنصور عليها في هذه السنة ليلًا، وهو نازل بباب كُشْماهَن من مدينة مَرْو، حتى وصلوا إلى المنزل الذي هو فيه، فأشرف أبو داود من الحائط على حرف آجُرّة خارجة، وجعل ينادي أصحابَه ليعرفوا صوتَه، فانكسرت الآجُرّة عند الصبح، فوقع على سُترة صُفة كانت قدّام السطح فانكسر ظهره، فمات عند صلاة العصر، فقام عصام صاحب شُرْطة أبي داود بخلافة أبي داود، حتى قدم عليه عبد الجبَّار بن عبد الرحمن الأزديّ.

стр. 4423

وفيها ولَّى أبو جعفر عبدَ الجبار بن عبد الرحمن خراسان فقدمها، فأخذ بها ناسًا من القوّاد ذُكِر أنه اتهمهم بالدعاء إلى ولد عليّ بن أبي طالب؛ منهم مجاشع بن حريث الأنصاريّ صاحب بخارى وأبو المغيرة، مولى بني تميم واسمه خالد بن كثير وهو صاحب قوهستان، والحَريش بن محمد الذّهليّ، ابن عمّ داود، فقتلهم، وحبس الجنيد بن خالد بن هريم التغلَبيّ ومعبد بن الخليل المزنيّ بعدما ضربهما ضربًا مبرّحًا، وحبس عدّة من وجوه قوّاد أهل خراسان، وألحّ على استخراج ما على عمال أبي داود من بقايا الأموال. [٧/ ٥٠٣]. ولما قدم أبو جعفر بيت المقدس صلّى في مسجدها، ثم سلك الشأم منصرفًا حتى انتهى إلى الرَّقة، فنزلها، فأتي بمنصور بن جَعْونة بن الحارث العامريّ، من بني عامر بن صعصعة، فقتله، ثم شخص منها، فسلك الفرات حتى أتى الهاشميّة، هاشميّة الكوفة [٧/ ٥٠٤]. ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومئة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث [ذكر الخبر عن خروج الرّاوندية] فمن ذلك خروج الراونديّة، وقد قال بعضهم: كان أمر الراونديّة وأمر أبي جعفر الذي أنا ذاكره، في سنة سبع وثلاثين ومئة أو ستّ وثلاثين ومئة. * ذكر الخبر عن أمرهم وأمر أبي جعفر المنصور معهم: والرّاوندية قوم - فيما ذُكِر عن عليّ بن محمد. - كانوا من أهل خُراسان على رأي أبي مسلم صاحب دعوة بني هاشم، يقولون - فيما زعم - بتناسخ الأرواح، ويزعمون أن روح آدم في عثمان بن نَهِيك، وأن ربّهم الذي بطعمهم ويسقيهم هو أبو جعفر المنصور، وأن الهيثم بن معاوية جبرئيل (١).

стр. 4424

قال: وأتوا قصر المنصور، فجعلوا يطوفون به، ويقولون: هذا قصر ربّنا؛ فأرسل المنصور إلى رؤسائهم، فحبس منهم مئتين، فغضب أصحابهم وقالوا: علام حبُسوا! وأمر المنصور ألّا يجتمعوا، فأعدُّوا نعشًا وحملوا السرير - وليس في النَّعش أحد - ثم مرُّوا في المدينة، حتى صاروا على باب السجن، فرموا بالنَّعْش، وشدُّوا على الناس - ودخلوا السجن، فأخرجوا أصحابهم، وقصدوا نحو المنصور وهم يومئذ ستمئة رجل، فتنادى الناس، وغُلّقت أبواب المدينة فلم يدخل أحد، فخرج المنصور من القصر ماشيًا، ولم يكن في القصر دابة، فجعل بعد ذلك اليوم يرتبط فرسًا يكون في دار الخلافة معه في قصره. قال: ولما خرج المنصور أتِيَ بدابّة فركبَها وهو يريدهم؛ وجاء لمعن بن زائدة، فانتهى إلى أبي جعفر، فرمى بنفسه وترجَّل، وأدخل برْكة قبائه في منطقته، وأخذ بلجام دابة المنصور، وقال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين إلّا رجعت، فإنك تُكْفَى، وجاء أبو نصر مالك بن الهيثم فوقف على باب القصر، وقال: أنا اليوم بوّاب، ونودي في أهل السوق، فرموْهم وقاتلوهم حتى أثخنوهم، وفُتِح باب المدينة، فدخل الناس. وجاء خازم بن خزيمة على فرس محذوف (١)؛ فقال: يا أمير المؤمنين، أقتلهم؟ قال: نعم، فحمل عليهم حتى ألجأهم إلى ظهر حائط، ثم كرُّوا على خازم فكشفوه وأصحابه، ثم كرّ خازم عليهم فاضطرهم إلى حائط المدينة، وقال للهيثم بن شعبة: إذا كَروا علينا فاسبِقْهم إلى الحائط، فإذا رجعوا فاقتلهم، فحملوا على خازم، فاطّرد لهم، وصار الهيثم بن شعبة كمن ورائهم، فقتِلوا جميعًا. وجاءهم يومئذ عثمان بن نَهِيك؛ فكلمهم فرجع فرموْه بنشابة فوقعت بين كتفيْه؛ فمرض أيامًا ومات منها، فصلى عليه أبو جعفر، وقام على قبره حتى دُفِن، وقال: رحمك الله أبا يزيد! وصيَّر مكانه صلى حرسه عيسى بن نَهِيك، فكان على الحرس حتى مات؛ فجعل على الحرس أبا العباس الطوسيّ.

стр. 4425

وجاء يومئذ إسماعيل بن عليّ، وقد أغلقت الأبواب، فقال للبواب: افتح ولك ألف درهم؛ فأبى. وكان القعقاع بن ضرار يومئذ بالمدينة؛ وهو على شُرَط عيسى بن موسى، فأبلَى يومئذ؛ وكان ذلك كله في المدينة الهاشميّة بالكوفة. قال: وجاء يومئذ الرّبيع ليأخذ بلجام المنصور، فقال له معن: ليس هذا من أيامك، فأبلى أبرويز بن المَصْمُغان ملكُ دنبَاوَند - وكان خالف أخاه، فقدم على أبي جعفر فأكرمه، وأجرى عليه رزقًا؛ فلما كان يومئذ أتى المنصور فكفَّر له، وقال: أقاتل هؤلاء؟ قال له: نعم، فقاتلهم؛ فكان إذا ضرب رجلًا فصرعه تأخّر عنه - فلما قُتِلوا وصلى المنصور الظهر دعا بالعشاء، وقال: أطلعوا معن بن زائدة، وأمسَك عن الطعام حتى جاءه معن؛ فقال لقُثم: تحوّل إلى هذا الموضع، وأجلس معنًا مكان قُثَم، فلما فرغوا من العشاء قال لعيسى بن عليّ يا أبا العباس، أسمعت بأشدّ الرجال (١)؟ قال: نعم، قال: لو رأيتَ اليوم معنًا علمتَ أنه من تلك الآساد، قال معن: والله يا أمير المؤمنين لقد أتيتُك وإني لوجِل القلب، فلما رأيت ما عندك من الاستهانة بهمْ وشدّة الإقدام عليهم، رأيت أمرًا لم أره من خلْق في حرب؛ فشدّ ذلك من قلبي وحملني على ما رأيت مني. وقال أبو خزيمة: يا أميرَ المؤمنين، إنّ لهم بقيّة، قال: فقد ولّيتُك أمرهم فاقتلهم، قال: فأقتل رزامًا فإنه منهم، فعاذَ رِزام بجعفر بن أبي جعفر، فطُلب فيه فآمنه. وقال عليّ عن أبي بكر الهُذليّ، فال: إني لواقف بباب أمير المؤمنين إذ طلع فقال رجل إلى جانبي: هذا رب العزّة! هذا الذي يطعمنا ويسقينا؛ فلما رجع أمير المؤمنين ودخل عليه الناس دخلتُ وخلا وجهه، فقلت له: سمعتُ اليوم عجبًا، وحدّثته؛ فنكتَ في الأرض، وقال: يا هذليّ يدخلهم الله النار في طاعتنا ويَعْتلهم أحبُّ إليّ لحِنْ أن يدخنهم الجنة بمعصيتنا.

