١١٨ - فحدثنا هارون بن إسحاق، قال: حدَّثنا مُصعب بن المقدام، قال: حدَّثنا إسرائيل. وحدّثنا ابنُ وكيع، قال: حدَّثنا أبي عن إسرائيل، قال: حدَّثنا أبو إسحاق، عن البَراء، قال: لمَّا كان يومُ أحُد، ولقِيَ رسول الله ﷺ المشركين أجْلسَ رسول الله ﷺ رجالًا بإزاء الرّماة، وأمَّر عليهم عبد الله بن جُبير، وقال لهم: لا تبرحوا مكانَكم إن رأيتمونا ظهرْنا عليهم، وإنْ رأيتموهم ظَهَرُوا علينا فلا تعينونا. فلمَّا لقِيَ القوم هزَم المشركين حتى رأيت النساء قد رَفعن عن سوقهنّ، وبدت خلاخيلهنّ، فجعلوا يقولون: الغنيمة الغنيمة! فقال عبد الله: مهلًا، أما علمتم ما عهد إليكم رسول الله ﷺ فأبَوْا، فانطلقوا، فلمّا أتوْهم صَرَف الله وجوههم؛ فأصيب من المسلمين سبعون (١). (٢: ٥٠٧/ ٥٠٨).
١١٩ - حدثني محمَّد بن سعد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبَّاس، قال: أقبل أبو سفيان في ثلاث ليال خلوْن من شوّال، حتَّى نزل أحُدًا، وخرج النّبي ﷺ ، فأذّن في الناس فاجتمعوا، وأمَّر الزُّبَيْر على الخيل؛ ومعه يومئذ المِقداد بن الأسود الكِنديّ،
стр. 527
وأعطى رسول الله ﷺ اللّواء رجلًا من قريش يقال له مُصعب بن عمير، وخرج حمزة بن عبد المطَّلب بالحسَّر، وبُعِث حمزةُ بين يديه، وأقبل خالد بن الوليد على خيل المشركين؛ ومعه عِكْرمة بن أبي جهل، فبعث رسول الله ﷺ الزُّبَيْر، وقال: استقبلْ خالدَ بن الوليد؛ فكنْ بإزائِه حتَّى أوذنك، وأمر بخيل أخرى، فكانوا من جانب آخر، فقال: لا تبرحُنّ حتى أوذنكم. وأقبل أبو سفيان يحمِل اللات والعُزَّى، فأرْسلَ النبيّ ﷺ إلى الزُّبير أن يحمِل، فحمل على خالد بن الوليد؛ فهزمه الله ومَنْ معه، فقال: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ - إلى قوله - ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ وإنّ الله وَعَدَ المؤمنين أن ينصرهم؛ وأنَّه معهم. وأنّ رسول الله ﷺ بعث ناسًا من الناس؛ فكانوا من ورائهم، فقال رسول الله ﷺ : كونوا هاهنا، فرُدُّوا وجهَ مَن فرّ منَّا، وكونوا حرّاسًا لنا من قِبَل ظهورنا. وأنّ رسول الله ﷺ لمَّا هزم القوم هو وأصحابه، قال الذين كانوا جُعِلوا من ورائهم بعضهم لبعض، ورأوا النساء مُصْعدات في الجبل، ورأوُا الغنائم: انطلقوا إلى رسول الله ﷺ ، فأدركوا الغنيمة قبلَ أن يسبقونا إليها؛ وقالت طائفة أخرى: بل نطيع رسول الله ﷺ فنثبُت مكاننا؛ فذلك قوله لهم: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ الذين أرادوا الغنيمة، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ الذين قالوا: نطيع رسول الله ونثبت مكاننا، فكان ابن مسعود يقول: ما شعرت أن أحدًا من أصحاب النبيّ ﷺ كان يريد الدُّنيا وعرضها؛ حتى كان يومئذ (١). (٢: ٥٠٨/ ٥٠٩).
стр. 528
١٢٥ - فحدّثني بشر بن آدم، قال: حدَّثنا عمرو بن عاصم الكِلابيّ، قال: حدَّثنا عبيد الله بن الوازع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قال الزُّبير: عَرَض رسول الله ﷺ سيفًا في يده يوم أحُد؛ فقال: مَنْ يأخذ هذا السيف بحقه؟ قال: فقمت فقلت: أنا يا رسول الله؛ قال: فأعرض عنِّي، ثم قال: مَنْ يأخذ هذا السَّيف بحقِّه؟ فقصت فقلت: أنا يا رسول الله، فأعرض عني، ثم قال: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ قال: فقام أبو دُجَانة سماك بن خَرَشةَ، فقال: أنا آخذه بحقِّه؛ وما حقُّه؟ قال: حقه ألّا تقتل به مسلمًا، وألّا تفرّ به عن كافر؛ قال: فدفعه إليه. قال: وكان إذا أراد القتال أعْلِم بعصابة؛ قال: فقلت: لأنظرنّ اليوم ما يصنع، قال: فجعل لا يرتفع له شيء إلّا هتكه وأفراه؛ حتى انتهى إلى نسوة في سفح جبل، معهنّ دُفوف لهنّ، فيهنّ امرأةٌ تقول:
نَحْنُ بناتُ طارقْ ... إنْ تُقْبلوا نُعانق
ونَبْسُط النَّمَارقْ ... أو تدْبِرُوا نُفارقْ
стр. 529
فِراقَ غَيرِ وامِق
قال: فرفع السّيف ليضربَها، ثم كفّ عنها. قال: قلت: كلّ عملك قد رأيت، أرأيت رفعك للسيف عن المرأة بعد ما أهويت به إليها! قال: فقال: أكرمت سيف رسول الله أن أقتل به امرأة (١). (٢: ٥١٠/ ٥١١).
١٢٠ / أ- رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، فقال رسول الله ﷺ : مَنْ يأخذ هذا السيف بحقِّه؟ فقام إليه رجال، فأمسكه عنهم؛ حتَّى قام إليه أبو دُجَانة سماك بن خَرَشة أخو بني ساعدة، فقال: وما حقُّه يا رسول الله؟ قال: أن تضرب به في العدوّ حتى ينحَنِيَ؛ فقال: أنا آخذه بحقَّه يا رسول الله؛ فأعطاه إياه -وكان أبو دُجَانة رجلًا شجاعًا يختال عند الحرب إذا كانت، وكان إذا أعلِم بعصابة له حمراء يعصبها على رأسه علم النَّاس أنه سيقاتل- فلمّا أخذ السيف من يد رسول الله ﷺ أخذ عصابته تلك، فعصب بها رأسه؛ ثم جعل يتبختر بين الصّفَين (٢). (٢: ٥١١).
