قال: فقال لهم: كان ينبغي لكم أن تحوّلوا متاعكم إلى منازلكم؛ وكبُر عنده ذلك.
وقدم بحونة بن قيس بن أبي السعديّ يوم السبت لثمان بقين من صفر بمن فَرض من الأعراب وهم ستمئة راجل ومئتا فارس. وقدم في هذا اليوم عشرة نفر من وجوه أهل طَرَسوس يشكون بلكاجور، ويزعمون أن بيعة المعتزّ وردت عليه، فخرج بعد ساعتين من وصول الكتاب، ودعا إلى بيعة المعتزّ، وأخذ القوّادَ وأهل الثغر بذلك فبايع أكثرهم، وامتنع بعض، فأقبل على مَن امتنع بالضرب والقيد والحبس. وذكر أنهم امتنعوا وهربوا لمّا أخذهم بالبيعة كرهًا، فقال وصيف: ما أظن الرّجل إلَّا [اغترّ ومُوِّه عليه] وأن الوارد عليه بكتاب المعتزّ هو الليث بن بابَك، وذكر له أنّ المستعين مات، وأقاموا المعتزّ مكانه؛ فتكلّم هؤلاء النفر يشكون بلكاجور، ونسبوه إلى أنه فعل ذلك على عمد، ورفعوا عليه أنه كان يرَى في بني الواثق، وقد ورد كتاب بلكاجور يوم الأربعاء لأربع بقين من صفر مع رجل يقال له عليّ الحسين المعروف بابن الصّعلوك؛ يذكر فيه أنه ورد عليه كتاب من أبي عبد الله بن المتوكل، أنه قد وليَ الخلافة، وبايع له. فلما ورد عليه كتاب المستعين بصحة الأمر، جدّد أخذ البيعة على مَنْ قِبَله، وأنه على السمع والطاعة له. فأمر للرسول بألف درهم فقبضها، وقد كان أمر بالكتاب إلى محمد بن عليّ الأرمني المعروف بأبي نصر بولايته على الثغور الشامية، فلما ورد كتاب بلكاجور بالطاعة أمسك عن إنفاذ كتاب محمد بن عليّ الأرمنيّ بالولاية.
وفي يوم الإثنين لست بقين من صفر من هذه السنة قدم إسماعيل بن فراشة من ناحية همذَان في نحو ثلثمئة فارس، وكان جنده ألفًا وخمسمئة فتقدّم بعضُهم وتأخر بعض، وتفرّقوا، وقدم معه برسول للمعتزّ، كان وُجّه إليه لأخذ البيعة، فقيّد الرسول وصار به إلى مدينة السلام على بغل بلا إكاف، فخلع على إسماعيل خمس خلع. وورد برجل ذكر أنه علويّ أخذ بناحية الريّ وطبرستان، متوجهًا إلى مَنْ هناك من العلوية؛ وكان معه دوابّ وغلمان؛ فأمر به فحبِس في دار العامة أشهرًا، ثم أخذ منه كفيل وأطلِق.
وقرئ في هذا اليوم كتاب موسى بن بغا يذكر فيه أنه ورد كتاب المعتزّ، وأنه دعا أصحابه، وأخبرهم بما حدَث، وأمرهم بالانصراف معه إلى مدينة السلام؛ فامتنعوا، وأجابه الشاكريّة والأبناء، واعتزله الأتراك ومَنْ كانَفهم، وحاربوه
стр. 5707
فقتل منهم جماعة وأسَر أسرى؛ فهم قادمون معه. فكبَّروا في دار ابن طاهر عند قراءتهم كتابه.
ولخمس بقين من صَفَر دخل من البصرة عشر سفائن بحرّية؛ تسمّى البوارج، في كل سفينة اشْتيام وثلاثة نفّاطين ونجّار وخباز وتسعة وثلاثون رجلًا من الجذّافين والمقاتلة؛ فذلك في كلّ سفينة خمسة وأربعون رجلًا. فمدّت إلى الجزيرة التي بحذاء دار ابن طاهر، ولعب أصحابها بالنيران، ثمَّ مدّت إلى ناحية الشماسيّة في هذه الليلة، فَرُمِي مَنْ فيها من الأتراك بالنيران، فعزموا على الانتقال من معسكرهم برقّة الشماسية إلى بُستان أبي جعفر بالحير، ثم بدا لهم فارتفعوا فوق عسكرهم في موضع لا ينالهم شيء من النار.
ولليلة بقيت من صَفَر صار الأتراك والمغاربة إلى أبواب مدينة السلام من الجانب الشرقيّ، فأغلقت الأبواب في وجوههم، ورموا بالسهام والمنجنيقات والعرّادات، فقتل من الفريقين وجُرح جماعة كثيرة، فلم يزالوا كذلك إلى العصر.
وفي هذه السنة كرّ سمليمان بن عبد الله راجعًا من جُرجان إلى طبرستان وشخص من آمُل، وخرج بجمع كثير وخيل وسلاح، فتنحّى الحسن بن زيد، ولحق بالدّيلم، فكتب إلى السلطان ابن أخيه محمد بن طاهر بدخوله طبرستان، فقرئ كتابه ببغداد، وكتب نسخة ذلك المستعين إلى بغا الصغير مولى أمير المؤمنين بفتح طبَرستان على يدي محمد بن طاهر وهزيمة الحسن بن زيد؛ وأن سليمان بن عبد الله دخل سارية على حالٍ من السلامة، وأنه ورد عليه ابنان لقارن بن شهريار مولى أمير المؤمنين، يقال لهما: مازيار ورستم، في خمسمئة رجل، إلى ما ذكر من غير ذلك في الفتح، وأنّ أهل آمُل أتوْه منيبين مظهرين إنابتَهم، مستقيلين عثراتهم؛ فلقيهم بما زاد في سكونهم وثقتهم، ونهض بعسكره على تعبيته، مستقرئًا للقرى والطرق، وتقدم بالنهي عن القتل، وترك العَرْض لأحدٍ في سلب وغيره، وتوعّد من جاوز ذلك؛ وأن كتاب أسد بن جندان وافاه بهزيمة عليّ بن عبد الله الطالبيّ المسمى بالمرعشيّ فيمن كان معه، وهم أكثر من ألفَيْ رجُل ورجلين من رؤساء الجبل، في جمع عظيم عند تأدّي الخبر إليهم بانهزام الحسن بن زيد ودخوله بالأولياء إلى تلك الناحية، وأنه دخل مدينة آمُل
стр. 5708
في أحسن هيئة، وأظهر عزّة وسلامة شاملة، وانقطعت عنه أسباب الفتنة.
ولخمس بقين من المحرم من هذه السنة ورد كتاب العلاء بن أحمد عامل بغا الشرابيّ على الخراج والضِّياع بإرمينيَة، بما كان من خروج رجلين بتلك الناحية؛ سمَّاهما وذكر إيقاعه بهما، وأنهما التجأا إلى قلعة، فوضع عليها المجانيق حتى جهدها، وأنّهما خرجا من القلعة هاربيْن، وخفي أمرُهما وصارت القلعة في أيدي الأولياء.
* * *
وفيها أيضًا ورد كتاب مؤرّخ لإحدى عشرة ليلة بقيَت من المحرّم بانتقاض أهل أردبيل، وكتاب الطالبيّ إليهم، وأنه بعث أربعة عساكر على أربعة أبواب مدينتهم ليحاصرهم.
* * *
وفيها ورد كتاب مخبر عن الحرب التي كانت بين عيسى بن الشيخ والموفّق الخارجيّ وأسْر عيسى الموفّق، ومسألة عيسى المستعين توجيه ما يحتاج إليه من السلاح؛ ليكون عدّة له في البلد، يقوى به الجند على الغزو، وأن يكتب إلى صاحب الصّور في توجيه أربع مراكب إليه بجميع آلتها؛ تكون قبلَه مع ما قبله منها.
* * *
وفيها أيضًا ورد كتاب محمد بن طاهر بخبر الطالبيّ الذي ظهر بالريّ ونواحيها، وما أعدّ له من العساكر، ووجّه إليه من المقاتلة، وبهرب الحسن بن زيد عند مصيره إلى المحمَّدية وإحاطة عسكره بها، وأنه عند دخوله المحمّدية وكّل بالمسالك والطرق، وبثّ أصحابه، وأنّ الله أظفره بمحمد بن جعفر أسيرًا على غير عَقْد ولا عهد، والذي صار إلى الريّ من العلوية في المرة الثانية بعدما أسِر محمد بن جعفر أحمدُ بن عيسى بن عليّ بن حسين الصغير بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وإدريس بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن عليّ بن أبي طالب، وهو الذي خرج في مصعد الحاجّ، والذي بطبَرستان الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن
стр. 5709
الحسن بن عليّ بن أبي طالب رحمة الله عليه ورضوانه (١).
* * *
وفيها أيضًا ورد كتابٌ من محمد بن طاهر على المستعين، يذكر فيه انهزام الحسن بن زيد منه، وأنه لقيه في زُهاء ثلاثين ألفًا، فجرت فيما بينه وبينه حرب، وأنه قتَل من رؤوس أصحابه ثلثمئة ونيّفًا وأربعين رجلًا، وأمر المستعين أن يقرأ نسخة كتابه في الآفاق.
وفيها خرج يوسف بن إسماعيل العلويّ ابن أخت موسى بن عبد الله الحسينيّ.
وفي شهر ربيع الأول منها أمر محمد بن عبد الله أن يُتخذ لعيّارى أهل بغداد كافركوبات، وأن يصيّر فيها مسامير الحديد، ويجعل ذلك في دار المظفر بن سيسل؛ لأنهم كانوا يحضرون القتال بغير سلاح، وكانوا يرمون بالآجُرّ، ثم أمر مناديًا، فنادى: مَنْ أراد السلاح فليحضر دار المظفّر، فوافاها العيارون من كلّ جانب، فقسم ذلك فيهم، وأثبت أسماءهم، ورأس العيّارون عليهم رجلًا يدعى ينتويه؛ ويكنى أبا جعفر وعدّة أخَر؛ يدعى أحدهم دُونل، والآخر دمحال، والآخر أبا نملة، والآخر أبا عصارة، فلم يثبت منهم إلَّا ينتويه؛ فإنه لم يزل رئيسًا على عيّارى الجانب الغربيّ؛ حتى انقضى أمر هذه الفتنة، ولما أعطِيَ العيّارون الكافر كوبات تفرّقوا على أبواب بغداد، فقتلوا من الأتراك ومن أتباعهم نحوًا من خمسين نفسًا في ذلك اليوم، وقتل منهم عشرة أنفس وجُرح منهم خمسمئة بالنّشاب، وأخذوا من الأتراك عَلمَيْن وسُلَّميَن.
وفيها كانت لبحونة بن قيس وقعة مع جماعة من الأتراك بناحية بَزُوغَى، لقيهم هو ومحمد بن أبي عون وغيرهما، فأسروا منهم سبعة، وقتلوا ثلاثة، ورمى بعضهم بنفسه في الماء، مغرق بعضُهم ونجا بعضهم.
وذُكر عن أحمد بن صالح بن شيرزاد: أنه سأل رجلًا من الأسرى عن عدّة
стр. 5710
القوم الذين لقيهم بحونة، قال: كنا أربعين رجلًا، فلقينا بحونة وأصحابه، سحَرًا، فقتِل منا ثلاثة، وغرق ثلاثة، وأسر ثمانية، وأفلت الباقون، وأخذِ ثماني عشرة دابة وجواشن وراية لعامل أوانا؛ وهو أخو هارون بن شعيب.
وكانت الوقعة بأوانا يوم الأربعاء، وأقام جند بحونة وعبد الله بن نصر بن حمزة بقُطرُبُّل مسلحة.
وخرج - فيما ذكر - ينتويه وأصحابه من العيّارين في بعض هذه الأيام من باب قُطْربّل، فمضوا يشتمون الأتراك حتى جازوا قُطْربّل، فعبَر مَن عَبر إليهم من الأتراك ناشبة في الزواريق، فقتلوا منهم رجلًا، وجرحوا منهم عشرة؛ وكاثرهم العيّارون بالحجارة فأثخنوهم، فرجعوا إلى معسكرهم، فأحضر ينتويه دار ابن طاهر؛ فأمر ألَّا يخرج إلَّا في يوم قتال، وسُوّر، وأمر له بخمسمئة درهم.
ولأربع عشرة خلتْ من ربيع الأوّل منها، قدم من ناحية الرّقة مزاحم بن خاقان، وأمر القوَّاد وبني هاشم وأصحاب الدواوين بتلقِّيه؛ وقدم معه مَنْ كان معه من أصحابه من الخراسانية والأتراك والمغاربة، وكانوا زهاء ألف رجل؛ معه عتاد الحرب من كل صنْف، ودخل بغداد، ووصيف عن يمينه وبغا عن شماله، وعبيد الله بن عبد الله بن طاهر عن يسار بغا، وإبراهيم بن إسحاق خَلْفهم؛ وهو بوقارٍ ظاهر؛ فلمَّا وصل خلع عليه سبع خلع، وقُلّد سيفًا، وخلع على ابنيه على كلّ واحد منهما خمس خلع، ثم أمر أن يفرَض له ثلاثة آلاف رجل من الفرسان والرّجّالة، ووجّه المعتزّ موسى بن أشناس ومعه حاتم بن داود بن بنحور في ثلاثة آلاف رجل من الفرسان والرّجالة فعسكر بإزاء عسكر أبي أحمد من الجانب الغربيّ بباب قُطْربّل لليلةٍ خلت من ربيع الأول، وخرج رجل من العيّارين يعرف بديكويه على حمار وخليفته على حمار، ومعهم تِرسَة وسلاح؛ وخرج آخر في الجانب الشرقي يكنى أبا جعفر ويعرف بالمخرّميّ في خمسمئة رجل في سلاح ظاهر، معهم التِّرسة وبواري مُقيَّرة وسيوف وسكاكين في مناطقهم، ومعهم كافر كوبات، وقرب العسكر الوارد من سامرّا إلى الجانب الغربيّ من بغداد، فركب محمد بن عبد الله ومعه أربعة عشر قائدًا من قوّاده في عُدّة كاملة، وخرج من المبيّضة والنظارة خلق كثير، فسار حتى حاذى عسكر أبي أحمد؛ وكانت بينهم في الماء جَوْلة قتِل من عسكر أبي أحمد أكثر من خمسين رجلًا، ومضى المبيّضة
стр. 5711
حتى جازت العسكر بأكثر من نصف فرسخ، فعبرت إليهم شبّارات من عسكر أبي أحمد؛ فكانت بينهم مناوشة، وأخذوا عِدّة من الشبارات بما فيها من المقاتلة والملاحين، فاستوثق منهم، وانصرف محمد بن عبد الله، وأمر ابن أبي عون أن يصرف الناس، فوجَّه ابنُ أبي عون إلى النّظارة والعامة من صرفهم وأغلظ لهم القول، وشتَمهم وشتموه، وضرب رجلًا منهم فقتله، وحملت عليه العامة؛ فانكشف من بين أيديهم؛ وقد كان أربع شبّارات من شبّارات أهل بغداد تخلّفت؛ فلما انصرف ابن أبي عون منهزمًا من العامة نظر إليها أهل عسكر أبي أحمد فوجّهوا في طلبها شبّارات، فأخذوها وأحرقوا سفينة فيها عرّادة لأهل بغداد وصار العامة من فورهم إلى دار عوْن لينهبوها، وقالوا: مايَلَ الأتراك، وأعانهم وانهزم بأصحابه، وكلّموا محمد بن عبد الله في صرفه وضجّوا، فوجّه المظفر بن سيسل في أصحابه، وأمره أن يصرِف العامة ويمنعهم أن يأخذوا لابن أبي عون شيئًا من متاعه، وأعلمهم أنه قد عزله عن أمر الشبّارات والبحريات والحرب، وصيّر ذلك إلى أخيه عبيد الله بن عبد الله، فمضى مظفّر، فصرف الناس عن دار محمد بن أبي عون.
