← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.

стр. 5776

ذلك كله، وجُمع إليه؛ فلما أتِيَ بالصنادق أتِيَ بها مقفلَة، فأمر ببعضها أن يُفتح، ففتح فإذا فيه القيود والأغلال فقال لطَوْق: يا طَوْق؛ ما هذه القيود والأغلال؟ قال: حمّلنِيها عليّ بن الحسين لأقتد بها الأسرى وأغلّهم بها، فقال: يا فلان، انظر أكبرها وأثقلها فاجعله في رجلْي طَوْق وغُلّه بغُلّ، ثم جعل يفعل مثل ذلك بمن أسر من أصحاب طوق، قال: ثمّ أمر بصناديق أخَر ففتحت؛ فإذا فيها أطوقة وأسورة، فقال: يا طوْق، ما هذه؟ قال: حمّلنِيها عليّ لأطوَّق بها وأسوَّر أهل البلاء من أصحابي، قال؛ يا فلان؛ خذ من ذلك طَوْق كذا وسوار كذا، فطوَّق فلانًا وسوّره، ثم جعل يفعل ذلك بأصحاب نفسه حتى طوّقهم وسوَّرهم، ثم جعل يفعل كذلك بالصناديق، قال: ولما أمر يعقوب بمدّ يد طوق ليضعها في الغلّ، إذا على ذراعه عصابة، فقال له: ما هذا يا طوق؟ قال: أصلح الله الأمير! إني وجدت حرارة ففصدتها، فدعا بعض من معه فأمر بمدّ خفه من رجله ففعل ذلك، فلما نزعه من رجله تناثر من خُفِّه كسر خبز يابسة، فقال: يا طوْق هذا خفِّي لم أنزعه من رجلي منذ شهرين، وخبزي في خفِّي منه آكل لا أطأ فراشًا، وأنت جالس في الشرب والملاهي! بهذا التدبير أردت حربي وقتالي! فلمَّا فرغ يعقوب بن الليث من أمر طَوْق دخل كِرْمان، وحازها وصارت مع سِجِسْتان من عمَله (١). * * * [ذكر خبر دخول يعقوب بن الليث فارس] (١) وفيها دخل يعقوب بن الليث فارس وأسر عليّ بن الحسين بن قريش. * ذكر الخبر عن سبب أسره إياه وكيف وصل إليه: حدَّثني ابن حمّاد البربريّ، قال: كنتُ يومئذ بفارس عند عليّ بن الحسين بن قريش، فورد عليه خبر وقْعة يعقوب بن الليث بصاحبه طَوْق بن المغلِّس ودخول

стр. 5777

يعقوب كرْمان واستيلائه عليها، ورجع إليه الفَلّ، فأيقن بإقبال يعقوب إلى فارس؛ وعليّ يومئذ بشِيراز من أرض فارس، فضمّ إليه جيشه ورجّالة الفلّ من عند طَوْق وغيرهم، وأعطاهم السلاح، ثم برز من شِيراز، فصار إلى كُرّ خارج شيراز بين آخر طرفه عرضًا ممّا يلي أرض شِيراز، وبين عَرْض جبل بها من الفضاء قدرُ ممرّ رجل أو دابة، لا يمكن من ضيقه أن يمرّ فيه أكثر من رجل واحد، فأقام في ذلك الموضع، وضرب عسكره على شطّ ذلك الكُرّ مما يلي شِيراز، وأخرج معه المتسوّقة والتجار من مدينة شِيراز إلى مُعسكره، وقال: إن جاء يعقوب لم يجد موضعًا يجوز الفلاة إلينا؛ لأنه لا طريق له إلَّا الفضاء الذي بين الجبل والكرّ؛ وإنما هو قدر ممرّ رجل؛ إذا أقام عليه رجل واحد منع من يريد أن يجوزه، وإن لم يقدر أن يجوز إلينا بقي في البرّ بحيث لاطعام له ولا لأصحابه ولا علَف لدوابهم. قال ابن حماد: فأقبل يعقوب حتى قَرُب من الكُرّ، فأمر أصحابه بالنزول أوّل يوم على نحو من ميل من الكُرّ مما يلي كِرْمان، ثم أقبل هو وحده وبيده رمح عُشارِيّ؛ يقول ابن حماد: كأني أنظر إليه حين أقبل وحدَه على دابته، ما معه إلَّا رجل واحد، فنظر إلى الكُرّ والجبل والطريق، وقرب من الكرّ، وتأمل عسكر عليّ بن الحسين، فجعل أصحاب علي يشتمونه؛ ويقولون: لنردنّك إلى شَعْب المراجل والقماقم، يا صفّار - وهو ساكت لا يردّ عليهم شيئًا - قال: فلمّا تأمل ما أراد من ذلك ورآه، انصرف راجعًا إلى أصحابه: قال: فلمّا كان من الغد عند الظهر أقبل بأصحابه ورجاله حتى صار على شطّ كُرّ مما يلي بَرّكِرمان، فأمر أصحابه فنزلوا عن دوابهم، وحطُّوا أثقالهم، قال: ثم فتح صندوقًا كان معه. قال ابن حماد: كأني أنظرُ إليهم وقد أخرجوا كلبًا ذئبيًّا، ثم ركبوا دوابّهم أعراء، وأخذوا رماحهم بأيديهم، قال: وقبل ذلك كان قد عبّأ عليّ بن الحسين أصحابَه، فأقامهم صفوفًا على الممرّ الذي بين الجبل والكُرّ؛ وهم يرون أنه لا سبيل ليعقوب، ولا طريق له يمكنه أن يجوزه غيره. قال: ثم جاؤوا بالكلب، فرموا به في الكُرّ، ونحن وأصحاب عليٍّ ينظرون إليهم يضحكون منهم ومنه، قال: فلما رموا بالكلب فيه، جعل الكلب يسبَحُ في الماء إلى جانب عسكر عليّ بن الحسين، وأقحم أصحاب يعقوب دوابّهم خلْف الكلب، وبأيديهم

стр. 5778

رماحُهم، يسيرون في أثر الكلب، فلما رأى عليّ بن الحسين أن يعقوب قد قطع عاقة الكُرّ إليه وإلى أصحابه، انتقض عليه تدبيرُه، وتحيّر في أمره؛ ولم يلبث أصحاب يعقوب إلَّا أيسر ذلك حتى خرجوا من الكُرّ من وراء أصحاب عليّ بن الحسين؛ فلم يكن بأسرع من أن خرج أوائلهم منه حتى هرب أصحاب عليّ يطلبون مدينة شيراز، لأنهم كانوا يصيرون إذا خرج أصحاب يعقوب من الكرّ بين جيش يعقوب وبين الكُرّ، ولا يجدون ملجأ إن هُزموا، وانهزم عليّ بن الحسين بانهزام أصحابه؛ وقد خرج أصحاب يعقوب من الكُرّ، فكبتْ به دابته، فسقط إلى الأرض ولحقه بعض السِّجْزيّة فهمَّ عليه بسيفه ليضرَبه؛ فبلغ إليه خادم له، فقال: الأمير. فنزل إليه السجزيّ، فوضع في عنقه عمامته، ثم جرّه إلى يعقوب، فلما أتى به أمر بتقييده، وأمر بما كان في عسكره من آلة الحرب من السلاح والكُراع وغير ذلك، فجُمع إليه، ثم أقام بموضعه حتى أمسى، وهجم عليه القيل، ثم رحل من موضعه، ودخل مدينة شِيراز ليلًا وأصحابه يضربون بالطّبول، فلم يتحرّك في المدينة أحد، فلمّا أصبح أنهب أصحابه دار عليّ بن الحسين ودور أصحابه؛ ثم نظر إلى ما اجتمع في بيت المال من مال الخرَاج والضِّياع، فاحتمله ووضع الخراج، فجباه، ثم شخص منها متوجِّهًا إلى سِجِستان، وحمل معه ابن قريش ومَنْ أسِرْ معه. * * * وفيها وجّه يعقوب بن الليث إلى المعتزّ بدوابّ وبُزاة ومِسْك هديّةً. وفيها وليَ سليمان بن طاهر شرطة بغداد والسواد، وذلك لست خلون من شهر ربيع الآخر، وكانت موافاته سامُرّا من خُراسان - فيما ذكر - يوم الخميس لثمان خَلْون من شهر ربيع الأوّل، وصار إلى الإيتاخية، ثم دخل على المعتزّ يوم السبت، فخلع عليه وانصرف. وفيها كانت وقعة بين مساور الشاري ويارجوخ، فهزمه الشاري وانصرف إلى سامُرّا مفلولًا. ومات المعلِّي بن أيوب في شهر ربيع الآخر منها. * * *

