٩٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: قال محمّد بن إسحاق: وحدّثني إسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم عن أشياخ من الأنصار، قالوا: لما اطمأنّ القومُ، بعثوا عُمَير بن وهب الجُمَحِيّ، فقالوا: احزُرْ لنا أصحابَ محمد، قال: فاستجال بفرسه حول العسكر، ثم رجع إليهم، فقال: ثلاثمئة رجل، يزيدون قليلًا أو ينقصون؛ ولكن أمْهلوني حتى انظر؛ أللقوم كمين أم مَدَد؟ قال: فضرب في الوادي؛ حتى أبْعد فلم ير شيئًا، فرجع إليهم، فقال: ما رأيت شيئًا، ولكني قد رأيتُ -يا معشرَ قريش- الوَلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع؛ قوم ليس لهم مَنَعة ولا مَلْجأ إلّا سيوفُهم؛ والله ما أرى [أن] يقتل رجل منهم حتى يُقتل رجل منكم؛ فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خيرُ العيش بعد ذلك! فَرَوْا رَأيكم.
فلمّا سمع حَكيم بن حزام ذلك، مشى في الناس، فأتى عتبةَ بن ربيعة، فقال: يا أبا الوليد، إنك كبيرُ قريش الليلة وسيّدُها، والمطاع فيها؛ هل لك ألّا تزال تذكر منها بخير إلى آخر الدهر! قال: وما ذاك يا حكيم؟ قال: ترجع بالناس، وتحمل دمَ حليفك عمرو بن الحضرميّ! قال: قد فعلت، أنتَ عليّ بذلك، إنما هو حليفي فعليّ عَقْله، وما أصيب من ماله؛ فائتِ ابنَ الحنْظَلية؛ فإنّي لا أخشى أن يشجرُ أمرَ الناس غيرُه -يعني أبا جهل بن هشام- رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. ثم قام عُتْبة بن ربيعة خطيبًا، فقال: يا معشرَ قريش، إنكم والله ما تصنعون بأن تَلْقوا محمدًا وأصحابه شيئًا؛ والله لئن أصبتُموه لا يزال رجلٌ ينظر في وَجْهِ رجل يكره النَّظَر إليه، قتل ابن عمّه أو ابن خاله أو رجلًا من عشيرته؛ فارجعوا وخلُّوا بين محمّد وبين سائر العرب؛ فإن أصابوه فذاك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرَّضوا منه ما تريدون. قال حكيم: فانطلقتُ أؤمُّ أبا جهل؛ فوجدته قد نَثَل دِرْعًا له من جِرابها؛ فهو يُهيّئها. فقلت: يا أبا الحكم؛ إنّ عُتْبةَ قد أرسلني إليك بكذا وكذا -للذي فاد- فقال: انتفخ والله سَحْرُه حين رأى محمدًا وأصحابه؛ كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمّد وأصحابه، وما بعتْبة ما قال؛ ولكنه قد رأى محمدًا وأصحابه أكلةَ جَزور؛ وفيهم ابنه فقد تخوّفَكم عليه. ثم بعث إلى عامر بن الحضرميّ، فقال له: هذا حَلِيفُك، يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرَك بعينيك، فقم فانشُد خُفْرتك
стр. 492
ومقتَلَ أخيك. فقام عامر بن الحضرميّ فاكتشف ثم صرخ: واعمراه! واعمراه! فحميَت الحربُ، وحَقِبَ أمر الناس؛ واستوسقوا على ما هم عليه من الشرّ، وأفسِد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عُتبة بن ربيعة.
فلما بلغ عُتبةَ بن ربيعة قولُ أبي جهل: "انتفخ سَحْره"، قال: سيعلم المُصَفِّرُ اسْتَهُ من انتفخ سَحْره، أنا أم هو! ثم التمس بَيضَة يُدْخِلها في رأسه فما في الجيش بيضة تَسَعُه من عِظم هامته، فلما رأى ذلك اعتَجَر على رأسه ببُرْد له.
وقد خرج الأسود بن عبد الأسود المخزوميّ -وكان رجلًا شرسًا سيِّيءَ الخُلق- فقال: أعاهد الله لأشْرَبنّ من حَوْضِهم ولأهْدِمنّه أو لأمُوتنّ دونه. فلما خرج خرج له حمزة بن عبد المطلب، فلمّا التقيا ضربه حمزة، فأطنّ قدمه بنصف ساقه؛ وهو دُونَ الحوض، فوقع على ظهره تَشْخُبُ رجله دمًا نحو أصحابه؛ ثم حَبَا إلى الحوض حتى اقتحم فيه، يريد -زَعَمَ- أن يُبِرَّ يمينَه، واتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض.
ثم خرج بعده عُتْبة بن ربيعة بين أخيه شَيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عُتْبة؛ حتى إذا فَصَل من الصفّ دعَا إلى المبارزة، فخرج إليه فتْية من الأنصار ثلاثة نفر منهم: عوف ومُعَوِّذ ابنا الحارث -وأمهما عفراء- ورجل آخر يقال له عبد الله بن رواحة، فقال: مَنْ أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار. فقالوا: ما لنا بكم حاجة! ثم نادى مناديهم: يا محمد، أخْرِجْ إلينا أكفاءَنا من قومنا، فقال رسول الله ﷺ : قم يا حمزة بن عبد المطلب، قم يا عبيدة بن الحارث، قم يا عليّ بن أبي طالب؛ فلما قاموا ودَنوْا منهم، قالوا: مَنْ أنتم؟ قال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال عليّ: عليّ، قالوا: نعم أكفاءٌ كِرَام! فبارز عُبيدة بن الحارث -وكان أسنّ القوم- عُتْبة بن ربيعة، وبارز حمزةُ شَيبةَ بن ربيعة، وبارز عليٌّ الوليدَ بن عتبة؛ فأمّا حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وأما عليٌّ فلم يمهل الوليد أن قتله؛ واختلف عُبيدة وعتبة بينهما بضربتين، كلاهما أثبَت صاحبه، وكرَّ حمزة وعليّ بأسيافهما على عُتْبة، فذفّفا عليه فقتلاه، واحتملا صاحبهما عبيدة فجاءا به إلى أصحابه؛ وقد قطعت رجله، فمُخُّها يسيل، فلما أتوا بعبيدة إلى رسول الله ﷺ -
стр. 493
قال: ألستُ شهيدًا يا رسول الله (١)! قال: بلى، فقال عبيدة: لو كان أبو طالب حيًّا لعلم أني أحقّ بما قال منه حيث يقول:
ونُسْلِمُهُ حتى نُصَرَّعَ حَوْلَه ... ونَذْهَلَ عن أَبنائِنا وَالحَلائِل
(٢: ٤٤٢ - ٤٤٤ - ٤٤٥)
٩٣ - حدَّثنا الزُّبير بن بكار، قال: حدَّثنا عثامة بن عمرو السهميّ، قال: حدّثني مُسوَّر بن عبد الملك اليَربوعيّ، عن أبيه، عن سعيد بن المسيّب، قال: بينَا نحن عند مروان بن الحَكَم؛ إذ دخل حاجبُه، فقال: هذا أبو خالد حكيم بن حزام، قال: ائذنْ له، فلمّا دخل حكيم بن حِزام، قال: مرحبًا بك يا أبا خالد! ادْنُ، فحال له مروان عن صدْر المجلس؛ حتى كان بينه وبين الوسادة، ثمّ استقبله مرْوان، فقال: حَدّثنا حديثَ بدْر، قال: خرجنا حتى إذا نزلنا الجُحْفَة رجعت قبيلة من قبائل قريش بأسْرها، فلم يشهد أحدٌ من مشركيهم بَدْرًا. ثم خرجنا حتى نزلنا العُدْوة التي ذكرها الله ، فجئت عُتْبة بن ربيعة، فقلت: يا أبا الوليد، هل لك أن تذهب بشَرَف هذا اليوم ما بقيت؟ قال: أفعل ماذا؟ قلت: إنكم لا تطلبون من محمّد إلا دَم ابن الحضرميّ؛ وهو حليفك، فتحمّل ديتَه وترجع بالناس. فقال: أنت وذاك، وأنا أتحمّل بِديَتِه، واذهبْ إلى ابن الحنظلِيّة -يعني أبا جهل- فقل له: هل لك أن ترجعَ اليوم بمَنْ معك عن ابن عمّك؟ فجئته فإذا هو في جماعة من بين يديه ومن ورائه، وإذا ابنُ الحضرميّ واقف على رأسه؛ وهو يقول: قد فَسَخْتُ عقْدي من عبد شمس، وعقْدي إلى بني مخزوم. فقلت له: يقول لك عُتْبة بن ربيعة: هل لك أن ترجعَ اليوم عن ابنِ عمك بمَنْ معك؟ قال: أما وجدَ رسولًا غيرك! قلت: لا، ولم أكن لأكون رسولًا لغيره. قال حكيم: فخرجت مبادرًا إلى عُتْبة؛ لئلا يَفُوتَني من الخبر شيء، وعتبة مُتكّئ على إيماء بن رَحَضة الغِفاريّ؛ وقد أهْدَى إلى المشركين عشر جزائر، فطلع أبو جهل والشرّ في وجهه، فقال لعتبة: انتفخ سَحْرُك! فقال له عتبة: ستعلم! فَسلّ أبو جهل سيفه، فضرب به متنَ فرسه، فقال إيماء بن رَحَضة: بئس
стр. 494
الفأل هذا! فعند ذلك قامت الحرب (١). (٢: ٤٤٣).
٩٤ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق:
стр. 495
وحدّثني عاصم بن عمرو بن قتادة؛ أن عتبة بن ربيعة قال للفتية من الأنصار حين انتسبوا: أكفاءٌ كرامٌ، إنما نريد قومنا، ثم تزاحف الناس؛ ودنا بعضُهم من بعض، وقد أمر رسول الله ﷺ أصحابه ألّا يحملوا حتى يأمرهم؛ وقال: إن اكتنفكُم القوم فانضحوهم عنكم بالنَّبْل؛ ورسول الله ﷺ في العريش معه أبو بكر (١). (٢: ٤٤٦).
