فيكم وتغنَى وهي في تَزَيّدِ ... فقد رضينَا بالغلامِ الأَمردِ
بل قد فرغنا غيرَ أَن لم نَشْهَدِ ... وغير أَنَّ العقدَ لم يُؤَكَّدِ
فلو سمِعنا قَوْلَكَ امْدُدِ امددِ ... كانت لنا كَدَعْقَةِ الوردِ الصَّدِي
فبادر الْبَيْعةَ ورْدَ الحُشَّدِ ... تَبينُ من يومك هذا أَو غَدِ
فهو الذي تمَّ فما من عُنَّدِ ... وزاد ما شئتَ فَزِدْهُ يَزْددِ
ورَدِّهِ منك رِداءً يَرْتَدِ ... فهو رداءُ السابِقِ المُقلَّدِ
قد كان يُرْوَى أَنها كَأَنْ قدِ ... عادت ولو قد فَعَلَتْ لم تَرْدُدِ
فَهْيَ تَرَامَى فَدْفَدًا عن فَدْفدِ ... حينًا، فلو قد حان وردُ الوُرَّدِ
وحان تحويلُ الغَوِيّ المُفْسِدِ ... قال لها اللهُ هَلُمِّي وارشُدي
فأَصْبَحَتْ نازلةً بالمعهدِ ... والمحْتِدِ المحتدِ خيْرِ المحتد
لم يرْمِ تَذْمارَ النفوس الحُسَّدِ ... بمثل قَرمٍ ثابتٍ مُؤَيّد
لما انْتَحَوْا قَدْحًا بِزَنْدٍ مُصْلِدِ ... بُلُوا بِمَشْزُورِ القُوى المُسْتحصِد
يَزْدَادُ إِيقَاظًا على التَّهَدُّدِ ... فَدَاوِلوا باللينِ والتَّعَبُّدِ
* صَمْصَامَةً تأْكلُ كلَّ مِبْرَدِ *
قال: فرويت وصارت في أفواه الخدم، وبلغتْ أبا جعفر، فسأل عن قائلها، فأخبِرَ أنها لرجل من بني سَعْد بن زيد مناة، فأعجبه، فدعاني فأدخِلت عليه؛ وإن عيسى بن موسى لعَنْ يمينه، والناس عنده، ورؤوس القوّاد والجند، فلما كنتُ بحيث يراني، ناديت: يا أمير المؤمنين، أذنني منك حتى أفهِمك وتسمع مقالتي فأومأ بيده، فأدنِيتُ حتى كنتُ قريبًا منه، فلما صرتُ بين يديه قلتُ - ورفعتُ صوتي - أنشده مِنْ هذا الموضع، ثم رجعتُ إلى أوّل الأرجوزة؛ فأنشدتها من أوّلها إلى هذا الموضع أيضًا، فأعدتُ عليه حتى أتيتُ على آخرها، والناس منصتون، وهو يتسارّ بما أنشده، مستمعًا له؛ فلمّا خرجنا من عنده إذا رجلٌ واضعٌ يده على منكبي، فالتفتّ فإذا عقال بن شبّة يقول: أمّا أنت فقد سررْتَ أمير المؤمنين؛ فإن التأم الأمر على ما تحبّ وقلتَ، فلعمري لتصيبنّ منه خيرًا. وإن يك غير ذلك، فابتغ نفقًا في الأرض أو سلّمًا في السماء. قال: فكتب له المنصور بصلة إلى الرّيّ، فوجّه عيسى في طلبه، فلُحق في طريقه، فذُبح وسُلخ وجهه.
стр. 4867
وقيل: قتِل بعد ما انصرف من الريّ، وقد أخذ الجائزة.
وذكر عن الوليد بن محمد العنبريّ أنّ سبب إجابة عيسى أبا جعفر إلى تقديم المهديّ عليه كان أن سلم بن قتيبة قال له: أيّها الرجل بايع، وقدّمه على نفسك، فإنك بن تخرج من الأمر، قد جعل لك الأمر من بعدِه وتُرضِي أمير المؤمنين. قال: أوَ تَرَى ذلك؟ قال: نعم، قال: فإنّي أفعل، فأتى سلْم المنصورَ فأعلمه إجابة عيسى، فسُرّ بذلك وعظُم قدْر سَلْم عنده. وبايع الناس للمهديّ ولعيسى بن موسى مِن بعده. وخطب المنصور خطبته التي كان فيها تقديم المهديّ على عيسى، وخطب عيسى بعد ذلك فقدّم المهديَّ على نفسه، ووفى له المنصور بما كان ضمن له.
وقد ذكر عن بعضِ صحابة أبي جعفر أنه قال: تذاكرْنا أمرَ أبي جعفر المنصور وأمْرَ عيسى بن موسى في البَيْعة وخلْعه إياها من عنقه وتقديمَه المهديّ، فقال لي رجل من القوّاد سماه: والله الذي لا إله غيره؛ ما كان خَلْعهُ إياها منه إلا برضًا من عيسى وركونٍ منه إلى الدّراهم، وقلة علمه بقَدْر الخلافة، وطلبًا للخروج منها؛ أتى يومَ خرج للخلع فخلع نفسه، وإني لفي مقصورة مدينة السَّلَام، إذ خرج علينا أبو عُبيد الله كاتب المهديّ، في جماعة من أهل خُراسان، فتكلم عيسى، فقال: إني قد سلّمت ولايةَ العهد لمحمد بن أمير المؤمنين، وقدّمتُه على نفسي، فقال أبو عبيد الله: ليس هكذا أعزّ الله الأمير؛ ولكن قُلْ ذلك بحقّه وصدقِه؛ وأخبرْ بما رغبتَ فيه؛ فأعطِيت، قال: نعم، قد بعتُ نصيبي من تقدمة ولاية العهد مِنْ عبد الله أمير المؤمنين لابنه محمد المهديّ بعشرة آلاف ألف درهم وثلاثمائة ألف بين ولدي فلان وفلان وفلان - سمّاهم - وسبعمائة ألف لفلانة امرأة من نِسائه - سمّاها - بطيب نفسٍ مني وحبّ، لتصييرها إليه، لأنه أولى بها وأحقّ، وأقوى عليها وعلى القيام بها؛ وليس لي فيها حقٌّ لتقدمته، قليل ولا كثير؛ فما ادّعيتُه بعد يومي هذا فأنا فيه مُبطِلٌ لا حقّ لي فيه ولا دعوى ولا طلبة. قال: والله وهو في ذلك، ربما نسي الشيء بعد الشيء فيوقفه عليه أبو عُبيد الله؛ حتى فرغ، حبًّا للاستيثاق منه. وختم الكتاب وشهد عليه الشهود وأنا حاضر؛ حتى وضع عليه عيسى خطَّه وخاتَمه، والقوم جميعًا؛ ثم دخلوا من باب المقصورة إلى القَصْر.
стр. 4868
قال: وكسا أميرُ المؤمنين عيسى وابنه موسى وغيره من ولدِه كُسوة بقيمة ألف ألف درهم ونيّف ومائتي ألف درهم.
ثم دخلت سنة خمسين ومائة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث
فذُكِر أن معاوية بن عبيد الله وزير المهديّ كان يوهن أمر خازم، والمهديّ يومئذ بنيسابور، وكان معاوية يخرج الكتب إلى خازم بن خزيمة وإلى غيره من القوّاد بالأمر والنهي، فاعتلّ خازم وهو في عسكره، فشرب الدواء ثم ركب البريد، حتى قدم على المهديّ بنيسابور، فسلّم عليه واستخلاه - وبحضرته أبو عبيد الله - فقال المهديّ: لا عَيْقَ عليك من أبي عبيد الله، فقلْ ما بدا لك؛ فأبى خازم أن يخبرَه أو يكلّمه، حتى قام أبو عبيد الله، فلمّا خلا به شكا إليه أمرَ معاوية بن عبيد الله، وأخبره بعصبيّته وتحامُلِه، وما كان يرد من كُتبه عليه وعلى مَنْ قبلَه من القواد، وما صاروا إليه بذَلك من الفساد والتأمّر في أنفسهم، والاستبداد بآرائهم، وقلّة السمع والطاعة. وأنّ أمر الحرب لا يستقيم إلّا برأس؛ وألّا يكون في عسكره لواء يخفِق على رأس أحد إلّا لواؤه أو لواء هو عقدَه، وأعلمه أنه غير راجع إلى قتال أستاذسيس ومَنْ معه إلا بتفويض الأمر إليه وإعفائه من معاوية بن عبيد الله؛ وأن يأذن له في حَلّ ألوية القوّاد الذين معه، وأن يكتب إليهم بالسمع له والطاعة. فأجابه المهديّ إلى كلّ ما سأل.
فانصرف خازم إلى عسكره، فعمل برأيه، وحلّ لواء مَنْ رأى حلّ لوائه من القوّاد، وعقد لواء لمن أراد، وضمّ إليه مَنْ كان انهزم من الجنود، فجعلهم حشوًا يكثر بهم مَنْ معه في أخرَيات الناس، ولم يقدّمهم لما في قلوب المغلوبين من رَوْعة الهزيمة؛ وكان من ضُمّ إليه من هذه الطبقة اثنين وعشرين ألفًا، ثم انتخب ستة آلاف رجل من الجند، فضمهم إلى اثني عشر ألفًا كانوا معه متخيّرين؛ وكان بكّارُ بن مسلم العُقَيلي فيمن انتخب، ثم تعبّأ للقتال وخندق. واستعمل الهيثم بن شحعبة بن ظهير على ميمنته، ونهار بن حصين السعديّ على ميسرته؛ وكان بكّار بن مسلم العقيليّ على مقدّمته وتُرارخُدا على ساقته؛ وكان من أبناء ملوك أعاجم خُراسان؛ وكان لواؤه مع الزِّبْرقان وَعلمه مع مولاه بسَّام،
стр. 4869
فمكر بهم وراوغهم في تنقّله من موضع إلى موضع وخندق إلى خندق حتى قطعهم؛ وكان أكثرهم رجّالة، ثم سار خازم إلى موضع فنزله، وخندق عليه، وأدخل خندقه جميع ما أراد، وأدخل فيها جميع أصحابه، وجعل له أربعة آلاف، وجعل على كل باب منها من أصحابه الذين انتخب، وهم أربعة آلاف، وجعل مع بكار صاحب مقدّمته ألفين؛ تكملة الثمانية عشر ألفًا. وأقبل الآخرون ومعهم المرور والفؤوس والزّبُل، يريدون دفْن الخندق ودخولَه، فأتوا الخندق مِن الباب الذي كان عليه بكار بن مسلم، فشدّوا عليه شدّة لم يكن لأصحاب بكار نهاية دون أن انهزموا حتى دخلوا عليهم الخندق.
فلما رأى ذلك بكّار رمى بنفسه، فترجّل على باب الخندق ثم نادى أصحابه: يا بني الفواجر، مِن قبَلي يؤتى المسلمون! فترجّل مَنْ معه من عشيرته وأهله نحو من خمسين رجلًا، فمنعوا بابَهم حتى أجلوا القوم عنه، وأقبل إلى الباب الذي كان عليه خازم رجل كان مع أستاذسيس من أهل سجستان، يقال له الحريش؛ وهو الذي كان يدبّر أمرهم، فلما رآه خازم مقبلًا بعث إلى الهيثم بن شعبة - وكان في الميمنة - أن اخرج من بابك الّذي أنت عليه؛ فخذ غيرَ الطريق الذي يُوصلك إلى الباب الذي عليه بكار، فإنّ القوم قد شغلوا بالقتال وبالإقبال إلينا، فإذا علوت فجزت مبلغ أبصارهم فأتهم من خلفهم. وقد كانوا في تلك الأيام يتوقعون قدوم أبي عون وعمرو بن سلم بن قتيبة من طَخارستان. وبعث خازم إلى بكار بن مسلم: إذا رأيت رايات الهيْثم بن شعبة قد جاءتْك من خلفك، فكبِّروا وقولوا: قد جاء أهل طَخارستان. ففعل ذلك أهلُ الهيثم، وخرج خازم في القلْب على الحريش السجستاني، فاجتلدوا بالسيوف جلادًا شديدًا، وصبر بعضُهمْ لبعض، فبيناهم على تلك الحال إذ نظروا إلى أعلام الهيْثم وأصحابه، فتنادوا فيما بينهم، وجاء أهل طخارستان، فلما نظر أصحاب الحريش إلى تلك الأعلام، ونظر مَنْ كان بإزاء بكار بن مسلم إليها، شدّ عليهم أصحاب خازم فكشفوهم، ولقيَهم أصحابُ الهيثم، فطعنوهم بالرماح، ورموْهم بالنُّشاب، وخرج عليهم نهار بن حصين وأصحابُه من ناحية الميسرة، وبكارُ بن مسلم وأصحابه من ناحيتهم، فهزموهم ووضعوا فيهم السيوف، فقتلهم المسلمون وأكثروا؛ فكان مَنْ قتل منهم في تلك المعركة نحوًا من سبعين ألفًا، وأسروا أربعة عشر ألفًا،
стр. 4870
ولجأ أستاذسيس إلى جبل في عِدّة من أصحابه يسيرة، فقدّم خازم الأربعة عشر ألف أسير؛ فضرب أعناقَهم، وسار حتى نزل بأستاذسيس في الجَبَل الذي كان لجأ إليه، ووافى خازمًا بذلك المكان أبو عون وعمرو بن سلم بن قتيبة في أصحابهما؛ فأنزلهم خازم ناحيةً، وقال: كونوا مكانكم حتى نحتاج إليكم. فحصر خازِم أستاذسيس وأصحابَه حتى نزلوا على حكم أبي عَوْن، ولم يرضوْا إلا بذلك، فرضي بذلك خازم، فأمر أبا عون بإعطائهم أن ينزلوا على حكمه، ففعل؛ فلما نزلوا على حكم أبي عون حكم فيهم أن يُوثَق أستاذسيس وبنوه وأهل بيته بالحديد، وأن يُعتق الباقون وهم ثلاثون ألفًا، فأنفذ ذلك خازم من حُكْم أبي عون، وكسا كلّ رجل منهم ثوبين (١).