стр. 5779

[ذكر فعل صالح بن وصيف مع أحمد بن إسرائيل ورفيقيه] (١) وفيها أخذ صالح بن وصيف أحمد بن إسرائيل والحسن بن مخْلد وأبا نوح عيسى بن إبراهيم فقيَّدهم، وطالبهم بأموال؛ وكان سبب ذلك - فيما ذكر - أن هؤلاء الكتّاب الذين ذكرتُ كانوا اجتمعوا يوم الأربعاء لليلتين خَلَتَا من جمادى الآخرة من هذه السّنة على شراب لهم يشربونه، فلمّا كان يوم الخميس غد ذلك اليوم، ركب ابن إسرائيل في جَمْع عظيم إلى دار السلطان التي يَقْعُد فيها، وركب ابن مخْلد إلى دار قَبيحة أمّ المعتزّ - وهو كاتبها - وحضر أبو نوح الدّار، والمعتز نائم؛ فانتبه قريبًا من انتصاف النهار، فأذن لهم، فحمل صالح بن وصيف على أحمد بن إسرائيل، وقال للمعتزّ: يا أمير المؤمنين؛ ليس للأتراك عطاء ولا في بيت المال مالٌ، وقد ذهب إلى إسرائيل وأصحابه بأموال الدنيا، فقال له أحمد: يا عاصي يا بن العاصي! ثم لم يزالا يتراجعان الكلام حتى سقط صالح مغشيًّا عليه، فرُشّ على وجهه الماء، وبلغ ذلك أصحابه وهم على الباب، فصاحوا صيحةً واحدة، واخترطُوا سيوفَهم، ودخلوا على المعتزّ مُصْلِتين؛ فلما رأى ذلك المعتزّ دخل وتركهم، وأخذ صالح بن وصيف ابنَ إسرائيل وابنَ مخلد وعيسى بن إبراهيم فقيّدهم، وأثقلهم بالحديد، وحملهم إلى داره، فقال المعتزّ لصالح قبل أن يحملهم: هَبْ لي أحمد؛ فإنه كاتبي؛ وقد ربّاني؛ فلم يفعل ذلك صالح، ثم ضرب ابن إسرائيل؛ حتى كسرت أسنانُه، وبطح ابن مخْلد فضُرِب مئة سوط؛ وكان عيسى بن إبراهيم محتجِمًا فلم يزل يُصفع حتى جرَت الدماء من محاجمه؛ ثم لم يُتركوا حتى أخِذت رقاعهم بمالٍ جليل قُسّط عليهم. وتوجّه قوم من الأتراك إلى إسكاف ليأتوا بجعفر بن محمود، فقال المعتزّ: أمّا جعفر فلا أرَبَ لي فيه ولا يعمل لي، فمضوا، فبعث المعتزّ إلى أبي صالح عبد الله بن محمد بن يزداد المروزيّ، فحمِل ليصيّره وزيرًا، وبعث إلى إسحاق بن منصور، فأشخص وبعثت قبيحة إلى صالح بن وصيف في ابن إسرائيل: إمّا حملتَه إلى المعتزّ وإما ركبتُ إليك فيه.

стр. 5780

وقد ذُكر أنّ السبب في ذلك كان أنّ الأتراك طلبوا أرزاقَهم، وأنهم جعلوا ذلك سببًا لما كان من أمرهم، وأنّ الرسلَ لم تزل تختلف بينهم وبين هؤلاء الكتّاب؛ إلى أن قال أبو نوح لصالح بن وصيف: هذا تدبيرك على الخليفة، فغُشِيَ على صالح حينئذ مما داخله من الحرَد والغَيْظ حتى رشُّوا على وجهه الماء، فلمّا أفاق جرى بين يدي المعتزّ كلام كثير، ثم خرجوا إلى الصلاة، وخلا صالح بالمعتزّ، ثم دُعِيَ بالقوم فلم يلبثوا إلا قليلًا، حتى أخرِجوا إلى قُبّة في الصحن؛ ثم دُعِي بأبي نوح وابن مخلد فأخذت سيوفُهما وقلانسهما ومُزِّقت ثيابهما، ولحقهما ابن إسرائيل فألقى نفسه عليهما؛ فثُلّث به؛ ثم أخرجوا إلى الدهليز وحُمِلوا على الدواب والبغال، وارتدف خلف كلّ واحد منهم تركيّ، وبعث بهم إلى دار صالح على طريق الحيْر، وانصرف صالح بعد ساعة، وتفرّق الأتراك، فانصرفوا، فلما كان بعد ذلك بأيام جُعل في رجْل كلّ واحد منهم ثلاثون رطلًا، وفي عنق كل واحد منهم عشرون رطلًا من حديد، وطولبوا بالأموال، فلم يُجب واحد منهم إلى شيء، ولم ينقطع أمرُهم إلى أن دخل رجب؛ فوُجّهوا في قبض ضياعهم ودورهم وضياع أسبابهم وأموالهم، وسُمّوا الكتّاب الخونة، فقدم جعفر بن محمود يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة فوليَ الأمر والنهي. * * * ولليلتين خَلَتَا من رجب ظهر بالكوفة عيسى بن جعفر وعليّ بن زيد الحسنيّان، فقتلا بها عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى (١). * * * [ذكر الخبر عن خلع المعتزّ ثم موته] (٢) ولثلاث بقين من رجب منها خُلع المعتزّ، ولليلتين خلتا من شعبان أظهِر

стр. 5781

موته؛ وكان سبب خلعه - فيما ذكر - أن الكتَّاب الذي ذكرنا أمرهم، لمَّا فعل بهم الأتراك ما فعلوا، ولم يُقرُّوا لهم بشيء، صاروا إلى المعتزّ يطلبون أرزاقهم، وقالوا له: أعطِنا أرزاقنا حتى نقتُل لك صالح بن وصيف، فأرسل المعتزّ إلى أمه يسألها أن تعطيَه مالًا ليعطيَهم، فأرسلت إليه: ما عندي شيء، فلما رأى الأتراك ومَنْ بسامُرّا من الجند أن قد امتنع الكُتَّاب من أن يُعطوهم شيئًا، ولم يجدوا في بيت المال شيئًا، والمعتزّ وأمه قد امتنعا من أن يَسْمَحا لهم بشيء؛ صارت كلمة الأتراك والفراغنة والمغاربة واحدةً، فاجتمعوا على خَلْع المعتزّ، فصاروا إليه لثلاث بَقِين من رجب؛ فذكر بعض أسباب السلطان أنه كان في اليوم الذي صاروا إليه عند نحرير الخادم في دار المعتز، فلم يَرعْه إلا صياح القوم من أهل الكَرْخ والدُّور، وإذا صالح بن وصيف وبايكباك ومحمد بن بُغا المعروف بأبي نصر، قد دخلوا في السلاح، فجلسوا على باب المنزل الذي ينزله المعتزّ، ثم بعثوا إليه: اخرُج إلينا، فبعث إليهم: إني أخذت الدّواء أمس، وقد أجفلني اثنتي عشرة مرّة؛ ولا أقدر على الكلام من الضعف؛ فإن كان أمرًا لابدّ منه، فليدخل إليّ بعضُكم فَلْيُعْلِمْني وهو يرى أن أمره واقف على حاله، فدخل إليه جماعة من أهل الكَرْخ والدّور من خلفاء القُوّاد، فجرّوا برجْلِه إلى باب الحُجْرة؛ قال: وأحسبهم كانوا قد تناولوه بالضّرْب بالدبابيس، فخرج وقميصه مخرّق في مواضح، وآثار الدم على منكبِه، فأقاموه في الشمس في الدار في وقت شديد الحرّ، قال: فجعلتُ أنظر إليه يرفعُ قدمه ساعة بعد ساعة من حرارة الموضع الذي قد أقيم فيه، قال: فرأيتُ بعضهم يلطمه وهو يتقي بيده، وجعلوا يقولون: اخلعْها، فأدخلوه حجرَة على باب حجرة المعتزّ كان موسى بن بُغا يسكنها حين كان حاضرًا، ثم بعثوا إلى ابن أبي الشوارب، فأحضروه مع جماعة من أصحابه؛ فقال له صالح وأصحابه: اكتبْ عليه كتاب خَلْع، فقال: لا أحسنه؛ وكان معه رجل أصبهانيّ، فقال: أنا أكتب، فكتب وشهدوا عليه وخرجوا، وقال ابن أبي الشوارب لصالح: قد شهدوا أنّ له ولأخته وابنه وأمه الأمان، فقال صالح بكفّه: أي نعم؛ ووكلوا بذلك المجلس وبأمّه نساء يحفظنها.

стр. 5782

فذكر أن قبيحة كانت اتّخذت في الدار التي كانت فيها سَرَبًا، وأنها احتالت هي وقُرْب وأخت المعتز، فخرجوا من السَّرَب، وكانوا أخذوا عليها الطرُق، ومنعوا الناس أن يجوزوا من يوم فعلوا بالمعتزّ ما فعلوا؛ وذلك يوم الإثنين إلى يوم الأربعاء لليلة بقيت من رجب. فذُكر أنه لما خُلع دفع إلى من يعذّبه ومُنِع الطعام والشراب ثلاثة أيام، فطلَب حَسْوةً من ماء البئر، فمنعوه ثم جصّصوا سردابًا بالجِصّ الثخين، ثم أدخلوه فيه، وأطبقوا عليه بابَه، فأصبح ميّتًا. وكانت وفاته لليلتين خَلَتا من شعبان من هذه السنة، فلما مات أشهد على موته بنو هاشم والقواد؛ وأنه صحيح لا أثر فيه، فدُفِن مع المنتصر في ناحية قصر الصّوامع؛ فكانت خلافته من يوم بويع له بسامُرّا إلى أن خُلع أربع سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين يومًا، وكان عمره كلّه أربعًا وعشرين سنة (١) وكان أبيض أسود الشعر كثيفَه، حسن العينين والوجه، ضيّق الجبين، أحمر الوجنتين، حسن الجِسم، طويلًا. وكان مولده بسامُرّا.