стр. 4426

وذكر عن جعفر بن عبد الله، قال: حدّثني الفضل بن الربيع وقال: حدثني أبي، قال: سمعت المنصور يقول: أخطأت ثلاث خطيّات وقاني الله شرّها: قتلتُ أبا مسلم وأنا في خرق ومَنْ حولي يقدّم طاعته ويُؤثرها ولو هُتِكت الخرق لذهبتُ ضياعًا، وخرجت يوم الراونديّة ولو أصابني سهم غَرْب لذهبتُ ضياعًا، وخرجت إلى الشأم، ولو اختلف سيفان بالعراق ذهبَت الخلافةُ ضياعًا. وذُكر أنّ معن بن زائدة كان مختفيًا من أبي جعفر، لما كان منه من قتاله المسوّدة مع ابن هبيرة مرّة بعد مرّة؛ وكان اختفاؤه عند مرزوق أبي الخصيب، وكان على أن يطلب له الأمان، فلما خرج الراونديّة أتى الباب فقام عليه، فسأل المنصور أبا الخصيب - وكان يلي حجابة المنصور يومئذ: مَنْ بالباب؟ فقال: معن بن زائدة، فقال المنصور: رجل من العرب، شديد النفس، عالم بالحرب كريم الحسب؛ أدخِلْه، فلما دخل قال: إيه يا معن! ما الرأي؟ قال: الرأي أن تنادي في الناس، وتأمر لهم بالأموال، قال: وأين الناسُ والأموال؟ ومَنْ يقدم على أن يعرض نفسه لهؤلاء العلوج! لم تصنع شيئًا يا معن؛ الرأيُ أن أخرج فأقف؛ فإنّ الناس إذا رأوْني قاتلوا وأبلوْا وثابوا إليّ، وتراجعوا، وإن أقمتُ تخاذلوا وتهاونوا، فأخذ معن بيده وقال: يا أمير المؤمنين، إذًا والله تُقتَل الساعة، فأنشدك الله في نفسك! فأتاه أبو الخصيب فقال مثلها، فاجتذب ثوبه منهما، ثم دعا بدابته، فركب ووثب عليها من غير ركاب ثم سوّى ثيابه، وخرج ومعن آخذ بلجامد وأبو الخصيب مع ركابه فوقف. وتوجّه إليه رجل فقال: يا معن دونك العِلْج؛ فشدّ عليه مَعن فقتله، ثم والَى بين أربعة، وثاب إليه الناس وتراجعوا؛ ولم يكن إلّا ساعة حتى أفنوْهم، وتغيّب معن بعد ذلك، فقال أبو جعفر لأبي الخصيب: ويلك! أين معن؟ قال: والله ما أدري أين هو من الأرض! فقال: أيظن أنّ أمير المؤمنين لا يغفر ذنبه بعدما كان من بلائه! أعطِه الأمان وأدخله عليّ؛ فأدخله، فأمر له بعشرة آلاف درهم، وولّاه اليمن، فقال له أبو الخصيب: قد فرّق صلته وما يقدر على شيء، قال: له لو أراد مثل ثمنك ألف مرّة لقدر عليه. * * *

стр. 4427

وفي هذه السنة وجه أبو جعفر المنصور ولده محمدًا - وهو يومئذ ولي عهد - إلى خراسان في الجنود، وأمره بنزول الرّيّ، ففعل ذلك محمد. وفيها خلَع عبد الجبار بن عبد الرحمن عامل أبي جعفر على خُراسان؛ ذكر عليّ بن محمد، عمن حدّثه، عن أبي أيوب الخوزيّ، أن المنصور لما بلغه أن عبد الجبار يقتل رؤساء أهل خُراسان، وأتاه من بعضهم كتاب فيه: قد نغِل الأديمُ، قال لأبي أيوب الخزاعيّ: إن عبد الجبار قد أفنى شيعتنَا، وما فعل هذا إلّا وهو يريد أن يخلع، فقال له: ما أيسر حيلته! اكتب إليه: إنك تريد غَزْو الروم؛ فيوجّه إليك الجنود من خُراسان، وعليهم فرسانهم ووجوههم، فإذا خرجوا منها فابعثْ إليهم مَنْ شئت؛ فليس به امتناع. فكتب بذلك إليه، فأجابه: إنّ الترك قد جاشت؛ وإن فرّقتُ الجنود ذهبت خراسان، فألقى الكتاب إلى أبي أيّوب، وقال له: ما ترى؟ قال: قد أمكنك من قياده، اكتب إليه: إن خراسان أهمّ إليّ من غيرها، وأنا موجّه إليك الجنود من قبَلي، ثم وجّه إليه الجنود ليكونوا بخراسان؛ فإنْ هَمّ بخلع أخذُوا بعنقه. فلما ورد على عبد الجبار الكتاب كتب إليه: إنّ خُراسان لم تكن قطّ أسوأ حالًا منها في هذا العام؛ وإن دخلها الجنود هلكوا لضيق ما هم فيه من غلاء السعر، فلما أتاه الكتاب ألقاه إلى أبي أيوب، فقال له: قد أبدى صفحتَه، وقد خلَع فلا تناظره. فوجّه إليه محمد بن المنصور، وأمره بنزول الرّيّ؛ فسار إليها المهديّ، ووجّه لحربه خازم بن خزيمة مقدمةً له، ثم شخص المهدي فنزل نيسابور. ولما توجّه خازم بن خزيمة إلى عبد الجبار، وبلغ ذلك أهل مَرْو الرّوذ؛ ساروا إلى عبد الجبار من ناحيتهم فناصبوه الحرب، وقاتلوه قتالًا شديدًا حتى هُزِم، فانطلق هاربًا حتى لجأ إلى مقطنة، فتوارى فيها، فعبَر إليه المجشر بن مزاحم من أهَل مَرْو الرّوذ؛ فأخذه أسيرًا؛ فلما قدم خازم أتاه به، فألبسه خازم مدرّعة صوف، وحمله على بعير، وجعل وجهه من قِبَل عجز البعير؛ حتى انتهى به إلى المنصور ومعه ولده وأصحابه؛ فبسط عليهم العذاب، وضُربوا بالسياط

стр. 4428

حتى استخرج منهم ما قدَر عليه من الأموال، ثم أمرَ المسيّب بن زُهير بقطع يديْ عبد الجبار ورجلْيه وضرب عنقه؛ ففعل ذلك المسيّب، وأمر المنصور بتسيير ولده إلى دَهْلك - وهي جزيرة على ضفّة البحر بناحية اليمن - فلم يزالوا بها حتى أغار عليهم الهند، فسبَوْهم فيمن سَبوْا حتى فُودُوا بعد، ونجا منهم من نجا، فكان ممن نجا منهم واكتتب في الديوان وصحب الخُلَفاء عبدُ الرحمن بن عبد الجبار، وبقي إلى أن توفِّيَ بمصر في خلافة هارون، في سنة سبعين ومئة. [٧/ ٥٠٥ - ٥٠٩]. * * * ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث [ذكر خلع عيينة بن موسى بن كعب بالسند] فمما كان فيها خلع عيينة بن موسى بن كعب بالسند * ذكر الخبر عن سبب خلعه: ذُكر أن سبب خلعه، كان أن المسيّب بن زهير كان خليفة موسى بن كعب على الشُّرَط، فلما مات موسى أقام المسيّب على ما كان يلي من الشُّرَط، وخاف المسيّب أن يكتب المنصور إلى عُيَينة في القدوم عليه فيوليه مكانه؛ وكتب إليه ببيت شعر ولم ينسب الكتاب إلى نفسه: فأَرضَكَ أرَضَك إن تأْتنا ... فَنَمْ نومَةً ليس فيها حُلُمْ وخرج أبو جعفر لما أتاه الخبر عن عيينة بخلْعه حتى نزل بعسكره من البصرة عند جسرها الأكبر، ووجّه عمر بن حفص بن أبي صفرة العتكيّ عاملًا على السند والهند، محاربًا لعيينة بن موسى، فسار حتى ورد السند والهند، وغلب عليها. [٧/ ٥١٢].

стр. 4429

ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث [٧/ ٥١٥] * * * ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمما كان فيها من ذلك غزوُ محمد بن أبي العباس بن عبد الله بن محمد بن عليّ الدّيلمَ في أهل الكوفة والبصرة وواسط والموصل والجزيرة. وفيها انصرف محمد بن أبي جعفر المهديّ عن خُراسان إلى العراق، وشخص أبو جعفر إلى قرماسين، فلقيه بها ابنُه محمد منصرفًا من خُراسان، فانصرفا جميعًا إلى الجزيرة. وفيها بنَى محمد بن أبي جعفر عند مقدَمه من خُراسان بابنة عمه رَيْطة بنت أبي العباس. وفيها حجّ بالناس أبو جعفر المنصور، وخلف على عسكره والميرة خازم بن خُزَيمة. * * * [ولاية رياح بن عثمان على المدينة وأمر ابني عبد الله بن حسن] وفي هذه السنة ولّى أبو جعفر رياحَ بمن عثمان المُرّيّ المدينة، وعزَل محمد بن خالد بن عبد الله القسريّ عنها. * ذكر الخبر عن سبب عزله محمد بن خالد واستعماله رياح بن عثمان وعزله زياد بن عبيد الله الحارثيّ من قبَل محمد بن خالد: وكان سبب عزل زياد عن المدينة، أنّ أبا جعفر همّه أمرُ محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب وتخلّفهما عن حضوره مع من شهده من سائر بني هاشم عام حج في حياة أخيه أبي العباس، ومعه أبو مسلم،

стр. 4430

وقد ذكر أن محمدًا كان يذكر أنّ أبا جعفر ممّن بايع له ليلة تشاور بنو هاشم بمكة فيمَنْ يعقدون له الخلافة حين اضطرب أمر بني مَرْوان مع سائر المعتزلة الذين كانوا معهم هنالك، فسأل عنهما، فقال له زياد بن عبيد الله: ما يهمك من أمرهما! أنا آتيك بهما، وكان زياد يومئذ مع أبي جعفر عند مقدمه مكة سنة ست وثلاثين ومئة، فردّ أبو جعفر زيادًا إلى عمله، وضمنه محمّدًا وإبراهيم. فذكر أبو زيد عمر بن شبة أن محمد بن إسماعيل حدّثه، قال: حدّثني عبد العزيز بن عمران (١)، قال: حدّثني عبد الله بن أبي عُبيدة (٢) بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: لما استُخلِف أبو جعفر لم تكن له همة إلا طلب محمد والمسألة عنه وما يريد (٢)؛ فدعا بني هاشم رجلًا رجلًا؛ كلهم يُخْلِيه فيسألهم عنه، فيقولون: يا أميرَ المؤمنين؛ قد علم أنك قد عرفته يطلب هذا الشأن قبل اليوم، فهو يخافك على نفسه، وهو لا يريد لك خلافًا، ولا يحبّ لك معصية، وما أشبه هذه المقالة إلا حسن بن زيد، فإنه أخبره خبره، فقال: والله ما آمن وثوبه عليك؛ فإنه للّذي لا ينام عنك، فرَ رأيك. قال ابن أبي عبيدة: فأيقظ مَنْ لا ينام. وقال محمد: سمعت جدي موسى بن عبد الله، يقول: اللهمّ اطلب حسن بن زيد بدمائنا، قال موسى: وسمعت والله أبي يقول: أشهد لعرَّفني أبو جعفر حديثًا ما سمعه مني إلا حسن بن زيد. وحدّثني لمحمد بن إسماعيل، قال: سمعت القاسم بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، قال: أخبرني محمد بن وهب السّلميّ، عن أبي، قال: عرّفني أبو جعفر حديثًا سمعه مني إلا أخي عبد الله بن حسن وحسن بن زيد؛ فأشهد ما أخبره به عبد الله؛ ولا كان يعلم الغيب.