١٢١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزُّبير، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال الزبير: والله لقد رأيتُني أنظر إلى خَدَمِ هند بنت عتبة وصواحبها مشمّرات هوارب، ما دون أخْذِهنَّ قليل كثير؛ إذ مالت الرُّماة إلى العسكر حين كَشَفْنَا القوم عنه يريدون النَّهب، وخلَّوْا ظهورنا للخيل؛ فأتينا من أدبَارنا وصَرخَ صارخ: ألا إن محمدًا قد قتِلَ! فانكفأنا وانكفأ علينا القوم؛ بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحدٌ من القوم (٣). (٢: ٥١٣).
١٢٢ - قال أبو جعفر: فلمّا أتيَ المسلمون من خلفهم انكشفوا وأصاب منهم
стр. 530
المشركون، وكان المسلمون لمّا أصابهم ما أصابهم من البلاء أثلاثًا: ثلث قتيل، وثلث جريح، وثلث منهزم؛ وقد جهدته الحرب حتى ما يدري ما يصنع، وأصيبت رَبَاعِيَةُ رسول الله ﷺ السفْلى، وشُقَّتْ شفته، وكُلِم في وجنتيه وجبْهته في أصول شعره، وعلاه ابنُ قميئة بالسّيف على شقّه الأيمن؛ وكان الذي أصابه عُتْبة بن أبي وقاص (١). (٢: ٥١٤/ ٥١٥).
١٢٣ - حدَّثنا ابن بشار، قال: حدَّثنا ابن أبي عَدِيّ، عن حُمَيد، عن أنس بن مالك، قال: لمَّا كان يوم أحدٍ، كُسِرَتْ رَبَاعِيَةُ رسول الله ﷺ وشُجَّ، فجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل يمسح الدم عن وجهه، ويقول: كيف يُفلح قومٌ خضَّبوا وجه نبيّهم بالدم. وهو يدعوهم إلى الله ! فأنزل الله : ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ الآية (٢). (٢: ٥١٥).
١٢٣ / أ- قال أبو جعفر: وقاتَل مُصعب بن عمير دون رسول الله ﷺ ومعه لواؤه حتى قتل؛ وكان الذي أصابه ابن قَمِيئة الليثيّ. وهو يظنّ أنَّه رسول الله ﷺ ؛ فرجع إلى قريش، فقال: قتلت محمدًا. فلما قتِل مُصعب بن عمير أعطى رسول الله ﷺ اللواءَ عليّ بن أبي طالب ﵁، وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أرطاة بن عبد شُرَحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصيّ؛ وكان أحدَ النّفر الَّذين يحملون اللِّواء، ثم مَرّ به سباع بن عبد العُزَّى الغُبْشانيّ -وكان يكنى بأبي نِيَار- فقال له حمزة بن عبد المطلب: هلمَّ إليّ يا بن مُقَطِّعة البُظور- وكانت أمّه أم أنمار مولاة شريق بن عمرو بن وهب الثقفيّ، وكانت ختَّانة بمكَّة - فلمَّا التقيا ضربه حمزة فقتله، فقال وَحْشِيّ غُلامُ جبَير بن مطعِم: والله إني لأنْظُر إلى حمزة يَهُذُّ الناس بسيفه، ما يُليق شيئًا يمرُّ به؛ مثل الجمل الأورق؛ إذ تقدَّمني إليه سباع بن عبد العزّى، فقال له حمزة: هلُمَّ إليّ يا بن مقطِّعة البظور! فضربه؛ فكأنما أخطأ رأسَه، وهززت حربتي حتى إذا رضيتُ منها دفعتُها عليه فوقعت في لَبّته حتى خرجت من بين رجليه، وأقبل
стр. 531
نحوي، فغلب فوقع، فأمهلته حتى إذا مات جئت فأخذتُ حربتي؛ ثم تنحَّيت إلى العسكر؛ ولم يكن لي بشيء حاجة غيره. وقد قتل عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أخو بني عمرو بن عوف مسافع بن طلحة وأخاه كِلابَ بن طلحة؛ كلاهما يشُعره سهمًا؛ فيأتي أمّه سُلافة فَيَضَعُ رأسه في حجرها؛ فتقول: يا بنيَّ! مَنْ أصابك؟ فيقول: سمعتُ رجلًا حين رماني يقول: خذها وأنا ابن الأقلح! فتقول: أقلحيّ! فنذَرَتْ لله إن أمكنها الله من رأس عاصم أن تشرب فيه الخَمْرَ. وكان عاصم قد عاهد الله ألّا يمسّ مشركًا أبدًا ولا يمسَّه مشركٌ (١). (٢: ٥١٦/ ٥١٧).
стр. 532
١٢٤ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدّثني حُميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: لقد وجدنا بأنس بن النَّضر يومئذ سبعين ضربة وطعنة فما عرفه إلّا أخته، عرفتْه بحسن بنانِه (١). (٢: ٥١٨/ ٥١٧).
١٢٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، قال: كان أوّل مَنْ عرف رسول الله ﷺ بعد الهزيمة وقول الناس: "قُتِل رسول الله ﷺ "- كما حدثني ابن شهاب الزهريّ - كعب بن مالك، أخو بني سلمة، قال: عرفت عينيه تزهرَان تحت المغْفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشرَ المسلمين أبشروا! هذا رسول الله ﷺ فأشار إليّ رسول الله ﷺ : أن أنصت. فلمّا عرف المسلمون رسول الله ﷺ نهضوا به، ونهض نحو الشِّعب، معه عليّ بن أبي طالب، وأبو بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، والحارث بن الصَّقَة، في رهط من المسلمين. فلما أسند رسول الله ﷺ في الشِّعب أدركه أبيّ بن خلف وهو يقول: أين مُحَمَّد! لا نجَوْتُ إن نجوتَ! فقال القوم: يا رسولَ الله، أيعطف عليه رجل مِنَّا؟ قال: دعوه، فلمَّا دنا تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمَّة - قال: يقول بعض الناس فيما ذكر لي: فلمَّا أخذها رسول الله ﷺ ، انتفض بها انتفاضة تطايَرْنا عنه تطايُر الشَّعْراء عن ظهر البعير إذا انتفض بها؛ ثم استقبله فطعنه في عنقه طعنة تَدأدَأ منها عن فرسه مرَارًا (٢). (٢: ٥١٨).