стр. 5783

خلافة ابن الواثق المهتدي بالله وفي يوم الأربعاء لليلة بقيت من رَجب من هذه السنة، بويع محمد بن الواثق؛ فسُمِّي بالمهتدي بالله؛ وكان يكنى أبا عبد الله؛ وأمه روميّة؛ وكانت تسمى قُرْب (١). وذكر عن بعض من كان شاهدًا أمرهم، أنّ محمد بن الواثق لم يقْبَل بيعةَ أحد؛ حتى أتيَ بالمعتز فخلع نفسه؛ وأخبَر عن عجزه عن القيام بما أسْنِد إليه، ورغبته في تسليمها إلى محمد بن الواثق؛ وأن المعتزّ مدّ يده فبايع الواثق؛ فسمَّوْه بالمهتدي، ثم تنحّى وبايع خاصّة الموالي. وكانت نسخة الرقعة بخلع المعتزّ نفسه: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أشهد عليه الشهود المسمَّوْن في هذا الكتاب؛ شهدوا أنّ أبا عبد الله بن أمير المؤمنين المتوكل على الله أقرّ عندهم، وأشهدهم على نفسه في صحّةٍ من عقله، وجوازٍ من أمره؛ طائعًا غير مكره، أنه نظر فيما كان تقلّده من أمر الخلافة والقيام بأمور المسلمين؛ فرأى أنه لا يصلحُ لذلك، ولا يكمُل له؛ وأنه عاجز عن القيام بما يجب عليه منها، ضعيف عن ذلك؛ فأخرج نفسَه، وتبرّأ منها، وخلعها من رَقَبته، وخلع نفسه منها، وَبَرأ كلّ من كانت له في عنقه بَيْعة من جميع أوليائه وسائر الناس مما كان له في رقابهم من البيْعة والعهود والمواثيق والأيمان بالطّلاق والعتاق والصَّدَقة والحجّ وسائر الأيمان، وحلَّلهم من جميع ذلك وجعلَهم في سَعَة منه في الدنيا والآخرة، بعد أن تبين له أنّ الصلاح له وللمسلمين في خروجه عن الخلافة والتبرؤ منها، وأشهد على نفسه بجميع ما سمى، ووصف في هذا الكتاب جميع الشهود

стр. 5784

المسمّيْن فيه، وجميع مَنْ حضر؛ بعد أن قرئ عليه حرفًا حرفًا، فأقرّ بفهمه ومعرفته جميع ما فيه طائعًا غير مكره؛ وذلك يوم الإثنين لثلاث بقين من رجب سنة خمس وخمسين ومئتين. فوقّع المعتز في ذلك: "أقرّ أبو عبد الله بجميع ما في هذا الكتاب، وكتب بخطه". وكتب الشهود شهاداتهم: شهد الحسن بن محمد، ومحمد بن يحيى، وأحمد بن جناب، ويحيى بن زكرياء بن أبي يعقوب الأصبهانيّ، وعبد الله بن محمد العامريّ، وأحمد بن الفضل بن يحيى، وحماد بن إسحاق، وعبد الله بن محمد، وإبراهيم بن محمد؛ وذلك يوم الإثنين لثلاث بقين من رجب سنة خمس وخمسين ومئتين. * * * [قيام الشغب ببغداد ووثوب العامة بسليمان بن عبد الله] (١) وفي سلْخ رَجَب من هذه السنة، كان ببغداد شَغَب ووُثوب العامة بسليمان بن عبد الله بن طاهر. * ذكر الخبر عن سبب ذلك وإلى ما آل الأمر إليه: وكان السببُ في ذلك، أنّ الكتاب من محمد بن الواثق ورَد يوم الخميس سلْخ رجب على سليمان ببغداد ببيعة الناس له، وبها أبو أحمد بن المتوكل؛ وكان أخوه المعتزّ سيّره إلى البصرة حين سخط على أخيه من أمه المؤيد؛ فلما وقعت العصبية بالبصرة نقله إلى بغداد؛ فكان مقيمًا بها، فبعث سليمان بن عبد الله بن طاهر وإليه الشرطة يومئذ ببغداد، فأحضره دارَه، وسمع مَنْ ببغداد من الجند والغَوغاء بأمر المعتزّ وابن الواثق، فاجتمعوا إلى باب سليمان، وضجّوا هنالك، ثم انصرفوا على أنه قيل لهم: لم يَرِدْ علينا من الخبر ما نعلم به ما عمل به القوم، فغَدوْا يوم الجمعة على ذلك من الصياح والقَوْل الذي كان قيل لهم يوم الخميس، وصلى الناس في المسجديْن، ودُعِيَ فيهما للمعتزّ، فلما

стр. 5785

كان يوم السبت غدا القوم، فهجموا على دار سليمان، وهتفوا باسم أبي أحمد، ودعوْا إلى بيعته، وخلصوا إلى سليمان في داره، وسألوه أن يريَهم أبا أحمد بن المتوكل، فأظهره لهم، ووعدهم المصير إلى محبَّتهم إن تأخر عنهم ما يحبّون، فانصرفوا عنه بعد أن أكّدُوا عليه في حفظه. وقدم يارجوخ فنزل البَرَدان ومعه ثلاثون ألف دينار لإعطاء الجند ممّن بمدينة السلام، ثم صار إلى الشّماسيّة، ثم غدا ليدخل بغداد؛ فبلغ الناس الخبرُ، فضجّوا وتبادروا بالخروج إليه، وبلغ يارجوخ الخبرُ، فرجع إلى البَرَدان، فأقام بها، وكتب إلى السلطان، واختلفت الكتب حتى وجّه إلى أهل بغداد بمال رضُوا به، ووقعت بيعة الخاصّة ببغداد للمهتدي يوم الخميس لسبع ليالٍ خَلَوْن من شعبان، ودعي له يوم الجمعة لثمانٍ خلوْن من شعبان بعد أن كانت ببغداد فِتْنة، قتل فيها وغرق في دِجْلة قوم، وجرِح آخرون لأن سليمان كان يحفظ داره قوم من الطَّبَرية بالسلاح، فحاربهم أهلُ بغداد في شارع دِجْلة وعلى الجسر؛ ثم استقام الأمر بعد ذلك وسكنوا. * * * [ذكر خبر ظهور قبيحة أم المعتزّ] (١) وفي شهر رمضان من هذه السنة ظهرت قَبيحة للأتراك، ودلَّتْهم على الأموال التي عندها والذخائر والجوهر؛ وذلك أنها - فيما ذُكر - قد قَدّرَت الفتك بصالح، وواطأت على ذلك النَّفر من الكتّاب الذين أوقع بهم صالح؛ فلما أوقع بهم صالح، وعلمت أنهم لم يطووا عن صالح شيئًا من الخبر بسبب ما نالهم من العذاب؛ أيقنت بالهلاك؛ فعملت في التخلّص، فأخرجت ما في الخزائن داخل الجوْسق من الأموال والجواهر وفاخرِ المتاع، فأودعت ذلك كله مع ما كانت أودعت قبل ذلك مما هو في هذا المعنى، ثم لم تأمن المعاجلة إلى ما نزَل بها

стр. 5786

وبابنها، فاحتالت للهرب وجهًا، فحفرت سَرَبًا من داخل القصر من حجرة لها خاصّة ينفذ إلى موضع يفوت التفتيش، فلمّا علمت بالحادثة بادرت من غير تلبّث ولا تلوّم؛ حتى صارت في ذلك السَّرَب، ثم خرجت من القَصْر؛ فلما فرغ الذين شغبوا في أمر ابنها مما أرادوا إحكامَه؛ فصاروا إلى طلبها غير شاكّين في القدرة عليها، وجدوا القصر منها خاليًا، وأمْرَها عنهم مستترًا؛ لا يقفون منه على شيء؛ ولا ما يؤديهم إلى معرفته؛ حتى وقفوا على السَّرَب، فعلموا حينئذ أنهم منه أوتوا فسلكوه؛ وانتهوا إلى موضع لا يُوقف منه على خبر ولا أثر، فأيقنوا بالفَوْت، ثم رجموا الظّنُون؛ فلم يجدوا لها معقلًا أعزّ ولا أمنع إن هي لجأت إليه من حبيبَ حرّة موسى بن بغا التي تزوّجها من جواري المتوكل، فأحالوا على تلك الناحية، وكرهوا التعرّض لشيء من أسبابها، ووضعوا العيون والأرصاد عليها، وأظهروا التوعّد لمن وقفوا على معرفة بأمرها؛ ثم لم يُظهرْهم عليها؛ فلم يزل الأمر منطويًا عنهم؛ حتى ظهرت في شهر رمضان؛ وصارت إلى صالح بن وصِيف، ووسَّطت بينها وبين صالح العطَّارة؛ وكانت تثِق بها؛ وكانت لها أموال ببغداد، فكتبت في حَمْلِها، فاستخرج وحُمِل منها إلى سامُرّا. فذُكِر أنه وافَى سامُرّا يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلَتْ من شهر رمضان من هذه السَّنَة قدر خمسمئة ألف دينار، ووقَعُوا لها على خزائن ببغداد، فوجّه في حملها، فاستخرج وحمل منها، فحمل إلى السلطان من ذلك متاعٌ كثير، وأحيل من ببغداد من الجند والشاكرية المرتزقة بمال عظيم عليه ولم تزل تُباع تلك الخزائن متّصلًا ببغداد وسامُرّا عدّة شهور؛ حتى نفذت. ولم تزل قبيحة مقيمة إلى أن شخص الناس إلى مكة في هذه السنة، فسُيّرت إليها مع رجاء الربابيّ ووحَش مولى المهتدي؛ فذُكِر عمّن سمعها في طريقها وهي تدعو الله على صالح بن وصيف بصوتٍ عالٍ وتقول: اللهم أخز صالح بن وصيف؛ كما هتك ستري، وقتل ولدي، وبدّد شملي، وأخذ مالي، وغرّبني عن بلدي، وركب الفاحشة مني! فانصرف الناس عن الموسم واحتبست بمكة. وذكر أنّ الأتراك لما تحركوا، وثاروا بالمعتزّ أرسلوا إليه يطلبون منه خمسين ألف دينار؛ على أن يقتلوا صالحًا؛ ويستوي لهم الأمر، فأرسل إلى أمه يعلمها