وفي يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول وافَى عسكر الأتراك الشاخص من سامُرّا إلى بغداد عُكْبَراء، فأخرج ابن طاهر بندار الطبريّ وأخاه عبيد الله وأبا السنا ومزاحم بن خاقان وأسد بن داود سياه وخالد بن عمران وغيرهم من قُوّاده، فمضوا حتى بلغوا قُطْرُبّل، وفيها كمين الأتراك فأوقع بهم، ونشبت الحرب بينهم؛ فدفعهم الأتراك حتى بلغوا الحائطين بطريق قطْربّل، وقاتل أبو السنا وأسد بن داود قتالًا شديدًا، وقتل كلّ واحد منهما عدّة من الأتراك والمغاربة، ومال أبو السنا ميْلةً، وتبعه الناس، فقتل قائدًا من قوّاد الأتراك يقال له سور، ورُفع رأسه فصار من فوره إلى دار ابن طاهر، وأعلمه هزيمة الناس وسأله المدد، فأمر ابن طاهر به فطُوِّق - وكان وزن الأطواق كلّ طوق ثلاثين دينارًا، وكلُّ سوار سبعة مثاقيل ونصف - وانصرف أبو السنا راجعًا إلى الناس فيمن أخرج إليهم من المدد من جميع الأبواب، فذكر أن محمد بن عبد الله عنّف أبا السنا بإخلاله بموضعه ومجيئه نفسه بالرأس، وقال له: أخللتَ بالناس، فقبح الله هذا الرأس ومجيئك به!
стр. 5712
ولما انصرف محمد بن عبدوس قاتل أسد بن داود أشدّ قتال بعد تفرُّق الناس عنه، فقتِل وثاب إلى موضعه قوم من أهل بغداد بعد ما أخذ الأتراك رأسه، فدافعوهم عن جثّته، فحملوه إلى بغداد في زورق، وبلغ الأتراك باب قُطْربُّل، فخرج الناس إليهم فدفعوهم عن الباب دفعًا شديدًا، واتبعوهم حتى نحّوْهم؛ فأتِي دار ابن طاهر بعدة رؤوس ممن قتل من الأتراك والمغاربة في هذا اليوم، فأمر بنصبها بباب الشماسية، فنصبت هنالك، ثم رجع الأتراك والمغاربة على أهل بغداد من ناحية قُطْربّل، فقتل من أهل بغداد خَلْق كثير، وقتل من الأتراك جمع كثير؛ ولم يزل بندار ومن معه يقاتلونهم حتى أمسوا، وانصرف بُندار بالناس، وغلّقت الأبواب، وأمر ابن طاهر المظفر بن سَيْسَل ورشيد بن كاوس، وقائدًا معهم فتوجّهوا في نحو من خمسمئة فارس من باب قُطْربُّل إلى ناحية عسكر ابن أشناس، فوافوْهم على حالِ سكون وأمْن، فقتلوا منهم نحوًا من ثلثمئة، وأسروا عدّة وانصرفوا.
وذُكر أنّ الأتراك والمغاربة وافوْا في هذا اليوم باب القطيعة، فنقَبوا نقبًا بقرب الحمام الذي يعرف بباب القطيعة، فقتِل أوّل مَنْ خرج منهم من النقب، وكان القتل في هذا اليوم أكثر في الأتراك والمغاربة والجراح بالسهام في أهل بغداد.
وسمعت جماعة يذكرون أنه حضر هذه الوقعة غلام لم يبلغ الحلم، ومعه مخلاة فيها حجارة ومِقلاع في يده، يرمي عنه فلا يخطئ وجوهَ الأتراك ووجوه دوابّهم، وأنّ أربعة من فرسان الأتراك الناشبة جعلوا يرمُونه فيخطئونه وجعل يرميهم فلا يخطئ، وتقطّر بهم دوابهم، فمضوا حتى جاؤوا معهم بأربعة من رجّالة المغاربة بأيديهم الرماح والتراس، فجعلوا يحملون عليه، ثم داخله اثنان منهم، فرمى بنفسه في الماء، ودخلا خلفه فلم يلحقاه، وعبر إلى الجانب الشرقي، وصِيحَ، وكبَّر الناس، فرجعوا ولم يصلوا إليه.
وذُكر أنّ عبيد الله بن عبد الله دعا القوّاد في هذا اليوم وهم خمسة نفر، فأمر كلَّ واحد منهم بناحية، ثم مضى الناس إلى الحرب، وانصرف هو إلى الباب؛ فقال لعبد الله بن جهم وهو موكّل بباب قُطْربُّل: إياك أن تَدَع منهم أحدًا يدخل منهزمًا من الباب، ونشبت الحرب، وتشتّت الناس، ووقعت الهزيمة؛ وثبت أسد بن داود؛ حتى قُتِل وقَتل بيده ثلاثة، ثم أتاه سهم غَرَب، فوقع في حلْقه
стр. 5713
فولّى، وجاء سهم آخر فوقع في كَفَل دابته فشبّت به فصرعته؛ ولم يثبت معه أحد إلَّا ابنهَ، فجُرح، وكان إغلاق الباب على المنهزمين أشدَّ من عدوّهم، وحُمِل - فيما ذكر - إلى سامُرّا من أهل بغداد سبعون أسيرًا، ومن الرؤوس ثلثمئة رأس.
وذكر أنّ الأسرى لمّا قربوا من سامُرّا أمر الذي وجّه به معهم ألَّا يُدخلهم سامرّا إلَّا مغطِّي الوجوه، وأنّ أهل سامرّا لمَّا رأوْهم كثر ضجيجهم وبكاؤهم؛ وارتفعت أصواتهم وأصوات نسائِهم بالصُّرَّاخ والدعاء، فبلغ ذلك المعتزّ، فكره أن تغلظ قلوب مَنْ بحضرته من الناس عليه، فأمر لكل أسير بدينارين، وتقدّم إليهم بترك معاودة القتال، وأمر بالرؤوس فدفِنت.
وكان في الأسرى ابن لمحمد بن نصر بن حمزة وأخ لقُسطنطينَةَ جارية أم حبيب وخمسة من وجوه بغداد ممن كان في النظّارة، فأما ابن محمد بن نصر، فذكر أنه قُتِل وصلب بإزاء باب الشّماسيّة لمكان أبيه.
وفي يوم الخميس لأربع بَقِين من شهر ربيع الأول، قدم أبو الساج من طريق مكة في نحو من سبعمئة فارس ومعه ثمانية عشر محملًا فيها ستة وثلاثون أسيرًا من أسارى الأعراب في الأغلال، ودخل هو وأصحابه بغداد في زِيّ حسن وسلاح ظاهر، فصار إلى الدّار، فخلِع عليه خمس خِلع، وقلَّد سيفًا، وانصرف إلى منزله مع أصحابه، وقد خلع على أربع نفر من أصحابه.
وفي يوم الإثنين لانسلاخ شهر ربيع الأول، وافى باب الشّماسية - فيما قيل - جماعة من الأتراك، معهم من المعتزّ كتاب إلى محمد بن عبد الله: وسألوا إيصاله إليه، فامتنع الحسين بن إسماعيل من قبوله حتى استأمر؛ فأمر بقبوله؛ فوافَى يوم الجمعة ثلاثة فوارس، فأخرج إليهم الحسين بن إسماعيل رجلًا معه سيف وتُرس، فأخذ الكتاب من خريطة، فأخرج، فأوصله إلى محمد؛ فإذا فيه تذكير محمد بما يجب عليه من حفظه لقديم العهد بينه وبين المعتزّ والحرمة؛ وأن الواجب كان عليه أن يكون أوّل من سعى في أمره وتوجيه خلافته، وذكر أنّ ذلك أوّل كتاب ورد عليه من المعتزّ بعد الحرب.
وفي يوم السبت لخمس خلوْن من ربيع الآخر وافَى بغداد حَبْشون بن بغا الكبير ومعه يوسف بن يعقوب قوصرّة مولى الهادي فيمن كان مع موسى بن بغا من الشاكرّية، وانضمّ إليهم عامة الشاكريَّة المقيمين بالرّقة؛ وهم في نحو من ألف
стр. 5714
وثلثمئة، فخلع عليه خمس خلِع، وعلى يوسف أربع خِلع، وعلى نحو من عشرين من وجوه الشاكرّية، وانصرفوا إلى منازلهم.
وقدِم بغداد رجل ذكر أن عِدّة الأتراك والمغاربة وحشْوَهم في الجانب الغربيّ اثنا عشر ألف رجل ورأسهم بايكباك القائد وأنّ عدة مَنْ مع أبي أحمد في الجانب الشرقيّ سبعة آلاف رجل خليفته عليهم الدّرغمان الفرغانيّ، وأنه ليس بسامرّا من قوّاد الأتراك ولا من قوّاد المغاربة إلَّا ستة نفر، وُكّلوا بحفظ الأبواب، وكانت بين الفريقين وقعة يوم الأربعاء لسبع خَلَوْن من شهر ربيع الآخر، فقتل - فيما ذكر - فيها من أصحاب المعتزّ مع من غرق منهم أربعمئة رجل، وقتل من أصحاب ابن طاهر مع مَن غرق ثلثمئة رجل، لم يكن فيهم إلَّا جنديّ؛ وذلك أنه لم يخرج في ذلك اليوم من الغوغاء أحد، وقتِل الحسن بن عليّ الحربيّ؛ وكان يومًا صعبًا على الفريقيْن جميعًا.
وذُكر أنّ مزاحم بن خاقان رَمى فيه موسى بن أشناس بسهم فأصابه، فانصرف مجروحًا؛ وافتُقد من عسكر أبي أحمد نحو من عشرين قائدًا من الأتراك والمغاربة.
ولما كان يوم الخميس لأربع عشرة بقيت من شهر ربيع الآخر خلَع على أبي الساج خمس خِلَع، وعلى ابن فراشة أربع خِلع، وعلى يحيى بن حفص حبُوس ثلاث خلع، وعسكر أبو الساج في سوق الثلاثاء، وأعطِيَ الجند بغالًا من بغال السلطان يُحمل عليها الرّجالة، وحوّل مزاحم بن خاقان من باب حَرْب إلى باب السلامة، وصار مكان مزاحم خالد بن عمران الطائيّ الموصليّ.
وذكر أن أبا السّاج لما أمره ابن طاهر بالشخوص قال له: أيّها الأمير، عندي مشورة أشير بها، قال: قل يا أبا جعفر؛ فإنك غير متَّهم، قال: إن كنت تريد أن تجادّ هؤلاء القوم فالرأي لك ألَّا تفارق قوّادك ولا تفرّقهم، واجمعهم حتى تفضّ هذا العسكر المقيم بإزائك؛ فإنك إذا فرغت من هؤلاء فما أقدرك على من وراءك؛ فقال: إنّ لي تدبيرًا، ويكفي إن شاء. فقال أبو الساج: السمع والطاعة؛ ومضى لما أمِر به.
وذكر أن المعتزّ كتب إلى أبي أحمد يلومه للتقصير في قتال أهل بغداد، فكتب إليه:
стр. 5715
لأَمْرِ المنايا علينا طريقُ ... وللدّهرِ فيه اتساعٌ وضيقُ
فأيَّامُنا عِبرٌ للأَنامِ فمنها ... البُكورُ ومنها الطُّروقُ
ومنها هَنَاتٌ تُشِيبُ الوليدَ ... ويَخذُلُ فيها الصَّديقَ الصديقُ
وسُورٌ عَرِيضٌ له ذِرْوَةٌ ... تَفُوتُ العيونَ وبحْرٌ عَمِيقُ
قِتَالٌ مُبيدٌ وسَيْفٌ عَتِيدٌ ... وخَوْف شديد، وحِصْن وثيقُ
وطولُ صياحٍ لداعي الصباح الـ ... ـسلاحَ السلاحَ، فما يَسْتَفيق
فهذا قتيلٌ وهذا جريحٌ .... وهذا حريقٌ وهذا غريق
وهذا قتيل وهذا تَليل ... وآخرُ يَشْدخُهُ المنجنيقُ
هناكَ اغتصاب وثَمَّ انتهاب ... ودُورٌ خرابٌ وكانت تَرُوقُ
إذا ما سموْنا إلى مَسلَكٍ ... وجدناه قد سُدَّ عنا الطريقُ
فبالله نبلُغُ ما نَرْتجيهِ ... وباللهِ نَدفَعُ ما لا نطِيقُ
فأجابه محمد بن عبد الله - أو قيل على لسانه:
ألَا كلّ من زاغَ عن أمره ... وجارَ بِهِ عن هُداهُ الطريق
ملاقٍ من الأَمرِ ما قد وصَفْتَ ... وهذا بأَمثالِ هذا خَليقُ
ولا سيّما ناكثٌ بَيعةً ... وتوكيدُها فيه عهد وثيقُ
يُسَدُّ عليه طريقُ الهدى ... ويلقى مِنَ الأَمر ما لا يُطيقُ
وليسَ بِبالغٍ ما يَرْتجيه ... مَنْ كان عن غيه لا يُفِيقُ
أتانَا به خبرٌ سائرٌ ... رواه لنا عن خُلوقٍ خُلوقُ
وهذا الكتابُ لنا شاهدٌ ... يُصدِّقهُ ذَا النبيُّ الصَّدُوقُ
أما الشعر الأول؛ فإنه ينشد لعليّ بن أمية في فتنة المخلوع والمأمون، والجواب لا يعرف قائله.