٩٥ - فحدّثني محمد بن عبيد المحاربيّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن المبارك، عن عكرمة بن عَمَّار، قال: حدّثني سماك الحنفيّ، قال: سمعتُ ابنَ عباس يقول: حدّثني عمر بن الخطاب، قال: لما كان يوم بدْر، ونظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وعِدّتهم، ونظر إلى أصحابه نيّفًا على ثلاثمئة، استقبل القبلة، فجعل يدعو، يقول: اللهمّ أنجزْ لي ما وعدتَني، اللهمّ إن تَهْلِك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبَد في الأرض؛ فلم يزل كذلك حتى سقط رداؤه، فأخذ أبو بكر فوضع رداءه عليه، ثمّ التزمه من ورائه، ثم قال: كفاك يا نبيّ الله، بأبي أنت وأمي، مناشدتك ربّك؛ فإنه سينجز لك ما وعدك! فأنزل الله ﵎: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٢). (٢: ٤٤٧).
стр. 496
٩٦ - حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: حدَّثنا الثقفيُّ -يعني عبد الوهاب- عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنّ النبي ﷺ ، قال وهو في قبتّه يومَ بدر: اللهمّ إني أسألُك عهدك ووعدك؛ اللهمّ إن شئت لم تُعْبَدْ بَعْدَ اليوم!
قال: فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبُك يا نبيّ الله، فقد ألححت على ربّك - وهو في الدّرع - فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ (١). (٢: ٤٤٧/ ٤٤٨).
* * *
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: وقد خَفَق رسول الله ﷺ خفقةً وهو في العريش؛ ثم انتبه، فقال: يا أبا بكر، أتاك نصرُ الله، هذا جبريل آخذ بِعنان فرسه يقوده، على ثناياه النَّقع. قال: وقد رُمِيَ مِهْجَعٌ مولى عمر بن الخطاب بسهم فقُتل؛ فكان أوّلَ قتيل من المسلمين، ثم رُمِيَ حارثة بن سُراقة، أحد بني عديّ بن النجار وهو يشرب من الحوْض فقتِل. ثم خرج رسول الله ﷺ فحرَّضهم، ونفّل كلّ امرئ منهم ما أصاب، وقال: والَّذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتَلَ صابرًا محتسِبًا مُقْبِلًا غير مُدْبِر؛ إلّا أدخله الله الجنة. فقال عمَيرُ بن الحُمَام، أخو بني سَلمة، وفي يده تَمَراتٌ يأكُلهنّ: بَخْ بَخْ، فما بيني وبين أن أدخلَ الجنة إلا أن يقْتلني هؤلاء! ثم قذف التَّمرَاتِ من يده، وأخذ سيفُه، فقاتل القوم حتى قُتِل وهو يقول:
رَكْضًا إلى اللهِ بغير زادِ ... إلَّا التُّقَى وَعملِ المَعادِ
وَالصَّبْر في اللهِ على الجهادِ ... وكلُّ زَادٍ عُرْضَةُ النَّفَادِ
٩٧ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: قال محمد بن إسحاق. وحدّثني محمد بن مسلم الزهريّ، عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير العُذرِيّ، حليف بني زُهرة، قال: لما التقى النَّاس، ودنا بعضُهم من بعض، قال أبو جهل: اللهمَّ أقْطَعنَا لِلرَّحم، وآتانا بما لا يُعرف؛ فأحِنْه الغداة، فكان هو المستفتِح على نفسه.
ثم إنّ رسول الله ﷺ أخذ حَفْنة من الحصباء، فاستقبل بها قريشًا، ثم قال: شاهت الوُجوه! ثم نَفحهم بها، وقال لأصحابه: شُدُّوا، فكانت الهزيمة، فقتل الله مَنْ قتلَ من صناديد قريش، وأسِر مَنْ أسِر منهم، فلما وضع القوم أيديَهم يأسرون، ورسول الله ﷺ في العريش، وسعد بن مُعاذ قائم على باب العريش الذي فيه رسول الله ﷺ , متوشِّحًا السيف، في نفر من الأنصار يحرُسون رسول الله ﷺ , يخافون عليه كَرَّةَ العدوّ، ورأى رسول الله ﷺ فيما ذكر لي - في وجه سعد بن معاذ الكَرَاهيةَ لمَا يصنع الناس، فقال رسول الله ﷺ : لكأنّك يا سعد تكره ما يصنع الناس! قال: أجلْ والله يا رسولَ الله! كانت أوّل وقعة أوقَعها الله بالمشركين؛ فكان الإثخَانُ في القتل أعجَبَ إليَّ من استبقاء الرجال (١). (٤٤٩: ٢).
стр. 499
٩٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: حدّثني يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزُّبَيْر، عن أبيه، قال: وحدّثني أيضًا عبد الله بن أبي بكر، وغيرهما، عن عبد الرّحمن بن عوْف، قال: كان أميّة بن خلَف لي صَديقًا بمكّة - وكان اسمي عبد عمْرو، فسمِّيتُ حين أسلمتُ: "عبد الرحمن"، ونحن بمكة - قال: فكان يلْقانِي ونحن بمكّة، فيقول: يا عبدَ عمرو، أرغِبْت عن اسم سمَّاكَه أبوك؟ فأقول: نعم، فيقول: فإنّي لا أعرف "الرحمن"؛ فاجعل بيني وبينك شيئًا أدعوك به؛ أما أنتَ فلا تجيبني باسمك الأوّل، وأمّا أنا فلا أدعوك بما لا أعرف. قال: فكان إذا دعاني: "يا عبد عمرو"، لم أجبه، فقلت: اجعل بيني وبينك يا أبا عليّ ما شئت، قال: فأنت "عبد الإله"، فقلت: نعم، فكنت إذا مررت به قال: يا عبد الإله، فأجيبه، فأتحدّث معه؛ حتى إذا كان يومُ بدر،
стр. 500
مررت به وهو واقف مع ابنه عليّ بن أميَّة، آخذًا بيده، ومعي أدراعٌ قد استلبتُها، فأنا أحملها. فلمّا رآني قال: يا عبد عمرو! فلم أجبه، فقال: يا عبد الإله، قلت: نعم، قال: هل لك فيّ، فأنا خير لك من هذه الأدراع التي معك؟ قال: قلت: نعمْ، هلُمَّ إذًا. قال: فطرحتُ الأدراع من يدي وأخذت بيده ويد ابنه عليّ، وهو يقول: ما رأيتُ كاليوم قطّ! أما لكم حاجة في اللّبن! قال: ثم خرجت أمشي بهما (١). (٢: ٤٥١/ ٤٥٢).
٩٩ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمَة عن محمد بن إسحاق، قال: حدّثني عبد الواحد بن أبي عوْن، عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف، قال: قال لي أميّة بن خلف وأنا بينه وبين ابنه، آخِذٌ بأيديهما: يا عبدَ الإله، مَن الرجل منكم، المعْلم بريشة نعامة في صدره؟ قال: قلت: ذاك حمزة بن عبد المطلب، قال: ذاك الذي فَعل بنا الأفاعيل! قال عبد الرحمن: فوالله إنّي لأقودهما إذْ رآه بلال معي - وكان هو الذي يعذّب بلالًا بمكّة على أن يترك الإسلام فيخرجُه إلى رَمْضاء مكة إذا حميَتْ، فيضجعه على ظهره، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول: لا تزالُ هكذا حتى تفارقَ دين محمد، فيقول بلال: أحدٌ أحَدٌ - فقال بلال حين رآه: رأس الكفر أميّة بن خَلف، لا نجوتُ إن نَجَوْتَ؛ قال: قلت: أي بلال، أسيرَيّ! قال: لا نجوتُ إن نجا. قال: قلت: تسمَع يا بن السوداء! قال: لا نجوتُ إن نجَا، ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصارَ الله، رأس الكفر أمية بن خلَف، لا نجوتُ إن نجا! قال: فأحاطوا بنا، ثم جعلونا في مثل المسَكَة وأنا أذُبُّ عنه؛ قال: فضرب رجلٌ ابنه فوقع. قال: وصاح أميّة صيحة ما سمعت بمثلها قطّ. قال: قلتُ: انجُ بنفسك، ولا نجاءَ؛ فوالله ما أغني عنك شيئًا. قال: فهبرُوهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما.
قال: فكان عبد الرحمن يقول: رحم الله بلالًا! ذهبت أدراعي وفجعني بأسيريَّ (٢). (٢: ٤٥٢/ ٤٥٣).
стр. 501
١٠٠ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: قال محمد: وحدّثني ثور بن زيد مولى بني الدِّيل، عن عكْرمة مولى ابنِ عبَّاس، عن ابن عبَّاس قال: وحدّثني عبد الله بن أبي بكر، قالا: كان مُعاذ بن عمرو بن الجَمُوح أخو بني سَلمة يقول: لما فرغ رسول الله ﷺ من عدوّه، أمرَ بأبي جهل أن يلتَمس في القتلى، وقال: اللهمّ لا يعجزنّك، قال: فكان أوّل مَنْ لقِيَ أبا جهل معاذ بن عمرو بن الجموح، قال: سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرَجة وهم يقولون: أبو الحكَم لا يُخْلَص إليه. فلما سمعتها جعلته من شأني، فصَمدْت نحوه، فلمّا أمكنني حملتُ عليه فضربته ضربة أطنَّت قدَمه بنصف ساقه؛ فوالله ما شَبَّهتُها حين طاحت إلا النّواة تَطيح من تحت مِرْضَخةِ النّوى حين يُضرب بها.
قال: وضربني ابنُه عِكْرمة على عاتقي؛ فطرح يدي، فتعلقت بجلْدة من جنبي، وأجهضني القتال عنه؛ فلقد قاتلت عامَّة يومي، وإني لأسحبها خلْفِي؛ فلما آذتْني جعلت عليها رجلي، ثم تمَطَّيت بها، حتى طرحتُها.
