الرسول ﷺ ، وأن يكون مضطرَبُه من مكة إلى المدينة، ومن المدينة إلى مكة، فأجابه إلى ذلك؛ فلم يقنع المستعين إلَّا بخروج ابن الكرديّة بما سأل إلى المعتزّ، حتى يكتب بإجابته بذلك بخطه بعد مشافهة ابن الكرديّة المعتزّ بذلك، فتوجَّه ابن الكردية بها.
وكان سبب إجابة المستعين إلى الخَلْع - فيما ذكر - أن وصيفًا وبُغا وابن طاهر ناظروه في ذلك وأشاروا عليه؛ فأغلظ لهم فقال له وصيف: أنت أمَرتنا بقتل باغر؛ فصِرْنا إلى ما نحن فيه؛ وأنت عرّضتنا لقتل أوتامش، وقلت: إنّ محمدًا ليس بناصح؛ وما زالوا يفزِّعونه ويحتالون له، فقال محمد بن عبد الله: وقد قلت لي إن أمرنا لا يصطلح إلَّا باستراحتنا من هذيْن؛ فلمّا اجتمعت كلمتُهم أذعن لهم بالخلْع وكتب بما اشترط لنفسه عليهم؛ وذلك لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة.
ولمّا كان يومُ السَّبْت لعشر بقين من ذي الحجَّة؛ ركب محمد بن عبد الله إلى الرُّصافة وجميع القضاة والفقهاء، وأدخلهم على المستعين فوجًا فوجًا، وأشهدهم عليه أنه قد صيَّر أمره إلى محمد بن عبد الله بن طاهر؛ ثم أدخل عليه البوَّابين والخدَم، وأخذ منه جوهر الخلافة، وأقام عنده حتى مضى هُوِيّ من الليل، وأصبح الناس يرجُفون بألوان الأراجيف، وبعث ابن طاهر إلى قوَّاده في موافاته؛ مع كلّ قائد منهم عشرة نفر من وجوه أصحابه، فوافوْه، فأدخلهم ومنَّاهم، وقال لهم: إنما أردت بما فعلت صلاحكم وسلامتَكم وحقْنَ الدماء، وأعدّ للخروج إلى المعتزّ في الشروط التي اشترطها للمستعين ولنفسه ولقوّادِه قومًا ليوقِّع المعتزّ في ذلك بخطه، ثم أخرجهم إلى المعتزّ، فمضوا إليه حتى وقع في ذلك بخطه إِمضاءً كل ما سأل المستعين وابن طاهر لأنفسهما من الشُروط، وشهدوا عليه بإقراره بذلك كله، وخلَع المعتزّ على الرّسل، وقلَّدهم سيوفًا، وانصرفوا بغير جائزة ولا نظر في حاجة لهم، ووجَّه معهم لأخذ البيعة له على المستعين جماعة من عنده؛ ولم يأمر للجند بشيء.
وحُمل إلى المستعين أمه وابنته وعياله بعدما فتّش عياله، وأخذ منهم بعض ما كان معهم مع سعيد بن صالح؛ فكان دخول الرسل بغداد منصرَفهم من عند المعتزّ يوم الخميس لثلاث خلون من المحرم سنة اثنتين وخمسين ومئتين.
стр. 5742
وذكر أن رسل المعتزّ لما صاروا بالشماسيّة، قال ابن سجّادة: أنا أخاف من أهل بغداد؛ فإمّا أن يحمل المستعين إلى الشماسيّة أو إلى دار محمد بن عبد الله ليبايع المعتز، ويخلَع نفسه ويؤخذ منه القضيب والبُرْدة (١).
وفي شهر ربيع الأول من هذه السنة كان ظهورُ المعروف بالكوكبي بقزوين وزَنجان وغلبتُه عليها وطرده عنها آل طاهر، واسم الكوكبيّ الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الأرقط بن محمد بن على بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵁.
* * *
وفيها قطع بنو عُقيل طريق جُدّة، فحاربهم جعفر بشاشات، فقُتِل من أهل
стр. 5743
مكة نحوٌ من ثلثمئة رجل، وبعض بني عقيل القائل:
عليك ثوبانِ وأُمِّي عاريَهْ ... فأَلقِ لي ثوبَك يا بنَ الزانيهْ
فلما فعل بنو عُقَيْل ما فعلوا غلتْ بمكة الأسعار، وأغارت الأعراب على القرى.
* * *
[ذكر خبر خروج إسماعيل بن يوسف بمكّة] (١)
وفيها ظهر إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب بمكة، فهرب جعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى العامل على مكة، فانتهب إسماعيل بن يوسف منزلَ جعفر ومنزلَ أصحاب السلطان، وقتل الجند وجماعة من أهل مكة، وأخذ ما كان حمل لإصلاح العيْن من المال وما كان في الكعبة من الذّهب، وما في خزائنها من الذَّهب والفِضّة، والطّيب وكُسوة الكعبة، وأخذ من الناس نحوًا من مئتي ألف دينار، وأنهب مكة، وأحرق بعضها في شهر ربيع الأول منها، ثم خرج منها بعد خمسين يومًا، ثم صار إلى المدينة، فتوارَى عليّ بن الحسين بن إسماعيل العامل عليها، ثم رجع إسماعيل إلى مكة في رجَب، فحصرهم حتى تماوَت أهلُها جوعًا وعطشًا؛ وبلغ الخبز ثلاث أواق بدرهم، واللحم رطل بأربعة دراهم، وشربة ماء ثلاثة دراهم؛ ولقيَ أهلُ مكة منه كلَّ بلاء، ثم رحل بعد مقام سبعةٍ وخمسين يومًا إلى جُدّة، فحبس عن الناس الطعام، وأخذ أموال التجار وأصحاب المراكب، فحمل إلى مكة الحنطة والذّرة من اليمن، ثم وافت المراكب من القُلْزُم، ثم وافى إسماعيل بن يوسف الموقف؛ وذلك يوم عرفة، وبه محمد بن أحمد بن عيسى بن المنصور الملقب كعب البقر - وعيسى بن محمد المخزوميّ صاحب جيش مكة - وكان المعتزّ وجّههما إليها - فقاتلهم، فقتل نحو من ألف ومئة من الحاجّ، وسلب الناس، وهربوا إلى مكة، ولم يقفوا بعرَفة ليلًا ولا نهارًا، ووقف إسماعيل وأصحابه، ثم رجع إلى جُدّة فأفنى أموالها.
стр. 5744
ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
[ذكر خبر المستعين وبيعة المعتزّ] (١)
فمن ذلك ما كان من خلع المستعين أحمد بن محمد بن المعتصم نفسَه من الخلافة. وبيعته للمعتزّ محمد بن جعفر المتوكل بن محمد المعتصم، والدّعاء للمعتزّ على منبريْ بغداد ومسجديْ جانبيها الشرقيّ منها والغربيّ، يوم الجمعة، لأربع خلوْن من المحرّم من هذه السنة، وأخذ البيعة له بها على مَنْ كان يومئذ بها من الجُنْد.
وذكر أن ابن طاهر دخل على المستعين ومعه سعيد بن حميد حين كتب له بشروط الأمان، فقال له: يا أمير المؤمنين، قد كتب سعيد كتب الشروط وأكَّد غاية التأكيد، فنقرؤه عليك فتسمعه؟ فقال له المستعين: لا عليك؛ ألا تركتها يا أبا العباس؛ فما القوم باعلم بالله منك، قد أكدتَ على نفسك قبلهم فكان ما قد علمت، فما ردّ عليه محمد شيئًا.
ولما بايع المستعين المعتزّ، وأخذ عليه البيعة ببغداد، وأشهد عليه الشهود من بني هاشم والقضاة والفقهاء والقوّاد نقل من الموضع الذي كان به من الرُّصافة إلى قصر الحسن بن سهل بالمخرِّم، هو وعياله وولده وجواريه، فأنزلوهم فيه جميعًا، ووكّل بهم سعيد بن رجاء الحِضَاريّ في أصحابه، وأخذ المستعين البُرْدة والقضيب والخاتم، ووجَّه مع عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وكتب معه:
أما بعد، فالحمد لله متمّم النعم برحمته، والهادي إلى شكره بفضله، وصلّى الله على محمد عبده ورسوله؛ الذي جمع له ما فرّق من الفضل في الرّسل، قبلَه، وجعل تراثه راجعًا إلى مَنْ خَصّه بخلافته، وسلَّم تسليمًا، كتابي إلى أمير المؤمنين وقد تمّم الله له أمرَه، وتسلّمت تُراث رسول الله ﷺ ممن كان عنده،
стр. 5745
وأنفذتُه إلى أمير المؤمنين مع عبيد الله بن عبد الله مولى أمير المؤمنين وعبده.
ومنع المستعين الخروج إلى مكة، واختار أن ينزل البصرة، فذكر عن سعيد بن حميد أن محمد بن موسى بن شاكر، قال: البصرة وبيَّة، فكيف اخترت أن تنزلها! فقال المستعين: هي أوْبى، أو ترك الخلافة!
وذكر: أنّ قُرْب جارية قبيحة جاءت برسالة إلى المستعين من المعتزّ، يسأله أن ينزل عن ثلاث جوارٍ كان المستعين تزوجهنّ من جواري المتوكل، فنزل عنهنّ، وجعل أمرهنّ إليهنّ؛ وكان احتبس عنده من الجوهر خاتمين يقال لأحدهما البُرْج وللآخر الجَبَل، فوجَّه إليه محمد بن عبد الله بقُرْبَ خاصيّة المعتزّ وجماعة، فدفعهما إليهم، وانصرفوا بذلك إلى محمد بن عبد الله، فوجّه به إلى المعتزّ.
ولست خلون من المحرَّم دخل - فيما قيل - بغداد أكثر من مئتيْ سفينة، فيها من صنوف التجارات وغنم كثير، وأُشخِص المستعين مع محمد بن مظفّر بن سَيسَل وابن أبي حفصة إلى واسط في نحو من أربعمئة فرسان ورجّالة، وقدم بعد ذلك على ابن طاهر عيسى بن فرّخانشاه وقُرْب، فأخبراه أن ياقوتة من جوهر الخلافة قد حبَسها أحمد بن محمّد عنده؛ فوجّه ابنُ طاهر الحسين بن إسماعيل فأخرجهما فإذا ياقوتة بهيّة، أرج أصابع طولًا في عرض مثل ذلك، وإذا هو قد كتب عليها اسمه، فدفعت إلى قُرْب، فبعثتْ بها إلى المعتزّ.
واستوزر المعتزّ أحمد بن إسرائيل، وخلع عليه، ووضع تاجًا على رأسه، وشخص أبو أحمد إلى سامُرّا يوم السبت لاثنتي عشرة خلت من المحرّم منها، وشيَّعه محمد بن عبد الله والحسن بن مخلد، فخلع على محمد بن عبد الله خمس خلع وسيفًا، ورجع من الرّوذباز.