وفي ربيع الآخر من هذه السنة ذُكر أن مئتي نفس من بين فارس وراجل مضوْا من قِبَل المعتزّ إلى ناحية البنَدنيجِين ورئيسهم تركيّ يدعى أبلج فقصدوا الحسن بن عليّ، فانتهبوا داره، وأغاروا على قريته، ثم صاروا إلى قرية قريبة منها، فأكلوا وشربوا، فلمّا اطمأنوا استصرخ عليهم الحسن بن عليّ أكرادًا من أخواله وقومًا من قرى حوله، فصاروا إليهم وهم غارّون، فأوقع بهم وقُتِل أكثرهم، وأسر سبعة عشر رجلًا منهم، وقتل أبلج، وهرب مَنْ بقي منهم ليلًا،
стр. 5716
ثم بعث الحسن بن عليّ الأسرى ورأس أبلج ورؤوس مَنْ قتِل معه إلى بغداد.
والحسن بن عليّ هذا رجل من شيبان كان يخلف - فيما ذكر - يحيى بن حفص في عمله، وأمّه من الأكراد.
* * *
ذكر خبر المدائن في هذه الفتنة (١)
ذُكر أنّ أبا الساج وإسماعيل بن فراشة ويحيى بن حفص، لمَّا خُلع عليهم للشخوص نحو المدائن، عسكروا بسُوق الثلاثاء؛ فلما كان يوم الأحد لعشر بَقِين من شهر ربيع الأول، حمل رجّالته على البغال، وصار إلى المدائن، ثم إلى الصيّادة؛ وابتدأ في حفر خندق المدائن - وهو خندق كسرى - وكتب يستمدّ؛ فوجّه إليه خمسمئة رجل من رجالة الجيشيّة؛ وكان شخوصه في ثلاثة آلاف فارس وراجل، ثم استمدّه فأمدّه، فحصل في عسكره ثلاثة آلاف فارس وألفا راجل، ثم أمِدّ بمئتي راجل من الشاكريّة القدماء، وحُمِلوا في السفن، وانحدروا إليه يوم الأحد لأربع خَلَوْن من جمادى الآخرة.
ذكر الخبر عن أمر الأنبار وما كان فيها من هذه الفتنة
فممّا كان بها أن محمد بن عبد الله وجّه بحونة بن قيس في الأعراب إلى الأنبار، وأمره بالمقام بها والفرض لأعراب الناحية، ففرَض قومًا منهم ومن المشبّهة بهم نحوًا من ألفي رجل؛ فأقام بالأنبار وضبطها؛ فبلغه أن قومًا من الأتراك قد قصدُوه، فبثَق الماء من الفرات إلى خندق الأنبار، فامتلأ الخندق لزيادة الماء، وفاض على ما يليه من الصحارى؛ فصار الماء إلى السالِحين فصار ما يلي الأنبار بطيحة واحدةً، وقطع القناطر التي توصّل إلى الأنبار؛ وكتب يستمدّ، فندب للخروج إليه رشيد بن كاوس أخو الأفشين، وضمّ إليه ممن كان معه من رجال تتمة ألف رجل؛ خمسمئة فارس وخمسمئة راجل، فشخص وعسكر في قصر عبدويه، وأمدّه ابنُ طاهر بثلثمئة راجل من المَلَطِيّين القادمين من
стр. 5717
الثغور، وانتخبوا ودفع إليهم استحقاقهم، ونفذوا إليه يوم الثلاثاء، ورحل من قصر عَبْدويْه يوم الإثنين سَلْخ ربيع الآخر في نحو من ألف وخمسمئة رجل، وأخرج المعتزّ أبا نصر بن بُغا من سامُرّا على طريق الإسحاقيّ يوم الثلاثاء، فسار يومه وليلتَه، فصبّح الأنبار ساعة نزلها رُشيد بن كاوس.
وكان بحونة نازلًا في المدينة ورُشيد خارجها، فلمَّا وافى أبو نصر عاجَل رشيدًا وأصحابَه وهم غارُّون على غير تعبية، فوضع أصحابه فيهم السَّيف، ورموْهم بالنشاب فقتلوا عِدّة، وثار بعضُ أصحاب رشيد إلى أسلحتهم فقاتلوا الأترَاك والمغاربة قتالًا شديدًا، وقتلوا منهم جماعة، ثم انهزم الشاكريّة ورشيد على الطريق الذي جاؤوا فيه منصرفين إلى بغداد.
ولما بلغ بجونة ما لقيه أصحاب رشيد، وأنّ الأتراك قد مالوا عند انهزام رشيد إلى الأنبار عَبَر إلى الجانب الغربيّ، وقطع جسر الأنبار، وعبر معه جماعة من أصحابه، وصار رشيد إلى المُحَوَّل في ليلته، وسار بحونة في الجانب الغربيّ حتى وافى بغداد يوم الخميس بالعشيّ، ثم دخل رشيد في هذه العشيّة إلى دار ابن طاهر، فأعلم بحونة محمد بن عبد الله أنه عند مصير الأتراك إلى الأنبار وجّه إلى رشيد يسأله أن يوجّه إليه مئة رجل من الناشبة ليرتبهم قُدّام أصحابه، فامتنع من ذلك، وسأله أن يضمّ إليه ناشبة من الفرسان والرّجالة ليصير إلى بني عمه، وذكر أنهم مقيمون هنالك في الجانب الغربيّ على الطاعة وانتظار أمير المؤمنين، وضمن أن يتلافى ما كان منه، فضمّ إليه ثلثمئة رجل من فرسان الشاكرّية الناشبة ورجّالتهم، وخلع عليه خَمس خلع، ومضى إلى قصر ابن هُبيرة يستعدّ هنالك.
ثم اختار محمد بن عبد الله الحسينَ بن إسماعيل للأنبار، ووجّه محمد بن رجاء الحِضاريّ معه وعبد الله بن نصر بن حمزة ورشيد بن كاوس ومحمد بن يحيى وجماعة من الناس، وأمر بإخراج المال لمن يخرج مع الحسين ومع هؤلاء القوم؛ فامتنع مَنْ كان قدم من مَلَطْية من الشاكريّة وهم عُظْم الناس من قبْض رزق أربعة أشهر؛ لأنّ أكثرهم كان بغير دوابّ، وقالوا: نحتاج إلى أن نقوي في أنفسنا، ونشتريَ الدوابّ، وكان الذي أطلِق لهم أربعة آلاف دينار، ثم رضوا بقبض أربعة أشهر، فجلس الحسين في مجلسٍ على باب محمد بن عبد الله، وتقدّم في تَصحيح الجرائد، ليكون عَرضه الناس وأصحابه في مدينة أبي جعفر،
стр. 5718
فأعطى في ذلك اليوم جماعة من خاصّته، ثم صار الحسين وأصحابُ الدّواوين بعد ذلك إلى مدينة أبي جعفر، ووضع العطاء لمَنْ يخرج معه من الجُنْد في ثلاثة مجالس؛ واستتمّ إعطاؤهم يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى.
فلمَّا كان يوم الإثنين أحضِر الحسين بن إسماعيل الدّار ومعه القواد الخارجون معه: رشيد بن كاوس، ومحمد بن رجاء، وعبد الله بن نصر بن حمزة، وأرمش الفرغانيّ، ومحمد بن يعقوب أخو حزام، ويوسف بن منصور بن يوسف البرْم، والحسين بن عليّ بن يحيى الأرمنيّ، والفضل بن محمد بن الفضل، ومحمد بن هَرْثمة بن النصر؛ وخلع على الحسين؛ وقُدّمت مرتبتُه إلى الفَوْج الثاني - وكان في الفوج الرابع - وخلع على هؤلاء القوّاد، وصُيّر رُشيد بن كاوس على المقدمة، ومحمد بن رجاء على الساقة، ومضى الحسين ومَنْ ضُمّ إليه من عشيرته وقوّاده إلى معسكرهم، وأمر وصيف وبغا أن يسبقا الحسين إلى معسكره، وشيّعه عبيدُ الله بن عبد الله وجميع قوّاد ابن طاهر وكتّابه وبنو هاشم والوجُوه إلى الياسريّة، وأخرج لأهل العسكر من المال ستة وثلاثون ألف دينار، وحمل إلى معسكر الياسرية بعدُ لإعطاء مَنْ بقي ألف وثمانمئة دينار، تمامَ استحقاقهم.
فلمّا كان يوم الخميس سارت مقدّمة الحسين والمقلّد لها عبد الله بن نصر ومحمد بن يعقوب في ألف فارس وراجل، فنزلوا البَثْق المعروف بالقاطوفة؛ وكان الأتراك قد وجّهوا إلى المنصوريّة على خمسة فراسخ من بغداد جماعةً منهم ومن المغاربة والغوغاء زُهاء مئة إنسان، فظُفر بسبعة من المغاربة، فوُجِّه بهم إلى الحسين، فأنفذهم إلى الباب، وسار الحسين يوم الجمعة لسبع بقِين من جمادى الأولى، وقد كان أهل الأنبار حين تنحّى بحونة ورشيد، وصار الأتراك والمغاربة إلى الأنبار ونادوا الأمان، فأعطُوه، وأمِروا بفتح حوانيتهم، والتسوّق فيها والانتشار في أمورهم، واطمأنُّوا إلى ذلك منهم وسكنوا، وطمعوا فيهم أن يفوا لهم، فأقاموا بذلك يومهم وليلتهم حتى أصبحوا وكان في وقت غلبتهم عليها وافتْهم سفن من الرَّقّة فيها دقيق وأطواف فيها زيت وغير ذلك؛ فأخذوه وجمعوا ما وجدوا فيها من إبل ودوابّ وبغال وحمير، ووجّهوا بذلك مع مَنْ يؤديه إلى
стр. 5719
منازلهم بسامُرّا، وانتهبوا ما وجدوا، ووجّهوا برؤوس مَنْ قُتل من أصحاب رشيد وبحونة وأهل بغداد وبمن أسروا وكانوا مئة وعشرين رجلًا، والرؤوس سبعون رأسًا، وجعلوا الأسرى في الجُوالقات، قد أخرجوا منها رؤوسهم حتى صاروا إلى سامُرّا، وصار الأتراك إلى فم الأستانة، وحاولوا سدّها ليقطعوا ماء الفرات عن بغداد، فوجَّهوا رجلًا، ودفعوا إليه مالًا لآلة السِّكْر، وسدّه مع الفُلُوس والصواري، ففُطِن به وهو يبتاع ذلك، فَحُمِل إلى دار ابن طاهر بعد أن نالتْه العامّة بالضرب والشتمّ؛ حتى أشفى على الموت، فسئل عن أمره فصدَق، فوُجّه به إلى الحبس.
وكان ابن طاهر قد وجّه الحارث خليفة أبي الساج؛ فكان على طريق مكة إلى قصر ابن هبيرة، وضمّ إليه خمسمئة رجل من فرسان الشاكريّة القادمين معه، فنفذ ومَنْ معه لسبع خلون من جمادى الأولى، ووجّه ابن أبي دلف هشام بن القاسم في مئتي راجل وفارس إلى السِّيبَيْن، ليقيم هناك، فلما توجّه الحسين إلى الأنبار كُتب إليه باللحاق بعسكر الحسين ليصير معه إلى الأنبار، ونُودِيَ ببغداد في أصحاب الحسين ومزاحم بن خاقان أن يلحَقُوا بقوّادهم، فسار الحسين، وتقدّم خالد بن عمران حتى نزل دِممَّا؛ فأراد أن يعقد على نهر أنق جسرًا ليعبُر عليه أصحابه، فمانعه الأتراك، فعبَر إليهه جماعة من الرّجّالة فكشفوهم، وعقد خالد الجسر، فعبر هو وأصحابه، وصار الحسين إلى دِممّا، فعسكر خارجها، وأقام في معسكره يومًا، ووافتْه طلائع الأتراك ممّا يلي نهر أنق ونهر رُفَيْل فوق قرية دمِمَّا، فصفّ الحسين أصحابه من جانب النهر والأتراك من الجانب الآخر، وهم زُهاء ألف رجل، وتراشقوا بالسهام، فجُرح بينهم عداد، وانصرف الأتراك إلى الأنبار.