قال: ثم عاش مُعاذ بعد ذلك، حتى كان في زمن عثمان بن عفان. قال: ثم مرّ بأبي جهل -وهو عقير- مُعَوّذ بن عفراء، فضربه حتى أثبتَه؛ فتركه وبه رمق؛
стр. 502
وقاتل معوّذ حتى قُتل، فمرّ عبد الله بن مسعود بأبي جهل حين أمر رسول الله ﷺ أن يُلتَمس في القتلى، وقد قال لهم رسول الله ﷺ فيما بلغني-: انظروا إنْ خفِيَ عليكم في القتلى إلى أثر جُرْح بركبتهِ؛ فإني ازدحمت أنا وهو يومًا على مأدُبة لعبد الله بن جُدعان؛ ونحن غلامان؛ وكنت أشفَّ منه بيسير؛ فدفعته، فوقع على ركبتيه، فجُحِشَ في إحداهما جَحْشًا لم يزل أثرُه فيه بعد. قال عبد الله بن مسعود: فوجدته بآخر رَمَق، فعرفته، فوضعت رجلي على عنقه. قال: وقد كان ضَبَثَ بي مرّة بمكة، فآذاني ولكزَني. ثم قلت: هل أخزاك الله يا عدوّ الله! قال: وبماذا أخزاني! أعْمَدُ من رجل قَتلتموه؟ ! أخبرني لمن الدَّبْرَة [اليوم] قال: قلت: لله ولرسوله (١). (٢: ٤٥٤/ ٤٥٥).
١٠١ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدثنا سَلمة، عن محمد بن إسحاق: وزعم رجال من بني مخزوم أنّ ابن مسعود، كان يقول: قال لي أبو جهل: لقد ارتقيتَ يا رُوَيعيَ الغنم مرتقىً صعبًا! ثم احتززتُ رأسه؛ ثم جئت به رسول الله ﷺ فقلت: يا رسولَ الله، هذا رأس عدوّ الله أبي جهل، قال: فقال رسول الله ﷺ : آللهِ الذي لا إله غيره! - وكانت يمينَ رسول الله ﷺ قال: قلتُ: نعم؛ والله الذي لا إله غيره، ثم ألقيتُ رأسه بين يدي رسول الله ﷺ . قال: فحمد الله (٢) [٢: ٤٥٥/ ٤٥٦].
стр. 503
١٠٢ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة عن محمّد بن إسحاق، قال: وحدّثني يزيد بن رُومان عن عُروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: لما أمرَ رسول الله ﷺ بالقتلى أن يُطرَحوا في القَلِيب طُرحوا فيه؛ إلّا ما كان من أميّة بن خلَف؛ فإنه انتفخ في دِرْعه حتى ملأها، فذهبوا ليحرّكوه، فتزايلَ لحمه فأقرّوه، وألقوا عليه ما غيَّبه من التراب والحجارة، فلما ألقاهم في القَلِيب، وقف رسول الله ﷺ عليهم، فقال: يا أهلَ القلِيب، هل وجدتم ما وَعَدَكم ربكم حقًّا! فإني وجدتُ ما وعدني ربي حقًّا. فقال له أصحابه: يا رسولَ الله، أتكلّم قومًا موتَى! قال: لقد علموا أن ما وعدتُهم حقّ، قالت عائشة: والناس يقولون: "لقد سمعوا ما قلت لهم"، وإنّما قال رسول الله ﷺ : "لقد علموا" (١). (٢: ٤٥٦).
стр. 504
١٠٢ / أ- حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق. قال: وحدّثني حُميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: سمع أصحابُ رسول الله ﷺ رسول الله ﷺ ، وهو يقول من جوف الليل: يا أهلَ القلِيب، يا عُتْبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، يا أمية بن خلَف، يا أبا جهل بن هشام - فعدَّدَ مَنْ كان معهم في القَلِيب - هل وجدتم ما وعدكُمْ ربّكم حقًّا؟ فإني قد وجدتُ ما وعدني ربِّي حقًّا! قال المسلمون: يا رسولَ الله؛ أتنادي قومًا قد جَيَّفوا! فقال: ما أنتم بأسمعَ لما أقول منهم؛ ولكنَّهم لا يستطيعون أن يجيبوني (١). (٢: ٤٥٦/ ٤٥٧).
١٠٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: وحدّثني عبد الرحمن بن الحارث وغيره من أصحابنا، عن سليمان بن موسى الأشدَق، عن مكحول، عَنْ أبي أمامة الباهليّ، قال: سألت عبادة بن الصّامت عن الأنفال، فقال: فينا معشرَ أصحاب بدر نزلتَ؛ حين اختلفنا في النَفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسوله، فقسَّمه رسول الله ﷺ بين المسلمين عن بَواء - يقول على السوَاء - فكان في ذلك تقوى الله، وطاعة رسوله، وصلاح ذات البين (٢). (٢: ٤٥٨).
стр. 505
١٠٤ - قال: ثمّ بعث رسول الله ﷺ عند الفتح عبدَ الله بن رواحة بشيرًا إلى أهل العالية بما فتح الله على رسوله ﷺ وعلى المسلمين، وبعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة.
قال أسامة بن زيد: فأتانا الخبر حين سوّينا التّراب على رقيَّة بنت رسولالله ﷺ التي كانت عند عثمان بن عفان، كان رسول الله ﷺ خلفني عليها مع عثمان.
قال: ثم قدم زيد بن حارثة فجئته وهو واقف بالمصلّى قَد غَشيهُ الناس وهو يقول: قُتِل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وزَمعة بن الأسود، وأبو البَختريّ بن هشام، وأميّة بن خَلف، ونبيه ومنبّه ابنا الحجاج. قال: قلت: يا أبهْ أحقٌّ هذا! قال: نعم والله يا بُنيَّ. ثم أقبل رسول الله ﷺ قافلًا إلى المدينة؛ فاحتمل معه النَّفَل الذي أصيب من المشركين، وجعل على النَّفَلِ عبد الله بن كعب بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن مازن بن النَّجار. ثم أقبلَ رسول الله ﷺ حتى إذا خرج من مضيق الصَّفْراء، نزل على كَثيِب بين المضيق وبين النازية -يقال له سَيَر- إلى سَرْحة به، فقسَّم هنالك النَّفَل الَّذي أفاء الله على المسلمين من المشركين على السَّواء، واستُقيَ له من ماء به يقال له الأرواق (١). (٢: ٤٥٨/ ٤٥٩).
١٠٥ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة قال: قال محمد بن إسحاق: كما حدّثني بعضُ أهل العلْم من أهل مكة؛ قال: ثم خرج رسول الله ﷺ ؛ حتى إذا كان بعرْق الظّبية، قتل عُقبْة بن أبي مُعَيط، فقال حين أمر به رسول الله ﷺ أن يُقتل: فمنْ للصبية يا محمد! قال: النار، قال: فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح
стр. 506
الأنصاريّ؛ ثم أحد بني عمرو بن عوف (١). (٢: ٤٥٩).
١٠٦ - قال: كما حدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمَّار بن ياسر، قال: ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى عِرْق الظبية حين قتل عُقبة لَقيَه أبو هند مولى فَرْوة بن عمرو البَيَاضيّ بحَميت مملوء حَيسًا، وكان قد تخلَّف عن بدر، ثم شهد المشاهد كلّها مع رسول الله ﷺ ، وكان حجَّام رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : إنما أبو هند امرؤٌ من الأنصار، فأنكحوه وأنكحوا إليه، ففعلوا. ثم مضَى رسول الله ﷺ حتى قدِم المدينة قبل الأسارى بيوم (٢). (٢: ٤٥٩/ ٤٦٠).
стр. 507
١٠٧ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، قال: فحدّثني الحسنُ بن عُمارة، عن الحكم بن عتيبة بن مقْسَم، عن ابن عبّاس، قال: كان الذي أسر العبَّاس أبو اليَسَر كعب بن عمرو أخو بني سلمة، وكان أبو اليَسَر رجلًا مجموعًا، وكان العبَّاس رجلًا جسيمًا، فقال رسول الله ﷺ لأبي اليَسَر: كيف أسرت العباس يا أبا اليَسَر؟ فقال: يا رسولَ الله؛ لقد أعانني عليه رجلٌ مارأيته قبلَ ذلك ولا بعده؛ هيئته كذا وكذا، قال رسول الله ﷺ : لقد أعانك عليه مَلك كريم (١). (٢: ٤٦٣).
١٥٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: قال محمّد بن إسحاق، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال للعبّاس بن عبد المطلب حين انتهى به إلى المدينة: يا عبَّاس، افد نفسَك وابني أخيك عَقيِل
стр. 508
ابن أبي طالب ونوفل بن الحارث، وحليفك عُتْبة بن عمرو بن جَحْدم، أخا بني الحارث بن فهر، فإنك ذو مال.
فقال: يا رسولَ الله؛ إنّي كنتُ مُسْلِمًا؛ ولكنّ القوم استكرهوني، فقال: الله أعلم بإسلامك؛ إن يكن ما تذكر حقًّا فالله يجزيك به، فأمَّا ظاهرُ أمرك فقد كان علينا، فافْدِ نفسَك - وكان رسول الله ﷺ قد أخذ منه عشرين أوقيَّة من ذهب - فقال العبَّاس: يا رسولَ الله، احسبها لي في فدائي، قال: لا؛ ذاك شيء أعطاناه الله منك، قال: فإنَّه ليس لي مال. قال: فأين المال الذي وضعتَه بمكة حيث خرجتَ من عند أم الفضل بنت الحارث، ليس معكما أحد. ثم قلتَ لها: إن أصبتُ في سفري هذا فللفضل كذا وكذا، ولعبد الله كذا وكذا، ولِقُثَم كذا وكذا، ولعبيد الله كذا وكذا! قال: والَّذي بعثَك بالحقّ ما علِمَ هذا أحد غيري وغيرها؛ وإني لأعلم أنك رسول الله، ففدَى العبَّاس نفسَه وابني أخيه وحليفَه (١). (٢: ٤٦٥/ ٤٦٦).