وقال بعض الشعراء في خلع المستعين:
خُلِعَ الخلافةَ أحمدُ بنُ محمدٍ ... وسيُقتَلُ التالي له أو يُخلَعُ
ويزولُ مُلكُ بني أَبيه ولا يُرى ... أحدٌ تَملّكَ منهمُ يَستَمتِعُ
إيهًا بني العباس إنَّ سبيلَكمْ ... في قتلِ أعبُدكُمْ طريقٌ مَهْيَعُ
رَقَّعتمُ دُنياكمُ فتمزَّقَتْ ... بكُم الحياةُ تمزُّقًا لا يُرقَعُ
وقال بعض البغداديين:
إنّي أراكَ من الفِراقِ جزوعَا ... أضحى الإِمامُ مسَيَّرًا مخلوعا
стр. 5746
كانت به الآفاقُ تضحَكُ بهجَةً ... وَهو الربيعُ لمن أَراد ربيعَا
لا تُنكِري حَدثَ الزمانِ وريْبَه ... إنّ الزمانَ يُفرِّقُ المجمُوعا
لَبِسَ الخلافةَ واستجدَّ محبّةً ... يقضي أُمورَ المسلمينَ جميعا
فجنَتْ عليه يدُ الزمانِ بَصرفِه ... حَرْبًا وكانَ عن الحُروب شَسُوعا
وتجانفَ الأتراك عنه تمرُّدًا ... أضْحَى وكان ولا يُرَاعُ مروعا
فنَزا بهم، فَنَزوْا به وتَعاورتْ ... أيْدِي الكماةِ من الرؤوس نجيعا
فأزَاله المقدارُ عن رُتَبِ العلا ... فثَوَى بِواسطَ لا يُحِسُّ رُجوعا
غَدَرُوا به، مكروا به، خانوا به ... لزِمَ الفراشَ وحالَفَ التَّضجيعا
وتكنَفُوا بغدادَ من أَقطارِها ... قد ذلَّلوا ماكان قبلُ مَنِيعا
ولو أنه سعَرَ الحروبَ بنفسِه ... متلبِّبًا للقائهنَّ دُروعَا
حتى يُصادِمَ بالكماة كماتهُ ... فيكون من قَصدَ الحروبَ صَريعا
لَغَدَا على رَيْب الزمان مُحرَّمًا ... ولكانَ إِذ غَدَرَ اللئامُ مَنِيعا
لكنْ عصى رأيَ الشفيق وعذْلَهُ ... وغَدا لأمر الناكثينَ مُطِيعَا
والمُلكُ ليس بمالكٍ سلطانَه ... مَنْ كان للرأيِ السَّديد مضيعا
ما زالَ يَخْدَعُ نفسَه عن نفسِه ... حتى غَدا عن ملكه مخدُوعا
باع ابنُ طاهر دينَه عن بيعةٍ ... أمسى بها مُلكُ الإِمام مَنيعا
خلعَ الخلافة والرعيّةَ فاغتدى ... من دينِ ربِّ محمدٍ مخلوعا
فلْيَجْرَعنَّ بذاك كأسًا مُرَّةً ... وليُلفيَنَّ لتابعيه تبيعا
وقال محمد بن مروان بن أبي الجَنوب بن مروان حين خلع المستعين، وصار إلى واسط:
إنَّ الأُمورَ إلى المعتز قد رَجَعَتْ ... والمُستعان إلى حالاتِهِ رَجَعَا
وكان يَعلمُ أنَ المُلكَ ليس له ... وأَنّه لَك لكنْ نفسَه خدعَا
ومالكُ المُلكِ مؤتيهِ ونازعُه ... آتاك مُلكًا ومنه الملك قد نَزَعا
إنَّ الخلافةَ كانت لا تُلَائِمُهُ ... كانت كَذَاتِ حليل زُوّجَتْ مُتَعَا
ما كان أقبحَ عند الناسٍ بيعتَه ... وكان أحسَنَ قَوْلَ الناسِ قد خلِعا
ليتَ السَّفِينَ إلى قافٍ دفعْنَ به ... نفسي الفِداءُ لملَّاحٍ به دَفَعا
كم ساسَ قبلكَ أمرَ الناس من ملك ... لو كان حُمّلَ ما حُمَّلتَه ظَلَعا
стр. 5747
أَمْسَى بكَ الناسُ بعد الضِّيق في سَعَةٍ ... واللهُ يَجعلُ بعد الضِّيق مُتَّسَعَا
واللهُ يدفعُ عنك السّوءَ من مَلكٍ ... فإِنه بكَ عنَّا السوءَ قد دَفَعَا
ما ضاع مدحي ولا ضاعِ اصطناعُك لي ... وقد وَجَدْتُ بحمد اللهِ مُصْطَنعا
فاردُدْ عليَّ بنجدٍ ضيْعة قبِضَتْ ... فإِنَّ مِثلكَ مثلي يُقطِعُ الضيَعا
فإِنْ رَدَدْتَ إِمام العَدْلِ غَلَّتَها ... فاللهُ آنُفَ حُسَّادي بِه جَدَعَا
وقال يمدح المعتزّ بعد خلع المستعين:
قد عادَتِ الدنيا إلى حَالِهَا ... وسَرَّنا اللهُ بإِقبالِها
دنيا بك ﵀ كفى أَهلها ... ما كان من شِدَّة أَهوالِها
وكان قد ملَكَها جاهِلٌ ... لا تَصلُحُ الدُّنيا لجُهَّالِهَا
قد كانتِ الدنيا به قُفِّلَتْ ... فكنتَ مِفتاحًا لأَقفالِهَا
إِنَّ التي فُزتَ بها دُونَهُ ... عادَتْ إلى أحسَنِ أحوالِهَا
خلافةٌ كنتَ حقيقًا بها ... فضَّلكَ اللهُ بِسِرْبالها
فردَّه اللهُ إلى حالِه ... وردّها اللهُ إلى حالِهَا
ولم تكن أَوَّلَ عاريَّة ... رُدّتْ على رغْم إلى آلها
واللهِ لو كان على قريةٍ ... ما كان يُجزِي بعضَ أَعمالها
أدخلَ في الملكِ يدًا رعدَةً ... أخرجَها من بعدِ إِدخالها
بَدَّلنا اللهُ به سيِّدًا ... أسكَنَ دُنيا بعد زلزالها
بُدِّلَتِ الأُمَّةُ هذا بذَا ... كأنَّها في وقتِ دَجَّالِها
وقامَ بالمُلكِ وأَثقالِه ... وقام بالحربِ وأَثقالها
أَبْطلَ ما كان العِدَا أَمَّلوا ... رَمْيُكَ بالخيل وأبطالِهَا
تُعمِلُ خَيْلًا طالَما نجحَتْ ... ما عَمِلَتْ خيلٌ كأعمالها
وقال الوليد بن عبيد البحتريّ في خلع المستعين ومدح المعتز:
أَلا هل أتاها أَنَّ مُظْلِمَةَ الدُّجى ... تَجلَّتْ وأَن العيشَ سُهّلَ جانبُهْ
وأَنَّا ردَدْنا المُستَعارَ مُذَمَّمًا ... على أَهلِهِ واستأْنَفَ الحق صاحبُهْ
عجبتُ لهذا الدّهر أعيَتْ صرُوفُه ... وما الدّهرُ إِلا صرْفُه وعجائبهُ
متى أَمَّلَ الدَّيّاك أن يُصطفى لَهُ ... عُرَى التَّاج أو يُثْنى عليه عصائِبُهْ
وكيف ادَّعى حقَّ الخلافةِ غاصبٌ ... حَوَى دونه إِرثَ النبيِّ أقَاربُه
стр. 5748
بكى المِنبَرُ الشرقيُّ إِذْ خارَ فوقَه ... على النَّاسِ ثور قد تَدَلَّت غَبَاغبُهْ
ثَقيل على جنبِ الثرِيد مُراقبٌ ... لشخصِ الخوانِ يَبتَدِي فيُواثِبُهْ
إذا ما احتشى من حاضِر الزَّادِ لم يملْ ... أضاءَ شِهَابُ المُلكِ أم كلَّ ثاقِبُه
إذا بَكَّرَ الفرَّاشُ ينثو حديثَه ... تضاءَل مُطْريهِ وأطنَب عائبُهْ
تَخَطَّى إلى الأَمْرِ الَّذي ليس أهلَهُ ... فَطوْرًا يُناغيه وطورًا يُشاغِبُهْ
فكيف رأَيتَ الحق قَرَّ قرارُه ... وكَيْفَ رأيتَ الظُّلمَ زالتْ عواقبُهْ
ولم يكنِ المغْترُّ باللهِ إذ سَرَى ... ليُعجِزَ والمعتزُّ بالله طالِبُهْ
رَمَى بالقضِيب عُنوةً وهوْ صاغرٌ ... وعُرِّيَ من بُرْدِ النَّبيّ مناكبُهْ
وقد سرَّني أنْ قيل وُجِّه مسرعًا ... إلى الشَّرْقِ تُحْدَى سُفنُه وركائبُه
إلى كَسْكَرٍ خَلْف الدَّجاج ولم يَكن ... لِتُنْشَبَ إلَّا في الدجاج مخالبُه
وما لِحيَةُ القصَّارِ حيث تنفشَتْ ... بجالبةٍ خيرًا على من يناسِبُهْ
يحوز ابن خَلّادٍ على الشّعْرِ عنْدَه ... ويُضحي شُجاعٌ وهو للجهل كاتِبُهْ
فأقسمْتُ بالْوادِي الحَرامِ وما حَوَتْ ... أباطحُه من مَحْرَمٍ وأخاشبُهْ
لقد حملَ المعتزُّ أمةَ أحمِدٍ ... على سَنَنٍ يَسرِي إلى الحقّ لاحِبُهْ
تَدارَك دينَ الله من بعد ما عَفتْ ... معالِمُه فينَا وغارَت كواكبُهْ
وضَمَّ شعاعَ المُلكِ حتى تَجمَّعتْ ... مشارِقُهُ موفورةً ومغارِبُهْ
* * *
وانصرف أبو الساج ديوداد بن ديودست إلى بغداد لسبع بقين من المحرّم من هذه السنة، فقلّده محمد بن عبد الله معاون ما سقَى الفرات من السَّواد، فوجّه أبو الساج خليفةً له يقال له كربة إلى الأنبار، وجَّه قومًا من أصحابه إلى قصر ابن هبيرة مع خليفة له، ووجَّه الحارث بن أسد في خمسمئة فارس وراجل، يستقرئ أعماله، ويطرد الأتراك والمغاربة عنها، وقد كانوا عاثوا في النواحي وتلصّصوا، ثم شخص أبو الساج من بغداد لثلاث خلوْن من ربيع الأول، ففرّق أصحابه في طساسيج الفرات، ونزل قصر ابن هبيرة؛ ثم صار إلى الكوفة، ووافى أبو أحمد سامرّا منصرفًا من معسكره إليها لإحدى عشرة بقيتْ من المحرّم، فخلع المعتزّ عليه ستة أثواب وسيفًا، وتُوِّج تاج ذهب بقلنسوة مجوهرة، ووُشِّح وشاحيْ ذهب بجوهر، وقُلِّد سيفًا آخر مرصّعًا بالجوهر، وأجلِس على كرسيّ، وخلع على الوجوه من القوّاد.
стр. 5749
[ذكر خبر قتل شريح الحبشيّ]
وفيها قتل شريح الحبشيّ، وكان سبب ذلك أنه حين وقع الصّلْح، هرب في عِدّة من الحبَشة، فقطع الطريق فيما بين واسط وناحية الجبل والأهواز، ونزل قريةً من قُرى أمّ المتوكّل يقال لها ديري، فنزل في خانها في خمسة عشر رجلًا، فشربوا وسكروا، فوثب عليهم أهلُ القرية فكتّفوهم، وحملوهم إلى واسط، إلى منصور بن نصر، فحملهم منصور إلى بغداد، فأنفذهم محمد بن عبد الله إلى العسكر، فلمّا وصلوا قام بايكباك إلى شُريح، فوسَّطه بالسيف وصُلِب على خشبة بابك، وضرب أصحابه بالسياط ما بين الخمسمئة إلى الألف.
* * *
وفي شهر ربيع الآخر منها توفِّيَ عبيد الله بن يحيى بن خاقان في مدينة أبي جعفر.
* * *
[ذكر حال بُغا ووصيف]
وفيها كتب المعتزّ إلى محمد بن عبد الله في إسقاط اسم بغا ووصيف ومن كان في رسمهما من الدواوين.
ذكر أن محمد بن أبي عون أحد قوّاد محمد بن عبد الله ناظره لمّا صار أبو أحمد إلى سامرّا في قتل بُغا ووَصيف، فوعَده أن يقتلهما؛ فبعث المعتزّ إلى محمد بن عبد الله بلواء، وعقد لمحمد بن أبي عون لواء على البصرة واليمامة والبحرين، فكتب قومٌ من أصحاب بُغا ووصيف إليهما بذلك، وحذّروهما محمدَ بن عبد الله؛ فركب وصيف وبُغا إليه يوم الثلاثاء لخمس بقين من ربيع الأول، فقال له بغا: بلَغنا أيها الأمير ما ضمنه ابن أبي عون من قتلنا؛ والقوم قد غدروا وخالفوا ما فارقونا عليه؛ والله لو أرادوا أن يقتلونا ما قدروا عليه، فحَلف لهما أنه ما علم بشيء من ذلك؛ وتكلّم بُغا بكلام شديد، ووصيف يكفُّه، وقال
стр. 5750
وصيف: أيّها الأمير، قد غدر القوم ونحن نُمسك ونقعد في منازلنا حتى يجيء مَنْ يقتلنا! وكانا دخلا مع جماعة، ثم رجعا إلى منازلهما، فجمعا جندهما ومواليَهما، وأخذا في الاستعداد وشِرَى السّلاح وتفريق الأموال في جيرانهما إلى سلخ ربيع، وكان وصيف وبُغا عند قدوم قُرْب وجَّه إليهما محمد بن عبد الله كاتبَه محمد بن عيسى، فأقبلا معه حتى صارا عند دار محمد بن عبد الله بقرْب الجسر، فلقيهما جعفر الكرديّ وابن خالد البرمكيّ؛ فتعلّق كلّ واحد منهما بلجام واحد منهما، وقال لهما: إنما دُعيتما لتحملا إلى العسكر؛ وقد أعدّ لكما لذلك قومٌ أو لتقتلا، فرجعا وجمعا جمعًا، وأجريا على كلّ رجل كلَّ يوم درهمين؛ فأقاما في منازلهما.
وكان وصيف وجّه أختَه سعاد إلى المؤيد، وكان المؤيّد في حِجْرها، فأخرجت من قصر وصيف ألف ألف دينار كانت مدفونة فيه؛ فدفعتها إلى المؤيّد؛ فكلّم المؤيد المعتزَّ في الرضا عن وصيف؛ فكتب إليه بالرضا عنه؛ فضرب مضاربه بباب الشمّاسيّة على أن يخرج، وتكلّم أبو أحمد بن المتوكل في الرضا عن بغا، فكتب إليه بالرّضا، واضطرب أمرهما وهما مقيمان ببغداد.
ثم اجتمع على المعتزّ الأتراك فسألوه الأمْرَ بإحضارهما، وقالوا: هما كبيرانا ورئيسانا؛ فكتب إليهما بذلك، فجاء بالكتاب بايكباك في نحو من ثلثمئة رجل؛ فأقام بالبرَدان، ووجّه إليهما الكتاب لسبع بقين من شهر رمضان من هذه السنة؛ فكتب إلى محمد بن عبد الله بِمنعهما، فوجَّها بكاتبيهما أحمد بن صالح ودُليل بن يعقوب إلى محمد بن عبد الله ليسأذناه؛ فأتاهما جيش من الأتراك، فنزلوا بالمصلَّى، وخرج وصيف وبُغا وأولادهما وفرسانهما في نحو من أربعمئة إنسان، وخلفَا في دورهما الثّقَل والعيال، ودعا أهل بغداد لهما ودعوْا لهم.
وقد كان ابن طاهر وجّه محمد بن يحيى الواثقيّ وبندار الطبريّ إلى باب الشماسيّة وباب البردَان ليمنعوهما، ومضيا من باب خراسان، ونفذا ولم يعلم كاتباهما حتى قال محمد بن عبد الله لأحمد ودُليل: ما صنع صاحباكما؟ فقال أحمد بن صالح: خلّفتُ وصيفًا في منزله، قال: فإنه قد شخص الساعة، قال: ما علمتُ؛ فلمّا صار إلى سامُرّا بكّر أحمد بن إسرائيل يوم الأحد لتسع بقين من شوّال من هذه السنة في السَّحَر إلى وصيف، وأقام عنده مليًّا، ثم انصرف إلى بُغا
стр. 5751
فأقام عنده مليًّا، ثم صار إلى الدّار، فاجتمع الموالي وسألوا ردّهما إلى مراتبهما، فأجِيبوا إلى ذلك، وبعث إليهما، فحضرا ورتّبا في مرتبتهما التي كانت قبل مصيرهما إلى بغداد، وأمر بردّ ضياعهما، وخلع عليهما خلع المرتبة، ثم ركب المعتزّ إلى دار العامة، وعقد لبُغا ووصيف على أعمالهما وردّ ديوان البريد كما كان قبل إلى موسى بن بغا الكبير، فقبل موسى ذلك.