стр. 5787

اضطرابهم عليه، وأنه خائف على نفسه منهم، فقالت: ما عندي مال، وقد وردت لنا سفاتج؛ فلينتظروا حتى نقبض ونعطيَهم؛ فلما قُتل المعتزّ، أرسل صالح إلى رجل جوهريّ، قال الرجل: فدخلت إليه وعنده أحمد بن خاقان؛ فقال: ويحك! هو ذا ترى ما أنا فيه! وكان صالح قد أخافوه وطالبوه بالمال؛ ولم يكن عنده شيء، فقال في: قد بلغني أنّ لقبيحة خزانةً في موضع يرشدك إليه هذا الرجل - وإذا رجلٌ بين يديه - فامض ومعك أحمد بن خاقان؛ فإن أصبتم شيئًا فأثبته عندك، وسلِّمه إلى أحمد بن خاقان، وصِرْ إليّ معه، قال: فمضيت إلى الصُّفوف بحضرة المسجد الجامع؛ فجاء بنا ذلك الرَّجُل إلى دار صغيرة معمورة نظيفة؛ فدخلنا ففتشنا كلّ موضع فيها فلم نجد شيئًا، وجعل ذلك يغلُظ على أحمد بن خاقان، وهو يتهدّد الرجل ويتوعده، ويُغلقاله، وأخذ الرجل فأسًا ينقر به الحيطان يطلب موضعًا قَد سُتر فيه المال؛ فلم يزل كذلك حتى وقع الفأس على مكان في الحائط استدلّ بصوته على أن فيه شيئًا، فهدمه وإذا من ورائه باب، ففتحناه ودخلنا إليه؛ فأدّانا إلى سَرب، وصرنا إلى دار تحت الدار التي دخلناها على بنائها وقسمتها، فوجدنا من المال على رُفوف في أسفاط زهاء ألف ألف دينار، فأخذ أحمد منها ومَن كان معه قدر ثلثمئة ألف دينار، ووجدنا ثلاثة أسفاط: سَفَطًا فيه مقدار مكّوك زمرّد إلا أنه من الزّمرد الذي لم أر للمتوكل مثله ولا لغيره، وسفطًا دونه فيه نصف مكّوك حبّ حبّ كبار، لم أر والله للمتوكل ولا لغيره مثله، وسفطًا دونه فيه مقدار كيلجة ياقوت أحمر لم أر مثله، ولا ظننت أن مثله يكون في الدنيا؛ فقوّمت الجميع على البيع؛ فكانت قيمته ألفي ألف دينار، فحملناه كله إلى صالح؛ فلما رآه جعل لا يصدق ولا يوقنُ حتى أحضر بحضرته ووقف عليه، فقال عند ذلك: فعل الله بها وفعل؛ عرّضت ابنها للقتْل في مقدار خمسين ألف دينار، وعندها مثل هذا في خزانة واحدة من خزائنها! وكانت أم محمد بن الواثق توفِّيت قبل أن يبايعَ؛ وكانت تحت المستعين؛ فلما قُتِل المستعين صيرها المعتزّ في قصر الرُّصافة الذي فيه الحرم، فلما ولي الخلافة المهتدي قال يومًا لجماعة من الموالي: أمّا أنا فليس في أمّ أحتاج لها إلى غلّة عشرة آلاف ألف في كل سنة لجواريها وخدمها والمتصلين بها؛ وما أريد

стр. 5788

لنفسي وولدي إلا القوت، وما أريد فضلًا إلا لإخوتي فإن الضّيقة قد مسّتهم. * * * [ذكر الخبر عن قتل أحمد بن إسرائيل وأبي نوح] (١) ولثلاث بقين من رمضان من هذه السنة قتِل أحمد بن إسرائيل وأبو نوح. * ذكر الخبر عن صفة القِتْلة التي قتلا بها: فأما السبب الذي أدّاهما إلى القتل؛ فقد ذكِرناه قبلُ، وأما القِتْلة التي قُتِلا بها، فإنه ذكر أن صالح بن وصيف لما استصفى أموالهما، ومال الحسن بن مخْلَد، وعذّبهم بالضرب والقَيْد وقرّب كوانين الفحم في شدّة الحرّ منهم، ومنعهم كلّ راحة، وهم في يده على حالهم، ونسبهم إلى أمور عظام من الخيانة، والقصد لذلّ السلطان والحِرْص على دوام الفتن والسعي في شقّ عصا المسلمين، فلم يعارضْه المهتدي في شيء من أمورهم، ولم يوافقه على شيء أنكره من فعلهْ بهم، ثمّ وجّه إليهم الحسن بن سيلمان الدوشابيّ في شهر رمضان، ليتولّى استخراج شيء إن كان زُوِيَ عنه من أموالهم. قال: فأخرِج إليّ أحمد بن إسرائيل، فقلت له: يا فاجر، تظنّ أنّ الله يُمهلك، وأنّ أمير المؤمنين لا يستحِلّ قتلك؛ وأنت السببُ في الفتن، والشريك في الدماء مع عظيم الخيانة وفساد النية والطويّة! إنّ في أقلّ من هذا ما تستوجب به المُثْلة كما استوجب من كان قبلك، والقتل في العاجلة والعذاب والخزي في الآجلة، إن لم تسعدَ من الله بعفو، وإمهال، ومن إمامك بصفح واحتمال؛ فاستر نفسَك من نزول ما تستحقّ بالصدق عما عندك من المال؛ فإنك إن تفعل ويوقَف على صدقك تسلم بنفسك، قال: فذكر أنه لا شيء عنده، ولا تُرِك له إلى هذا الوقت مال ولا عُقْدة، قال: فدعوتُ بالمقارع وأمرت أن يقامَ في الشمس، وأرعدتُ وأبرقتُ وإن كان ليفوتني الظفر منه بشيء من صَرامة ورُجْلة حتى أومَى إلى قدر تسعة عشر ألف دينار؛ فأخذت رقعته بها. قال: ثمّ أحضرت أبا نوح عيسى بن إبراهيم فقلت له مثل الذي قلت لأحمد أو

стр. 5789

نحوه، وزدت في ذلك بأن قلت: وأنت مع هذا مقيم على دينك النصرانية، مرتكب فروج المسلمات تشفِّيًا من الإسلام وأهله! ولا دلالة أدلّ على ذلك ممن لم يزل في منزلك على حالِ النصرانية من أهلٍ وولدٍ، ومَن كان ذا عَقْدهُ فقد أباح الله دمه. قال: فلم يُجب إلى شيء، وأظهر ضعفًا وفقرًا. قال: وأما الحسن بن مَخْلد فأخرجتُه؛ فلما خاطبته خاطبت رجلًا موضَّعًا رخوًا، قال: فبكَّتُّه بما ظهر منه، وقلت: مَنْ كان له الراضة بين يديه إذا سار على الشهاريّ وقدّر ما قدّرت، وأراد ما أردت، لم يكن موضَّعًا رطبًا ولا مخنَّثًا رخوًا، قال: ولم أزل به حتى كتب رقعة بجوهر قيمته نَيّف وثلاثون ألف دينار؛ قال: وردّوا جميعًا إلى موضعهم؛ وانصرفت. فكانت مناظرة الحسن بن سليمان الدوشابيّ لهم آخر مناظرة كانت معهم؛ ولم يناظروا أيام المهتدي فيما بلغني مناظرة غيرها. فلما كان يوم الخميس لثلاث بقين من شهر رمضان أخرِج أحمد بن إسرائيل وأبو نوح عيسى بن إبراهيم إلى باب العامة، فقعد صالح بن وصيف في الدار، ووكّل بضربِهما حمّاد بن محمد بن حماد بن دَنْقَش، فأقام أحمد بن إسرائيل وابن دَنْقَش يقول: أوجع، وكان كلّ جلّاد يضربه سوطين ويتنحّى حتى وفّوْه خمسمئة سوط، ثم أقاموا أبا نوح أيضًا فضُرب خمسمئة سوط ضربَ التّلف، ثم حُمِلا على بغلين من بغال السّقائين على بطونهما، منكّسةً رؤوسهما، ظاهرة ظهورهما للناس، فأما أحمد فحين بلغ خشبةَ بابك مات، وحين وصلوا بأبي نوح مات؛ فدفن أحمد بين الحائطين، ويقال إن أبا نوح مات من يومه في حبس السرخسيّ خليفة طلمجور على شُرَط الخاصّة، وبقي الحسن بن مَخْلَد في الحبس. وذُكِر عن بعض من حضر أنه قال: لقد رأيت حمّاد بن محمد بن حماد بن دَنقش وهو يقول للجلادين: أنفسَكم يا بني الفاعلة - لا يكني - ويقول: أوجعوا وغيّروا السياط، وبدّلوا الرّجال، وأحمد بن إسرائيل وعيسى يستغيثان؛ فذكر أن المهتدي لمّا بلغه ذلك قال: أمَا عقوبة إلا السوط أو القتل! أما يقوم مقام هذا شيء! أما يكفي! إنا لله وإنا إليه راجعون، يقول ذلك ويسترجع مرارًا.