١٩٩ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلمَة، عن محمد بن إسحاق، قال: فحدّثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عبَّاد، عن عائشة زوْج النبيّ ﷺ ، قالت: لما بعث أهل مكة في فداء أُسَرَائهم، بعثت زينب بنت رسول الله ﷺ في فداء أبي العاص بن الربيع بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتْها بها على أبي العاص حين بَنَى عليها.
قالت: فلمَّا رآها رسول الله ﷺ رقّ لها رِقَّةً شديدةً، وقال: إن رأيتم أن
стр. 509
تُطْلِقُوا لها أسيرَها وتَرُدّوا عليها الذي لها فافعلوا! فقالوا: نعم يا رسول الله، فأطلَقُوه ورَدُّوا عليها الذي لها.
وكان رسول الله ﷺ قد أخذَ عليه -أو وَعَدَ رسول الله ﷺ أن يخلّيَ سبيلَ زينب إليه، أو كان فيما شَرَط عليه في إطلاقه؛ ولم يظهر ذلك منه ولا من رسول الله ﷺ ، فيعلم ما هو! إلّا أنَّه لما خرج أبو العاص إلى مكَّة وخُلِّيَ سبيلُه، بعث رسول الله ﷺ زيدَ بن حارثة ورجلًا من الأنصار مكانه، فقال: كونا ببطن يأجَج؛ حتى تمرَّ بكما زينب فتصحباها، حتى تأتياني بها، فخرجا مكانهما؛ وذلك بعد بدر بشهر أو شَيعه. فلما قدِم أبو العاص مكَّة أمرها باللحوق بأبيها؛ فخرجت تجهّز (١). (٢: ٤٦٨/ ٤٦٩).
١١٠ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال حدَّثنا سلمة بن الفضل، قال: قال محمّد بن إسحاق، حدّثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عُروة بن الزبير، قاله: جلس عُمَير بن وهب الجُمحيّ مع صفوان بن أميَّة بعد مصاب أهل بدر من قريش بيسير في الحِجر -وكان عُمير بن وهب شيطانًا من شياطين قريش، وكان ممن يؤذي رسول الله ﷺ وأصحابه، ويلْقَوْن منه عناء وهم بمكَّة، وكان ابنُه وهب بن عمير في أسارَى بَدْر- فذكر أصحاب القَليب ومصابهم، فقال صفوان: والله إنْ في العيش خير بعدهم، فقال عُمَير: صدقت والله! أما والله لولا دين عليّ ليس له عندي قضاء وعيالٌ أخْشى عليهم الضَّيعة بعدي، لركبت إلى محمَّد حتى أقتله، فإنَّ لي قِبَلهم علَّةً، ابني أسيرٌ في أيديهم.
فاغتنمها صفوان بن أمية، فقال: عليَّ دينُك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع
стр. 510
عيالي أواسيهم ما بقُوا، لا يَسعُني شيء ويعجز عنهم، قال عمير: فاكتُم عليّ شأني وشأنك: قال: أفعل.
قال: ثمّ إنّ عميرًا أَمر بسيفه فشُحِذ له وسُمّ، ثم انطلق حتى قدِم المدينة، فبينا عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين في المسجد يتحدّثون عن يوم بدر، ويذكرون ما أكرمهم الله به، وما أراهم في عَدُوّهم؛ إذ نظر عمر إلى عُمير بن وهب حين أناخ بعيره على باب المسجد، متوشِّحًا السيف، فقال: هذا الكلب عدُوّ الله عمير بن وهب، ما جاء إلا لشَرّ! وهو الذي حرّش بيننا، وَحَزَرَنا للقوم يوم بدر. ثمَّ دخل عمر على رسول الله ﷺ ، فقال: يا نبيّ الله، هذا عدوُّ الله عُمير بن وهب قد جاء متوشّحًا سيفه، قال: فأدْخِله عليَّ.
قال: فأقبل عُمَر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه، فلبّبه بها، وقال لرجال ممَّن كان معه من الأنصار: ادخُلوا على رسول الله ﷺ : فاجلسوا عنده، واحذروا هذا الخبيث عليه، فإنه غير مأمون. ثم دخل به على رسول الله. ﷺ
فلمّا رآه رسول الله ﷺ وعمر آخذ بحمالة سيفه، قال: أرسلْه يا عمر، ادْنُ يا عمير، فدَنا ثم قال: أنعِمُوا صبَاحًا - وكانت تحيّة أهل الجاهليّة بينهم - فقال رسول الله ﷺ : قد أكرمنا الله بتحجَّة خير من تحيَّتك يا عمير؛ بالسَّلام تحيَّة أهل الجنّة، قال: أما والله يا محمد إن كنْت لحديث عَهد بها. قال: ما جاء بك يا عُمير؟ قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم، فأحسنوا فيه. قال: فما بالُ السَّيف في عنقك! قال: قَبحها الله من سيوف! وهل أغنت شيئًا! قال: اصدُقْني بالذي جئتَ له، قال: ما جئت إلّا لذلك، فقال: بلى، قعدتَ أنت وصفوان بن أمية في الحِجْر، فذكرتما أصحاب القَلِيب من قريش، ثم قلت: لولا دَين عليّ وعيالي لخرجتُ حتى أقتُلَ محمدًا، فتحمَّل لك صفوان بدينِك وعيالك، على أن تقتلني له. والله حائل بيني وبينك. فقال عمير: أشهدُ أنك رسول الله؛ قد كنَّا يا رسولَ الله نكذّبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي؛ وهذا أمرٌ لم يَحضره إلّا أنا وصفوان؛ فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله؛ فالحمد لله الَّذِي هداني للإسلام، وساقني هذا المساق، ثم تشهّدَ شهادة الحقّ؛ فقال رسول الله ﷺ : فَقِّهُوا أخاكم في دينه، وأقرئوه وعَلَّموه القرآن، وأطلقوا له أسيرَه.
стр. 511
قال: فَفَعَلُوا، ثم قال: يا رسول الله، إني كنت جَاهِدًا في إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله؛ وإنّي أحبّ أن تأذن لي فأقدَم مكَّة فأدعُوهم إلى الله وإلى الإسلام؛ لعلّ الله أن يهديَهم! وإلا آذيتُهم في دينهم كما كنتُ أوذِي أصحابك في دينهم.
قال: فأذن له رسول الله ﷺ ، فلحق بمكَّة، وكان صفوان حين خرج عمير بن وهب يقول لقريش: أبشروا بوقْعَةٍ تأتيكم الآن في أيام تنْسيكم وقعة بدر، وكان صفوان يسأل عنه الركبان، حتى قَدِم راكب فأخبره بإسلامه، فحلف ألّا يكلّمه أبدًا ولا ينفعه بنفعٍ أبدًا. فلما قدم عُمير مكَّة أقام بها يدعو إلى الإسلام، ويؤذي مَنْ خالفه أذىً شديدًا فأسلم على يديه أناس كثير (١). (٢: ٤٧٢/ ٤٧٣ / ٤٧٤).
١١١ - فلما انقضى أمرُ بدر، أنزل الله فيه من القرآن الأنفَال بأسْرِها. حدَّثنا أحمدُ بن منصور، قال: حدَّثنا عاصم بن عليّ، قال: حدَّثنا عِكْرمة بن عمار، قال: حدَّثنا أبو زُمَيل، قال: حدّثني عبد الله بن عباس؛ حدّثني عُمر بن الخطاب، قال: لمَّا كان يوم بدر التقوْا، فهزم الله المشركين، فقتِل منهم سبعون رجلًا، وأسِرَ سبعون رجلًا، فلمَّا كان يومئذ شاوَرَ رسول الله ﷺ أبا بكر وعليًّا وعمر، فقال أبو بكر: يا نَبِيَّ الله، هؤلاء بنو العمّ والعشيرة والإخوان؛ فإني أرَى أن تأخذ منهم الفِدْيَة؛ فيكون ما أخذنا منهم قوّة، وعسى الله أن يهديَهم،
стр. 512
فيكونوا لنا عَضُدًا، فقال رسول الله ﷺ : ما ترى يا بن الخطاب؟ قال: قلتُ: لا والله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكِّنني من فلان فأضربَ عنقه، وتمكِّن حمزة من أخ له فيضرب عنقه، وتمكِّن عليًّا من عَقِيل فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هَوَادَة للكفَّار؛ هؤلاء صناديدهم وقادتهم وأئمّتهم.
قال: فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهوَ ما قلت أنا، فأخذ منهم الفِداء، فلمَّا كان الغدُ قال عمر: غدوتُ إلى النبيّ ﷺ وهو قاعِدٌ وأبو بكر، وإذا هما يبكيان، قال: قلت: يا رسول الله أخْبِرْني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدتُ بكاءً بكيتُ، وإن لم أجِدْ تباكيتُ لبُكائكما. فقال رسول الله ﷺ : للَّذِي عرض عليّ أصحابُك من الفداء. لقد عُرِض عليّ عذابُكم أدْنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة - وأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؛ ثم أحلّ لهم الغنائم.
فلمَّا كان من العام القابل في أحُد عُوقِبُوا بما صنعوا، قُتِل من أصحاب رسول الله ﷺ سبعون، وأسر سبعون، وكسرت رباعِيّتُهُ وهُشِمَتِ البَيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، وفرَّ أصحابُ النبيّ ﷺ ، وصعدوا الجبل، فأنزل الله هذه الآية: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾، ونزلت هذه الآية الأخرى:
﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً﴾ (١). (٢/ ٤٧٤ / ٤٧٥).
قال: وفي غزوة بدر انتفَل رسول الله ﷺ سيفه ذا الفَقَار، وكان لمُنَبّه بن الحجاج (٢). (٢/ ٤٧٨).
стр. 513
قال أبو جعفر: ومات في هذه السنة -أعني سنة اثنتين من الهجرة- في ذي الحجَّة عثمان بن مظعون، فدفنَه رسول الله ﷺ بالبقيع، وجعل عند رأسه حَجَرًا علامة لقبره (١). (٤٨٥: ٢).