* * *
[ذكر الفتنة بين جند بغداد وأصحاب محمد بن عبد الله بن طاهر]
وفي شهر رمضان من هذه السنة كانت وقعة بين جند بغداد وأصحاب محمد بن عبد الله بن طاهر، ورئيس الجند يومئذ ابن الخليل، وكان السبب في ذلك - فيما ذكر - أن المعتزّ كتب إلى محمد بن عبد الله في بيع غلّة طساسيج ضياع بادرويا وقُطْرُبّل ومَسْكِن وغيرها، كلّ كُرَّين بالمعدّل بخمسة وثلاثين دينارًا من غلّة سنة اثنتين وخمسين ومئتين، وكان المعتزّ ولّى بريد بغداد رجلًا يقال له: صالح بن الهيثم، وكان أخوه منقطعًا إلى أتامش أيام المتوكل، فارتفع أمرُ صالح هذا أيام المستعين؛ وكان ممن أقام بسامرّا؛ وهو من أهل المخرّم، وكان أبوه حائكًا ثم صار يبيع الغزْل؛ ثم انتقل أخوه إليه لمّا ارتفع، فلما أقدم ببغداد كُتِبَ إليه يُؤمر أن يقرأ الكتاب على قوّاد أهل بغداد كعتّاب بن عتاب ومحمد بن يحيى الواثقيّ ومحمد بن هرثمة ومحمد بن رجاء وشعيب بن عجيب ونظرائهم، فقرأه عليهم، فصاروا إلى محمد بن عبد الله، فأخبروه؛ فأمر محمد بن عبد الله فأحضر صالح بن الهيثم، وقال: ما حملك على هذا بغير علمي! وتهدّده وأسمعه، وقال للقوّاد: انتظروا حتى أرى رأي، وآمركم بما أعزم عليه، فانصرفوا من عنده على ذلك، وشخص بعد ذلك، واجتمع الفروض والشاكريّة والنائبة إلى باب محمد بن عبد الله يطلبون أرزاقهم لعشر خَلوْن من شهر رمضان؛ فأخبرهم أنّ كتاب الخليفة ورد عليه، جوابَ كتاب له كان كتب بمسألة أرزاق جند بغداد، إن كنتَ فرضت الفروض لنفسك، فأعطِهم أرزاقهم؛ وإن كنت فرضتَ لنا فلا حاجة لنا فيهم، فلما ورد الكتاب عليه أخرج لهم بعد شغَبهم بيوم ألفي دينار، فوُضعت لهم ثم سكنوا.
стр. 5752
ثم اجتمعوا لإحدى عشرة خلت من شهر رمضان؛ ومعهم الأعلام والطبول، وضربوا المضارب والخيم على باب حرْب وباب الشمّاسية وغيرهما، وبنوا بيوتًا من بوارِيّ وقصب، وباتوا ليلَتهم فلما أصبحوا كثُر جمعهم، وبيَّت ابنُ طاهر قومًا من خاصّته في داره، وأعطاهم درهمًا درهمًا؛ فلما أصبحوا مضوا من داره إلى المشغّبة؛ فصاروا معهم فجمع ابن طاهر جنده القادمين معه من خُراسان، وأعطاهم لشهرين، وأعطى جند بغداد القدماء؛ الفارس دِينارين والراجلَ دينارًا، وشحَن داره بالرجال؛ فلما كان يوم الجمعة اجتمع من المشغّبة خلق كثير بباب حرب بالسلاح والأعلام والطبول، ورئيسهم رجل يقال له عبدان بن الموفّق، ويكنى أبا القاسم وكان من أثبات عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وكان ديوان عبدان في ديوان وصيف، فقدم بغداد، فباع دارًا له بمئة ألف دينار، فشخص إلى سامُرّا؛ فلما وثبت الشاكريّة بباب العامة كان معهم، فضربه سعيد الحاجب خمسمئة سوط، وحبسه حبسًا طويلًا، ثم أطلق، فلما كان فتنة المستعين صار إلى بغداد، وانضمّ إليه هؤلاء المشغّبة، فحضَّهم على الطلب بأرزاقهم، وفائتهم، وضمن لهم أن يكون لهم رأسًا يدبّر أمرهم فأجابوه إلى ذلك؛ فأنفق عليهم يوم الأربعاء ويوم الخميس ويوم الجمعة نحوًا من ثلاثين دينارًا فيما أقام لهم من الطعام، ومَنْ كانت لهم كفاية لم يحتج إلى نفقته؛ فكان ينصرف إلى منزله، فلمّا كان يوم الجمعة اجتمعتْ منهم جماعة كثيرة، وعزموا على المصير إلى المدينة ليمضوا إلى الإمام فيمنعوه من الصَّلاة والدعاء للمعتزّ، فساروا على تعبية في شارع باب حَرْب؛ حتى انتهوْا إلى باب المدينة في شارع باب الشأم، وجعل أبو القاسم هذا على كلّ درب يمرّ به قومًا من المشغبة من بين رامح وصاحب سيف ليحفظوا الدروب؛ كيلا يخرج منها أحد لقتالهم.
ولمّا انتهى إلى باب المدينة دخل معهم المدينة جماعة كثيرة، فصاروا بين البابين وبين الطّاقات فأقاموا هناك ساعة، ثم وجّهوا جماعة منهم يكونون نحوًا من ثلثمئة رجل بالسلاح إلى رُحْبة الجامع بالمدينة؛ ودخل معهم من العامة خلْق كثير، فأقاموا في الرّحبة، وصاروا إلى جعفر بن العباس الإمام، فأعلموه أنهم لا يمنعونه من الصَّلاة، وأنهم يمنعونه من الدعاء للمعتزّ، فأعلمهم جعفر أنه مريض لا يقدر على الخروج إلى الصلاة، فانصرفوا عنه، وصاروا إلى درب
стр. 5753
أسد بن مرزبان، فشحنوا الشارع النافذ إلى درب الرقيق، ووكّلوا بباب درب سليمان بن أبي جعفر جماعة، ثم مضوْا يريدون الجسر في شارع الحدّادين، فوجّه إليهم ابن طاهر عِدّة من قوّاده فيهم الحسين بن إسماعيل والعباس بن قارن وعليّ بن جهشيار وعبد الله بن الأفشين في جماعة من الفرسان، فناظروهم ودفعوهم دفعًا رفيقًا، وحمل عليهم الجند والشاكريّة حملة جرحوا فيها جماعة من قوّاد ابن طاهر، وأخذوا دابة ابن فلان وابن جهشيار ورجلٍ من فرض عبيد الله بن يحيى من الشأميين يقال له سعد الضبابيّ، وجرحوا المعروف بأبي السنا، ودفعوهم عن الجسر حتى صيّروهم إلى باب عمرو بن مسعدة.
فلما رأى الذين بالجانب الشرقيّ منهم أنّ أصحابهم قد أزالوا أصحابَ ابن طاهر عن الجِسْر كبّروا، وحملوا يريدون العبور إلى أصحابهم؛ وكان ابن طاهر قد أعدّ سفينة فيها شوك وقصب ليُضرِم فيها النار، ويرسلها إلى الجسر الأعلى؛ ففعل ذلك، فأحرقت عامة سفنه وقطعته؛ وصارت إلى الآخر، فأدركها أهلُ الجانب الغربيّ، ففرّقوها وأطفؤوا النار التي تعلّقت بسفن الجسر، وعبر من الجانب الشرقيّ إلى الجانب الغربيّ خلْق كثير، ودفعوا أصحاب ابن طاهر عن ساباط عمرو بن مسعدة، وصاروا إلى باب ابن طاهر، وصار الشاكريَّة والجند إلى ساباط عمرو بن مسعدة، وقُتِل من الفريقين إلى الظهر نحو من عشرة نفر، وصار جماعة من الغوغاء والعامة إلى المجلس الذي يعرَف بمجلس الشرْطة في الجسر من الجانب الغربيّ إلى بيت يقال له بيت الرفوع، فكسروا الباب، وانتهبوا ما فيه؛ وكان فيه أصناف من المتاع، فاقتتلوا عليه فلم يتركوا فيه شيئًا، وكان كثيرًا جليلًا، وأحرق ابنُ طاهر الجسرين لمّا رأى الجند قد ظهروا على أصحابه، وأمر بالحوانيت التي على باب الجسر التي تتصل بدرب سليمان أن تحرَق يمنة ويسرة، ففعل فاحترق فيها للتجار متاع كثير، وتهدّم حيطان مجلس صاحب الشرطة؛ فلمّا ضُربت الحوانيت بالنار حالت النار بين الفريقين، وكبّرت الجند عند ذلك تكبيرة شديدة؛ ثم انصرفوا إلى معسكرهم بباب حرب، وصار الحسين بن إسماعيل مع جماعة من القوّاد والشاكرية إلى باب الشأم، فوقَف على التّجار والعامة فوبّخهم على معونتهم الجندَ، وقال: هؤلاء قاتلوا على خبزهم وهم معذُورون؛ وأنتم جيران الأمير ومَنْ يجب عليه نُصرته، فلِمَ فعلتم
стр. 5754
ما فعلتم، وأعنتم الشاكرية عليه ورميتم بالحجارة، والأمير متحوّل عنكم! ثم صار محمد بن أبي عون إليهم، فقال لهم مثل ذلك؛ وانصرف إلى ابن طاهر؛ فمكث الجُند المشتَغبون في مواضِعهم ومعسكرهم، وانضمّ إلى ابن طاهر جماعة من الأثبات وجَمَع جميع أصحابه، فجعل بعضهم في داره، وبعضهم في الشارع النافذ من الجسر إلى داره، قد عبّأهم تعبية الحرب، حذارًا من كَرّة الجند عليه أيامًا؛ فلم يكن لهم عودة؛ فصار في بعض الأيام التي كان من عودتهم ابنُ طاهر على وَجَلٍ - فيما ذكر - رجلان من المشغّبة استأمنا إليه، فأخبراه بعورة أصحابهما، فأمر لهما بمئتي دينار، ثم أمر الشاه بن ميكال والحسين بن إسماعيل بعد العشاء الآخرة بالمصير في جماعة من أصحابهما إلى باب حَرْب، فتلطَّفا لأبي القاسم رئيس القوم وابن الخليل - وكان من أصحاب محمد بن أبي عون - فصاروا إلى ما هناك؛ وكان أبو القاسم وابن الخليل قد صار كلُّ واحد منهما عند مفارقة الرَّجلين اللذيْن صارا إلى ابن طاهر ورجل آخر يقال له القُمّيّ؛ وتفرَّق الشاكريّة عنهما إلى ناحية خوفًا على أنفسهم، فمضى الشاه والحسين في طلبهما حتى خرجا من باب الأنبار، وتوجّها نحو جسر بَطَاطِيا، فذُكر أن ابن الخليل استقبلهما قبل أن يصيرا إلى جسر بطاطِيا، فصاح بهما ابن الخليل وبمَنْ معهما من هؤلاء، وصاحوا به؛ فلمَّا عرفهم حمل عليهم، فجرح منهم عدّة، فأحدقوا به، وصار في وسط القوم، فطعنه رجل من أصحاب الشاه، فرمى به إلى الأرض، فبَعَجه عليّ بن جهشيار بالسَّيْف وهو في الأرض، ثم حُمل على بغل وبه رَمق، فلم يصلوا به إلى ابن طاهر حتى قَضَى، وأمر الشاه بطرحه في كَنيِف في دهليز الدَّار إلى أن حُمل إلى الجانب الشرقيّ؛ وأما عبدان بن الموفّق فإنه كان قد صار إلى منزله وإلى موضع اختفى فيه، فدُلَّ عليه، وأخِذ وحُمل إلى ابن طاهر، وتفرّق الشاكريّة الذين كانوا بباب حرب، وصاروا إلى منازلهم، وقُيَّد عبدان بن الموفق بقيدين فيهما ثلاثون رطلًا، ثم صار الحسين بن إسماعيل إلى الحبس الذي هو فيه في دار العامة، وقعد على كرسيّ، ودعا به؛ فسأله: هل هو دسيس لأحد، أو فعل ما فعل من قِبَل نفسه؟ فأخبره أنه لم يدسّه أحد؛ وإنما هو رجل من الشاكريّة طلب بخبزه، فرجع الحسين إلى ابن طاهر فأعلمه ذلك، فخرج طاهر بن محمد وأخوه إلى دار العامة الداخلة، فقعدا وأحضرا مَنْ بات في الدار من القواد والحسين بن إسماعيل والشاه بن ميكال، وأحضرا عبدانَ،
стр. 5755
فحمله رجلان، فكان المخاطب له الحسين، فقال: أنت رئيس القوم؟ فقال: لا؛ إنما أنا رجل منهم؛ طلبت ما طلبُوا، فشتمه الحسين، وقال حرب بن محمد بن عبد الله بن حرب: كذبت، بل أنت رئيس القوم؛ وقد رأيناك تعبِّيهم بباب حرب وفي المدينة وباب الشأم، فقال: ما كنت لهم برأس؛ وإنما أنا رجل منهم؛ طلبت ما طلبوا فأعاد عليه الحسين الشّتم، وأمر بصفعه فصُفع، وأمر بسحبه فسُحب بقيوده إلى أن أُخرِج من الدار، وشتمه كلُّ من لحقه، ودخل طاهر بن محمد إلى أبيه فأخبره خبَره، وحمل عبدان على بغل؛ ومُضِي به إلى الحبس، وحمل ابن الخليل في زورق عُبِرَ به إلى الجانب الشرقيُّ، وصلب؛ وأمر بعبدان فجرِّد وضرب مئة سوط بثمارها، وأراد الحسين قتله، فقال لمحمد بن نصر: ما ترى في ضربه خمسين سوطًا على خاصرته؟ فقال له محمد: هذا شهر عظيم؛ ولا يحلّ لك أن تصنع به هذا؛ فأمر به فصُلِب حيًّا، وحُمِل على سلّم حتى صلِب على الجسر، وربِط بالحبال، فاستسقى بعد ما صُلِب، فمنعه الحسين فقيل له: إن شرب الماء مات، قال: فاسقوه إذًا؛ فسقوْه، فتُرك مصلوبًا إلى وقت العصر، ثم حُبِس؛ فلم يزل في الحبس يومين ثم مات اليوم الثالث مع الظهر؛ وأمر بصلبه على الخشبة التي كان صُلِب عليها ابن الخليل، ودُفع ابن الخليل إلى أوليائه فدُفن.