وكان بحونة مقيمًا بقصر ابن هبيرة، فانضمّ إلى الحسين في جميع من كان معه من الأعراب وغيرهم، وكتب بحونة يسأل مالًا لإعطاء أصحابه؛ فأمر أن يحمل إلى معسكر الحُسين لإعطاء أصحاب بحونة ثلاثة آلاف دينار، وحمِل إلى الحسين مال وأطواق وأسورة وجوائز لمن أبلى في الحرب، وكان الحسين وُعد أنْ يُمَدّ بالرجال حتى يكمل عسكره عشرة آلاف رجل، فكتب ينتجز ذلك؛ فأمر بتوجيه أبي السنا محمد بن عبدوس الغنويّ والجحاف بن سواد في ألف فارس
стр. 5720
وراجل من الملَطِيّين وجند انتخبوا من قيادات شتى، فقبضوا أنزالهم لليلتين بقيتا من جمادى، وساروا مع أبي السناء والجحاف على نهر كَرْخايا إلى المحوَّل، ثم إلى دمِمّا، ونزل الحسين بعسكره في موضع - يعرف بالقَطيعة - واسع يحتمل العسكر، فأقام فيه يومَه، ثم عزل على الرّحلة منه إلى قرب الأنبار، فأشار عليه رُشيد والقوَّاد أن يُنزل عسكره بهذا الموضع لسَعته وحَصَانته، ويسير هو وقوّاده في خيل جريدةً، فإن كان الأمر له كان قادرًا أن ينقل عسكره؛ وإن كان عليه انحاز إلى عسكره وراجع عدُوّه، فلم يقبل الرأي، وحملهم على المسير من موضعهم، فساروا، وبين الموضعين فرسخان أو نحوهما، فلما بلغوا الموضع الذي أراد الحسين النزول فيه، أمر الناس بالنزول؛ وكان جواسيس الأتراك في عسكر الحُسين، فساروا إليهم، وأعلموهم رحلة الحسين، وضيق العسكر بالموضع الذي نزل فيه، فوافوْهم والناس يحطُّون أثقالهم، فسار أهل العسكر، ونادوْا السلاح، فصافّوهم، فكانت بينهم قتلَى من الفريقين، وحمل أصحاب الحسين عليهم فكشفوهم كشفًا قبيحًا، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وغرق منهم خلق كثير في الفرات، وكان الأتراك قد كمنوا قومًا، فخرج الكمين عند ذلك على بقيّة العسكر، فلم يكن لهم ملجأ إلَّا الفرات، وغرق من أصحاب الحسين خلق كثير، وقُتِل جماعة وأسرَ من الرجّالة جماعة؛ وأما الفرسان فضربُوا دوابّهم هُرّابًا لا يلوون على شيء، والقوّاد ينادونهم يسألونهم الرَّجْعة، فلم يرجع منهم أحد، وأبلى محمد بن رجاء ورُشيد يومئذ بلاء حسنًا، ولم يكن لمن انهزم معقل دون الياسريّة على باب بغداد، فلم يملك القوَّاد أمور أصحابهم، فأشفقوا حينئذ على أنفسهم، فانثنوْا راجعين وراءهم، يحمونهم من أدبارهم أن يتبعوا، وحوَى الأتراك جميع عسكر الحسين بما فيه من المضارب وأثاث الجند وتجارات أهل السوق؛ وكان معه في السفن سلاح سلِم؛ لأن الملّاحين حَرزُوا سفنهم، فسلِم ما كان معهم من السلاح ومن تجارات التجّار.
وذكر عن ابن زنبور كاتب الحسين أنه أخِذ للحسين اثنا عشر صندوقًا فيها كسوة ومال من مال السلطان مبلغه ثمانيةُ آلاف دينار، ونحو من أربعة آلاف دينار لنفسه، ونحو من مئة بغل؛ وانتهب فروضُ الحسين مضارب الحسين وأصحابه، وطاروا مع مَنْ طار، فوافوا الياسريّة؛ وكان أكثر النهب مع أصحاب أبي السنا.
стр. 5721
ووافى الحسين والفلّ الياسرية ويوم الثلاثاء لستٍّ خلوْن من جمادى الآخرة.
ولقي الحسينَ رجل من التجار في جماعة ممن ذهبت أموالهم في عسكره، فقال: الحمد لله الذي بيَّض وجهك! أصعدتَ في اثني عشر يومًا، وانصرفت في يوم واحد! فتغافل عنه.
قال أبو جعفر: وممَّا انتهى إلينا من خبر الحسين بن إسماعيل ومَنْ كان معه من القُوّاد والجند الذي كان محمد بن عبد الله بن طاهر استنهضَهم من بغداد في هذه السَّنة لحرب مَنْ كان قصد الأنبار وما اتّصل بها من البلاد من الأتراك والمغاربة، أنه لما صار إلى الياسرية منصَرفه مهزومًا من دِمِمَّا، أقام بها في بستان ابن الحَروريّ، وأقام مَنْ وافى الياسرية من المنهزمةِ في الجانب الغربيّ من الياسريّة، ومُنِعوا من العبور، ونُودي ببغداد فيمن دخلها من الجند الذين في عسكر الحسين أن يلحقوا بالحسين في معسكره، وأجِّلُوا ثلاثة أيام، فمن وجد منهم ببغداد بعد ثلاثة ضُرب ثلثمئة سوط، ومُحي اسمه من الديوان.
فخرج الناس، وأمر خالد بن عمران في الليلة التي قدم فيها الحسين أن يعسكر في أصحابه بالمحوَّل، وأعطى أصحابه أرزاقهم في تلك الليلة في الشَّرْج، ونودي في أصحابه بالمحوَّل باللحاق به.
ونودي في الفَرض القُدماء الذين كانوا فرضوا بسبب أبي الحسين يحيى بن عمر بالكوفة وهم خمسمئة رجل، وأصحاب خالد وهم نحو من ألف رجل، فعسكروا بالمحوّل يوم الثلاثاء لسبع خلون من جمادى الآخرة، وأمر ابن طاهر الشاهَ بن ميكال في صَبيحة الليلة التي وافى فيها الحسين أن يتلقاه ويمنعه من دخول بغداد، فلقيه في الطريق، فردّه إلى بستان ابن الحَروريّ، وأقاموا يومهم، فلما كان الليل صاروا إلى دار ابن طاهر، فوبّخه ابن طاهر، وأمره بالرُّجوع إلى الياسريّة لينفذ إلى الأنبار مع مَنْ ينفذ إليها من الجند؛ فصار من ليلته إلى الياسريّة، ثم أمر بإخراج مال لإعطاء شهر واحد لآل هذا العسكر فحمل تسعة آلاف دينار، وصار كتّاب ديوان العطاء وديوان العَرْض إلى الياسريّة لعرض الجند وإعطائهم.
فلما كان يوم الجمعة لسبع خلوْن من جمادى الآخرة توجَّه خالد بن عمران
стр. 5722
مُصعِدًا إلى قنطرة بهلايا - وهي موضع السِّكْر - وخرجت معه نحو من عشرين سفينة، وركب عبيد الله بن عبد الله وأحمد بن إسرائيل والحسن بن مخلد إلى عسكر الحسين بن إسماعيل بالياسريّة، فقرؤوا على الحسين والموّاد كتابًا كُتبِ به عن المستعين، يخبرهم فيه بسوء طاعتهم وماركبوا من العصيان والتخاذل؛ فقرئ عليهم والعسكر مقيم، والعُرَّاض يعرضونهم ليتعرّفوا مَنْ قُتِل ومَنْ غرق من كل قيادة، ونودي باللَّحاق بعسكرهم، فخرجوا، وأتاهم كتاب بعض عيونهم بالأنبار يخبر أنّ القتلى كانت من الأتراك أكثر من مئتين، والجرحى نحوًا من أربعمئة؛ وأن جميع مَنْ أسره الأتراك من أهل بغداد الجيشية والفروض من الرَّجّالة مئتان وعشرون إنسانًا، وأنه عدّ رؤوس مَنْ قتِل فوجدها سبعين رأسًا، وكانوا أخذوا جماعة من أهل الأسواق، فصاحوا لأبي نصر: نحن أهل السوق، فقال: ما بالكم معهم! فقالوا: أكرِهنا فخرجنا، شئنا [أو أبينا] فأطلق من كان منهم يشبه السوقة. وأمر بحبس الأسرى في القَطِيعة.
وذُكر عن صاحب بغال السلطان: أن جميع ما ذهب من بغال السلطان مئة وعشرون بغلًا.
ورحل الحسين يوم الإثنين لاثنتي عشرة بقيت من جمادى الآخرة، وكتب إلى خالد بن عمران وهو مقيم على السِّكْر، أن يرحل متقدِّمًا أمامه، فامتنع خالد من ذلك؛ وذكر أنه لا يبرح من موضعه إلَّا أن يأتيَه قائد في جُند كثيف فيقيم مكانه، لأنه يتخوّف أن يأتيَه الأتراك من خَلْفه من عسكرهم بناحية قُطْربُّل، وأمر ابن طاهر بمال، فحمل إلى الحسين بن إسماعيل لإعطاء جميع من في عسكره رزق شهر واحد؛ ليُفرَّق فيهم بدممّا، وأمر أن يخرج معه الكتاب والعُرّاض لأصحابه هنالك، وقلَّد أمر نفقات عسكره وإعطاء الجند من قبَل ديوان الخراج الفضلَ بن مظفَّر السبعيّ وحمَل المال مع السَّبْعيّ إلى معسكر الحسين، لينفذ معه إذا نفذ.
وقد قيل: إنّ الحسين ارتحل إلى الأنبار في النصف من ليلة الأربعاء لعشر بقين من جمادى الآخرة، فسارَ وتبعه من في عسكره يوم الأربعاء، ونودي في أصحابه باللحاق به، فسار حتى نزل دمِمَّا، وأراد أن يعقد على نهر أنق جسرًا ليعبُر عليه، فمانعه الأتراك، فعبر إليهم جماعة من أصحابه من الرَّجَّالة،
стр. 5723
فحاربوهم حتى كشفوهم، وعقد خالد الجسر، فعبر أصحابه ووجّه محمد بن عبد الله بكاتبه محمد بن عيسى بشيء شافهه به، فيقال: إنه حمل معه أطْوَاقًا وأسورة، وانصرف إلى منزله، وصار إلى الحسين يوم السبت لثمان خَلَوْن من رجب رجل، فأخبره أن الأتراك قد دُلُّوا على عدّة مواضع في الفرات، تُخاض إلى عسكره، فأمر بضرب الرجل مئتي سوط، ووكل بالمخاوض رجلًا من قُوّاده، يقال له الحسين بن عليّ بن يحيى الأرمنيّ في مئة راجل ومئة فارس؛ فطلع أوَّل القوم، فخرج عليهم وقد أتاه منهم أربعة عشر علمًا، فقاتل أصحابه ساعةً، ووكل بالقنطرة أبا السَّنا، وأمره أن يمنع مَن انهزم من العُبور؛ فأتى الأتراك المخاضَة، فرأوا الموكَّل بها، فتركوه واقفًا، وصاروا إلى مخاضة أخرى خَلْف الموكّل فقاتلوهم، فصبر الحسين بن عليّ وقاتل، فقيل للحسين بن إسماعيل، فقصد نحوَه، ولم يصل إليه حتى انهزم، وانهزم خالد بن عمران معه ومَنْ معه، ومنعهم أبو السنا من العبُور على القنطرة، فرجع الرجَّالة والخزاسانية فرَموْا بأنفسهم في الفرات، فغرق من لم يُحسن السباحة، وعَبَر مَنْ كان يحسن السباحة، فنجا عُريانًا، وخرج إلى جزيرة لا يصل منها إلى الشَّطّ، لِمَا على الشطّ من الأتراك، فذكر عن بعض جند الحسين، أنه قال: بعث الحسين بن عليّ الأرمني إلى الحسين بن إسماعيل أنّ الأتراك قد وافوا المخاضَة، فأتاه الرسول، فقيل: الأمير نائم، فرجع الرسول فأعلمه، فردّ آخر، فقال له الحاجب: الأمير في المخرَج، فرجع فأخبره، فردّ رسولًا ثالثًا، فقال: قد خرج من المخرَج ونام؛ فعلت الصيحة فعَبر الأتراك، فقعد الحسين في زورق أو شبّارة، وانحدر واستأثر قوم من الخُراسانية، ورموا ثيابهم وسلاحهم، وقعدوا على الشطّ عُراةً، وشدّ أصحاب أعلام الأتراك حتى ضربوا أعلامهم على مضرب الحسين بن إسماعيل، واقتطعوا السوق، وانحدرت عامة السفن، فسلمت إلَّا ما كان موكّلًا به منها، ولحق الأتراك أصحاب الحسين، فوضعوا فيهم السيف؛ فقتلوا وأسروا نحوًا من مئتين، وغرق خَلْقٌ كثير؛ ووافى الحسين والمنهزمة بغدادَ نصف الليل، ووافى فلّهم وبقيّتهم في النهار؛ وفيهم جرحى كثيرة، فلم يزالوا إلى نصف النهار يتتابعون عُراة مجرَّحين، وفُقِد من قواد الحسين بن يوسف اليَرْم وغيره. ثم جاء كتابه أنه أسير في أيدي الأتراك عند مُفْلح؛ وأنَّ عدّة الأسرى من وقعة الحسين الثانية مئة ونيّف وسبعون إنسانًا، والقتلى مئة، والدوابّ نحو من
стр. 5724
ألفي دابة ومئتي بغل وأكثر، وقيمة السلاح والثياب وغير ذلك أكثر من مئة ألف دينار؛ فقال الهندوانيّ في الحسين بن إسماعيل:
يا أَحْزَمَ الناسِ رأيًا في تخلُّفهِ ... عن القتالِ خَلطْتَ الصفْوَ بالكدَرِ
لمَّا رأيتَ سُيُوفَ التركِ مُصلَتَةً ... علِمْتَ ما في سيوفِ الترْك من قَدَرِ
فَصِرْتَ منحجزًا ذُلًا ومَنقَصةً ... والنُّجحُ يذهبُ بينَ العجْزِ والضَّجَرِ
ولحق بالمعتز في جمادى الآخرة منها من بغداد جماعة من الكتاب وبني هاشم، ومن القوّاد مُزاحم بن خاقان أرطوج، ومن الكتّاب عيسى بن إبراهيم بن نوح ويعقوب بن إسحاق، ونمارى، ويعقوب بن صالح بن مرشد، ومقلة، وابنٌ لأبي مزاحم بن يحيى بن خاقان، ومن بني هاشم عليّ ومحمد ابنا الواثق، ومحمد بن هارون بن عيسى بن جعفر، ومحمد بن سليمان من ولد عبد الصمد بن عليّ.
* * *
وفيها كانت وقعة بين محمد بن خالد بن يزيد وأحمد المولد وأيوب بن أحمد بالشُّكَيْر من أرض بني تغلب، قتل بين الفريقين جماعة كثيرة، وانهزم محمد بن خالد، وانتهب الآخرون متاعه، وهدم أيوب دور آل هارون بن معمر، وقتل من ظفر به من رجالهم.
* * *
وفيها كانت لبلكاجور غزوة فتح - فيما ذكر - فيها مطمورة أصاب فيها غنيمة كثيرة، وأسر جماعة من الأعلاج، وورد بذلك على المستعين كتاب تاريخه يوم الأربعاء لثلاث ليال بقين من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وخمسين ومئتين.
* * *
وفي يوم السبت لثمان بقين من رجب من هذه السنة كانت وقعة بين محمد ابن رجاء وإسماعيل بن فراشة وبين جُعلان التركيّ بناحية بادَرَايا وباكُسايا، فهزم ابن رجاء وابن فراشة جُعلانَ، وقتلا من أصحابه جماعة، وأسرا جماعة.