стр. 4431

قال محمد: وسأل عنه عبد الله بن حسن عام حجّ، فقال له مقالة الهاشمييّن، فأخبره أنه غير راضٍ أو يأتيه به. قال محمد: وحدثتني أمي عن أبيها، قال: قال أبي: قلت لسليمان بن عليّ: يا أخي صهري بك صهري، ورحِمي بك رحمي، فما ترى؟ قال: والله لكأنّي أنظر إلى عبد الله بن عليّ حين حال الستر (١) بيننا وبينه؛ وهو يشير إلينا أنّ هذا الذي فعلتم به، فلو كان عافيًا عفا عن عمّه، قال: فقبل رأيه، قال: فكان آل عبد الله يروْنها صِلةً من سُلَيْمان لهم. قال أبو زيد: وحدّثني سعيد بن هُرَيم، قال: أخبرني كلثوم المَرائيّ، قال: سمعت يحيى بن خالد بن بَرْمك يقول: اشترى أبو جعفر، رقيقًا من رقيق الأعراب، ثم أعطى الرجل منهم البَعير، والرجل البعيريْن، والرجل الذود، وفرّقهم في طلب محمد في ظهر المدينة؛ فكان الرَّجل منهم يرد الماء كالمارّ وكالضالّ، فيفرّون عنه ويتجسسون. قال: وحدّثني محمد بن عباد بن حبجب المهلبيّ، قال: قال لي السنديّ مولى أمير المؤمنين: أتدري ما رفع عُقْبة بن سَلْم عند أمير المؤمنين؛ قلت: لا، قال: أوفد عمّي عمر بن حفص وفْدًا من السند فيهم عقبة، فدخلوا على أبي جعفر، فلما قضوْا حوائجهم نهضوا، فاستردّ عقبة؛ فأجلسه، ثم قال له: مَنْ أنت؟ قال: رجل من جُنْد أمير المؤمنين وخَدمه، صحبت عمر بن حفص، قال: ولما اسمك؟ قال: عُقْبة بن سلم بن نافع، قال: ممن أنت؟ قال: من الأزْد ثم من بني هُناءة، قال: إني لأرى لك هيئة وموضعًا، وإني لأريدك لأمر أنا به معنىً، لم أزل أرتاد له رجلًا، عسى أن تكونه إن كفيتَنِيه رفعتُك، فتال: أرجو أن أصدّق ظنَّ أمير المؤمنين فيّ، قال: فأخفِ شخصَك، واستر أمرك، وائْتني في يوم كذا وكذا في وقت كذا وكذا؛ فأتاه في ذلك الوقت، فقال له: إن بني عمّنا هؤلاء قد أبوْا إلّا كيدًا لملكنا واغتيالًا له، ولهم شِيعة بخُراسان بقرية كذا، يكاتبونهم

стр. 4432

ويرسلون إليهم بصدقات أموالهم وألطاف من ألطاف بلادهم، فاخرج بكسًا وألطاف وعَيْن حتى تأتيهم متنكرًا بكتاب تكتبه عن أهل هذه القرية، ثم تسير ناحيتهم؛ فإن كانوا قد نزعوا عن رأيهم فأحْبِبْ والله بهم وأقرِبْ، وإن كانوا على رأيهم علمتُ ذلك، وكنتُ على حذرٍ واحتراس منهم، فاشخص حتى تلقَى عبد الله بن حسن متقشفًا متخشعًا؛ فإن جبَهك - وهو فاعل - فاصبْر وعاوده؛ فإن عاد فاصبر حتى يأنس بك وتلين لك ناحيته، فإذا ظهر لك ما في قلبه فاعجل عليّ، قال: فشخص حتى قدم على عبد الله، فلقيه بالكتاب، فأنكره ونهره، وقال: ما أعرف هؤلاء القوم، فلم يزل ينصرف ويعود إليه حتى قبِل كتابه وألطافه، وأنس به، فسأله عُتْبة الجواب، فقال: أمَا الكتاب فإني لا أكتب إلى أحد، ولكن أنت كتابي إليهم، فأقرِئهم السلام وأخبرهم أن ابنيَّ خارجان لوقت كذا وكذا، قال: فشخص عُقْبة حتى قدم على أبي جعفر، فأخبره الخبر (١). قال أبو زيد: حدّثني أيوب بن عمر، قال: حدّثني موسى بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، قال: ولَّى أبو جعفر الفضلَ بن صالح بن عليّ الموسم في سنة ثمان وثلاثين ومئة، فقال له: إن وقعت عيناك على محمد وإبراهيم، ابنيْ عبد الله بن حسن، فلا يفارقانك؛ وإن لم ترهما فلا تسأل عنهما، فقدِم المدينة، فتلقاء أهلُها جميعًا؛ فيهم عبد الله بن حسن وسائر بني حسن إلَّا محمدًا وإبراهيم ابنيْ عبد الله بن حسن، فسكت حتى صدر عن الحجّ، وصار إلى السيّالة، فقال لعبد الله بن حسن: سا سنع ابنيْك أن يلقياني مع أهلهما! قال: والله ما منعهما من ذلك ريبة ولا سوء؛ ولكنهما منهومالت بالصّيد واتّباعه، لا يشهدان مع أهليهما خيرًا ولا شرًا، فسكت الفضلُ عنه، وجلس على دكان قد بنى له بالسَّيَالة، فأمر عبد الله رعاته فسرّحوا عليه ظهره، فأمر أحدهم فحلَب لبَنًا على عسل في عُسّ عظيم، ثم رقى به الدكان، فأوْمأ إليه عبد الله أن اسق الفضلَ بن صالح، فقصد قصده؛ فلما دنا منه صاح به الفضل صيحةً مغضبًا: إليك يا ماص بَظْر أمّه! فأدبر الرّاعي، فوثب عبد الله - وكان من أرفق الناس - فتناول القعبَ، ثم أقبل يمشي به إلى الفضل، فلما رآه يمشي استحيا منه، فتناوله فشرب.

стр. 4433

قال أبو زيد: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، قال: كان لزياد بن عبيد الله كاتب يقال له حَفْص بن عمر من أهل الكوفة يتشيّع، وكان يثبّط زيادًا عن طلب محمد، فكتب فيه عبد العزيز بن سعد إلى أبي جعفر فحدره إليه، فكتب فيه زياد إلى عيسى بن عليّ وعبد الله بن الربيع الحارنيّ فخلّصاه حتى رجع إلى زياد. قال عليّ بن محمد: قدم محمد البصرة مختفيًا في أربعين، فأتَوْا عبدَ الرحمن بن عثمان بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقال له عبد الرحمن: أهلكتَني وشهرتَني؛ فانزل عندي وفرِّقْ أصحابَك، فأبى، فقال: ليس لك عندي منزل؛ فانزل في بني راسب، فنزل في بني راسب. وقال عمر: حدّثني سليمان بن محمد الساريّ، قال: سمعت أبا هبّار المُزَنيّ يقول": أقمنا مع محمد بن عبد الله بالبَصْرة يدعو الناس إلى نفسه. قال: وحدثني عيسى بن عبد الله، قال: قال أبو جعفر: ما طمعت في بغية لي قطّ إذا ذكرت مكان بني راسب بالبصرة. قال: وحدّثني أبو عاصم النّبيل، قال: حدثني ابن جَشِيب اللِّهْبِيّ، قال: نزلتُ في بني راسب في أيام ابن معاوية، فسألني فتىً منهم يومًا عن اسمي، فلطمه شيخ منهم، فقال: وما أنت وذاك! ثم نظر إلى شيخ جالس بين يديه، فقال: أترى هذا الشيخ نزل فينا أبوه أيام الحجاج، فأقام حتى ولد له هذا الولد، وبلغ هذا المبلغ، وهذا السنّ! لا والله ما ندري ما اسمه ولا اسم أبيه، ولا ممن هو! قال: وحدّثني محمد بن الهذيل، قال: سمعتُ الزّعفرانيّ يقول: قدم محمد، فنزل على عبد الله بن شيبان أحد بني مُرّة بن عبيد، فأقام ستة أيام ثم خرج فبلغ أبا جعفر مقدمُه البصرة، فأقبل مُغِذًّا حتى نزل الجسر الأكبر، فأردنا عمرًا (١) على لِقائه، فأبى حتى غلبناه، فلقيَه فقال: يا أبا عثمان، هل بالبصرة أحد نخافه على أمرنا؟ قال: لا (١) قال: فأقتصرُ على قولك وأنصرف؟ قال: نعم؛