* * *
[ذكر الخبر عن خلع المؤيد ثم موته]
وفي رجب من هذه السنة خَلَع المعتزّ المؤيدَ أخاه من ولاية العهد بعهده (١).
* ذكر الخبر عن سبب خلعه إياه:
كان السبب في ذلك - فيما بلغنا - أنَّ العلاء بن أحمد عامل إرِمينيَة بعث إلى إبراهيم المؤيد بخمسة آلاف دينار ليصلح بها أمره، فبعث ابن فرّخانشاه إليه، فأخذها فأغرى المؤيد الأتراك بعيسى بن فرّخاشاه، وخالفهم المغاربة، فبعث المعتزّ إلى أخويه: المؤيد وأبي أحمد؛ فحبسهما في الجوْسق، وقيّد المؤيد
стр. 5756
وصيّره في حجرة ضيّقة، وأدرّ العطاء للأتراك والمغاربة، وحبس كنجور حاجب المؤيد، وضربه خمسين مقرعة، وضرب خليفته أبا الهول خمسمئة سَوْط وطُوِّف به على جمل، ثم رضيَ عنه وعن كَنجور، فصُرِف إلى منزله.
وقد ذكر أنه ضرب أخاه المؤيد أربعين مقرعة، ثم خُلع بسامرّا يوم الجمعة لسبع خلوْن من رجب، وخُلع ببغداد يوم الأحد لإحدى عشرة خلتْ من رجب، وأخِذت رقعة بخطه بخلْع نفسه.
ولست بقين من رجب من هذه السنة - وقيل لثمان بقين منه - كانت وفاة إبراهيم بن جعفر المعروف بالمؤيد.
* ذكر الخبر عن سبب وفاته:
ذكر أنّ امرأة من نساء الأتراك جاءت محمد بن راشد المغربيّ، فأخبرته أن الأتراك يريدون إخراج إبراهيم المؤيد من الحبْس؛ وركب محمد بن راشد إلى المعتزّ، فأعلمه ذلك، فدعى بموسى بن بُغا، فسأله فأنكر، وقال: يا أمير المؤمنين، إنما أرادوا أن يخرجوا أبا أحمد بن المتوكِّل لأنسهم به كان في الحرب التي كانت، وأما المؤيد فلا، فلما كان يوم الخيمس لثمان بَقِين من رجب دعا بالقضاة والفقهاء والشهود والوجوه، فأخرج إليهم إبراهيم المؤيد ميّتًا لا أثر به ولا جرح، وحمِل إلى أمه إسحاق - وهي أمّ أبي أحمد - على حمار، وحُمِل معه كفن وحنوط وأمر بدفنه، وحوّل أبو أحمد إلى الحجرة التي كان فيها المؤيد.
وذكر أنّ المؤيد أدرج في لحاف سمّور، ثم أمسِك طرفاه حتى مات.
وقيل: إنه أقْعِدَ في حَجَر من ثلج، ونضِّدت عليه حجارة الثلج فمات بردًا.
* * *
[ذكر الخبر عن مقتل المستعين]
وفي شوال منها قتِل أحمد بن محمد المستعين (١).
стр. 5757
* ذكر الخبر عن قتله:
ذُكر أن المعتزّ لما همَّ بقتل المستعين، ورد كتابه على محمد بن عبد الله بن طاهر بنكبته، وأمره بتوجيه أصحاب معاونه في الطسَاسيج، ثم ورد عليه منه بعد ذلك كتاب مع خادم يدعى سيما، يُؤمَر فيه بالكتاب إلى منصور بن نضر بن حمزة - وهو على واسط - بتسليم المستعين إليه؛ وكان المستعين بها مقيمًا، وكان الموكَّل به ابن أبي خميصة وابن المظفَّر بن سيل ومنصور بن نصر بن حمزة وصاحب البريد؛ فكتب محمد في تسليم المستعين إليه، ثم وجّه - فيما قيل - أحمد بن طولون التركيّ في جيش، فأخرج المستعين لستّ بقين من شهر رمضان، فوافى به القاطول لثلاث خلوْن من شوال.
وقيل إن أحمد بن طولون كان موكَّلًا بالمستعين، فوجّه سعيد بن صالح إلى المستعين في حَمْلِه، فصار إليه سعيد فحمله.
وقيل إن سعيدًا إنما تسلّم المستعين من ابن طولون في القاطول بعدما صار به ابن طولون إليها، ثم اختُلف في أمرهما، فقال بعضهم: قتله سعيد بالقاطول؛ فلمّا كان غد اليوم الذي قتله فيه أحضر جواريَه وقال: انظرنَ إلى مولاكنّ قد مات. وقد قال بعضهم: بل أدخله سعيد وابن طولون سامرّا، ثم صار به سعيد إلى المنزل له فعذّبه حتى مات.
وقيل: بل ركب معه في زورق ومعه عدّة حتى حاذى به فم دُجَيل؛ شدّ في رجله حجرًا، وألقاه في الماء.
وذُكر عن متطبّب كان مع المستعين نصرانيّ يقال له فضلان، أنه قال: كنتُ معه حين حمل، وأنه أخذ به على طريق سامُرّا، فلما انتهى إلى نهرٍ نظر إلى موكب وأعلام وجماعة، فقال لفضلان: تقدم فانظر مَنْ هذا؛ فإن كان سعيدًا فقد ذهبتْ نفسي؛ قال فضلان، فتقدّمت إلى أوّل الجيش، فسألتهم فقالوا: سعيد الحاجب، فرجعت إليه فأعلمته - وكان في قبّة تعادله امرأة - فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! ذهبت نفسي والله! وتأخرت عنه قليلًا.
стр. 5758
قال: فلقيَه أوّل الجيش، فأقاموا عليه وأنزلوه ودابته، فضربوه ضربة بالسيف، فصاح وصاحت دابته، ثم قُتِل؛ فلما قُتِل انصرف الجيش.
قال: فصرت إلى الموضع، فإذا هو مقتول في سراويل بلا رأس؛ وإذا المرأة مقتولة، وبها عدّة ضربات، فطرحنا عليهما نحن تراب النَّهر حتى واريناهما، ثم انصرفنا.
قال: وأتِيَ المعتزّ برأسه وهو يلعب بالشطرنج؛ فقيل: هذا رأس المخلوع فقال: ضعوه هنالك، ثم فرغ من لعبه، ودعا به فنظر إليه، ثم أمر بدفنه وأمر لسعيد بخمسين ألف درهم ووُلِّي معونة البصرة.
وذكر عن بعض غلمان المستعين أنّ سعيدًا لما استقبله أنزله ووكّل به رجلًا من الأتراك يقتله، فسأله أن يمهله حتى يُصَلّيَ ركعتين؛ وكانت عليه جبة، فسأل سعيد التركيّ الموكل بقتله أن يطلبها منه قبل قتله، ففعل ذلك، فلما سجد في الركعة الثانية قتله واحتز رأسه، وأمر بدفنه، وخفيَ مكانه.
وقال محمد بن مروان بن أبي الجَنُوب بن مروان بن أبي حفصة في أمرِ المؤيّد ويمدح المعتزّ:
أَنتَ الذي يُمسكُ الدُّنيا إذا اضطرَبت ... يا مُمْسكَ الدّينِ والدّنيا إذا اضْطَرَبا
إنَّ الرَّعيّة - أَبْقَاكَ الإِله لَهَا - ... ترْجو بِعَدْلك أَن تبقى لها حِقَبَا
لَقَدْ عُنِيتَ بحربٍ غير هَيّنَة ... وكان عُودُك نَبْعًا لم يكن غرَبا
ما كنتَ أولَ رأسٍ خانهُ ذنَبٌ ... والرأسَ كنتَ وكان النَّاكثُ الذَّنَبَا
لَوْ كانَ تمَّ له ما كان دَبَّرَهُ ... لأصبحَ المُلكُ والإِسلامُ قد ذهَبا
أرَاد يُهلكُ دُنيانا ويُعْطِبُها ... وقَدْ أرادَ هَلَاكَ الدِّين والعَطَبْا
لمّا أراد وثُوبًا من سَفَاهتهِ ... أمسَى عليه إِمامُ الْعَدْلِ قد وَثَبَا
لَقَدْ رَمَاكَ بسهْمٍ لم يُصِبْكَ به ... ومنْ رَمَاك عليه سهمهُ انقلبا
لَقَدْ رَعَيْتَ له ما كان من سببٍ ... فَمَا رَعَى لكَ إِحسانًا ولا سَببَا
كحُسْنِ فعلِك لم يفعلْ أَخٌ بأَخٍ ... كُنَّا لِذَاك شهودًا لم نكن غيبَا
قَدْ كُنتَ مشتغلًا بالحرب ذا تَعبٍ ... وكانَ يَلْعبُ ما كلّفتهُ تَعبا
قَدْ كان يَا ذَا النَّدَى يُعْطَى بلا طلبٍ ... وكنتَ يا ذَا الندَى تعطيهِ ما طلبا
وكنتَ أكثرَ بِرًّا من أَبيه به ... ولم تكن بأخٍ في البِرّ كنتَ أَبا
стр. 5759
وكان قرْبَ سَريرِ الملكِ مَجلِسُهُ ... فَقَدْ تباعدَ منه بعدَ ما اقتربا
وكان في نِعَيم زالت وكان له ... بابٌ يُزارُ فأَمسى اليومَ مُحْتَجَبَا
أَمسَى وحيدًا وقد كانتْ مواكبُه ... عشرينَ ألفًا تراهمْ خلفَهُ عُصَبا
أَين الصُّفوفُ الَّتي كانت تقومُ له ... كما يقومُ إذا ما جاءَ أو ذهبا
وذلَّ بعدَ تَمادِيهِ ونَخْوَتِهِ ... كالحوتِ أصبح عنه الماءُ قد نَضَبَا
وقد فسَخْتَ عن الأَعناقِ بَيعَتَهُ ... فلا خطيبَ له يدعو إذا اختطبا
لَقَّبتَهُ لَقبًا من بعدِ إِمْرَتِهِ ... والله بدَّلهُ بالإِمْرَةِ اللَّقبَا
كَسَوْتَهُ ثوبَ عزٍّ فاستهانَ بِهِ ... ولم يَصُنهُ فأَمْسَى عنه مُغتَصَبا
كم نعمةٍ لَكَ فيها كنتَ تشركَه ... واللهُ أخرجهُ منها بما اكتسبَا
شبّهتَهُ بِسراجٍ كانَ ذا لَهَبٍ ... فما ترَكتَ له نورًا ولا لهبًا
أَمسَتْ قطيعةُ إبراهيمَ قد قَطَعتْ ... حبلَ الصَّفاء وحبل الوُدِّ فانقَضبا
وما تؤاخِذُ يا حِلفَ النَّدَى أحدًا ... حَتَّى تُبيّن فيه النَّكثَ والرِّيَبَا
إني بمدْح بني العباس ذُو حسبٍ ... وكان مدْح بني العباسِ لي حَسبا
إنَّ التُّقَى يا بنِي العبَّاس أدَّبكمْ ... حتى استفادتْ قريش منكُمُ الأَدبا
مَنْ كان مُقتَضبًا في حوْلِ مدحكمُ ... فلستُ فيه بحمْدِ اللهِ مُقتضَبَا
* * *
[أمر المعتزّ مع أهل بغداد]
ذُكر عن أبي عبد الرحمن الفانيّ أنّ فتىً من أهل سامُرّا أملى عليه مما عمله بعض أهلها عن ألسن الأتراك أن المعتزّ لمّا أفضت إليه الخلافة، وقلده الله القيام بأمر عباده في المشارق والمغارب، والبرّ والبحر، والبدو والحضر، والسهل والجبل، تألّم بسوء اختيار أهل بغداد وفتنتهم، فأمر المعتزّ بالله بإحضار جماعة ممّن صَفَتْ أذهانهم، ورقَّتْ طبائعهم، ولطف ظَنُّهم، وصحَّتْ نحائزهم، وجادت غرائزهم، وكملت عقولهم بالمشورة، فقال أمير المؤمنين: أما تنظرون إلى هذه العصابة التي ذاع نفاقهم، وغار شأوُهم؛ الهَمَج الطغام، والأوغاد الذين لا مُسْكَة بهم، ولا اختيار لهم، ولا تمييز معهم؛ قد زيّن لهم تقحّمُ الخطأ سوءَ أعمالهم، فهم الأقلُّون وإن كَثروا والمذمومون إن ذُكروا؛ وقد علمت أنه
стр. 5760
لا يصلح لقود الجيش وسدّ الثغور وإبرام الأمور وتدبير الأقاليم إلَّا رجل قد تكامَلَتْ فيه خلالٌ أربع: حَزْمٌ يُقَيِّف به عند موارد الأمور حقائق مصادرها، وعلم يحجزه عن التهوّر والتغرير في الأشياء إلَّا مع إمكان فرصتها، وشجاعة لا ينقصها الملمّات مع تواتر حوائجها، وجودٌ يَهون به تبذير جلائل الأموال عند سؤالها، وأما الثلاث، فسرعة مكافأة الإحسان إلى صالح الأعوان، وثقل الوطأة على أهل الزّيغ والعدوان، والاستعداد للحوادث؛ إذ لا تؤمن من نوائب الزمان، وأما الاثنتان؛ فإسقاط الحاجب عن الرّعيّة، والحكم بين القويّ والضعيف بالسويّة، وأما الواحدة فالتيقظ في الأمور مع عدم تأخير عمل اليوم لغد؛ فما ترون؛ وقد اخترت رجالًا لهم من مواليّ، أحدهم شديد الشكيمة، ماضي العزيمة، لا تبطِره السرّاء، ولا تدهشه الضرّاء، لا يهاب ما وراءه، ولا يهوله ما تلقاءه، وهو كالحريش في أصل السِّلام؛ إن حُرّك حمل، وإن نهش قتل؛ عُدّته عتيدة، ونقمته شديدة، يلقى الجيش في النفر القليل العدد بقلب أشدّ من الحديد، طالبٌ للثأر، لا يفلّه العساكر، باسلُ البأس، مقتضب الأنفاس لا يعوزه ما طلَب، ولا يفوته من هرب؛ وارِي الزناد، مُطّلع العِماد، لا تُشْرهه الرّغائب، ولا تُعجزه النوائب؛ إن وليَ كفى، وإن وعد وَفى، وإن نازل فبطل، وإن قال فعل، ظِلّه لوليه ظليل، وبأسه في الهياج عليه دليل؛ يفوق مَنْ ساماه، ويُعجز مَنْ ناواه، ويُتعب مَنْ جاراه، وينعش منْ والاه.