стр. 533
١٢٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدّثني صالح بن كيسان، عمَّن حدثه، عن سعد بن أبي وقَّاص، أنه كان يقول: والله ما حَرَصْت على قتل رجل قطّ ما حرَصْت على قتل عُتْبة بن أبي وقَّاص؛ وإن كان ما علمتُ لَسيِّيء الخلق، مبغَّضًا في قومه؛ ولقد كفاني منه قولُ رسول الله ﷺ : "اشتدّ غضب الله على من دَمَّى وجه رسول الله" (١). (٥١٩: ٢).
١٢٧ - حدَّثنا محمد بن الحُسين، قال: حدَّثنا أحمد بن المفضل، قال: حدَّثنا أسباط، عن السُّديّ، قال: أتى ابن قميئة الحارثيّ أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة، فرمى رسول الله ﷺ بحجر، فكسر أنفه ورباعيتَه، وشجَّه في وجهه، فأثقله وتفرّق عنه أصحابه، ودخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة، فقاموا عليها، وجعل رسول الله ﷺ يدْعُو الناس: إليّ عباد الله! إليّ عباد الله! فاجتمع إليه ثلاثون رجلًا، فجعلوا يسيرون بين يديه، فلم يقف أحد إلّا طلحة وسهل بن حُنَيف، فحماه طلحة، فرمي بسهم في يده فيبسَتْ يَدُه، وأقبل أبيّ بن خَلف الجُمحي؛ وقد حلف ليقتلنّ النبي ﷺ ، فقال: بل أنا أقتله، فقال: يا كذّاب، أين تَفِرُّ! فحمل عليه فطعنه النبيّ في جيب الدرع؛ فجرح جرحًا خفيفًا، فوقع يخورُ خُوَارَ الثور، فاحتملوه، وقالوا: ليس بك جراحة، فما يجزعك؟ قال: أليس قال: "لأقتلنَك"! لو كانت بجميع ربيعة ومضر لقتلتهم! فلم يلبث إلّا يومًا أو بعض يوم حتى مات من ذلك الجرح (٢). (٢: ٥١٩/ ٥٢٠).
стр. 534
١٢٧ / أ- وفشا في النَّاس أن رسول الله ﷺ قد قُتل، فقال بعض أصحاب الصخرة: ليت لنا رسولًا إلى عبد الله بن أبيّ فيأخذ لنا أمَنة من أبي سفيان! يا قوم إن محمدًا قد قتل، فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم. قال أنس بن النّضر: يا قوم إن كان محمَّد قد قتِل؛ فإن ربّ محمد لم يقتل. فقاتِلوا على ما قاتل عليه محمَّد: اللهمّ إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء! ثم شدّ بسيفه فقاتل حتى قتل؛ وانطلق رسول الله ﷺ يدعو النَّاس حتَّى انتهى إلى أصحاب الصخرة؛ فلمّا رأوه وَضَعَ رَجُلٌ سهمًا في قوسه، فأراد أن يرميَه فقال: أنا رسولُ الله؛ ففرحوا بذلك حين وجدوا رسول الله ﷺ حيًّا، وفرح رسول الله ﷺ حين رأى أنّ في أصحابه مَنْ يمتنع به؛ فلمَّا اجتمعوا وفيهم رسول الله ﷺ ذهب عنهم الحزن؛ فأقبلوا يذكرون الفتح، وما فاتهم منه، ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا، فقال الله للذين قالوا: "إن محمدًا قد قتل، فارجعوا إلى قومكم": ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ
стр. 535
أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (١). (٢: ٥٢٠).
١٢٧ / ب - فأقبل أبو سفيان حتّى أشرف عليهم، فلمّا نظروا إليه نسوا ذلك الذي كانوا عليه، وأهمَّهم أبو سفيان، فقال رسول الله ﷺ : ليس لهم أن يعلُونا؛ اللَّهمّ إنْ تقتَل هذه العصابة لا تُعْبَد! ثم نَدَب أصحابه، فرَمَوْهم بالحجارة حتى أنزلوهم؛ فقال أبو سفيان يومئذ: اعلُ هُبَل، حنظلة بحنظلة، ويومٌ بيوم بدر. وقتلوا يومئذ حنظلة بن الراهب، وكان جُنُبًا فغسَّلته الملائكة؛ وكان حنظلة بن أبي سفيان قُتِل يوم بدر؛ وقال أبو سفيان: لنا العزّى ولا عزّى لكم! فقال رسول الله ﷺ لعمر: قل: الله مولانا ولا مولى لكم. فقال أبو سفيان: أفيكم محمَّد! أما إنَّها قد كانت فيكم مُثلة؛ ما أمرت بها ولا نهيت عنها، ولا سَرَّتْني ولا ساءتني؛ فذكر الله إشراف أبي سفيان عليهم، فقال: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ والغمّ الأول: ما فاتهم من الغنيمة والفتح، والغمّ الثاني: إشراف العدوّ عليهم، ﴿لِكَيلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ من الغنيمة ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ من القتل حين تذكرون. فشغلهم أبو سفيان (٢). (٢: ٥٢١).
стр. 536
١٢٨ - قال أبو جعفر: وأما ابنُ إسحاق، فإنه قال - فيما حدَّثنا ابنُ حُميد قال: حدَّثنا سلمة عنه -: بينا رسول الله ﷺ في الشِّعب؛ ومعه أولئك النَّفر من أصحابه إذ علَتْ عالية من قريش الجبل، فقال رسول الله ﷺ : اللَّهمَّ إنَّه لا ينبغي لهم أن يعلُونا؛ فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم عن الجبل؛ ونهض رسول الله ﷺ إلى صَخْرة من الجبل ليعلوها. وقد كان بدّن رسول الله ﷺ , وظاهَرَ بين دِرْعَين، فلما ذهب لينهض لم يستطع؛ فجلس تحته
стр. 537
طلحة بن عبيد الله، فنهض حتَّى استوى عليها (١). (٢: ٥٢١ - ٥٢٢).
١٢٩ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: قال محمد: قال: قال رسول الله ﷺ ، كما حدَّثنا يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن الزُّبير، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول يومئذ: أوجب طلحة حين صنع برسول الله ما صنع (٢). (٢: ٥٢٢).
١٣٠ - قال أبو جعفر: وقد كان حنظلة بن أبي عامر الغسيل التقى هو وأبو سفيان بن حرب، فلمّا استعلاه حنظلة رآه شدّاد بن الأسود - وكان يقال له. ابن شَعوب. قد علا أبا سفيان، فضربه شدّاد فقتله، فقال رسول الله ﷺ : إن صاحبكم -يعني حنظلة- لتغسلُه الملائكة. فسلوا أهله: ما شأنه؟ فسئلت صاحبته، فقالت: خرج وهو جُنُب حين سمع الهائعة؛ فقال رسول الله ﷺ : لذلك غسَّلته الملائكة (٣). (٢: ٥٢٢).
