← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.

стр. 5496

معسكرًا على الخندق الذي عمله سرخاستان، وصار بين العسكرين عرض الخندق، ووجَّه أيضًا عبد الله بن طاهر حيَّان بن جبلة في أربعة آلاف إلى قُومِس معسكرًا على حدّ جبال شروين، ووجّه المعتصم من قبله محمد بن إبراهيم بن مصعب أخا إسحاق بن إبراهيم في جمع كثيف، وضمَّ إليه الحسن بن قارن الطبري القائد ومَنْ كان بالباب من الطبرية، ووجه منصور بن الحسن هار صاحب دُنْباوند إلى مدينة الرّيّ ليدخل طبرستان من ناحية الرّيّ، ووجّه أبا الساج إلى اللارز ودنباوند، فلما أحدقت الخيل بالمازيار من كل جانب بعث عند ذلك إبراهيم بن مهران صاحب شرطته وعلي بن ربن الكاتب النصراني، ومعهما خليفة صاحب الحرس إلى أهل المدن المحتبسين عنده؛ أن الخيل قد زحفت إليَّ من كل جانب، وإنما حبستكم ليبعث إلي هذا الرجل فيكم - يعني المعتصم - فلم يفعل، وقد بلغني أن الحجّاج بن يوسف غضب على صاحب السند، في امرأة أسرت من المسلمين وأدخلت إلى بلاد السند حتى غزا السند، وأنفق بيوت الأموال حتى استنقذ المرأة وردّها إلى مدينتها، وهذا الرجل لا يكترث بعشرين ألفًا، ولا يبعث إلي يسأل فيكم؛ وإني لا أقدم على حربه، وأنتم ورائي، فأدّوا إليّ خراج سنتين، وأخلّي سبيلكم، ومن كان منكم شابًا قويًّا قدمته للقتال؛ فمن وفى لي منكم رددت عليه ماله، ومن لم يوف أكون قد أخذت ديته، ومن كان شيخًا أو ضعيفًا صيّرتُه من الحفظة والبوابين. فقال رجل يقال له موسى بن هرمز الزاهد - كان يقال إنه لم يشرب الماء منذ عشرين سنة - أنا أؤدي إليك خراج سنتين، وأقوم به، فقال خليفة صاحب الحرس لأحمد بن الصُّقَيْر: لِمَ لا تتكلم، وقد كنتَ أحظى القوم عند الأصبهبذ؛ وقد كنت أراك تتغذى معه، وتتكى على وسادته! وهذا شيء لم يفعله الملك بأحد غيرك؛ فأنت أولى بالقيام بهذا الأمر من موسى، قال أحمد: إنّ موسى لا يقدر على القيام بجباية درهم واحد، وإنما أجابكم بجهل وبما هو عليه وعلى الناس أجمع؛ ولو علم صاحبكم أن عندنا درهمًا واحدًا لم يحبسنا، وإنما حبسنا بعد ما استنظف كلّ ما عندنا من الأموال والذخائر، فإن أراد الضياع بهذا المال أعطيناه. فقال له عليّ بن ربن الكاتب: الضياع للملك لا لكم، فقال إبراهيم بن مهران: أسألك بالله يا أبا محمد، لما سكتَّ عن هذا الكلام! فقال له أحمد: لم

стр. 5497

أزل ساكتًا حتى كلمني هذا بما قد سمعت. ثم انصرفت الرسل على ضمان موسى الزاهد، وأعلموا المازيار ضمانه، وانضم إلى موسى الزاهد قومٌ من السعاة، فقالوا: فلان يحتمل عشرة آلاف، وفلان يحتمل عشرين ألفًا وأقل وأكثر، وجعلوا يستأكلون الناس أهل الخراج وغيرهم؛ فلما مضى لذلك أيام، ردّ مازيار الزُسل مقتضيًا المال، ومتنجزًا ما كان من ضمان موسى الزاهد، فلم يرَ لذلك أثرًا ولا تحقيقًا، وتحقق قول أحمد، وألزمه الذنْب. وعلم المازيار أن ليس عند القوم ما يؤدون، وإنما أراد أن يلقى الشر بين أصحاب الخراج، ومن لا خراج عليه من التجار والصناع. قال: ثم إن سرخاستان كان معه ممَّن اختار من أبناء القوّاد وغيرهم من أهل آمُل فِتيانٌ لهم جلّد وشجاعة، فجمع منهم في داره مائتين وستين فتىً ممَّن يخاف ناحيته، وأظهر أنه يريد جمعهم للمناظرة، وبعث إلى الأكرة المختارين من الدَّهاقين، فقال لهم: إنّ الأبناء هواهم مع العرب والمسؤدة؛ ولست آمَنُ غدرَهم ومكرهم؛ وقد جمعت أهل الظِّنَّة ممن أخاف ناحيتَه، فاقتلوهم لتأمنوا، ولا يكون في عسكركم ممن يخالف هواه هواكم. ثم أمر بكتفهم ودفْعهم إلى الأكرة ليلا، فدفعوهم إليهم، وصاروا بهم إلى قناة هناك، فقتلوهم ورَمَوا بهم في آبار تلك القناة وانصرفوا. فلما ثاب إلى الأكرة عقولُهم ندموا على فعلهم، وفزعوا من ذلك؛ فلما علم المازيار أن القوم وليس عندهم ما يؤدونه إليه، بعث الأكرة المختارين الذين قتلوا المائتين والستين فتًى، فقال لهم: إني قد أبحتكم منازل أرباب الضياع وحرمهم - إلا ما كان من جارية جميلة من بناتهم؛ فإنها تصير للملك - وقال لهم: صيروا إلى الحبس فاقتلوا أرباب الضياع جميعهم قبل ذلك، ثم حُوزوا بعد ذلك، ما وهبتُ لكم من المنازل والحرم، فجبُن القوم عن ذلك وخافوا وحذروا فلم يفعلوا ما أمرهم به. قال: وكان الموكلون بالسّور من أصحاب سرخاستان يتحدثون ليلا مع حرس الحسن بن الحسين بن مصعب، وبينهم عُرْض الخندق، حتى استأنس بعضُهم ببعض، وتآمروا وحرس سرخاستان بتسليم السور إليهم، فسلموه، ودخل أصحابُ الحسن بن الحسين من ذلك الموضع إلى عسكر سرخاستان في غفلة من الحسن بن الحسين ومن سرخاستان، فنظر أصحاب الحسن إلى قوم يدخلون من

стр. 5498

الحائط، فدخلوا معهم فنظر الناس بعضهم إلى بعض، فثاروا، وبلغ الحسن بن الحسين بن مصعب، فجعل يصيح بالقوم ويمنعهم، ويقول: يا قوم؛ إني أخاف عليكم أن تكونوا مثل قوم داونْدَان، ومضى أصحاب قيس بن زنجويه - وهو من أصحاب الحسن بن الحسين - حتى نصبوا العلم على السور في معسكر سرخاستان، وانتهى الخبر إلى سرخاستان أن العرب قد كسروا السور، ودخلوا بغتةً، فلم تكن له همة إلا الهرب، وكان سرخاستان في الحمَّام، فسمع الصياح، فخرج هاربًا في غلالة، وقال الحسن بن الحسين حين لم يقدر على رد أصحابه: اللهمّ إنهم قد عصوْني وأطاعوك، اللهم فاحفظهم وانصرهم، ولم يزل أصحاب الحسن يتبعون القوم حتى صاروا إلى الدّرْب الذي على السور فكسروه، ودخل الناس من غير مانع حتى استولوا على جميع ما في العسكر، ومضى قوم في الطلب. وذُكر عن زرارة بن يوسف السجزي أنه قال: مررتُ في الطلب؛ فبينا أنا كذلك؛ إذ صرت إلى موضع عن يَسرة الطريق، فوجلت من الممر فيه، ثم تقحمتُه بالرمح من غير أن أرى أحدًا، وصحتُ: من أنت؟ ويلك! فإذا شيخ جسيم قد صاح "زينهار" - يعني الأمان - قال: فحملت عليه، فأخذته، وشددت كتافه، فإذا هو شهريار أخو أبي صالح سرخاستان، صاحب العسكر، قال: فدفعته إلى قائدي يعقوب بن منصور، وحال الليل بيننا وبين الطلب، فرجع الناس إلى المعسكر، وأتى بشهريار إلى الحسن بن الحسين فضرب عنقه، وأما أبو صالح فمضى حتى صار على خمسة فراسخ من معسكره، وكان عليلا؛ فجهده العطش والفزع، فنزل في غَيْضة يمنة الطريق إلى سفح جبل، وشدّ دابته واستلقى، فبصر به غلام له ورجل من أصحابه يقال له جعفر بن وَنْدَاميد؛ فنظر إليه نائمًا، فقال سرخاستان: يا جعفر: شربة ماء، فقد أجهدني العطش، قال: فقلت: ليس معي إناء أغرف به من هذا الموضع فقال سرخاستان: خذ رأس جعبتي فاسقني به، قال جعفر: وملتُ إلى عداد من أصحابي، فقلت لهم: هذا الشيطان قد أهلكنا فلم لا نتقرب به إلى السلطان، ونأخذ لأنفسنا الأمان! فقالوا لجعفر: كيف لنا به؟ قال: فوقفهم عليه، وقال لهم: أعينوني ساعة، وأنا أثاوره، فأخذ جعفر خشبة عظيمة وسرخاستان مستلقٍ، فألقى نفسه عليه،

стр. 5499

وملكوه وشدُّوه كتافًا مع الخشبة، فقال لهم أبو صالح: خذوا مني مائة ألف درهم واتركوني؛ فإن العرب لا تعطيكم شيئًا، قالوا له: أحضرها، قال: هاتوا ميزانًا، قالوا: ومن أين هاهنا ميزان؟ قال: فمن أين هاهنا ما أعطيكم! ولكن صيروا معي إلى المنزل، وأنا أعطيكم العهود والمواثيق أنِّي أفي لكم بذلك، وأوفر عليكم، فصاروا به إلى الحسن بن الحسين، فاستقبلتهم خيل للحسن بن الحسين، فضربوا رؤوسهم، وأخذوا سرخاستان منهم، فهمتهم أنفسهم، ومضى أصحاب الحسن بأبي صالح إلى الحسن، فلما وقفوه بين يديه، دعا الحسن قواد طبرستان؛ مثل محمد بن المغيرة بن شعبة الأزدي، وعبد الله بن محمد القُطقُطي الضبي والفتح بن قراط وغيرهم، فسألهم: هذا سرخاستان؟ قالوا: نعم، فقال لمحمد بن المغيرة، قم فاقتله بابنك وأخيك، فقام إليه فضربه بالسيف، وأخذته السيوف فقتل. ذكر خبر أبي شاس الشاعر وكان أبو شاس الشاعر، وهو الغطريف بن حُصين بن حنش فتًى من أهل العراق، ربِّيَ بخراسان، أديبًا فهمًا، وكان سرخاستان ألزمه نفسه يتعلم منه أخلاق العرب ومذاهبها، فلما نزل بسرخاستان ما نزل به، وأبو شاس في معسكره، ومعه دواب وأثقال، هجم عليه قوم البُخارية، من أصحاب الحسن؛ فانتهبوا جميع ما كان معه، وأصابته جراحات، فبادر أبو شاس فأخذ جرة كانت معه، فوضعها على عاتقه، وأخذ بيده قدحًا، وصاح: الماء للسبيل؛ حتى أصاب غفلة من القوم، فهرب من مضربه، وقد أصابته جراحة، فبصر به غلام - وقد كان مرَّ بمضرب عبد الله بن محمد بن حميد القُطْقُطي الطبري، وكان كاتب الحسن بن الحسين - فعرفوه، عَرَفَهُ خدمه، وعلى عاتقه الجرة وهو يسقى الماء، فأدخلوه خيمتهم، وأخبروا صاحبهم بمكانه، فأدخل عليه، فحمله وكساه، وأكرمه غاية الإكرام، ووصفه للحسن بن الحسين، وقال له: قل في الأمير قصيدة، فقال أبو شاس: والله لقد امّحَى ما في صدري من كتاب الله من الهول، فكيف أحسن الشعر! ووجه الحسن برأس أبي صالح سرخاستان إلى عبد الله بن طاهر، ولم يزل من معسكره.