فقام إليه رجل من القوم، فقال: قد جمع الله فيك يا أمير المؤمنين فضائل الأدب، وخَصّك بإرث النبوّة، وألقى إليك أزمّة الحكمة، ووفّر نصيبَك من حِباء الكرامة؛ وفسَّح لك في الفَهْم، ونوّر قلبك بأنفس العلوم وصفاء الذهن؛ فأفصح عن القلب البيانُ، وأدرك فهمك يا أمير المؤمنين ما والله خبئ على من لم يُحْبَ بما حُبيتَ من المنن العظام، والأيادي الجسام، والفضائل المحمودة، وشرف الطباع، فنطَقت الحكمة على لسانك، فما ظننتَه فهو صواب، وما فهمته فهو الحقّ الذي لا يعاب، وأنت والله يا أمير المؤمنين نسيجُ وحدِه، وقَريع دهرِه، لا يبلغ كليَّة فضله الوصفُ، ولا يحصر أجزاء شرف فضله النعت.
ثم أمر أمير المؤمنين بالعقد لأنصاره على النواحي، وأطلقهم في أشعار
стр. 5761
أعدائهم وأبشارهم ودمائهم، فلما بلغ محمد بن عبد الله ما أمر به في النواحي أنشأ كتابًا نسخته:
أما بعد فإنّ زيغْ الهوى صَدَفَ بكم عن حَزْم الرّأي، فأقحمكم حبائل الخطأ، ولو ملَّكتُم الحقّ عليكم، وحكمتم به فيكم لأوردكم البصيرةَ، ونفى عنكم غيابة الحَيْرة، والآن فإن تجنحوا للسَّلم تحقنوا دماءكم، وترغدوا عيشكم، ويصفح أمير المؤمنين عن جريرة جارِمكم؛ وأخْلَى لكم ذِرْوة سُبوغ النعمة عليكم، وإن مضيتم على غُلَوائكم، وسوَّل لكم الأمل أسوأ أعمالِكم، فائْذنوا بحرب من الله ورسوله، بعد نَبْذ المعذرة إليكم، وإقامة الحجة عليكم، ولئن شُنّت الغارات، وشبّ ضُرام الحرب، ودارت رحاها على قطبها، وحسمت الصوارم أوصال حُماتها واستجرّت العوالي مَنْ نهمها، ودُعَيت نزال، والتحم الأبطال، وكلحت الحرب عن أنيابها أشداقَها، وألقت للتجرّد عنها قِنَاعها، واختلفت أعناق الخيل، وزحف أهل النجدة إلى أهل البغي، لتعلمنّ أيّ الفريقين أسمح بالموت نفسًا، وأشدّ عند اللقاء بطشًا، ولات حين معذرة، ولا قبول فدية! وقد أعذر مَنْ أنذر؛ وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلَب ينقلبون!
فبلغ كتاب محمد بن عبد الله الأتراكَ، فكتبوا جواب كتابه:
إن شخص الباطل تصوَّر لك في صورة الحقّ، فتخيّل لك الغيّ رشدًا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، ولو راجعتَ عُزوب عقلك أنار لك برهان البصيرة، وحسم عنك موادّ الشبهة؛ ولكن حِصْت عن سنّة الحقيقة، ونكصت على عقبيك لِمَا ملك طباعك مِنْ دواعي الحيرة؛ فكنت في الإصغاء لهتافه والتجرّد إلى وروده كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران، ولعمرك يا محمد؛ لقد وَرَد وعدُك لنا ووعيدُك إيانا، فلم يُدنِنَا منك، ولم يُنئنا عنك، إذ كان فحصُ اليقين قد كشف عن مكنون ضميرك، وألفاك كالمكتفِي بالبرق نَهْجًا؛ إذا أضاء له مَشى فيه، وإذا أظلم عليه قام، ولعمرُك لئن اشتدَّ في البغي شأوُكَ، ومتعت بصُبابة من الأمل ليكونن أمرك عليك غمة؛ ولنأتينّك بجنود لا قبل لك بها، ولنُخرجنّك منها ذليلًا، وأنت من الصاغرين، ولولا انتظارنا كتابَ أمير المؤمنين بإعلامنا ما نعمل في شاكلته، بلغْنا بالسّيَاط النياط، وغمدْنا السيوف وهي كالّة، وجعلنا عاليها سافلها، وجعلناها مأوى الظّلمان
стр. 5762
والحيات والبوم؛ وقد ناديناك من كَثب، وأسمعناك إن كنت حيًّا، فإن تجب تُفلح، وإن تأب إلَّا غيًّا نخزك به، وعمّا قليل لتصبحُنّ نادمين.
* * *
[وقوع الفتنة بين الأتراك والمغاربة]
وفي أوّل يَوْم من رجب من هذه السنة كانت بين المغاربة والأتراك ملحَمة؛ وذلك أنّ المغاربة اجتمعت فيه مع محمد بن راشد ونصر بن سعيد؛ فغلبوا الأتراك على الجوْسَق، وأخرجوهم منه، وقالوا لهم: في كلّ يوم تقتلون خليفة، وتخلعون آخر، وتقتلون وزيرًا! وكانوا قد وثبوا على عيسى بن فرّخانشاه؛ فتناولوه بالضَّرْب، وأخذوا دوابّه، ولما أخرجت المغاربة الأتراكَ من الجوْسق، وغلبوهم على بيت المال، أخذوا خمسين دابة مما كان الأتراك يركبونها؛ فاجتمع الأتراك، وأرسلوا إلى مَنْ بالكرخ والدّور منهم، فتلاقوا هم والمغاربة، فقتِل من المغاربة رجلٌ، فأخذت المغاربة قاتله، وأعانت المغاربة الغوْغاء والشاكريّة، فضعف الأتراك، وانقادوا للمغاربة، فأصلح جعفر بن عبد الواحد بين الفريقين، فاصطلحوا على ألا يُحْدِثوا شيئًا، ويكون في كلّ موضع يكون فيه رجل من قِبَل أحد الفريقين يكون فيه آخر من الفريق الآخر؛ فمكثوا على ذلك مُدَيدة.
وبلغ الأتراكَ اجتماعُ المغاربة إلى محمد بن راشد ونصر بن سعيد، واجتمع الأتراك إلى بايكباك، فقالوا: نطلب هذين الرأسين؛ فإن ظفرنا بهما فلا أحد ينطق؛ وكان محمد بن راشد ونصر بن سعيد قد اجتمعا في صدر اليوم الذي عَزَم الأتراك فيه على الوثوب بهما، ثم انصرفا إلى منازلهما، فبلغهما أن بايكباك قد صار إلى منزل ابن راشد، فعدل محمد بن راشد ونصر بن سعيد إلى منزل محمد بن عزّون ليكونا عنده حتى يسكن الأتراك، ثم يرجعا إلى جمعهما، فغمز إلى بايكباك رجلٌ، ودله عليهما، وقيل إن ابن عزّون هو الذي دسّ من دلّ بايكباك والأتراك عليهما؛ فأخذهما الأتراك فقتلوهما؛ فبلغ ذلك المعتزّ، فأراد قتل ابن عزون، فكلِّم فيه فنفاه إلى بغداد.
* * *
стр. 5763
[ذكر خبر حمل الطالبيّين من بغداد إلى سامرّا]
وفيها حُمل محمد بن عليّ بن خلف العطار وجماعة من الطالبيين من بغداد إلى سامُرّا، فيهم أبو أحمد محمد بن جعفر بن حسن بن جعفر بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب، وحمل معهم أبو هاشم داود بن القاسم الجعفريّ وذلك لثمانٍ خلون من شعبان منها.
* ذكر السبب في حملهم:
وكان السبب - فيما ذكر - أنّ رجلًا مَن الطالبيين شخص من بغداد في جماعة من الجيشية والشاكريّة إلى ناحية الكوفة، وكانت الكوفة وسوادها من عمل أبي الساج في تلك الأيام؛ وكان مقيمًا ببغداد لمناظرة ابن طاهر إياه في الخروج إلى الريّ، فلما بلغ ابنَ طاهر خبرُ الطالبيّ الشاخص من بغداد إلى ناحية الكوفة، أمر أبا الساج بالشخوص إلى عمله بالكوفة، فقدّم أبو الساج خليفته عبد الرحمن إلى الكوفة، فلقيَ أبا الساج أبو هاشم الجعفريّ مع جماعة معه من الطالبيين ببغداد، فكلموه في أمر الطالبيّ الشاخص إلى الكوفة، فقال لهم أبو الساج؛ قولوا له يتنحَّى عنّي، ولا أراه، فلمَّا صار عبد الرحمن خليفة أبي الساج إلى الكوفة ودخلها رُمِيَ بالحجارة حتى صار إلى المسجد، فظنُّوا أنه جاء لحرب العلويّ، فقال لهم: إني لست بعامل؛ إنما أنا رجل وجِّهتُ لحرب الأعراب، فكفّوا عنه؛ وأقام بالكوفة، وكان أبو أحمد محمد بن جعفر الطالبيّ الذي ذكرت أنه حمل من الطالبيين إلى سامُرّا كان المعتزّ ولاه الكوفة بعدما هزم مزاحمُ بن خاقان العلويّ الذي كان وُجِّه لقتاله بها الذي قد مضى ذكره قبل في موضعه فعاث - فيما ذكر - أبو أحمد هذا في نواحي الكوفة وآذى الناس، وأخذ أموالهم وضياعهم، فلمّا أقام خليفة أبي الساج بالكوفة لطف لأبي أحمد العلَويّ هذا وآنسه حتى خالطه في المؤاكلة والمشاربة، وداخلَهُ. ثم خرج متنزّهًا معه إلى بستان من بساتين الكُوفة، فأمسى وقد عبّى له عبد الرحمن أصحابه، فقتده وحمله مقيّدًا بالليل على بغال الدخول؛ حتى ورد به بغداد في أول شهر ربيع الآخر، فلما أتى به محمد بن عبد الله حَبسه عنده، ثم أخذ منه كفيلًا وأطلقه، ووجِدت مع ابن أخ لمحمد بن عليّ بن خلف العطار كُتبٌ من الحسن بن زيد؛
стр. 5764
فكتب بخبره إلى المعتزّ، فورد الكتاب بحمله مع عتّاب بن عتّاب، وحمل هؤلاء الطالبيين، فحملوا جميعًا مع خمسين فارسًا، وحمل أبو أحمد هذا وأبو هاشم الجعفريّ، وعليّ بن عبيد الله بن عبد الله بن حسن بن جعفر بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب.
وتحدّث الناس في عليّ بن عبيد الله أنه إنما استأذن في المصير إلى منزله بسامُرّا، فأذن له ووصَله - فيما قيل - محمد بن عبد الله بألف درهم؛ لأنه شكا إليه ضيقه، وودّع أبو هاشم أهله.
وقيل إن سبب حمل أبي هاشم، إنما كان ابن الكردية وعبد الله بن داود بن عيسى بن موسى قالا للمعتزّ: إنك إن كتبتَ إلى محمد بن عبد الله في حَمْل داود بن القاسم لم يحمله، فاكتب إليه وأعلمه أنك تريد توجِيهه إلى طبرستان لإصلاح أمرها، فإذا صار إليك رأيت فيه رأيك؛ فحُمل على هذا السبيل ولم يُعرض له بمكروه.
* * * *
وفيها ولّي الحسن بن أبي الشوارب قضاء القضاة؛ وكان محمد بن عمران الضبي مؤدّب المعتزّ قد سمى رجالًا للمعتزّ للقضاء نحو ثمانية رجال؛ فيهم الخلنجيّ والخصّاف، وكتب كتبَهم، فوقَع فيه شفيع الخادم ومحمد بن إبراهيم بن الكردية وعبد السميع بن هارون بن سليمان بن أبي جعفر، قالوا: إنهم من أصحاب ابن أبي داود، وهم رافضة وقدَرِية وزيديّة وجهميّة.
فأمر المعتزّ بطردهم وإخراجهم إلى بغداد، ووثب العامة بالخصاف، وخرج الآخرون إلى بغداد، وعزِل الضبيّ إلَّا عن المظالم (١).
وذكر أن أرزاق الأتراك والمغاربة والشاكريّة قُدّرت في هذه السنة، فكان مبلغ ما يحتاجون إليه في السنة مئتي ألف ألف دينار، وذلك خراج المملكة كلها لسنتين.