* * *
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها
ذكر الخبر عن سبب عزل المنصور عمر بن حفص عن السِّنْد وتوليته إياه إفريقيّة واستعماله على السِّنْد هشام بن عمرو (٢)
وكان سبب ذلك - فيما ذكر عليّ بن محمد بن سليمان بن عليّ العباسيّ عن أبيه - أنّ المنصور ولّى عمر بن حفص الصُّفْرِيّ الذي يقال له هزارمَرْد السِّند - فأقام بها حتى خرج محمد بن عبد الله بالمدينة وإبراهيم بالبصرة، فوجّه محمد بن عبد الله [إليه] ابنَه عبد الله بن محمد الذي يقال له الأشتر. في نفر من الزيديّة إلى البصرة، وأمرهم أن يشتروا مهارة - خيل عِتاق بها - ويمضوا بها معهم إلى السِّند، ليكون سببًا له إلى الوصول إلى عمر بن حفص؛ وإنما فعل ذلك به لأنَّه كان فيمن بايعه من قوّاد أبي جعفر، وكان له ميْل إلى آل أبي طالب، فقدموا البصرة على إبراهيم بن عبد الله، فاشتروا منها مهارةً - وليس في بلاد السِّند
стр. 4871
والهند شيء أنفق من الخيل العتاق - ومضوا في البحر حتى صاروا إلى السند، ثم صاروا إلى عمر بن حفص، فقالوا: نحن قوم نخَّاسون، ومعنا خيل عتاق، فأمرهم أن يعرضوا خيلَهم، فعرضوها عليه؛ فلما صاروا إليه، قال له بعضهم: أدنني منك أذكر لك شيئًا، فأدناه منه، وقال له: إنَّا جئناك بما هو خير لك من الخيل، وما لك فيه خير الدنيا والآخرة، فأعطِنا الأمان على خَلَّتين: إما أنك قبلت ما أتيناك به، وإما سترت وأمسكت عن أذانا حتى نخرج من بلادك راجعين. فأعطاهم الأمان، فقالوا: ما للخيل أتيناك؛ ولكن هذا ابنُ رسول الله ﷺ عبد الله بن محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن، أرسله أبوه إليك، وقد خرج بالمدينة، ودعا لنفسه بالخِلافة، وخرج أخوه إبراهيم بالبصرة وغلب عليها، فقال: بالرَّحب والسعة، ثم بايعهم له، وأمر به فتوارى عنده، ودعا أهل بيته وقوادَه وكبراء أهل البلد للبيْعة، فأجابوه، فقطع الأعلام البيض والأقبِيَة البِيض والقلانس البيض، وهيّأ لبسته من البياض يصعد فيها إلى المنبر، وتهيأ لذلك يوم خميس؛ فلما كان يوم الأربعاء إذا حَرّاقة قد وافت من البضرة، فيها رسول لخُلَيْدة بنت المُعارِك - امرأة عمر بن حفص - بكتاب إليه تخبره بقتل محمد بن عبد الله، فدخل على عبد الله فأخبره الخبر، وعزّاه، ثم قال له: إنّي كنت بايعت لأبيك، وقد جاء من الأمر ما ترى. فقال له: إن أمري قد شُهِر، ومكاني قد عُرف، ودمي في عنقك، فانظر لنفسك أو دعْ. قال: قد رأيت رأيًا؛ ها هنا ملِك من ملوكِ السند، عظيم المملكة، كثير التَّبَع؛ وهو على شركه أشدّ الناس تعظيمًا لرسول الله ﷺ ؛ وهو رجلٌ وفيٌّ، فأرسِل إليه، فاعقِدْ بينك وبينه عقدًا، وأوجّهك إليه تكون عنده، فلستَ ترام معه. قال: افعل ما شئت؛ ففعل ذلك؛ فصار إليه، فأظهر إكرامه وبَرّه برًّا كثيرًا، وتسللت إليه الزيدية حتى صار إليه منهم أربعمائة إنسان من أهل البصائر؛ فكان يركب فيهم فيصيد ويتنزّه في هيئة الملوك وآلاتهم، فلما قتِل محمد وإبراهيم انتهى خبرُ عبد الله الأشتر إلى المنصور؛ فبلغ ذلك منه، فكتب إلى عمر بن حفص يخبره بما بلغَه، فجمع عمر بن حفص قرابته، فقرأ عليهم كتاب المنصور يخبرهم أنه إن أقرّ بالقصّة لم يُنظره المنصور أن يعزله، وإن صار إليه قتله، وإن امتنع حاربه. فقال له رجل من أهل بيته: ألقِ الذَّنْب عليَّ، واكتب إليه بخبري، وخذني الساعة فقيِّدني واحبسني؛ فإنه سيكتب: احمله إليّ؛ فاحملني إليه، فلم يكن ليقدمَ عليَّ
стр. 4872
لموضعك في السند، وحال أهل بيتك بالبصرة. قال: إني أخاف عليك خلاف ما تظنّ، قال: إن قُتلت أنا فنفسي فداؤك فإني سخيٌّ بها فداء لنفسك؛ فإن حييت فمن الله. فأمر به فقُيِّد وحبِس، وكتب إلى المنصور يخبره بذلك؛ فكتب إليه المنصور يأمره بحمله إليه، فلما صار إليه قدّمه فضرب عنقه، ثم مكث يروي مَنْ يولِّي السِّند! فأقبل يقول: فلان فلان؛ ثم يعرض عنه؛ فبينا هو يومًا يسير ومعه هشام بن عمرو التغلبيّ، والمنصور ينظر إليه في موكبه، إذ انصرف إلى منزله، فلما ألقى ثوبه دخل الرّبيع فَآذنه بهشام. فقال: أوَلم يكن معي آنفًا! قال: ذكر أن له حاجة عرضت مهمة. فدعا بكرسيّ فقعد عليه، ثم أذِن له، فلما مَثَل بين يديه قال: يا أميرَ المؤمنين؛ إني انصرفت إلى منزلِي من الموكب، فلَقيتْني أختي فلانة بنت عمرو، فرأيت من جمالها وعَقْلها ودينها ما رضيتها لأمير المؤمنين، فجئت لأعرِضها عليه؛ فأطرق المنصور، وجعل ينكُت الأرضَ بخيزُرانة في يده، وقال: اخرج يأتك أمري؛ فلما ولَّى قال: لا ربيع؛ لولا بيت قاله جرير في بني تغلِب لتزوّجت أختَه وهو قوله:
لا تَطْلُبَنَّ خؤولةً في تَغْلِبٍ ... فالزَّنجُ أكرمُ منهُمُ أَخوالا
فأخاف أن تلد لي ولدًا، فيعيَّر بهذا البيت؛ ولكن اخرج إليه، فقل له: يقول لك أمير المؤمنين: لو كانت لك لله حاجة إليّ لم أعدل عنها غير التزويج؛ ولو كانت لي حاجة إلى التزويج لقبلْت ما أتيتني به، فجزاك الله عمّا عَمَدت له خيرًا، وقد عوّضتك من ذلك ولاية السِّند. وأمره أن يكاتب ذلك الملك؛ فإن أطاعه وسلَّم إليه عبد الله بن محمد، وإلّا حاربه. وكتب إلى عمر بن حفص بولايته إفريقيّة. فخرج هشام بن عمرو التغلبيّ إلى السّند فوليها، وأقبل عمر بن حفص يخوضُ البلاد حتى صار إلى إفريقيّة، فلما صار هشام بن عمرو إلى السِّند كره أخذ عبد الله، وأقبل يُري الناس أنه يكاتب الملك ويرفق به، فاتصلت الأخبار بأبي جعفر بذلك؛ فجعل يكتب إليه يستحثُّه، فبينا هو كذلك إذ خرجت خارجة ببعض بلاد السِّند، فوجّه إليهم أخاه سَفَنَّجا، فخرج يجرّ الجيش وطريقه بجنَبات ذلك الملك؛ فبينا هو يسير إذا هو برهج قد ارتفع من موكب، فظنّ أنه مقدّمة للعدوّ الذي يقصد، فوجَّه طلائعَه فرجعت، فقالت: ليس هذا عدوّك الذي تريد؛ ولكن هذا عبد الله بن محمد الأشتر العلويّ ركب متنزهًا، يسير على
стр. 4873
شاطئ مهران، فمضى يريده، فقال له نُصّاحه: هذا ابنُ رسول الله ﷺ ، وقد علمتَ أن أخاك تركه متعمدًا، مخافة أن يبوء بدمه، ولم يقصدك، إنما خرج متنزِّهًا، وخرجتَ تريد غيره. فأعرض عنه، وقال: ما كنتُ لأدَعَ أحدًا يحوزُه، ولا أدع أحدًا يحظَى بالتقرّب إلى المنصور بأخذه وقتله. وكان في عشرة، فقصد قصدَه، وذمَرَ أصحابه، فحمل عليه، فقاتله عبدُ الله وقاتل أصحابُه بين يديه حتى قُتِل وقُتلوا جميعًا، فلم يُفلِتْ منهم مخبّر، وسقط بين القتلى، فلم يشعر به. وقيل: إن أصحابه قذفوه في مهران لمّا قتِل، لئلا يؤخذ رأسه؛ فكتب هشام بن عمرو بذلك كتاب فَتْح إلى المنصور، يخبره أنه قصده قصدًا. فكتب إليه المنصورْ يحمَد أمره، ويأمره بمحاربة الملك الذي آواه؛ وذلك أن عبد الله كان اتّخذ جواري، وهو بحضرة ذلك الملك، فأولد منهنَّ واحدة محمد بن عبد الله - وهو أبو الحسن محمد العلويّ الذي يقال له ابن الأشتر - فحاربه حتى ظفر به، وغلب على مملكته وقتله، ووجّه بأمّ ولد عبد الله وابنه إلى المنصور، فكتب المنصور إلى واليه بالمدينة، يخبره بصحَّة نسب الغلام، وبعث به إليه، وأمره أن يجمع آل أبي طالب، وأن يقرأ عليهم كتابَه بصحة نسب الغلام، ويسلمه إلى أقربائه.
وفي هذه السنة قدم على المنصور ابنه المهدي من خراسان وذلك في شوال منها فوفد إليه للقائه وتهنئة المنصور بمقدَمه عامّة أهل بيته، مَنْ كان منهم بالشأم والكوفة والبصرة وغيرها، فأجازهم وكساهم وحملهم، وفعل مثل ذلك بهم المنصور، وجعل لابنه المهديّ صحابةً منهم، وأجرى لكل رجل منهم خمسمائة درهم (١).
[ذكر خبر بناء المنصور الرّصافة]
وفي هذه السنة ابتدأ المنصور ببناء الرُّصافة في الجانب الشرقيّ من مدينة السلام لابنه محمد المهدي (٢).
стр. 4874
ذكر الخبر عن سبب بنائه ذلك له
ذكر عن أحمد بن محمد الشَرويّ، عن أبيه، أنّ المهديّ لما قدم من خُراسان أمره المنصور بالمُقام بالجانب الشرقيّ، وبنَى له الرُّصافة، وعمِل لها سورًا وخندقًا وميْدانًا وبستانًا، وأجرى له الماء؛ فكان يجري الماء من نهر المهديّ إلى الرُّصافة.
وأما خالد بن يزيد بن وهب بن جرير بن خازم، فإنه ذكر أنّ محمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس حدّثه، أن أباه حدّثه، أنّ الرّاوندية لما شَغَبوا على أبي جعفر وحاربوه على باب الذّهب، دخل عليه قُثَم بن العباس بن عبيد الله بن العباس - وهو يومئذ شيخ كبير مُقدّم عند القوم - فقال له أبو جعفر: أما ترى ما نحن فيه من الْتِياث الجُند علينا! قد خفتُ أن تجتمع كلمتهُم فيخرج هذا الأمر من أيدينا، فما ترى؟ قال: يا أميرَ المؤمنين، عندي في هذا رأيٌ إن أنا أظهرته لك فسَد، وإن تركتَني أمضيته، صلَحت لك خلافتك، وهابك جندك. فقال له: أفتُمضي في خلافتي أمرًا لا تعلمني ما هو! فقال له: إن كنتُ عندك متَّهمًا على دولتك فلا تشاورْنِي، وإن كنتُ مأمونًا عليها فدعني أمضِي رأيي. فقال له: فأمضِه. قال: فانصرف قُثَم إلى منزله، فدعا غلاما له فقال له:
إذا كان غدًا فتقدّمني، فاجلس في دار أمير المؤمنين؛ فإذا رأيتَني قد دخلتُ وتوسطتُ أصحابَ المراتب، فخذ بعنان بغلتي، فاستوقِفْني واستحلفْني بحقّ رسول الله، وحقّ العباس وحقّ أمير المؤمنين لما وقفتُ لك، وسمعتُ مسألتك وأجبتك عنها؛ فإني سأنتهرُك، وأغلِظ لك القول، فلا يهولنَّك ذلك مني، وعاودْني بالمسألة فإنيّ سأشتمك، فلا يروعنّك ذلك، وعاودْني بالقول والمسألة، فإني سأضربك بسوطي، فلا يشقُّ ذلك عليك، فقل لي: أيُّ الحيَّيْن أشرف؟ اليمن أم مضر؟ فإذا أجبتك فخلّ عنان بغلتي وأنت حُرّ.
قال: فغدَا الغلامُ، فجلس حيث أمره من دار الخليفة، فلما جاء الشيخ فعل الغلام ما أمره به مولاه، وفعل المولى ما كان قاله له، ثم قال له: قل، فقال: أيُّ الحيَّين أشرف؟ اليمن أم مضر؟ قال: فقال قُثَم: مضر كان منها رسول الله
стр. 4875
- ﷺ ، وفيها كتاب الله ، وفيها بيت الله، ومنها خليفة الله. قال: فامتعضت اليمن إذْ لم يُذكر لها شيء من شَرَفها؛ فقال له قائد من قوّاد اليمن: ليس الأمر كذلك مطلقًا بغير شرفة ولا فضيلة لليمن، ثم قال لغلامه: قمْ فخذ بعنِان بغلة الشيخ، فاكبحْها كبحًا عنيفًا تَطَأمَنُ به منه، قال: ففعل الغلام ما أمره به مولاه حتى كاد أن يُقعيَها على عراقِيبها، فامتعضتْ من ذلك مُضر، فقالت: أيفعل هذا بشيخنا! فأمر رجل منهم غلامه، فقال: اقطعْ يد العبد، فقام إلى غلام اليمانيّ فقطع يدَه، فنفر الحيَّان، وصرف قُثَم بغلته، فدخل على أبي جعفر، وافترق الجند، فصارت مُضر فرقة، واليمن فرقة، والخُراسانيّة فرقة، وربيعة فرقة، فقال قُثَم لأبي جعفر: قد فرّقتُ بين جندك، وجعلتهم أحزابًا كلّ حزب منهم يخاف أن يُحدث عليك حدثًا، فتضربه بالحزب الآخر، وقد بقي عليك في التدبير بقيّة، قال: ما هي؟ قال: اعْبُرْ بابنك فأنزله في ذلك الجانب قصرًا، وحوله وحوّل [معك] من جيشك معه قومًا فيصير ذلك بلدًا؛ وهذا بلدًا، فإن فسد عليك أهلُ هذا الجانب ضربتَهم بأهل ذلك الجانب، وإن فسد عليك أهل ذلك الجانب ضربْتَهم بأهل هذا الجانب، وإن فسدت عليك مُضر ضربتَها باليمن وربيعة والخراسانيّة، وإن فسدت عليك اليمن ضربتَها بمن أطاعك من مُضر وغيرها.