стр. 5790

وذكر عن الحسن بن مَخْلَد أنه قال: لم يكن الاْمر فينا عند صالح إذا لم يحضره عبد الله بن محمد بن يَزْدَاد على ما كان يكون عليه من الغلظة إذا حضر، قال: وكان يقول لصالح: اضرب وعذّب فإنّ الأصلح من وراء ذلك القتل؛ فإنهم إن أفلتوا لم تؤمَن بوائقهم في الأعقاب؛ فضلًا عن الواترين؛ ويذكره قبيحَ ما بلغه عنهم، وكان يسرّ بذلك. قال: وكاد داود بن [أبي] العباس الطوسيّ يحضرنا عند صالح فيقول: وما هؤلاء أعزّك الله، فبلغ منك الغضب بسببهم هذا المبلغ! فظنه يرقّقه علينا حتى يقول: على إني والله أعلم إن تخلصوا إنتشر منهم شرٌّ كبير وفساد في الإسلام عظيم؛ فينصرف وقد أفتاه بقتلنا، وأشار عليه بإهلاكنا؛ فيزداد برأيه وما قال له علينا غيظًا، وإلى الإِساءة بنا أنسًا، فسُئل بعض من كان يخبر أمرهم: كيف نجا الحسن بن مَخْلَد مما صَلِيَ به صاحباه؟ فقال: بخصلتين؛ إحداهما أنه صَدقه عن الخبر في أوّل وهلة وأوجد الدَّلائل على ما قاله له إنه حقّ؛ وقد كان وعَده العفو إن صدَقه، وحلف له على ذلك، والأخرى أنّ أمير المؤمنين كلمه فيه وأعلمه حرمة أهله به، وأومأ إلى محبته لإصلاح شأنه، فردّه عن عظيم المكروه فيه، وقد كنت أرى أنه لو طالت لصالح مدّة وهو في يده، أطلقه واصطنعه، ولم يكن صالح بن وصيف اقتصر في أمر الكتاب على أخذ أموالهم وأموال أولادهم، حتى أخاف أسبابهم وقراباتهم بأخذ أموالهم، وتخطّى إلى المتصلين بهم. * * * [شغب الجند والعامة ببغداد وولاية سليمان بن عبد الله بن طاهر عليها] ولثلاث عشرة خلت من شهر رمضان منها فتح السجن ببغداد، ووثبت الشاكرية والنائبة ببغداد من جندها بمحمد بن أوس البلخيّ: * ذكر الخبر عن سبب ذلك وما آل الأمر إليه فيه: ذكر أنَّ السبب في ذلك كان أنّ محمد بن أوس، قدِم بغداد مع سليمان بن عبد الله بن طاهر وهو على الجيش القادمين من خُراسان مع سليمان والصعاليك

стр. 5791

الذين تألّفهم سليمان بالرّيّ، ولم تكن أسماؤهم في ديوان السلطان بالعراف، ولا أمِر سُليمان فيهم بشيء؛ وكانت السنّة فيهم أن يقام لمن قدم معه من خراسان بالعراق حسب ما يُقام بخُراسان لنظرائهم من مال ضياع وَرَثة ذي اليمينين ويكتب بذلك إلى خُراسان ليُعارض الوَرثة هناك من مال العامة" بدل ما كان دُفع من مالهم بالعراق، فلما قدم سُليمان بن عبد الله العراق، وجد بيت مال الوَرَثة فارغًا وعبيد الله بن عبد الله بن طاهر قد تقدّم عندما صحّ عنده من الخبر بتصيير الأمر فيما كان يتوّلاه إلى أخيه سليمان بن عبد الله؛ فأخذ ما كان حاصلًا لورثة أبيه وجدّه في بيت مالهم، واستسلف على ما لم يرتفع، وتعجّل من المتقبّلين أموال نجوم لم تحلّ حتى استنظفت ذلك أجمع، وشخص فأقام بالجُوَيْث في شرقيّ دِجْلة، ثم عَبَر حتى صار في غربيّها، فضاقت بسليمان الدّنيا، ولحرّك الشاكرية والجُند في طلب الأرزاق، وكتب سليمان إلى أبي عبد الله المعتزّ بذلك وقدَّر أمر مالهم، وأدخل في المال تقدير القادمين معه؛ ووجّه محمد بن عيسى بن عبد الرحمن الكاتب الخراساني كاتبه في ذلك، فأجيب بعد مناظرات إلى أن سُبِّبَ له على عمال السَّواد مالٌ صودر عليه لطمع مَنْ بمدينة السلام وشِحَنِ السواد لا يقوم بما يجب للنائبة فضلًا عن القادمين مع النائبة؛ فلم يتهيّأ لسُليمان الوصولُ إلى شيء من المال، وقدم ابنُ أوس والصعاليك وأصحابه، فقصّر المال عنه وعمن كان يقدّر وصوله إليه من النائبة، فوقفوا على ذلك وعلى السبب المضرّ بهم فيه، وكان القادمون مع سليمان من الصَّعاليك وغيرهم لما قدِموا بغداد أساؤوا المجاورة لأهلها، وجاهروا بالفاحشة وتعرَّضوا للحُرَم والعبيد والغِلْمان، وعادوْهم لمكانهم من السلطان؛ حتى امتلؤوا عليهم غيظًا وحَنقًا، وقد كان سليمان بن عبد الله وحَرَ على الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم بن مصعب بن رزيق؛ لمكانه من عُبيد الله بن عبد الله [بن طاهر] ونصرته له وكفايته وانصرافه عن سليمان وأسبابه، فلما انصرف الحسين بن إسماعيل إلى بغداد بعقب ما كان يتولّاه لعبيد الله من أمر الجند والشاكرية، فحبس كاتبه في المطبَق وحاجبه في سجن باب الشام، ووكّل بباب الحسين بن إسماعيل جندًا من قِبَل إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم؛ لأنّ سليمان ولَّى إبراهيم ما كان الحسين بن إسماعيل يتولّاه لعبيد الله من أمر جسرَيْ بغداد وطساسيج قطربُلّ ومسكن والأنبار؛ فلما حدث ما حدث من بيعة المهتدي وشَغَب الجند والشاكرية بمدينة

стр. 5792

السلام، ووقعت الحرب في تلك الأيام، شدّ محمد بن أوس على رجل من المراوزة، كان من الشيعة، فضربه في دار سليمان ثلثمئة سوط ضربًا مبرِّحًا، وحبسه بباب الشأم؛ وكان هذا الرّجلُ من خاصة الحسين بن إسماعيل؛ فلمّا حدث هذا الحادث احتيج إلى الحُسين بن إسماعيل، لفضل جَلَدِه وإقدامه فنُحِّىَ من كان ببابه موكّلًا فظهر، فتراجع أصحابُه من غير أمر؛ وقد كانوا فُرّقوا على القوَّاد وضُمّ منهم جمع كبير إلى محمد بن أبي عون القائد؛ فذُكِر أن المضمومين إلى ابن أبي عون لما صاروا إلى بابه، فرّق فيهم من مالهم؛ للرّاجل عشرة دراهم، وللفارس دينارًا؛ فلما رجعوا إلى الحسين رفع ابن أبي عون بذكر ذلك؛ فلم يخرج في ذلك تعيين ولا أمر؛ فلم يزل الحال على هذا والجند والشاكريّة يصيحون في طلب مال البيعة وما بقيَ لهم من مال الطمع المتقدّم، وقد ردّ أمرهم في تَقسيط مالهم، وقبضهم إلى الحسين على ما كان الأمر عليه أيام عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وكان الحسين لا يزال يلقي إليهم ما عليه محمد بن أوس ومَنْ قدم مع سليمان من القَصْد لأخذ أموالهم والفوز بها دونهم؛ حتى امتلأت قلوبهم، فلمّا كان يومُ الجمعة لثلاث عشرة خلتْ من شهر رمضان، اجتمع جماعة من الجند والشاكريّة، ومعهم جماعة من العامة حتى صاروا إلى سجن باب الشأم ليلًا، فكسروا بابه، وأطلقوا في تلك الليلة أكثرَ مَنْ كان فيه، ولم يبقَ فيه من أصحاب الجرائم أحدٌ إلا الضعيف والمريض والمثقَل؛ فكان ممن خرج في تلك الليلة نفرٌ من أهل بيت مساور بن عبد الحميد الشاري، وخرج معهم المروزيّ مضروب محمد بن أوس وجماعة ممن قد لزم السلطانَ إلى أن صاروا إلى قبْضته زُهاء خمسين ألفًا، وأصبح الناس في يوم الجمعة وباب الحبس مفتوح؛ فمَنْ قدر أن يمشيَ مشى، ومَنْ لم يقدر اكترى له ما يركبه؛ وما يمنع من ذلك مانع، ولا يدفع دافع؛ فكان ذلك من أقوى الأمور التي بعثت الخاصّة والعامة على دفع الهيْبة بينهم وبين سليمان بن عبد الله وسُدّ باب السجن بباب الشآم بآجرٍّ وطين؛ ولم يعلم أنه كان لإبراهيم بن إسحاق في هذه الليلة ولا لأحد من أصحابه حركة أصلًا؛ فتحدّث الناس أن الذي جُنِيَ على سجن باب الشأم بمكان المروزيّ الذي ضربه ابن أوس فيه حتى يخلص، ثم لم يمض بعد ذلك خمسة أيام، حتى نافر ابن أوس الحسينَ بن إسماعيل في أمر مال النائبة أراده محمد بن أوس لأصحابه ومنعه الحسين، وتجاريا في ذلك كلامًا غلظ بينهما،