* * *
стр. 5765
وفيها توجّه أبو الساج إلى طريق مكة وكان سبب ذلك - فيما ذكر - أن وَصيفًا لمّا صلح أمره، ودفع المعتزُّ إليه خاتمه كتب إلى أبي الساج يأمره بالخروج إلى طريق مكة ليصلحه، ووجّه إليه من المال ما يحتاج إليه؛ فأخذ في الجهاز؛ فكتب محمد بن عبد الله يسأل أن يصير طريق مكة إليه؛ فأجيب إلى ذلك، فوجّه أبا الساج مِنْ قِبَله.
وفي أوّل ذي الحجة عقد لعيسى بن الشيخ بن السليل على الرَّمْلة، فأنفذ خليفته أبا المغراء إليها، فقيل: إنه أعطى بُغا أربعين ألف دينار على ذلك، أو ضمِنها إليه.
وفيها كتب وصيفٌ إلى عبد العزيز بن أبي دُلَف بتوليته الجَبل، وبعث إليه بخِلَع، فتولّى ذلك من قِبَله.
وفيها قتِل محمد بن عمرو الشاري بديار ربيعة؛ قتله خليفة لأيوب بن أحمد في ذي القعدة.
وفيها سخط على كنجور، وأمر بحبسه في الجوْسق، ثم حُمِل إلى بغداد مقيَّدا، ثم وجّه به إلى اليمامة فحبس هنالك.
وفيها أغار ابن جُسْتان صاحب الدّيْلم مع أحمد بن عيسى العلويّ والحسين بن أحمد الكوكبيّ على الرّيّ فقتلوا وسبوا، وكان ما بها حين قصدوها عبد الله بن عزيز، فهرب منها؛ فصالحهم أهل الرّيّ على ألفي درهم، فأدَّوْها، وارتحل عنها ابن جُسْتان، وعاد إليها ابنُ عزيز، فأسر أحمد بن عيسى وبعث به إلى نيسابور.
وفيها مات إسماعيل بن يوسف الطالبيّ الذي كان فعل بمكة ما فعل (١).
وحجَّ فيها بالناس محمد بن أحمد بن عيسى بن المنصور من قبل المعتزّ (٢).
* * *
стр. 5766
ثم دخلت سنة تلاث وخمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من عَقد المعتزّ في اليوم الرابع من رجب لموسى بن بُغا الكبير على الجبل، ومعه من الجيش يومئذ من الأتراك ومَنْ يجري مجراهم ألفان وأربعمئة وثلاثة وأربعون رجلًا، منهم مع مُفلح ألف ومئة وثلاثون رجلًا (١).
* * * *
[ذكر خبر أخذ الكرج من ابن أبي دلف]
وفيها أوقع مُفلح وهو على مقدّمة موسى بن بُغا بعبد العزيز بن أبي دُلف لثمان ليال بَقِين من رجب من هذه السنة وعبد العزيز في زُهاء عشرين ألفًا من الصعاليك وغيرهم؛ وكانت الوقعة بينهما - فيما قيل - خارج هَمَذان على نحو من ميل، فهزمه مُفْلح ثلاثة فراسخ يقتلون ويأسِرون، ثم رجع مفلِح ومَنْ معه سالمين؛ وكتب بالفتح في ذلك اليوم، فلما كان في شهر رمضان عبأ مفْلح خيلَه نحو الكَرَج، وجعل لهم كَمِيين، ووجّه عبد العزيز عسكرًا فيه أربعة آلاف فقاتلهم مفلح، وخرج كمين مفلح على أصحاب عبد العزيز فانهزموا، ووضع أصحاب مُفْلح فيهم السَّيف، فقتلوا وأسروا وأقبل عبد العزيز معينًا لأصحابه؛ فانهزم بانهزام أصحابه، وترك الكرَج، ومضى إلى قَلْعة له في الكَرَجِ يقال لها زز، متحصنًا بها، ودخل مفلح الكرَج، فأخذ جماعة من آل أبي دُلف أسرًا، وأخذ نساءً من نسائهم؛ يقال إنه كان فيهم أمّ عبد العزيز؛ فأوثقهم.
* * *
وذكر أنه وجّه سبعين حملًا من الرؤوس إلى سامرّا وأعلامًا كثيرة.
وشخص فيها موسى بن بُغا من سامرّا إلى هَمذان فنزلها.
وفيها خلَع المعتزّ على بُغا الشرابيّ في شهر رمضان، وألبسه التاج
стр. 5767
والوشاحين، فخرج فيهما إلى منزله (١).
* * *
[ذكر الخبر عن قتل وصيف]
وفيها قُتل وصيف التركيّ؛ وذلك لثلاث بَقِين من شوّال منها؛ وكان السبب في ذلك - فيما ذكر - أنّ الأتراك والفراغنة والأشروسنية شغبوا وطلبوا أرزاقهم لأربعة أشهر؛ فخرج إليهم بُغا ووصيف وسيما الشرابيّ في نحو من مئة إنسان من أصحابهم؛ فكلّمهم وصيف، وقال: ما تريدون؟ قالوا: أرزاقنا، فقال: خذوا ترابًا؛ وهل عندنا مال! وقال بغا: نعم، نسأل أميرَ المؤمنين في ذلك؛ ونتناظر في دار أشناس، وينصرف عنكم مَنْ ليس منكم، فدخلوا دار أشناس، ومضى سيما الشرابيّ منصرفًا إلى سامُرّا ثم تَبِعه بُغا لاستئمار الخليفة في إعطائهم؛ وكان وصيف في أيديهم؛ فوثب عليه بعضُهم، فضربه بالسيف ضربتين، ووجأه آخر بسكين، فاحتمله نُوشِرى بن طاجبك - وهو أحد قوّاده - إلى منزله؛ فلما أبطأ عليهم بُغا ظنوا أنهم في التعبية عليهم؛ فاستخرجوه من منزل نوشرى؛ فضربوه بالطبرزينات حتى كسروا عضُدَيه، ثم ضربوا عنقَه، ونصبوا رأسه على محراك تَنّور، وقصدت العامة بسامرّا الانتهاب لمنازل وصيف وولده، فرجع بنو وَصيف، فمنعوا منازلهم، ثم جعل المعتزّ ما كان إلى وصيف من الأمور إلى بُغا الشرابيّ.
* * *
[ذكر الخبر عن قتل بندار الطبري]
وفي يوم الفِطْر من هذه السنة قُتل بندار الطبريّ.
* ذكر سبب قتله:
فكان سبب ذلك أنه حكم بالبوازيج محكّم يدعى مساور بن عبد الحميد في رجب من هذه السنة، فوجّه المعتزّ إليه في شهر رمضان ساتكين، فمال إلى ناحية طريق خراسان، فوجّه محمد بن عبد الله إليه؛ وذلك أنّ طريق خراسان كان
стр. 5768
إليه بندار ومظفر بن سيسل مَسْلَحة، فلما صارا بدسْكرة الملك أقاما؛ فذُكرِ أنّ بندار خرج في آخر يوم من شهر رمضان متصيّدًا، فبَعُد في طلب الصّيْد حتى جاوز دُور الدّسْكرة بنحو فرسخ؛ فبينا هو كذلك، إذ نظر إلى عَلَمين مقبلين معهما جماعة مُقْبلة نحو الدّسْكرة، فوجّه بعض أصحابه لينظر ما الأعلام؛ فأخبره صاحب الجماعة أنه عامل كَرْخ جُدّان، وأنه انتهى إليه أنّ رجلًا يقال له مساور بن عبد الحميد من الدّهاقين من أهل البوازيج شَرَى، وأنه بلغه أنه يصير إلى كَرْخ جُدّان؛ فلما بلغه ذلك خرج هاربًا إلى الدّسْكرة ليأنس بقرب بندار ومظفر؛ فانصرف بُندار من ساعته إلى المظفّر فقال له: إن الشاري يقصد كَرْخ جُدّان، ويريدنا؛ فامض بنا نتلقّاه، فقال له المظفّر: قد أمسينا ونريد أن نصلّيَ الجمعة، وغدًا العيد؛ فإذا انقضى العيد قصدناه، فأبى بُندار، ومضى من ساعته طمعًا بالمظفر الشارِي وحده دون مظفّر؛ فأقام مظفر ولم يبرح من الدّسكرة - وبين الدسكرة وتَلْ عُكْبرَاء ثمانية فراسخ، وبين تل عُكْبرَاء وموضع الوقعة أربعة فراسخ - فصار بُندار إلى تلّ عُكبراء، فوافاها عند العَتمة ليلة الفطر، فعلف دوابه شيئًا، ثم ركب، فسار حتى أشرف على عسكر الشاري ليلًا وهم يصلّون ويقرؤون القرآن؛ فأشار عليه بعضُ أصحابه وخاصّته أن يبيّتهم وهم غارُّون، فأبى وقال: لا؛ حتى أنظر إليهم وينظروا إليّ، فوجّه فارسيْن أو ثلاثة ليأتُوه بخبرهم؛ فلمّا قرُبوا من عسكرهم نَذِروا بهم، فصاحوا: السلاح! وركبوا فتواقَفُوا إلى أن أصبحوا، ثم اقتتلوا فلم يمكن أصحابَ بندار أن يرموا بَسَهْم واحد، وكانوا زهاء ثلثمئة فارس وراجل فعبّاهُم ميمنة وميسرة وساقة، وأقام هو في القلب، فحمل عليهم مساور وأصحابُه، فثبت لهم بُندار وأصحابه؛ ثم انحدر لهم الشّراة عن موضع عسكرهم ومبيتهم؛ ليطمع بندار وأصحابه في النَّهْب، فلم يعرض بُندار وأصحابه لعسكرهم، ثم كرّ الشُّرَاة عليهم بالسيوف والرماح، وهم زهاء سبعمئة؛ فصبر الفريقان، فصار الشراة إلى السيوف دون الرماح فقتِل من الشُّراة نحو من خمسين رجلًا، ومن أصحاب بندار مثلهم، ثم حمل الشراة حملةً، فاقتطعوا من أصحاب بُندار نحوًا من مئة رجل، فصبر لهم المئة ساعة، ثم قُتِلوا جميعًا، وانهزم بُندار وأصحابه، فجعلوا يقتطعونهم قطعة بعد قطعة فيقتلونهم، وأمعن بُندار في الهَرب، فطلبوه فلحقوه بقرب تلّ عُكْبرَاء على قَدْر أربعة فراسخ من موضع الوقعة؛ فقتلوه ونصبوا رأسَه، ونجا مِنْ
стр. 5769
أصحاب بُندار نحو من خمسين رجلًا - وقيل مئة رجل - انحازوا عن الوقْعَة عند اشتغال الخوارج بمَنْ كانوا يقتطعون منهم، وانتهى خبرُه إلى مظفَّر وهو مقيم بالدّسْكرة، فتنحَّى من الدَّسكرة إلى ما قَرُب من بغداد، ووصل خبرُ مقتله إلى محمد بن عبد الله بغدِ الفِطْر، فذُكِر أنه لم يشرب ولم يَلْهُ - كما كان يفعل - غمًّا بما ورد عليه من مقتَله، ثم مضى مُساور من فوره إلى حُلوان؛ فخرج إليه أهلها فقاتلوه، فقتل منهم أربعمئة إنسان، وقتلوا جماعة من أصحاب الشارِي، وقُتِل عدّةٌ من حجَّاج خراسان كانوا بحُلوَان، فأعانوا أهلَ حُلْوان، ثم انصرفوا عنهم.
* * *
[ذكر خبر موت محمد بن عبد الله بن طاهر] (١)
وليلة أربع عشرة من ذي القعدة منها، انخسف القمر؛ فغرِق كله أو غاب أكثره؛ ومات محمد بن عبد الله بن طاهر مع انتهاء خسوفه - فيما ذكر - وكانت علّته التي مات فيها قروحًا أصابته في حَلْقِه ورأسه فذبحته، وذكر أن القروح التي كانت في حَلْقه ورأسه كانت تدخل فيها الفتائل؛ فلما مات تنازع الصلاةَ عليه أخوه عُبيد الله وابنه طاهر؛ فصلّى عليه ابنُه، وكان أوصى بذلك - فيما قيل.
ثم وقع بين عبيد الله بن عبد الله أخي محمد بن عبد الله وبين حشم محمد بن عبد الله تنازعٌ حتى سلوا السيوف عليه، ورُمي بالحجارة، ومالت الغوغاء والعامة وموالي إسحاق بن إبراهيم مع طاهر بن محمد بن عبد الله بن طاهر، ثم صاحوا: طاهر يا منصور؛ فعبَر عبيدُ الله إلى ناحية الشرقية إلى داره، ومال معه القوّاد لاستخلاف محمد بن عبد الله كان إياه على أعماله ووصيّته بذلك، وكتابه بذلك إلى عمّاله، ثم وجّه المعتزّ الخلع وولاية بغداد إلى عبيد الله، وأمر عبيد الله للذي أتاه بالخلع من قِبَل المعتزّ فيما قيل بخمسين ألف درهم.
* * *
نسخة الكتاب الذي كتبه محمد بن عبد الله إلى عمّاله باستخلافه أخاه عبيد الله بعده:
أما بعد فإنّ الله جعل الموت حَتْمًا مقضيًّا جاريًا على الباقين من
стр. 5770
خلقه، حسبما جرى على الماضين؛ وحقيق على من أُعْطِيَ حظًّا من توفيق الله، أن يكون على استعداد لحلول ما لابدّ منه ولا محيص عنه في كلّ الأحوال، وكتابي هذا وأنا في علّة قد اشتدّ الإشفاق منها، وكاد الإياس يغلب على الرّجاء فيها؛ فإن يَبُلّ الله ويدفع فبقدرته وكريم عادته؛ وإن يَحْدُث بي الحدثُ الذي هو سبيل الأولين والآخرين؛ فقد استخلفتُ عبيد الله بن عبد الله مولى أمير المؤمنين أخي الموثوق باقتفائه أثري، وأخذه بسدّ ما أنا بسبيله من سلطان أمير المؤمنين إلى أن يأتيَه من أمره ما يعمل بحسبه؛ فاعلمْ ذلك وائتمرْ فيما تتولّاه بما يرِد به كتب عبيد الله وأمره إن شاء الله.