стр. 538
١٣١ - قال أبو جعفر: ثم إن أبا سفيان بن حرب أشرف على القوم - فيما حدَّثنا هارون بن إسحاق قال: حدَّثنا مصعب بن المقدام، قال: حدَّثنا إسرائيل. وحدّثنا ابن وكيع، قال: حدّثني أبي، عن إسرائيل، قال: حدَّثنا أبو إسحاق، عن البَرَاء، قال: ثمّ إن أبا سفيان أشرف علينا، فقال: أفي القوم محمد؟ فقال رسول الله ﷺ : لا تجيبوه؛ مرتين، ثمّ قال: أفي القوم ابن أبي قُحافة؟ ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ : لا تجيبوه، ثم قال: أفِي القوم ابن الخطاب؟ ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ : أجيبوه، ثم التفت إلى أصحابه، فقال: أمَّا هؤلاء فقد قُتِلوا، لو كانوا في الأحياء لأجابوا، فلم يملك عمرُ بن الخطَّاب نفسَه أن قال: كذبتَ يا عدوّ الله، قد أبقى الله لك ما يخزيك! فقال: اعْلُ هُبَل! اعلُ هُبَل! فقال رسول الله ﷺ : أجيبوه، قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله أعْلَى وأجَل. قال أبو سفيان: ألا لنا العُزّى ولا عُزَّى لكم! فقال رسول الله ﷺ : أجيبوه، قالوا: ما نقول؟ قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم! قال أبو سفيان: يومٌ بيوم بدر، والحرب سِجَال؛ أمَّا إنكم ستجدون في القوم مُثَلًا لم آمُرْ بها ولم تسؤني (١). (٢: ٥٢٦/ ٥٢٧).
١٣٢ - وفرغ الناس لقتلاهم، فقال رسول الله ﷺ -كما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن محمَّد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازنيّ أخي بني النَّجار، أن رسول الله ﷺ ، قال: مَن رجلٌ ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع؟ - وسعد أخو بني الحارث بن الخزرج - أفي الأحياء هو أم في الأموات؟ فقال رجل من الأنصار: أنا أنظر لك يا رسولَ الله ما فعل؛ فنظر فوجده جريحًا في القتلَى به رمَق، قال: فقلت له: إن رسول الله ﷺ أمرني أن أنظر له: أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ قال: فأنا في الأموات، أبلغْ رسول الله عنِّي السَّلام، وقل له: إنّ سعدَ بن الربيع يقول لك: جزاك الله خير ما جزي نبي عن أمته وأبلغ عني قومك السلام وقل لهم إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عُذْر لكم عند الله إن خُلِصَ إلى نبيِّكم ﷺ وفيكم عينٌ
стр. 539
تطرف، ثم لم أبرح حتَّى مات؛ فجئت رسول الله ﷺ فأخبرتُه خبرَه (١) (٢: ٥٢٨).
وخرج رسول الله ﷺ فيما بلغني- يلتمس حمزة بن عبد المطَّلب، فوجده ببطن الوادي قد بُقِرَ بَطْنُه عن كبده، ومثلَ به، فجُدِعَ أنفه وأذناه.
١٣٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، قال: فحدّثني محمد بن جعفر بن الزبير، أنّ رسول الله ﷺ حين رأى بحمِزة ما رأى، قال: لولا أن تحزن صفيَّة أو تكون سنَّة من بعدي لتركته حتى يكون في أجواف السباع وحواصل الطَّير؛ ولئن أنا أظهرَني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلنَّ بثلاثين رجلًا منهم؛ فلمَّا رأى المسلمون حزْن رسول الله ﷺ وغيظه على ما فُعِل بعمِّه، قالوا: والله لئن ظهرْنا عليهم يومًا من الدهر لنَمثُلَنّ بهم مُثْلَةً لم يمثلها أحد من العرب بأحد قطّ! (٢) (٢: ٥٢٨/ ٥٢٩).
стр. 540
١٣٤ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق، قال: أخبرني بُرَيدة بن سفيان بن فروة الأسلميّ، عن محمد بن كعب القُرَظيّ، عن ابن عباس. قال ابن حميد، قال سلَمة: وحدّثني محمد بن إسحاق، قال: وحدّثني الحسن بن عُمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن مِقسَم، عن ابن عباس، قال: إن الله أنزل في ذلك من قول رسول الله ﷺ وقول أصحابه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾، إلى آخر السورة، فعفا رسول الله ﷺ وصبر ونهى عن المُثْلَة (١). (٢/ ٥٢٩).
١٣٥ - قال ابن إسحاق: وأقبلَتْ - فيما بلغني - صفيَّةُ بنتُ عبد المطلب لتنظر إلى حمزة - وكان أخاها لأبيها وأمها - فقال رسول الله ﷺ لابنها الزُّبَيْر بن العوام: القَها فأرجعها، لا ترى ما بأخيها. فلقيها الزبير فقال لها: يا أمّهْ؛ إنّ رسول الله ﷺ يأمرك أن ترجِعي، فقالت: ولم، وقد بلغني أنه مُثِلَ بأخي وذلك في الله قليل! فما أرضانا بما كان من ذلك! لاحتسبنّ ولأصبرنّ إن شاء الله. فلمّا جاء الزبير رسول الله ﷺ فأخبره بذلك، قال: خَلّ سبيلها، فأتَتْهُ فنظرتْ إليه وصَلّتْ عليه؛ واسترجعَتْ واستغفرت له؛ ثم أمرَ رسول الله ﷺ به فَدُفِن (٢). (٢: ٥٢٩).
стр. 541
١٣٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، قال: حدّثني عاصم بن قتادة، عن محمود بن لَبِيد، قال: لمَّا خرج رسول الله ﷺ إلى أُحد وقع حُسَيل بن جابر- وهو اليمان أبو حذيفة بن اليمان وثابت بن وقْش بن زَعوراء في الآطام مع النساء والصبيان، فقال أحدُهما لصاحبه؛ وهما شيخان كبيران: لا أبا لك! ما تنتظر؟ فوالله إنْ بقي لواحد منّا من عمره إلّا ظِمْء حِمَار، إنَّما نحن هامة اليومِ أو غَدٍ؛ أفلا نأخذ أسيافنا، ثم نلحق برسول الله ﷺ ، لعلّ الله يرزقنا شهادة مع رسول الله ﷺ فأخذا أسيافهما، ثم خرجا حتى دخلا في النَّاس، ولم يُعلَم بهما؛ فأمَّا ثابت بن وقْش فقتله المشركون، وأما حُسَيل بن جابر، اليَمَان، فاختلفت عليه أسياف المسلمين فقتلوه؛ ولا يعرفونه. فقال حُذَيفة: أبي والله! قالوا: والله إنْ عرفناه. وصدقوا، قال حُذَيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين! فأراد رسول الله ﷺ أن يَدِيَهُ فتصدّق حُذَيفة بِديَتِه على المسلمين، فزادته عند رسول الله ﷺ خيرًا (١). (٢: ٥٣٠).