* * *
стр. 5725
وفي رجب منها كان - فيما ذكر - وقعة بين ديوداد أبي الساج وبين بايكباك بناحية جَرْجَرايا، قتل فيها أبو الساج بايكباكَ، وقتل من رجاله جماعة، وأسر منهم جماعة، وغرق منهم في النهروان جماعة.
وفي النصف من رجب منها اجتمع مَنْ كان ببغداد من بني هاشم من العباسيين، فصاروا إلى الجزيرة التي بإزاء دار محمد بن عبد الله، فصاحوا بالمستعين وتناولوا محمد بن عبد الله بالشتم القبيح، وقالوا: قد مُنعنا أرزاقنا، وتُدفع الأموال إلى غيرنا ممن لا يستحقها، ونحن نموت هزلًا وجوعًا؛ فإن دفعتَ إلينا أرزاقنا وإلا قصدنا إلى الأبواب ففتحناها، وأدخلنا الأتراك؛ فليس يخالفنا أحد من أهل بغداد، فعبر إليهم الشاه بن ميكال، فكلّمهم ورفق بهم، وسألهم أن يعبر معه منهم ثلاثة أنفس ليدخلهم على ابن طاهر، فامتنعوا من ذلك، وأبوا إلَّا الصّياح وشتْم محمد بن عبد الله؛ فانصرف عنهم الشاه؛ فلم يزالوا على حالهم على قُرْب الليل، ثم انصرفوا واجتمعوا من غد ذلك اليوم، فوجّه إليهم محمد بن عبد الله، فأمرهم بحضُور الدّار يوم الإثنين ليأمر من يناظرهم، فصاروا إلى الدّار فأمر محه رر بن داود الطوسيّ بمناظرتهم، وبذل لهم رزق شهر واحد؛ وأمرهم أن يقبضوا ذلك، ولا يكلّفوا الخليفة أكثر من هذا؛ فأبوْا أن يقبضوا رزْق شهر، وانصرفوا.
* * *
[خروج الحسين بن محمد الطالبيّ وما آل إليه أمره] (١)
وفيها خرج بالكوفة رجل من الطالبيّين يقال له الحسين بن محمد بن حمزة بن عبد الله بن الحسين بن عليّ بن حسين بن عليّ بن أبي طالب، فاستخلف بها رجلًا منهم يقال له محمد بن جعفر بن الحسين بن جعفر بن الحسين بن حسن، ويكنى أبا أحمد، فوجّه إليه المستعين مزاحم بن خاقان أرطُوج؛ وكان العلويّ بسوَاد الكوفة في ثلثمئة رجل من بني أسد وثلثمئة رجل من الجارودية والزيديّة وعامتهم صَوَّافيّة؛ وكان العامل يومئذ بالكوفة أحمد بن نصر بن مالك الخُزاعيّ، فقتَل العَلويّ من أصحاب ابن نصر أحدَ عشر رجلًا، منهم من جند الكوفة أربعة،
стр. 5726
وهرب أحمد بن نصر إلى قَصْر ابن هبيرة؛ فاجتمع هو وهشام بن أبي دلف؛ وكان يلي بعضَ سواد الكوفة - فلما صار مزاحم إلى قرية شاهي كتب إليه في المقام حتى يوجّه إلى العلوي مَنْ يردّه إلى الفيئة والرجوع. فوجّه داود بن القاسم الجعفري، وأمر له بمالٍ، فتوجَّه إليه وأبطأ داود وخبرُه على مزاحم، فزحف مزاحم إلى الكوفة من قرية شاهي، فدخلها وقصد العَلويّ فهرب، فوجّه في طلبه قائدًا، وكتب بفتحه الكوفة في خريطة مُرَيّشة.
وقد ذكر أن أهل الكوفة عند ورود مزاحم حملوا العلويّ على قتاله، ووعدوه النّصر، فخرج في غربيّ الفُرات؛ فوجّه مزاحم قائدًا من قُوّاده في الشرقيّ من الفرات، وأمره أن يمضيَ حتى يعبر قنطرة الكوفة ثم يرجع، فمضى القائد لذلك، وأمر مزاحم بعض أصحابه الذين بقوا معه أن يعبروا مخاضة الفرات في قرية شاهي، وأن يتقدّموا حتى يحاربوا أهل الكوفة ويصافّوهم من أمامهم فساروا ومعهم مزاحم، وعَبَر الفرات، وخلَّفَ أثقالَه ومَنْ بقي معه من أصحابه؛ فلما رآهم أهل الكوفة ناوشوهم الحرب، ووافاهم قائد مزاحم، فقاتلهم من ورائهم ومُزاحم من أمامهم؛ فأطبقوا عليهم جميعًا فلم يفلت منهم أحد.
وذكر عن ابن الكرديّة: أنّ مزاحمًا قتل من أصحابه قبل دخوله الكوفة ثلاثة عشر رجلًا، وقتل من الزيدية أصحاب الصّوف سبعة عشر رجلًا، ومن الأعراب ثلثمئة رجل؛ وأنه لما دخل الكوفة رُمِيَ بالحجارة فضرب ناحيتي الكوفة بالنار، وأحرق سبعة أسواق؛ حتى خرجت النار إلى السبيع، وهجم على الدار التي فيها العلويّ فهرب؛ ثم أتِي به وقُتِل في المعركة من العلويّة رجل وذكر أنه حبس جميع من بالكوفة من العَلويّة، وحبس أبناء هاشم، وكاق العلوّي فيهم.
وذكر عن أبي إسماعيل العلويّ أن مُزاحمًا أحرق بالكوفة ألف دار، وأنه أخذ ابنة الرجل منهم فعنّفها.
وذكر أنه أخِذ للعلويّ جوارٍ، فيهم امرأة حُرّة مضمومة، فأقامها على باب المسجد ونادى عليها.
وفي النصف من رجب من هذه السنة، ورد على مزاحم كتاب من المعتزّ
стр. 5727
يأمره بالمسير إليه، ويعده وأصحابه ما يحبّ ويحبّون، فقرأ الكتاب مزاحم على أصحابه؛ فأجابه الأتراك والفراغنة والمغاربة، وأبى الشاكرية ذلك، فمضى فيمن أطاعه منهم وهم زُهاء أربعمئة إنسان، وقد كان أبو نوح تقدّمه إلى سامُرّا، فأشار بالكتاب إليه، وكان مزاحم ينتظر أمر الحسين بن إسماعيل؛ فلما انهزم الحسين مضى إلى سامُرّا، وقد كان المستعين وجّه إلى مزاحم عند فتح الكوفة عشرة آلاف دينار وخمس خلَع وسيفًا، ونفذ الرسول إليه وألفى الجند الذين كانوا معه في الطريق؛ فردّوا جميع ذلك معهم، وصاروا إلى باب محمد بن عبد الله، وأعلموه ما فعل مزاحم. وكان في الجند والشاكريّة خليفة الحسين بن يزيد الحرانيّ وهشام بن أبي دلف والحارث خليفة أبي الساج، فأمر ابن طاهر أن يخلع عن كلّ واحد منهم ثلاث خلَع.
وذكر أن هذا العلويّ كان قد ظهر بنينَوى في آخر جمادى الآخرة من هذه السنة؛ فاجتمع إليه جماعة من الأعراب، وفيهم قومٌ ممن كان خرج مع يحيى بن عمر في سنة خمسين ومئتين، وقد كان قدم إلى تلك الناحية هشام بن أبي دلف، فواقعهم العلويّ في جماعة نحو من خمسين رجلًا، فهزمه وقتل عِدّة من أصحابه، وأسر عشرين رجلًا وغلامًا، وهرب العلَويُّ إلى الكوفة؛ فاختفى بها، ثم ظهر بعد ذلك، وحمِل الأسرى والرؤوس إلى بغداد، فعرف خمسة نفر ممن كان مع أصحاب أبي الحسين يحيى بن عمر؛ فأطلقوا، وأمر محمد بن عبد الله أن يضرب كلّ واحد ممن أطلق وعاد خمسمئة سوط، فضرِبوا في آخر يوم من جمادى الآخرة.
وذُكر أن كتب أبي الساج لمّا وردت بما كان من إيقاعه ببايكباك، وذلك لاثنتي عشرة بقيَتْ من رجب من هذه السنة، وجّه إليه بعشرة آلاف دينار معونة له، وبخلعة فيها خمسة أثواب وسيف.
* * *
وفيها كانت وقعة - فيما ذكر - بين منكجور بن خيدر وبين جماعة من الأتراك بباب المدائن هزمهم فيها مَنْكَجور، وقتل منهم جماعة.
* * *
стр. 5728
وفيها كانت لبلكاجور صائفة، فتح فيها فتوحًا فيما ذكر.
* * *
وفيها كانت وقعة بين يحيى بن هرثمة وأبي الحسين بن قريش، قُتِل من الفريقين جماعة، ثم انهزم أبو الحسين بن قريش.
وفي يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلتْ من شعبان كان بباب بَغواريا وقعة بين الأتراك وأصحاب ابن طاهر؛ وكان السبب في ذلك أن الموكّل كان بباب بغواريا إبراهيم بن محمد بن حاتم والقائد المعروف بالنّساويّ في نحو من ثلثمئة فارس وراجل، فجاءت الأتراك والمغاربة في جَمْع كثير، فنقبوا السور في موضعين، فدخلوا منهما، فقاتلهم النّساويّ فهزموه، ووافوْا باب الأنبار، وعليه إبراهيم بن مصعب وابن أبي خالد وابن أسد بن داود سياه، وهم لا يعلمون بدخولهم باب بغواريا، فقاتلهم قتالًا شديدًا، فقتل من الفريقين جماعة، ثم إنّ مَنْ كان على باب الأنبار من أهل بغداد انهزموا لا يلوون على شيء، فضرب الأتراك والمغاربة باب الأنبار بالنار فاحترق، وأحرقوا ما كان على باب الأنبار من المجانيق والعرّادات، ودخلوا بغداد حتى صاروا إلى باب الحديد ومقبار الرّهينة ومن ناحية الشارع إلى موضع أصحاب الدواليب، فأحرقوا ما هنالك وأحرقوا كلّ ما قرب من ذلك من أمامهم وورائهم، ونصبوا أعلامهم على الحوانيت التي تقرب من ذلك الموضع، وانهزم الناس، حتى لم يقف بين أيديهم أحد؛ وكان ذلك مع صلاة الغَداة، فوجّه ابن طاهر إلى القوّاد، ثم ركب في السلاح فوقف على باب درب صالح المسكين، ووافاه القوّاد، فوجّههم إلى باب الأنبار وباب بغواريا وجميع الأبواب التي في الجانب الغربيّ، وشحنها بالرجال، وركب بُغا ووصيف، فتوجّه بُغا في أصحابه وولده إلى باب بغواريا، وصار الشاه بن ميكال والعباس بن قارن والحسين بن إسماعيل إلى باب الأنبار والغوغاء، فالتقوا والأتراك في داخل الباب، فبادرهم العباس بن قارن، فقتِل - فيما ذكر - في مقام واحد جماعة من الأتراك، ووجِّه برؤوسهم إلى باب ابن طاهر، وكاثرهم الناس على هذه الأبواب، فدفعوهم حتى أخرجوهم بعد أن قُتِل منهم جماعة، وكان بُغا الشرابيّ خرج إلى باب بغواريا في جمع كثير، فوافاهم وهم غارُّون، فقتل منهم جماعة كثيرة، وهرب الباقون، فخرجوا من
стр. 5729
الباب؛ فلم يزل بُغا يحاربهم إلى العصر؛ ثم انهزموا وانصرفوا، ووكَّل بالباب مَنْ يحفظه وانصرف إلى باب الأنبار، ووجَّه في حمل الجصّ والآجرّ، وأمر بسدّه.
وفي هذا اليوم أيضًا كانت حرب شديدة بباب الشَّماسية، قُتِل من الفريقين - فيما ذكر - جماعة كثيرة، وجُرح آخرون؛ وكان الذي قاتل الأتراك في هذا اليوم - فيما ذكر - يوسف بن يعقوب قوصرّة.
وفيها أمر محمد بن عبد الله المظفّر بن سيسل أن يعسكر بالياسرية، ففعل ذلك، ثم انتقل إلى؛ الكُناسة إلى أن وافاه بالفَردل بن إيزنكجيك الأشروسني؛ فأمر له بفرض، وضمّ إليه رجالًا من الشاكرية وغيرهم، وأمر أن يضامّ المظفر ويعسكر بالكُناسة، ويكون أمرهما واحدًا، ويضبط تلك الناحية؛ فأقاما هنالك حينًا، ثم أمر بالفردل المظفّرَ بالمضيّ، ليعرف خير الأتراك ليدبّر في أمرهم بما يراه؛ فامتنع من ذلك المظفّر، وزعم أنّ الأمير لم يأمره بشيء مما سأله، وكتب كلُّ واحد منهما يشكو صاحبَه، وكتب المظفر يستعفي من المقام بالكُناسة، ويزعم أنه ليس بصاحب حرب، فأعفِيَ، وأمر بالانصراف ولزوم البيت؛ وقلد أمر ذلك العسكر ومَنْ فيه من الجند النائبة والأثبات بالفردل، وضمّ إليه أثبات المظفَّر وأفْرِد بالناحية.
* * *
وفي شهر رمضان من هذه السنة التقى هشام بن أبي دلف والعلويّ الخارجي بنينوى، ومعه رجل من بني أسد، فاقتتلوا فقتِل من أصحاب العَلويّ - فيما ذكر - نحو من أربعين رجلًا، ثم افترقا، فدخل العلويّ الكوفة فبايع أهلها المعتزّ، ودخل هشام بن أبي دُلف بغداد.
وفي شهر رمضان من هذه السنة كانت بين أبي الساج والأتراك وقعة بناحية جَرْجَرَايا، هزمهم فيها أبو الساج، وقتَل منهم جماعة كثيرة، وأسر منهم جماعة أخَر.