١١٢ - قال أبو جعفر: وأما الواقديّ، فإنّه زعم أنّ ابن أبي سَبْرة حدّثه عن إسحاق بن عبد الله عن أبي جعفر، أن عليّ بن أبي طالب ﵇ بنَى بفاطمة ﵍ في ذي الحجَّة، على رأس اثنين وعشرين شهرًا.
قال أبو جعفر: فإن كانت هذه الرواية صحيحة فالقول الأول باطل (٢).
(٢: ٨٦/ ٤٨٥).
ثم دخلت السنة الثالثة من الهجرة خبر كعب بن الأشرف
١١٣ - كما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن المغيث بن أبي بُرْدة بن أسير الظَّفْرِيّ، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعاصم بن عمر بن قتادة، وصالح بن أبي أمامة بن سهل، قال: كلٌّ قد حدثني بعض حديثه، قال: قال كعب بن الأشرف - وكان رجلًا من طيء، ثم أحد بني نَبْهان، وكانت أمّه من بني النَّضير، فقال حين بلغه الخبر: ويلكم أحَقٌّ هذا! أتروْن أنّ محمدًا قتل هؤلاء الَّذين يسمِّي هذان الرجلان -
стр. 514
يعني زيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة؟ وهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس. والله لئن كان محمَّد أصاب هؤلاء القوم لبَطنُ الأرضِ خيرٌ لنا من ظهرها.
فلما تيقَّن عدوُّ الله الخبر، خرج حتَّى قدم مكَّة، فنزل على المطَّلب بن أبي وَدَاعة بن ضُبَيرة السَّهمي، وعنده عاتكة بنت أسَيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس، فأنزلَتْه وأكرمتْه، وجعل يحَرّض على رسول الله ﷺ ، وينشد الأشعار، ويبكي على أصحاب القَليب الذين أصيبوا ببدر من قريش. ثم رجع كعب بن الأشرف إلى المدينة، فشبَّبَ بأم الفضل بنت الحارث، فقال:
أَرَاحِلٌ أنْتَ لم تَحْلُل بمَنقَبةٍ ... وتاركٌ أنت أُمَّ الفضل بالحَرَمِ!
صفْرَاءُ رادعةٌ لو تُعْصَرُ انْعَصرت ... منْ ذي القوارير والحنَّاء والكَتم
يرْتَجُّ ما بين كعبيها ومرْفقها ... إذا تأتّتْ قيامًا ثم لم تَقُم
أشباهُ أُمَّ حكيمٍ إذْ تُوَاصِلُنا ... والحبْلُ منها مَتين غيرُ مُنْجَذمِ
إحْدَى بنِي عامرٍ جُنَّ الفُؤادُ بها ... ولو تَشاء شَفتْ كعبًا من الشَّقمِ
فرعُ النَّساءِ وفرعُ القومِ والدُها ... أهلُ التَّحِلَّةِ والإيفاءِ بالذِّمَم
لم أرَ شمسًا بليلٍ قبلها طَلَعتْ ... حتى تجَلّتْ لنا في ليلةِ الظُّلَم
ثم شَبَّبَ بنساء من نساء المسلمين حتى آذاهم؛ فقال النبيّ ﷺ كما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن المغيث بن أبي بُرْدة: مَنْ لي من ابن الأشرف! قال: فقال محمد بن مسلمة، أخو بني عبد الأشهل: أنا لك به يا رَسولَ الله، أنا أقتله. قال: فافْعَل إن قَدَرْت على ذلك، فرجع محمَّد بن مسلمة، فمكث ثلاثًا لا يأكل ولا يشرب. إلّا ما يعلّقُ [به] نفسه، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فدعاه فقال له: لِمَ تركتَ الطعام والشراب؟ قال: يا رسول الله، قلت قولًا لا أدري أفِي به أم لا! قال: إنما عليك الجَهْد، قال: يا رسول الله، إنه لابُدَّ لنا من أن نقول. قال: قولوا ما بدا لكم، فأنتم في حلّ من ذلك!
قال: فاجتمع في قتله محمَّد بن مسلمة وسِلْكَان بن سلامة بن وَقْش - وهو أبو نائلة أحدُ بني عبد الأشهل، وكان أخا كعب من الرّضاعة - وعَبَّادُ بن بشر بن وقْش، أحد بني عبد الأشْهَل، والحارث بن أوس بن مُعاذ، أحد بني عبد الأشهل، وأبو عَبْس بن جَبْر، أخو بني حارثة. ثم قَدَّموا إلى ابن الأشرف قبل أن
стр. 515
يأتوه سِلْكان بن سلامة أبا نائلة، فجاءه فتحدَّث معه ساعة، وتناشدا شعرًا -وكان أبو نائلة يقول الشعر- ثم قال: ويحك يا بن الأشرف! إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك، فاكتُم عليّ، قال: أفعل، قال: كان قدوم هذا الرّجل بلاءً [علينا] عادَتْنا العرب ورَموْنا عن قوسٍ واحدة، وقطعَتْ عنا السُّبُلُ حتى ضاع العِيَال، وجُهِدَتِ الأنفس، وأصبحنا قد جُهدنا وجُهد عيالُنا! فقال كعب: أنا ابن الأشرف، أما والله لقد كنتُ أخبرتك يا بنَ سلامة أنّ الأمْرَ سيصير إلى ما كنت أقول، فقال سلْكان: إني قد أردت أن تبيعنا طعامًا ونَرْهَنك ونُوثق ذلك، وتُحْسن في ذلك. قال: ترهنوني أبناءكم! فقال: لقد أردت أن تفضَحنَا! إن معي أصحابًا لي على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيَك بهم فتبيعهم، وتحسن في ذلك، ونرهنك من الحَلْقَةِ ما فيه لك وفاء - وأراد سِلْكان ألّا ينكر السلاح إذا جاؤوا بها - فقال: إنّ في الحلقة لوفاء، قال: فرجع سِلْكان إلى أصحابه، فأخبرهم خبَره، وأمرهم أن يأخذوا السلاح فينطلقوا فيجتمعوا إليه، فاجتمعوا عند رسول الله ﷺ (١) (٢: ٤٨٧/ ٤٨٨ / ٤٨٩).
١١٣ / أ - حدَّثنا عليُّ بن عبد الله حدَّثنا سفيانُ قال عمروٌ: سمعتُ جابرَ بن عبد الله ﵄ يقول: "قال رسول الله ﷺ : منْ لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله. فقام محمدُ بن مَسْلمة فقال: يا رسول الله، أتحِبُّ أنْ أقتُلَه؟ قال: نعم. قال: فائْذَنْ لي أن أقولَ شيئًا. قال: قل: فأتاهُ محمدُ بن مسلمةَ فقال: إنَّ هذا الرجلَ قد سألنا صدَقةً، وإنه قد عَنّانا، وإني قد أتيتُك أستسلِفُك قال: وأيضًا والله لتملنَّه. قال: إنا قد اتبَعْناهُ، فلا نحِبُّ أن نَدَعَهُ حتى ننظرَ إلى أيِّ شيءٍ يصيرُ شأنه، وقد أردْنا أن تُسلِفَنا وَسْقًا أو وَسْقَين - وحدَّثنا عمرو غيرَ مرة فلم يذكر "وسقًا أو وَسقين" أو فقلت له: فيه "وسقًا أو وسقين"؟ فقال: أرى فيه "وسقًا أو وسقين"- فقال: نعم. ارهَنُوني. قالوا: أيُّ شيء تريد؟ قال: ارْهَنُوني نساءَكم. قالوا: كيف نَرهَنُكَ نساءنا وأنتَ أجملُ العرب؟ قال: فارهنوني أبناءكم. قالوا: كيف نَرْهَنُكَ أبناءنا فيُسَبُّ أحُدهم فيقال: رُهِنَ بوَسْق أو وسقَين، هذا عارٌ علينا، ولكنّا نرهَنكَ اللأمَةَ. قال سفيان: يعني السلاحَ. فواعَدَهَ أن
стр. 516
يأتيه، فجاءهُ ليلًا ومعه أبو نائلةً - وهو أخو كعب من الرَّضاعة - فدَعاهم إلى الحِصْنِ، فَنزَلَ إليهم. فقالت له امرأتهُ: أينَ تخرُج هذه الساعة؟ فقال: إنما هو محمدُ بن مَسْلمةَ وأخي أبو نائلة. وقال غيرُ عمروٍ: قالت أسمعُ صوتًا كأنهُ يَقْطُرُ منه الدَّمُ. قال: إنما هو أخي محمدُ بن مَسلمة ورضيعي أبو نائلة. إن الكريمَ لو دُعِي إِلى طَعْنةٍ بليلٍ لأجاب. قال: ويُدْخِلُ محمدُ بن مَسلمةَ معهُ رجلَين - قيل لسفيان: سماهم عمروٌ؟ قال: سَمى بعضَهم. قال عمروٌ: جاء معه برجلَين، وقال غيرُ عمرو: أبو عَبسِ بن جَبر والحارثُ بن أولسٍ وعبّاد بن بشر- قال عمرو جاء معه برجلين فقال: إذا ما جاء فإني قائلٌ بشَعَرِه فأَشُمُّه، فإذا رأيتموني استمكَنْتُ مِنْ رِأسِه فدونكم فاضربوه. وقال مرَّةً: ثم أُشِمُّكم. فنزَلَ إليهم مُتوشِّحًا وهو يَنْفحُ منه رِيحُ الطِّيبِ فقال: ما رأيتُ كاليوم ريحًا -أي أطيبَ- وقال غيرُ عمرو: قال عندي أعْطرُ نساءِ العرب وأكملُ العرب. قال عمرو فقال: أتأذنُ لي أَنْ أَشُمَّ رأسَك؟ قال: نعم. فَشَمَّهُ، ثم أشَمَّ أصحابَه ثم قال: أتأذنُ لي؟ قال: نعم. فلما اسْتَمْكَنَ منهُ قال: دُونكم. فقَتلوه. ثُمَّ أتَوُا النبيَّ ﷺ فأخبروه" (١).