стр. 4434

فانصرف، وكان محمد قد خرج قبل مقدَم أبي جعفر. قال عليّ بن محمد: حدّثني عامر بن أبي محمد، قال: قال أبو جعفر لعمرو بن عبيد: أبايعتَ محمدًا؟ قال: أنا والله لو قلّدتْنِي الأمّة أمورها ما عرفتُ لهما موضعًا. قال عليّ: وحدثني أيوب القَزّاز، قال: قلت لعمرو: ما تقول في رجل رضي بالصبر على ذهاب دينه؟ قال: أنا ذاك، قلت: وكيف؛ ولو دعوتَ أجابك ثلاثون ألفًا! قال: والله ما أعرف موضع ثلاثة إذا قالوا وفَّوْا، ولو عرفتُهُم لكنت لهم رابعًا. [٧/ ٥١٧ - ٥٢٢]. قال عمر: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدثني الحارث بن إسحاق، قال: تكفّل زياد لأمير المؤمنين بابنيْ عبد الله أن يخرجهما له، فأقرّه على المدينة، فكان حسن بن زيد إذا علم من أمرهما علمًا كفَّ حتى يفارقا مكانهما ذلك؛ ثم يخبر أبا جعفر، فيجد الرَّسم الذي ذكر، فيصدقه بما رفع إليه؛ حتى كانت سنة أربعين ومئة، فحجّ فقسَم قسومًا خصّ فيها آل أبي طالب فلم يظهر له ابنا عبد الله؛ فبعث إلى عبد الله فسأله عنهما، فقال: لا علم لي بهما؛ حتى تغالظا، فأمصّه (١) أبو جعفر، فقال: يا أبا جعفر، بأيّ أمهاتي تُمصّني! أبفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، أم بفاطمة بنت أسد، أم بفاطمة بنت حسين، أم أمّ إسحاق بنت طلحة، أم خديجة بنت خويلد؟ قال: لا بواحدة منهنّ؛ ولكن بالجرباء بنت قسامة بن زهير - وهي امرأةٌ من طيّئ - قال: فوثب المسيّب بن زهير، فقال: دعْني يا أميرَ المؤمنين أضرب عنق ابن الفاعلة، قال: فقام زياد بن عبيد الله، فألقى عليه رداءَه، وقال: هبه لي يا أمير المؤمنين؛ فأنا أستخرج لك ابنيْه فتخلّصه منه (٢). قال عمر: وحدثني الوليد بن هشام بن قَحْذم، قال: فال الحزين الدّيليّ لعبد الله بن الحسن ينعىَ عليه ولادة الجرباء:

стр. 4435

لعلَّك بالجَرْباءِ أو بحكاكةٍ ... تُفاخِرُ أُمّ الفَضل وابنَة مِشْرح وما منهما إلا حَصانٌ نجيبةٌ ... لها حَسَبٌ في قومها مُترجّحُ قال عمر: وحدثني محمد بن عبّاد، قال: قال لي السنديّ مولى أمير المؤمنين: لما أخبر عقبة بن سلم أبا جعفر، أنشأ الحجّ وقال لعقبة: إذا صرت بمكان كذا وكذا لقيَني بنو حسن، فيهم عبد الله، فأنا مبجّله، ورافعٌ مجلسه وداع بالغداء؛ فإذا فرغنا من طحامنا فلحظتُك فامثل بين يديه قائمًا، فإنه سيصرف بصره عنك، فدر حتى تغمز ظهرَه بإبهام رجلك حتى يملأ عينه منك ثم حسبُك؛ وإياك أن يراك ما دام يأكل، فخرج حتى إذا تدفّع في البلاد لقيه بنو حسن، فأجلس عبدَ الله إلى جانبه، ثم دعا بالطعام فأصابوا منه؛ ثم أمر به فرفع، فأقبل على عبد الله، فقال: يا أبا محمد، قد علمتَ ما أعطيَتني من العهود والمواثيق ألّا تبغيَني سوءًا، ولا تكيد لي سلطانًا، قال: فأنا على ذلك يا أمَير المؤمنين؛ قال: فلحظ أبو جعفر عُقْبة، فاستدار حتى قام بين يديه، فأعرض عنه، فرفع رأسه حتى قام من وراء ظهره؛ فغمزه بأصبعه، فرفع رأسه فملأ عينه منه، فوثب حتى جثا بين يدي أبي جعفر، فقال: أقِلْني يا أميرَ المؤمنين أقالك الله! قال: لا أقالني الله إن أقلتُك، ثم أمر بحبسه (١). قال عمرت وحدثني بكر بن عبد الله بن عاصم سولى قُرَيبةَ بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، قال: حدّثني عليّ بن ربَاح بن شبيب، أخو إبراهيم، عن صالح صاحب المصلّى، قال: إني لواقفٌ على رأس أبي جعفر، وهو يتغدّى بأوْطاس؛ وهو متوجّه إلى مكة، ومعه على مائدته عبدُ الله بن حسن وأبو الكرام الجعفريّ وجماعة من بني العباس، فأقبل على عبد الله، فقال: يا أبا محمد، محمد وإبراهيم أراهما قد استوحشا من ناحيتي؛ وإني لأحب أن يأنسا بي، وأن يأتياني فأصِلَهما وأخلطهما بنفسي - قال وعبد الله مطرِق طويلًا ثم رفع رأسه - فقال: وحقِّك يا أميرَ المؤمنين، فما لي بهما ولا بموضعهما من البلاد علْم؛ ولقد خرجا من يدي؛ فيقول أبو جعفر: لا تفعل يا أبا محمد، اكتب إليهما وإلى من يوصّل كتابك إليهما، قل: فامتنع أبو جعفر ذلك اليوم من عامة غَدائه إقبالًا

стр. 4436

على عبد الله، وعبد الله يحلف ما يعرف موضعهما وأبو جعفر يكرّر عليه: لا تفعل يا أبا محمد، لا تفعل يا أبا محمد، لا تفعل يا أبا محمد، قال: فكان شدّة هرب محمد من أبي جعفر أن أبا جعفر كان عقد له بمكة في أناس من المعتزلة (١). قال عمر: حدثني أيوب بن عمر - يعني ابن أبي عمرو - قال: حدثني محمد بن خالد بن إسماعيل بن أيوب بن سلَمة المخزوميّ، قال: أخبَرني أبي، قال: أخبرني العباس بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، قال: لما حجّ أبو جعفر في سنة أربعين ومئة أتاه عبد الله وحسن ابنا حسن؛ فإنهما وإياي لعنده؛ وهو مشغول بكتاب ينظر فيه؛ إذْ تكلم المهديّ فلحن، فقال عبد الله: يا أميرَ المؤمنين، ألا تأمر بهذا مَنْ يعدّل لسانه؛ فإنه يغفل غفل الأمَة! فلم يفهم؛ وغمزتُ عبد الله فلم ينتبه لها، وعاد لأبي جعفر فاحتفظ من ذلك، وقال: أين ابنك؟ فقال: لا أدري، قال: لتأتينّي به؛ قال: لو كان تحت قدميّ ما رفعتهما عنه، قال: يا ربيع قمْ به إلى الحبس (٢). قال عمر: حدّثني موسى بن سعيد بن عبد الرحمن الجُمحيّ، قال: لما تمثل عبد الله بن حسن لأبي العباس: أَلم تر حوشبًا أَمسى يبني ... بيوتًا نفعها لبني بُقَيْلهْ (٣) لم تزل في نفس أبي جعفر عليه؛ فلما أمر بحبسه، قال: ألست القائل لأبي العباس: ألم تَرَ حَوْشَبًا أَمْسَى يُبَنِّي ... بُيُوتًا نَفعُها لبني بُقَيْلهْ وهو آمن الناس عليك، وأحسنهم إليك صنيعًا! قال عمر: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدثني الحارث بن إسحاق عن أبي حُنَيْن، قال: دخلتُ على عبد الله بن حسن وهو محبوس؛ فقال: هل حدث

стр. 4437

اليوم مِنْ خبر؟ قلت: نعم، قد أمر ببيع متاعك ورقيقِك، ولا أرى أحدًا يقدم على شرائه، فقال: ويحك يا أبا حُنين! والله لو خُرِج بي وببناتي مسترقّين لاشتُرِينا! قال عمر: وحدثني محمد بن يحيى، قال: حدّثنا الحارث بن إسحاق قال: شخص أبو جعفر، وعبد الله بن حسن محبوس، فأقام في الحبس ثلاث سنين. قال عمر: وحدثني عبد الله بن إسحاق بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال: حدثني أبو حَرْملة محمد بن عثمان، مولى آل عمرو بن عثمان، قال: حدّثني أبو هبّار المُزنيّ، قال: لما حجّ أبو جعفر سنة أربعين ومئة، حجّ تلك السنة محمد وإبراهيم ابنا عبد الله، وهما متغيبان، فاجتمعوا بمكة، فأرادوا اغتيال أبي جعفر، فقال لهم الأشتر: عبد الله بن محمد بن عبد الله، أنا أكفيكموه، فقال محمد: لا والله لا أقتله أبدَّا غَيلَةً حتى أدعوه؛ قال: فنقض أمرُهم ذلك وما كانوا أجمعوا عليه؛ وقد كان دخل معهم في أمرهم قائد من قوّاد أبي جعفر من أهل خُراسان، قال: فاعترض لأبي جعفر إسماعيل بن جعفر بن محمد الأعرج، فنمَّى إليه أمرَهم، فأرسل في طلب القائد فلم يظفرْ به، وظفِر بجماعة من أصحابه، وأفلت الرَّجُل وغلام له بمال زُهاء ألفي دينار كانت مع الغلام، فأتاه بها وهو مع محمد، فقسَمها بين أصحابه، قال أبو هبّار: فأمرني محمد، فاشتريت للرّجُل أبا عر وجهَّزته وحملته في قبّة وقطرته، وخرجت أريد به المدينة حتى أوردتُه إياها. وقدم محمد فضمّه إلى أبيه عبد الله، ووجّههما إلى ناحية من خُراسان، قال: وجعل أبو جعفر يقتل أصحاب ذلك القائد الذي كان من أمره ما ذكرتُ. قال عمر: وحدّثني محمد بن يحيى بن محمد (١) قال: حدّثني أبي عن أبيه، قال: غدوتُ على زياد بن عبيد الله وأبو جعفر بالمدينة، قال: فقال: أخبركم عجبًا مما نقيته اللَّيلة، طرقني رسلُ أميرِ المؤلمنين نصفَ الليل - وكان زياد قد تحوّل لقدوم أمير المؤمنين إلى داره بالبلاط - قال: فدقّتْ عليّ رسله، فخرجت ملتحِفًا بإزاري؛ ليس عليّ ثوب غيره، فنبهت غلمانًا لي وخصيانًا في سقيفة الدار، فقلت لهم: إن هدموا الدار فلا يكلمهم منكم أحد؛ قال: فدقوا طويلًا ثم