قال: فقبل أمرَه ورأيه، فاستوى له مُلْكه، وكان ذلك سببَ البناء في الجانب الشرقيّ وفي الرصافة وأقطاع القوّاد هناك.
قال: وتولّى صالح صاحب المصلّى القطائع في الجانب الشرقيّ، ففعل كفعل أبي العباس الطوسيّ في فضُول القطائع في الجانب الغربيّ، فله بباب الجسر وسوق يحيى ومسجد خُضَير وفي الرّصافة وطريق الزواريق على دجلة مواضح بناء، بما استوهب من فضل الإقطاع عن أهله، وصالح رجل من أهل خراسان.
[أمر عقبة بن سلم]
وفيها شخص عُقْبة بن سلْم من البصرة واستخلف عليها ابنَه نافع بن عقبة إلى البَحْرين، فقتل سليمان بن حكيم العبديّ وسبى أهلَ البحرين، وبعث ببعض مَنْ
стр. 4876
سبي منهم وأسارى منهم إلى أبي جعفر، فقتل منهم عِدّة ووهب بقيَّتهم للمهديّ، فمنّ عليهم وأعتقهم؛ وكسا كلّ إنسان منهم ثوبين من ثياب مرْو.
ثم عزل عُقْبة بن سلْم عن البصرة؛ فذُكِر عن إفريك - جارية أسد بن المرزبان - أنها قالت: بعث المنصور أسد بن المرزبان إلى عُقبة بن سلم إلى البَحْرين حين قتل منهم مَنْ قتل، ينظر في أمره، فمايله ولم يستقص عليه، وورّى عنه؛ فبلغ ذلك أبا جعفر، وبلغه أنه أخذ منه مالًا، فبعث إليه أبا سويد الخُراساني - وكان صديق أسد - وأخاه، فلما رآه مقبلًا على البريد فرِح، وكان ناحية من عسكر عُقبة، فتطاول له، وقال: صديقي. فوقف عليه فوثب ليقوم إليه، فقال له أبو سويد "بنشين بنشين"، فجلس فقال له: أنت سامع مطيع؟ قال: نعم، قال: مُدّ يدَك، فمدّ يده فضربها فأطنّها، ثم مدّ رجله، ثم مدّ يده ثم رجله حتى قطع الأربع، ثم قال: مُدّ عنقك فمدّ فضرب عنقه. قالت إفرِيك: فأخذتُ رأسه فوضعته في حِجْري، فأخذه مني فحمله إلى المنصور، فما أكلتْ إفريك لحمًا حتى ماتت.
* * *
ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
وفيها غضب المنصور على أبي أيّوب الموريانيّ، فحبسه وأخاه وبني أخيه: سعيدًا ومسعودًا ومُخلَّدًا ومحمدًا، وطالبهم. وكانت منازلهم المناذر، وكان سبب غضبه عليه - فيما قيل - سَعْيُ أبان بن صدقة كاتب أبي أيوب إليه (١).
стр. 4877
وفي هذه السنة قتل عمر بن حفص بن عثمان بن أبي صفرة بإفريقيّة، قتله أبو حاتم الإباضيّ وأبو عاد ومن كان معهما من البربر، وكانوا - فيما ذُكر - ثلاثمائة ألف وخمسين ألفًا، الخيل منها خمسة وثلاثون ألفًا، ومعهم أبو قُرّة الصُّفريّ في أربعين ألفًا، وكان يسلَّم عليه قبل ذلك بالخلافة أربعين يومًا (١).
وفيها حُمِل عبّاد مولى المنصور وهرثمة بن أعين ويوسف بن علوان من خُراسان في سلاسل، لتعصّبهم لعيسى بن موسى.
وفيها أخذ المنصور الناس بلبس القَلانس الطِّوال المفرطة الطول، وكانوا - فيما ذكر - يحتالون لها بالقصب من داخل، فقال أبو دلامة:
وكنا نُرَجِّي من إِمامٍ زيادةً ... فزاد الإِمامُ المصطفى في القلانِسِ
ترَاها على هامِ الرِّجال كأَنها ... دِنان يهودٍ جُلِّلَتْ بالبرانسِ (٢)
* * *
ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
وفي هذه السنة عزم المنصور - فيما ذكر - على بناء مدينة الرافقة، فذُكر عن محمد بن جابر، عن أبيه أنّ أبا جعفر لما أراد بناءها، امتنع أهل الرّقة، وأرادوا محاربته، وقالوا: تعطّل علينا أسواقنا وتذهب بمعايشنا، وتضيق منازلنا؛ فهمّ بمحاربتهم، وبعث إلى راهب في الصومعة هنالك، فقال له: هل لك علم بأنّ إنسانًا يبني ها هنا مدينة؟ فقال: بلغني أنّ رجلًا يقال له مقلاص يبنيها، فقال: أنا والله مقلاص (٣).
стр. 4878
وذكر محمد بن عمر أن صاعقة سقطت في هذه السنة في المسجد الحرام فقتلت خمسة نفر.
وفيها هلك أبو أيوب الموريانيّ وأخوه خالد، وأمر المنصور موسى بن دينار حاجب أبي العباس الطوسيّ بقطع أيدي بني أخي أبي أيوب وأرجلهم وضرب أعناقهم؛ وكتب بذلك إلى المهديّ، ففعل ذلك موسى وأنفذ فيهم ما أمره به (١).
ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها
وفيها - فيما ذكر محمد بن عمر - خندَق أبو جعفر على الكوفة والبصرة، وضرب عليهما سورًا، وجعل ما أنفق على سور ذلك وخندقه من أموال أهله.
وعزل فيها المنصور عبدَ الملك بن أيّوب بن ظَبْيان عن البصرة، واستعمل عليها الهيْثم بن معاوية العتكيّ، وضم إليه سعيد بن دَعْلَج، وأمره ببناء سور لها يُطيف بها، وخندق عليها من دون السّور من أموال أهلها، ففعل ذلك.
وذكِر أن المنصور لما أراد الأمر ببناء سُور الكوفة وبحفر خندق لها، أمر بقسمة خمسة دراهم، على أهل الكوفة، وأراد بذلك علم عددهم، فلما عرف عددهم أمر بجبايتهم أربعين درهمًا من كل إنسان، فجبُوا، ثم أمر بإنفاق ذلك على سُور الكوفة وحفر الخنادق لها، فقال شاعرهم:
يَا لَقَوْمِيَ مَا لَقِينَا ... مِنْ أَمِيرِ الْمؤْمِنِينَا
قَسَمَ الخمسة فينَا ... وجَبَانا الأَرْبَعِينَا (٢)
وفيها طلب صاحب الروم الصُّلح إلى المنصور؛ على أن يؤدّي إليه الجزية (٣).
стр. 4879
وغزا الصائفة في هذه السنة يزيد بن أسيد السُّلمِيّ (١).
وفيها عزل المنصور أخاه العبَّاس بن محمد عن الجزيرة، وغرَّمه مالًا، وغضِب عليه وحبسه، فذكر عن بعض بني هاشم، أنه قال: كان المنصور ولّى العباس بن محمد الجزيرة بعد يزيد بن أُسَيد، ثم غضب عليه فلم يزل ساخطًا عليه حتى غضب على بعض عمومته من ولد عليّ بن عبد الله بن عباس أما إسماعيل بن عليّ أو غيره فاعتورَه أهلُه وعمومته ونساؤهم يكلِّمونه فيه، وضيَّقوا عليه فرضِيَ عنه، فقال عيسى بن موسى: يا أميرَ المؤمنين؛ إن آل عليّ بن عبد الله - وإن كانت نعمُك عليهم سابغةً - فإنهم يرجعون إلى الحسد لنا؛ فمن ذلك أنك غضبت على إسماعيل بن عليّ منذ أيام، فضيّقوا عليك. وأنت غضبان على العباس بن محمد، منذ كذا وكذا، فما رأيت أحدًا منهم كلّمك فيه. قال: فدعا العباس فرضِيَ عنه.
قال: وقد كان يزيد بن أسَيْد عند عزل العباس إياه عن الجزيرة، شكا إلى أبي جعفر العبّاس، وقال: يا أميرَ المؤمنين؛ إن أخاك أساء عزلِي، وشتم عِرْضي، فقال له المنصور: اجمع بين إحساني إليك وإساءة أخي يعتدلا، فقال يزيد بن أسيَد: يا أميرَ المؤمنين؛ إذا كان إحسانكم جزاء بإساءتكم، كانت طاعتنا تفضُّلًا منا عليكم.
* * *
ذكر الخبر عن سبب عزل المنصور محمد بن سليمان بن عليّ
ذكر أن محمد بن سليمان أتِيَ في عمله على الكوفة بعبد الكريم بن أبي العوْجاء وكان خال معن بن زائدة. فأمر بحبسه قال أبو زيد: فحدثني قثم بن جعفر، والحسين بن أيوب، وغيرهما أن شفعاءه كثروا بمدينة السلام ثم ألحوا على أبي جعفر فلم يتكلم فيه إلَّا ظنين، فأمر بالكتاب إلى محمد بالكف عنه إلى
стр. 4880
أن يأتيه رأيه فكلم ابن أبي العوجاء. أبا الجبَّار - وكان منقطعًا إلى أبي جعفر ومحمد ثم إلى أبنائهما بعدهما - فقال له: إنْ أخرني الأمير ثلاثة أيَّام فله مائة ألف، ولك أنت كذا وكذا، فأعلم أبو الجبار محمدًا، فقال: أذكرتنيه والله وقد كنت نسيته؛ فإذا انصرفت من الجمعة فأذكِرْنيه. فلما انصرف أذكره، فدعا به وأمر بضرب عنُقه، فلما أيقن أنَّه مقتول، قال: أما والله لئن قتلتموني لقد وضعتُ أربعة آلاف حديث أحرِّم فيها الحلال، وأحِلّ فيها الحرام؛ والله لقد فطّرتكم في يوم صومكم، وصوّمتكم في يوم فطركم، فضُربت عنقه.
وورد على محمَّد رسول أبي جعفر بكتابه: إياك أن تحدث في أمر ابن أبي العوجاء شيئًا، فإنَّك إن فعلتَ فعلتُ بك وفعلتُ ... يتهدّده، فقال محمَّد للرسول: هذا رأس ابن أبي العوجاء وهذا بدنُه مصلوبًا بالكُناسة، فأخبِرْ أمير المؤمنين بما أعلمتك؛ فلما بلَّغ الرسول أبا جعفر رسالتَه، تغيّظ عليه وأمر بالكتاب بعزله وقال: والله لهممتُ أن أقيده به، ثم أرسل إلى عيسى بن عليّ فأتاه، فقال: هذا عملك أنت! أشرف بتولية هذا الغلام، فوليتُه غلامًا جاهلًا لا علمَ له بما يأتي، يُقدم على رجل يقتله من غير أن يطَّلع رأيي فيه، ولا ينتظر أمري! وقد كتبت بعزله؛ وبالله لأفعلنّ به ولأفعلنّ ... يتهدّده، فسكت عنه عيسى حتَّى سكن غضبُه، ثم قال: يا أميرَ المؤمنين؛ إن محمدًا إنَّما قتل هذا الرجل على الزّندقة، فإن كان قتلُه صوابًا فهو لك، وإن كان خطأ فهو على محمَّد، والله يا أمير المؤمنين لئن عزلتَه على تبعة ما صنع ليذهبنّ بالثناء والذكر، ولترجعنّ القالة من العامّة عليك. فأمر بالكتب فمُزِّقت وأقِرّ على عمله (١).
وقال بعضهم: إنَّما عزل المنصور محمَّد بن سليمان عن الكوفة لأمور قبيحة بلغتْه عنه، اتهمه فيها، وكان الذي أنهى ذلك إليه المساور بن سوّار الجَرْميّ صاحب شُرطه، وفي مساور يقول حمَّاد:
لحَسْبُك من عجيبِ الدّهْرِ أَنِّي ... أَخاف وأَتَّقي سلطانَ جَرْمِ (٢)
стр. 4881
ثم دخلت سنة ست وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها
* * *
[ذكر الخبر عن مقتل عمرو بن شداد]
فمن ذلك ما كان من ظَفَر الهيثم بن معاوية عامل أبي جعفر على البَصْرة بعمرو بن شدّاد عامل إبراهيم بن عبد الله على فارس، فقتِل بالبصرة وصُلِب (١).
* ذكر الخبر عن سبب الظّفَر به:
ذكر عمر أن محمَّد بن معروف حدّثه، قال: أخبرني أبي، قال: ضرب عمرو بن شدّاد خادمًا له، فأتى عاملَ البصرة - إمَّا ابن دعْلج، وإما الهيثم بن معاوية - فدله عليه، فأخذه فقتله وصلبه في المربد في موضع دار إسحاق بن سليمان وكان عمرو مولى لبني جمع فقال بعضهم: ظفر به الهيثم بن معاوية وخرج يريد مدينة السَّلام، فنزل بقصر له على شاطئ نهر يعرف بنهر معقل، فأقبل بريد من عند أبي جعفر، ومعه كتاب إلى الهيثم بن معاوية بدفع عمرو بن شداد إليه، فدفعه الهيثم إليه، فأقدمه البصرة، ثم أتى به ناحية الرّحبة، فخلا به يسائله، فلم يظفر منه بشيء يحبّ علمَه، فقطع يديْه ورجليه، وضرب عنقه وصلَبه في مِرْبد البصرة (٢).
وفيها تُوُفِّيَ الهيثم بن معاوية بعد ما عزل عن البصرة فجأة بمدينة السَّلام، وهو على بطن جارية له، فصلَّى عليه المنصور، ودفن في مقابر بني هاشم.
ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
وفيها عرض المنصور جندَه في السلاح والخيل على عينه في مجلس اتَّخذه
стр. 4882
على شطّ دِجْلة دون قُطْرَبُّل، وأمر أهلَ بيته وقرابته وصحابته يومئذٍ بلبس السلاح، وخرج وهو لابس درعًا وقلنسُوة تحت البَيْضة سوداء لاطئة مضرّبة (١).
وفيها توفي عامر بن إسماعيل المسليّ، بمدينة السَّلام، فصلّى عليه المنصور، ودُفِن في مقابر بني هاشم.
ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
[ذكر الخبر عن تولية خالد بن برمك الموصل] (٢)
فممَّا كان فيها من ذلك توجيهُ المنصور ابنَه المهديّ إلى الرَّقة وأمرُه إياه بعزْل موسى بن كعب عن الموصِل وتولية يَحْيَى بن خالد بن بَرْمك عليها. وكان سببُ ذلك - فيما ذكر الحسن بن وهب بن سعيد عن صالح بن عطية - قال: كان المنصور قد ألزم خالدَ بن برمك ثلاثة آلاف ألف، ونذر دمَه فيها، وأجّله ثلاثة أيَّام بها، فقال خالد لابنه يَحْيَى: يابنيّ، إنِّي قد أوذيت وطُولبت بما ليس عندي، وإنَّما يراد بذلك دمِي؛ فانصرف إلى حرمتك وأهلِك، فما كنت فاعلًا بهم بعد موتي فافعله. ثم قال له: يا بنيّ، لا يمنعنّك ذلك من أن تلقى إخواننا، وأن تمر بعُمارة بن حمزة وصالح صاحب المصلَّى ومبارك التركيّ فتعلِمهم حالنا.
قال: فذكر صالح بن عطية أنّ يَحْيَى حدّثه، قال: أتيتهم فمنهم من تجهَّمني وبعث بالمال سرًّا إليّ، ومنهم مَنْ لم يأذن لي، وبعث بالمال في أثري. قال: واستأذنتُ على عمارة بن حمزة، فدخلت عليه وهو في صَحْن داره، مقابل بوجهه الحائط؛ فما انصرف إليّ بوجهه، فسلَّمت عليه، فردّ عليّ رَدًّا ضعيفًا، وقال: يا بُنيّ؛ كيف أبوك؟ قلت: بخير، يقرأ عليك السَّلام ويعلمك ما قد لزمه من هذا الغُرْم، ويستسلفك مائة ألف درهم. قال: فما ردّ عليّ قليلًا ولا كثيرًا، قال: فضاق بي موضعي، ومادتْ بي الأرضُ. قال: ثم كلَّمتُه فيما أتيته له. قال:
стр. 4883
فقال: إن أمكنني شيء فسيأتيك، قال يَحْيَى: فانصرفتُ وأنا أقول في نفسي: لعن الله كلَّ شيء يأتي من تِيهك وعُجْبك وكبرك! وصرت إلى أبي، فأخبرته الخبر، ثم قلت له: وأراك تثق من عُمارة بن حمزة بما لا يوثق به! قال: فوالله إنِّي لكذلك؛ إذ طلع رسولُ عُمارة بن حمزة بالمائة ألف. قال: فجمعنا في يومين ألفيْ ألف وسبعمائة ألف، وبقيت ثلثمائة ألف بوجودها يتمّ ما سعينا له، وبتعذّرها يبطل. قال: فوالله إنِّي لعلى الجسر ببغداد مارًّا مهمومًا مغمومًا؛ إذ وثب إليّ زاجر، فقال: فرخ الطائر أخبرك! قال: فطويتُه مشغول القلب عنه، فلحقني وتعلَّق بلجامي، وقال لي: أنت والله مهموم، ووالله ليُفرِجَنّ الله همّك، ولتمرّنّ غدًا في هذا الموضع واللواء بين يديك. قال: فأقبلتُ أعجب من قوله. قال: فقال لي: إن كان ذلك فلِي عليك خمسة آلاف درهم؟ قلت: نعم - ولو قال خمسون ألفًا لقلت نعم، لبعد ذلك عندي من أن يكون - قال: ومضيتُ. وورد على المنصور انتقاضُ الموصل وانتشارُ الأكراد بها، فقال مَنْ لها؟ فقال له المسيّب بن زهير - وكان صديقًا لخالد بن برمك: عندي يا أمير المؤمنين رأي، أرى أنك لا تنتصحه؛ وأنك ستلقاني بالردّ، ولكني لا أدَع نصحَك فيه والمشورة عليك به، قال: قل، فلا أستغشّك، قلت: يا أمير المؤمنين ما رميتَها بمثل خالد، قال: ويحك! فيصلح لنا بعد ما أتينا إليه! قال: نعم يا أمير المؤمنين؛ إنَّما قوَّمتَه بذلك وأنا الضامن عليه، قال: فهو لها والله، فليحضرني غدًا. فأحضِر، فصفح له عن الثلثمائة ألف الباقية، وعقد له.
قال يَحْيَى: ثم مررتُ بالزاجر، فلما رآني قال: أنا ها هنا أنتظرك منذ غُدوة، قلت: امض معي، فمضي معي، فدفعتُ إليه الخمسة الآلاف.
قال: وقال لي أي: أي بُنيّ؛ إنّ عُمارة تلزمه حقوق، وتنوبه نوائب فأتِه، فأقرئه السَّلام، وقل له: إن الله قد وهب لنا رأيَ أمير المؤمنين، وصفح لنا عما بقي علينا، وولّاني الموصل؛ وقد أمر بردّ ما استسلفت منك. قال: فأتيته فوجدته على مثل الحال التي لقيتُه عليه، فسلمت فما ردّ السَّلام عليّ، ولا زادني على أنَّ قال: كيف أبوك؟ قلت: بخير، يقول كذا وكذا، قال: فاستوى جالسًا، ثم قال لي: ما كنتُ إلَّا قسطارًا لأبيك؛ يأخذ مني إذا شاء ويردّ إذا شاء! قمْ عني
стр. 4884
لا قمتَ! قال: فرجعتُ إلى أبي فأعلمته، فقال لي أي: يابنيّ، هو عُمارة ومَنْ لا يعترض عليه (١).
قال: فلم يزل خالد على الموصل إلى أن توفِّي المنصور ويحيى على أذرَبيجان، فذكر عن أحمد بن محمَّد بن سوار الموصليّ أنَّه قال: ما هِبْنا قطّ أميرًا هيبتنَا خالد بن برمك من غير أن تشتدّ عقوبتُه، ولا نرى منه جَبَرِيّة؛ ولكن هيبة كانت له في صدورنا.
وذكر أحمد بن معاوية بن بكْر الباهليّ، عن أبيه، قال: كان أبو جعفر غضب على موسى بن كعب - وكان عامله على الجزيرة والموْصِل - فوجّه المهديّ إلى الرَّقة لبناء الرّافقة، وأظهر أنَّه يريد بيتَ المقدس، وأمره بالمرور والمضيّ على الموصل، فإذا صار بالبلَد أخذ موسى بن كعب فقيَّده، وولّى خالد بن بَرْمك الموصل مكانَه، ففعل المهديّ ذلك، وخلَّف خالدًا على الموصِل، وشخص معه أخَوا خالد: الحسن وسليمان ابنا برمك، وقد كان المنصور دعا قبل ذلك يَحْيَى بن خالد، فقال له: قد أردتك لأمر مهمّ من الأمور، واخترتُك لثغر من الثغور؛ فكن على أهبة؛ ولا يعلم بذلك أحد حتَّى أدعُوَ بك، فكتم أباه الخبر؛ وحضر الباب فيمن حضر؛ فخرج الرّبيع، فقال: يَحْيَى بن خالد! فقام فأخذ بيده، فأدخله على المنصور، فخرج على النَّاس وأبوه حاضر واللواء بين يديه على أذرَبيجان، فأمر النَّاسَ بالمضيّ معه، فمضوا في موكبه، وهنؤوه وهنؤوا أباه خالدًا بولايته، فاتَّصل عملهما.
وقال أحمد بن معاوية: كان المنصور معجبًا بيحيى، وكان يقول: ولد النَّاس ابنًا وولد خالد أبًا (٢).
* * *
وفيها سخِط المنصور على المسيَّب بن زهير وعزلَه عن الشُّرطة، وأمر بحبسه
стр. 4885
وتقييده، وكان سبب ذلك أنَّه قتل أبان بن بشير الكاتي بالسِّياط، لأمرٍ كان وجَد عليه فيما كان من شركته لأخيه عمرو بن زهير في ولاية الكوفة وخراجِها، وولّى مكان المسيَّب الحكم بن يوسف صاحب الحرب، ثم كلَّم المهديّ أباه في المسيِّب، فرضي عنه بعد حبسه إيَّاه أيامًا، وأعاد إليه ما كان يلي من شُرَطه.
وفيها وجَّه المنصور نصرَ بن حرب التيميّ واليًا على ثغر فارس.
وفيها سقط المنصور عن دابَّته بجَرْجَرَايا، فانشجَّ ما بين حاجبيه؛ وذلك أنَّه كان خرج لمّا وجّه ابنه المهدي إلى الرّقة مشيِّعًا له، حتَّى بلغ موضعًا يقال له جُبّ سُمّاقا، ثم عدل إلى حَوْلايا، ثم أخذ على النَّهروانات فانتهى - فيما ذكر - إلى بَثق من النّهروانات يصبّ إلى نهر دَيَاليَ، فأقام على سَكْره ثمانية عشر يومًا، فأعياه، فمضى إلى جَرْجَرايا، فخرج منها للنظر إلى ضَيْعة كانت لعيسى بن عليّ هناك، فصُرع من يومه ذلك عن برذون له دَيْزج، فشُجَّ في وجهه، وقدم عليه وهو بجَرْجَرايا أسارى من ناحية عُمان من الهند، بعث بهم إليه تسنيم بن الحواري مع ابنه محمَّد، فهمّ بضرب أعناقهم، فساءلهم فأخبروه بما التبس به أمرهم عليه؛ فأمسك عن قتلهم وقسَّمهم بين قوّاده ونُوّابه.
وفيها انصرف المهديّ إلى مدينة السَّلام من الرّقّة فدخلها في شهر رمضان.
وفيها أمر المنصور بمرَمَّة القصر الأبيض، الذي كان كسرى بناه، وأمر أن يغرَّم كلّ مَنْ وُجد في داره شيء من الآجرّ الخُسروانيّ، مما نقضه من بناء الأكاسرة، وقال: هذا فيء المسلمين، فلم يتم ذلك ولا ما أمر به من مرمَّة القصر.
[ذكر الخبر عن حبس ابن جريج وعباد بن كثير والثوري]
وفي هذه السنة حبس محمَّد بن إبراهيم بن محمَّد بن عليّ، وهو أمير مكّة - فيما ذكر - بأمر المنصور إياه بحبسهم: ابنَ جريج وعبّاد بن كثير والثوريّ، ثمّ أطلقهم من الحبس بغير إذن أبي جعفر، فغضب عليه أبو جعفر.
وذكر عمر بن شبَّة أن محمَّد بن عمران مولى محمَّد بن إبراهيم بن محمَّد بن عليّ بن عبد الله بن عباس حدّثه عن أبيه، قال: كتب المنصور إلى محمَّد بن
стр. 4886
إبراهيم - وهو أمير على مكّة - يأمره بحبس رجل من آل عليّ بن أبي طالب كان بمكة، وبحبس ابن جُريج وعباد بن كثير والثوريّ، قال: فحبسهم؛ فكان له سُمَّارة يسامرونه بالليل؛ فلما كان وقت سَمره جلس وأكبَّ على الأرض ينظر إليها، ولم ينطق بحرف حتَّى تفرّقوا. قال: فدنوتُ منه فقلت له: قد رأيتُ ما بك، فما لك؟ قال: عمَدتُ إلى ذي رحِم فحبستُه، وإلى عيونٍ من عيون النَّاس فحبستُهم، فيقدم أميرُ المؤمنين ولا أدري ما يكون؛ فلعلَّه أن يأمر بهم فيقتلوا، فيشتدَّ سلطانه وأهْلِكَ ديني؛ قال: فقلت له: فتصنع ماذا؟ قال: أوثر الله، وأطلِق القوم؛ اذْهَبْ إلى إبلي فخُذْ راحلةً منها، وخذ خمسين دينارًا فأت بها الطالبيّ وأقرئه السَّلام، وقل له: إن ابن عمك يسألك أن تحلله من ترويعه إياك وتركب هذه الراحلة وتأخذ هذه النفقة قال فلما أحسَّ بي جعل يتعوذ بالله من شرعي فلما أبلغته قال: هو في حل ولا حاجة لي إلى الراحلة ولا إلى النفقة، قال: قلت: إنّ أطيب لنفسه أن تأخذ، ففعل. قال: ثم جئتُ إلى ابن جُريج وإلى سفيان بن سعيد وعباد بن كثير فأبلغتهم ما قال، قالوا: هو في حلّ، قال: فقلت لهم: يقول لكم: لا يَظهرَنّ أحد منكم ما دام المنصور مقيمًا. قال: فلما قرب المنصور وجَّهني محمَّد بن إبراهيم بألطاف، فلما أخبِرَ المنصورُ أنّ رسول محمَّد بن إبراهيم قدم، أمر بالإبل فضرِبت وجوهها.
قال: فلما صار إلى بشر ميمون لقيه محمَّد بن إبراهيم، فلما أخبِر بذلك أمر بدوابِّه فضرِبت وجوهها، فعدل محمَّد، فكان يسير في ناحية. قال: وعدل بأبي جعفر عن الطَّريق في الشقّ الأيسر فأنيخ به، ومحمد واقف قُبالته، ومعه طبيب له، فلما ركب أبو جعفر وسار، وعديلُه الرَّبيع أمر محمَّد الطَّبيب فمضى إلى موضع مناخ أبي جعفر، فرأى نجْوه، فقال لمحمد: رأيتُ نجوَ رجل لا تطول به الحياة؛ فلما دخل مكّة لم يلبث أن مات وسلِم محمَّد.
واختُلف في سبب الوجع الذي كانت منه وفاته، فذُكر عن عليّ بن محمَّد بن سليمان النوفليّ، عن أبيه، أنَّه كان يقول: كان المنصور لا يستمرئ طعامه؛ ويشكو من ذلك إلى المتطبِّبين ويسألهم أن يتخذوا له الجوارشنات؛ فكانوا يكرهون ذلك ويأمرونه أن يُقلّ من الطعام، ويخبرونه أن الجَوارشنات تُهضم في الحال، وتُحدِث من العلّة ما هو أشدّ منه عليه؛ حتَّى قدم عليه طبيب من أطبَّاء
стр. 4887
الهند، فقال له كما قال له غيره؛ فكان يتَّخذ له سَفوفًا جَوارشنًا يابسًا، فيه الأفاويه والأدوية الحارة، فكان يأخذه فيهضم طعامه فأحمده. قال: فقال لي أي: قال لي كثير من متطبّبي العراق: لا يموت والله أبو جعفر أبدًا إلَّا بالبَطْن، قال: قلت له: وما علمك؟ قال: هو يأخذ الجوارِشن فيهضم طعامه؛ ويخلق من زئير مَعِدَتِهِ في كلّ يوم شيئًا، وشحم مصارينه، فيموت ببطنه. وقال لي: اضْرب لذلك مثلًا، أرأيت لو أنك وضعت جَرًّا على مَرْفع، ووضعت تحتها آجرّة جديدة فقطرتْ، أما كان قَطْرها يثقب الآجرّة على طول الدهر! أو ما عملت أن لكلّ قطرة خدًّا! قال: فمات والله أبو جعفر - كما قال - بالبطن.