١١٤ - حدَّثنا ابنُ حميد قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمَّد بن إسحاق قال: فحدّثني ثَوْر بن زيد الدّيليّ، عن عِكْرمة مولى ابن عبّاس، عن ابن عباس، قال: مشى معهم رسول الله ﷺ إلى بقيع الغَرْقَد، ثم وجَّههم وقال: انطلقوا على اسم الله، اللَّهمَّ أعِنْهم. ثم رجع رسول الله ﷺ إلى بيته في ليلة مُقْمِرة، فأقبلوا حتى انتهوْا إلى حصنه، فهَتَفَ به أبو نائلة -وكان حديثَ عهد بعُرْس- فوثب في مِلْحَفتِهِ؛ فأخذت امرأته بناحيتها، وقالت: إنك امرؤ مُحاربٌ؛ وإنّ صاحبَ الحرب لا ينزِل في مثل هذه الساعة. قال: إنه أبو نائلة" لو وجدني نائمًا لما أيقظنِي، قالت: والله إني لأعرِف في صوته السرّ. قال: يقول لها كعب: لو دُعِيَ الفتى لطعنة أجاب، فنزل فتحدَّث معهم ساعة، وتحدّثوا معه، ثم قالوا له: هل لك يا بن الأشرف، أن نتماشى إلى شِعْب العجوز فنتحدّث به بقية ليلتنا هذه! قال: إنْ شئتم! فخرجوا يتماشوْن، فمشوْا ساعة. ثم إنّ أبا نائلة شام يدَه في فَوْدِ
стр. 517
رأسه، ثم شمّ يدَه، فقال: ما رأيتُ كاللَّيلة طيبًا أعطَرَ قطّ. ثم مَشى ساعة ثم عاد لمثلها، حتى اطمأنّ ثمّ مشى ساعة، فعاد لمثلها، فأخذ بفودَي رأسه، ثم قال: اضربوا عدوّ الله؛ فاختلَفتْ عليه أسيافهم، فلم تُغْنِ شيئًا. قال محمَّد بن مسلمة: فذكرت مغْوَلًا في سيفي حين رأيتُ أسيافنا لا تغني شيئًا، فأخذته، ؤقد صاح عدوُّ الله صيحة لم يبق حولَنا حِصنٌ إلّا أوقدت عليه نار. قال: فوضعته في ثُنْدوته، ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانَتَه، ووقع عدوُّ الله، وقد أصيب الحارث بن أوْس بن معاذ بجُرْح في رأسه أو رجله، أصابه بعضُ أسيافنا. قال: فخرجنا حتى سلكْنا علي بني أميَّة بن زيد، ثم علي بني قرَيظة، ثم على بُعاث حتى أسْنَدْنا في حرّة العُرَيض، وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث بن أوس ونزَفه الدّمُ، فوقفْنَا له ساعة، ثم أتانا يتبع آثارنا. قال: فاحتملناه فجئنا به رسول الله ﷺ آخر الليل وهو قائم يصلّي، فسلَّمنَا عليه، فخرج إلينا، فأخبرناه بقتل عدوّ الله، وتفل على جُرْح صاحبنا، ورجعنا إلى أهلنا، فأصبحنا وقد خافت يهود بوقعتنا بعدوِّ الله، فليس بها يهوديّ إلّا وهو يخاف على نفسه (١). (٢: ٤٩٠/ ٤٩١).
стр. 518
مقتل أبي رافع اليهوديّ
١١٥ - قال أبو جعفر: وفي هذه السَّنة كان مقتل أبي رافع اليهوديّ - فيما قيل - وكان سبب قتله، أنَّه كان - فيما ذُكِر عنه - يُظاهر كعبَ بن الأشرف على رأس رسول الله ﷺ ، فوجَّه إليه - فيما ذُكِر- رسول الله ﷺ في النصف من جمادى الآخرة من هذه السنة عبد الله بن عَتِيك. فحدّثنا هارون بن إسحاق الهمْدانيّ، قال: حدثنا مصعب بن المقدام، قال: حدّثني إسرائيل، قال: حدَّثنا أبو إسحاق، عن البَراء، قال: بعث رسول الله ﷺ إلى أبي رافع اليهوديّ -وكان بأرض الحجاز- رجالًا من الأنصار، وأمَّر عليهم عبد الله بن عقبة -أو عبد الله بن عتيك- وكان أبو رافع يؤذِي رسول الله ﷺ ويبغي عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز، فلما دَنَوْا منه وقد غربت الشمس، وراحَ النَّاس بسَرْحهم، قال لهم عبد الله بن عقبة -أو عبد الله بن عَتِيك: اجلسوا مكانكم، فإني أنطلق وأتلطَّف للبوّاب، لعلّي أدخل! قال: فأقبل حتَّى إذا دنا من الباب، تقنّع بثوبه، كأنه يقضي حاجة، وقد دخل النَّاس، فهتف به البوّاب: يا عبد الله، إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريدُ أن أغلق الباب. قال: فدخلت فكمَنْتُ تحت آرِيّ حمار؛ فلمّا دخل النَّاس أغلق الباب ثم عَلَّقَ الأقاليد على وَدّ. قال: فقمت إلى الأقاليد فأخذتها، ففتحت الباب، وكان أبو رافعِ يسْمرُ عنده في علاليّ؛ فلما ذهب عنه أهل سَمَره، فصعدتُ إليه فجعلت كلَّما فتحت بابا أغلقته عَليّ مِنْ داخل. قلت: إن القوم نَذِروا بي لم يخلصوا إليّ حتى أقتله. قال: فانتهيتُ إليه؛ فإذا هو في بيت مظلم وسْط عياله؛ لا أدري أين هو من البيت! قلت: أبا رافع!
стр. 519
قال: مَنْ هذا؟ قال: فأهوْيتُ نحو الصوت، فأضربهُ ضربة بالسيف، وأنا دَهِش فما أغنيت شيئًا وصاح؛ فخرجت من البيت ومكث غير بعيد. ثم دخلت إليه، فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ قال: لأمّك الويل! إنّ رجلًا في البيت ضربني قبل بالسيف، قال: فأضربه فأثخنه ولم أقتله. قال: ثم وضعتُ ضبيب السَّيف في بطنه، حتى أخرجته من ظهره، فعرفت أني قد قتلته، فجعلت أفتح الأبواب بابا فبابًا، حتى انتهيت إلى درجة؛ فوضعت رجلي، وأنا أرى أني انتهيت إلى الأرض، فوقدت في ليلة مقمرة؛ فانكسرتْ ساقي، قال: فعصَّبتها بعمامتي، ثم إني انطلقتُ حتى جلست عند الباب، فقلت: والله لا أبرح الليلة حتى أعلَم: أقتلته أم لا؟ قال: فلما صاح الدّيك، قام الناعي عليه على السُّور، فقال: أنْعي أبا رافع ربَّاح أهل الحجاز! قال: فانطلقت إلى أصحابي، فقلت: النَّجاء! قد قتل الله أبا رافع، فانتهيت إلى النبيّ ﷺ فحدّثته فقال: ابسُط رجلك، فبسطتها فمسحها فكأنما لم أشتكها قطُّ (١). (٢: ٤٩٣/ ٤٩٤).
وفيها كانت غزوة رسول الله ﷺ أحُدًا؛ وكانت في شوّال يوم السبت لسبع ليالٍ خلوْن منه -فيما قيل- من سنة ثلاث من الهجرة.
* * *
غزوة أُحد
١١٦ - قال أبو جعفر: وكان الَّذي هاج غزوة أحُد بين رسول الله ﷺ ومشركي قريش وقْعة بدر وقتل مَنْ قُتل ببدْر من أشراف قريش ورؤسائهم؛ فحدّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، قال: وحدّثني محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزُّهريّ، ومحمد بن يحيى بن حَبَّان، وعاصم بن عمر بن قَتادة، والحُصَين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن مُعاذ وغيرُهم من علمائنا؛ كلّهم قد حدّث ببعض هذا الحديث عن يوم أحُد، وقد اجتمع حديثهم كلّهم فيما سُقْتُ من الحديث عن يوم أحُد، قالوا:
لما أصيبتْ قريش -أو من قاله منهم- يوم بدر من كفار قريش من أصحاب القَلِيب، فرجع فَلُّهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بن حرب بعِيره، مشى عبد الله بن أبي ربيعة، وعِكْرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أميَّة، في رجال من قريش ممّن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر؛ فكلَّموا أبا سفيان بن حرب ومَنْ كانت له في تلك العِير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشرَ قريش، إنّ محمَّدًا قد وَتَرَكم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حَرْبه، لعلَّنا أن ندرك منه ثأرًا بمن أصيب منَّا، ففعلوا، فاجتمعت قريش لحرب رسول الله ﷺ حين فعل ذلك
стр. 522
أبو سفيان وأصحاب العِير بأحابيشها ومن أطاعها من قبائل كِنانة وأهل تهامة؛ وكلّ أولئك قد استَعووْا على حرب رسول الله.
وكان أبو عَزَّة عمرو بن عبد الله ﷺ قد منّ عليه رسول الله ﷺ يوم بدر.
وكان فقيرًا ذا بنات، وكان في الأسارى، فقال: يا رسولَ الله، إني فقير ذو عيال وحاجة قد عرفتها، فامنن عليّ صلَّى الله عليك! فمنّ عليه رسول الله ﷺ ، فقال صَفوان بن أميَّة: يا أبا عزّة، إنك امرؤٌ شاعرٌ، فأعنَّا بلسانك، فاخرج معنا. فقال: إنّ محمدًا قد منَّ عليَّ فلا أريد أن أظاهِرَ عليه، فقال: بلَى فأعنَّا بنفسك، فلك الله إن رجعتَ أن أغنيَك، وإن أصِبْتَ أن أجعل بناتِك مع بناتي يصيبهنّ ما أصابهنّ من عسر ويسر. فخرج أبو عزّة يسير في تهامة، ويدعو بني كنانة. وخرج مسافع بن عبد مناف بن وهب بن حُذافة بن جُمح؛ إلى بني مالك بن كنانة يحرّضهم ويدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ ، ودعا جبير بن مُطْعِم غُلامًا له يقال له وحشيّ، كان حبشيًّا يقذف بحربة له قَذْف الحَبشة، قلَّما يُخْطئ بها، فقال له: اخرج مع النَّاس، فإن أنت قتلت عمّ محمد بعمي طُعَيمة بن عديٍّ فأنت عَتيقٌ.