стр. 4438

انصرفوا، فأقاموا ساعة، ثم طلعوا بجُرْز شبيه أن يكون معهم مثله؛ مرّة أو مرّتين، فدقوا الباب بجِرَزَة الحديد، وصيَّحوا فلم يكلمهم أحد، فرجعوا فأقاموا ساعة، ثم جاؤوا بأمر ليس عليه صَبْر؛ فظننت والله أن قد هدموا الدار علي؛ فأمرت بفتحها، وخرجت إليهم فاستحثوني وهمُّوا أن يحملوني، وجعلت أسمع العزاء من بعضهم حتى أسلموني إلى دار مَرْوان، فأخذ رجلان بعضدي، فخرّجاني على حال الدفيف على الأرض أو نحوه، حتى أتيا بي حجرة القبّة العظمى، فإذا الربيع واقفٌ، فقال: ويحك يا زياد! ماذا فعلت بنا وبنفسك منذ الليلة! ومضى بي حتى كشف ستر باب القبّة، فأدخلني ووقف خَلْفي بين البابين؛ فإذا الشمع في نواحي القبّة، فهي تزهر، ووصيف قائم في ناحيتها، وأبو جعفر محتَبٍ بحمائل سيفه على بساط ليس تحته وسادة ولا مصلّى، وإذا هو منكسٌ رأسَه ينقر بجرْز في يده. قال: فأخبرني الربيع أنها حاله من حين صلى العَتمة إلى تلك الساعة، قال: فما زلتُ واقفًا حتى إني لأنتظر نداء الصبح، وأجد لذلك فَرجًا؛ فما يكلمني بكلمة، ثم رفع رأسه إليّ، فقال: يا بن الفاعلة، أين محمد وإبراهيم؟ قال: ثم نكس رأسه، ونكث أطْوَل مما مضى له، ثم رفع رأسه الثانية، فقال: يابن الفاعلة، أين محمد وإبراهيم؟ قتلني الله إن لم أقتلك! قال: قلت له: اسمع مني ودعْني أكلّمك، قال: قل، قلت له: أنت نفرتهما عنك؛ بعثت رسولًا بالمال الذي أمرت بقَسْمِه عليّ بني هاشم، فنزل القادسيّة، ثم أخرج سِكينًا يحدّه، وقال: بعثني أمير المؤمنين لأذبح محمدًا وإبراهيم، فجاءتهما بذلك الأخبار، فهربا، قال: فصرَفني فانصرفتُ. قال عمر: وحدّثني عبد الله بن راشد بن يزيد - وكان يلقب: الأكَار، من أهل فَيْد - قال: سمعت نصر بن قادم مولى بني محول الحنّاطين: قال: كان عبدويه وأصحاب له بمكة في سنة حجّها أبو جعفر، قال: فقال لأصحابه: إني أريد أن أوجر أبا جعفر هذه الحربة بين الصَّفا والمروة، قال: فبلغ ذلك عبد الله بن حسن فنهاه، وقال: أنت في موضع عظيم؛ فما أرى أن تفعل. وكان قائد لأبي جعفر يدعى خالد بن حسان، كان يدعى أبا العساكر على ألف رجل، وكان قد مَالأ عبدويه وأصحابه، فقال له أبو جعفر: أخبرني عنك

стр. 4439

وعن عبدويه والعُطارديّ، ما أردتم أن تصنعوا بمكة؟ قال: أردنا كذا وكذا، قال: فما منعكم؟ قال: عبد الله بن حسن، قال: فطمره فلم ير حتى الساعة. قال عمر: حدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثنا الحارث بن إسحاق، قال: جدّ أبو جعفر حين حبِس عبد الله في طلب ابنيه، فبعث عينًا له، وكتب معه كتابًا على ألسن الشيعة إلى محمد، يذكرون طاعتهم ومسارعتهم؛ وبعث معه بمال وألطاف، فقدم الرّجل المدينة، فدخل على عبد الله بن حسن، فسأله عن محمد، فذكر له أنه في جبل جُهينة، وقال: امرر بعليّ بن حسن، الرّجل الصالح الذي يدعى الأغرّ، وهو بذي الأبر، فهو يرشدك، فأتاه فأرشده، وكان لأبي جعفر كاتب على سرّه، كان متشَيعًا، فكتب إلى عبد الله بن حسن بأمر ذلك العيْن، وما بُعث له، فقدم الكتاب على عبد الله فارتاعوا، وبعتوا أبا هبّار إلى عليّ بن الحسن وإلى محمد، فيحذرهم الرجل؛ فخرج أبو هبّار حتى نزل بعليّ بن حسن، فسأله فأخبره أن قد أرشده إليه، قال أبو هبّار: فجئت محمدًا في موضعه الذي هو به، فإذا هو جالس في كَهْف، معه عبد الله بن عامر الأسلميَ وابنا شجاع وغيرهم، والرجل معهم أعلاهم صوتًا، وأشدّهم انبساطًا؛ فلما رأني ظهر عليه بعض النَّكَرة، وجلست مع القوم؛ فتحدّثت مليًّا، ثم أصغيت إلى محمد، فقلت: إنّ لي حاجةً، فنهض ونهضت معه، فأخبرته بخبر الرجل، فاسترجع، وقال: فما الرأي؟ فقلت: إحدى ثلاث أيها شئت فافعل؛ قال: وما هي؟ قلت: تَدَعني فأقتل الرجل، قال: ما أنا بمقارف دمًا إلّا مكرهًا، أو ماذا؟ قلت: توقرُه حديدًا وتنقله معك حيث انتقلت، قال: وهل بنا فراغ له مع الخوف والإعجال! أو ماذا؟ قلت: تشُدّه وتوثقه وتودعه بعض أهلِ ثقتك من جهينة؛ قال: هذه إذًا؛ فرجعنا وقد نَذِر الرجل فهرب، فقلت: أين الرجل؟ قالوا: قام بركْوة فاصطبّ ماء؛ ثم توارى بهذا الظَّرب يتوضَّأ، قال: فجُلنا في الجبل وما حوله؛ فكأنّ الأرض التأمت عليه، قال: وسعى على قدميه حتى شرع على الطريق، فمرّ به أعراب معهم حُمولة إلى المدينة، فقال لبعضهم: فرّغ هذه الغِرارة وأدخلنيها أكن عِدْلًا لصاحبتها ولك كذا وكذا، قال: نعم، ففرّغها وحمله حتى أقدمه بالمدينة، ثم قدم على أبي جعفر فأخبره الخبر كلَّه، وعميَ عن اسم أبي هبار وكنيته، وعلّق وبرًا، فكتب أبو جعفر في طلب وَبر المُزنيّ، فحُمل

стр. 4440

إليه رجل منهم يدعَى وبرًا، فسأله عن قصّة محمد وما حكى له العين؛ فحلف أنه ما يعرف من ذلك شيئًا؛ فأمر به فضرِب سبعمئة سوط، وحُبس حتى مات أبو جعفر. قال عمر: حدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: ألحّ أبو جعفر في طلب محمد، وكتب إلى زياد بن عبيد الله الحارثيّ يتنجّزه ما كان ضمِن له، فقدم محمد المدينة قدمةً، فبلغ ذلك زيادًا، فتلطّف له وأعطاه الأمان على أن يظهر وجهه للناس معه، فوعده ذلك محمد، فركب زياد مغلّسًا، ووعد محمدًا سوق الظهر، فالتقيا بها، ومحمد معلنٌ غير مختفٍ، ووقف زياد إلى جنبه، وقال: يا أيها الناس؛ هذا محمد بن عبد الله بن حسن، ثم أقبل عليه، فقال: الحقْ بأيّ بلاد الله شئت، وتوارى محمد، وتواترت الأخبار بذلك على أبي جعفر. قال عمر: حدّثني عيسى بن عبد الله، قال: حدّثني من أصدق، قال: دخل إبراهيم بن عبد الله على زياد، وعليه دِرع حديد تحت ثوبه، فلمسها زياد، ثم قال: يا أبا إسحاق؛ كأنك اتّهمتَني! ذلك والله ما ينالك مني أبدًا (١). قال عُمر: حدثني عيسى، قال: حدّثني أبي، قال: ركب زياد بمحمد؛ فأتى به السوق فتصايح أهل المدينة: المهديّ المهديّ! فتوارى فلم يظْهر؛ حتى خرج (٢). قال عمر: حدّثني محمد بن يحيى، قاد: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: لمَّا أن تتابعت الأخبار على أبي جعفر بما فعل زياد بن عبيد الله، وجّه أبا الأزهر (رجلًا من أهل خُراسان) إلى المدينة، وكتب معه كتابًا، ودفع إليه كتبًا، وأمره ألّا يقرأ كتابه إليه حتى ينزل الأعوص، على بريد من المدينة، فلما أن نزله قرأه؛ فإذا فيه توليةُ عبد العزيز بن المطلب بن عبد الله المدينة - وكان قاضيًا لزياد بن عبيد الله - وشدُّ زياد في الحديد، واصطفاء ماله، وقبضُ جميع ما وجد له،