* * *
стр. 5730
[ذكر خبر قتل بالفردل]
ولليلة بقيَتْ من شهر رمضان منها قُتِل بالفردل؛ وكان سبب قتله أن أبا نصر بن بغا لما غلب على الأنبار وما قرب منها، وهزم جيوش ابن طاهر من تلك الناحية وأجلاهم عنها، بثَّ خيله ورجالَه في أطراف بغداد من الجانب الغربى، وصار إلى قصر ابن هبيرة، وبها بحونة بن قيس من قِبَل ابن طاهر، فهرب منه من غير قتال جرى بينه وبينه، ثم صار أبو نصر إلى نهر صَرْصَر، واتصل بابن طاهر نجبرُه وخبر الوقْعة التي كانت بين أبي الساج والأتراك بجرجَرايا وخذلان مَنْ معه من الفروض إياه عند احمرار البأس، فندبَ بالفردلَ إلى اللحاف بأبي الساج والمسير بمَنْ معه إليه، فسار بالفردل فيمَن معه غداةَ يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا من شهر رمضان، فسار يومَه وصبّح المدائن، فوافاها مع موافاة الأتراك ومَنْ هو مضموم إليهم من غيرهم، وبالمدائن رجال ابن طاهر وقوّاده، فقاتلهم الأتراك، فانهزموا، ولحق مَنْ فيها من القواد بأبي الساج، وقاتل بالفردل قتالًا شديدًا، ولما رأى انهزام مَنْ هنالك من أصحاب ابن طاهر مضى متوجّهًا نحو أبي الساج بمن معه فأدرِك فقتل.
وذكر عن ابن القواريريّ - وكان أحد القوّاد - قال: كنتُ وأبو الحسين بن هشام موكّلين بباب بغداد ومنكجور منفرد بباب ساباط، وكان بقرب بابه ثُلْمة في سور المدائن، فسألت منكجور أن يسدّها فأبى، فدخل الأتراك منها، وتفرّق أصحابه، قال: - وبقيت في نحو من عشرة أنفس، ووافى بالفردل هو وأصحابه، فقال: أنا الأمير، أنا فارس ومعي فارسان، نمضي على الشطّ وتكون الرجّالة على السفن، فدافع ساعة ثم مضى لوجهه وعسكرُه في السفن على حالهم يريد أبا الساج، أو تلك الناحية، وأقمتُ بعده ساعة تامة، وتحتي أشقر عليه حلية، فصرت إلى نهر فعثر بي، فسقطت عنه؛ وقصدوني يقولون: صاحب الأشقر؛ فخرجت من النهر راجلًا قد طرحت عني السلاح، فنجوت.
وغضب ابن طاهر على ابن القواريريّ وأصحابه، وأمرهم بلزوم منازلهم، وغرف بالفردل.
* * *
стр. 5731
ولأربع خلون من شوّال من هذه السنة، جمع - فيما ذكر - محمد بن عبد الله بن طاهر جميعَ قوّاده الموكلين بأبواب بغداد وغيرهم، فشاورهم جميعًا في الأمور، وأعلمهم ما ورد عليهم من الهزائم، فكلٌّ أجاب بما أحبّ من بذل النفس والدم والأموال، فجزاهم خيرًا وأدخلهم إلى المستعين، وأعلمه ما ناظرهم فيه وما ردّوا عليه من الجواب، فقال لهم المستعين: والله يا معشرَ القوّاد، لئن قاتلت عن نفسي وسلطاني ما أقاتل إلَّا عن دولتكم وعامتكم، وأن يردّ الله إليكم أموركم قبل مجيء الأتراك وأشباههم، فقد يجب عليكم المناصحة والجهد في قتال هؤلاء الفسقة، فرَدّوا أحسن مَرَدّ، وجزاهم الخير، وأمرهم بالانصراف إلى مراكزهم فانصرفوا.
[ذكر خبر هزيمة الأتراك ببغداد]
وفي يوم الإثنين لأيام خلَتْ من ذي القعدة من هذه السنة كانت وقعة عظيمة لأهل بغداد، هزموا فيها الأتراك، وانتهبوا عسكرهم، وكان سبب ذلك أن الأبوابَ كلَّها من الجانبين فُتِحت ونُصبت المجانيق والعرّادات في الأبواب كلها والشّبارات في دِجْلة، وخرج منها الجند كلُّهم، وخرج ابن طاهر وبُغا ووصيف حين تزاحف الفريقان، واشتدّت الحرب إلى باب القطيعة، ثم عبروا إلى باب الشّماسية، وقعد ابن طاهر في قُبّة ضربت له، وأقبلت الرُّماة من بغداد بالناوكيّة في الزواريق؛ ربما انتظم السهم الواحد عدّة منهم فقتلهم، فهزِمت الأتراك، وتبعهم أهل بغداد حتى صاروا إلى عسكرهم، وانتهبوا سوقهم هنالك، وضربوا زورقًا لهم كان يقال له الحديديّ، كان آفة على أهل بغداد بالنار، وغرق من فيه، وأخذوا لهم شبّارتين؛ وهرب الأتراك على وجوههم لا يلوون على شيء، وجعل وصيف وبغا يقولان كلما جيءَ برأس: ذهب والله الموالي، واتَّبعهم أهلُ بغداد إلى الرُّوذَبار، ووقف أبو أحمد بن المتوكل يردّ الموالي، ويخبرهم أنهم إن لم يكرّوا لم يبق لهم بقيّة؛ وأن القوم يتبعونهم إلى سامُرّا، فتراجعوا، وثاب بعضهم، وأقبلت العامة تحزّ رؤوس مَنْ قتل؛ وجعل محمد بن عبد الله يطوّق كلّ منْ جاء برأس ويصله، حتى كثر ذلك، وبدت الكراهة في وجوه من مع بُغا
стр. 5732
ووصيف من الأتراك والموالي؛ ثم ارتفعت غَبرة من ريح جنوب، وارتفع الدخان مما احترق، وأقبلت أعلام الحسن بن الأفشين مع أعلام الأتراك يقدمها علمٌ أحمر، قد استلبه غلام لشاهك، فنسي أن ينكِّسه؛ فلما رأى الناسُ العَلم الأحمر ومَنْ خلفه، توهموا أن الأتراك قد رجعوا عليهم وانهزموا؛ وأراد بعضُ مَنْ وقف أن يقتل غلام شاهك، ففهمه، فنكس العلم، والناس قد ازدحموا منهزمين؛ وتراجع الأتراك إلى معسكرهم ولم يعلموا بهزيمة أهل بغداد، فتحمَّلُوا عليهم؛ فانصرف الفريقان بعضهم عن بعض.
* * *
[خبر وقعة أبي السلاسل مع المغاربة]
وفيها كانت وقعة لأبي السلاسل وكيل وصيف بناحية الجبل مع المغاربة، وكان سبب ذلك - فيما ذكر - أنّ رجلًا من المغاربة يقال له نصر سَلهب، صار بمجموعة من المغاربة إلى عمل بعض ما إلى أبي الساج من الأرض، وانتهب هو وأصحابه ما هنالك من القُوَى؛ فكتب أبو السلاسل إلى أبي الساج يعلمه ذلك، فوجّه أبو الساج إليه - فيما ذكر - بنحو من مئة نفس بين فارس وراجل؛ فلمَّا صاروا إليه كبس أولئك المغاربة، فقتل منهم تسعة، وأسر عشرين، وأفلت نصر سهلب ساريًا.
* * *
[ذكر خبر وقوع الصلح بين الموالي وابن طاهر]
ووضعت الحربُ أوزارها بعد هذه الوقعة بين الموالي وابن طاهر؛ فلم يعودوا لها، وكان السبب في ذلك - فيما ذكر - أنّ ابن الطاهر قد كان كاتب المعتزّ قبل ذلك في الصلح؛ فلما كانت هذه الوقعة أُنكِرَتْ عليه؛ فكتب إليه؛ فذكر أنه لا يعود بعدها لشيء يكرهه؛ ثم أغلقت بعد ذلك على أهل بغداد أبوابها؛ فاشتدّ عليهم الحصار، فصاحوا في أوّل ذي القعدة من هذه السنة في يوم الجمعة: الجوع! ومضوْا إلى الجزيرة التي هي تلقاء دار ابن طاهر؛ فأرسل إليهم ابن طاهر: وجِّهوا إليّ منكم خمسة مشايخ، فوجَّهُوا بهم، فأدخِلوا عليه؛ فقال
стр. 5733
لهم: إنَّ من الأمور أمورًا لا يعلم بها العامَّة؛ وأنا عليل، ولعلي أعطي الجند أرزاقهم ثم أخرج بهم إلى عدوّكم، فطابت أنفسُهم وخرجوا عن غير شيء، وعادت العامة والتّجار بعدُ إلى الجزيرة التي بحذاء دار ابن طاهر؛ فصاحوا وشكوْا ما هم فيه من غلاء السعر، فبعث إليهم فسكَّنهم؛ ووعدهم ومنَّاهم، وأرسل ابن طاهر إلى المعتز في الصلح، واضطرب أمرُ أهل بغداد، فوافَى بغداد للنصف من ذي القعدة من هذه السنة حماد بن إسحاق بن حماد بن زيد، وَوُجِّه مكانه أبو سعيد الأنصاريّ إلى عسكر أبي أحمد رهينة، فلقي حماد بن إسحاق ابنَ طاهر، فخلا به فلم يُذكرَ ما جرى بينهما. ثم انصرف حماد إلى عسكر أبي أحمد، ورجع أبو سعيد الأنصاريّ، ثم رجع حماد إلى ابن طاهر، فجرت بين ابن طاهر وبين أبي أحمد رسائل مع حَمّاد.
ولتسع بقِين من ذي القعدة خرج أحمد بن إسرائيل إلى عَسْكر أبي أحمد مع حماد وأحمد بن إسحاق وكيل عبيد الله بن يحيى بإذن ابن طاهر لمناظرة أبي أحمد في الصلح.
ولسبعٍ بقين من ذي القعدة أمر ابنُ طاهر بإطلاق جميع مَنْ في الحبوس ممن كان حُبس بسبب ما كان بينه وبين أبي أحمد من الحروب ومعاونته إياه عليه فأطلقه، ومن غد هذا اليوم اجتمع قوم من رجّالة الجند وكثيرٌ من العامة، فطلب الجند أرزاقَهم، وشكت العامة سوءَ الحال التي هم بها من الضيق وغلاء السعر وشدّة الحصار، وقالوا: إمّا خرجتَ فقاتلتَ؛ وإما تركتَنا؛ فوعدهم أيضًا الخروج أو فتح الباب للصلح، ومنَّاهم، فانصرفوا.
فلما كان بعد ذلك، وذلك لخمس بقين من ذي القعدة شَحَن السجون والجسر وباب داره والجزيرة بالجند والرجال، فحضر الجزيرة بَشَرٌ كثير، فطردوا مَنْ كان ابن طاهر صيّرهم فيها، ثم صاروا إلى الجسر من الجانب الشرقي، ففتحوا سجن النساء، وأخرجوا مَنْ فيه، ومنعهم عليّ بن جهشيار ومَنْ معه من الطبريّه من سجن الرجال، ومانعهم أبو مالك الموكل بالجسر الشرقيّ، فشجّوه وجرحوا دابتين لأصحابه، فدخل داره وخلّاهم، فانتهبوا ما في مجلسه، وشدّ عليهم الطبريّة فنخَوْهم حتى أخرجوهم من الأبواب، وأغلقوها دونهم، وخرج منهم جماعة، ثم عبر إليهم - محمد بن أبي عون، فضَمِن للجند
стр. 5734
رزق أربعة أشهر؛ فانصرفوا على ذلك، وأمر ابن طاهر بإعطاء أصحاب ابن جهشيار أرزاقَهم لشهرين من يومهم فأعْطُوا.
* * *
[ذكر بدء عزم ابن طاهر على خلع المستعين والبيعة للمعتزّ]
ووجّه أبو أحمد خمس سفائن من دقيق وحنطة وشعير وقَتّ وتبن إلى ابن طاهر في هذه الأيام، فوصلت إليه، ولما كان يوم الخميس لأربع خلْون من ذي الحجّة علم الناس ماعليه ابن طاهر من خَلْعِه المستعين وبيعته للمعتزّ، ووجّه ابن طاهر قُوّاده إلى أبي أحمد حتى بايعوه للمعتزّ، فخلع على كل واحد منهم أربع خلع، وظنت العامة أن الصلح جرى بإذن الخليفة المستعين، وأن المعتزّ وليّ عهده.
* * *
[خروج العامة ونصرة المستعين على ابن طاهر]
ولما كان يوم الأربعاء خرج رشيد بن كاوُسَ - وكان موكَّلًا بباب السلامة - مع قائد يقال له نهشل بن صخر بن خزيمة بن خازم وعبد الله بن محمود، ووجّه إلى الأتراك بأنه على المصير إليهم ليكون معهم، فوافاه من الأتراك زُهاء ألف فارس؛ فخرج إليهم على سبيل التسليم عليهم؛ على أنّ الصلح قد وقع، فسلم عليهم، وعانق مَنْ عرف منهم، وأخذوا بلجام دابّته، ومضوْا به وبابنه في أثره؛ فلما كان يوم الإثنين صار رُشيد إلى باب الشّماسيّة فكلّم الناس، وقال: إنّ أمير المؤمنين وأبا جعفر يقرأان عليكم السلام، ويقولان لكم: مَنْ دخلَ في طاعتنا قرّبناه ووصلناه، ومن أثر غير ذلك فهو أعلم؛ فشتمه العامة، ثم طاف على جميع أبواب الشرقية بمثل ذلك، وهو يشتَم في كل باب، ويشتَم المعتزّ فلما فعل رشيد ذلك علمت العامة ما عليه ابن طاهر، فمضت إلى الجزيرة التي بحذاء دار ابن طاهر؛ فصاحوا به وشتمُوه أقبح شتم؛ ثم صاروا إلى بابه، ففعلوا مثل ذلك، فخرج إليهم راغب الخادم، فحضَّهم على ما فعلوا، وسألهم الزيادة فيما هم فيه من نصرة المستعين، ثم مضى إلى الحظيرة التي فيها الجيش، فمضى بهم وجماعة أخَر غيرهم وهم زُهاء ثلثمئة في السلاح، فصاروا إلى باب ابن طاهر،
стр. 5735
فكشفوا من عليه وردّوهم، فلم يبرحوا يقاتلونهم؛ حتى صاروا إلى دهليز الدّار، وأرادوا إحراق الباب الداخل فلم يجدوا نارا، وقد كانوا باتوا بالجزيرة الليل كله يشتمونه ويتناولونه بالقبيح.