وقال بعضهم: كان بدءُ وجعه الذي مات فيه من حرٍّ أصابه من ركوبه في الهواجر، وكان رجلًا محرورًا على سنّه، يغلب عليه المرار الأحمر، ثم هاض بطنه، فلم يزل كذلك حتى نزل بستَانَ ابن عامر، فاشتدّ به، فرحل عنه فقصَّر عن مكّة، ونزل بشر ابن المرتَفِع، فأقام بها يومًا وليلة، ثم صار منها إلى بئر ميمون؛ وهو يسأل عن دخوله الحرَم، ويوصي الرّبيع بما يريد أن يوصيَه، وتُوُفِّيَ بها في السَّحَر أو مع طلوع الفجر ليلة السبت لستٍّ خلوْن من ذي الحجَّة، ولم يحضره عند وفاته إلَّا خدَمه والربيع مولاه، فكتم الرَّبيع موتَه، ومنع النساء وغيرهنّ من البكاء عليه والصُّراخ، ثم أصبح فحضر أهلُ بيته كما كانوا يحضرون، وجلسوا مجالسهم، فكان أول من دُعي به عيسى بن عليّ، فمكث ساعة، ثم أذن لعيسى بن موسى - وقد كان فيما خلا يقدَّم في الإذن على عيسى بن عليّ، فكان ذلك مما ارتيب به - ثم أذن للأكابر وذوي الأسنان من أهل البيت، ثم لعامَّتهم؛ فأخذ الرَّبيع بيعتَهم لأمير المؤمنين المهديّ ولعيسى بن موسى من بعده، على يد موسى بن المهديّ حتَّى فرغ من بيعة بني هاشم، ثم دعا بالقوّاد فبايَعوا ولم ينكل منهم عن ذلك رجل إلَّا عليّ بن عيسى بن ماهان؛ فإنَّه أبي عند ذكر عيسى بن موسى أن يبايع له، فلطمه محمَّد بن سليمان، وقال: ومن هذا العلج! وأمصَّه، وهمّ بضرب عنقه، فبايع، وتتابع النَّاس بالبيعة. وكان المسيب بن زهير أوّلَ مَن استثنى في البيعة، وقال: عيسى بن موسى: إن كان كذلك. فأمْضَوْه.
وخرج موسى بن المهديّ إلى مجلس العامة، فبايع مَنْ بقي من القواد
стр. 4888
والوجوه، وتوجَّه العباس بن محمَّد ومحمد بن سليمان إلى مكّة ليبايع أهلَها بها؛ وكان العباس يومئذٍ المتكلم، فبايع النَّاس للمهديّ بين الركن والمقام، وتفرّق عِدّة من أهل بيت المهديّ في نواحي مكّة والعسكر فبايعه النَّاس، وأخذ في جِهاز المنصور وغسله وكفنه، وتولّى ذلك من أهل بيته العباس بن محمَّد والربيع والرّيان وعدّة من خَدمه ومواليه، ففرغ من جهازه مع صلاة العصر، وغطّى من وجهه وجميع جسده بأكفانه إلى قُصاص شعره، وأبدى رأسه مكشوفًا من أجل الإحرام، وخرج به أهل بيتِه والأخصُّ من مواليه، وصلّى عليه - فيما زعم الواقديّ - عيسى بن موسى في شِعب الخوز.
وقيل: إن الذي صلّى عليه إبراهيم بن يَحْيَى بن محمَّد بن عليّ. وقيل: إنّ المنصور كان أوصى بذلك؛ وذلك أنَّه كان خليفتَه على الصَّلاة بمدينة السَّلام.
وذَكر عليّ بن محمَّد النوفليّ، عن أبيه، أنّ إبراهيم بن يَحْيَى صَلَّى عليه في المضارب قبل أن يُحمل؛ لأنَّ الرَّبيع قال: لا يصلِّي عليه أحد يطمع في الخلافة، فقدّموا إبراهيم بن يَحْيَى - وهو يومئذٍ غلام حَدَث - ودفن في المقبرة التي عند ثَنِيَّة المدنيين التي تسمّى كذا، وتسمى ثَنيَّة المَعْلاة؛ لأنَّها بأعلَى مكّة، ونزل في قبره عيسى بن عليّ والعباس بن محمَّد وعيسى بن موسى، والربيع والرّيان موْلياه، ويقطين بن موسى.
وفي هذه السنة هلك طاغية الروم.
* * *
ذكر الخبر عن صفة أبي جعفر المنصور
ذُكر أنَّه كان أسمر طويلًا، نحيفًا، خفيفَ العارضين.
وكان وُلِدَ بالحُمَيْمة.
* * *
ذكر الخبر عن بعض سيره
ذُكر عن صالح بن الوجيه، عن أبيه، قال: بلغ المنصورَ أن عيسى بن موسى
стр. 4889
قتل رجلًا من ولد نصر بن سيَّار، كان مستخفيًا بالكوفة، فدُلّ عليه، فضرب عنقه. فأنكر ذلك وأعظمه، وهمّ في عيسى بأمر كان فيه هلاكه، ثم قطعه عن ذلك جهلُ عيسى بما فعل. فكتب إليه:
أما بعد، فإنَّه لولا نظرُ أمير المؤمنين واستبقاؤه لم يؤخِّرْك عقوبة قتل ابن نصر بن سيَّار واستبدادك به بما يقطع أطماعَ العمال في مثله، فأمسِكْ عمّن ولاك أمير المؤمنين أمره؛ من عربيّ وأعجميّ، وأحمر وأسود، ولا تستبدّنّ على أمير المؤمنين بإمضاء عقوبة في أحد قِبَله تباعةٌ، فإنَّه لا يرى أن يأخذ أحدًا بظنّة قد وضعها الله عنه بالتوبة، ولا بحَدَثٍ كان منه في حرب أعقبه الله منها سِلْمًا ستر به عن ذي غِلَّة، وحجز به عن محنة ما في الصدور؛ وليس ييأس أمير المؤمنين لأحدٍ ولا لنفسه من الله من إقبال مدبر؛ كما أنَّه لا يأمن إدبار مقبل. إن شاء الله والسلام.
وذكر عن عباس بن الفضل، قال: حدّثني يَحْيَى بن سُليم كاتب الفضل بن الرَّبيع، قال: لم يُرَ في دارِ المنصور لهوٌ قطّ، ولا شيء يشبه اللَّهو واللعب والعبث إلَّا يومًا واحدًا، فإنّا رأينا ابنًا له يقال له عبد العزيز أخا سليمان وعيسى ابني أبي جعفر من الطلحيَّة، تُوُفِّي وهو حَدَث، قد خرج على النَّاس متنكِّبًا قوسًا، متعمّمًا بعمامة، متردّيًا ببُرْد، في هيئة غلام أعرابيّ، راكبًا على قعود بين جُوالقيْن، فيهما مُقْل ونعال ومساويك وما يهديه الإعراب؛ فعجب النَّاس من ذلك وأنكروه. قال: فمضى الغلام حتَّى عبَر الجسر، وأتى المهديّ بالرُّصافة فأهدى إليه ذلك، فقبِل المهدِيّ ما في الجواليق وملأهما دراهم؛ فانصرف بين الجُوالقين؛ فعُلم أنَّه ضَرْبٌ من عبث الملوك.
وذكر عن حمّاد التركيّ، قال: كنت واقفًا على رأس المنصور، فسمع جلبةً في الدار، فقال: ما هذا يا حمّاد؟ انظر، فذهبتُ فإذا خادم له قد جلس بين الجواري، وهو يضرب لهنّ بالطنبور، وهنّ يضحكنَ، فجئت فأخبرته، فقال: وأيّ شيء الطنبور؟ فقلت: خشبة من حالها وأمرها ... ووصفتُها له؛ فقال لي: أصبتَ صفته، فما يدريك أنت ما الطنبور! قلت: رأيتُه بخُراسان، قال: نعم هناك، ثم قال: هات نعلي، فأتيته بها فقام يمشي رُويدًا حتَّى أشرف عليهم فرآهم، فلما بصروا به تفرّقوا، فقال: خذوه، فأخِذ، فقال: اضرب به رأسَه،
стр. 4890
فلم أزل أضرب به رأسَه حتَّى كسّرتُه، ثم قال: أخرِجْه من قصري، واذهب به إلى حمران بالكَرْخ، وقل له يبيعه.
وذكر العباس بن الفضل عن سلّام الأبرش، قال: كنت وأنا وصيف وغلام آخر نخدم المنصورَ داخلًا في منزله، وكانت له حجرة فيها بيت وفُسطاط وفراش ولحاف يخلو فيه، وكان من أحسن النَّاس خُلُقًا ما لم يخرج إلى النَّاس، وأشدّ احتمالًا لما يكون من عبث الصبيان؛ فإذا لبس ثيابه تغيَّر لونُه وتربّد وجهه، واحمرّت عيناه، فيخرج فيكون منه ما يكون، فإذا قام من مجلسه رجع بمثل ذلك؛ فنستقبله في ممشاه، فربّما عاتبناه.
وقال لي يومًا: يابنيّ إذا رأيتَني قد لبست ثيابي أو رجعت من مجلسي؛ فلا يدنُوَنّ مني أحد منكم مخافة أن أعرّه بشيء.
وذكر أبو الهيثم خالد بن يزيد بن وهب بن جرير بن حازم، قال: حدّثني عبد الله بن محمَّد - يلقب بمنقار من أهل خراسان وكان من عمال الرشيد - قال: حدّثني معن بن زائدة، قال: كُنَّا في الصّحابة سبعمئة رجل؛ فكنا ندخل على المنصور في كل يوم، قال: فقلت للربيع: اجعلني في آخِر مَنْ يدخل، فقال لي: لستَ بأشرفهم فتكون في أوّلهم، ولا بأخسِّهم نسبًا فتكونَ في آخرهم؛ وإن مرتبتك لتشبه نسبَك. قال: فدخلتُ على المنصور ذات يوم وعليّ دُرَّاعةٌ فضفاضة وسيف حنفيّ، أقرع بنعله الأرض، وعمامة قد سدلتها من خلفي وقُدّامي. قال: فسلّمت عليه وخرجت، فلمَّا صرت عند السِّتْر صاح بي: يا معن، صيحة أنكرتها! فقلت: لبيك يا أمير المؤمنين! قال: إليّ، فدنوت منه، فإذا به قد نزل عن عرشه إلى الأرض، وجثا على ركبتيه، واستلّ عمودًا من بين فراشيْن، واستحال لونه وَدرَّت أوداجه، فقال: إنك لصاحبي يوم واسط؛ لا نجوتُ إن نجوتَ مني، قال: قلت يا أمير المؤمنين، تلك نصرتي لباطلهم، فكيف نصرتي لحقك! قال: فقال لي: كيف قلتَ؟ فأعدتُ عليه القول، فما زال يستعيدني حتَّى ردّ العمود في مستقرّه، واستوى متربعًا، وأسفَر لونه، فقال: يا معن، إنّ لي باليمن هنات، قلت: يا أميرَ المؤمنين ليس لمكتوم رأي، قال: فقال: أنت صاحبي، فجلست، وأمر الرَّبيع بإخراج كلّ مَنْ كان في القصر فخرج، فقال لي: إن صاحب اليمن قد همّ بمعصيتي، وإني أريد أن آخذه أسيرًا ولا يفوتني
стр. 4891
شيء من ماله، فما ترى؟ قال: قلت: يا أميرَ المؤمنين، وَلِّنِي اليمن، وأظهِر أنك ضممتني إليه، ومرِ الرَّبيع يُزيح علتي في كلّ ما أحتاج إليه، ويخرجني من يومي هذا لئلا ينتشر الخبر. قال: فاستلّ عهدًا من بين فراشيْن، فوقَّع فيه اسمي وناولنيه، ثم دعا الرَّبيع، فقال: يا ربيع، إنا قد ضممنا مَعْنًا إلى صاحب اليمن، فأزح عِلّتَه فيما يحتاج إليه من الكُراع والسلاح، ولا يُمسي إلَّا وهو راحل. ثم قال: ودِّعني، فودّعته وخرجتُ إلى الدِّهليز، فلقيني أبو الوالي، فقال: يا معن، أعزِزْ عليّ أن تضمّ إلى ابن أخيك! قال: فقلت: إنَّه لا غضاضة على الرجل أن يَضُمَّه سلطانه إلى ابن أخيه، فخرجت إلى اليمن فأتيت الرّجل، فأخذته أسيرًا، وقرأت عليه العهد، وقعدت في مجلسه.