стр. 5793

فخرج محمد متنكرًا؛ فلما كان الغد من ذلك اليوم غدَا محمد بن أوس إلى دار سليمان، وغدا الحسين بن إسماعيل والشاه بن ميكال مولى طاهر، وحضر الناس باب سليمان؛ وكان بين مَنْ حضر من أصحاب ابن أوس وبين النائبة محادثة، علت فيها الأصوات؛ فتبادر أصحابُ ابن أوس والقادمون إلى الجزيرة، وعبر إليهم ابن أوس وولده؛ وتصايح الناس بالسلاح، وخرج الحسين بن إسماعيل والشاه بن ميكال والمظفر بن سيسل في أصحابهم، وصاح الناس بالعامة: مَنْ أراد النَهب فليلحق بنا؛ فقيل: إنه عبر الجسرين من العامة في ذلك الوقت مئة ألف إنسان في الزَّواريق، وتوافَى الجند والشاكرية بالسلاح؛ فوافى أوائل الناس الجزيرة؛ فلم يكن إلّا قدر اللحظة حتى حمل رجل من أهل سَرَخس على الكبير من ولد محمد بن أوس، وطعنه فأرْداه عن شهريّ كان تحته؛ ثم أخذته السيوف فانهزم عنه أصحابه، فلم يعمل أحد منهم شيئًا، وسُلب الجريح وحمل في زورق، حتى عُبِر به إلى دار سليمان بن عبد الله بن طاهر، فألقي هناك. فذكر بعضُ مَنْ حضر سليمانَ، أنه لما رآه اغرورقت عيناه من الدمع، ومهّد له، وأحضِر له الأطباء، ومضى ابن أوس من وجهه إلى منزله؛ وكان ينزل في دار لآل أحمد بن صالح بن شيرزاد بالدّور، مما يلي قصر جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك، وجدّ أهلُ بغداد في آثارهم والموّاد معهم حتى تلقوْهم، فكانت بينهم وقعة بالدور؛ أولها في آخر الساعة الثانية وآخرها في أوّل الساعة السابعة؛ فلم يزالوا يتراشقُون بالنّشاب، ويتطاعنون بالرِّماح، ويتخابطون بالسيوف، وأعان ابنَ أوس جيرانه من أهل سويقة قُطوطا وأصحاب الزَّواريق من ملَّاحي الدور، واشتدَّت الحرب ووجّه أهلُ بغداد يطلبون نفَّاطين من دار سليمان، فذكروا أنّ حاجبه دخل، فأعلمه ذلك؛ فأمر بمنعهم منه؛ وقاتل ابنُ أوس قتالًا شديدًا، فناله جِراحٌ من سهام وطعن، فانهزم وأصحابه؛ وقد كان أخرج حرمه من داره؛ فلم يزل أهلُ بغداد يتبعونهم حتى أخرجوهم من باب الشّماسية، ووصل الناس إلى منزل ابن أوس؛ فانتهبوا جميعَ ما كان فيه؛ فذُكِر أنه انتهب له بقيمة ألفي ألف درهم؛ والمقلِّل يقول: ألف ألف وخمسين ألفًا؛ وأنه انتهب له زُهاء مئة سرأويل مبطّن بسمّور؛ سوى ما كان مبطَّنًا بغيره من الوبَر مما يشاكل ذلك؛ وانتهب له من الفرش الطبريّ الخام والمقصور والمدرج والمقطوع

стр. 5794

ما يكون قيمته ألف ألف درهم؛ وانصرف الناس، فجعل الجند يدخلون دار سليمان، وهم يكثرون ومعهم النهب وهم يصيحون، وما لهم مانع ولا زاجر، وأقام ابنُ أوس ليلتَه تلك بالشَّماسية مع من لحق به من أصحابه، وقد كان أهل بغداد وثبوا بمنازل الصَّعاليك التي كانوا فيها سكَّانًا، فنهبوها، وتعرّضوا لمن كان تخلّف منهم، فتلاحق القومُ هُرّابًا، ولم يبق منهم في اليوم الثاني ببغداد أحد ظاهرًا. فذُكر أنّ سليمان وجّه تلك الليلة إلى ابن أوْس ثيابًا وفرشًا وطعامًا؛ فيقال: إنّ محمدًا قبِله، وقيل: إنه ردّه وأصبح الناس في اليوم الثاني وغَدا الحُسين بن إسماعيل والمظفر بن سيسل إلى دار الشاه بن ميكال، ولحق به وجوهُ الشاكرية والنائبة وغيرهم؛ فأقاموا هناك مُراغمين سليمان بن عبد الله بن طاهر، وخلت دار سليمان فلم يحضرها إلا جُميّعة، فبعث إليهم سليمان مع محمّد بن نصر بن حمزة بن مالك الخُزاعيّ وهو لا يعلم ما عليه عقد القوم يُعلمهم قبح ما ركبوا من محمد بن أوس، وما يجب لمحمد بحُرمته وقديمه، وأنّهم لو أنهوْا إليه ما أنكروا منه لتقدّم في ذلك بما يكفيهم معه الحال التي ركِبوها، فضجّ الشاكريّة الذين حضروا دار الشاه جميعًا وقالوا: لا نرضى بمجاورة ابن أوس ولا بمجاورة أحدٍ من أصحابه ولا من الصعاليك المنضمين إليه؛ وإنهم إن أكرِهوا على ذلك تعاقدوا مباينته، وخلع مَنْ يسومهم إياه، وأحال الشاه بن ميكال والحسين بن إسماعيل والمظفَر بن سيسل على كراهة القوم، فرجع الرَّسول بذلك إلى سليمان، فردّه إليهم بكلام دون ذلك، ووعدهم وقال: أنا أثِق بقولكم وضمانكم دون أيمانكم وعهودِكم، ثمّ استوى جالسًا. وذكر أنه لم يزل مستثقلًا محمد بن أوس ومَنْ لحق به من الصعاليك وغيرهم، عارفًا بسوء رغبتهم ورداءة مذاهبهم، وبسَوْم محمد بن أوس في نفسه خاصّة ومحبّته وشروعه في كلّ ما دعا إلى خلاف وفرقة، وأسبغ هذا المعنى، وكثر فيه حتى خرج به إلى الإغراق فيه؛ إلى أن قال: لقد كنت أدخلُ في قُنوتي في الصلاة طلب الراحة من ابن أوس، ثم التفت إلى محمد بن عليّ بن طاهر، فأمره بالمصير إلى ابن أوس، والتقدّم إليه في العزم على الانصراف إلى خُراسان، وأن

стр. 5795

يعلمَه أنه لا سبيل له إلى الرجوع إلى مدينة السلام؛ ولا إلى تولّي شيء من الأمور التي يتولّاها لسليمان. فلمّا تناهى الخبرُ إلى ابن أوْس رحل من الشّماسيّة فصار في رَقّةِ البرَدان على دجْلَة، فأقام بها أيامًا حتى اجتمع إليه مَنْ تفرّق من أصحابه، ثم رحل فنزل النَّهروان؛ فلم يزل بها مقيمًا، وقد كان كتب إلى بايكباك وصالح بن وصيف يعرِض عليهما نفسه، ويشكو إليهما ما نزل به؛ فلم يجد عندهما شيئًا مما قصد؛ وقد كان محمد بن عيسى بن عبد الرحمن مقيمًا بسامرّا لينجز أمورَ سليمان، وكان كارهًا لابن أوْس، منحرفًا عنه، وكان ابن أوْس مضطرب الأمر لسوء محْضر محمد بن عيسى الكاتب؛ فلما انقطعت عن ابن أوس وأصحابه المادّة، تعبَّثوا بأهل القُرى والسابلة، وأكثروا الغارات والنهب، ورحل حتى نزل النّهروان. فذُكِر عن بعض مَنْ قصدوه لينتهبوه، فذكّرهم المعاد، وخوّفهم الله: أنهم ردّوا عليه أن قالوا له: إن كان النهب والقتل جائزًا في مدينة السلام؛ وهي قبّة الإسلام ودار عز السلطان، فما استنكارُ ذلك في الصحاري والبراري! ثم رحل ابنُ أوس عن النَّهروان بعد أن أثَّر في تلك الناحية آثارًا قبيحة، وأخذ أهلَ البلاد بأداء الأموال، وحمل منها الطعام في السفن في بطن النّهروان إلى إسكاف بني جنيد لبيعه هناك. وكان محمد بن المظفّر بن سيسل بالمدائن، فلمّا بلغه مصيرُ ابنِ أوس إلى النَّهروان صيّر إقامته بالنّعمانية من عمل الزوابي خوفًا على نفسه منه لحضور أبيه كان في يوم الوقعة. فذُكِر عن محمد بن نصر بن منصور بن بسام - وعبرتا ضيعتُه -: أنّ وكيله انصرف عنها هاربًا بعد أن أدّى إلى ابن أوس تحت العذاب وخوف الموت قريبًا من ألف وخمسمئة دينار؛ ولم يزل ابن أوس مقيمًا هناك، يقرّب ويباعد، ويقبض ويبسط، ويشتدّ ويلين، ويرهب؛ حتى أتاه كتاب بايكباك بولاية طريق خراسان من قِبَله، فكان من وقت خروجه من مدينة السلام إلى وقت ورود الكتاب عليه بالولاية شهران وخمسة عشر يومًا. وذُكر عن بعض ولد عاصم بن يونس العِجليّ أن أباه كان يتولّى ضياعًا

стр. 5796

للنوشريّ بناحية طريق خُراسان، وأنه كتب إلى النوشريّ يذكر ما عاين من قُوّة عسكر ابن أوس وظاهر عدتهم، ويشير بأن يذكر ذلك لبايكباك، ويصف خلاء طريق خُراسان من سلطان يتولّاه ويحوط أهلَه وأنّ هذا عسكر مشْحَنٌ بالرّجال والعُدّة والعتاد، مقيم في العمل، وأن النوشري ذكر ذلك لبايكباك، وأشار عليه بتوليته طريق خراسان، وتخفيف المؤنة عن السلطان فقبِل ما أشار به عليه، وأمر بكتُبه فكتبت وولّي طريق خراسان في ذي القعدة من هذه السنة - وهي سنة خمس وخمسين ومئتين - وكان موسى خليفة مساور بن عبد الحميد الشاري مقيمًا بالدَّسكَرة ونواحيها في زهاء ثلثمئة رجل، قد ولّاه مُساور ما بين حُلوان إلى السوس على طريق خُراسان وبطن جُوخى وما قرب ذلك من طساسيج السواد. * * * وفيها أمر المهتدي بإخراج القِيان والمغنين والمغنيات من سامُرّا ونفيهم منها إلى بغداد؛ بعد أمرٍ كان قد تقدّم من قبيحة في ذلك قبل أن ينزل بابنها ما نزل، وأمر بقتل السباع التي كانت في دار السلطان وطَرْد الكلاب وإبطال الملاهي وردّ المظالم، وجلس لذلك للعامة، وكانت ولايته والدّنيا كلها من أرض الإسلام مفتونة. * * * [ذكر خبر استيلاء مفلح على طبرستان ثمّ انصرافه عنها] وفيها شخص موسى بن بغا ومَنْ معه من الموالي وجند السلطان من الرّيّ وانصرف مُفلح عن طبرستان بعد أن دخلها، وهزم الحسن بن زيد، وأخرجه عنها إلى أرض الديلم. * ذكر الخبر عن شخوصه عنها: ذُكر: أنّ السبب في ذلك أن قبيحة أمّ المعتزّ، لمّا رأت من الأتراك اضطرابًا، وأنكرت أمرَهم، كتبت إلى موسى بن بغا تسأله القدومَ إلى ما قِبَلها، وأمّلت وروده عليها قبل حدوث ما حدث عليها وعلى ابنها المعتزّ، فعزم موسى على الانصراف إليها، وكان ورودُ كتابها عليه ومُفلح بطبرستان.