стр. 5500

وذكر عن محمد بن حفص أن حيان بن جَبَلة مولى عبد الله بن طاهر، كان أقبل مع الحسن بن الحسين إلى ناحية طميس، فكاتب قارن بن شهريار، ورغبه في الطاعة، وضمن له أن يملكه على جبال أبيه وجده، وكان قارن من قواد مازيار وهو ابن أخيه. وكان مازيار صيَّره مع أخيه عبد الله بن قارن، وضمّ إليهما عدة من ثقات قواده وقراباته؛ فلما استملاه حيان؛ وكان قارن قد ضمن له أن يسلم له الجبال، ومدينة سارية إلى حد جُرجان، على أن يملكه على جبال أبيه وجده إذا وفى له بالضمان، وكتب بذلك حيان إلى عبد الله بن طاهر، سجل له عبد الله بن طاهر بكل ما سأل، وكتب إلى حيان بأن يتوقف ولا يدخل الجبل ولا يُوغل حتى يكون من قارن ما يُستدل به على الوفاء، لئلا يكون منه مكر؛ فكتب حيان إلى قارن بذلك، فدعا قارن بعبد الله بن قارن وهو أخو مازيار، ودعا جميع قواده إلى طعامه، فلما أكلوا ووضعوا سلاحهم واطمأنوا أحدق بهم أصحابه في السلاح الشاك، وكتفهم ووجه بهم إلى حيان بن جبلة، فلما صاروا إليه استوثق منهم، وركب حيان في جمعه حتى دخل جبال قارن. وبلغ مازيار الخبر فاغتم لذلك، وقال له القوهيار أخوه: في حبسك عشرون ألفًا من المسلمين، من بين إسكاف وخياط، وقد شغلت نفسك بهم، وإنما أتيت من مأمنك وأهل بيتك وقرابتك فما تصنع بهؤلاء المحبسين عندك؟ قال: فأمر مازيار بتخلية جميع من في حبسه، ثم دعا إبراهيم بن مهران صاحب شرطته، وعليَّ بن ربَّن النصرانيَّ كاتبه، وشاذان بن الفضل صاحب خراجه، ويحيى بن الروذبهار جهبذه، وكان من أهل السهل عنده، فقال لهم: إن حرمكم ومنازلكم وضياعكم بالسهل، وقد دخلت العرب إليكم، وأكره أن أشُومكم، فاذهبوا إلى منازلكم، وخذوا لأنفسكم الأمان ثم وصلهم، وأذن لهم في الانصراف، فصاروا إلى منازلهم وأخذوا الأمان لأنفسهم. ولما بلغ أهل مدينة سارية أخذ سرخاستان واستباحة عسكره ودخول حيان بن جبلة جبل شروين، وثبوا على عامل مازيار بسارية - وكان يقال له مهريستاني بن شهريز - فهرب منهم، ونجا بنفسه، وفتح الناس باب السجن، وأخرجوا من فيه، ووافى حيان بعد ذلك مدينة سارية، وبلغ قوهيار أخا مازيار موافاة حيان سارية، فأطلق محمد بن موسى بن حفص الذي كان عامل طبرسان من حبسه،

стр. 5501

وحمله على بغل بسرج، ووجه به إلى حيَّان ليأخذ له الأمان، ويجعل له جبال أبيه وجده على أن يسلم إليه مازيار، ويوثق له بذلك بضمان محمد بن موسى بن حفص وأحمد بن الصُّقير؛ فلما صار محمد بن موسى إلى حيان، وأخبره برسالة قوهيار إليه، قال له حيان: من هذا؟ يعني أحمد. قال: شيخ البلاد، وبقية الخلفاء والأمير عبد الله بن طاهر به عارف، فبعث حيان إلى أحمد، فأتاه فأمره بالخروج إلى مسلحة خُرَّماباذ مع محمد بن موسى، وكان لأحمد ابن يقال له إسحاق. وكان قد هرب من مازيار؛ يأوي نهاره الغياض، ويصير بالليل إلى ضيعة يقال لها ساواشريان، هي على طريق الجادة من قدح الأصبهبذ الذي فيه قصر مازيار. فذكر عن إسحاق، أنه قال: كنت في هذه الضيعة، فمر بي عدة من أصحاب مازيار، معهم دواب تقاد وغير ذلك، قال: فوثبت على فرس منها هجين، ضخم فركبته عُريًا، وصرت إلى مدينة سارية، فدفعته إلى أبي، فلما أراد أحمد الخروج إلى خرماباذ ركب ذلك الفرس، فنظر إليه حيان، فأعجبه، فالتفت حيان إلى اللَّوزجان - وكان من أصحاب قارن - فقال له: رأيت هذا الشيخ على فرس نبيل قل ما رأيت مثله، فقال له اللَّوزجان: هذا الفرس كان لمازيار، فبعث حيان إلى أحمد يسأله البعثة بالفرس إليه، لينظر إليه، فبعث به إليه، فلما تأمل النظر وفتشه وجده مشطب باليدين، فزهد فيه، ودفعه إلى اللَّوزجان، وقال لرسول أحمد: هذا لمازيار، ومال مازيار لأمير المؤمنين، فرجع الرسول فأخبر أحمد، فغضب على اللَّوزجان من ذلك، فبعث إليه أحمد بالشتيمة، فقال اللَّوزجان: ما لي في هذا ذنب! ورد الفرس إلى أحمد، ومعه برذون وشهري [فاره]، فأمر رسوله فدفعهما إليه، وغضب أحمد من فعل حيان به، وقال: هذا الحائك يبعث إلى شيخ مثلي فيفعل به ما فعل! ثم كتب إلى قوهيار: ويحك! لِمَ تغلط في أمرك وتترك مثل الحسن بن الحسين عم الأمير عبد الله بن طاهر، وتدخل في أمان هذا العبد الحائك، وتدفع أخاك، وتضع قدرك، وتحقد عليك الحسن بن الحسين بتركك إياه وميلك إلى عبد من عبيده! فكتب إليه قوهيار. قد غلطتُ في أول الأمر؛ وواعدت الرجل أن أصير إليه بعد غد، ولا آمن إن خالفته أن يناهضني ويحاربني، ويستبيح منازلي وأموالي؛ وإن قاتلتُه فقتلتُ من

стр. 5502

أصحابه، وجرت الدماء بيننا وقعت الشحناء، ويبطل هذا الأمر الذي التمسته، فكتب إليه أحمد: إذا كان يوم الميعاد فابعث إليه رجلا من أهل بيتك، واكتب إليه أنه قد عرضتْ لك علة منعتك من الحركة، وأنك تتعالج ثلاثة أيام؛ فإنك عُوفيت وإلَّا صرت إليه في محمل، وسنحمله نحن على قبول ذلك منك، والمصير في الوقت. وإن أحمد بن الصُّقير ومحمد بن موسى بن حفص كتبا إلى الحسن بن الحسين وهو في معسكره بطميس ينتظر أمر عبد الله بن طاهر وجواب كتابه بقتل سرخاستان وفتح طميس، فكتبا إليه أن اركب إلينا لندفع إليك مازيار والجبل، وإلا فاتك، فلا تقم. ووجها الكتاب مع شاذان بن الفضل الكاتب، وأمراه أن يعجل السير. فلما وصل الكتاب إلى الحسن ركب من ساعته، وسار مسيرة ثلاثة أيام في ليلة، حتى انتهى إلى سارية، فلما أصبح سار إلى خُرّماباذ - وهو يوم موعد قُوهيار - وسمع حيان وقع طبول الحسن، فركب فتلقاه على رأس فرسخ، فقال له الحسن: ما تصنع هاهنا! ولم توجه إلى هذا الموضع، وقد فتحت جبال شروين وتركتها، وصرت إلى هاهنا، فما يؤمنك أن يبدو للقوم، فيغدروا بك، فينتقض عليك جميع ما عملت، ارجع إلى الجبل، فصير مسالحك في النواحي والأطراف، وأشرف على القوم إشرافًا لا يمكنهم الغدر، إن هموا به. فقال له حيان: أنا على الرجوع، وأريد أن أحمل أثقالي، وأتقدم إلى رجالي بالرحلة، فقال له الحسن: امض أنت، فأنا باعث بأثقالك ورجالك خلفك، وبت الليلة بمدينة سارية حتى يوافوك، ثم تبكِّر من غدٍ؛ فخرج حيان من فوره كما أمره الحسن إلى سارية، ثم ورد عليه كتاب عبد الله بن طاهر أن يعسكر بلبورة - وهي من جبال وَنْدَاهُرْمز، وهي أحصن موضع من جباله، وكان أكثر مال مازيار بها - وأمره عبد الله ألا يمنع قارن مما يريد من تلك الجبال والأموال. فاحتمل قارن ما كان لمازيار هنالك من المال، والذي كان بأسباندرة من ذخائر مازيار، وما كان لسرخاستان بقدح السلتان، واحتوى على ذلك كله. فانتقض على حيان جميع ما كان سنح له بسبب ذلك الفرس، وتوفى بعد ذلك حيان بن جبلة. فوجه عبد الله مكانه على أصحابه محمد الحسين بن

стр. 5503

مصعب، وتقدم إليه عبد الله ألا يضرب على يدي قارن في شيء يريده، وصار الحسن بن الحسين إلى خُرّماباذ، فأتاه محمد بن موسى بن حفص وأحمد بن الصُّقير، فتناطروا سرًّا، فجزاهما خيرًا، وكتب هو إلى قوهيار، فوافى خُرّماباذ، وصار إلى الحسن، فبره وأكرمه وأجابه إلى كل ما سأل، واتعدا على يوم، ثم صرفه وصار قوهيار إلى مازيار، فأعلمه أنه قد أخذ له الأمان، واستوثق له، وكان الحسين بن قارن قد كاتب قوهيار من ناحية محمد بن إبراهيم بن مصعب، وضمن له الرغائب عن أمير المؤمنين، فأجابه قوهيار، وضمن له ما ضمن لغيره، كل ذلك ليردهم عن الحرب ومال إليه، فركب محمد بن إبراهيم من مدينة آمُل، وبلغ الحسن بن الحسين الخبر. فذكر عن إبراهيم بن مهران أنه كان يتحدث عند أبي السعدي، فلما قرب وكان طريقه على باب مضرب الحسن، قال: فلما حاذيتُ مضربه؛ إذا بالحسن الزوال انصرف يريد منزله راكب وحده، لم يتبعه إلّا ثلاثة غلمان له أتراك، قال: فرميت بنفسي، وسلمت عليه، فقال: اركب؛ فلما ركبت قال: أين طريق آرُم؟ قلت: هي على هذا الوادي، فقال لي: امض أمامي، قال: فمضيتُ حتى بلغت دربًا على ميلين من آرُم، قال: ففزعت، وقلت: أصلح الله الأمير! هذا موضع مَهُول، ولا يسلكه إلا ألف فارس؛ فأرى لك أن تنصرف ولا تدخله. قال: فصاح بي: امض. فمضيت وأنا طائش العقل، ولم نر في طريقنا أحدًا حتى وافينا آرم، فقال لي: أين طريق هُرْمزداباذ؟ قلت: على هذا الجبل في هذا الشَّراك. قال: فقال لي: سر إليها، فقلت: أعز الله الأمير! الله الله في نفسك وفينا وفي هذا الخلق الذي معك! قال: فصاح بي: امض يا ابن اللخناء، قال: فقلت له: أعزك الله! اضرب أنت عنقي؛ فإنه أحب إلي من أن يقتلني مازيار، ويلزمني الأمير عبد الله بن طاهر الذنب. قال: فانتهرني حتى ظننت أنه سيبطش بي، ومضيت وأنا خليع الفؤاد، وقلت في نفسي: الساعة نؤخذ جميعًا، أو نوقَف بين يدي مازيار فيوبِّخني، ويقول: جئت دليلا عليّ! فبينا نحن كذلك إذْ وافينا هرمزداباذ مع اصفرار الشمس، فقال لي: أين كان سجن المسلمين هاهنا؟ فقلت له: في هذا الموضع. قال: فنزل فجلس ونحن صيام، والخيل تلحقنا متقطعة، وذلك أنه ركب من

стр. 5504

غير علم الناس، فعلموا بعد ما مضى، فدعا الحسن بيعقوب بن منصور، فقال له: يا أبا طلحة، أحبّ أن تصير إلى الطالقانيّة، فتلطّف بحيَلك لجيش أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن مصعب هنالك ساعتين أو ثلاث ساعات أو أكثر؛ ما أمكنك، وكان بينه وبين الطالقانية فَرْسخان أو ثلاثة فراسخ، قال إبراهيم: فبينا نحن وقوف بين يدي الحسن، إذ دعا بقيس بن زَنجويه، فقال له: امض إلى درب لبورة، وهو على أقلَّ من فرسخ، فابرز بأصحابك على الدَّرب. قال: فلما صلّينا المغرب وأقبل الليل، إذا أنا بفرسان بين أيديهم الشّمع مشتعلًا مقبلين من طريق لبُورة، فقال لي: يا إبراهيم، أين طريق لبورة؟ فقلت: أرى نيرانًا وفرسانًا قد أقبلوا من ذلك الطريق، قال: وأنا داهش لا أقف على ما نحن فيه، حتى قربت النيران منا؛ فأنظر فإذا المازيار مع القوهيار، فلم أشعر حتى نزلا وتقدم المازيار، فسلم على الحسن بالإمرة، فلم يردّ عليه، وقال لطاهر بن إبراهيم وأوس البلخي: خذاه إليكما. وذكر عن أخي وميدوار بن خواست جيلان، أنه في تلك الليلة صار مع نفر إلى قوهيار، وقال له: اتق الله، قد خلفت سرواتنا، فأذن لي أكنفُ هؤلاء العرب كلَّهم، فإن الجند حيارى جياع، وليس لهم طريق يهربون، فتذهب بشرفها ما بقى الدهر، ولا تثق بما يعطيك العرب، فليس لهم وفاء! فقال قوهيار: لا تفعلوا، وإذا قوهيار قد عبَّى علينا العرب، ودفع مازيار وأهل بيته إلى الحسن لينفرد بالملك؛ ولا يكون أحد ينازعه ويضادّه. فلما كان في السحر، وجّه الحسن بالمازيار مع طاهر بن إبراهيم وأوْس البلخيّ إلى خرماباذ، وأمرهما أن يمرّا به إلى مدينة سارية، وركب الحسن، وأخذ على وادي بابك إلى الكانية مستقبلا محمد بن إبراهيم بن مُصعب، فالتقيا ومحمد يريد المصير إلى هرمزداباذ لأخذ المازيار، فقال له الحسن: يا أبا عبد الله، أين تريد؟ قال: أريدُ المازيار، فقال: هو بسارية، وقد صار إليَّ، ووجّهت به إلى هنالك، فبقى محمد بن إبراهيم متحيرًا. وكان القوهيار قد همّ بالغدر بالحسن، ودفع المازيار إلى محمد بن إبراهيم، فسبق الحسن إلى ذلك، وتخوف القوهيار منه أن يحاربه حين رآه متوسِّطًا الجبل، إن أحمد بن الصُّقير كتب إلى القوهيار: لا أرى لك التخليط والمناصبة لعبد الله بن طاهر، وقد كُتب