وذكر حمّاد بن أحمد اليمانيّ، قال: حدّثني محمَّد بن عمر اليماميّ أبو الرُّدينيّ، قال: أراد معن بن زائدة أن يوفِد إلى المنصور قومًا يسلُّون سخيمته، ويستعطفون قلبَه عليه، وقال: قد أفنيت عمري في طاعته، وأتعبتُ نفسي وأفنيت رجالي في حرب اليمن، ثم يسخط عليّ أن أنفقتُ المال في طاعته! فانتخب جماعة من عشيرته من أفناء ربيعة؛ فكان فيمن اختار مُجّاعة بن الأزهر، فجعل يدعو الرّجال واحدًا واحدًا، ويقول: ماذا أنت قائل لأمير المؤمنين إذا وجّهتُك إليه؟ فيقول: أقول وأقول، حتَّى جاءه مُجّاعة بن الأزهر، فقال: أعزّ الله الأمير! تسألني عن مخاطبة رجل بالعراق وأنا باليمن! اقصد لحاجتك، حتَّى أتأتَّى لها كما يمكن وينبغي فقال: أنت صاحبي، ثم التفت إلى عبد الرحمن بن عتيق المزني، فقال له: شُدّ على عَضُد ابن عمّك وقدّمه أمامك؛ فإن سها عن شيء فتلافه. واختار من أصحابه ثمانية نفر معهما حتَّى تمُّوا عشرة، وودّعهم ومضوْا حتَّى صاروا إلى أبي جعفر، فلما صاروا بين يديه تقدّموا، فابتدأ مُجّاعة بن الأزهر بحمد الله والثناء عليه والشكر، حتَّى ظنّ القوم أنَّه إنَّما قصد لهذا، ثم كرّ على ذكر النَّبيّ ﷺ ، وكيف اختاره الله من بطون العرب، ونشر من فضله؛ حتَّى تعجّب القوم، ثم كرّ على ذكر أمير المؤمنين المنصور، وما شرَّفه الله به، وما قلّده، ثم كرّ على حاجته في ذكر صاحبه. فلما انتهى كلامه، قال المنصور: أمَّا ما وصفتَ من حمد الله، فالله أجلُّ وأكبر من أن تبلغه الصفات، وأمَّا ما ذكرت من النَّبيّ ﷺ فقد فضله الله بأكثر مما قلتَ، وأمَّا ما وصفتَ به أمير
стр. 4892
المؤمنين؛ فإنَّه فضّله الله بذلك، وهو معينه على طاعته إن شاء الله، وأمَّا ما ذكرت من صاحبك فكذبتَ ولؤُمتَ، أخرج فلا يُقيل ما ذكرت. قال: صدق أميرُ المؤمنين، ووالله ما كذبتُ في صاحبي. فأخْرِجوا فلما صاروا إلى آخر الإيوان أمر بردّه مع أصحابه، فقال: ما ذكرتَ؟ فكرّ عليه الكلام: حتَّى كأنه كان في صحيفة يقرؤه، فقال له مثل القول الأوّل، فأخرِجوا حتَّى برزوا جميعًا، وأمر بهم فوقفوا، ثم التفت إلى مَنْ حضر من مُضر، فقال: هل تعرفون فيكم مثل هذا؟ والله لقد تكلَّم حتَّى حسدتُه، وما منعني أن أتمّ على ردّه إلَّا أن يقال: تعصّب عليه لأنه ربَعيّ، وما رأيتُ كاليوم رجلًا أربطَ جأشًا، ولا أظهر بيانًا؛ ردّه يا غلام. فلما صار بين يديه أعاد السّلام، وأعاد أصحابه، فقال له المنصور: اقصد لحاجتك وحاجة صاحبك. قال: يا أميرَ المؤمنين، معن بن زائدة عَبْدك وسيفك وسهمك، رميت به عدوّكَ، فضرب وطعن ورمى، حتَّى سهل ما حَزُن، وذلّ ما صعُب، واستوى ما كان معوَجًّا من اليمن، فأصبحوا من خول أمير المؤمنين أطال الله بقاءه! فإن كان في نفس أمير المؤمنين هنَة من ساعٍ أو واشٍ أو حاسد فأميرُ المؤمنين أولَى بالتفضل على عبده، ومن أفنى عمره في طاعته. فقبل وفادتهم، وقبل العذر من معن؛ وأمر بصرفهم إليه؛ فلما صاروا إلى معن وقرأ الكتاب بالرضا قبَّل ما بين عينيه، وشكر أصحابه، وخلع عليهم وأجازهم على إقدامهم، وأمرهم بالرّحِيل إلى منصور، فقال مُجّاعة:
آليتُ في مَجْلسٍ من وائلٍ قَسَمًا ... أَلا أَبِيعَك يا مَعْنٌ بأَطماعِ
يا مَعْنُ إِنك قد أَوْلَيْتَنِي نِعَمًا ... عمَّتْ لُجَيْمًا وخَصَّتْ آل مُجَّاعِ
فلا أَزالُ إليك الدهرَ مُنقَطِعًا ... حتَّى يشُيد بِهُلكي هَتفَةُ الناعِي
قال: وكانت نِعَمُ معن عليٍّ مُجّاعة، أنَّه سألة ثلاث حوائج؛ منها أنَّه كان يتعشّق امرأة من أهل بيته، سيدة يقال لها زهراء لم يتزوجْها أحد بعد؛ وكانت إذا ذُكر لها قالت: بأيّ شيء يتزوجني؟ أبجُبّته الصوف، أم بكسائه؟ فلمَّا رجع إلى معن كان أوّل شيء سألة أن يزوّجه بها، وكان أبوها في جيش مَعْن، فقال: أريد زهراء، وأبوها في عسكرك أيّها الأمير، فزوّجه إياها على عشرة آلاف درهم وأمهرها من عنده. فقال له معن: حاجتَك الثَّانية: قال: الحائط الذي فيه منزلي بحجَر وصاحبه في عسكر الأمير، فاشتراه منه وصيَّره له؛ وقال: حاجتك الثَّالثة؟
стр. 4893
قال: تهب لي مالًا. قال: فأمر له بثلاثين ألف درهم، تمام مائة ألف درهم، وصرفه إلى منزله.
وذكر عن محمَّد بن سالم الخوارزميّ - وكان أبوه من قوّاد خراسان - قال: سمعتُ أبا الفرج خال عبد الله بن جبلة الطالقانيّ يقول: سمعت أبا جعفر يقول: ما كان أحوجَني إلى أن يكون على بأبي أربعة نفر لا يكون على بأبي أعفّ منهم، قيل له: يا أميرَ المؤمنين، مَنْ هم؟ قال: هم أركان المُلْك، ولا يصلح المُلك إلَّا بهم؛ كما أن السرير لا يصلح إلَّا بأربع قوائم، إن نقصت واحدة وهَى؛ أما أحدهم فقاضٍ لا تأخذه في الله لومةُ لائم، والآخر صاحب شُرْطة ينصف الضعيف من القويّ، والثالث صاحب خراج يستقصي ولا يظلم الرعيّة فإني عن ظلمها غنيّ، والرابع - ثم عضّ على أصبعه السبابة ثلاث مرات، يقول في كل مرَّة: آه آه - قيل له: ومَنْ هو يا أمير المؤمنين؟ قال: صاحب بريد يكتب بخبر هؤلاء على الصحّة.
وقيل: إنّ المنصور دعا بعامل من عمّاله قد كسر خراجه، فقال له: أدّ ما عليك، قال: والله ما أملك شيئًا، ونادى المنادي: أشهد أن لا إله إلَّا الله، قال: يا أميرَ المؤمنين، هبْ ما عليّ لله ولشهادة أن لا إله إلَّا الله فخلّى سبيله.
قال: وولّى المنصور رجلًا من أهل الشَّام شيئًا من الخراج، فأوصاه وتقدَّم إليه، فقال: ما أعرفَني بما في نفسك الساعة يا أخا أهل الشَّام! تخرج من عندي الساعة، فتقول: الزم الصّحة؛ يلزمك العمل.
قال: وولّى رجلًا من أهل العراق شيئًا من خراجِ السواد، فأوصاه، وتقدّم إليه، فقال: ما أعرفني بما في نفسك! تخرج الساعة فتقول: من عالَ بعدها فلا اجتبرَ. أخرج عني وامضِ إلى عملك؛ فوالله لئن تعرّضْتَ لذلك لأبلغنّ من عقوبتك ما تستحقّه. قال: فولّيا جميعًا وصحّحا وناصحا.
ذكر الصبّاح بن عبد الملك الشيبانيّ، عن إسحاق بن موسى بن عيسى؛ أنّ المنصور ولّى رجلًا من العرب حضرموت، فكتب إليه وإلى البريد أنَّه يكثر الخروجَ في طلب الصّيد ببزاةٍ وكلاب قد أعدّها، فعزله وكتب إليه: ثكلتْك أمك وعدمتك عشيرتك! ما هذه العِدّة التي أعددتها للنكاية في الوحش! إنا إنَّما استكفيناك أمور المسلمين، ولم نستكفك أمورَ الوحش؛ سلم ما كنت تلي من
стр. 4894
عملنا إلى فلان بن فلان، والحقُّ بأهلك ملومًا مدحورًا (١).
وذكر الرّبيع أنَّه قال: أدخِل على المنصور سهيل بن سالم البصريّ، وقد وُلِّي عملًا فعزِل، فأمر بحبسه واستئدائه، فقال سهيل: عبدك يا أمير المؤمنين، قال: بئس العبد أنت! قال: لكنك يا أمير المؤمنين نِعمَ المولى! قال: أمَّا لَكَ فلا.
وقال: وذكر عن الفضل بن الرَّبيع عن أبيه، أنَّه قال: بينا أنا قائم بين يدي المنصور أو على رأسه؛ إذ أتِيَ بخارجيّ قد هزم له جيوشًا، فأقامه ليضرب عنقه، ثم اقتحمته عينه، فقال: يابن الفاعلة، مثلك يهزم الجيوش! فقال له الخارجيّ: ويلك وسوءة لك! بيني وبينك أمس السيف والقتل، واليوم القذف والسبّ! وما كان يؤمنك أن أرُدّ عليك وقد يئستُ من الحياة فلا تستقيلها أبدًا! قال: فاستحيا منه المنصور وأطلقه، فما رأى له وجهًا حولًا.
ذكر عبد الله بن عمرو الملحيّ أن هارون بن محمَّد بن إسماعيل بن موسى الهادي: حدثني عبد الله بن محمَّد بن أبي أيوب المكّي، عن أبيه، قال: حدثني عُمارة بن حمزة، قال: كنت عند المنصور، فانصرفت من عنده في وقت النهار، وبعد أن بايع النَّاس للمهديّ، فجاءني المهديّ في وقت انصرافي، فقال لي: قد بلغني أنّ أبي قد عزم أن يبايع لجعفر أخي، وأعطِي الله عهدًا لئن فعل لأقتلنه، فمضيت من فوري إلى أمير المؤمنين، فقلت: هذا أمر لا يؤخّر، فقال الحاجب: الساعةَ خرجْتَ! قلتُ: أمر حدَث، فأذن لي، فدخلت إليه، فقال لي: هيه يا عمارة! ما جاء بك؟ قلتُ: أمر حدث يا أمير المؤمنين أريد أن أذكره، قال: فأنا أخبرك به قبل أن تخبرني، جاءك المهديّ فقال: كيت وكيت، قلتُ: والله يا أمير المؤمنين لكأنّك حاضر ثالثنا، قال: قل له: نحن أشفق عليه من أن نعرضه لك.
وذكر عن أحمد بن يوسف بن القاسم، قال: سمعتُ إبراهيم بن صالح، يقول: كُنَّا في مجلس ننتظر الإذن فيه على المنصور، فتذاكرنا الحجّاج، فمنَّا مَنْ حمِده ومنا مَن ذمّه، فكان ممن حمِده معن بن زائدة، وممّن ذمّه الحسن بن زيد، ثم أذن لنا فدخلنا على المنصور، فانبرى الحسن بن زيد، فقال: يا أمير
стр. 4895
المؤمنين، ما كنت أحسبني أبقى حتَّى يُذكر الحجّاجُ في دارك وعلى بساطك، فيُثنى عليه. فقال أبو جعفر: وما استنكرت من ذلك! رجل استكفاه قوم فكفاهم؛ والله لوددت أني وجدت مثل الحجاج حتَّى أستكفيه أمري، وأنزله أحد الحَرمين. قال: فقال له معن: يا أميرَ المؤمنين، إن لك مثل الحجاج عدّة لو استكفيتَهم كَفَوْك، قال: ومَن هم؟ كأنَّك تريد نفسك! قال: وإن أردتُها فلم أبعد من ذلك، قال: كلّا لست كذاك؛ إن الحجاج ائتمنه قوم فأدّى إليهم الأمانة، وإنَّا ائتمنَّاك فخُنتنَا.
ذكر الهيثم بن عديّ، عن أبي بكر الهذليّ، قال: سرت مع أمير المؤمنين المنصور إلى مكّة، وسايرتُه يومًا، فعرض لنا رجل على ناقة حمراء تذهب في الأرض، وعليه جُبَّة خزّ، وعمامة عدنيَّة، وفي يده سوط يكاد يمسّ الأرض، سريّ الهيئة، فلما رآه أمرني فدعوتُه، فجاء فسأله عن نسبه وبلاده وبادية قومه وعن ولاة الصدقة. فأحسن الجواب، فأعجبه ما رأى منه، فقال: أنشدني، فأنشده شعرًا لأوس بن حجر وغيره من الشعراء من بني عمرو بن تميم؛ وحدّثه حتَّى أتى على شعر لطريف بن تميم العنبريّ، وهو قوله:
إِنَّ قَنَاتي لَنَبْع لا يؤيّسُها ... غمزُ الثِّقاف ولا دُهْنٌ ولا نارُ
متى أجِرْ خائفًا تأْمَنْ مَسارحُهُ ... وإِنْ أخِفْ آمِنًا تَقْلَقْ به الدارُ
إِنَّ الأُمورَ إِذا أَوردتُها صَدَرَتْ ... إِنَّ الأُمورَ لها وِردٌ وإصدارُ
فقال: ويحك! وما كان طريف فيكم حيث قال هذا الشعر؟ قال: كان أثقلَ العرب على عدوّه وطأةً وأدركهم بثأر، وأيمنهم نقيبة، وأعساهم قناة لمن رام هضمه، وأقراهم لضيفه، وأحوطهم من وراء جاره؛ اجتمعت العرب بعُكاظ فكلّهم أقرّ له بهذه الخلال؛ غير أن امرأ أراد أن يقصّر به، فقال: والله ما أنت ببعيد النُّجْعة، ولا قاصد الرميّة، فدعاه ذلك إلى أن جعل على نفسه ألّا يأكل إلَّا لحم قَنَص يقتنصه، ولا ينزعَ كلّ عام عن غزوة يُبعد فيها أثره، قال: يا أخا بني تميم، لقد أحسنتَ إذ وصفتَ صاحبك ولكني أحقّ ببيته منه؛ أنا الذي وَصف لا هو.
وذكر أحمد بن خالد الفُقَيْميّ أن عدّة من بني هاشم حدّثوه أنّ المنصور كان شغلُه في صدر نهاره بالأمر والنهي والولايات والعزْل وشحن الثّغور والأطراف
стр. 4896
وأمْن السبل والنظر في الخراج والنفقات ومصلحة معاش الرعيّة لطَرْح عالتهم والتلطّف لسكونهم وهدوئهم، فإذا صلّى العصر جلس لأهل بيته إلَّا من أحب أن يسامره، فإذا صَلَّى العشاء الآخرة نظر فيما ورد عليه من كُتب الثغور والأطراف والآفاق، وشاور سُمّاره من ذلك فيما أرب؛ فإذا مضى ثلثُ الليل قام إلى فراشه وانصرف سُمّاره، فإذا مضى الثُّلث الثَّاني قام من فراشه، فأسبغ وضوءه، وصفّ في محرابه حتَّى يطلع الفجر، ثم يخرج فيصلِّي بالنَّاس، ثم يدخل فيجلس في إيوانه (١).