стр. 5797

فكتب موسى إلى مفلح يأمره بالانصراف إليها وهو بالرّيّ، فحدّثني بعض أصحابنا من أهل طَبرستان، أنّ كتاب موسى ورد على مُفلح بذلك، وقد توجّه نحو أرض الدّيْلم في طلب الحسن بن زيد الطالبيّ، فلما ورد عليه الكتابُ انصرف راجعًا إلى حيث توجه منه، فعظم ذلك على قوم كانوا معه من رؤساء أهل طَبَرِستان ممن كان هاربًا قبل مقدم مُفلح عليهم من الحسن بن زيد، لِمَا كانوا قد رجوْا من مقدمه عليهم وكفايتهم أمرَ الحسن بن زيد والرجوع إلى منازلهم وأوطانهم، وذلك أنّ مفلحًا كان يعدُهم اتّباع الحسن بن زيد حيث توجّه حتى يظفر به أو يُخترَم دونه، ويقول لهم - فيما ذكر لي -: لو رميتُ قلنسوتي في أرض الدّيلم ما اجترأ أحد منهم أن يدنُوَ منها، فلما رأى القوم انصرافهَ عن الوجه الذي توجّه له من غير عسكر للحسن بن زيد ولا أحد من الديلم صدّه، سألوه - فيما ذكر لي - عن السبب الذي صَرَفه عما كان يعدُهم به من اتّباع ابن زيد، وجعلوا يكلمونه - فيما أخبرت - وهو كالمسبوت لا يجيبهم بشيء؛ فلما أكثروا عليه قال لهم: ورد عليّ كتاب الأمير موسى بعزمة منه ألّا أضع كتابه من يدي بعد ما يصل إلي حتى أقبِلَ إليه. وأنا مغموم بأمركم؛ ولكن لا سبيل إلى مخالفة الأمير، فلم يتهيّأ الموسى الشخوص من الرّيّ إلى سامرّا حتى وافاه الكتاب بهلاك المعتزّ وقيام المهتدي بعده بالأمر، ففثأه ذلك عمّا كان عزم عليه من الشخوص، لفوته ما قدَّر إدراكه من أمر المعتزّ. ولمّا وردتْ عليه بيعة المهتدي، امتنع أصحابه عليه من بيعته، ثم بايعوا فورد خبر بيعتهم سامُرّا لثلاث عشرة خلت من شهر رمضان من هذه السنة. ثم إنّ المواليَ الذين في عسكر موسى بلغهم ما استخرج صالح بن وصيف من أموال الكتّاب وأسباب المعتزّ والمتوكل، فشحُّوا بذلك على المقيمين بسامُرّا؛ فدعوا موسى إلى الانصراف بهم إلى سامُرّا. وقدم مفلح على موسى بالرّيّ تاركًا طبرستان على الحسن بن زيد، فذكر عن القاشانيّ أنه قال: كتب إليّ ابن أخي من الرّيّ يذكر أنه لقي مفلحًا بالرّيّ، فسأله عن سبب انصرافه فذكر أن الموالي قد أبوا أن يقيموا، وأنهم إذا انصرفوا لم يُغنِ مقامه شيئًا.

стр. 5798

ثم إن موسى افتتح خراج سنة ست وخمسين ومئتين يوم الأحد مستهلّ شهر رمضان سنة ستٍّ وخمسين ومئتين، فاجتنى - فيما ذكر - في يوم الأحد قدر خمسمئة ألف درهم، فاجتمع أهل الرّي، فقالوا، أعزّ الله الأمير! إنك تزعم أنّ الموالي يرجعون إلى سامُرّا لما يقدّرونه من كثرة العطاء هناك، وأنت وأصحابُك في أكثر وأوسع مما القوم هناك فيه؛ فإن رأيتَ أن تسدّ هذا الثغر، وتحتسب في أهله الأجر والثواب، وتلزمنا من خراجنا في خاصِّ أموالنا لمن معك ما ترى أن نحتمله فعلت، فلم يُجبهم إلى ما سألوا فقالوا: أصلح الله الأمير! فإذا كان الأمير عزم على تركنا، والانصراف عنا، فما معنى أخذنا بالخراج لسنة لم نبتدئ بعمارتها؛ وأكثر غلة سنة خمس وخمسين ومئتين؛ التي قد أخذ الأمير خراجها في الصحارى لا يمكننا الوصول إليها إن رحل الأمير عنا! فلم يلتفت إلى شيء مما وصفوه له، وسألوه إياه. واتصل خبرُ انصرافه بالمهتدي، فكتب إليه في ذلك كتبًا كثيرة، لم تؤثر أثرًا، فلما انتهى إليه قفول موسى من الرّيّ، ولم تغن الكتب شيئًا وجَّه رجلين من بني هاشم، يقال لأحدهما: عبد الصمد بن موسى، ويعرف الآخر بأبي عيسى يحيى بن إسحاق بن موسى بن عيسى بن عليّ بن عبد الله بن عباس، وحُمّلا رسالة إلى موسى وإلى من ضمّ عسكره من الموالي، يصدقهم فيها عن الحال بالحضْرة وضيق الأموال بها، وما يُحاذر من ذهاب ما يخلفونه وراء ظهورهم، وغلبة المطالبين عليه واتساع آثارهم إلى ناحية الجبل، فشخص بذلك الهاشميان في جماعة من الموالي [وأتباعهم من الديلم] وأقبل موسى ومن معه، وصالح بن وصيف في ذلك يعظم على المهتدي انصرافه، وينسبه إلى المعصية والخلاف، ويبتهل عليه في أكثر ذلك، ويبرأ إلى الله من فعله. فذكر: أن كتاب صاحب البريد بهَمذَان لمّا ورد على المهتدي بفصُول موسى عنها، رفع المهتدي يديه إلى السماء، ثم قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: اللهمّ إني أبرأ إليك من فعل موسى بن بُغا وإخلاله بالثّغر وإباحته العدوّ؛ فإني قد أعذرت إليه فيما بيني وبينه، اللهم تولّ كيد مَنْ كايد المسلمين، اللهم انصر جيوش المسلمين حيث كانوا، اللهم إني شاخص بنيّتي واختياري إلى حيث نكب

стр. 5799

المسلمون فيه، ناصرًا لهم ودافعًا عنهم، فآجرْني بنيتي إذ عدمتُ صالِحَ الأعوان! ثم انحدرتْ دموعه يبكي. وذكر عن بعض من حضر المهتدي في بعض مجالسه التي يقول فيها هذا القول، وحضره سليمان بن وهب، فقال: أيأمرني أميرُ المؤمنين أن أكتب إلى موسى بما أسمع منه؟ فقال له: نعم، اكتب بما تسمعُ مني؛ وإن أمكنك أن تنقشه في الصخر فافعل. فلقيه الهاشميان في الطريق ولم يُغنيا شيئًا، وضجّ الموالي، وكادوا يثبون بالرّسل، ورد موسى في جواب الرّسالة، يعتذر بتخلّف من معه عن الرجوع إلى قوله دون ورود باب أمير المؤمنين، وأنه إن رام التخلف عنهم لم يأمنهم على نفسه، ويحتجّ بما عاين الرّسل الموجهون إليه. فورد الرسل بذلك، وأوفد مع الرسل موسى وفدًا من عسكره، فوافوا سامرّا لأربع خلوْن من المحرّم سنة ست وخمسين ومئتين. * * * [ذكر الخبر عن مفارقة كنجور عليّ بن الحسين بن قريش] وفي هذه السنة فارق كنجور عليَّ بن الحسين بن قريش، وكان قد نُفيَ أيام المعتز إلى فارس، فوكل به عليّ بن الحسين، وحبسه؛ فلما أراد عليّ بن الحسين محاربَة يعقوب بن الليث أخرجه من الحبس، وضمّ إليه خيلا ورجالًا، فلما انهزم الناس عن عليّ بن الحسين لحق كنجور بناحية الأهواز، فأثّر في ناحية رامهرمز أثرًا، ثم لحق بابن أبي دُلف، فوافاه بهمَذان، وأساء السيرة في أسباب وصيف وضياعه ووكلائه في تلك الناحية، ثم لحق بعد ذلك بعسكر موسى، فلما أقبل موسى فيمنْ ضمه العسكر، بلغ ذلك صالحًا، فكتب عن المهتدي في حمل كنجور إلى الباب مقيّدًا، فأبى ذلك الموالي، ثم لم تزل الكتب تختلف فيه إلى أن نزل العسكر القاطول، ثم ظهر أن صالحًا قعد لمراغمته، وأنّ موسى ترحّل إلى سامرّا على المباينة لصالح ومن مال إليه، ولحق بايكباك بعسكر موسى، وأقام موسى هناك يومين ووجّه المهتدي إليه أخاه إبراهيم لأمه في أمر كنجور يعلِمه أنّ الموالي بسامرا قد أبوْا أن يقارّوا على دخول كنجور، ويأمره بتقييده وحمله إلى مدينة السلام؛ فلم يتهيأ في ذلك ما قدّره صالح، وكان جوابهم