فخرجت قريش بحدّها وجَدّها وأحابيشها، ومَن معها من بني كِنانة وأهل تِهامة، وخرجوا معهم بالظُّعُن التماس الحفيظة؛ ولئلّا يفرّوا. فخرج أبو سفيان بن حرب -هو قائد النَّاس، معه هند بنت عُتبة بن ربيعة- وخرج عِكْرمة بن أبي جهل بن هشام بن المغيرة بأم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة، وخرج الحارث بن هشام بن المغيرة بفاطمة بنت الوليد بن المغيرة، وخرج صفوان بن أميَّة بن خلف بِبرْزَةَ - قال أبو جعفر: وقيل ببرَّة - بنت مسعود بن عمرو بن عمير الثَّقفيّة؛ وهي أمَّ عبد الله بن صفوان - وخرج عمرو بن العاص بن وائل بريطة بنت منبّه بن الحجَّاج، وهي أمّ عبد الله بن عمرو بن العاص، وخرج طلحة بن أبي طلحة، وأبو طلحة عبد الله بن عبد العزَّى بن عثمان بن عبد الدّار بسُلافة بنت سعد بن شهيد - وهي أمّ بني طلحة مُسافع والجُلاس وكلاب؛ قتلوا يومئذ وأبوهم - وخرجت خناس بنت مالك بن المضرَّب إحدى نساء بني مالك بن حِسْل، مع ابنها أبي عزيز بن عمير؛ وهي أمّ مُصْعَب بن عمير، وخرجت عَمْرة بنت علقمة إحدى نساء بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة؛ وكانت هند بنت عُتْبة بن ربيعة كُلَّمَا مَرَّتْ بوحشيّ أو مَرَّ بها قالت: إيه أبا دَسْمَة! اشْف واشْتَف - وكان وحشيّ
стр. 523
يكنى أبا دَسْمة - فأقبلوا حتى نزلوا بعَينين بجبل ببطن السَّبْخَة؛ من قناة على شفير الوادي ممَّا يلِي المدينة.
فلمَّا سمع بهم رسول الله ﷺ والمسلمون قد نزلوا حيث نزلوا قال رسول الله ﷺ للمسلمين: إني قد رأيت بقرًا فأوّلتها خيرًا، ورأيت في ذُباب سيفي ثَلْمًا، ورأيت أنِّي أدخلت يدي في درع حَصِينَة فأوّلتها المدينة؛ فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا؛ فإن أقاموا أقاموا بشرّ مقام؛ وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها. ونزلت قريش منزلَها من أُحُد يوم الأربعاء. فأقاموا به ذلك اليوم ويوم الخميس ويوم الجمعة. وراح رسول الله ﷺ حين صلَّى الجمعة، فأصبح بالشِّعب من أحُد. فالتقوْا يومَ السّبت للنّصف من شوّال، وكان رأي عبد الله بن أبيّ بن سَلول مع رأي رسول الله ﷺ ، يرى رأي رسول الله ﷺ في ذلك: ألّا يخرج إليهم؛ وكان رسول الله ﷺ يكره الخروجَ من المدينة، فقال رجال من المسلمين ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحُد وغيرهم ممَّن كان فاته بدر وحضوره: يا رسول الله، اخرج بنا إلى أعدائنا، لا يروْن أنَّا جَبُنَّا عنهم وضَعُفْنا، فقال عبدُ الله بن أبي ابن سَلُول: يا رسولَ الله، أقمْ بالمدينة ولا تخرجْ إليهمْ؛ فوالله ما خرجنا منها إلى عَدوٍّ لنا قطّ إلّا أصاب منَّا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فَدعْهم يا رسولَ الله؛ فإن أقاموا أقاموا بشرّ مجلس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم. ورماهم النِّساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا. فلم يزل الناس برسول الله ﷺ الذين كان من أمرهم حُبُّ لقاء القوم؛ حتى دخل رسول الله ﷺ ، فلبِس لأمته؛ وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة، وقد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار يقال له مالك بن عمرو، أحد بني النَّجار، فصلَّى عليه رسول الله ﷺ ؛ ثم خرج عليهم وقد ندم الناس، وقالوا: استكرَهْنا رسول الله ﷺ ولم يكن ذلك لنا.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: قال: قالوا: لما خرج عليهم رسول الله ﷺ قالوا: يا رسولَ الله؛ استكرهناك ولم يكن ذلك لنا، فإنْ شئت فاقعُد صلى الله عليك! فقال رسول الله ﷺ : ما ينبغي لنبيّ إذا لبس لأمَتَه أن يضَعها حتى يقاتل؛ فخرج رسول الله في ألف رجل من أصحابه؛ حتى إذا كانوا بالشَّوط بين أُحد والمدينة انخزل عنه وعبد الله بن أبيّ بن سلول بثلث الناس،
стр. 524
فقال: أطاعهم فخرج وعصاني؛ والله ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس! فرجع بمن اتَّبعه من الناس من قومه من أهل النِّفاق وأهل الرَّيب، واتَّبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، أخو بني سلمة، يقول: يا قوم أذكّرُكم الله أن لا تخذلوا نبيَّكم وقومكم عند ماحضر من عدوّهم! قالوا: لو نعلم أنَّكم تقاتلون ما أسلمناكم؛ ولكنَّا لا نرى أن يكون قتال، فلما استعصوْا عليه، وأبَوْا إلّا الانصراف عنه. قال: أبعدكم الله أعداء الله! فسيغني الله عنكم! .
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: قال: ومضى رسول الله ﷺ حتى سلك في حَرّة بني حارثة، فَذبّ فرسٌ بذنبه، فأصاب كلّاب سيف، فاستلَّه، فقال رسول الله ﷺ وكان يُحبُّ الفأل ولا يعتاف - لصاحب السيف: شِمْ سيفَك، فإني أرى السيوف ستُسَلُّ اليوم. ثمّ قال رسول الله ﷺ لأصحابه: مَنْ رجُلٌ يخرج بنا على القوم من كثَبٍ، من طريق لا يمُرُّ بنا عليهم؟ فقال أبو حثمة أخو بني حارثة بن الحارث: أنا يا رسول الله، فقدّمه فنفذ به في حَرّة بني حارثة وبين أموالهم حتى سلَك به في مال المِرْبع بن قيظيّ -وكان رجلًا منافقًا ضرير البصر- فلمّا سمع حسن رسول الله ﷺ ومن معه من المسلمين، قام يَحْثِي في وجوههم التراب، ويقول: إن كنت رسول الله؛ فإني لا أحلُّ لك أن تدخل حائطي؛ قال: وقد ذكر لي أنه أخذ حَفنة من تراب في يده، ثم قال: لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك. فابتدره القوم ليقتلوه، فقال رسول الله ﷺ : لا تفعلوا؛ فهذا الأعمى البصر، الأعمى القلب. وقد بَدَر إليه سعد بن زيد أخو بني عبد الأشهل حين نهى رسول الله ﷺ عنه، فضربه بالقوس في رأسه فشجَّه، ومضى رسول الله ﷺ على وجهه؛ حتى نزل الشِّعب من أُحد في عُدْوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أُحد، وقال: لا يقاتلنّ أحدٌ حتى نأمره بالقتال؛ وقد سَرّحت قريش الظّهْر والكُراع في زروع كانت بالصَّمْغة من قناة للمسلمين. فقال رجل من المسلمين حينَ نهى رسول الله ﷺ عن القتال: أتُرعَى زروع بني قيلة ولمَّا نُضارب! وتعبَّأ رسول الله ﷺ للقتال وهو في سبعمئة رجل، وتعبَّأت قريش وهم ثلاثة آلاف رجل؛ ومعه مئتا فرس قد جَنَبُوها، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى ميسرتها عِكْرمة بن أبي جهل، وأمَّرَ رسول الله ﷺ على الرُّماة عبد الله بن جُبَير، أخا بني عمرو بن عوف وهو يومئذ
стр. 525
معلَمٌ بثياب بيض، والرماة خمسون رجلًا، وقال: انضح عنا الخيل بالنَّبل لا يأتونا من خلْفنا إن كانت لنا أو علينا؛ فاثبت مكانك لا نؤْتيَنَّ من قِبَلك، وظاهر رسول الله ﷺ بين دِرْعين (١). (٢: ٤٩٩/ ٥٠٠ / ٥٠١/ ٥٠٢ وتكملته ٥٠٤ / وتكملته ٥٠٦/ ٥٠٧).
١١٧ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: كانت أم سَمُرة بن جندَب تحت مُرَيّ بن سِنَان بن ثعلبة، عمّ أبي سعيد الخُدريّ، فكان ربيبَه، فلمّا خرج رسول الله ﷺ إلى أُحد، وعرض أصحابه، فردّ من استصغر ردّ سَمُرة بن جندب، وأجاز رافع بن خديج، فقال سَمُرة بن جندب لربيبه مُرَيّ بن سنان: يا أبتِ، أجاز رسول الله ﷺ رافع بن خديج؛ وردني وأنا أصرع رافع بن خَديج، فقال: مُرَيّ بن سنان: يا رسول الله، رددت ابني، وأجزت رافع بن خَدِيج وابني يصرعه! فقال النبي ﷺ لرافع وسمُرة: تصارعا، فصرع سمُرة رافعًا، فأجازه رسول الله ﷺ فشهدها مع المسلمين.
قال: وكان دليل النبيّ ﷺ أبو حَثْمَة الحارثيّ (٢). (٢: ٥٠٥/ ٥٠٦).