стр. 5505

إليه بخبرك وضمانك فلا تكن ذا قلبيْن، فعند ذلك حذّره ودفعه إلى الحسن، وصار محمد بن إبراهيم والحسن بن الحسين إلى هرمزداباذ، فأحرقا قصر المازيار بها، وأنهبا ماله، ثم صارا إلى معسكر الحسن بخرماباذ، ووجها إلى إخوة المازيار، فحبسوا هناك في داره، ووكل بهم، ثم رحل الحسن إلى مدينة سارية؛ فأقام بها، وحبس المازيار بقرب خيمة الحسن، وبعث الحسن إلى محمد بن موسى بن حفص يسأله عن القيد الذي كان قيده به المازيار، فبعث به محمد إليه، فقيد المازيار بذلك القيد، ووافى محمد بن إبراهيم الحسن بمدينة سارية ليناظره في مال المازيار وأهل بيته، فكتبا بذلك إلى عبد الله بن طاهر، وانتظرا أمره، فورد كتاب عبد الله إلى الحسن بتسليم المازيار وإخوته وأهل بيته إلى محمد بن إبراهيم، ليحملهم إلى أمير المؤمنين المعتصم؛ ولم يعرض عبد الله لأموالهم، وأمره أن يستصفي جميع ما للمازيار ويحرزه، فبعث الحسن إلى المازيار فأحضره، وسأله عن أمواله فذكر أن ماله عند قوم سماهم، من وجوه أهل سارية وصلحائهم عشرة نفر، وأحضر القوهيار، وكتب عليه كتابًا، وضمنه توفير هذه الأموال التي ذكرها المازيار، أنها عند خزانه وأصحاب كنوزه، فضمن القوهِيار ذلك وأشهد على نفسه. ثم إن الحسن أمر الشهود الذين أحضرهم أن يصيروا إلى المازيار، فيشهدوا عليه؛ فذكر عن بعضهم، أنه قال: لما دخلنا على المازيار، تخوفت من أحمد بن الصُّقير أن يفزعه بالكلام، فقلت له: أحب أن تمسك عنه، ولا تذكر ما كنت أشرت به، فسكت أحمد عند ذلك، فقال المازيار: اشهدوا أن جميع ما حملتُ من أموالي وصجبي ستة وتسعون ألف دينار، وسبع عشرة قطعة زمرد، وست عشرة قطعة ياقوت أحمر، وثمانية أوقار سلال مجلدة، فيها ألوان الثياب، وتاج وسيف من ذهب وجوهر، وخنجر من ذهب مكلل بالجوهر، وحُق كبير مملوء جوهرًا، وقد وضعه بين أيدينا، وقد سلمت ذلك إلى محمد بن الصباح، وهو خازن عبد الله بن طاهر وصاحب خبره على العسكر وإلى القوهيار. قال: فخرجنا إلى الحسن بن الحسين، فقال: أشهدتم على الرجل؟ قال: قلنا: نعم، قال: هذا شيء كنت اخترته لي، فأحببت أن يعلم قِلّته وهَوَانه عندي.

стр. 5506

وذكر عن عليّ بن ربَّن النصراني الكاتب أن ذلك الحق كان شرى جوهره على المازيار وجدّه وشَهْريار ثمانية عشر ألف ألف درهم، وكان المازيار حمل ذلك كله إلى الحسن بن الحسين، على أن يظهر أنه خرج إليه في الأمان، وأنه قد آمنه على نفسه وماله وولده؛ وجعل له جبال أبيه، فامتنع الحسن بن الحسين من هذا وعفّ عنه - وكان أعفَّ الناس عن أخذ درهم أو دينار - فلما أصبح أنفذ المازيار مع طاهر بن إبراهيم وعليّ بن إبراهيم الحربيّ، وورد كتاب عبد الله بن طاهر في إنفاذه مع يعقوب بن منصور، وقد ساروا بالمازيار ثلات مراحل، فبعث الحسن فردَّه، وأنفذه مع يعقوب بن منصور، ثم أمر الحسن بن الحسين القُوهِيار أخا المازيار أن يحمل الأموال التي ضمنها، ودفع إليه بغالا من العسكر، وأمر بإنفاذ جيش معه، فامتنع القوهيار، وقال لا حاجة لي بهم، وخرج بالبغال هو وغلمانه، فلما ورد الجبل وفتح الخزائن، وأخرج الأموال وعبّاها ليحملها، وثب عليه مماليك المازيار من الديالمة - وكانوا ألفًا ومائتين - فقالوا له: غدرت بصاحبنا، وأسلمته إلى العرب، وجئت لتحمل أمواله! فأخذوه وكبلوه بالحديد، فلما جنّه الليل قتلوه، وانتهبوا تلك الأموال والبغال؛ فانتهى الخبر إلى الحسن، فوجّه جيشًا إلى الذين قتلوا القوهيار، ووجّه قارن جيشًا من قِبَله في أخذهم، فأخذ منهم صاحب قارن عدة، منهم ابن عمّ للمازيار، يقال له شهريار بن المَصْمُغان - وكان رأس العبيد ومحرّضهم - فوجّه به قارن إلى عبد الله بن طاهر، فلما صار بقومِس مات، وكان جماعة أولئك الديالمة أخذوا على السَّفح والغَيْضَة يريدون الديلم، فنذر بهم محمد بن إبراهيم بن مصعب، فوجّه من قِبَله الطبرية وغيرهم حتى عارضوهم، وأخذوا عليهم الطريق، فأخذوا، فبعث بهم إلى مدينة سارية مع عليّ بن إبراهيم، وكان مدخل محمد بن إبراهيم حين دخل من شَلَنْبَة على طريق الروذبار إلى الورُّيان. وقيل: إن فساد أمر مازيار وهلاكه كان من قبل ابن عمّ له يقال له .... كان في يديه جبال طبرستان كلها، وكان في يد المازيارر السهل؛ وكان ذلك كالقسمة بينهم يتوارثونه، فذُكر عن محمد بن حفص الطبريّ أن الجبالى بطبرستان ثلاثة: جبل وَنْداهُرْمز في وسط جبال طَبَرستان، والثاني جبل أخيه ونداسبْجان بن الأنداد بن قارن، والثالث جبَل شَرْوين بن سُرْخاب بن باب، فلما قوي أمرُ

стр. 5507

المازيار بعث إلى ابن عمه ذلك، وقيل هو أخوه القوهِيار، فألزمه بابه، وولَّى الجبل واليًا من قِبَله، يقال له درّي؛ فلما احتاج المازيار إلى الرجال لمحاربة عبد الله بن طاهر؛ دعا بابن عمه أو أخيه القوهِيار، فقال له: أنت أعرف بجبلك من غيرك، وأظهره على أمر الأفشين ومكاتبته له، وقال له: صرْ في ناحية الجبل، فاحفظ عليّ الجبل. وكتب المازيار إلى الدرّيّ يأمره بالقدوم عليه، فقدم عليه، فضم إليه العساكر، ووجّهه في وجه عبد الله بن طاهر، وظنّ أنه قد توثق من الجبل بابن عمه أو أخيه القُوهيار، وذلك أن الجبل لم يُظنّ أنه يُؤتى منه. لأنه ليس فيه للعساكر والمحاربة طريق لكثرة المضايق والشَّجر الذي فيه، وتوثّق من المواضع التي يتخوّف منها بالدري وأصحابه، وضمّ إليه المقاتلة وأهل عسكره، فوجّه عبدالله بن طاهر عمَّه الحسن بن الحسين بن مصعب، في جيش كثيف من خراسان إلى المازيار، ووجه المعتصم محمد بن إبراهيم بن مصعب، ووجّه معه صاحب خبر يقال له يعقوب إبراهيم البوشنجي مولى الهادي، ويعرف بقوْصرة؛ يكتب بخبر العسكر؛ فوافى محمد بن إبراهيم الحسن بن الحسبن، وزحفت العساكر نحو المازيار حتى قَرُبوا منه، والمازيار لا يشكّ أنه قد توثّق من الموضع الذي تلقّاه الجبل فيه. وكان المازيار في مدينته في نفر يسير، فدعا ابنّ عمّ المازيار الحقد الذي كان في قلبه على المازيار وصنيعه به وتنحيته إياه عن جبله، أنْ كاتَبَ الحسن بن الحسين، وأعلمه جميع ما في عساكره، وأنّ الأفشين كاتب المازيار. فأنفذ الحسن كتاب ابن عمّ المازيار إلى عبد الله بن طاهر، فوجّه به عبد الله برجل إلى المعتصم، وكاتب عبد الله الحسن بن الحسين ابن عم المازيار - وقيل القوهيار - وضمنا له جميع ما يريد؛ وكان ابن عم المازيار أعلم عبد الله بن طاهر أن الجبل الذي هو عليه كان له ولأبيه ولآبائه من قِبَل المازيار، وأن المازيار عند تولية الفضل بن سهل إياه طبرستان انتزع الجبل من يديه، وألزمه بابه، واستخفّ به، فشرط له عبد الله بن طاهر إن هُوَ وثب بالمازيار، واحتال له أن يصير الجبل على حسب ما لم يزل. ولا يُعرَض له فيه، ولا يحارب. فرضِيَ بذلك ابن عم المازيار، فكتب له عبد الله بن طاهر بذلك كتابًا،

стр. 5508

وتوثق له فيه، فوعد ابن عمّ المازيار الحسن بن الحسين ورجالهم أن يدخلهم الجبل، فلما كان وقت الميعاد، أمر عبد الله بن طاهر الحسن بن الحسين أن يزحف للقاء الدريّ، ووجّه عسكرًا ضخمًا عليه قائد من قواده في جوف الليل، فوافوا ابن عمّ المازيار في الجبل، فسلّم الجبال إليهم، وأدخلهم إليها، وصافَّ الدريّ العسكر الذي بإزائه، فلم يشعر المازيار وهو في قصره حتى وقفت الرّجّالة والخيل على باب قصره، والدري يحارب العسكر الآخر؛ فحصروا المازيار، وأنزلوه على حكم أمير المؤمنين المعتصم. وذكر عمرو بن سعيد الطبريّ أن المازيار كان يتصيّد، فوافته الخيل في الصيد؛ فأخذ أسيرًا ودُخل قصره عَنْوة، وأخذ جميع ما فيه، وتوجّه الحسن بن الحسين بالمازيار، والدريّ يقاتل العسكر الذي بإزائه، لم يعلم بأخذ المازيار، فلم يشعر إلا وعسكر عبد الله بن طاهر مِنْ ورائه، فتقطعت عساكره، فانهزم ومضى يريد الدخول إلى بلاد الديلم، فقتل أصحابه، واتيعوه فلحقوه في نفر من أصحابه، فرجع يقاتلهم، فقتِل وأخِذ رأسه، فبعث به إلى عبد الله بن طاهر، وقد صار المازيار في يده، فوعده عبدُ الله بن طاهر إن هو أظهره على كتب الأفشين أن يسأل أمير المؤمنين الصَّفْح عنه، وأعلمه عبد ألله أنه قد علم أن الكتب عنده، فأقرّ المازيار بذلك، فطُلبت الكتب فوُجدت، وهي عدّة كتب، فأخذها عبد الله بن طاهر، فوجّه بها مع المازيار إلى إسحاق بن إبراهيم، وأمره ألّا يخرج الكتب من يده ولا المازيار إلّا إلى يد أمير المؤمنين، لئلا يُحتال للكتب والمازيار، ففعل إسحاق ذلك، فأوصلها من يده إلى يد المعتصم؛ فسأل المعتصم المازيار عن الكتب، فلم يقرّ بها، فأمر بضرب المازيار حتى مات، وصلب إلى جانب بابك (١). وكان المأمون يكتب إلى المازيار: من عبد الله المأمون إلى جيل جيلان أصبهبذ أصبهبذان بشْوار جِرْشاه محمد بن قارن مولى أمير المؤمنين. وقد ذكر أن بدء وهْي أمر الدريّ، كان أنه لما بلغه بعدما ضمّ إليه المازيار