وذكر عن ابن شجاع البلخي أنه قال: كنتُ عند الأمير وهو يحدّثني ويسمع ما يُقذف به من كلّ إنسان؛ حتى ذكروا اسم أمِّه، فضحك وقال: يا أبا عبد الله، ما أدري كيف عرفوا اسم أمي! ولقد كان كثير من جواري أبي العباس عبد الله بن طاهر لا يعرفون اسمَها، فقلت له: أيها الأمير، ما رأيت أوسعَ من حلمك، فقال لي: يا أبا عبد الله، ما رأيت أوفَق من الصبر عليهم؛ ولابدّ من ذلك، فلما أصبحوا وافوا الباب، فصاحوا؛ فصار ابن طاهر إلى المستعين يسأله أن يطلع إليهم ويسكّنهم ويعلمهم ما هو عليه لهم؛ فأشرف عليهم من أعلى الباب وعليه البُرْدة، والطَّويلة، وابن طاهر إلى جانبه، فحلف لهم بالله ما اتَّهمهُ؛ وإني لفي عافية ما عليّ منه بأس؛ وإنه لم يخلع، ووعدهم أنه يخرج في غد يوم الجمعة ليصلّيَ بهم، ويظهر لهم. فانصرف عامّتهم بعد قتلى وقعت.
ولما كان يوم الجمعة بكّر الناس بالصياح يطلبون المستعين، وانتهبُوا دوابّ عليّ بن جهشيار - وكانت في الخراب، على باب الجسر الشرقيّ - وانتهب جميع ما كان في منزله وهرب؛ وما زال الناس وقوفًا على ما هم عليه إلى ارتفاع النهار، فوافى وصيف وبُغا وأولادهما ومواليهما وقُوّادهما وأخوال المستعين؛ فصار الناس جميعًا إلى الباب، فدخل وصيف وبُغا في خاصّتهما ودخل أخوال المستعين معهم إلى الدهليز، ووقفوا على دوابّهم، وأعلم ابن طاهر بمكان الأخوال؛ فأذن لهم بالنزول فأبوْا، وقالوا: ليس هذا يوم نزولنا عن ظهور دوابنا حتى نعلم نحن والعامة ما نحن عليه؛ ولم تزل الرّسل تختلف إليهم، وهم يأبوْن، فخرج إليهم محمد بن عبد الله نفسه، فسألهم النزول والدخول إلى المستعين، فأعلموه أنّ العامة قد ضجّت مما بلغها وصحّ عندها ما أنت عليه من خلْع المستعين والبَيعة للمعتزّ، وتوجيهك القوّاد بعد القواد للبيعة للمعتزّ، وإرادتك التهويل ليصيرَ الأمر إليه، وإدخاله الأتراك والمغاربة بغداد، فيحكموا فيهم بحكمهم فيمن ظهروا عليه من أهل المدائن والقُرى، واستراب بك أهل بغداد.
стр. 5736
واتّهمُوك على خليفتهم وأموالهم وأولادهم وأنفسهم؛ وسألوا إخراج الخليفة إليهم ليروْه ويكذّبوا ما بلغهم عنه، فلما تبين محمد بن عبد الله صحَّه قولهم، ونظر إلى كثرة اجتماع الناس وضجيجهم سأل المستعين الخروج إليهم، فخرج إلى دار العامة التي كان يدخلها جميعُ الناس، فنُصب له فيها كرسيٌّ وأدخل إليه جماعة من الناس فنظرُوا إليه، ثم خرجوا إلى من وراءهم؛ فأعلموهم صحّةَ أمره، فلم يقنعوا بذلك؛ فلما تبيّن له أنهم لا يسكنون دون أن يخرج إليهم - وقد كان عرف كثرة الناس - أمرَ بإغلاق الباب الحديد الخارج فأغلِق، وصار المستعين وأخواله ومحمد بن موسى المنجّم ومحمد بن عبد الله إلى الدرجة التي تُفضي إلى سطوح دار العامة وخزائن السلاح، ثم نصب لهم سلاليم على سطح المجلس الذي يجلس فيه محمد بن عبد الله والفتح بن سهل، فأشرف المستعين على الناس وعليه سَواد، وفوق السواد برْدة النبي ﷺ ، ومعه القضيب؛ فكلَّم الناس وناشدَهم، وسألهم بحقّ صاحب البردة إلَّا انصرفوا؛ فإنه في أمْن وسلامة، وإنه لا بأس عليه من محمد بن عبد الله، فسألوه الرُّكوب معهم والخروج من دار محمد بن عبد الله لأنهم لا يأمنونه عليه، فأعلمهم أنه على النقلة منها إلى دار عمته أمّ حبيب ابنة الرشيد؛ بعد أن يصبح له ما ينبغي أن يسكن فيه، وبعد أن يحوّل أمواله وخزائنه وسلاحه وفرشه وجميع ماله في دار محمد بن عبد الله؛ فانصرف أكثرُ الناس وسكن أهل بغداد.
ولما فعل أهل بغداد ما فعلوا من اجتماعهم على ابن طاهر مرّة بعد مرّة وإسماعهم إياه المكروه، تقدّم إلى أصحاب المعاون ببغداد بتسخير ما قَدرُوا عليه من الإبل والبغال والحمير لينتقل عنها.
وذكروا أنه أراد أن يقصد المدائن، واجتمع على بابه جماعة من مشايخ الحربية والأرباض جميعًا؛ يعتذرون إليه، ويسألونه الصَّفْح عمَّا كان منهم، ويذكرون أنّ الذي فعل ذلك الغوغاء والسُّفهاء لسوء الحال التي كانوا بها والفاقة التي نالتْهم، فردَّ عليهم - فيما ذكر - ردًّا جميلًا، وقال لهم قولًا حسنًا، وأثنى عليهم، وصفح عفا كان منهم، وتقدّم إليهم بالتقدّم إلى شبابهم وسفهائهم في الأخذِ على أيديهم وأجابهم إلى ترك النقْلة، وكتب إلى أصحاب المعاون بترك السخْرة.
стр. 5737
[ذكر خبر انتقال المستعين إلى دار رزق الخادم بالرصافة]
ولأيام خَلَوْن من ذي الحجة انتقل المستعين من دار محمد بن عبد الله، وركب منها، فصار إلى دار رزق الخادم في الرُّصافة، ومرّ بدار عليّ بن المعتصم، فخرج إليه عليّ، فسأله النزولَ عنده، فأمره بالرّكوب، فلما صار إلى دار رزق الخادم نزلها، فوصل إليها - فيما ذكر - مساء، فأمر للفرسان من الجند حين صار إليها بعشرة دنانير لكلّ فارس منهم، وبخمسة دنانير لكلّ راجل، وركب بركوب المستعين ابن طاهر، وبيده الحربة يسير بها بين يديه، والقوّاد خلفه، وأقام - فيما ذكر - مع المستعين ليلة انتقل إلى دار رزق محمد بن عبد الله إلى ثلث الليل؛ ثم انصرف، وبات عنده وصيف وبُغا حتى السَّحَر، ثم انصرفا إلى منازلهما.
ولمّا كان صبيحةُ الليلة التي انتقل المستعين فيها من دار ابن طاهر اجتمع الناس في الرُّصافة، وأمِر القوّاد وبنُو هاشم بالمصير إلى ابن طاهر والسلام عليه، وأن يسيرُوا معه إذا ركب إلى الرّصافة، فصاروا إليه؛ فلما كان الضحى الأكبر من ذلك اليوم، ركب ابن طاهر وجميع قوّاده في تعبئة وحوله ناشبة رجَّالة؛ فلما خرج من داره وقَف للناس، فعاتبهم وحلف أنه ما أضمر لأمير المؤمنين - أعزّه الله - ولا لوليّ له ولا لأحدٍ من الناس سوءًا، وأنه ما يريد إلَّا إصلاح أحوالهم، وما تدوم به النعمة عليهم، وأنهم قد توهّموا عليه ما لا يعرفه، حتى أبكى الناس، فدعا له مَنْ حضر، وعبر الجسر، وصار إلى المستعين، وبعث فأحضر جيرانه، ووجوه أهل الأرباض من الجانب الغربيّ، فخاطبهم بكلام عاتبهم فيه، واعتذر إليهم مما بلغهم، ووجَّه وصيف وبُغا مَنْ طاف على أبواب بغداد، ووكّلا صالح بن وصيف بباب الشّماسية.
وذُكر: أنّ المستعين كان كارهًا لنقله عن دار محمد؛ ولكنه انتقل عنها من أجل الناس ركبوا الزواريق بالنّفاطين ليضربوا روشن بن طاهر بالنار لمّا صَعُبَ عليهم فتحُ بابه يوم الجمعة.
стр. 5738
وذكر: أنّ قومًا منهم كنجور، وقفوا باب الشّماسيّة من قِبَل أبي أحمد، فطلبوا ابنَ طاهر ليكلموه، فكتب إلى وصيف يعلمه خبر القوم، ويسأله أن يعلم المستعين ذلك ليأمر فيه بما يرى؛ فردّ المستعين الأمر في ذلك إليه؛ وأن التدبير في جميع ذلك مردود إليه، فيتقدّم في ذلك بما رأى.
وذُكِر أنّ عليّ بن يحيى بن أبي منصور المنجم كلّم محمد بن عبد الله في ذلك بكلام غليظ، فوثب عليه محمد بن أبي عون فأسمعه وتناوله.
وذُكِر عن سعيد بن حُميد: أنّ أحمد بن إسرائيل والحسن بن مخلد وعبيد الله بن يحيى خَلَوْا بابن طاهر؛ فما زالوا يفتلونه في الذّرْوة والغارب، ويشيرون عليه بالصلح، وأنه ربما كان عنده قوم فأجْرَوا الكلام في خلاف الصُّلْح، فيكشر في وجوههم، ويعرض عنهم؛ فإذا حضر هؤلاء الثلاثة أقبَل عليهم وحادثهم وشاورهم.
وذكر عن بعضهم: أنه قال: قلت لسعيد بن حميد يومًا: ما ينبغي إلَّا أن يكون قد كان انطوى على المداهنة في أوّل أمره؛ قال: وددت أنه كان كذلك؛ لا والله ما هو إلَّا أن هُزِم أصحابه من المدائن والأنبار حتى كاتب القوم، وأجابهم بعد أن كان قد جادَّهم.
وحدّثني أحمد بن يحيى النحويّ - وكان يؤدّب ولد ابن طاهر - أنّ محمد بن عبد الله لم يزل جادًّا في نُصرة المستعين حتى أحفظه عبيد الله بن يحيى بن خاقان، فقال له: أطال الله بقاءك؛ إنّ هذا الذي تنصره وتجدّ في أمره من أشدّ الناس نفاقًا، وأخبثهم دينًا؛ والله لقد أمر وصيفًا وبغا بقتلك، فاستعظما ذلك ولم يفعلاه، وإن كنت شاكّا فيما وصفت من أمره، فسلْ تُخْبَرْه؛ وإن مِنْ ظاهر نفاقه أنه كان وهو بسامُرَّا لا يجهر في صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم؛ فلما صار إلى ما قبلَك، جهر به مراءاةً لك؛ وتترك نصرة وليك، وصهرك وتربيتك؛ ونحو ذلك من كلام كلّمه به؛ فقال محمد بن عبد الله: أخزى الله هذا، لا يصلح لدين ولا دنيا، قال: وكان أوّل مَنْ تقدّم على صرف محمد بن عبد الله عن الجِدّ في أمر المستعين عبيد الله بن يحيى في هذا المجلس، ثم ظاهر عبيد الله بن يحيى على
стр. 5739
ذلك أحمد بن إسرائيل والحسن بن مخلد؛ فلم يزالوا به حتى صرفوه عمّا كان عليه من الرَّأي في نصرة المستعين.
* * *
وفي يوم الأضحى من هذه السنة صلّى بالناس المستعين صلاة الأضْحَى في الجزيرة التي بحذاء دار ابن طاهر، وركب وبين يديه عبيد الله بن عبد الله، معه الحربة التي لسليمان، وبيد الحسين بن إسماعيل حربة السلطان، وبُغا ووصيف يكنُفانه؛ ولم يركب محمد بن عبد الله بن طاهر، وصلى عبد الله بن إسحاق في الرُّصَافة.
* * *
[ذكر بدء المفاوضة في أمر خلع المستعين]
وفي يوم الخميس ركب محمد بن عبد الله إلى المستعين، وحضر؛ عدّة من الفقهاء والقضاة، فذُكِر أنه قال للمستعين: قد كنتَ فارقتَني على أن تنفِّذ في كل ما أعزم عليه؛ ولك عندي بخطّك رقعة بذلك، فقال المستعين: أحضِر الرُّقعة، فأحضرها؛ فإذا فيها ذكر الصلح؛ وليس فيها ذكر الخلْع، فقال: نعم، أنفذ الصلح، فقام الخَلنجيّ فقال: يا أمير المؤمنين؛ إنه يسألك أن تخلع قميصًا قَمَّصك به الله، وتكلّم عليّ بن يحيى المنجّم فأغلظ لمحمد بن عبد الله.
ثم ركب بعد ذلك محمد بن عبد الله - وذلك للنصف من ذي الحجة - إلى المستعين بالرّصافة، ثم انصرف ومعه وصيف وبُغا، فمضوْا جميعًا حتى صاروا إلى باب الشماسيّة، فوقف محمد بن عبد الله على دابّته، ومضى وصيف وبُغا إلى دار الحسن بن الأفشين، وانحدرت المبيّضة والغوغاء من السور، ولم يطلق لأحد فتح الأبواب، وقد كان خرج قبل ذلك جماعةٌ كثيرة إلى عسكر أبي أحمد، فاشتروا ما أرادوا، فلمّا خرج من ذكرنا إلى باب الشّماسية نودي في أصحاب أبي أحمد ألا يباع من أحد من أهل بغداد شيء، فمُنعوا من الشراء، وكان قد ضرب لمحمد بن عبد الله بباب الشَّماسيّة مضرب كبير أحمر؛ وكان مع ابن طاهر بندار الطبريّ وأبو السنا ونحو من مئتي فارس ومئتي راجل، وجاء أبو أحمد في
стр. 5740
زلَّال حتى قرب من المضرب، ثم خرج ودخل المضرَب مع محمد بن عبد الله، ووقف الذين مع كلّ واحد منهما من الجُنْد ناحية، فتناظر ابن طاهر وأبو أحمد طويلًا، ثم خرجا من المضرَب، وانصرف ابنُ طاهر من مضرَبه إلى داره في زلّال؛ فلما صار إليها خرج من الزلّال، فركب ومضى إلى المستعين ليخبرَه بما دار بينه وبين أبي أحمد، وأقام عنده إلى العَصْر، ثم انصرف؛ فذُكر أنه فارقه على أن يعطَى خمسين ألف دينار، ويُقطَع غلّة ثلاثين ألف دينار في السنة؛ وأن يكون مقامه بغداد حتى يجتمع لهم مال يُعطون الجند، وعلى أن يولَّى بُغا مكة والمدينة والحجاز، ووصيف الجبل وما والاه، ويكون ثلث ما يجيء من المال لمحمد بن عبد الله، وجُنْد بغداد والثلثان للموالي والأتراك.