стр. 4441

وأخذُ عمّاله وإشخاصُه وإياهم إلى أبي جعفر، فقدم أبو الأزهر المدينة لسبع ليال بقين من جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعين ومئة، فوجد زيادًا في موكب له، فقال: أين الأمير؟ فقيل: ركب، وخرجت الرّسل إلى زياد بقدومه، فأقبل مسرعًا حتى دخل دار مَرْوان، فدخل عليه أبو الأزهر، فدفع إليه كتابًا من أبي جعفر في ثُلُث يأمره أن يسمع ويطيع، فلما قرأه قال: سمعًا وطاعة، فمرْ يا أبا الأزهر بما أحببت؛ قال: ابعث إلى عبد العزيز بن المطلب، فبعث إليه، فدفع إليه كتابًا أن يسمع لأبي الأزهر، فلما قرأه قال: سمعًا وطاعة؛ ثم دفع إلى زياد كتابًا يأمره بتسليم العمل إلى ابن المطلب، ودفع إلى ابن المطلب كتابًا بتوليته، ثم قال لابن المطلب: ابعث إليّ أربعة كبول وحدَّادًا، فأتِيَ بهما فقال: اشدد أبا يحيى، فشُدّ فيها وقبض ماله - ووجد في بيت المال خمسة وثمانين ألف دينار - وأخذ عماله، فلم يغادر منهم أحدًا؛ فشخص بهم وبزياد فلما كانوا في طرف المدينة وقف له عماله يسلّمون عليه، فقال: بأبي أنتم! والله ما أبالي إذا رَاكم أبو جعفر ما صنع بي! أي من هيئتَهم ومروّتهم. قال عمر: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، عن خاله عليّ بن عبد الحميد، قال: شيّعنا زيادًا، فسرت تحت محمله ليلة، فأقبل عليّ فقال: والله ما أعرف لي عند أمير المؤمنين ذنبًا؛ غير أني أحسبه وجَد عليّ في ابنيْ عبد الله، ووجَد دماء بني فاطمة عليّ عزيزة. ثم مضوا حتى كانوا بالشقراء؛ فأفلت منهم محمد بن عبد العزيز، فرجع إلى المدينة، وحبس أبو جعفر الآخرين، ثم خلّى عنهم (١) [٧/ ٥٢٢ - ٥٣٠]. قال: وحدّثني عيسى بن عبد الله، قال: حدّثني مَنْ أصدِّق، قال: لما أنْ وجّه أبو جعفر مبهوتًا وابن أبي عاصية في طلب محمد، كان مبهوت الذي أخذ زيادًا، فقال زياد: أكلَّفُ ذنبَ قومٍ لستُ منهمْ ... وما جَنَتِ الشِّمال على اليمين قال: وحدّثني عيسى بن عبد الله، قال: حدّثني عبد الله بن عمران بن أبي فروة، قال: كنت أنا والشعبانيّ - قال: حدّثني عبد الله بن عمران بن

стр. 4442

أبي فروة، قال: كنت أنا والشعبانيّ - قائد كان لأبي جعفر - مع زياد بن عبيد الله نختلف إلى أبي الأزهر أيام بعثه أبو جعفر في طلب بني حسن، فإني لأسير مع أبي الأزهر يومًا إذْ أتاه آتٍ فلصق به، فقال: إنّ عندي نصيحة في محمد وإبراهيم، قال: اذهب عنا، قال: إنها نصيحة لأمير المؤمنين، قال: اذهبْ عنّا، ويلك قد قتل الخلق! قال: فأبى أن ينصرف، فتركه أبو الأزهر حتى خلا الطريق، ثم بعج بسيفه بطنه بَعْجةً ألقاه ناحية. ثمّ استعمل أبو جعفر على المدينة محمد بن خالد بعد زياد؛ فذكر عمر أن محمد بن يحسى حدّثه، قال: حدّثنا الحارث بن إسحاق، قال: استحمل أبو جعفر على المدينة محمد بن خالد بعد زياد، وأمره بالجِدّ في طلب محمد، وبسط يده في النفقة في طلبه، فأغذّ السير حتى قدم المدينة هلال رجب سنة إحدى وأربعين ومئة، ولم يعلم به أهل المدينة حتى جاء رسوله من الشُّقرة - وهي بين الأعوص والطَّرَف على ليلتين من المدينة - فوجد في بيت المال سبعين ألف دينار وألف ألف درهم؛ فاستغرق ذلك المال؛ ورفع في محاسبته أموالًا كثيرة أنفقها في طلب محمد، فاستبطأه أبو جعفر واتّهمه؛ فكتب إليه أبو جعفر يأمره بكشف المدينة وأعراضها؛ فأما محمد بن خالد أهلَ الديوان أن يتجاعلوا من يخرج؛ فتجاعلوا رباع الغاضريّ المضحك - وكان يداين الناس بألف دينار - فهلكت وتوِيت (١)، وخرجوا إلى الأعراض لكشفها عن محمد، وأمر القسريّ أهل المدينة؛ فلزموا بيوتهم سبعة أيام، وطافت رسله والجند ببيوت الناس يكشفونها، لا يحسون شيئًا، وكتب القسريّ لأعوانه صِكاكًا يتعزّزون بها؛ لئلا يعرض لهم أحد؛ فلمّا استبطأه أبو جعفر ورأى ما استغرق من الأموال عزله. قال: وحدّثني عيسى بن عبد الله، قال: أخبرني حسين بن يزيد، عن ابن ضبّة، قال: اشتدّ أمر محمد وإبراهيم على أبي جعفر؛ فبعث فدعا أبا السعلاء من قيس بن عيلان، فقال: ويلك! أشر عليّ في أمر هذين الرجلين؛ فقد غمّني أمرهما، قال: أرى لك أن تستعمل رجلًا من ولد الزُّبير أو طلحة؛ فإنهم يطلبونهما بذَحْل؛ فأشهد لا يُلبثونهما أو يخرجوهما إليك.

стр. 4443

قال: قاتلك الله؛ ما أجود رأيًا جئت به! والله ما غَبِيَ هذا عليّ؛ ولكني أعاهد الله ألّا أثَّئِر من أهل بيتي بعدوّي وعدوّهم؛ ولكني أبعث عليهم صُعيليكًا من العرب، فيفعل ما قلت، فبعث رياح بن عثمان بن حيّان. قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني عبد الله بن يحيى، عن موسى بن عبد العزيز؛ قال: لما أراد أبو جعفر عزل محمد بن خالد عن المدينة ركب ذات يوم؛ فلما خرج من بيته استقبله يزيد بن أسَيْد السُّلَميّ، فدعاه فسايره، ثم قال: أما تدلّني على فتىً من قيس مُقلّ، أغنيه وأشرّفه وأمكّنه من سيد اليمن يلعب به؟ يعني ابن القسريّ؛ قال: بلى، قد وجدته يا أمير المؤمنين، قال: مَنْ هو؟ قال: رياح بن عثمان بن حَيّان المريّ، قال: فلا تذكرنَّ هذا لأحد، ثم انصرف فأمر بنجائب وكسوة ورحال؛ فهيئت للمسير، فلما انصرف من صلاة العَتمة دعا برياح، فذكر له ما بلا من غشّ زياد وابن القسريّ في ابنيْ عبد الله، وولاه المدينة، وأمر بالمسير من ساعته قبل أن يصل إلى منزله، وأمره بالجدّ في طلبهما؛ فخرج مسرعًا، حتى قدمها يوم الجمعة لسبع ليال بقين من شهر رمضان سنة أربع وأربعين ومئة. قال: وحدَّثني محمد بن معروف، قال: أخبرني الفضل بن الربيع، عن أبيه، قال: لما بلغ أمر محمد وإبراهيم من أبي جعفر ما بلَغ خرجت يومًا من عنده - أو من بيتي - أريده، فإذا أنا برجل قد دنا مني، فقال: أنا رسول رياح بن عثمان إليك، يقول لك: قد بلغني أمر سحمد وإبراهيم وإدْهان الولاة في أمرهما؛ وإنْ ولّاني أمير المؤمنين المدينة ضمنت له أحدهما، وإلّا أظه رهما. قال: فأبلغتُ ذلك أميرَ المؤمنين، فكتب إليه بولايته، وليس بشاهد. ذكر عمر بن شبّة، عن محمد بن يحيى، عن عبد الله بن يحيى، عن موسى بن عبد العزيز، قال: لما دخل رياح دار مَرْوان، فصار في سقيفتها، أقبل على بعض من معه، فقال: هذه دار مروان؟ قالوا: نعم، قال: هذه المحلال المظعان، ونحن أوّل من يظعن منها. قال عمر: حدّثني أيوب بن عمر، قال: حدّثني الزبير بن المنذر مولى عبد الرحمن بن العوّام، قال: قدم رياح بن عثمان، فقدم معه حاجب له يكنى أبا البختريّ، وكان لأبي صديقًا زمان الوليد بن يزيد، قال: فكنت آتيه لصداقته