стр. 5509

الجيش نزول جيش محمد بن إبراهيم دُنْباوند، وجّه أخاه بزرجشْنسٍ، وضمّ إليه محمدًا وجعفرًا ابني رستم الكلاريّ ورجالًا من أهل الثغر وأهل الرُّويان، وأمرهم أن يصيروا إلى حدّ الرّويان والرّيّ لمنع الجيش، وكان الحسن بن قارن قد كاتب محمدًا وجعفرًا ابني رستم، ورغّبهما؛ وكانا من رؤساء أصحاب الدّريّ، فلما التقى جيش الدري وجيش محمد بن إبراهيم، انقلب ابنا رستم وأهل الثغرين وأهل الرُّويان على بزرجشنس أخي الدرّيّ، فأخذوه أسيرًا، وصاروا مع محمد بن إبراهيم على مقدّمته، وكان الدريّ بموضع يقال له مُزْن في قَصْره مع أهله وجميع عسكره، فلما بلغه غدر محمد وجعفر ابني رستم ومتابعة أهل الثغرين والرويان لهما وأسر أخيه بزرجشنس، اغتمّ لذلك غمًّا شديدًا، وأذعن أصحابه، وهمَّتهُم أنفسُهم، وتفرّق عامّتهُم يطلبون الأمان، ويحتالون لأنفسهم، فبعث الدري إلى الديالمة فصار ببابه مقدار أربعة آلاف رجل منهم، فرغبهم ومناهم، ووصلهم، ثم ركب وحمل الأموال معه، ومضى كأنه يريد أن يستنقذ أخاه ويحارب محمد بن إبراهيم، وإنما أراد الدخول إلى الديلم، والاستظهار بهم على محمد بن إبراهيم. فاستقبله محمد بن إبراهيم في جيشه؛ فكانت بينهم وقعة صعبة؛ فلما مضى الدرب هرب الموكلون بالسجن، وكسر أهل السجن أقيادهم، وخرجوا هاربين، ولحق كل إنسان ببلده، واتفق خروج أهل سارية الذين كانوا في حبس المازيار وخروج هؤلاء الذين كانوا في حبس الدريّ في يوم واحد، وذلك في شعبان لثلاث عشرة ليلة خلت منه سنة خمس وعشرين ومائتين في قول محمد بن حفص، وقال غيره: كان ذلك في سنة أربع وعشرين ومائتين. وذكر عن داود بن قحذم أن محمد بن رستُم، قال: لما التقى الدري ومحمد بن إبراهيم بساحل البحر، بين الجبل والغَيْضة والبحر، والغَيْضة متصلة بالديلم، وكان الدري شجاعًا بطلًا، فكان يحمل بنفسه على أصحاب محمد حتى يكشفهم، ثم يحمل معارضةً من غير هزيمة، يريد دخول الغَيْضة، شدّ عليه رجل من أصحاب محمد بن إبراهيم يقال له فند بن حاجبة، فأخذه أسيرًا واسترجع، واتبع الجند أصحابه وأخذ جميع ما كان معه من الأثاث والمال والدوابّ والسلاح، فأمر محمد بن إبراهيم بقتل بزرجشنس أخي الدّرّيّ، ودُعي

стр. 5510

بالدري فمدّ يده فقُطعت من مرفقه، ومدت رجله فقطعت من الركبة، وكذا باليد الأخرى والرجل الأخرى، فقعد الدري على استه؛ ولم يتكلم ولم يتزعزع، فأمر بضرب عنقه، وظفر محمد بن إبراهيم بأصحاب الدري فحملهم مكبلين (١). وفي هذه السنة ولي جعفر بن دينار اليمن. وفيها تزوج الحسن بن الأفشين أترنجة بنت أشناس، ودخل بها في العمري، قصر المعتصم في جُمادى الآخرة، وأحضر عرسها عامة أهل سامراء فحُدِّثت أنهم كانو يغلّفُون العامة فيها بالغالية في تغار من فضة، وأن المعتصم كان يباشر بنفسه تفقد من حضرها (٢). وفيه امتنع عبد الله الوَرْثانيّ بوَرْثان. * * * [ذكر الخبر عن خلاف منكجور الأشروسنيّ] وفيها خالف مَنكجور الأَشْروسني قرابة الأفشين بأذْربيجان (٣). * ذكر الخبر عن سبب خلاف: ذُكر أن: الأفشين عند فراغه من أمر بابك ومنصَرفه من الجبال ولىَ أذْرَبيجان - وكانت من عمله - واليه منكجور هذا، فأصاب في قرية بابك في بعض منازله مالًا عظيمًا، فاحتجنه لنفسه؛ ولم يعلم به الأفشين ولا المعتصم؛ وكان على البريد بَأذْرَبيجان رجل من الشيعة يقال له عبد الله بن عبد الرحمن؛ فكتب إلى المعتصم بخبر ذلك المال، وكتب مَنْكجور يكذب ذلك؛ فوقعت المناظرة بين مَنكَجور وعبد الله بن عبد الرحمن؛ حتى همّ منكجور بقتل عبد الله بن

стр. 5511

عبد الرحمن، فاستغاث عبد الله بأهل أردبيل، فمنعوه مما أراد به مَنكجور؛ وبلغ ذلك المعتصم، فأمر الأفشين أن يوجّه رجلًا من قبَله بعزل منكجور، فوجّه رجلًا من قُوّداه في عسكر ضخم؛ فلما بلغ مَنكجور ذلك، خلع وجمع إليه الصعاليك، وخرج من أردبيل، فرآه القائد فواقعه، فانهزم مَنكجُور، وصار إلى حصن من حصون أذْرَبيجان - التي كان بابك أخربها - حَصِيني في جبل منيع، فبناه وأصلحه، وتحصن فيه؛ فلم يلبث إلَّا أقلّ من شهر حتى وثب به أصحابه الذين كانوا معه في الحصن، فأسلموه ودفعوه إلى القائد الذي كان يحاربه؛ فقدم به إلى سامراء، فأمر المعتصم بحبسه، فاتُّهم الأفشين في أمره. وقيل: إن القائد الذي وُجه لحبرب مَنكجور هذا كان بُغا الكبير. وقيل: إنّ بغا لمّا لقى منكجور خرج منكجور إليه بأمان. وفيها مات ياطس الروميُّ، وصُلب بسامراء إلى جانب بابك (١). وفيها مات إبراهيم بن المهديّ في شهر رمضان وصلّى عليه المعتصم (٢). وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود (٣). ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومائتين ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث فمن ذلك كان قدوم الوَرْثانيّ على المعتصم في المحرّم بالأمان. وفيها قدم بغا الكبير بمنكجور سامراء. وفيها خرج المعتصم إلى السِّنّ، واستخلف أشناس. وفيها أجلس المعتصم أشناس على كرسيّ، وتوّجَه ووشّحه في شهر ربيع الأول. وفيها أحرِق غنّام المرتَدّ.

стр. 5512

وفيها غضب المعتصم على جعفر بن دينار، وذلك من أجل وُثوبه على مَنْ كان معه من الشاكرية، وحبسه عند أشناس خمسة عشر يومًا، وعزَله عن اليمن، وولّاها إيتاخ، ثم رضي عن جعفر. وفيها عُزل الأفشين عن الحرس ووليه إسحاق بن يحيى بن معاذ (١). وفيها وجه عبد الله بن طاهر بمازيار، فخرج إسحاق بن إبراهيم إلى الدَّسْكرة سامراء في شوال، وأمر بحمله على الفيل، فقال محمد بن عبد الملك الزيات: قد خُضِبَ الفِيلُ كعاداتِهِ ... يحملُ جيلانَ خُرَاسانِ والفيلُ لا تخضَبُ أَعضاؤهُ ... إِلا لذِي شأْنٍ من الشانِ فأبى مازيار أن يركب الفيل، فأُدخِلَ على بغْل بإكاف، فجلس المعتصم في دار العامة، لخمس ليال خلوْن من ذي القعدة، وأمر فجمع بينه وبين الأفشين؛ وقد كان الأفشين حُبِس قبل ذلك بيوم، فأقرّ المازيار أنّ الأفشين كان يكاتبه، ويصوّب له الخلاف والمعصية فأمر بردّ الأفشين إلى محبسه، وأمر بضرب مازيار، فضرب أربعمائة سوط وخمسين سوطًا، وطلب ماء فسُقِيَ، فمات من ساعته (٢). * * * [ذكر الخبر عن غضب المعتصم على الأفشين وحبسه] وفيها غضب المعتصم على الأفشين فحبسه. * ذكر الخبر عن سبب غضبه وحبسه إياه (٣). ذكر أن الأفشين كان أيام حربه بابك ومُقامه بأرض الخرّميّة؛ لا يأتيه هدية من

стр. 5513

أهل إرمينيَة إلا وجّه بها إلى أشْروسَنَة، فيجتاز ذلك بعبد الله بن طاهر، فيكتب عبد الله إلى المعتصم بخبره؛ فكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر يأمر بتعريف جميع ما يوجِّه به الأفشين من الهدايا إلى أشْروسنة؛ ففعل عبد الله بذلك؛ وكان الأفشين كلّما تهيّأ عنده مال حمَله أوساط أصحابه من الدنانير والهمايين بقدْر طاقتهم؛ كان الرجل يحمل من الألف فما فوقه من الدنانير في وسطه؛ فأخبر عبد الملك بذلك؛ فبينا هو في يوم من الأيام، وقد نزل رُسل الأفشين معهم

стр. 5514

الهدايا نيسابور وجّه إليهم عبد الله بن طاهر، وأخذهم ففتّشهم، فوجد في أوساطهم همايين، فأخذها منهم، وقال لهم: من أين لكم هذا المال؟ فقالوا: هذه هدايا الأفشين؛ وهذه أمواله. فقال: كذبتم؛ لو أراد أخي الأفشين أن يرسل بمثل هذه الأموال لكتب إليّ يُعلمني ذلك لآمر بحراسته وبذْرَقتِه؛ لأن هذا مال عظيم؛ وإنما أنتم لصوص. فأخذ عبد الله بن طاهر المال، وأعطاه الجند قبلَه، وكتب إلى الأفشين يذكر له ما قال القوم، وقال: أنا أنكر أن تكون وجّهتَ بمثل هذا المال إلى أشْروسنة، ولم تكتب إليّ تعلمني لأبَذْرقه؛ فإن كان هذا المال ليس لك فقد أعطيتَه الجند مكان المال الذي يوجّهه إليّ أمير المؤمنين في كلّ سنة، وإن كان المال لك - كما زعم القوم. فإذا جاء المال من قِبَل أمير المؤمنين رددته إليك؛ وإن يكن غير ذلك فأمير المؤمنين أحقّ بهذا المال؛ وإنما دفعته إلى الجند لأني أريد أن أوجّههم إلى بلاد الترك. فكتب إليه الأفشين يعلمه أن مالَه ومال أمير المؤمنين واحد، ويسأله إطلاق القوم ليمضوا إلى أشروسنة؛ فأطلقهم عبدُ الله بن طاهر، فمضوا؛ فكان ذلك سبب الوحشة بين عبد الله بن طاهر وبين الأفشين. ثم جعل عبد الله يتتبَّع عليه، وكان الأفشين يسمع أحيانًا من المعتصم كلامًا يدلّ على أنه يريد أن يعزل آل طاهر عن خراسان، فطمع الأفشين في ولايتها، فجعل يكاتب مازيار، ويبعثه على الخلاف، ويضمَن له القيام بالدفع عنه عند السلطان؛ ظنًّا منه أن مازيار إن خالف احتاج المعتصم إلى أن يوجهه لمحاربته، ويعزل عبد الله بن طاهر ويولّيه خراسان؛ فكان من أمر مازيار ما قد مضى ذكره. وكان من أمر منكجور بأذْرَبيجان ما قد وصفنا قبل. فتحقّق عند المعتصم - بما كان من أمر الأفشين ومكاتبته مازيار بما كان يكاتبه به - ما كان اتهمه به من أمر مَنكجور؛ وأنّ ذلك كان عن رأي الأفشين وأمْره إياه به، فتغيّر المعتصم للأفشين لذلك؛ وأحسّ الأفشين بذلك، وعلم تغيُّر حاله عنده، فلم يَدْر ما يصنع، فعزم - فيما ذكر - على أن يهيّئ أطوافًا في قصره، ويحتال في يوم شغل المعتصم وقوّاده أن يأخذ طريق الموصل، ويعبر الزاب على تلك الأطواف؛ حتى يصير إلى بلاد أرمينيَة، ثم إلى بلاد الخزَر، فعسر ذلك عليه، فهيّأ سمًّا كثيرًا، وعزم على أن يعمل طعامًا ويدعو المعتصم وقُوَّاده فيسقيهم؛ فإن