قال إسحاق: حُدّثت عن عبد الله بن الرّبيع، قال: قال أبو جعفر لإسماعيل بن عبد الله: صفْ لي النَّاس، فقال: أهل الحجاز مبتدأ الإسلام وبقية العرب، وأهلُ العراق ركن الإسلام ومقاتلة عن الدين، وأهل الشَّام حِصْن الأمة وأسنّة الأئمة، وأهل خُراسان فرسان الهيْجاء وأعنّة الرجال، والتّرك منابت الصخور وأبناء المغازي، وأهل الهند حكماء استغنوْا ببلادهم فاكتفوْا بها عمّا يليهم، والروم أهلُ كتاب وتديّن نحَّاهم الله من القرب إلى البعد، والأنباط كان مُلكهم قديمًا فهم لكلّ قوم عبيد. قال: فأيّ الولاة أفضل؟ قال: الباذل للعطاء، والمعرض عن السيئة. قال: فأيّهم أخرق؟ قال: أنهكهم للرعية، وأتعبهم لها بالخُرق والعقوبة. قال: فالطاعة على الخوف أبلغ في حاجة الملك أم الطاعة على المحبة؟ قال: يا أميرَ المؤمنين، الطاعة عند الخوف تُسِرّ الغدر وتبالغ عند المعاينة، والطاعة على المحبّة تضمر الاجتهاد وتبالغ عند الغفلة. قال: فأيّ النَّاس أولاهم بالطاعة؟ قال: أولاهم بالمضرّة والمنفعة. قال: ما علامة ذلك؟ قال: سرعة الإجابة وبذْل النَّفس. قال: فمن ينبغي للملِك أن يتَّخذه وزيرًا؟ قال: أسلمُهم قلبًا، وأبعدهم من الهوى.
وذكر عن أبي عبيد الله الكاتب، قال: سمعت المنصور يقول للمهديّ حين عهد له بولاية العهد: يا أبا عبد الله، استدِم النعمة بالشكر، والقدرة بالعفو، والطاعة بالتألّف والنصر بالتواضع؛ ولا تنس مع نصيبك من الدُّنيا نصيبَك من رحمة الله.
стр. 4897
وذكر الزُّبير بن بَكّار، قال: حدثني مبارك الطبريّ، قال: سمعت أبا عبيد الله يقول: سمعت المنصور يقول للمهديّ: لا تبرِم أمرًا حتَّى تفكّر فيه؛ فإنّ فكر العاقل مرآته، تريه حسنه وسيّئه.
وذكر الزُّبير أيضًا، عن مصعب بن عبد الله، عن أبيه، قال: سمعت أبا جعفر المنصور يقول للمهديّ: يا أبا عبد الله؛ لا يصلح السلطانُ إلّا بالتقوى، ولا تصلح رعيَّته إلَّا بالطاعة، ولا تعمّر البلاد بمثل العدل، ولا تدوم نعمة السلطان وطاعته إلَّا بالمال، ولا تَقْدُمُ في الحياطة بمثل نقل الأخبار.
وأقدرُ النَّاس على العفو أقدرهم على العقوبة، وأعجز النَّاس مَنْ ظلم مَن هو دونه. واعتبر عملَ صاحبك وعلمَه باختباره.
وعن المبارك الطبريّ أنَّه سمع أبا عبيد الله يقول: سمعتُ المنصور يقول للمهديّ: يا أبا عبد الله، لا تجلس مجلسًا إلَّا ومعك من أهل العلم مَن يحدّثك؛ فإن محمَّد بن شهاب الزُّهريّ قال: الحديث ذكَر ولا يحبّه إلَّا ذُكور الرجال، ولا يُبغضه إلّا مؤنثوهم؛ وصَدَقَ أخو زُهْرة! (١).
وذُكِر عن عليّ بن مجاهد بن محمَّد بن عليّ، أن المنصور قال للمهديّ: يا أبا عبد الله، مَنْ أحبَّ الحمد أحسن السيرة، ومن أبغض الحمد أساءها، وما أبغض أحدً الحمد إلَّا استذمّ، وما استذمّ إلّا كرِه.
وقال المبارك الطبريّ: سمعت أبا عبيد الله يقول: قال المنصور للمهديّ: يا أبا عبد الله، ليس العاقلُ الذي يحتال للأمر الذي وقع فيه حتَّى يخرج منه؛ ولكنه الّذي يحتال للأمر الذي غشيَه حتَّى لا يقع فيه.
وذكر الفقيميّ، عن عتبة بن هارون، قال: قال أبو جعفر يومًا للمهديّ: كم راية عندك؟ قال: لا أدري، قال: هذا والله التَّضييع؛ أنت لأمر الخلافة أشدُّ تضييعًا؛ ولكن قد جمعتُ لك ما لا يضرّك معه ما ضيَّعتَ؛ فاتق الله فيما خوّلك (٢).
стр. 4898
وذكر عليّ بن محمَّد عن حفص بن عمر بن حماد، عن خالصة، قالت: دخلتُ على المنصور؛ فإذا هو يتشكَّى وجع ضِرْسه، فلما سمع حسِّي، قال: ادخلي؛ فلما دخلت إذا هو واضع يده على صُدغيه، فسكت ساعة ثم قال لي: يا خالصة، كم عندك من المال؟ قلت: ألف درهم، قال: ضعي يدلّ على رأسي واحلفي، قلت: عندي عشرة آلاف دينار، قال: احمليها إليّ، فرجعت فدخلت على المهديّ والخيزُران فأخبرتهما؛ فركلني المهديّ برجله، وقال لي: ما ذهب بك إليه! ما به من وجع؛ ولكني سألته أمس مالًا فتمارض، احملي إليه ما قلتِ؛ ففعلتْ، فلما أتاه المهديّ، قال: يا أبا عبد الله؛ تشكو الحاجة وهذا عند خالصة! (١)
وقال عليّ بن محمَّد: قال واضح مولى أبي جعفر، قال: قال أبو جعفر يومًا: انظر ما عندك من الثِّياب الخلْقان فاجمعْها، فإذا علمت بمجيء أبي عبد الله فجئني بها قبل أن يدخل؛ وليكن معها رقاع. ففعلت، ودخل عليه المهديّ وهو يقدّر الرّقاع، فضحك وقال: يا أميرَ المؤمنين، من ها هنا يقول النَّاس: نظروا في الدينار والدرهم وما دون ذلك - ولم يقل: دانق - فقال المنصور: إنَّه لا جديدَ لمن لا يصلح خلقه، هذا الشتاء قد حضر، ونحتاج إلى كسوة للعيال والولد. قال: فقال المهديّ: فعليّ كُسوة أمير المؤمنين وعياله وولده، فقال له: دونك فافعل (٢).
وذكر عليّ بن مرثد أبو دعامة الشَّاعر، أن أشجع بن عمرو السلميّ حدّثه عن المؤمَّل بن أمْيَل - وذكره أيضًا عبد الله بن الحسن الخوارزمي أن أبا قدامة حديثه أنّ المؤمل بن أميل حدّثه - قال: قدمت على المهديّ - قال ابن مرثد في خبره: وهو ولي عهد، وقال الخوارزمي: قدمت عليه الريّ وهو ولي عهد - فأمر لي بعشرين ألف درهم لأبيات امتدحته بها؛ فكتب بذلك صاحب البريد إلى المنصور وهو بمدينة السَّلام يخبره أن المهديّ أمر لشاعر بعشرين ألف درهم، فكتب إليه المنصور يعذِله ويلومه، ويقول له: إنَّما كان ينبغي لك أن تعطِيَ الشَّاعر بعد أن
стр. 4899
يقيم ببابك سنة أربعة آلاف درهم. قال أبو قدامة: فكتب إليّ كاتب المهديّ أن يوجّه إليه بالشاعر، فطُلب فلم يُقْدَر عليه، فكتب إليه أنَّه قد توجّه إلى مدينة السَّلام، فوجّه المنصور قائدًا من قوّاده، فأجلسه على جسر النهروان، وأمره أن يتصفح النَّاس رجلًا رجلًا ممّن يمرّ به؛ حتَّى يظفر بالمؤمَّل؛ فلما رآه قال له: من أنت؟ قال: أنا المؤمَّل بن أميَل، من زُوّار الأمير المهديّ، قال: إياك طلبت. قال المؤمل: فكاد قلبي ينصدع خوفًا عن أبي جعفر، فقبض عليّ ثم أتى بي بابَ المقصورة، وأسلمنيَ إلى الرّبيع، فدخل إليه الرَّبيع، فقال: هذا الشَّاعر قد ظفرنا به، فقال: أدخلوه عليّ، فأدخِلت عليه، فسلمت فردّ عليّ السَّلام، فقلت: ليس ها هنا إلا خير، قال: أنت المؤمَّل بن أميَل؟ قلت: نعم أصلح الله أمير المؤمنين! قال: هيه! أتيتَ غلامًا غِرًّا فخدعْتَه! قال: فقلت: نعم أصلح الله أمير المؤمنين؛ أتيت غلامًا غِرًّا كريمًا فخدعته فانخدع، قال: فكأنّ ذلك أعجبه، فقال: أنشدني ما قلتَ فيه، فأنشدته:
هو المهديّ إِلَّا أَن فيه ... مَشابِهَ صورة القمَر المُنِيرِ
تشابَهَ ذا وذا فَهُما إِذا ما ... أنارا مُشْكِلان على البَصِير
فهذا في الظلامِ سِراجُ ليلٍ ... وهذا في النهار سراجُ نورِ
ولكنْ فضَّل الرحمنُ هذا ... على ذا بالمنابِرِ والسَّرير
وبالمُلكِ العزيز هذا أَمير ... وماذا بالأَمير ولا الوزير
ونَقْصُ الشَّهْر يُخمِدُ ذا، وهذا ... منير عند نقصانِ الشهور
فيا بن خليفةِ الله المُصفَّى ... به تعلو مُفاخَرةُ الفَخورِ
لئن فُتَّ المُلوكَ وقد تَوافَوْا ... إِليك من السهُولَةِ والوُعُورِ
لقد سَبَقَ المُلوكَ أَبوك حتَّى ... بَقُوا من بين كابٍ أَو حَسِيرِ
وجئتَ وراءَه تجري حثيثًا ... وما بك حينَ تجري من فُتور
فقال النَّاسُ: ما هذان إِلا ... بمنزلَةِ الخَليقِ من الجَدِير
لئن سبق الكبيرُ فأَهلُ سَبْقٍ ... له فَضْلُ الكبيرِ على الصَّغِيرِ
وإن بلغ الصغيرُ مَدَى كبيرٍ ... لقد خُلِق الصغيرُ من الكبيرِ
فقال: والله لقد أحسنتَ، ولكن هذا لا يساوي عشرين ألف درهم. وقال لي: أين المال؟ قلت: ها هو ذا، قال يا ربيع انزل معه فأعطه أربعة آلاف درهم؛
стр. 4900
وخذ منه الباقي. قال: فخرج الرّبيع فحطّ ثقَلي، ووزن لي أربعة آلاف درهم وأخذ الباقي. قال: فلمَّا صارت الخلافة إلى المهديّ، ولَّى ابن ثوبان المظالم، فكان يجلس للنَّاس بالرُّصافة فإذا ملأ كساءه رقاعًا رفعها إلى المهديّ، فرفعتُ إليه يومًا رقعة أذكره قصتي، فلما دخل بها ابن ثوبان، جعل المهديّ ينظر في الرقاع؛ حتَّى إذا نظر في رقعتي ضحك، فقال له ابن ثوبان: أصلح الله أمير المؤمنين! ما رأيتك ضحكت من شيء من هذه الرّقاع إلَّا من هذه الرقعة! قال: هذه رقعة أعرف سببَها، ردُّوا إليه العشرين الألف الدرهم، فردت إليّ وانصرفتُ (١).
وذكر واضح مولى المنصور، قال: إنِّي لواقفٌ على رأس أبي جعفر يومًا إذْ دخل عليه المهديّ، وعليه قَبَاء أسود جديد، فسلّم وجلس، ثم قام منصرفًا وأتبعه أبو جعفر بصرَه لحبِّه له وإعجابه به؛ فلما توسّط الرّواق عثر بسيفه فتخرّق سواده، فقام ومضى لوجهه غير مكترِث لذلك ولا حافل به، فقال أبو جعفر: ردُّوا أبا عبد الله؛ فرددناه إليه، فقال: يا أبا عبد الله، استقلالًا للمواهب، أم بطرًا لنعمة، أم قلةَ علم بموضع المصيبة! كأنَّك جاهل بما لَك وعليك! وهذا الذي أنت فيه عطاء من الله، إن شكرتَه عليه زادك، فإن عرفت موضع البلاء منه فيه عافاك. فقال المهديّ: لا أعدمنا الله بقاءك يا أمير المؤمنين وإرشادك: والحمد لله على نعمه، وأسأل الله الشكر على مواهبه، والخلف الجميل برحمته. ثم انصرف.
قال العباس بن الوليد بن مزيد: قال: سمعت ناعم بن مزيد، يذكر عن الوضين بن عطاء، قال: استزارني أبو جعفر - وكانت بيني وبينه خلالة قبل الخلافة - فصرت إلى مدينة السَّلام، فخلوْنا يومًا، فقال لي: يا أبا عبد الله، ما مالُكَ؟ قلت: الخبر الذي يعرفه أمير المؤمنين، قال: وما عيالُك؟ قلت: ثلاث بنات والمرأة وخادم لهنّ، قال: فقال لي: أربع في بيتك؟ قلت: نعم، قال: فوالله لردّد عليّ حتَّى ظننت أنَّه سيموّلني، قال: ثم رفع رأسه إليّ، فقال: أنت أيسر العرب، أربعة مغازِل يدرْن في بيتك.
стр. 4901
وذكر بشر المنجِّم، قال: دعاني أبو جعفر يومًا عند المغرب، فبعثني في بعض الأمر، فلما رجعت رفع ناحية مصلّاه فإذا دينار، فقال لي: خذ هذا واحتفظ به، قال: فهو عندي إلى الساعة.
وذكر أبو الجهم بن عطيّة، قال: حدّثني أبو مقاتل الخراسانيّ، ورفع غلام له إلى أبي جعفر أن له عشرة آلاف درهم؛ فأخذها منه، وقال: هذا مالي؛ قال: ومن أين يكون مالك؟ فوالله ما وليتُ لك عملًا قطّ، ولا بيني وبينك رحِم ولا قرابة، قال: بلَى، كنتَ تزوّجت مولاة لعُيينة بن موسى بن كعب فورّثتْك مالًا؛ وكان ذلك قد عصى وأخذ مالي وهو والٍ على السند؛ فهذا المال من ذلك المال!