стр. 4444

لأبي - فقال لي يومًا: يا زُبير، إن رياحًا لما دخل دار مروان قال لي: هذه دار مرْوان؟ أما والله لِمحْلال مظْعان؛ فلما تكشف الناس عنه - وعبد الله محبوس في قبة الدار التي على الطريق إلى المقصورة، حبَسه فيها زياد بن عبيد الله - قال لي: يا أبا البَختريّ، خذ بيدي ندخل على هذا الشيخ، فأقبل متّكئًا عليّ حتى وقف على عبد الله بن حسن، فقال: أيّها الشيخ، إن أمير المؤمنين والله ما استعملني لرحم قريبة، ولا يدٍ سلفت إليه؛ والله لا لعبتَ بي كما لعبت بزياد وابن القسريّ، والله لأزهقن نفسك أو لتأتيني بابنيْك محمد وإبراهيم! قال: فرفع رأسه إليه وقال: نعم، أما والله إنك لأزيْرق قيس المذبوح فيها كما تذبح الشاة، قال أبو البَختريّ: فانصرف رياح والله آخذًا بيدي، أجد برد يده، وإن رجليه لتخطّان مما كلّمه، قال: قلت: والله إنّ هذا ما اطَّلع على الغيب قال: إيهًا ويلك! فوالله ما قال إلا ما سمع؛ قال: فذُبح والله فيها ذبح الشاة. قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثنا الحارث بن إسحاق، قال: قدم رياح المدينة، فدعا بالقسريّ، فسأله عن الأموال، فقال: هذا كاتبي هو أعلم بذلك مني، قال: أسألك وتحيلني على كاتبك! فأمر به فُوجِئَت عنقه، وقنِّع أسواطًا، ثم أخذ رزامًا كاتب محمد بن خالد القسريّ ومولاه فبسط عليه العذاب، وكان يضربه في كلّ غبّ خمسة عشر سوطًا، مغلولة يده إلى عنقه من بُكرة إلى الليل؛ يتجع به أفناء المسجد والرّحبة، ودسّ إليه في الرفع على ابن خالد، فلم يجد عنده في ذلك مساغًا، فأخرجه عمر بن عبد الله الجذاميّ - وكان خليفة صاحب الشُّرَط يومًا من إلأيام - وهو يريد ضربه، وما بين قدميه إلى قرنه قرحة، فقال له: هذا يوم غبّك، فأين تحبّ أن نجلدك؟ قال: والله ما في بدني موضع لضرب؛ فإن شئتَ فبطون كفى، فأخرج كفيّه فضرب في بطونهما خمسة عشر سوطًا، قال: فجعلت رسل رياح تختلف إليه، تأمره أن يرفع على ابن خالد، ويخفَى سبيله، فأرسل إليه: مرْ بالكفّ عني، حتى أكتب كتابًا، فأمر بالكفّ عنه، ثم ألحّ عليه وبعث إليه: أن رُحْ بالكتاب العشيّة على رؤوس الناس، فادفعه إليّ، فلما كان العشيّ أرسل إليه فأتاه وعنده جماعة فقال: أيها الناس؛ إن الأمير أمرني أن أكتب كتابًا، وأرفع على ابن خالد؛ وقد

стр. 4445

كتبت كتابًا أتنجّى به، وأنا أشهدكم أن كلّ ما فيه باطل، فأمر به رياح فضرب مئة سوط، ورُدّ إلى السجن. قال عمر: حدّثني عيسى بن عبد الله، قال: حدّثني عمي عبيد الله بن محمد بن عمر بن عليّ، قال: لما أهبط الله آدم من الجنّة رفعه على أبي قُبيس، فرفع له الأرض جميعًا حتى رآها وقال: هذه كلها لك، قال: أيْ ربّ، كيف أعلم ما فيها؟ فجعل له النجوم، فقال: إذا رأيت نجم كذا وكذا كان كذا وكذا، وإذا رأيت نجم كذا وكذا كان كذا وكذا؛ فكان يعلم ذلك بالنجوم، ثم إن ذلك اشتدّ عليه، فأنزل الله مرآة من السماء يرى بها ما في الأرض حتى إذا ما مات آدم عمَد إليها شيطان يقال له فقطس فكسرها، وبنى عليها مدينة بالمشرق يقال لها جابرت؛ فلما كان سليمان بن داود سأل عنها، فقيل له: أخذها فقطس، فدعاه فسأله عنها، فقال: هي تحت أواسي جابرت، قال: فائْتِني بها، قال ومَنْ يهدمها؟ فقالوا لسليمان: قل له: أنت، فقال سليمان: أنت، فأتى بها سليمان، فكان يجبر بعضها إلى بعض ثم يشدّها في أقطارها بسير، ثم ينظر فيها؛ حتى هلك سليمان؛ فوثبتْ عليها الشياطين، فذهبت بها وبقيت منها بقية، فتوارثتْها بنو إسرائيل حتى صارت إلى رأس الجالوت؛ فأتِيَ بها مَرْوان بن محمد؛ فكان يحكُّها ويجعلها على مرآة أخرى فيرى فيها ما يكره، فرمى بها وضرب عنق رأس الجالوت، ودفعها إلى جارية له، فجعلتها في كرسفة، ثم جعلتها في حجر؛ فلما استخلف أبو جعفر سأل عنها فقيل له: هي عند فلانة؛ فطلبها حتى وجدها، فكانت عنده؛ فكان يحكُّها ويجعلها على مرآة أخرى فيرى فيها؛ وكان يرى محمد بن عبد الله؛ فكتب إلى رياح بن عثمان: إنَّ محمدًا ببلاد فيها الأترجّ والأعناب فاطلبه بها، وقد كتب إلى محمد بعض أصحاب أبي جعفر: لا تقيمنّ في موضع إلّا بقدْر مسير البريد من العراق إلى المدينة؛ فكان يتنقل فيراه بالبَيْضاء، وهي من وراء الغابة على نحو من عشرْين ميلًا؛ وهي لأشجع، فكتب إليه: إنه ببلاد بها الجبال والقِلّات؛ فيطلبه فلا يجده، قال: فكتب إليه إنه بجبل به الحبّ الأخضر والقَطِران، قال: هذه رضوى؛ فطلبه فلم يجده (١).

стр. 4446

قال أبو زيد: حدّثني أبو صفوان نصر بن قُديد بن نصر بن سيار، أنه بلغه أنه كان عند أبي جعفر مرآة يَرى فيها عدوَّه من صديقه (١). قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدثني الحارث بن إسحاق، قال: جدّ رياح في طلب محمد، فأخبِر أنه في شِعْب من شعاب رَضْوى - جبل جهينة، وهي من عمل ينبُع - فاستعمل عليها عمرو بن عثمان بن مالك الجُهنيّ أحد بني جشم، وأمره بطلب محمد، فطلبه فذُكِر له أنه بشِعْب من رَضْوَى، فخرج إليه بالخيل والرّجال، ففزع منه محمد، فأحضِر شدًّا، فأفلت وله ابن صغير، ولد في خوفه ذلك؛ وكان مع جارية له؛ فهوى من الجبلَ فتقطَّع، وانصرف عمرو بن عثمان. قال: وحدّثني عبد الله بن محمد بن حكيم الطائيّ، قال: لما سقط ابن محمد فمات ولقي محمد ما لقي، قال: منخرق السّربال يشكو الوَجَى ... تَنكُبُهُ أَطرافُ مَرْوٍ حِدَادْ شرَّده الخوفُ فأَزْرَى به ... كذاك مَنْ يَكْرَهُ حَرَّ الجلادْ قد كان في الموت له راحةٌ ... والموتُ حتمٌ في رقاب العبادْ قال: وحدّثني عيسى بن عبد الله، قال: حدّثني عمّي عبيد الله بن محمد، قال: قال محمد بن عبد الله: بينا أنا في رَضْوَى مع أمَة لي أمّ ولد، معها بُنيّ لي ترضعه؛ إذا ابن سَنُوطَى (مولى لأهل المدينة)، قد هجم عليّ في الجبل يطلبني؛ فخرجت هاربًا، وهربت الجارية، فسقط الصبي منها فتقطّع، فقال عبيد الله: فأتِيَ بابن سنوطى إلى محمد بعد حين ظهر، فقال: يا بن سنوطى، أتعرف حديث الصبيّ؟ قال: إي والله، إني لأعرفه، فأمر به فحُبس؛ فلم يزل محبوسًا حتى قتِل محمد. قال: وحدّثني عبد العزيز بن زياد، قال: حدّثني أبي قال: قال محمد: إني بالحرّة لمصعِد ومنحدر، إذ أنا برياح والخيل، فعدلتُ إلى بئر فوقفت بين

стр. 4447

قرنَيْها، فجعلت أستقي، فلقيَني رياح صَفْحًا، فقال: قاتله الله أعرابيًّا ما أحسن ذراعه! قال: وحدّثني ابن زبالة، قال: حدّثني عثمان بن عبد الرحمن الجُهنيّ عن عثمان بنِ مالك، قال: أذلق (١) رياح محمدًا بالطلب؛ فقال لي: اغدُ بنا إلى مسجد الفتْح ندع الله فيه، قال: فصلَّيتُ الصُّبح، ثم انصرفت إليه، فغدوْنا وعلى محمد قميص غليظ ورداء قرقبيّ مفتول؛ فخرجنا من موضع كان فيه؛ حتى إذا كان قريبًا التفت، فإذا رياح في جماعة من أصحابه رُكْبان، فقلت له: هذا رياح؛ إنا لله وإنا إليه راجعون! فقال غير مكترث به: امض؛ فمضيت وما تنقلني رجلاي، وتنحَّى هو عن الطريق؛ فجلس وجعل ظهره مما يلِي الطريق، وسدَل هُذب ردائه على وجهه - وكان جسيمًا - فلما حاذاه رياح التفت إلى أصحابه، فقال: امرأة رأتنا فاستحيتْ، قال: ومضيتُ حتى طلعت الشمس، وجاء رياح فصعد وصلى ركعتين، ثم انصرف من ناحية بُطْحان، فأقبل محمد حتى دخل المسجد، فصلى ودعا، ولم يزل محمد بن عبد الله ينتقل من لموضع إلى موضع إلى حين ظهوره. ولما طال على المنصور أمرُه، ولم يقدر عليه وعبد الله بن حسن محبوس، قال عبد العزيز بن سعيد - فيما ذُكر عن عيسى بن عبد الله، عن عبد الله بن عمران بن أبي فروة - قال لأبي جعفر: يا أميرَ المؤمنين، أتطمع أن يخرج لك لمحمد وإبراهيم وبنو حسن مخلّون! والله للواحد منهم أهيب في صدور الناس من الأسد، قال: فكان ذلك الذي هاجه على حَبْسهم، قال: ثم دعاه فقال: من أشار عليك بهذا الرأي؟ قال: فليح بن سليمان، فلما مات عبد العزيز بن سعيد - وكان عينًا لأبي جعفر وواليًا على الصدقات - وضع فُليح بن سليمان في موضعه وأمر أبو جعفر بأخذ بني حسن. قال عيسى: حدثني عبد الله بن عمران بن أبي فروة، قال: أمر أبو جعفر رياحًا بأخذ بني حسن، ووجّه في ذلك أبا الأزهر المهريّ - قال: وقد كان حبَس