стр. 5515

لم يجبه المعتصم استأذنه في قوّاد الأتراك، مثل أشناس وإيتاخ وغيرهم في يوم تشاغل أمير المؤمنين، فإذا صاروا إليه أطعمهم وسقاهم وسمَّهم؛ فإذا انصرفوا من عنده خرج من أوّل الليل، وحمل تلك الأطواف والآلة التي يعبرُ بها على ظهور الدوابّ حتى يجيء إلى الزّاب فيعبر بأثقاله على الأطراف، ويعبرُ الدوابُّ سباحةً كما أمكنه، ثم يرسل الأطواف حتى يعبُر في دِجْلة، ويدخل هو بلاد أرمينيَة؛ وكانت ولاية أرمينيَة إليه، ثم يصير هو إلى بلاد الخزَر مستأمنًا، ثم يدور من بلاد الخزَر إلى بلاد الترك، ويرجع من بلاد الترك إلى بلاد أشْرُوسنة، ثم يستميل الخزَر على أهل الإسلام، فكان في تهيِئة ذلك، وطال به الأمر فلم يمكنه ذلك. وكان قوّاد الأفشين ينوبون في دار أمير المؤمنين كما ينوبُ القوّاد؛ فكان واجن الأشْرُوسنيّ قد جرى بينه وبين من قد اطّلع على أمر الأفشيْن حديث، فذكر له واجن أنّ هذا الأمر لا أراه يمكن ولا يتمّ؛ فذهب ذلك الرجل الذي سمع قول واجن، فحكاه للأفشين. وسمع بعض من يميل إلى واجن من خدم الأفشين وخاصته ما قال الأفشين في واجن، فلما انصرف واجن من النوبة في بعض الليل أتاه فأخبره أنْ قد أُلْقِيَ ذلك إلى الأفشين، فحذر واجن على نفسه، في كب من ساعته في جوف الليل حتى أتى دار أمير المؤمنين؛ وقد نام المعتصم؛ فصار إلى إيتاخ، فقال: إن لأمير المؤمنين عندي نصيحة، فقال له إيتاخ: أليس الساعة كنتَ ها هنا! قد نام أمير المؤمنين. فقال له وأجن: ليس يمكنني أن أصبر إلى غد، فدقّ إيتاخ الباب على بعض من يُعلم المعتصم بالذي قال واجن، فقال المعتصم: قل له ينصرف الليلة إلى منزله، ويبكّر عليّ في غد، فقال واجن: إن انصرفَت الليلة ذهبت نفسي، فأرسل المعتصم إلى إيتاخ: بيّتْه الليلة عندك. فبيته إيتاخ عنده؛ فلما أصبح بكَّربه مع صلاة الغداة، فأوصله إلى المعتصم، فأخبره بجميع ما كان عنده؛ فدعا المعتصم محمد بن حمَّاد دَنْقَش الكاتب، فوجّهه يدعو الأفشين، فجاء الأفشين في سواد، فأمر المعتصم بأخذ سواده، وحبَسه، فحبِس في الجوسق؛ ثم بنى له حبسًا مرتفعًا، وسماه لؤلؤة داخل الجوسق، وهو يعرف إلى الآن بالأفشين. وكتب المعتضم إلى عبد الله بن طاهر في الاحتيال للحسن بن الأفشين - وكان

стр. 5516

الحسن قد كثرت كتبه إلى عبد الله بن طاهر في نوح بن أسد - يعلمه تحامله على ضياعه وناحيته، فكتب عبد الله بن طاهر إلى نوح بن أسد يعلمه ما كتب به أمير المؤمنين في أمره، ويأمره بجمع أصحابه والتأهّب له؛ فإذا قدم عليه الحسن بن الأفشين بكتاب ولايته استوثَق منه، وحمله إليه. فكتب عبد الله بن طاهر إلى الحسن بن الأفشين يُعلمه أنه عزل نوح بن أسد، وأنه قد ولّاه الناحية، ووجّه إليه بكتاب عزل نوح بن أسد. فخرج الحسن بن الأفشين في قلّة من أصحابه وسلاحه؛ حتى ورد على نوح بن أسد، وهو يظنّ أنه والي الناحية، فأخذه نوح بن أسد، وشدّه وثاقًا، ووجّه به إلى عبد الله بن طاهر، فوجه به عبد الله إلى المعتصم، وكان الحبس الذي بُني للأفشين شبيهًا بالمنارة، وجعل في وسطها مقدار مجلسه؛ وكان الرجال ينُوبون تحتها كما تدور. وذُكِر عن هارون بن عيسى بن المنصور، أنه قال: شهدت دار المعتصم وفيها أحمد بن أبي دواد وإسحاق بن إبراهيم بن مصعب ومحمد بن عبد الملك الزيات، فأتَى بالأفشين ولم يكن بعد في الحبس الشديد، فأحضِر قوم من الوجوه لتبكيت الأفشين بما هو عليه، وّلم يترك في الدار أحدٌ من أصحاب المراتب إلا ولد المنصور، وصُرف الناس. وكان المناظر له محمّد بن عبد الملك الزيات، وكان الذين أحضرُوا المازيار صاحب طبرستان والموبْذ والمرزبان بن تركش - وهو أحد ملوك السُّغد - ورجلان من أهل السُّغد؛ فدعا محمد بن عبد الملك بالرَّجُلين، وعليهما ثياب رثة، فقال لهما محمد بن عبد الملك: ما شأنكما؟ فكشفا عن ظهورهما وهي عارية من اللَّحْم، فقال له محمد: تعرف هذين؟ قال: نعم؛ هذا مؤذن، وهذا إمام، بنَيا مسجدًا بأشْروسنَة، فضربتُ كلَّ واحد منهما ألفَ سوط؛ وذلك أن بيني وبين ملوك السُّغد عهدًا وشرطًا، أن أترك كلَّ قوم على دينهم وما هم عليه؛ فوثب هذان على بيت كان فيه أصنامهم - يعني أهل أشروسنة - فأخرجا الأصنام، واتّخذاه مسجدًا، فضربتهما على هذا ألفًا ألفًا لتعدّيهما، ومنعهما القوم من بيعتهم. فقال له محمد: ما كتاب عندك قد زيَّنْتَه بالذهب والجواهر والديباج، فيه الكفر بالله؟ قال: هذا كتاب ورثْتُه عن أبي، فيه أدب من آداب العجم؛

стр. 5517

وما ذكرت من الكفر؛ فكنت أستمتع منه بالأدب، وأترك ما سوى ذلك، ووجدتُه محلى، فلم تضطرني الحاجة إلى أخذ الحلية منه؛ فتركته على حاله؛ ككتاب كليلة ودمنة وكتاب مَزْدَك في منزلك؛ فما ظننت أن هذا يخرج من الإسلام. قال: ثم تقدم الموْبذ، فقال: إن هذا كان يأكل المخنوقة، ويحملني على أكلها، ويزعم أنها أرطب لحمًا من المذبوحة؛ وكان يقتل شاة سوداء كلّ يوم أربعاء، يضرب وسطها بالسَّيف يمشي بين نصفيها ويأكل لحمها. وقال لي يومًا: إني قد دخلت لهؤلاء القوم في كلّ شيء أكرهه؛ حتى أكلتُ لهم الزيت وركبت الجمل، ولَبست النعل؛ غير أني إلى هذه الغاية لم تسقط عني شعرة - يعني لم يَطَّلِ ولم يختتن. فقال الأفشين: خَبروني عن هذا الذي يتكلم بهذا الكلام، ثقةٌ هو في دينه؟ - وكان الموْبذ مجوسيًّا أسلم بعدُ على يد المتوكل ونادمه - قالوا: لا، قال: فما معنى قبولكم شهادة مَنْ لا تثقون به ولا تعدلونه! ثم أقبل على الموبذ، فقال: هل كان بين منزلي ومنزلك باب أو كوةَ تطلع عليّ منها وتعرف أخباري منها؟ قال: لا، قال: أفليس كنت أدخلك إليّ وأبثك سري وأخبرك بالأعجمية وميلي إليها وإلى أهلها؟ قال: نعم، قال: فلستَ بالثقة في دينك ولا بالكريم في عهدك؛ إذا أفشيت عليّ سرًّا أسررتُه إليك. ثم تنحّى الموبذ، وتقدّم المرزبان بن تركش، فقالوا للأفشين: هل تعرف هذا؟ قال: لا، فقيل للمرزبان: هي تعرف هذا؟ قال: نعم، هذا الأفشين، قالوا له: هذا المرزبان، فقال له المرزبان: يا مُمَخْرق، كم تدافع وتموه! قال له الأفشين: يا طويلَ اللحية، ما تقول؟ قال: كيف يكتب إليك أهل مملكتك؟ قال: كما كانوا يكتبون إلى أبي وجدي. قال: فقل، قال: لا أقول، فقال المرزبان: أليس يكتبون إليك بكذا وكذا بالأشروسنية؟ قال: بلى، قال: أفليس تفسيره بالعربية "إلى إله الآلهة من عبده فلان بن فلان"، قال: بلى! قال محمد بن عبد الملك: والمسلمون يحتملون أن يقال لهم هذا! فما بقّيت لفرعون حين قال لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾! قال: كانت هذه عادة القوم لأبي وجدّي، ولى قبل أن أدخل في الإسلام، فكرهت أن أضع نفسي دونهم فتفسد عليَّ طاعتهم. فقال له

стр. 5518

إسحاق بن إبراهيم بن مصعب: ويحك يا خيذر كيف تحلِف بالله لنا فنصدّقك ونصدق يمينَك ونُجريك مجرى المسلمين، وأنت تدّعي ما ادّعى فرعون! قال: يا أبا الحسين، هذه سورة قرأها عُجيف على عليّ بن هشام، وأنت تقرؤها عليّ، فانظر غدًا من يقرؤها عليك! . قال: ثم قدِّم مازيار صاحب طبرِستان، فقالوا للأفشين: تعرف هذا؟ قال: لا، قالوا للمازيار: تعرف هذا؟ قال: نعم، هذا الأفشين، فقالوا له: هذا المازيار؟ قال: نعم، قد عرفتُه الآن، قالوا: هل كاتبتَه؟ قال: لا، قالوا للمازيار: هل كتب إليك؟ قال: نعم، كتب أخوه خاش إلى أخي قوهيار؛ أنه لم يكن ينصر هذا الدين الأبيض غيري وغيرُك وغير بابك؛ فأما بابك فإنه بحمْقه قتيلُ نفسِه، ولقد جهدت أن اصرف عنه الموت فأبى حمقه إلا أن دلَّاه فيما وقع فيه، فإن خالفت لم يكن للقوم مَنْ يرمُونك به غيري ومعي الفرسان وأهل النجدة والبأس؛ فإن وجّهت إليه لم يبق أحد يحاربنا إلا ثلاثة: العرب، والمغاربة، والأتراك , والعربيّ بمنزلة الكلب اطرَحْ له كسرة ثم اضرب رأسه بالدبوس؛ وهؤلاء الذباب - يعني المغاربة - إنما هم أكَلَة رأس، وأولاد الشياطين - يعني الأتراك - فإنما هي ساعة حتى تنفذ سهامُهم، ثم تجول الخيل عليهم جولة فتأتي على آخرهم، ويعود الدين إلى ما لم يزل عليه أيام العجم. فقال الأفشين: هذا يدّعي على أخيه وأخي دعوى لا تَجب عليّ، ولو كنت كتبت بهذا الكتاب إليه لأستميله إليّ ويثق بناحيتي كان غير مستنكَر؛ لأني إذا نصرتُ الخليفة بيدي، كنتُ بالحيلة أحرَى أن أنصره لآخذ بقفاه، وآتي به الخليفة لأحظَى به عنده، كما حظَى به عبد الله بنُ طاهر عند الخليفة. ثم نحّى المازيار. ولما قال الأفشين للمرزبان التركَشيّ ما قال، وقال لإسحاق بن إبراهيم ما قال، زجر ابن أبي دواد الأفشين، فقال له الأفشين: أنت يا أبا عبد الله ترفع طيلسانك بيدك، فلا تضعه على عاتقك حتى تقتل به جماعة، فقال له ابن أبي دواد: أمطهّر أنت؟ قال: لا، قال: فما منعك من ذلك، وبه تمام الإسلام، والطهور من النجاسة! قال: أوَ ليس في دين الإسلام استعمال التقيّة؟ قال: بلى، قال: خفت أن أقطع ذلك العضو من جسدي فأموت، قال: أنت تطعن بالرمح، وتضرب بالسيف، فلا يمنعك ذلك من أن تكون في الحرب وتجزع من قطع