١٣٧ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدثنا سلمة قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: كان فينا رجلٌ أتيٌّ لا يُدْرَى من أين هو، يقال له قُزْمَان، فكان رسول الله ﷺ يقول إذا ذُكِر له: إنّه لَمِنْ أهل النار؛ فلمَّا كان يوم أحُد، قاتل قتالًا شديدَّا، فقَتَل هو وحده ثمانيةً من المشركين أو تسعة؛ وكان شهمًا شجاعًا ذا بأس؛ فأثبتته الجراحة، فاحتمل إلى دار بني ظَفَر. قال: فجعل رجالٌ من المسلمين يقولون: والله لقد أبليت اليوم يا قُزمان؛ فأبشر! قال: بم أبشر! فوالله إن قاتلتُ إلّا على أحساب قومي؛ ولولا ذلك ما قاتلت؛ فلمّا اشتدّت عليه جراحته، أخذ سهمًا من كنانته فقطع رواهِشَه فنزفه الدم فمات؛ فأخبر بذلك رسول الله ﷺ ، فقال: أشهد أنّي رسولُ الله حقًّا (٢)! (٢: ٥٣١).
стр. 542
١٣٨ - قال: ومرّ رسول الله ﷺ بدار من دور الأنصار من بني عبد الأشهل وظَفَر، فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم؛ فَذرَفتْ عينَا رسول الله ﷺ فبكى ثم قال: لكنّ حمزة لا بواكيَ له! فلمّا رجع سعد بن معاذ وأسيد بن حُضيْر إلى دار بني عبد الأشهل أمَرَ نساءهم أن يتحزَّمْنَ ثم يذهبن فيبكين على عمّ رسول الله ﷺ (١). (٢: ٥٣٢).
١٣٩ - قال أبو جعفر: فلمَّا انتهى رسول الله ﷺ إلى أهله ناول سيفَه ابنته فاطمة، فقال: اغسِلي عن هذا دمَهُ يا بنيَّة؛ وناولها عليٌّ ﵇ سيفه، وقال: وهذا فاغسلي عنه؛ فوالله لقد صدقني اليوم. فقال رسول الله ﷺ : "لئن كنتَ صدقت القتال لقد صدق معك سهل بن حُنَيف، وأبو دُجَانة سماك بن خَرَشَةَ" (٢). (٢: ٥٣٣).
стр. 543
ذكر أحداث التي كانت في سنة أربع من الهجرة
- (غزوة الرجيع) -
١٤٠ - قال أبو جعفر: وأما غيرُ ابنِ إسحاق، فإنَّه قصّ من خبر هذه السريَّة غير الذي قصّه، والذي قصّه غيره من ذلك ما حدَّثنا أبو كُرَيب، قال: حدَّثنا جعفر بن عون العمريّ، قال: حدَّثنا إبراهيم بن إسماعيل، عن عمرو -أو عمر- ابن أَسِيد، عن أبي هُريرة، أنّ رسول الله ﷺ بعث عشرة رهط، وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت، فخرجوا حتى إذا كانوا بالهَدْأة ذُكِرُوا لحيّ من هُذيل، يقال لهم: بنو لِحْيان، فبعثوا إليهم مئة رجل راميًا؛ فوجدوا مأكَلهم حيث أكلوا التَّمر، فقالوا: هذه نَوَى يثرب، ثمّ اتَّبعوا آثارهم؛ حتى إذا أحسّ بهم عاصمٌ وأصحابه التجؤوا إلى جبل، فأحاط بهم الآخرون، فاستنزلوهم، وأعطَوْهم العهدَ؛ فقال عاصم: والله لا أنزل على عهد كافِرٍ، اللهمّ أخبر نبيَّك عنّا. ونزل إليهم ابن الدّثِنَة البيَاضِيّ، وخُبيب، ورجل آخر، فأطلق القوم أوتار قِسيِّهم،
стр. 544
ثمّ أوْثقوهم، فجرحوا رجلًا من الثلاثة، فقال: هذا والله أوّل الغَدْر؛ والله لا أتَّبعكم. فضربوه فقتلوه، وانطلقوا بخُبيب وابن الدثِنَة إلى مكَّة، فدفعوا خُبيبًا إلى بني الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث بأحُد؛ فبينما خُبَيب عند بنات الحارث؛ إذ استعار من إحدى بنات الحارث موسَى يستحدّ بها للقتل، فما راع المرأة - ولها صبيّ يدْرج - إلّا بخُبيب قد أجلَس الصبيَّ على فَخِذِه، والموسَى في يده، فصاحت المرأة، فقال خُبَيب: أتخْشَين أنِّي أقتُله! إنّ الغدر ليس من شأننا. قال: فقالت المرأة بعد: ما رأيتُ أسيرًا قطّ خيرًا منِ خُبيب؛ لقد رأيته وما بمكة من ثمرة، وإن في يده لقِطْفًا من عنب يأكله؛ إن كان إلّا رِزْقًا رزقه اللهُ خبيبًا.
وبعث حيّ من قريش إلى عاصم ليُؤْتَوْا من لحمه بشيء، وقد كان لعاصم فيهم آثار بأحُد؛ فبعث الله عليه دَبْرًا, فحصَتْ لَحمه، فلم يستطيعوا أن يأخذوا من لحمه شيئًا، فلمَّا خرجوا بخُبَيب من الحرم ليقتلُوه، قال: ذَرُوني أُصلّي ركعتين، فتركوه فصلَّى سجدتين، فجرت سُنَّة لمن قُتل صبْرًا أن يصلِّيَ ركعتين. ثم قال خُبَيب: لولا أن يقولوا جَرعَ لزدت، وما أبالي:
"عَلَى أَيّ شِقٍّ كان لله مَصْرَعي"
ثم قال:
وذلك في ذاتِ الإله وإن يَشَأْ ... يُبَارِكْ على أوصالِ شِلْو مُمَزَّع
اللهم أحْصِهِم عددًا، وخذهم بَدَدًا.