стр. 4448

عبد الله بن حسن فلم يزل محبوسًا ثلاث سنين؛ فكان حسن بن حسن قد نصَل خضابُه تسلّيًا على عبد الله؛ فكان أبو جعفر يقول: ما فعلت الحادّة؟ قال: فأخذ رياح حسنًا وإبراهيم ابنيْ حسن بن حسن، وحسن بن جعفر بن حسن بن حسن، وسليمان وعبد الله ابنيْ داود بن حسن بن حسن، ومحمدًا وإسماعيل وإسحاق ابني إبراهيم بن حسن بن حسن، وعباس بن حسن بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب، أخذوه على بابه؛ فقالت أمه عائشة ابنة طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر: دعوني أشمّه، قالوا: لا والله؛ ما كنت حيةً في الدنيا؛ وعليّ بن حسن بن حسن بن حسن العابد. قال: وحدثني إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم، قال: حبس معهم أبو جعفر عبد الله بن حسن بن حسن أخا عليّ. قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثنا الحارث بن إسحاق، قال: جهر رياح بشتم محمد وإبراهيم ابنيْ عبد الله، وشتم أهل المدينة، قال: ثم قال يومًا وهو على المنبر يذكرهما: الفاسقين الخالعين الحاربيْن. قال: ثم ذكر ابنة أبي عبيدة أمهما، فأفحش لها، فسبّح التاس وأعظموا ما قال، فأقبل عليهم، فقال: إنكم لا كلنا عن شتمهما، ألصق الله بوجوهكم الذلّ والهوان! أما والله لأكتبنّ إلى خليفتكم فلأعلمنّه غِشكم وقلة نُصحكم، فقال الناس: لا نسمع منك يا بن المحدود؛ وبادروه بالحصى، فبادر واقتحم دار مراون وأغلق عليه الباب، وخرج الناس حتى صفّوا وجاهه، فرموه وشتموه ثم تناهوا وكفّوا. قال: وحدّثني محمد بن يحيى؛ قال: حدّثني الثقة عندي، قال: حبس معهم موسى بن عبد الله بن حسن بأن حسن بن عليّ وعليّ بن محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن عند مقدمه من مصر. قال: وحدّثني عبد الله بن عمر بن حبيب، قال: وجّه محمد بن عبد الله ابنه عليًّا إلى مصر، فدلّ عليه عاملها، وقد همّ بالوثوب، فشدّه وأرسل به إلى أبي جعفر؛ فاعترف له، وسمى أصحاب أبيه، فكان فيمن سمَّى عبد الرحمن بن أبي الموالى وأبو حنين؛ فأمر بهما أبو جعفر فحبِسا، وضرِب أبو حنين مئة سوط. قال: وحدّثني عيسى، قال: مرّ حسن بن حسن بن حسن على إبراهيم بن

стр. 4449

حسن وهو يعلف إبلًا له فقال: أتعلف إبلك وعبد الله لمحبوس! أطلق عُقْلَها يا غلام، فأطلقها، ثم صاح في أدبارها فلم يوجد منها واحدة. قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني عليّ بن عبد الله بن محمد بن عمر بن عليّ، قال: حضرنا باب رياح في المقصورة، فقال الآذن: مَنْ كان هاهنا من بني حسين فليدخل؛ فقال لي عمّي عمر بن محمد: انظر ما يصنع القوم، قال: فدخلوا من باب المقصورة وخرجوا من باب مروان، قال: ثمّ قال: من هاهنا من بني حسن فليدخل؛ فدخلوا من باب المقصورة ودخل الحدّادون من باب مروان، فدعِيَ بالقيود. قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني أبي، قال: كان رياح إذا صلى الصُّبح أرسل إلي وإلى قدامة بن موسى فيحدّثنا ساعة؛ فإنا لعنده يومًا؛ فلما أسفرنا إذا برجل متلفف في ساجٍ له؛ فقال له رياح: مرحبًا بك وأهلًا، ما حاجتك؟ قال: جئت لتحبسني مع قومي؛ فإذا هو عليّ بن حسن بن حسن بن حسن، فقال: أما والله ليعرفنّها لك أمير المؤمنين، ثم حبسه معهم. قال: وحدّثني يعقوب بن القاسم، قال: حدّثني سعيد بن ناشرة مولى جعفر بن سليمان، قال: بعث محمد ابنه عليًّا، فأخِذ بمصر، فمات في سجن أبي جعفر. قال: وحدثني موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن، قال: حدثني أبي، عن أبيه موسى بن عبد الله، قال: لما حبِسنا ضاق الحبس بنا، فسأل أبي رياحًا أن يأذن له فيشترى دارًا، فيجعل حبسنا فيها، ففعل، فاشترى أبي دارًا فنقلنا إليها، فلما امتدَ بنا الحبس أتى محمد أمه هندًا فقال: إني قد حمّلت أبي وعمومتي ما لا طاقة لهم به؛ ولقد هممت أن أضع يدي في أيديهم، فعسى أن يخلَّى عنهم، قال: فتنكرتْ ولبستْ أطمارًا، ثم جاءت السجن كهيئة الرسول، فأذن لها، فلما رآها أبي أثبتها، فنهض إليها فأخبرته عن محمد، فقال: كلَّا بل نصبر؛ فوالله إني لأرجو أن يفتح الله به خيرًا، قولي له: فليدْعُ إلى أمره، وليجدّ فيه، فإن فرجَنا بيد الله، قال: فانصرفت وتمّ محمد على بغيته. [٧/ ٥٣٠ - ٥٣٩] * * *

стр. 4450

[ذكر حمل ولد حسن بن حسن إلى العراق] وفي هذه السنة حمل ولد حسن بن حسن بن عليّ من المدينة إلى العراق. * ذكر الخبر عن سبب حملهم إلى العراق وما كان من أمرهم إذ حُملوا: ذكر عمر، قال: حدّثني سوسى بن عبد الله، قال: حدّثني أبي عن أبيه، قال: لما حجّ أبو جعفر أرسل محمد بن عمران بن إبراهيم بن محمد بن طلحة ومالك بن أنس إلى أصحابنا، فسألهم أن يدفعوا محمدًا وإبراهيم ابني عبد الله، قال: فدخل علينا الرجلان، وأبي قائم يصلّي، فأبلغاهم رسالته، فقال حسن بن حسنَ: هذا عمل ابنَي المشؤوسة، أما والله ما هذا برأينا، ولا عن ملأ منا؛ ولا لنا فيه حيلة، قال: فأقبل عليه إبراهيم، فقال: علام تؤذي أخاك في ابنيه وتؤذي ابن أخيك في أمه؟ قال: وانصرف أبي من ضلاته؛ فأبلغاه، فقال: لا والله لا أردّ عليكما حرفًا؛ إن أحبّ أن يأذن لي فألقاه فليفعل، فانصوف الرجلان فأبلغاه، فقال: أراد أن يسخّرني، لا والله لا ترى عينه عيني حتى يأتيَني بابنيه. قال: وحدّثني ابنُ زبالة، قال: سمعتُ بعض علمائنا يقول: ما سارَّ عبدُ الله بن حسن أحدًا قطّ إلا قتله عن رأيه. قال: وحدثني موسى بن عبد الله، عن أبيه عن جده، قال: ثم سار أمير المؤمنين أبو جعفر لوجهه حاتجًا، ثم رجع فلم يدخل المدينة؛ ومضى إلى الزَبذة حتى أتى ثَنْى رهوتها. قال عمر: وحدثني محمد بن يحيى، قال: حدثني الحارث بن إسحاق، قال: لم يزل بنو حسن محبوسين عند رياح حتى حجّ أبو جعفر سنة أربع وأربعين ومئة، فتلقّاه رياح بالزَبذَة، فردّه إلى المدينة، وأمره بإشخاص بني حسن إليه، وبإشخاص محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان - وهو أخو بني حسن لأمهم، أمهم جميعًا فاطمة بنت حسين بن عليّ بن أبي طالب - فأرسل إليه رياح - وكان بماله ببدْر - فحدرهم إلى المدينة، ثم خرج رياح ببني حسن ومحمد بن عبد الله بن عمرو إلى الرّبذة، فلما صار بقصر نفيس على ثلاثة أميال من - المدينة، دعا بالحدّادين والقيود والأغلال، فألقى كلّ رجل منهم في كَبْل وغُلّ،
следующие страницы →