стр. 5519

قَلفة! قال: تلك ضرورة تعنيني فأصبر عليها إذا وقعتْ؛ وهذا شيء أستجلبه فلا آمنُ معه خروج نفسي، ولم أعلم أن في تركها الخروجَ من الإسلام، فقال ابن أبي دواد: قد بان لكم أمره يا بغا - لبغا الكبير أبي موسى التركّي - عليك به! . قال: فضرب بيده بغا على منطقته فجذَبها، فقال قد كنت أتوقّع هذا منكم قبل اليوم، فقلبَ بغا ذَيْل القبَاء على رأسه، ثم أخذَ بمجامع القبَاء من عند عنقه، ثم أخرجه من باب الوزيريّ إلى محبسه. * * * وفي هذه السنة حمل عبد الله بن طاهر الحسن بن الأفشين وأترنجه بنت أشناس إلى سامراء. * * * وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود (١). ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث * * * [خبر وثوب عليّ بن إسحاق برجاء بن أبي الضحاك] /رمز> فمن ذلك ما كان فيها من وثوب عليّ بن إسحاق بن يحيى بن معاذ - وكان على المعُونة بدمشق من قبَل صول أرتكين - برجاء بن أبي الضحاك؛ وكان على الخراج، فقتله، وأظهر الوسواس، ثم تكلم أحمد بن أبي دواد فيه، فأطلق من

стр. 5520

محبسه، فكان الحسن بن رجاء يلْقاه في طريق سامراء، فقال البحتريّ الطائيّ: عَفَا عليُّ بن إسحاق بفتكَتِهِ ... على غرَائِب تِيهٍ كنَّ في الحسَنِ أَنْسَتهُ تَنقِيعَهُ في اللفظ نازلةٌ ... لم تُبق فيه سوى التسليمِ للزمن فلم يكن كابنِ حُجْرٍ حين ثار ولا ... أَخي كليبٍ ولا سيفِ بن ذي يزنِ ولم يُقَلْ لك في وِترٍ طلبتَ به ... تلك المكارمُ لا قَعْبانِ من لَبنِ * * * وفيها مات محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين، فصلّى عليه المعتصم في دار محمد. * * * [ذكر الخبر عن موت الأفشين] (١) وفيها مات الأفشين. ذكر الخبر عن موته وما فُعل به عند موته وبعده ذكر عن حمدون بن إسماعيل، أنه قال: لما جاءت الفاكهة الحديثة، جمع المعتصم من الفواكه الحديثة في طبَق، وقال لابنه هارون الواثق: اذهب بهذه الفاكهة بنفسك إلى الأفشين، فأدخلها إليه، فحمِلت مع هارون الواثق حتى صعد بها إليه في البناء الذي بُني له الذي يسمى لؤلؤة؛ فحُبِس فيه؛ فنظر إليه الأفشين، فافتقد بعضَ الفاكهة؛ إما الإجاص وإما الشاهلوج؛ فقال للواثق: لا إله إلا لله، ما أحسنه من طبق، ولكن ليس لي فيه إجّاص ولا شاهلوج! فقال له الواثق: هو ذا، انصرف أوجِّه به إليك، ولم يمسّ من الفاكهة شيئًا؛ فلما أراد الواثق الانصراف قال له الأفشين: أقرئ سيدي السلام، وقل له: أسألك أن

стр. 5521

توجّه إليّ ثقة من قبلَك يؤدي عني ما أقول، فأمر المعتصم حمدون بن إسماعيل - وكان حمدون في أيام المتوكل في حبس سليمان بن وهب في حبس الأفشين هذا؛ فحدّث بهذا الحديث وهو فيه: قال حمدون: فبعث بي المعتصم إلى الأفشين، فقال لي: إنه سيُطَوّلُ عليك فلا تحتبس، قال: فدخلت عليه، وطبق الفاكهة بين يديه لم يمسّ منه واحدةً فما فوقها، فقال لي: اجلس، فجلست فاستمالني بالدهقنة، فقلت: لا تُطوّل؛ فإن أمير المؤمنين قد تقدم إليّ ألّا أحتبس عندك، فأوجزْ، فقال: قل لأمير المؤمنين؛ أحسنتَ إليّ وشرّفتَني، وأوطأت الرّجال عَقبِي، ثم قبلْتَ فيّ كلامًا لم يتحقّق عندك؛ ولم تتدبّرْه بعقلك؛ كيف يكون هذا، وكيف يجوز لي أن أفعل هذا الذي بلغك! تخبرَ بأني دَسستُ إلى مَنكجور أن يخرج، وتقبله، وتخبَر أني قلت للقائد الذي وجهته إلى مَنكجور: لا تحاربه، واعْذِرْ، وإن أحسست بأحد منا فانهزم من بين يديه؛ أنت رجل قد عرفتَ الحرب، وحاربت الرجال، ولسُسْتَ العساكر؛ هذا يمكن رأس عسكر يقول لجند يلقون قومًا: افعلوا كذا وكذا، هذا ما لا يسوغ لأحد أن يفعله؛ ولو كان هذا يمكن ما كان ينبغي أن تقبله من عدوّ قد عرفت سببه؛ وأنت أوْلى بي، إنما أنا عبد من عبيدك، وصنيعك؛ ولكن مَثَلِي ومثلك يا أمير المؤمنين مثَل رجل ربَّى عِجْلا له حتى أسمنه وكَبِر، وحسنت حالُه، وكان له أصحاب اشتهوا أن يأكلوا من لحمه، فعرّضوا له بذبح العِجْل فلم يجبهم إلى ذلك، فاتفقوا جميعًا على أن قالوا له ذات يوم: ويحك! لمَ تُربِّي هذا الأسد؟ هذا سبُع، وقد كبر، والسَّبُع إذا كبر يرجع إلى جنسه! فقال لهم: ويحك هذا عجل بقر، ما هو سبع، فقالوا: هذا سبع؛ سلْ مَنْ شئت عنه؛ وقد تقدموا إلى جميع من يعرفونه، فقالوا له: إن سألكم عن العِجْل، فقولوا له: هذا سبع؛ فكلما سأل الرّجل إنسانًا عنه، وقال له: أَما ترى هذا العِجْل ما أحسنه! قال الآخر: هذا سبع؛ هذا أسد، ويحك! فأمر بالعجل فذُبح؛ ولكني أنا ذلك العِجْل، كيف أقدر أن أكون أسدًا! الله الله في أمري؛ اصطنعتني وشرّفتَنِي وأنت سيدي ومولاي، أسأل الله أن يعطف بقلبك عليّ. قال حمدون: فقمت فانصرفت، وتركت الطَّبَق على حاله لم يمسّ منه شيئًا، ثم ما لبثنا إلا قليلًا؛ حتى قيل: إنه يموت أو قد مات؛ فقال المعتصم: أروه

стр. 5522

ابنَه، فأخرجوه فطرحوه بين يديه، فنتف لحيتَه وشعرَه، ثم أمر به فحمل إلى منزل إيتاخ. قال: وكان أحمد بن أبي دواد دعا به في دار العامة من الحبس، فقال له: قد بلغ أمير المؤمنين أنك يا خيذر، أقلف، قال: نعم، وإنما أراد ابن أبي دواد أن يشهد عليه؛ فإن تكشف نُسب إلى الخَرع؛ وإن لم يتكشف صحّ عليه أنه أقلف، فقال: نعم أنا أقلف؛ وحضر الدار ذلك اليوم جميع القوّاد والناس؛ وكان ابن أبي دواد أخرجه إلى دار العامّة قبل مصير الواثق إليه بالفاكهة، وقبل مصير حمدون بن إسماعيل إليه. قال حمدون: فقلت له: أنت أقلف كما زعمت؟ فقال الأفشين: أخرجني إلى مثل ذلك الموضع، وجميع القواد والناس قد اجتمعوا، فقال لي ما قال؛ وإنما أراد أن يفضحني؛ إن قلت له: نعم لم يقبل قولي، وقال لي: تكشَّف، فيفضحني بين الناس؛ فالموت كان أحبّ إليّ من أن أتكشّف بين أيدي الناس؛ ولكن يا حمدون إن أحببتَ أن أتكشَّف بين يديك حتى تراني فعلتُ؛ قال حمدون: فقلت له: أنت عندي صدُوق، وما أريد أن تكشَف. فلما انصرف حمدون فأبلغ المعتصم رسالتَه. أمر بمنع الطعام منه إلّا القليل؛ فكان يدفع إليه في كلّ يوم رغيف حتى مات؛ فلما ذُهِب به بعد موته إلى دار إيتاخ، أخرجوه فصلبُوه على باب العامّة ليراه الناس، ثم طُرِح بباب العامة مع خشبته؛ فأحرِق وحُمِل الرّماد، وطرح في دِجْلة. وكان المعتصم حين أمر بحبسه وجّه سليمان بن وهب الكاتب يحصي جميع ما في دار الأفشين ويكتُبه في ليلة من الليالي، وقصر الأفشين بالمطيرة، فوُجِد في داره بيت فيه تمثال إنسان من خشب، عليه حلية كثيرة وجوهر، وفي أذنيه حجران أبيضان مشتبكان؛ عليهما ذهب، فأخذ بعض مَنْ كان مع سليمان أحد الحجرين؛ وظنّ أنه جوهر له قيمة؛ وكان ذلك ليلًا؛ فلما أصبح ونزع عنه شباك الذَّهب، وجده حجرًا شبيهًا بالصَّدَف الذي يسمى الحبرون، من جنس الصَّدَف الذي يقال له البْوق، من صدف أخرج من منزله صُوَر السماجة وغيرها وأصنام وغير ذلك، والأطواف والخشب التي كان أعدّها؛ وكان له متاع بالوزيريّة، فوُجد فيه أيضًا صنم آخر، ووجدوا في كتبه كتابًا من كتب المجوس يقال له زراوه

стр. 5523

وأشياء كثيرة من الكُتب، فيها ديانته التي كان يدين بها ربه. وكان موت الأفشين في شعبان من سنة ست وعشرين ومائتين (١). * * * وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود (٢) بأمر أشناس وكان أشناس حاجًّا في هذه السنة، فولّى كل بلدة يدخلها فدُعي له على جميع المنابر التي مرّ بها من سامراء إلى مكة والمدينة. وكان الذي دعا له على منبر الكوفة محمد بن عبد الرحمن بن عيسى بن موسى، وعلى منبر فَيْد هارون بن محمد بن أبي خالد المرورُّوذيّ، وعلى منبر المدينة محمد بن أيوب بن جعفر بن سليمان، وعلى منبر مكة محمد بن داود بن عيسى بن موسى، وسُلّم عليه في هذه الكُور كلها بالإمارة، وكانت له ولايتها إلى أن رجع إلى سامراء. ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث * * * [ذكر خبر خروج أبي حرب المبرقع] فمن ذلك ما كان من خروج أبي حرب المُبَرقع اليمانيّ بفلسطين وخلافه على السلطان (٣).

стр. 5524

* ذكر الخبر عن سبب خروجه وما آل إليه أمره: ذَكَرَ لي بعض أصحابي ممن ذكر أنه خبير بأمره، أنّ سبب خروجه على السلطان كان أنّ بعض الجند أراد النزول في داره وهو غائب عنها، وفيها إما زوجته وإما أخته، فمانعته ذلك، فضربها بسوط كان معه؛ فاتّقته بذراعها، فأصاب السوط ذراعها، فأثّر فيها؛ فلما رجع أبو حرب إلى منزله بكت وشكَتْ إليه ما فعل بها، وأرته الأثر الذي بذراعها من ضرْبه؛ فأخذ أبو حرب سيفَه ومشى إلى الجنديّ وهو غاز؛ فضربه به حتى قتله؛ ثم هرب وألبس وجهه برقعًا كي لا يعرف، فصار إلى جبل من جبال الأردنَ؛ فطلبه السلطان فلم يُعرف له خبر؛ وكان أبو حرب يظهر بالنهار فيقعد على الجبل الذي أوى إليه متبرقعًا؛ فيراه الرائي فيأتيه، فيذكره ويحرّضه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويذكر السلطان وما يأتي إلى الناس ويعيبه؛ فما زال ذلك دأبه حتى استجاب له دوم من حرّاثي أهل تلك الناحية وأهل القرى؛ وكان يزعم أنه أمويّ، فقال الذين استجابوا له: هذا هو السفيانيّ؛ فلما كثرت غاشيته وتبّاعه من هذه الطبقة من الناس، دعا أهل البيُوتات من أهل تلك الناحية؛ فاستجاب له منهم جماعة من رؤساء اليمانية؛ منهم رجل يقال له ابن بَيْهس، كان مطاعًا في أهل اليمن ورجلان آخران من أهل دمشق، فاتّصل الخبر بالمعتصم وهو عليل؛ علَّته التي مات فيها؛ فبعث إليه رجاء بن أيوب الحضاريّ في زُهاء ألف من الجند؛ فلما صار رجاء إليه وجده في عالم من الناس. فذكر الذي أخبرني بقصته أنه كان في زُهاء مائة ألف؛ فكره رجاء مواقعته وعسكر بحذائه، وطاوله؛ حتى كان أوّل عمارة الناس الأرضين وحراثتهم، وانصرف مَنْ كان من الحرّاثين مع أبي حرب إلى الحراثة وأرباب الأرضين إلى أرضيهم، وبقي أبو حرب في نفر زُهاء ألفٍ أو ألفين؛ ناجزه رجاء الحرب، فالتقى العسكران: عسكر رجاء وعسكر المبرقع؛ فلما التقوْا تأمل رجاء عسكر المبرقع، فقال لأصحابه: ما أرى في عسكره رجلًا له فروسية غيره، وإنه سيُظهر لأصحابه من نفسه بعض ما عنده من الرُّجلة؛ فلا تعجلوا عليه، قال: وكان الأمر كما قال رجاء؛ فما لبث المبرقَع أن حمل على عسكر رجاء، فقال رجاء لأصحابه: أفرجوا له: فأفرجوا له؛ حتى جاوزهم ثم كرّ راجعًا، فأمر رجاء