ثم خرج به أبو سِرْوَعة بن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف؛ فضربه فقتله (١). (٢: ٥٤٠/ ٥٤١).
стр. 545
ذكر خبر بئر معونة
١٤١ - قال أبو جعفر: وفي هذه السنة -أعني سنة أربع من الهجرة- كان من السريّه التي وجَّهها رسول الله، ﷺ فقُتلت ببئر مَعْونة. وكان سبب توجيه
стр. 546
النبيّ ﷺ إيَّاهم لِمَا وجَّههم له ما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: وحدّثني محمد بن إسحاق، قال: فأقام رسول الله ﷺ بالمدينة بقيّة شوّال وذا القَعْدة وذا الحِجَّة والمحرَّم، ووليَ تلك الحجَّة المشركون.
ثم بعث أصحاب بئر معونة في صفَر على رأس أربعة أشهر من أحُد، وكان من حديثهم ما حدّثني أبي إسحاق بن يَسار، عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وغيرهما من أهل العلم، قالوا: قدم أبو برَاء عامر بن مالك بن جعفر ملَاعِبُ الأسنَّة - وكان سيِّد بني عامر بن صَعْصعة - على رسول الله ﷺ المدينة، وأهدى له هدية، فأبى رسول الله ﷺ أن يقبَلها، وقال: يا أبا بَراء، لا أقبل هديّة مشرك، فأسْلِمْ إن أردتَ أن أقبل هديّتك. ثم عرض عليه الإسلام، وأخبره بما له فيه، وما وعبد الله المؤمنين من الثَّواب، وقرأ عليه القرآن فلم يسلِم ولم يبعُد، وقال: يا محمَّد، إنَّ أمرك هذا الذي تدعو إليه حَسَنٌ جميل، فلو بعثت رجالًا من أصحابك إلى أهل نَجْد فدعَوْهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك. فقال رسول الله ﷺ : إنّي أخشى عليهم أهل نجْد! فقال أبو بَرأء: أنا لهم جارٌ، فابعثهم فليدعُوا النَّاس إلى أمرك. فبعث رسول الله ﷺ المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة المُعْنِقَ ليموت في أربعين رجلًا من أصحابه من خيار المسلمين، منهم الحارث بن الصمَّة، وحرام بن مِلْحان أخو بني عديّ بن النّجار، وعُروة بن أسماء بن الصَّلْت السُّلَميّ، ونافع بن بُدَيل بن ورقاء الخُزاعي، وعامر بن فُهَيرة مولى أبي بكر، في رجال مُسَمَّينَ من خيار المسلمين (١). (٢: ٥٤٥/ ٥٤٦).
стр. 547
١٤٢ - حدّثني محمد بن مرزوق، قال: حدَّثنا عمرو بن يونس، عن عكرمة، قال: حدَّثنا إسحاق بن أبي طلحة، قال: حدّثني أنس بن مالك في أصحاب النبي ﷺ الذين أرسلهم رسول الله ﷺ إلى أهل بئر معونة؛ قال: لا أدري، أربعين أو سبعين! وعلى ذلك الماء عامِرُ بن الطُّفَيل الجعفريّ، فخرج أولئك النَّفر من أصحاب النبيّ ﷺ الذين بُعثوا، حتى أتوْا غارًا مشرِفًا على الماءِ قعدوا فيه. ثم قال بعضهم لبعض: أيُّكّم يبلِّغ رسالة رسول الله ﷺ أهل هذا الماء؟ فقال - أراه ابن مِلْحان الأنصاري -: أنا أبلِّغ رسالة رسول الله ﷺ ، فخرج حتى أتى حِوَاءً منهم، فاحتبى أمام البيوت، ثم قال: يا أهلَ بئر معونة، إنِّي رسولُ رسولِ الله إليكم، إنِّي أشهد أن لا إله إلَّا الله وأنّ محمدًا عبده ورسوله، فآمنوا بالله ورسوله. فخرج إليه من كِسْرِ البيت برمح فضرب به في جَنْبه حتى خرج من الشِّقِّ الآخر، فقال: الله أكبر، فُزْتُ وربّ الكعبة! فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه في الغار، فقتلهم أجمعين عامِرُ بن الطُّفيل.
قال إسحاق: حدّثني أنس بن مالك أنّ الله أنزل فيهم قُرْآنًا: "بَلِّغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربَّنا، فرضِيَ عنَّا، ورضينا عنه"، ثم نُسِخت، فرفعت بعد ما قرأناه زمانًا، وأنزل الله : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ﴾ (١). (٢: ٥٤٩ - ٥٥٠).
стр. 548
١٤٣ - حدَّثني العبّاس بن الوليد، قال: حدّثني أبي، قال: حدَّثنا الأوزاعيّ، قال: حدّثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاريّ عن أنس بن مالك، قال: بعث رسول الله ﷺ إلى عامر بن الطُّفَيل الكلابيّ سبعين رجلًا من الأنصار. قال: فقال أميرُهم: مكانَكم حتى آتيَكم بخبر القوم! فلمّا جاءهم قال: أتؤمّنوننِي حتى أخبرَكم برسالة رسول الله ﷺ ؟ قالوا: نعم؟ فبينا هو عندهم؟ إذ وخزَه رجلٌ منهم بالسِّنان. قال: فقال الرّجل: فُزْتُ وربِّ الكعبة! فقتل، فقال عامر: لا أحسبه إلَّا أنّ له أصحابًا، فاقتصّوا أثرَه حتى أتوْهم فقتلوهم، فلم يفلت منهم إلَّا رَجُلٌ واحِدٌ.
قال أنس: فكنا نقرأ فيما نُسِخ: "بَلِّغوا عَنّا إخْوانَنَا أنْ قَدْ لقينَا رَبَّنا، فرضيَ عنا ورضينا عنه" (١). (٢: ٥٥٠).
غزوة ذات الرقاع
١٤٤ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلَمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، قال: حدّثني محمد بن جعفر بن الزبير ومحمد -يعني ابن عبد الرحمن- عن عُروة بن الزُّبير، عن أبي هُريرة، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى نجْد، حتى إذا كنَّا بذات الرّقاع من نَخْل، لقيَ جمعًا من غطفان؛ فلم يكن بيننا قتال؛ إلَّا أن الناس قد خافُوهم، ونزلت صلاة الخوف، فصَدَع أصحابَه صدعين، فقامت طائفة مواجهة العدوّ، وقامت طائفة خلْف رسول الله ﷺ ، فكبَّر رسول الله ﷺ ، فكبَّرُوا جميعًا، ثم ركع بِمَنْ خلْفه، وسجد بهم، فلمّا قاموا مشوا القهقرى إلى
стр. 552
مصافّ أصحابهم، ورجع الآخرون، فصلُّوا لأنفسهم ركعة، ثم قاموا فصلَّى بهم رسول الله ﷺ ركعة وجلسوا، ورجع الَّذين كانوا مواجهين العدوّ، فصلَّوا الركعة الثانية، فجلسوا جميعًا، فجمعهم رسول الله ﷺ بالسلام، فسلَّم عليهم (١). (٥٥٦: ٢).