وكتب يوم الخميس لثلاث عشرة خلت من ذي القعدة سنة ثلاث وخمسين ومئتين.
* * *
وفيها نفى المعتزُّ أبا أحمد بن المتوكل إلى واسط، ثم إلى البصرة، ثم رُدّ إلى بغداد، وأنزل إلى الجانب الشرقيّ في قصر دينار بن عبد الله (١).
وفيها نفى أيضًا عليّ بن المعتصم إلى واسط ثم رُدّ إلى بغداد فيها (٢).
وفيها مات مزاحم بن خاقان بمصر في ذي الحجة.
وحجّ بالناس في هذه السنة عبد الله بن محمد بن سليمان الزينبي (٣).
وفيها غزا محمد بن معاذ بالمسلمين في ذي القعدة من ناحية مَلَطية، فهُزِموا وأسر محمد بن معاذ.
وفيها التقى موسى بن بُغا والكوكبيّ الطالبيّ على فرسخ من قَزوين يوم الإثنين سَلْخِ ذي القعدة منها، فهزم موسى الكوكبيّ، فلحق بالدّيْلم، ودخل موسى بن بُغا قزْوين.
стр. 5771
وذكر لي بعض مَنْ شهد الوقعة، أنّ أصحاب الكوكبيّ من الدّيلم لما التقوْا بموسى وأصحابه صفّوا صفوفًا، وأقاموا تِرَستهم في وجوههم يتّقون بذلك سهام أصحاب موسى؛ فلما رأى موسى أنّ سهام أصحابه لا تصل إليهم مع ما قد فعلوا، أمر بما معه من النَّفط أن يُصَبّ في الأرض التي التقى هو وهم فيها؛ ثم أمر أصحابه بالاستطراد لهم، وإظهار هزيمة منهم؛ ففعل ذلك أصحابه؛ فلمّا فعلوا ذلك ظن الكوكبيّ وأصحابه أنهم انهزموا؛ فتبعوهم، فلما علم موسى أن أصحاب الكوكبيّ قد توسّطوا النفط أمر بالنار فأشعلت فيه، فأخذت فيه النار، وخرجت من تحت أصحاب الكوكبيّ، فجعلت تحرقهم؛ وهرب الآخرون، وكان هزيمة القوم عند ذلك ودخول موسى قزوين (١).
وفيها لقي خطارمش مساور الشاري بناحية جَلولاء في ذي الحجة، فهزمه مساور.
ثم دخلت سنة أَربع وخمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من مقتل بغا الشرابيّ (٢).
* ذكر الخبر عن سبب مقتله:
[ذكر خبر مقتل بغا الشرابي]
ذُكِر أنّ السبب في ذلك كان أنه كان يحضّ المعتزّ على المصير إلى بغداد، والمعتزّ يأبى ذلك عليه، ثم إن بُغا اشتغل مع صالح بن وصيف في خاصّته بعُرس جمعة بنت بُغا؛ كان صالح بن وصيف تزوّجها للنصف من ذي القعدة؛ فركب
стр. 5772
المعتزّ ليلًا، ومعه أحمد بن إسرائيل إلى كرْخ سامرّا يريد بايكباك ومَنْ كان معه على مثل ما هو عليه من انحرافه عن بُغا، وكان سببُ انحرافه عنه - فيما ذكر - أنهما كانا في شراب لهما يشربانه، فعربَد أحدُهما على صاحبه؛ فتهاجرا لذلك؛ وكان بايكباك بسبب ذلك هاربًا من بُغا مستخفيًا منه؛ فلما وافَى المعتزّ بمَنْ معه الكرْخ اجتمع من بايكباك أهلُ الكَرْخ وأهل الدُّور، ثم أقبلوا مع المعتزّ إلى الجوسق بسامُرّا؛ وبلغ ذلك بُغا، فخرج في غلمانه وهم زُهاء خمسمئة ومثلهم من ولده وأصحابه وقوّاده، وصار إلى نهر نَيْزك، ثم انتقل إلى مواضع، ثم صار إلى السنّ، ومعه من العين تسع عشرة بَدْرة دنانير ومئة بَدْرة دراهم؛ أخذها من بيت ماله وبيوت أموال السلطان؛ فأنفق منها شيئًا يسيرًا حتى قُتِل.
وذكر أنه لما بلغه أن المعتزّ قد صار إلى موضع الكرْخ مع أحمد بن إسرائيل خرج في خاصّة قوّاده حتى صار إلى تَلّ عُكْبَراء، ثم مضى فصار إلى السنّ؛ فشكا أصحابُه بعضُهم إلى بعض ما هم فيه من العسف، وأنهم لم يخرجوا معهم بمضارب، ولا ما يتدفّئون به من البرد، وأنهم في شتاء، وكان بُغا في مضرب له صغير على دِجْلة، كان يكون فيه، فأتاه ساتكين، فقال: أصلح الله الأمير! قد تكلّم أهل العسكر، وخاضوا في كذا وأنا رسولهم إليك، فقال: كلّهم يقول مثل قولك؟ قال: نعم؛ وإن شئت فابعثْ إليهم حتى يقولوا مثل قولِي، قال: دعْني الليلة حتى أنظر، ويخرج إليكم أمري بالغَداة، فلما جنّ عليه الليل دعا بزَوْرق، فركبه مع خادمين معه، وحمل معه شيئًا من المال، ولم يحمل معه سلاحًا ولا سِكَينًا ولا عمودًا، ولا يعلم أهل عسكره بذلك من أمره، والمعتزّ في غَيْبة بُغا لا ينام إلَّا في ثيابه، وعليه السلاح، ولا يشرب نبيذًا، وجميع جواريه على رجل، فصار بُغا إلى الجسر في الثلث الأوّل من الليل؛ فلما قارب الزّورق الجسر بعث الموكّلون به مَن في الزّوْرق، فصاح بالغلام، فرجع إليهم، وخرج بُغا في البستان الخاقانيّ، فلحقه عدّة منهم؛ فوقف لهم وقال: أنا بُغا، ولحقه وليد المغربيّ، فقال له: ما لك جعلت فداك! فقال: إما أن تذهب بي إلى منزل صالح بن وصيف، وإما أن تصيروا معي إلى منزلي؛ حتى أحسن إليكم، فوكّل به وليد المغربيّ، ومرّ يركض إلى الجوْسق، فاستأذن على المعتزّ فأذن له، فقال: يا سيدي هذا بُغا قد أخذته ووكّلت به، قال: ويلك! جئني برأسه؛ فرجع
стр. 5773
وليد، فقال للموكلين به: تنحَّوْا عنه حتى أبلغه الرّسالة، فتنحَّوْا عنه، فضربه ضربة على جبهته ورأسه؛ ثم تناهى على يديْه فقطعهما، ثم ضربه حتى صرعه وذبحه، وحمل رأسه في بِرْكة قبائه، وأتى به المعتزّ؛ فوهب له عشرة آلاف دينار، وخلع عليه خِلعة، ونصب رأسَه بسامرّا، ثم ببغداد، ووثبت المغاربة على جُثته، فأحرقوه بالنار، وبعث المعتزّ من ساعته إلى أحمد بن إسرائيل والحسن بن مخلد وأبي نوح، فأحضرهم وأخبرهم، وتتبّع عبيد الله بن طاهر بنيه ببغداد؛ وكانوا صاروا إليها هُرّابًا مع قوم يثقون بهم؛ فاستتروا عندهم فذكر أنه حُبِس في قصر الذّهب من ولده وأصحابه، خمسة عشر إنسانًا وفي المطبق عشرة.
وقيل: إنّ بُغا لمّا انحدر إلى سامرّا ليلةَ أخِذ شاور أصحابه في الانحدار إليها مكتتمًا، فيصير إلى منزل صالح بن وصيف، وإذا قرب العيد دخل أهل العسكر، وخرج هو وصالح بن وصيف وأصحابُه، فوثبوا بالمغاربة، فوثبوا بالمعتزّ.
وفيها عقد صالح بن وصيف لديوداد على ديار مُضَر وقِنّسْرين والعواصم فوثبوا بالمعتزّ في ربيع الأوّل منها.
وفيها عقد بايكباك لأحمد بن طولون على مصر (١).
وفيها أوقع مفلح وباجور بأهل قمّ، فقتلا منهم مقتلة عظيمة؛ وذلك في شهر ربيع الأوّل منها.
وفيها مات علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا يوم الإثنين لأربع بقين من جمادى الآخرة، وصلّى عليه أبو أحمد بن المتوكل في الشارع المنسوب إلى أبي أحمد، ودفن في داره (٢).
وفيها في جمادى الآخرة وافى الأهواز دُلف بن عبد العزيز بن أبي دُلف
стр. 5774
بتوجيه والده عبد العزيز إيَّاه إليها وجنْدَيْ سابور وتُسْتَر، فجباها مئتي ألف دينار ثم انصرف.
وفي شهر رمضان منها شخص نوشرى إلى مُساور الشاري فلقيَه وهزمه، وقتل من أصحابه جماعة كثيرة.
وحجّ بالناس في هذه السنة عليّ بن الحسين بن إسماعيل بن العباس بن محمد (١).
ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من دخول مُفْلِح طبَرستان ووقْعة كانت بينه وبين الحسن بن زيد الطالبيّ، هزم فيها مُفْلح الحسنَ بن زيد فلحق بالدّيلم، ثم دخل مفلح آمُل، وأحرق منازل الحسن بن زيد، ثم توجّه نحو الديلم في طلب الحسن بن زيد (٢).
* * * *
[ذكر خبر استيلاء يعقوب بن الليث على كرمان] (٣)
وفيها كانت وقعة بين يعقوب بن الليث وطوق بن المغلِّس خارج كِرْمان أسر فيها يعقوب طوقًا؛ وكان السبب في ذلك - فيما ذكر - أنّ عليّ بن الحسين بن قُرَيش بن شِبْل كتب إلى السلطان يخطُب كِرْمان - وكان قَبْل من عمّال آل طاهر - وكتب يذكر ضعف آل طاهر وقلة ضبطهم، بما إليهم من البلاد، وأنّ يعقوب بن الليث قد غلبهم على سجستان، وتباطأ على السلطان بتوجيه خراج فارس؛ فكتب السلطان إليه بولاية كِرْمان، وكتب إلى يعقوب بولايتها يلتمس بذلك إغراءَ كلِّ واحد منهما بصاحبه ليسقط مؤنة الهالك منهما عنه ويتفرّد بمُؤْنة الآخر؛ إذ كان كلّ واحد منهما عنده حربًا له وفي غير طاعته؛ فلما فعل ذلك بهما زحف يعقوب بن الليث من سِجِسْتان يريد كِرْمان، ووجّه عليّ بن الحسين طوق بن
стр. 5775
المغلّس وقد بلغه خبر يعقوب وقصده كِرْمان في جيش عظيم من فارس، فصار طوق بكِرْمان، وسبق يعقوب إليها فدخلها، وأقبل يعقوب من سِجِسْتان، فصار من كِرْمان على مرحلة.
فحدثني مَنْ ذكر أنه كان شاهدًا أمرهما، أن يعقوب بَقيَ مقيمًا في الموضع الذي أقام به من كِرْمان على مرحلة لا يرتحل عنه شهرًا أو شهرين، يتجسّس أخبار طَوْق؛ ويسأل عن أمره كلّ من مَرّ به خارجًا من كِرْمان إلى ناحيته، ولا يَدَع أحدًا يجوز عسكره من ناحيته إلى كِرْمان، ولا يزحف طَوْقٌ إليه ولا هو إلى طَوْق، فلما طال ذلك من أمرهما كذلك أظهر يعقوب الارتحال عن معسكره إلى ناحية سِجِسْتان، فارتحل عنه مرحلة، وبلغ طوْقًا ارتحالُه، فظنّ أنه قد بدا له في حربه، وترك عليه كِرْمان وعلى عليّ بن الحسين؛ فوضع آلة الحرْب وقعد للشرب، ودعا بالملاهي، ويعقوب في كلّ ذلك لا يغفل عن البحث عن أخباره؛ فاتصل به ووضع طوْق آلة الحرب وإقباله على الشراب واللهو بارتحاله، فكرّ راجعًا، فطوى المرحلتيْن إليه في يوم واحد، فلم يشعر طوْق وهو في لهوه وشربه في آخر نهاره إلَّا بغَبَرة قد ارتفعت من خارج المدينة التي هو فيها من كِرْمان، فقال لأهل القرية: ما هذه الغَبرة؟ فقيل له: غَبَرة مواشي أهل القرية منصرفة إلى أهلها، ثم لم يكن إلَّا كلا ولا؛ حتى وافاه يعقوب في أصحابه، فأحاط به وبأصحابه، فذهب أصحاب طوق لمّا أحيط بهم يريدون المدافعة عن أنفسهم، فقال يعقوب لأصحابه: أفرِجوا للقوم، فأفرَجوا لهم، فمرُّوا هاربين على وجوههم، وخلَّوْا كلَّ شيء لهم مما كان معهم في معسكرهم، وأسر يعقوب طَوْقًا (١).