стр. 5525

أصحابَه أن يُفرجوا له، فأفرجوا له حتى جاوزهم، ورجع إلى عسكر نفسه؛ ثم أمهل رجاء، وقال لأصحابه: إنه سيحمل عليكم مرّة أخرى، فأفرِجوا له؛ فإذا أراد الرجوع فحولوا بينه وبين ذلك، وخُذوه. ففعل المبرقع ذلك، فحمل على أصحاب رجاء، فأفرجوا له حتى جاوزهم، ثمّ كرّ راجعًا فأحاطوا به، فأخذوه فأنزلوه عن دابته. قال: وقد كان قدم على رجاء حين ترك معالجة المبرقَع الحرب من قِبَل المعتصم مستحتُّ، فأخذ الرسول فقيّده إلى أن كان من أمره، وأمر أبي حرب ما كان مما ذكرنا، ثم أطلقه. قال: فلما كان يوم قدوم رجاء بأبي حرب على المعتصم، عزله المعتصم على ما فعل برسوله، فقال له رجاء: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك! وجّهتَني في ألف إلى مائة ألف؛ فكرهت أن أعاجله فأهلِك ويهلك مَنْ معي، ولا نغني شيئًا؛ فتمهّلت حتى خفَّ مَنْ معه، ووجدت فرصة، ورأيت لحربه وجهًا وقيامًا؛ فناهضته وقد خفَّ مَنْ معه وهو في ضعف، ونحن في قُوّة، وقد جئتك بالرجل أسيرًا. قال أبو جعفر: وأما غير من ذكرت أنه حدثني حديث أبي حرب على ما وصفت، فإنه زعم أن خروجه إنما كان في سنة ست وعشرين ومائتين بالرّملة، فقالوا: إنه سفيانيّ، فصار في خمسين ألفًا من أهل اليمن وغيرهم، واعتقد ابن بيهس وآخران معه من أهل دِمشق، فوجّه إليهم، المعتصم رجاء الحضاريّ في جماعة كبيرة، فواقعهم بدمشق؛ فقتِل من أصحاب ابن بيهس وصاحبيه نحوًا من خمسة آلاف؛ وأخذ ابن بيهس أسيرًا، وقتل صاحبيه، وواقع أبا حَرْب بالرّملة، فقتل من أصحابه نحوًا من عشرين ألفًا، وأسر أبا حرب، فحمِل إلى سامراء، فجعل وابن بيهس في المطبق. * * * وفي هذه السنة أظهر جعفر بن مهرجش الكرديّ الخلاف، فبعث إليه المعتصم في المحرّم إيتاخ إلى جبال الموصل لحربه، فوثب بجعفر بعض أصحابه فقتله.

стр. 5526

وفيها كانت وفاة بشر بن الحارث الحافي في شهر ربيع الأول وأصله من مرْو (١). * * * [ذكر الخبر عن وفاة المعتصم والعلّة التي مات بها] وفيها كانت وفاة المعتصم وذلك - فيما ذكر - يوم الخميس، فقال بعضهم: لثماني عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول لساعتين مضتَا من النهار (٢). * ذكر الخبر عن العلة التي كانت منها وفاته وقَدْر مدَّة عمره وصفته: ذُكر أن بدء علّته أنه احتجم أوّل يوم من المحرم، واعتلّ عندها، فذكر عن محمد بن أحمد بن رشيد عن زُنَام الزامر، قال: قد وجد المعتصم في علته التي توفي فيها إفاقة؛ فقال: هيّئوا إلى الزلال لأركب، فركب وركبت معه، فمرّ في دِجْلة بإزاء منازله، فقال: يا زنام، ازمر لي: يا منزلًا لم تَبْلَ أَطلاله ... حاشى لأَطلالك أَن تَبْلَى لم أَبكِ أَطلالك لكني ... بَكيْتُ عَيْشي فيك إذ وَلَّى والعيش أوْلى ما بكاه الفَتى ... لابدّ للمحزون أَن يَسْلَى قال: فما زلتُ أزمر هذا الصوت حتى دعا برطليّة، فشرب منها قدحًا وجعلت أزمر وأكررّه؛ وقد تناول منديلًا بين يديه؛ فما زال يبكي ويمسح دموعَه فيه وينتحب؛ حتى رجع إلى منزله، ولم يستتم شرب الرطليّة. وذكر عن عليّ بن الجعدانة، قال: لما احتُضر المعتصم جعل يقول: ذهبت الحيل ليست حيلة، حتى أُصْمِتَ.

стр. 5527

وذكر عن غيره أنه جعل يقول: إني أخِذت من بين هذا الخلق. وذكر عنه أنه قال: لو علمت أنّ عمري هكذا قصير ما فعلتُ ما فعلت. فلما مات دُفن بسامراء؛ فكانت خلافته ثماني سنين وثمانية أشهر ويومين. وقيل: كان مولده سنة ثمانين ومائة في شعبان. وقيل: كان في سنة تسع وسبعين ومائة؛ فإن كان مولده سنة ثمانين ومائة فإنّ عمره كله كان ستًّا وأربعين سنة وسبعة أشهر وثمانية عشر يومًا، وإنْ كان مولده سنة تسع وسبعين ومائة؛ فإنّ عمره كان سبعًا وأربعين سنة وشهرين وثمانية عشر يومًا (١). وكان - فيما ذُكر - أبيض أصهب اللحية طويلهَا، مربوعًا مشرَب اللون حمرة، حسن العينين. وكان مولده بالخُلْدِ. وقال بعضهم: وُلد سنة ثمانين ومائة في الشهر الثامن. وهو ثامن الخلفاء، والثامن من ولد العباس، وعمره كان ثمانيًا وأربعين سنة. ومات عن ثمانية بنين وثمان بنات، وملك ثمان سمنين وثمانية أشهر (٢). فقال محمد بن عبد الملك الزيات:

стр. 5528

قد قلتُ إذ غيبوك واصطَفَقَت ... عليك أَيدٍ بالتُّرْبِ والطينِ اذهبْ فنِعْم الحَفيظ كنتَ على الدّ ... نيا ونعم الظهيرُ للدينِ لا جَبرَ اللهُ أُمةً فَقَدَتْ ... مِثلِكَ إلا بمثل هارون وقال مَرْوان بن أبي الجنوب وهو ابن حفصة: أبو إسحاقَ ماتَ ضحىً فمتنا ... وأَمسينا بهارون حُيِينا لئن جاءَ الخميسُ بماكرهنا ... لقد جاءَ الخميسُ بما هوينا * * * ذكر الخبر عن بعض أخلاق المعتصم وسيره ذُكر عن ابن أبي دواد أنه ذكر المعتصم بالله، فأسهب في ذكره، وأكثر في وصفه، وأطنب في فضله، وذكرَ من سعة أخلاقه وكرَمَ أعراقه وطيب مرْكَبِه ولين جانبه، وجميل عشرته؛ فقال: قال لي يومًا ونحن بعمُّوريّة: ما تقول في البُسْر يا أبا عبد الله؟ قلت: يا أمير المؤمنين؛ نحن ببلاد الروم والبُسر بالعراق؛ قال: صدقت قد وجَّهت إلى مدينة السلام، فجاءوا بكِبَاستَيْن، وعلمت أنك تشتهيه. ثم قال: يا إيتاخ، هات إحدى الكِبَاستين، فجاء بكباسة بُسْر، فمد ذراعه، وقبض عليها بيده، وقال: كُلْ بحياتي عليك من يدي، فقلت: جعلني الله فداك يا أمير المؤمنين! بل تضعها فآكل كما أريد، قال: لا والله إلّا من يدي، قال: فو الله ما زال حاسرًا عن ذراعه، ومادًّا يده، وأنا أجتني من العِذْق، وآكلُ حتى رمى به خاليًا ما فيه بُسرة. قال: وكنت كثيرًا ما أزامله في سفره ذلك؛ إلى أن قلت له يوميًا: يا أمير المؤمنين، لو زاملك بعضُ مواليك وبطانتك فاسترحتَ مني إليهم مرّة، ومنهم إليّ مرة أخرى، كان ذلك أنشط لقلبك، وأطيب لنفسك، وأشدّ لراحتك؛ قال: فإنّ سِيما الدمشقيَ يزاملني اليوم، فمن يزاملك أنت؟ قلت: الحسن بن يونس، قال: فأنت وذاك. قال: فَدعوت الحسن فزاملني. وتهيّأ أن ركب المعتصم بغلا، فاختار أن يكون منفردًا، قال: فجعل يسير بسير بعيري؛ فإذا أراد أن يكلمني رفع

стр. 5529

رأسه إليّ، وإذا أردتُ أن أكلمه خفضت رأسي؛ قال: فانتهينا إلى وادٍ ولم نعرف غَوره؛ وقد خلَّفنا العسكر وراءنا، فقال لي: مكانَك حتى أتقدّم. فأعرف غَوْر الماء وأطلب قلته، واتبع أنت موضع سيري، قال: فتقدّم فدخل الوادي، وجعل يطلب قلة الماء، فمرّة ينحرف عن يمينه، ومرّة ينحرف عن شماله، وتارة يمشي لسنَنَهِ، وأنا خلفه متبع لأثره حتى قطعنا الوادي. قال: واستخرجت منه لأهل الشاش ألفي ألف درهم لكرْى نهرٍ لهم اندفن في صدر الإسلام؛ فأضرّ ذلك بهم، فقال لي: يا أبا عبد الله، ما لي ولك؛ تأخذ مالي لأهل الشاش وَفَرْغانة! قلت: هم رعيَّتك يا أمير المؤمنين، والأقصى والأدنى في حُسن نظر الإمام سواءٌ (١). وقال غيره إنه إذا غضب لا يبالي مَن قتل ولا ما فعل. وذكر عن الفضل بن مروأن أنه قال: لم يكن للمعتصم لَذّة في تزيين البناء؛ وكانت غايته فيه الإحكام. قال: ولم يكن بالنفقة على شيء أسمح منه بالنّفقة في الحرب. وذكر محمد بن راشد، قال: قال لي أبو الحسين إسحاق بن إبراهيم: دعاني أمير المؤمنين المعتصم يومًا، فدخلت عليه وعليه صُدرة وشْيٍ ومنطقة ذهب وخفّ أحمر، فقال لي: يا إسحاق، أحببت أن أضرب معكَ بالصوالجة؛ فبحياتي عليك إلَّا لبستَ مثل لباسي؛ فاستعفيتُه مِنْ ذلك فأبى، فلبست مثل لباسه، ثم قُدّم إليه فرس محلّاة بحلية الذهب، ودخلنا الميْدان، فلما ضرب ساعة، قال لي: أراك كسلان، وأحسبك تكره هذا الزّيّ، فقلت: هو ذاك يا أمير المؤمنين، فنزل وأخذ بيدي، ومضى يمشي وأنا معه إلى أن صار إلى حجرة الحمّام، فقال: خذ ثيابي يا إسحاق؛ فأخذت ثيابَه حتى تجرد، ثم أمرني بنزع ثيابي ففعلت؛ ثم دخلنا أنا وهو الحمَّام؛ وليس معنا غلام؛ فقمت عليه ودلكته، وتولى أمير المؤمنين المعتصم مني مثل ذلك، وأنا في كل ذلك أستعفيه، فأبى عليّ، ثم خرج من الحمّام فأعطيته ثيابَه، ولبست ثيابي، ثم أخذ