١٤٤ / أ - قال أبو جعفر: وقد اختلفت الرّواية في صفة صلاة رسول الله ﷺ هذه الصلاة ببطن نخْل اختلافًا متفاوتًا، كرهت ذكره في هذا الموضع خشية إطالة الكتاب، وسأذكره إن شاء الله في كتابنا المسمّى "بسيط القول في أحكام شرائع الإسلام" في كتاب صلاة الخوف منه (٢). (٢: ٥٥٧) -.
١٤٥ - حدَّثنا محمد بن بشّار، قال: حدَّثنا معاذ بن هِشَام، قال: حدَّثني أبي، عن قتادة، عن سليمان اليشكريّ، أنَّه سأل جابرَ بن عبد الله عن إقصار الصّلاة، أيّ يوم أنزل، أو في أيّ يوم هو؟ فقال جابر: انطلقنا نتلقّى عيرَ قريش آتية من الشآم؟ حتى إذا كنّا بنخْل جاء رجلٌ من القوم إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا محمد، قال: نعم، قال: هل تخافني؟ قال: لا، قال: فمن يمنعُك منِّي؟ قال: الله يمنعني منك. قال: فسلّ السيفَ ثم تهدّده وأوعده. ثم نادى بالرحيل
стр. 553
وأخْذ السلاح. ثم نودي بالصّلاة، فصلَّى نبيّ الله ﷺ بطائفة من القوم، وطائفة أخرى تحرُسهم، فصلَّى بالذين يلُونَه ركعتين، ثم تأخَّر الَّذين يلُونه على أعقابهم، فقاموا في مصافّ أصحابهم، ثمّ جاء الآخرون فصلَّى بهم ركعتين، والآخرون يحرسونهم. ثم سلَّم، فكانت للنبيّ ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتين ركعتين؛ فيومئذ أنزل الله في إقصار الصّلاة، وأمِر المؤمنون بأخْذ السلاح (١). (٢: ٥٥٧).
١٤٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمَة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن البصريّ، عن جابر بن عبد الله الأنْصاريّ؛ أن رجلًا من بني محارب يقال له فلان بن الحارث، قال لقومه من غَطَفان ومحارب: ألّا أقتلُ لكم محمدًا؟ قالوا: نعم، وكيف تقتله؟ قال: أفْتِكُ به؛ فأقبلَ إلى رسول الله ﷺ وهو جالسٌ، وسيفُ رسول الله ﷺ في حجره، فقال: يا محمّد، انظرُ إلى سيفك هذا! قال: نعم، فأخذه فاستلّه، ثم جعل يهزّه ويهمّ به، فيكبته الله . ثم قال: يا محمّد، أما تخافني؟ قال: لا، وما أخاف منك؟ قال: أما تخافني وفي يدي السيف؟ قال: لا، يمنعني الله منك! قال: ثم غَمَد السيف، فردّه إلى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيكُمْ أَيدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ (٢). (٢: ٥٥٧/ ٥٥٨)
ذكر الخبر عن غزوة الخندق
١٤٧ - وفيها: كانت غزوةُ رسول الله ﷺ الخندَق في شوّال؛ حدَّثنا بذلك ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلَمة، عن ابن إسحاق: وكان الذي جَرّ غزوة رسول الله ﷺ الخندق - فيما قيل - ما كان من إجلاء رسول الله ﷺ بني النَّضِير عن ديارهم (١). (٢: ٥٦٤/ ٥٦٥).
стр. 558
١٤٨ - فحدّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رُومان، مولى آل الزُّبير، عن عُرْوة بن الزبير ومَنْ لا أتَّهم عن عبيد الله بن كعب بن مالك، وعن الزُّهريّ، وعن عاصم بن عمر بن قتادة، وعن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعن محمد بن كَعْب القُرَظيّ وعن غيرهم من علمائنا؛ وكلٌّ قد اجتمع حديثه في الحديث عن الخندق، وبعضهم يحدّث ما لا يحدّث بعض، أنه كان من حديث الخندق أن نفرًا من اليهود منهم سلَام بن أبي الحُقَيق النَضَريّ وحُيَيّ بن أخْطبَ النَّضَريّ، وكنانة
стр. 559
ابن الربيع بن أبي الحُقَيق النَّضَريِّ، وهَوْذَةَ بن قيس الوائليّ، وأبو عمّار الوائليّ، في نفر من بني النَّضير ونَفر من بني وائل؛ هم الذين حزَّبوا الأحزاب على رسول الله ﷺ ؛ خرجوا حتى قدموا على قريش بمكّة؛ فدَعَوْهم إلى حرْب رسول الله ﷺ ، وقالوا: إنَّا سنكونُ معكم عليه حتى نستأصِله، فقالت لهم قريشُ: يا معشرَ يهود؛ إنَّكَم أهلُ الكتاب الأول، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمَّد، أفدِينُنا خيرٌ أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خيرٌ من دينه، وأنتم أولَى بالحقِّ منه. قال: فهم الذين أنزل الله فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ - إلى قوله - ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ٥١ - ٥٥].
فلمّا قالوا ذلك لقريش، سرّهم ما قالوا ونشِطوا لما دعوْهم إليه من حرب رسول الله ﷺ ، فأجمعوا لذلك واتَّعدوا له.
ثم خرج أولئك النَّفر من يَهود حتى جاؤوا غَطفَان من قيس عَيلان فدعوْهم إلى حَرْب رسول الله ﷺ ، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأنّ قريشًا تابعوهم على ذلك وأجمعوا فيه، فأجابوهم.
فخرجت قريش وقائدُها أبو سفيان بن حرْب، وخرجت غَطفان وقائدها عُيَينة بن حِصن بن حذيفة بن بدر في بني فَزارة، والحارث بن عوْف بن أبي حارثة المرّي في بني مرّة، ومسعود بن رُخَيلَة بن نُوَيرَةَ بِن طَريف بن سُحْمةَ بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشْجعَ بن رَيث بن غَطفان، فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلمّا سمع بهم رسول الله ﷺ وبما أجمعوا له من الأمر، ضرب الخندق على المدينة (١). (٢: ٥٦٥/ ٥٦٦).