وذكر مصعب بن سلّام، عن أبي حارثة النهديّ صاحب بيت المال، قال: ولَّى أبو جعفر رجلًا باروسما؛ فلما انصرف أراد أن يتعلّل عليه، لئلا يعطيَه شيئًا، فقال له: أشركتُك في أمانتي، ووليتك فيئًا من فيء المسلمين فخنتَه! فقال: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين، ما صحبني من ذلك شيء إلّا درهم، منه مثقال صررته في كمّي، إذا خرجت من صدك اكتريت به بغلا إلى عيالي، فأدخل بيتي ليس معي شيء من مال الله ولا مالك. فقال: ما أظنك إلَّا صادقًا؛ هلمَّ درهمنا. فأخذه منه فوضعه تحت لِبده؟ فقال: ما مثَلي ومثلُك إلَّا مثل مجير أم عامر، قال: وما مجير أم عامر؛ فذكر قصَّة الضبع ومجيرها، قال: وإنَّما غالطه أبو جعفر لئلا يعطيه شيئًا.
وذُكر عن هشام بن محمَّد أن قُثَم بن العباس دخل على أبي جعفر، فكلّمه في حاجة، فقال له أبو جعفر: دعني من حاجتك هذه، أخبرني لِمَ سميت قُثَم؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين ما أدري، قال: القُثَم الذي يأكل ويُزِلّ، أما سمعت قول الشَّاعر:
وللكُبراءِ أكلٌ كيف شاءُوا ... وللصُّغراءِ أَكلٌ واقتِثامُ
وذكر عن إبراهيم بن عيسى أنّ المنصور وهب لمحمد بن سليمان عشرين ألف درهم ولجعفر أخيه عشرة آلاف درهم، فقال جعفر: يا أميرَ المؤمنين، تفضّله عليّ وأنا أسنّ منه! قال: وأنت مثله! إنا لا نلتفت إلى ناحية إلّا وجدنا من أثر محمّد فيها شيئًا، وفي منزلنا من هداياه بقيّة، وأنت لم تفعل من هذا شيئًا.
стр. 4902
وذكِر عن سوادة بن عمرو السُّلمِيّ، عن عبد الملك بن عطاء - وكان في صحابة المنصور - قال: سمعتُ ابن هُبَيرة وهو يقول في مجلسه: ما رأيتُ رجلًا قطّ في حرب، ولا سمعت به في سِلْم، أمكرَ ولا أبدعَ، ولا أشدّ تيقُّظًا من المنصور، لقد حصرني في مدينتي تسعة أشهر، ومعي فرسان العرب، فجهدنا كلّ الجهد أن ننال من عسكره شيئًا نكسره به، فما تهيّأ، ولقد حصرني وما في رأسي بيضاء، فخرجت إليه وما في رأسي سوداء؛ وإنه لكما قال الأعشى:
يَقومُ على الرّغْمِ مِنْ قومِه ... فيَعْفو إِذا شاءَ أَو يَنتَقِمْ
أَخو الحرب لا ضَرَعٌ واهنٌ ... ولم يَنْتَعِلْ بنعال خَذِمْ
وذكر إبراهيم بن عبد الرحمن أن أبا جعفر كان نازلًا على رجل يقال له أزهر السمّان - وليس بالمحدِّث - وذلك قبل خلافته، فلما وليَ الخلافة صار إليه إلى مدينة السَّلام، فأدخِل عليه، فقال: حاجتك؟ قال: يا أميرَ المؤمنين، عليّ دين أربعة آلاف درهم، وداري مستهدَمة، وابني محمَّد يريد البناء بأهلِه؛ فأمر له باثني عشر ألف درهم، ثم قال: يا أزهر؛ لا تأتنا طالبَ حاجة؛ قال: أفعل. فلما كان بعد قليل عاد، فقال: يا أزهر، ما جاء بك؟ قال: جئت مسلِّمًا يا أمير المؤمنين، قال: إنَّه ليقع في نفسي أشياء، منها أنك أتيتنا لِمَا أتيتَنا له في المرّة الأولى؛ فأمر له باثني عشر ألف درهم أخرى، ثم قال: يا أزهر، لا تأتنا طالبَ حاجة ولا مسلّمًا، قال: نعم يا أمير المؤمنين، ثم لم يلبث أن عاد، فقال: يا أزهر، ما جاء بك؟ قال: دعاء سمعته منك أحببت أن آخذه عنك، قال: لا ترده، فإنَّه غير مستجاب، لأني قد دعوت الله به أن يريحني من خلقتك فلم يفعل، وصرفه ولم يعطه شيئًا.
وذكر الهيثم بن عديّ أن ابن عيَّاش حدّثه أنّ ابن هبيرة أرسل إلى المنصور وهو محصور بواسط، والمنصور بإزائه: إنِّي خارج يوم كذا وكذا وداعيك إلى المبارزة، فقد بلغني تجبينُك إياي؛ فكتب إليه: يابن هبيرة، إنك امرؤٌ متعدٍّ طورَك، جارٍ في عنان غيِّك، يعدك الله ما هو مصدّقه، ويمنِّيك الشَّيطان ما هو مكذّبه، ويقرّب ما الله مباعده، فرويدًا يتمّ الكتاب أجله، وقد ضربتُ مثلي ومثلَك، بلغني أن أسدًا لقي خنزيرًا، فقال له الخنزير: قاتِلني، فقال الأسد: إنما أنت خنزير ولستَ لي بكفء ولا نظير، ومتى فعلتَ الذي دعوتني إليه
стр. 4903
فقتلتك، قيل لي: قتلتَ خنزيرًا؛ فلم أعتقد بذلك فخرًا ولا ذِكْرًا، وإن نالني منك شيء كان سُبّة عليّ، فقال: إن أنت لم تفعل رجعت إلى السباع فأعلمتُها أنك نكلتَ عني وجبنت عن قتالي، فقال الأسد: احتمال عمار كذبك أيسر عليّ من لطخ شاربي بدمك.
وذُكِر عن محمَّد بن رياح الجوهريّ، قال: ذكر لأبي جعفر تدبير هشام بن عبد الملك في حَرْب كانت له، فبعث إلى رجل كان معه ينزل الرُّصافة - رُصافة هشام - يسأله عن ذلك الحرب، فقدم عليه فقال: أنت صاحب هشام؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فأخبرني كيف فعل في حرب دبرها في سنة كذا وكذا؟ قال: إنَّه فعل فيها ﵀ كذا وكذا، ثم أتبع بأن قال: فعل كذا ﵁؛ فأحفظ ذلك المنصور، فقال: قم عليك غضب الله! تطأ بساطِي وتترحم على عدوّي! فقام الشَّيخ، وهو يقول: إن لعدوّك زيادة في عنقي ومنة في رقبتي لا ينزعها عني إلَّا غاسلي، فأمر المنصور بردّه، وقال: اقعد، هيه! كيف قلت؟ فقلت: إنَّه كَفاني المطلب، وصان وجهي عن السؤال، فلم أقف على بَاب عربيّ ولا أعجمي منذ رأيتُه، أفلا يجب عليّ أن أذكره بخير وأتبعه بثنائي! فقال: بلى، لله أمٌّ نهضت عنك، وليلة أدّتك، أشهد أنك نهيض حُرّة وغراس كريم؛ ثم استمع منه وأمر له ببرّ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، ما آخذه لحاجة، وما هو إلَّا أني أتشرّف بحِبائك، وأتبجّح بصِلتك. فأخذ الصّلة وخرج، فقال المنصور: عند مثل هذا تحسن الصنيعة، ويُوضع المعروف، ويجاد بالمصون، وأين في عسكرنا مثله!
وذكر عن حفص بن غياث، عن ابن عيّاش، قال: كان أهل الكوفة لا تزال الجماعة منهم قد طعنوا على عاملهم، وتظلّموا على أميرهم، وتكلّموا كلامًا فيه طعن على سلطانهم؛ فرُفع ذلك في الخبر، فقال للربيع: أخرج إلى مَنْ بالباب من أهل الكوفة، فقل لهم: إن أميرَ المؤمنين يقول لكم لئن اجتمع اثنان منكم في موضع لأحلقنّ رءوسهما ولحاهما، ولأضربنّ ظهورهما، فالزموا منازلكم، وابقوا على أنَّفسكم. فخرج إليهم الرَّبيع بهذه الرسالة فقال له ابن عياش: يا شبه عيسى بن مريم، أبلغ أمير المؤمنين عنا كما أبلغتنا عنه، فقل له: والله يا أميرَ المؤمنين ما لنا بالضَّرْب طاقة، فأمَّا حلْق اللِّحى فإذا شئت - وكان ابن عياش
стр. 4904
منتوفًا - فأبلغه، فضحك، وقال: قاتله الله ما أدهاه وأخبثه!
وقال موسى بن صالح: حدّثني محمَّد بن عقبة الصيداوي عن نصر بن حرب - وكان في حرس أبي جعفر - قال: رُفع إليّ رجلٌ قد جيء به من بعض الآفاق، قد سعى في فساد الدولة، فأدخلته على أبي جعفر، فلما رآه قال: أصْبَغ! قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: ويلك! أما أعتقتُك وأحسنتُ إليك! قال: بلى، قال: فسعيتَ في نقضِ دولتي وإفساد ملكي! قال: أخطأتُ وأمير المؤمنين أولى بالعفو. قال: فدعا أبو جعفر عُمارة - وكان حاضرًا - فقال: يا عُمارة؛ هذا أصبَغ، فجعل يتثبَّت في وجهي، وكأنّ في عينيه سوءًا، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: عليّ بكيس عطائي، فأتِيَ بكيس فيه خمسمائة درهم، فقال: خذها فإنَّها وَضَحٌ، ويلك، وعليك بعملك - وأشار بيده يحرّكها - قال عُمارة: فقلت لأصبغ: ما كان عَنَى أمير المؤمنين؟ قال: كنتُ وأنا غلام أعمل الحِبال، فكان يأكل من كسبي. قال نصر: ثم أتِيَ به ثانية، فأدخلته كما أدخلتُه قبلُ، فلما وقف بين يديه أحدَّ النظر إليه، ثم قال: أصبغ! فقال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فقصّ عليه ما فعل به، وذكره إياه، فأقرّ به، وقال: الحمق يا أمير المؤمنين؛ فقدمه فضرب عنقه.
وذكر عليّ بن محمَّد بن سليمان النوفليّ، قال: حدّثني أبي، قال: كان خِضاب المنصور زَعفرانيًّا، وذلك أن شعره كان ليِّنًا لا يقبل الخطاب، وكانت لحيته رقيقة؛ فكنت أراه على المنبر يخطُب ويبكي فيسرع الدمع على لحيته حتَّى تَكِفَ لقلة الشعر ولِينه.
وذكر إبراهيم بن عبد السَّلام، ابن أخي السنديّ بن شاهك السنديّ، قال: ظفِر المنصور برجل من كبراء بني أميَّة، فقال: إنِّي أسألك من أشياء فاصدُقني ولك الأمان، قال: نعم، فقال له المنصور: منْ أينَ أُتِيَ بنو أميّة حتَّى انتشر أمرهم؟ قال: من تضييع الأخبار، قال: فأيّ الأموال وجدوها أنفع؟ قال: الجوهر، قال فعِند مَنْ وجدوا الوفاء؟ قال: عند مواليهم، قال: فأراد المنصور أن يستعين في الأخبار بأهل بيته، ثم قال: أضعُ من أقدارهم، فاستعان بمواليه.
وذكر عليّ بن محمَّد الهاشميّ أنّ أباه محمَّد بن سليمان حدّثه، قال: بلغني أن المنصور أخذ الدّواء في يوم شاتٍ شديد البرد، فأتيته أسأله عن موافقة الدواء
стр. 4905
له، فأدخِلت مدخلًا من القَصْر لم أدخله قطّ، ثم صرتُ إلى حُجيرة صغيرة، وفيها بيت واحد ورِواق بين يديه في عَرْض البيت وعَرْض الصحن، على أسطوانة ساجٍ، وقد سدل على وجه الرّواق بواريّ كما يصنع بالمساجد، فدخلت فإذا في البيت مِسْح ليس فيه شيء غيره إلَّا فراشه ومرافقه ودِثاره، فقلتُ: يا أمير المؤمنين، هذا بيت أربأ بك عنه، فقال: يا عمّ، هذا بيت مبيتي، قلت: ليس هنا غير هذا الذي أرى، قال: ما هو إلَّا ما ترَى.
قال: وسمعته يقول عمَّن حدّثه، عن جعفر بن محمَّد، قال: قيل إنّ أبا جعفر يعرف بلباس جبة هروية مرقوعة؛ وأنَّه يرقع قميصه، فقال جعفر: الحمد لله الذي لطف له حتَّى ابتلاه بفقر نفسه - أو قال: بالفقر في ملكه. قال: وحدثني أبي، قال: كان المنصور لا يولي أحدًا ثم يعزله إلَّا ألقاه في دار خالد البطين - وكان منزل خالد على شاطئ دِجلة، ملاصقًا لدار صالح المسكين - فيستخرج من المعزول مالًا، فما أخذ من شيء أمر به فعُزل، وكُتِبَ عليه اسم مَنْ أخِذ منه، وعزل في بيت مال، وسمّاه بيتَ مال المظالم، فكثر ما في ذلك البيت من المال والمتاع. ثم قال للمهدي: إنِّي قد هيّأت لك شيئًا تُرضي به الخلق ولا تغرم من مالك شيئًا، فإذا أنا متّ فادع هؤلاء الذين أخذتُ منهم هذه الأموال التي سميتُها المظالم، فاردد عليهم كلّ ما أخِذ منهم؛ فإنَّك تستحمد إليهم وإلى العامة؛ ففعل ذلك المهديّ لما وليَ.
قال عليّ بن محمَّد: فكان المنصور ولّى محمَّد بن عبيد الله بن محمَّد بن سليمان بن محمَّد بن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث البلقاء، ثم عزله، وأمر أن يُحمَل إليه مع مالٍ وُجِد عنده، فحُمل إليه على البريد، وألفِيَ معه ألفًا دينار، فحملت مع ثقله على البريد - وكان مصلى سُوسَنْجِرْد ومضربة ومرفقة ووسادتين وطستًا وإبريقًا وأشناندانة نحاس - فوجد ذلك مجموعًا كهيئته؛ إلَّا أن المتاع قد تأكّل، فأخذ ألفي الدينار، واستحيا أن يخرج ذلك المتاع، وقال: لا أعرفه، فتركه، ثم ولّاه المهديّ بعد ذلك اليمن، وولّى الرشيد ابنه الملقب ربرا المدينة.
وذكر أحمد بن الهيثم بن جعفر بن سليمان بن عليّ، قال: حدثني صباح بن خاقان، قال: كنت عند المنصور حين أتِيَ برأس إبراهيم بن عبد الله بن حسن،