стр. 5530

بيدي ومضى يمشي؛ وأنا معه حتى صار إلى مجلسه فقال: يا إسحاق؛ جئني بمصلّى ومخدّتين، فجئته بذلك، فوضع المخدّتين، ونام على وجهه، ثم قال: هات مصلّى ومخدتين، فجئت بهما، فقال: ألقه ونم عليه بحذائي، فحلفت ألّا أفعلَ، فجلست عليه، ثم حضر إيتاخ التركيّ وأشناس، فقال لهما: امضيا إلى حيث إذا صحت سمعتما، ثم قال: يا إسحاق، في قلبي أمر أنا مفكّر فيه منذ مدّة طويلة؛ وإنما بسطتك في هذا الوقت لأفشيَه إليك، فقلت: قل يا سيدي يا أمير المؤمنين؛ فإنما أنا عبدك وابن عبدك، قال: نظرت إلى أخي المأمون وقد اصطنع أربعةً أنجبوا، واصطنعت أنا أربعة لم يفلحْ أحدٌ منهم، قلت: ومَن الذين اصطنعهم أخوك؟ قال: طاهر بن الحسين؛ فقد رأيتُ وسمعتُ، وعبد الله بن طاهر، فهو الرّجل الذي لم يُرَ مثله، وأنت، فأنت والله لا يعتاض السلطان منك أبدًا، وأخوك محمد بن إبراهيم، وأين مثل محمد! وأنا فاصطنعت الأفشين فقد رأيتَ إلى ما صار أمْرُه، وأشناس ففشل آيه وإيتاخ فلا شيء، ووصيف فلا مغنى فيه: فقلت: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك! أجيب على أمانٍ من غضبكِ، قال: قل، قلت: يا أمير المؤمنين أعزّك الله نظر أخوك إلى الأصول؛ فاستعملها، فأنجبت فروعها، واستعمل أمير المؤمنين فروعًا لم تنجب إذ لا أصول لها، قال: يا إسحاق لمقاساةُ ما مرّ بي في طول هذه المدّة أسهلُ عليّ من هذا الجواب. وذكر عن إسحاق بن إبراهيم الموصليّ، أنه قال: أتيتُ أمير المؤمنين المعتصم بالله يومًا وعنده قينة كان معجَبًا بها، وهي تغنِّيه، فلما سلّمتُ وأخذت مجلسي، قال لها: خذي فيما كنت فيه، فغنّت فقال لي: كيف تراها يا إسحاق؟ قلت: يا أمير المؤمنين، أراها تقهره بحذْق وتختله برفق، ولا تخرج من شيء إلّا إلى أحسن منه، وفي صوتها قطع شذور أحسن من نظم الدرّ على النحور، فقال: يا إسحاق، لَصفتُك لها أحسن منها ومن غنائها، وقال لابنه هارون: اسمع هذا الكلام (١) .. وذكر عن إسحاق بن إبراهيم الموصليّ أنه قال: قلت للمعتصم في شيء،

стр. 5531

فقال لي: يا إسحاق؛ إذا نصر الهوى بطل الرّأي؛ فقلت له: كنت أحبّ يا أمير المؤمنين أن يكون معي شبابي؛ فأقوم مِنْ خدمتك بما أنويه، قال لي: أوَلست كنت تبلغ إذ ذاك جهدك؟ قلت: بلى، قال: فأنت الآن تبلغ جهدك فسيّان إِذًا. وذكر عن أبي حسان أنه قال: كانت أمّ أبي إسحاق المعتصم من مولّدات الكوفة يقال لها ماردة. وذكر عن الفضل بن مروان، أنه قال: كانت أمّ المعتصم ماردة سُغديّة، وكان أبوها نشأ بالسَّواد، قال: أحسبه بالبَنْدَنيجين. وكان للرشيد من ماردة مع أبي إسحاق، أبو إسماعيل، وأمّ حبيب، وآخران لم يُعرف اسماهما. وذكر عن أحمد بن أبي دواد أنه قال: تصدّق المعتصم ووهب على يدي وبسببي بقيمة مائة ألف ألف درهم. * * * خلافة هارون الواثق أَبي جعفر وبُويع في يَوم تُوُفِّيَ المعتصم ابنه هارون الواثق بن محمد المعتصم، وذلك في يوم الأربعاء لثمان ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين وكان يكنى أبا جعفر، وأمه أمّ ولد رومية تسمى قراطيس (١). وهلك هذه السنة توفيل ملك الروم وكان ملكه اثنتي عشرة سنة. وفيها ملكت بعده امرأته تذورة، وابنها ميخائيل بن توفيل صبيّ (٢). * * *

стр. 5532

وحجّ بالناس فيها جعفر بن المعتصم (١)، وكانت أم الواثق خرجت معه تريد الحج، فماتت بالحيرة لأربع خلوْن من ذي القعدة ودفنت بالكوفة في دار داود بن عيسى. ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من الوائق إلى أشناس أن توّجه وألبسه وشاحين بالجوهر في شهر رمضان (٢). وفيها مات أبو الحسن المدائنّي في منزل إسحاق بن إبراهيم الموصليّ (٣). وفيها مات حبيب بن أوس الطائيّ أبو تمام الشاعر (٤). وفيها حجّ سليمان بن عبد الله بن طاهر. وفيها غلا السعر بطريق مكة، فبلغ رطل خبز بدرهم وراوية ماء بأربعين درهمًا. وأصاب الناس في الموقف حرّ شدّيد، ثم مطر شديد فيه برد، فأضرَّ بهم شدة الحر ثم شدة البرد في ساعة واحدة، ومُطروا بمنىً في يوم النحر مطرًا شديدًا لم يروا مثله، وسقطت قطعة من الجبل عند جمرة العقبة قتلت عدّة من الحاج (٥). وحجّ بالناس في هده السنة محمد بن داود (٦). * * *

стр. 5533

ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث * * * [ذكر الخبر عن حبس الواثق الكتّاب وإلزامهم الأموال] . (١) فمن ذلك ما كان من حبس الواثق بالله الكتّاب وإلزامهم أموالًا، فدفع أحمد بن إسرائيل إلى إسحاق بن يحيى بن معاذ صاحب الحرس، وأمر بضربه كلّ يوم عشرة أسواط، فضربه - فيما قيل - نحوًا من ألف سوط، فأدّى ثمانين ألف دينار. وأخذ من سليمان بن وهب كاتب إيتاخ أربعمائة ألف دينار، ومن الحسن بن وهب أربعة عشر ألف دينار. وأخذ من أحمد بن الخصيب وكتابه ألف ألف دينار، ومن إبراهيم بن رَباح وكتابه مائة ألف دينار، ومن نَجَاح ستين ألف دينار، ومن أبي الوزير صلحًا مائة ألف وأربعين ألف دينار؛ وذلك سوى ما أخذ من العمّال بسبب عمَالاتهم. ونصب محمد بن عبد الملك لابن أبي دواد وسائر أصحاب المظالم العداوة، فكُشفوا وحبُسوا، وأجلس إسحاق بن إبراهيم؛ فنظر في أمرهم وأقيموا للناس ولقوا كلّ جهد. ذكر الخبر عن السبب الذي بعث الواثق على فعله ما ذكرت بالكتّاب في هذه السنة: ذكر عن عزون بن عبد العزيز الأنصاريّ، أنه قال: كنّا ليلةً في هذه السنة عند الواثق، فقال: لست أشتهي الليلة النبيذ، ولكن هلمّوا نتحدث الليلة؛ فجلس في رِواقة الأوسط في الهارونيّ في البناء الأول الذي كان إبراهيم بن رَبَاح بناه؛ وقد كان في أحد شقي ذلك الرّواق قُبّةٌ مرتفعة في السماء بيضاء، كأنها بيضة إلا قدْر ذراع - فيما ترى العين - حولها في وسطها ساج منقوش مغشّي باللازورْد

стр. 5534

والذّهب، وكانت تسمّى قبة المنطقة؛ وكان ذلك الرواق يسمّى رواق قبّة المنطقة. قال: فتحدَّثنا عامة الليل، فقال الواثق: مَنْ منكم يعلم السبب الذي به وثب جدي الرشيد على البرامكة فأزال نعمتهم؟ قال عزّون: فقلت: أنا والله أحدّثك يا أميرَ المؤمنين، كان سبب ذلك أن الرشيد ذُكرت له جارية لعوْن الخياط، فأرسل إليها فاعترضها، فرضيَ جمالها وعقلَها وحسن أدبها، فقال لعون: ما تقول في ثمنها؟ قال: يا أميرَ المؤمنين، أمر ثمنها واضح مشهور؛ حلفتُ بعتقها وعتق رقيقي جميعًا وصدقة مالي الأيمان المغلظة التي لا مخرج منها لي، واشهدت عليّ بذلك العدول ألّا أنقص ثمنها عن مائة ألف دينار، ولا أحتال في ذلك بشيء من الحِيل، هذه قضيتها. فقال أمير المؤمنين: قد أخذتها منك بمائة ألف دينار، ثم أرسل إلى يحيى بن خالد يخبره بخبر الجارية، ويأمره أن يرسل إليه بمائة ألف دينار، فقال يحيى: هذا مفتاح سوء، إذا اجترأ في ثمن جارية واحدة على طلب مائة ألف دينار فهو أحْرَى أن يطلب المال على قدر ذلك؛ فأرسل يخبره أنه لا يقدر على ذلك، فغضب عليه الرّشيد، وقال: ليس في بيت مالي مائة ألف دينار، فأعاد عليه: لا بدّ منها. فقال يحيى: اجعلوها دراهم، ليراها فيستكثرها، فلعله يردّها، فأرسل بها دراهم، وقال: هذه قيمة مائة ألف دينار، وأمر أن تُوضع في رواقة الذي يمرّ فيه إذا أراد المتوضّأ لصلاة الظهر. قال: فخرج الرّشيد في ذلك الوقت؛ فإذا جبل من بِدَر، فقال: ما هذا؟ قالوا: ثمن الجارية، لم تحضر دنانير، فأرسل قيمتها دراهم، فاستكثر الرشيد ذلك، ودعا خادمًا له، فقال: اضمم هذه إليك، واجعل لي بيت مال لأضمّ إليه ما أريده وسمّاه بيت مال العروس، وأمر بردّ الجارية إلى عون، وأخذ في التفتيش عن المال، فوجد البرامكة قد استهلكوه، فأقبل يهمّ بهم ويمسك؛ فكان يرسل إلى الصحابة وإلى قوم من أهل الأدب من غيرهم فيسامرهم، ويتعشّى معهم؛ فكان فيمن يحضر إنسان كان معروفًا بالأدب، وكان يعرف بكنيته يقال له أبو العُود؛ فحضر ليلةً فيمن حضره، فأعجبه حديثه؛ فأمر خادمًا له أن يأتيَ يحيى بن خالد إذا أصبْحَ، فيأمره أن يعطيَه ثلاثين ألف درهم. ففعل، فقال يحيى لأبي العود: أفعلُ؛ وليس بحضرتنا اليوم مال، غدًا يجيء المال، ونعطيك إن

стр. 5535

شاء الله. ثم دافعه حتى طالت به الأيام، قال: فأقبل أبو العود يحتال أن يجد من الرشيد وقتًا يحرّضه فيه على البرامكة - وقد كان شاع في الناس ما كان يهمّ به الرشيد في أمرهم - فدخل عليه ليلةً، فتحدّثوا، فلم يزل أبو العود يحتال للحديث حتى وصله بقول عمر بن أبي ربيعة: وعَدتْ هندٌ وما كانت ... تَعِدْ ليتَ هندًا أَنْجَزَتنا ما تَعِدْ واسْتبدَّتْ مرَّة واحدةً ... إنما العاجز مَن لا يَسْتَبدَ فقال الرشيد: أجل والله؛ إنما العاجز من لا يستبدّ، حتى انقضى المجلس وكان يحيى قد اتخذ من خدم الرشيد خادمًا يأتيه بأخباره، وأصبح يحيى غاديًا على الرَّشيد، فلما رآه قال: قد أردت البارحة أن أرسل إليك بشعرٍ أنشدنيه بعضُ مَنْ كان عندي، ثم كرهت أن أزعجك، فأنشده البيتين، فقال: ما أحسنَهما يا أمير المؤمنين! وفطن لما أراد، فلما انصرف أرسل إلى ذلك الخادم، فسأله عن إنشاد ذلك الشعر؛ فقال؛ أبو العود أنشده، فدعا الوزير يحيى بأبي العود، فقال له: إنا كنا قد لويناك بمالك، وقد جاءنا مال، ثم قال لبعض خدمه: اذهب فأعطه ثلاثين ألف درهم من بيت مال أمير المؤمنين، وأعطه من عندي عشرين ألف درهم لمُطْلنا إياه، واذهب إلى الفضل وجعفر فقل لهما هذا رجل مستحقّ أن يبرّ، وقد كان أمير المؤمنين أمر له بمال فأطلْت مطله، ثم حضر المال؛ فأمرت أن يعطى ووصلتُه من عندي صِلة، وقد أحببت أن تصلاه، فسألا: بكَم وصله قال: بعشرين ألف درهم؟ فوصله كلّ واحد منهما بعشرين ألف درهم؛ فانصرف بذلك المال كله إلى منزله. وجدّ الرشيد في أمرهم حتى وثب عليهم، وأزال نعمتهم، وقتل جعفرًا وصنع ما صنع. فقال الواثق: صدق والله جدي؛ إنما العاجز من لا يستبدّ! وأخذ في ذكر الخيانة وما يستحق أهلها. قال عزُّون: أحسبه: سيوقع بكتّابه، فما مضى أسبوع حتى أوقع بكتّابه، وأخذ إبراهيم بن رباح وسليمان بن وهب وأبا الوزير وأحمد بن الخصيب وجماعتهم، قال: وأمر الواثق بحبس سليمان بن وَهْب كاتب إيتاخ، وأخذه بمائتي ألف درهم - وقيل دينار - فقيد وألبس مَدْرعة من مدارع الملاحين، فأدّى مائة ألف درهم، وسأل أن يؤخذ بالباقي عشرين شهرًا، فأجابه الواثق إلى ذلك،
следующие страницы →