فحدثني ابنُ حماد البربريّ أن عليّ بن الحسين لمّا وَجّه طوقًا حمّله صناديق في بعضها أطواقه وأسورة ليطوّق ويسوّر من أبلى معه من أصحابه، وفي بعضها أموال ليجيز من استحقّ الجائزة منهم، وفي بعضها قيود وأغلال ليقيّد بها مَنْ أخذ من أصحاب يعقوب؛ فلما أسَر يعقوب طَوقًا ورؤساء الجيش الذين كانوا معه أمر بحيازة كلّ ما كان مع طَوْق وأصحابه من المال والأثاث والكُراع والسلاح، فحيزَ
стр. 5776
ذلك كله، وجُمع إليه؛ فلما أتِيَ بالصنادق أتِيَ بها مقفلَة، فأمر ببعضها أن يُفتح، ففتح فإذا فيه القيود والأغلال فقال لطَوْق: يا طَوْق؛ ما هذه القيود والأغلال؟ قال: حمّلنِيها عليّ بن الحسين لأقتد بها الأسرى وأغلّهم بها، فقال: يا فلان، انظر أكبرها وأثقلها فاجعله في رجلْي طَوْق وغُلّه بغُلّ، ثم جعل يفعل مثل ذلك بمن أسر من أصحاب طوق، قال: ثمّ أمر بصناديق أخَر ففتحت؛ فإذا فيها أطوقة وأسورة، فقال: يا طوْق، ما هذه؟ قال: حمّلنِيها عليّ لأطوَّق بها وأسوَّر أهل البلاء من أصحابي، قال؛ يا فلان؛ خذ من ذلك طَوْق كذا وسوار كذا، فطوَّق فلانًا وسوّره، ثم جعل يفعل ذلك بأصحاب نفسه حتى طوّقهم وسوَّرهم، ثم جعل يفعل كذلك بالصناديق، قال: ولما أمر يعقوب بمدّ يد طوق ليضعها في الغلّ، إذا على ذراعه عصابة، فقال له: ما هذا يا طوق؟ قال: أصلح الله الأمير! إني وجدت حرارة ففصدتها، فدعا بعض من معه فأمر بمدّ خفه من رجله ففعل ذلك، فلما نزعه من رجله تناثر من خُفِّه كسر خبز يابسة، فقال: يا طوْق هذا خفِّي لم أنزعه من رجلي منذ شهرين، وخبزي في خفِّي منه آكل لا أطأ فراشًا، وأنت جالس في الشرب والملاهي! بهذا التدبير أردت حربي وقتالي!
فلمَّا فرغ يعقوب بن الليث من أمر طَوْق دخل كِرْمان، وحازها وصارت مع سِجِسْتان من عمَله (١).
* * *
[ذكر خبر دخول يعقوب بن الليث فارس] (١)
وفيها دخل يعقوب بن الليث فارس وأسر عليّ بن الحسين بن قريش.
* ذكر الخبر عن سبب أسره إياه وكيف وصل إليه:
حدَّثني ابن حمّاد البربريّ، قال: كنتُ يومئذ بفارس عند عليّ بن الحسين بن قريش، فورد عليه خبر وقْعة يعقوب بن الليث بصاحبه طَوْق بن المغلِّس ودخول
стр. 5777
يعقوب كرْمان واستيلائه عليها، ورجع إليه الفَلّ، فأيقن بإقبال يعقوب إلى فارس؛ وعليّ يومئذ بشِيراز من أرض فارس، فضمّ إليه جيشه ورجّالة الفلّ من عند طَوْق وغيرهم، وأعطاهم السلاح، ثم برز من شِيراز، فصار إلى كُرّ خارج شيراز بين آخر طرفه عرضًا ممّا يلي أرض شِيراز، وبين عَرْض جبل بها من الفضاء قدرُ ممرّ رجل أو دابة، لا يمكن من ضيقه أن يمرّ فيه أكثر من رجل واحد، فأقام في ذلك الموضع، وضرب عسكره على شطّ ذلك الكُرّ مما يلي شِيراز، وأخرج معه المتسوّقة والتجار من مدينة شِيراز إلى مُعسكره، وقال: إن جاء يعقوب لم يجد موضعًا يجوز الفلاة إلينا؛ لأنه لا طريق له إلَّا الفضاء الذي بين الجبل والكرّ؛ وإنما هو قدر ممرّ رجل؛ إذا أقام عليه رجل واحد منع من يريد أن يجوزه، وإن لم يقدر أن يجوز إلينا بقي في البرّ بحيث لاطعام له ولا لأصحابه ولا علَف لدوابهم.
قال ابن حماد: فأقبل يعقوب حتى قَرُب من الكُرّ، فأمر أصحابه بالنزول أوّل يوم على نحو من ميل من الكُرّ مما يلي كِرْمان، ثم أقبل هو وحده وبيده رمح عُشارِيّ؛ يقول ابن حماد: كأني أنظر إليه حين أقبل وحدَه على دابته، ما معه إلَّا رجل واحد، فنظر إلى الكُرّ والجبل والطريق، وقرب من الكرّ، وتأمل عسكر عليّ بن الحسين، فجعل أصحاب علي يشتمونه؛ ويقولون: لنردنّك إلى شَعْب المراجل والقماقم، يا صفّار - وهو ساكت لا يردّ عليهم شيئًا - قال: فلمّا تأمل ما أراد من ذلك ورآه، انصرف راجعًا إلى أصحابه: قال: فلمّا كان من الغد عند الظهر أقبل بأصحابه ورجاله حتى صار على شطّ كُرّ مما يلي بَرّكِرمان، فأمر أصحابه فنزلوا عن دوابهم، وحطُّوا أثقالهم، قال: ثم فتح صندوقًا كان معه.
قال ابن حماد: كأني أنظرُ إليهم وقد أخرجوا كلبًا ذئبيًّا، ثم ركبوا دوابّهم أعراء، وأخذوا رماحهم بأيديهم، قال: وقبل ذلك كان قد عبّأ عليّ بن الحسين أصحابَه، فأقامهم صفوفًا على الممرّ الذي بين الجبل والكُرّ؛ وهم يرون أنه لا سبيل ليعقوب، ولا طريق له يمكنه أن يجوزه غيره. قال: ثم جاؤوا بالكلب، فرموا به في الكُرّ، ونحن وأصحاب عليٍّ ينظرون إليهم يضحكون منهم ومنه، قال: فلما رموا بالكلب فيه، جعل الكلب يسبَحُ في الماء إلى جانب عسكر عليّ بن الحسين، وأقحم أصحاب يعقوب دوابّهم خلْف الكلب، وبأيديهم
стр. 5778
رماحُهم، يسيرون في أثر الكلب، فلما رأى عليّ بن الحسين أن يعقوب قد قطع عاقة الكُرّ إليه وإلى أصحابه، انتقض عليه تدبيرُه، وتحيّر في أمره؛ ولم يلبث أصحاب يعقوب إلَّا أيسر ذلك حتى خرجوا من الكُرّ من وراء أصحاب عليّ بن الحسين؛ فلم يكن بأسرع من أن خرج أوائلهم منه حتى هرب أصحاب عليّ يطلبون مدينة شيراز، لأنهم كانوا يصيرون إذا خرج أصحاب يعقوب من الكرّ بين جيش يعقوب وبين الكُرّ، ولا يجدون ملجأ إن هُزموا، وانهزم عليّ بن الحسين بانهزام أصحابه؛ وقد خرج أصحاب يعقوب من الكُرّ، فكبتْ به دابته، فسقط إلى الأرض ولحقه بعض السِّجْزيّة فهمَّ عليه بسيفه ليضرَبه؛ فبلغ إليه خادم له، فقال: الأمير. فنزل إليه السجزيّ، فوضع في عنقه عمامته، ثم جرّه إلى يعقوب، فلما أتى به أمر بتقييده، وأمر بما كان في عسكره من آلة الحرب من السلاح والكُراع وغير ذلك، فجُمع إليه، ثم أقام بموضعه حتى أمسى، وهجم عليه القيل، ثم رحل من موضعه، ودخل مدينة شِيراز ليلًا وأصحابه يضربون بالطّبول، فلم يتحرّك في المدينة أحد، فلمّا أصبح أنهب أصحابه دار عليّ بن الحسين ودور أصحابه؛ ثم نظر إلى ما اجتمع في بيت المال من مال الخرَاج والضِّياع، فاحتمله ووضع الخراج، فجباه، ثم شخص منها متوجِّهًا إلى سِجِستان، وحمل معه ابن قريش ومَنْ أسِرْ معه.
* * *
وفيها وجّه يعقوب بن الليث إلى المعتزّ بدوابّ وبُزاة ومِسْك هديّةً.
وفيها وليَ سليمان بن طاهر شرطة بغداد والسواد، وذلك لست خلون من شهر ربيع الآخر، وكانت موافاته سامُرّا من خُراسان - فيما ذكر - يوم الخميس لثمان خَلْون من شهر ربيع الأوّل، وصار إلى الإيتاخية، ثم دخل على المعتزّ يوم السبت، فخلع عليه وانصرف.
وفيها كانت وقعة بين مساور الشاري ويارجوخ، فهزمه الشاري وانصرف إلى سامُرّا مفلولًا.
ومات المعلِّي بن أيوب في شهر ربيع الآخر منها.
* * *
стр. 5779
[ذكر فعل صالح بن وصيف مع أحمد بن إسرائيل ورفيقيه] (١)
وفيها أخذ صالح بن وصيف أحمد بن إسرائيل والحسن بن مخْلد وأبا نوح عيسى بن إبراهيم فقيَّدهم، وطالبهم بأموال؛ وكان سبب ذلك - فيما ذكر - أن هؤلاء الكتّاب الذين ذكرتُ كانوا اجتمعوا يوم الأربعاء لليلتين خَلَتَا من جمادى الآخرة من هذه السّنة على شراب لهم يشربونه، فلمّا كان يوم الخميس غد ذلك اليوم، ركب ابن إسرائيل في جَمْع عظيم إلى دار السلطان التي يَقْعُد فيها، وركب ابن مخْلد إلى دار قَبيحة أمّ المعتزّ - وهو كاتبها - وحضر أبو نوح الدّار، والمعتز نائم؛ فانتبه قريبًا من انتصاف النهار، فأذن لهم، فحمل صالح بن وصيف على أحمد بن إسرائيل، وقال للمعتزّ: يا أمير المؤمنين؛ ليس للأتراك عطاء ولا في بيت المال مالٌ، وقد ذهب إلى إسرائيل وأصحابه بأموال الدنيا، فقال له أحمد: يا عاصي يا بن العاصي! ثم لم يزالا يتراجعان الكلام حتى سقط صالح مغشيًّا عليه، فرُشّ على وجهه الماء، وبلغ ذلك أصحابه وهم على الباب، فصاحوا صيحةً واحدة، واخترطُوا سيوفَهم، ودخلوا على المعتزّ مُصْلِتين؛ فلما رأى ذلك المعتزّ دخل وتركهم، وأخذ صالح بن وصيف ابنَ إسرائيل وابنَ مخلد وعيسى بن إبراهيم فقيّدهم، وأثقلهم بالحديد، وحملهم إلى داره، فقال المعتزّ لصالح قبل أن يحملهم: هَبْ لي أحمد؛ فإنه كاتبي؛ وقد ربّاني؛ فلم يفعل ذلك صالح، ثم ضرب ابن إسرائيل؛ حتى كسرت أسنانُه، وبطح ابن مخْلد فضُرِب مئة سوط؛ وكان عيسى بن إبراهيم محتجِمًا فلم يزل يُصفع حتى جرَت الدماء من محاجمه؛ ثم لم يُتركوا حتى أخِذت رقاعهم بمالٍ جليل قُسّط عليهم.
وتوجّه قوم من الأتراك إلى إسكاف ليأتوا بجعفر بن محمود، فقال المعتزّ: أمّا جعفر فلا أرَبَ لي فيه ولا يعمل لي، فمضوا، فبعث المعتزّ إلى أبي صالح عبد الله بن محمد بن يزداد المروزيّ، فحمِل ليصيّره وزيرًا، وبعث إلى إسحاق بن منصور، فأشخص وبعثت قبيحة إلى صالح بن وصيف في ابن إسرائيل: إمّا حملتَه إلى المعتزّ وإما ركبتُ إليك فيه.
стр. 5780
وقد ذُكر أنّ السبب في ذلك كان أنّ الأتراك طلبوا أرزاقَهم، وأنهم جعلوا ذلك سببًا لما كان من أمرهم، وأنّ الرسلَ لم تزل تختلف بينهم وبين هؤلاء الكتّاب؛ إلى أن قال أبو نوح لصالح بن وصيف: هذا تدبيرك على الخليفة، فغُشِيَ على صالح حينئذ مما داخله من الحرَد والغَيْظ حتى رشُّوا على وجهه الماء، فلمّا أفاق جرى بين يدي المعتزّ كلام كثير، ثم خرجوا إلى الصلاة، وخلا صالح بالمعتزّ، ثم دُعِيَ بالقوم فلم يلبثوا إلا قليلًا، حتى أخرِجوا إلى قُبّة في الصحن؛ ثم دُعِي بأبي نوح وابن مخلد فأخذت سيوفُهما وقلانسهما ومُزِّقت ثيابهما، ولحقهما ابن إسرائيل فألقى نفسه عليهما؛ فثُلّث به؛ ثم أخرجوا إلى الدهليز وحُمِلوا على الدواب والبغال، وارتدف خلف كلّ واحد منهم تركيّ، وبعث بهم إلى دار صالح على طريق الحيْر، وانصرف صالح بعد ساعة، وتفرّق الأتراك، فانصرفوا، فلما كان بعد ذلك بأيام جُعل في رجْل كلّ واحد منهم ثلاثون رطلًا، وفي عنق كل واحد منهم عشرون رطلًا من حديد، وطولبوا بالأموال، فلم يُجب واحد منهم إلى شيء، ولم ينقطع أمرُهم إلى أن دخل رجب؛ فوُجّهوا في قبض ضياعهم ودورهم وضياع أسبابهم وأموالهم، وسُمّوا الكتّاب الخونة، فقدم جعفر بن محمود يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة فوليَ الأمر والنهي.
* * *
ولليلتين خَلَتَا من رجب ظهر بالكوفة عيسى بن جعفر وعليّ بن زيد الحسنيّان، فقتلا بها عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى (١).
* * *
[ذكر الخبر عن خلع المعتزّ ثم موته] (٢)
ولثلاث بقين من رجب منها خُلع المعتزّ، ولليلتين خلتا من شعبان أظهِر