وذُكر أنّ أحمد بن إسرائيل لما صار إلى المعتزّ ولّاه ديوانَ البريد، وفارقه على أن يكون هو الوزير وعيسى بن فرّخانشاه على ديوان الخراج وأبو نوح على الخاتم والتوقيع؛ فاقتسموا الأعمال، فوردت خريطة الموسم إلى بغداد بالسلامة، فبعث بها إلى أبي أحمد، ثم ركب ابن طاهر - فيما قيل - لأربع عشرة بقيت من ذي الحجة من هذه السنة إلى المستعين، لمناظرته في الخلْع، فناظره فامتنع عليه المستعين، وظنّ المستعين أن بُغا ووصيفًا معه، فكاشفاه فقال المستعين: هذا عُنقي والسيف والنِّطع؛ فلما رأى امتناعه انصرف عنه، فبعث المستعين إلى ابن طاهر بعليّ بن يحيى المنجم وقوم من ثقاته، وقال: قولوا له: اتق الله، فإنما جئتك لتدفع عني؛ فإن لم تدفع عني فكُفّ عني، فردّ عليه؛ أمَّا أنا فأقعد في بيتي؛ ولكن لابدّ لك من خلعها طائعًا أو مكرهًا.
وذكر عن عليّ بن يحيى أنه قال له: قل له: إن خلعتَها فلا بأس؛ فوالله لقد تمزّقت تمزقًا لا يُرقع؛ وما تركتَ فيها فضلًا، فلما رأى المستعين ضعفَ أمره وخذلانَ ناصريه أجاب إلى الخلْع؛ فلما كان يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيَتْ من ذي الحجة وجَّه ابنُ طاهر ابنَ الكرديّة وهو محمد بن إبراهيم بن جعفر الأصغر بن المنصور والخلنجيّ وموسى بن صالح بن شيخ وأبا سعيد الأنصاريّ وأحمد بن إسرائيل ومحمد بن موسى المنجم إلى عسكر أبي أحمد ليوصِلوا كتابَ محمد إليه بأشياء سألها المستعين من حين نُدِب إلى أن يخلع نفسه، فأوصلوا الكتاب، فأجاب إلى ما سأل، وكتب الجواب بأن يُقطع وينزل مدينة
стр. 5741
الرسول ﷺ ، وأن يكون مضطرَبُه من مكة إلى المدينة، ومن المدينة إلى مكة، فأجابه إلى ذلك؛ فلم يقنع المستعين إلَّا بخروج ابن الكرديّة بما سأل إلى المعتزّ، حتى يكتب بإجابته بذلك بخطه بعد مشافهة ابن الكرديّة المعتزّ بذلك، فتوجَّه ابن الكردية بها.
وكان سبب إجابة المستعين إلى الخَلْع - فيما ذكر - أن وصيفًا وبُغا وابن طاهر ناظروه في ذلك وأشاروا عليه؛ فأغلظ لهم فقال له وصيف: أنت أمَرتنا بقتل باغر؛ فصِرْنا إلى ما نحن فيه؛ وأنت عرّضتنا لقتل أوتامش، وقلت: إنّ محمدًا ليس بناصح؛ وما زالوا يفزِّعونه ويحتالون له، فقال محمد بن عبد الله: وقد قلت لي إن أمرنا لا يصطلح إلَّا باستراحتنا من هذيْن؛ فلمّا اجتمعت كلمتُهم أذعن لهم بالخلْع وكتب بما اشترط لنفسه عليهم؛ وذلك لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة.
ولمّا كان يومُ السَّبْت لعشر بقين من ذي الحجَّة؛ ركب محمد بن عبد الله إلى الرُّصافة وجميع القضاة والفقهاء، وأدخلهم على المستعين فوجًا فوجًا، وأشهدهم عليه أنه قد صيَّر أمره إلى محمد بن عبد الله بن طاهر؛ ثم أدخل عليه البوَّابين والخدَم، وأخذ منه جوهر الخلافة، وأقام عنده حتى مضى هُوِيّ من الليل، وأصبح الناس يرجُفون بألوان الأراجيف، وبعث ابن طاهر إلى قوَّاده في موافاته؛ مع كلّ قائد منهم عشرة نفر من وجوه أصحابه، فوافوْه، فأدخلهم ومنَّاهم، وقال لهم: إنما أردت بما فعلت صلاحكم وسلامتَكم وحقْنَ الدماء، وأعدّ للخروج إلى المعتزّ في الشروط التي اشترطها للمستعين ولنفسه ولقوّادِه قومًا ليوقِّع المعتزّ في ذلك بخطه، ثم أخرجهم إلى المعتزّ، فمضوا إليه حتى وقع في ذلك بخطه إِمضاءً كل ما سأل المستعين وابن طاهر لأنفسهما من الشُروط، وشهدوا عليه بإقراره بذلك كله، وخلَع المعتزّ على الرّسل، وقلَّدهم سيوفًا، وانصرفوا بغير جائزة ولا نظر في حاجة لهم، ووجَّه معهم لأخذ البيعة له على المستعين جماعة من عنده؛ ولم يأمر للجند بشيء.
وحُمل إلى المستعين أمه وابنته وعياله بعدما فتّش عياله، وأخذ منهم بعض ما كان معهم مع سعيد بن صالح؛ فكان دخول الرسل بغداد منصرَفهم من عند المعتزّ يوم الخميس لثلاث خلون من المحرم سنة اثنتين وخمسين ومئتين.
стр. 5742
وذكر أن رسل المعتزّ لما صاروا بالشماسيّة، قال ابن سجّادة: أنا أخاف من أهل بغداد؛ فإمّا أن يحمل المستعين إلى الشماسيّة أو إلى دار محمد بن عبد الله ليبايع المعتز، ويخلَع نفسه ويؤخذ منه القضيب والبُرْدة (١).
وفي شهر ربيع الأول من هذه السنة كان ظهورُ المعروف بالكوكبي بقزوين وزَنجان وغلبتُه عليها وطرده عنها آل طاهر، واسم الكوكبيّ الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الأرقط بن محمد بن على بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵁.
* * *
وفيها قطع بنو عُقيل طريق جُدّة، فحاربهم جعفر بشاشات، فقُتِل من أهل
стр. 5743
مكة نحوٌ من ثلثمئة رجل، وبعض بني عقيل القائل:
عليك ثوبانِ وأُمِّي عاريَهْ ... فأَلقِ لي ثوبَك يا بنَ الزانيهْ
فلما فعل بنو عُقَيْل ما فعلوا غلتْ بمكة الأسعار، وأغارت الأعراب على القرى.
* * *
[ذكر خبر خروج إسماعيل بن يوسف بمكّة] (١)
وفيها ظهر إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب بمكة، فهرب جعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى العامل على مكة، فانتهب إسماعيل بن يوسف منزلَ جعفر ومنزلَ أصحاب السلطان، وقتل الجند وجماعة من أهل مكة، وأخذ ما كان حمل لإصلاح العيْن من المال وما كان في الكعبة من الذّهب، وما في خزائنها من الذَّهب والفِضّة، والطّيب وكُسوة الكعبة، وأخذ من الناس نحوًا من مئتي ألف دينار، وأنهب مكة، وأحرق بعضها في شهر ربيع الأول منها، ثم خرج منها بعد خمسين يومًا، ثم صار إلى المدينة، فتوارَى عليّ بن الحسين بن إسماعيل العامل عليها، ثم رجع إسماعيل إلى مكة في رجَب، فحصرهم حتى تماوَت أهلُها جوعًا وعطشًا؛ وبلغ الخبز ثلاث أواق بدرهم، واللحم رطل بأربعة دراهم، وشربة ماء ثلاثة دراهم؛ ولقيَ أهلُ مكة منه كلَّ بلاء، ثم رحل بعد مقام سبعةٍ وخمسين يومًا إلى جُدّة، فحبس عن الناس الطعام، وأخذ أموال التجار وأصحاب المراكب، فحمل إلى مكة الحنطة والذّرة من اليمن، ثم وافت المراكب من القُلْزُم، ثم وافى إسماعيل بن يوسف الموقف؛ وذلك يوم عرفة، وبه محمد بن أحمد بن عيسى بن المنصور الملقب كعب البقر - وعيسى بن محمد المخزوميّ صاحب جيش مكة - وكان المعتزّ وجّههما إليها - فقاتلهم، فقتل نحو من ألف ومئة من الحاجّ، وسلب الناس، وهربوا إلى مكة، ولم يقفوا بعرَفة ليلًا ولا نهارًا، ووقف إسماعيل وأصحابه، ثم رجع إلى جُدّة فأفنى أموالها.
стр. 5744
ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
[ذكر خبر المستعين وبيعة المعتزّ] (١)
فمن ذلك ما كان من خلع المستعين أحمد بن محمد بن المعتصم نفسَه من الخلافة. وبيعته للمعتزّ محمد بن جعفر المتوكل بن محمد المعتصم، والدّعاء للمعتزّ على منبريْ بغداد ومسجديْ جانبيها الشرقيّ منها والغربيّ، يوم الجمعة، لأربع خلوْن من المحرّم من هذه السنة، وأخذ البيعة له بها على مَنْ كان يومئذ بها من الجُنْد.
وذكر أن ابن طاهر دخل على المستعين ومعه سعيد بن حميد حين كتب له بشروط الأمان، فقال له: يا أمير المؤمنين، قد كتب سعيد كتب الشروط وأكَّد غاية التأكيد، فنقرؤه عليك فتسمعه؟ فقال له المستعين: لا عليك؛ ألا تركتها يا أبا العباس؛ فما القوم باعلم بالله منك، قد أكدتَ على نفسك قبلهم فكان ما قد علمت، فما ردّ عليه محمد شيئًا.
ولما بايع المستعين المعتزّ، وأخذ عليه البيعة ببغداد، وأشهد عليه الشهود من بني هاشم والقضاة والفقهاء والقوّاد نقل من الموضع الذي كان به من الرُّصافة إلى قصر الحسن بن سهل بالمخرِّم، هو وعياله وولده وجواريه، فأنزلوهم فيه جميعًا، ووكّل بهم سعيد بن رجاء الحِضَاريّ في أصحابه، وأخذ المستعين البُرْدة والقضيب والخاتم، ووجَّه مع عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وكتب معه:
أما بعد، فالحمد لله متمّم النعم برحمته، والهادي إلى شكره بفضله، وصلّى الله على محمد عبده ورسوله؛ الذي جمع له ما فرّق من الفضل في الرّسل، قبلَه، وجعل تراثه راجعًا إلى مَنْ خَصّه بخلافته، وسلَّم تسليمًا، كتابي إلى أمير المؤمنين وقد تمّم الله له أمرَه، وتسلّمت تُراث رسول الله ﷺ ممن كان عنده،
стр. 5745
وأنفذتُه إلى أمير المؤمنين مع عبيد الله بن عبد الله مولى أمير المؤمنين وعبده.
ومنع المستعين الخروج إلى مكة، واختار أن ينزل البصرة، فذكر عن سعيد بن حميد أن محمد بن موسى بن شاكر، قال: البصرة وبيَّة، فكيف اخترت أن تنزلها! فقال المستعين: هي أوْبى، أو ترك الخلافة!
وذكر: أنّ قُرْب جارية قبيحة جاءت برسالة إلى المستعين من المعتزّ، يسأله أن ينزل عن ثلاث جوارٍ كان المستعين تزوجهنّ من جواري المتوكل، فنزل عنهنّ، وجعل أمرهنّ إليهنّ؛ وكان احتبس عنده من الجوهر خاتمين يقال لأحدهما البُرْج وللآخر الجَبَل، فوجَّه إليه محمد بن عبد الله بقُرْبَ خاصيّة المعتزّ وجماعة، فدفعهما إليهم، وانصرفوا بذلك إلى محمد بن عبد الله، فوجّه به إلى المعتزّ.
ولست خلون من المحرَّم دخل - فيما قيل - بغداد أكثر من مئتيْ سفينة، فيها من صنوف التجارات وغنم كثير، وأُشخِص المستعين مع محمد بن مظفّر بن سَيسَل وابن أبي حفصة إلى واسط في نحو من أربعمئة فرسان ورجّالة، وقدم بعد ذلك على ابن طاهر عيسى بن فرّخانشاه وقُرْب، فأخبراه أن ياقوتة من جوهر الخلافة قد حبَسها أحمد بن محمّد عنده؛ فوجّه ابنُ طاهر الحسين بن إسماعيل فأخرجهما فإذا ياقوتة بهيّة، أرج أصابع طولًا في عرض مثل ذلك، وإذا هو قد كتب عليها اسمه، فدفعت إلى قُرْب، فبعثتْ بها إلى المعتزّ.
واستوزر المعتزّ أحمد بن إسرائيل، وخلع عليه، ووضع تاجًا على رأسه، وشخص أبو أحمد إلى سامُرّا يوم السبت لاثنتي عشرة خلت من المحرّم منها، وشيَّعه محمد بن عبد الله والحسن بن مخلد، فخلع على محمد بن عبد الله خمس خلع وسيفًا، ورجع من الرّوذباز.
وقال بعض الشعراء في خلع المستعين:
خُلِعَ الخلافةَ أحمدُ بنُ محمدٍ ... وسيُقتَلُ التالي له أو يُخلَعُ
ويزولُ مُلكُ بني أَبيه ولا يُرى ... أحدٌ تَملّكَ منهمُ يَستَمتِعُ
إيهًا بني العباس إنَّ سبيلَكمْ ... في قتلِ أعبُدكُمْ طريقٌ مَهْيَعُ
رَقَّعتمُ دُنياكمُ فتمزَّقَتْ ... بكُم الحياةُ تمزُّقًا لا يُرقَعُ
وقال بعض البغداديين:
إنّي أراكَ من الفِراقِ جزوعَا ... أضحى الإِمامُ مسَيَّرًا مخلوعا