стр. 526
١١٨ - فحدثنا هارون بن إسحاق، قال: حدَّثنا مُصعب بن المقدام، قال: حدَّثنا إسرائيل. وحدّثنا ابنُ وكيع، قال: حدَّثنا أبي عن إسرائيل، قال: حدَّثنا أبو إسحاق، عن البَراء، قال: لمَّا كان يومُ أحُد، ولقِيَ رسول الله ﷺ المشركين أجْلسَ رسول الله ﷺ رجالًا بإزاء الرّماة، وأمَّر عليهم عبد الله بن جُبير، وقال لهم: لا تبرحوا مكانَكم إن رأيتمونا ظهرْنا عليهم، وإنْ رأيتموهم ظَهَرُوا علينا فلا تعينونا. فلمَّا لقِيَ القوم هزَم المشركين حتى رأيت النساء قد رَفعن عن سوقهنّ، وبدت خلاخيلهنّ، فجعلوا يقولون: الغنيمة الغنيمة! فقال عبد الله: مهلًا، أما علمتم ما عهد إليكم رسول الله ﷺ فأبَوْا، فانطلقوا، فلمّا أتوْهم صَرَف الله وجوههم؛ فأصيب من المسلمين سبعون (١). (٢: ٥٠٧/ ٥٠٨).
١١٩ - حدثني محمَّد بن سعد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبَّاس، قال: أقبل أبو سفيان في ثلاث ليال خلوْن من شوّال، حتَّى نزل أحُدًا، وخرج النّبي ﷺ ، فأذّن في الناس فاجتمعوا، وأمَّر الزُّبَيْر على الخيل؛ ومعه يومئذ المِقداد بن الأسود الكِنديّ،
стр. 527
وأعطى رسول الله ﷺ اللّواء رجلًا من قريش يقال له مُصعب بن عمير، وخرج حمزة بن عبد المطَّلب بالحسَّر، وبُعِث حمزةُ بين يديه، وأقبل خالد بن الوليد على خيل المشركين؛ ومعه عِكْرمة بن أبي جهل، فبعث رسول الله ﷺ الزُّبَيْر، وقال: استقبلْ خالدَ بن الوليد؛ فكنْ بإزائِه حتَّى أوذنك، وأمر بخيل أخرى، فكانوا من جانب آخر، فقال: لا تبرحُنّ حتى أوذنكم. وأقبل أبو سفيان يحمِل اللات والعُزَّى، فأرْسلَ النبيّ ﷺ إلى الزُّبير أن يحمِل، فحمل على خالد بن الوليد؛ فهزمه الله ومَنْ معه، فقال: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ - إلى قوله - ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ وإنّ الله وَعَدَ المؤمنين أن ينصرهم؛ وأنَّه معهم. وأنّ رسول الله ﷺ بعث ناسًا من الناس؛ فكانوا من ورائهم، فقال رسول الله ﷺ : كونوا هاهنا، فرُدُّوا وجهَ مَن فرّ منَّا، وكونوا حرّاسًا لنا من قِبَل ظهورنا. وأنّ رسول الله ﷺ لمَّا هزم القوم هو وأصحابه، قال الذين كانوا جُعِلوا من ورائهم بعضهم لبعض، ورأوا النساء مُصْعدات في الجبل، ورأوُا الغنائم: انطلقوا إلى رسول الله ﷺ ، فأدركوا الغنيمة قبلَ أن يسبقونا إليها؛ وقالت طائفة أخرى: بل نطيع رسول الله ﷺ فنثبُت مكاننا؛ فذلك قوله لهم: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ الذين أرادوا الغنيمة، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ الذين قالوا: نطيع رسول الله ونثبت مكاننا، فكان ابن مسعود يقول: ما شعرت أن أحدًا من أصحاب النبيّ ﷺ كان يريد الدُّنيا وعرضها؛ حتى كان يومئذ (١). (٢: ٥٠٨/ ٥٠٩).
стр. 528
١٢٥ - فحدّثني بشر بن آدم، قال: حدَّثنا عمرو بن عاصم الكِلابيّ، قال: حدَّثنا عبيد الله بن الوازع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قال الزُّبير: عَرَض رسول الله ﷺ سيفًا في يده يوم أحُد؛ فقال: مَنْ يأخذ هذا السيف بحقه؟ قال: فقمت فقلت: أنا يا رسول الله؛ قال: فأعرض عنِّي، ثم قال: مَنْ يأخذ هذا السَّيف بحقِّه؟ فقصت فقلت: أنا يا رسول الله، فأعرض عني، ثم قال: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ قال: فقام أبو دُجَانة سماك بن خَرَشةَ، فقال: أنا آخذه بحقِّه؛ وما حقُّه؟ قال: حقه ألّا تقتل به مسلمًا، وألّا تفرّ به عن كافر؛ قال: فدفعه إليه. قال: وكان إذا أراد القتال أعْلِم بعصابة؛ قال: فقلت: لأنظرنّ اليوم ما يصنع، قال: فجعل لا يرتفع له شيء إلّا هتكه وأفراه؛ حتى انتهى إلى نسوة في سفح جبل، معهنّ دُفوف لهنّ، فيهنّ امرأةٌ تقول:
نَحْنُ بناتُ طارقْ ... إنْ تُقْبلوا نُعانق
ونَبْسُط النَّمَارقْ ... أو تدْبِرُوا نُفارقْ
стр. 529
فِراقَ غَيرِ وامِق
قال: فرفع السّيف ليضربَها، ثم كفّ عنها. قال: قلت: كلّ عملك قد رأيت، أرأيت رفعك للسيف عن المرأة بعد ما أهويت به إليها! قال: فقال: أكرمت سيف رسول الله أن أقتل به امرأة (١). (٢: ٥١٠/ ٥١١).
١٢٠ / أ- رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، فقال رسول الله ﷺ : مَنْ يأخذ هذا السيف بحقِّه؟ فقام إليه رجال، فأمسكه عنهم؛ حتَّى قام إليه أبو دُجَانة سماك بن خَرَشة أخو بني ساعدة، فقال: وما حقُّه يا رسول الله؟ قال: أن تضرب به في العدوّ حتى ينحَنِيَ؛ فقال: أنا آخذه بحقَّه يا رسول الله؛ فأعطاه إياه -وكان أبو دُجَانة رجلًا شجاعًا يختال عند الحرب إذا كانت، وكان إذا أعلِم بعصابة له حمراء يعصبها على رأسه علم النَّاس أنه سيقاتل- فلمّا أخذ السيف من يد رسول الله ﷺ أخذ عصابته تلك، فعصب بها رأسه؛ ثم جعل يتبختر بين الصّفَين (٢). (٢: ٥١١).
١٢١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزُّبير، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال الزبير: والله لقد رأيتُني أنظر إلى خَدَمِ هند بنت عتبة وصواحبها مشمّرات هوارب، ما دون أخْذِهنَّ قليل كثير؛ إذ مالت الرُّماة إلى العسكر حين كَشَفْنَا القوم عنه يريدون النَّهب، وخلَّوْا ظهورنا للخيل؛ فأتينا من أدبَارنا وصَرخَ صارخ: ألا إن محمدًا قد قتِلَ! فانكفأنا وانكفأ علينا القوم؛ بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحدٌ من القوم (٣). (٢: ٥١٣).
١٢٢ - قال أبو جعفر: فلمّا أتيَ المسلمون من خلفهم انكشفوا وأصاب منهم
стр. 530
المشركون، وكان المسلمون لمّا أصابهم ما أصابهم من البلاء أثلاثًا: ثلث قتيل، وثلث جريح، وثلث منهزم؛ وقد جهدته الحرب حتى ما يدري ما يصنع، وأصيبت رَبَاعِيَةُ رسول الله ﷺ السفْلى، وشُقَّتْ شفته، وكُلِم في وجنتيه وجبْهته في أصول شعره، وعلاه ابنُ قميئة بالسّيف على شقّه الأيمن؛ وكان الذي أصابه عُتْبة بن أبي وقاص (١). (٢: ٥١٤/ ٥١٥).
١٢٣ - حدَّثنا ابن بشار، قال: حدَّثنا ابن أبي عَدِيّ، عن حُمَيد، عن أنس بن مالك، قال: لمَّا كان يوم أحدٍ، كُسِرَتْ رَبَاعِيَةُ رسول الله ﷺ وشُجَّ، فجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل يمسح الدم عن وجهه، ويقول: كيف يُفلح قومٌ خضَّبوا وجه نبيّهم بالدم. وهو يدعوهم إلى الله ! فأنزل الله : ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ الآية (٢). (٢: ٥١٥).
١٢٣ / أ- قال أبو جعفر: وقاتَل مُصعب بن عمير دون رسول الله ﷺ ومعه لواؤه حتى قتل؛ وكان الذي أصابه ابن قَمِيئة الليثيّ. وهو يظنّ أنَّه رسول الله ﷺ ؛ فرجع إلى قريش، فقال: قتلت محمدًا. فلما قتِل مُصعب بن عمير أعطى رسول الله ﷺ اللواءَ عليّ بن أبي طالب ﵁، وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أرطاة بن عبد شُرَحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصيّ؛ وكان أحدَ النّفر الَّذين يحملون اللِّواء، ثم مَرّ به سباع بن عبد العُزَّى الغُبْشانيّ -وكان يكنى بأبي نِيَار- فقال له حمزة بن عبد المطلب: هلمَّ إليّ يا بن مُقَطِّعة البُظور- وكانت أمّه أم أنمار مولاة شريق بن عمرو بن وهب الثقفيّ، وكانت ختَّانة بمكَّة - فلمَّا التقيا ضربه حمزة فقتله، فقال وَحْشِيّ غُلامُ جبَير بن مطعِم: والله إني لأنْظُر إلى حمزة يَهُذُّ الناس بسيفه، ما يُليق شيئًا يمرُّ به؛ مثل الجمل الأورق؛ إذ تقدَّمني إليه سباع بن عبد العزّى، فقال له حمزة: هلُمَّ إليّ يا بن مقطِّعة البظور! فضربه؛ فكأنما أخطأ رأسَه، وهززت حربتي حتى إذا رضيتُ منها دفعتُها عليه فوقعت في لَبّته حتى خرجت من بين رجليه، وأقبل