١٤٩ - فلما اشتدّ البلاء على النَّاس بعث رسول الله ﷺ كما حدثّنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة. وعن محمّد بن مسلم بن شهاب الزهريّ - إلى عُيَينة بن حصن، وإلى الحارث بن عَوْف بن أبي حارثة المرّيّ - وهما قائدا غَطَفَان - فأعطاهما ثلْث ثمار المدينة؛ على أن يرجِعَا بمَنْ معهما عن رسول الله ﷺ وأصحابه، فجرى بينه وبينهم الصلح؛ حتى كتبوا الكتاب، ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلَّا المراوضة في ذلك، ففَعَلا، فلما أراد رسول الله ﷺ أن يفعل، بعث إلى سعد بن مُعاذ وسعد بن عبادة؛ فذكر ذلك لهما، واستشارهما فيه فقالا: يا رسول الله؟ أمرق تحبُّه فنصنعه، أم شيءٌ أمرك الله به؛ لابُدَّ لنا من العمل به، أم شيءٌ تصنعه لنا؟ قال: بل شيء أصنعه لكم؟ والله ما أصْنَعُ ذلك إلَّا أني رأيت العرب قد رَمَتْكم عن قوس واحدة، وكالبُوكم من كلِّ جانب، فأردت أن أكسِرَ عنكم شوكتَهم لأمرٍ ما ساعة. فقال له سعْد بن معاذ: يا رسولَ الله؛ قد كُنَّا نحنُ وهؤلاء
стр. 562
القوم على شِرْك بالله وعبادة الأوثان، ولا نعبد الله ولا نعرفه" وهم لا يطمعون أن يأكلوا منا تمرة إلَّا قِرىً أو بيعًا، أفحين أكرمَنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزَّنا بك، نُعْطيهم أموالنا! ما لنا بهذا من حاجة! والله لا نعطيهم إلَّا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. فقال رسول الله ﷺ : فأنت وذاك! فتناول سعدٌ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: ليَجْهدوا علينا (١). (٢: ٥٧٢/ ٥٧٣).
стр. 563
١٥٠ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق عن أبي ليلى عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل الأنصاريّ، ثم أحد بني حارثة، أنّ عائشة أمّ المؤمنين كانت في حِصْن بني حارثة يوم الخندق، وكان من أحرز حصون المدينة، وكانت أمّ سَعْد بن مُعاذ معها في الحصن.
قالت عائشة: وذلك قبل أن يضرَب علينا الحجاب. قالت: دمرَّ سعدٌ وعليه درْعٌ مقلَّصة، قد خرجت منها ذِراعه كلُّها، وفي يده حربته يَرْقَدُّ بها ويقول:
لَبّثْ قليلًا يَشِهَدِ الهَيجَا حَمَلْ ... لا بَأْسَ بالمَوْتِ إذَا حانَ الأجَلْ
قالت له أمّه: الحق يا بُنَيَّ، فقد والله أخَّرْتَ.
قالت عائشة: فقلتُ لها: يا أمّ سعد، والله لودَدْتُ أنْ دِرْعَ سعد كانت أسبغَ مما هي! قالت: وخفت عليه حيث أصاب السهم منه.
стр. 564
قالت: فَرُمِيَ سعد بن معاذ بسهْم، فقطع منه الأكْحل، رماه (١). (٢: ٥٧٤/ ٥٧٥).
١٥١ - فيما حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة - حِبَّانُ بن قيس بن العرِقة أحدُ بني عامر بن لؤيّ " فلمّا أصابه قال: خذها وأنا ابن العَرِقة؛ فقال سعدٌ: عَرَّقَ الله وجهك في النَّار! اللَّهمّ إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، فإنَّه لا قومَ أحبّ إليّ أن أجاهدهم من قوم آذوْا رسولَك، وكذّبوه وأخرجوه. اللهمّ وإن كنت قد وضعتَ الحرب بيننا وبينهم فاجعله لي شهادة ولا تُمِتْني حتى تقرّ عيني من بني قريظة (٢). (٢: ٥٧٥).
١٥٢ - حدَّثنا سُفيان بن وكيع، قال: حدَّثنا محمد بن بشر، قال: حدَّثنا محمد بن عمرو، قال: حدّثني أبي، عن علقمة، عن عائشة، قالت: خرجتُ يوم الخَنْدق أقْفو آثار الناس، فوالله إني لأمشي إذْ سمعت وئيد الأرض خلْفي - تعنِي حِسَّ الأرض - فالتفتُّ فإذا أنا بسعد؛ فجلست إلى الأرض، ومعه ابن أخيه الحارث بن أوْس - شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ ، حدَّثنا بذلك محمد بن عمرو - يحمل مِجَنَّه، وعلَى سعد دِرْع من حديد قد خرجت أطرافه منها.
قالت: وكان من أعظم الناس وأطولهم.
قالت: فأنا أتخوّفُ على أطراف سعد، فمرّ بي يرتجز، ويقول:
لَبّثْ قليلًا يُدْرِكِ الهَيجَا حَمَلْ ... ما أَحْسَنَ المَوْتَ إذا حان الأجَلْ!
قالت: فلمّا جاوزني قمتُ فاقتحمت حديقة فيها نَفَر من المسلمين، فيهم عمر بن الخطاب وفيهم رجل عليه تَسْبِغَة له - قال محمد: والتَّسبغة: المِغْفَر -
стр. 565
لا تُرى إلَّا عيناه، فقال عمر: إنك لَجَرِيئة؛ ما جاء بك؟ ما يدريك لعلَّه يكون تحوُّز أو بلاء! فوالله ما زال يلومني حتى وددتُ أن الأرض تنشقّ لِي فأدخل فيها، فكشف الرجل التَّسبغة عن وجهه، فإذا هو طلحة؛ فقال: إنك قد أكثرت، أين الفرار، وأين التحوُّز إلَّا إلى الله !
قالت: فَرُمِيَ سعد يومئذ بسهم، رماه رجلٌ يقال له ابن العَرِقَة؛ فقال: خذها وأنا ابنُ العَرِقَة، فقال: سعْد: عرّق الله وجهك في النار؛ فأصاب الأكحَل منه فقطعه. قال محمد بن عمرو: زعموا أنَّه لم ينقطع من أحد قطّ إلَّا لم يزل يبضّ دمًا حتى يموت. فقال سعد: اللَّهمّ لا تمِتْني حتى تقرّ عيني في بني قُريظة! وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية (١). (٢: ٥٧٥/ ٥٧٦).