стр. 5800

أن قالوا: إذا دخلنا سامرّا امتثلنا ما أمر به أمير المؤمنين في كنجور وغيره. * * * خروج أَول علويّ بالبصرة وللنصف من شوّال من هذه السنة، ظهر في فُرات البصرة رجل زعم أنه عليّ بن محمد بن أحمد بن عليّ بن عيسى بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وجمع إليه الزَّنج الذين كانوا يكسحون السِّباخَ، ثم عبر دِجلة، فنزل الدِّيناريّ (١). * ذكر الخبر عن أمره والسبب الذي بعثه على الخروج هنالك: وكان اسمه ونسبه - فيما ذُكر - عليّ بن محمد بن عبد الرحيم، ونسبُه في عبد القَيْس، وأمه قرّة ابنة عليّ بن رحيب بن محمد بن حكيم، من بني أسد بن خزيمة، من ساكني قرية من قرى الرّي، يقال لها وَرْزَنين، بها مولده ومنشؤه؛ فذُكر عنه أنه كان يقول: جدّي محمد بن حكيم من أهل الكوفة أحد الخارجين على هشام بن عبد الملك مع زيد بن عليّ بن الحسين، فلما قُتل زيد هرب فلحق بالرّيّ، فلجأ إلى وَرْزَنين، فأقام بها، وإن أبا أبيه عبد الرحيم رجلٌ من عبد القيس، كان مولده بالطالقان، وأنه قدم العراق فأقام بها، واشترى جارية سنديّة، فأولدها محمدًا أباه؛ فهو عليّ بن محمد هذا، وأنه كان متصلًا قبل بجماعة من آل المنتصر؛ منهم غانم الشطرنجيّ وسعيد الصغير ويسُر الخادم؛ وكان منهم معاشه، ومن قوم من أصحاب السلطان وكتّابه يمدحهم ويستميحهم بشعره (٢). ثم إنه شخص - فيما ذُكر - من سامرّا سنة تسع وأربعين ومئتين إلى البحرين، فادّعى بها أنه عليّ بن محمد بن الفضل بن حسن بن عبيد الله بن العباس بن عليّ بن أبي طالب، ودعا الناس بهجر إلى طاعته، واتّبعه جماعة كثيرة من أهلها، وأبته جماعة أخَر؛ فكانت بسببه بين الذين اتبعوه والذين أبَوْهُ عصبية

стр. 5801

قُتِلت بينهم جماعة فانتقل عنهم لما حدث ذلك إلى الأحساء، وضوى إلى حيّ من بني تميم ثم من بني سعد، يقال لهم: بنو الشّماس؛ فكان بينهم مقامه، وقد كان أهل البحرين أحلُّوه من أنفسهم محلّ النبيّ - فيما ذكر - حتى جُبيَ له الخراج هنالك ونفذ حكمه بينهم، وقاتلوا أسباب السلطان بسببه ووتَر منهم جماعة كثيرة، فتنكّروا له، فتحوّل عنهم إلى البادية (١). ولما انتقل إلى البادية صحبه جماعة من أهل البحرين، منهم رجل كيّال من أهل الأحسَاء، يقال له: يحيى بن محمد الأزرق المعروف بالبَحْرانيّ، مولى لبني دارم ويحيى بن أبي ثعلب، وكان تاجرًا من أهل هَجَر، وبعضُ موالي بني حنظلة أسود يقال له: سليمان بن جامع؛ وهو قائد جيشه، ثم كان ينتقل في البادية من حيّ إلى حيّ. فذكر عنه أنه كان يقول: أوتيت في تلك الأيام آيات من آيات إمامتي ظاهرة للناس؛ ومنها فيما ذكر عنه: أنه قال: إنِّي لُقَيتُ سُوَرًا من القرآن لا أحفظها فجرى بها لساني في ساعة واحدة، منها: سبحان والكهف وص. قال: ومن ذلك: أني لقيت نفسي على فراشي، فجعلت أفكر في الموضع الذي أقصد له، وأجعل مقامي به؛ إذ نَبَتْ بي البادية، وضقت بسوء طاعة أهلها، فأظلتْني سحابة، فبرقت ورعدت، واتّصل صوت الرّعد منها بسمعي، فخُوطبتُ فيه، فقيل: اقصد البصرة، فقلت لأصحابي وهم يكنُفونني: إني أمرت بصوت هذا الرّعد بالمصير إلى البصرة (٢). وذكر أنه عند مصيره إلى البادية أوْهم أهلها: أنه يحيى بن عمر أبو الحسين المقتول بناحية الكوفة، فاختدع بذلك قومًا منهم؛ حتى اجتمع بها منهم جماعة كثيرة، فزحف بهم إلى موضع بالبحرين يقال له الرّدْم، فكانت بينهم وقعة عظيمة، كانت الدائرة فيها عليه وعلى أصحابه، قُتلوا فيها قتلًا ذريعًا، فنفرت عنه العرب وكرهتْه، وتجنّبت صحبته، فلما تفرّقت عنه العرب، ونبت به البادية، شخص عنها إلى البصرة، فنزل بها في بني ضُبيعة، فاتّبعه بها جماعة؛

стр. 5802

منهم عليّ بن أبان المعروف بالمهلبيّ، وأخواه محمد والخليل وغيرهم. وكان قدومه البصرة في سنة أربع وخمسين ومئتين، ومحمد بن رجاء الحضاريّ عامل السلطان بها، ووافق ذلك فتنةُ أهل البصرة بالبلالية والسعدية، فطمع في أحد الفريقين أن يميل إليه، فأمر أربعة نفر من أصحابه، فخرجوا بمسجد عبّاد، أحدهم يسمى محمد بن سلْم القصاب الهجريّ، والآخر بُرَيش القُرَيعيّ، والثالث عليّ الضرّاب، والرابع الحسين الصيدنانيّ؛ وهم الذين كانوا صحبوه بالبحرين، فدعوْا إليه، فلم يجبه من أهل البلد أحد، وثاب إليهم الجند، فتفرّقوا ولم يظفر بأحد منهم، فخرج من البصرة هاربًا، فطلبه ابن رجاء فلم يقدرْ عليه، وأُخْبر ابن رجاء بميل جماعة من أهل البصرة إليه، فأخذهم فحبسهم؛ فكان فيمن حبس يحيى بن أبي ثعلب ومحمد بن الحسن الأياديّ وابن صاحب الزَّنْج عليّ بن محمد الأكبر وزوجتُه أمّ ابنه ومعها ابنة له وجارية حامل، فحبسهم ومضى هو لوجهه يريد بغداد، ومعه من أصحابه محمد بن سلْم ويحيى بن محمد وسليمان بن جامع وبُريش القريعيّ، فلما صاروا بالبَطيحة نذِر بهم بعض موالي الباهليّين، كان يلي أمر البَطيحة، يقال له: عُمَير بن عمار، فأخذهم وحملهم إلى محمد بن أبي عَوْن، وهو عامل السلطان بواسط، فاحتال لابن أبي عَوْن حتى تخلّص هو وأصحابه من يده، ثم صار إلى مدينة السلام، فأقام بها حَوْلًا، وانتسب فيها إلى أحمد بن عيسى بن زيد؛ وكان يزعم أنه ظهر له أيام مقامه بها آيات، وعرف ما في ضمائر أصحابه، وما يفعله كلّ واحد منهم؛ وأنه سأل ربّه بها آيةً أن يعلم حقيقة أمره، فرأى كتابًا يُكتب له، وهو ينظر إليه على حائط، ولا يرى شخص كاتبه (١). وذكر عن بعض تُبَّاعه: أنه بمقامه بمدينة السلام استمال جماعةً، منهم: جعفر بن محمد الصَّوحانيّ - كان ينتسب إلى زيد بن صُوحان - ومحمد بن القاسم وغلاما يحيى بن عبد الرحمن بن خاقان: مشرق ورفيق؛ فسمّى مشرقًا حمزة وكنّاه أبا أحمد، وسمّى رفيقًا جعفرًا وكناه أبا الفضل، ثم لم يزل عامه ذلك بمدينة السلام حتى عُزِل محمد بن رجاء عن البصرة، فخرج عنها، فوثب رؤساء

стр. 5803

الفتنة من البلاليّة والسعدية، ففتحوا المحابس، وأطلقوا مَنْ كان فيها؛ فتخلّصوا فيمن تخلّص فلما بلغه خلاصُ أهله، شخص إلى البصرة، فكان رجوعه إليها في شهر رمضان سنة خمس وخمسين ومئتين، ومعه عليّ بن أبان - وقد كان لحق به وهو بمدينة السلام - ويحيى بن محمد، ومحمد بن سلم، وسليمان بن جامع، وغلاما يحيى بن عبد الرحمن: مشرق ورفيق؛ وكان يحضر هؤلاء الستة رجلٌ من الجند يكنى أبا يعقوب، ولقّب نفسه بعد ذلك بُجرْبان، فساروا جميعًا حتى وافوْا برنخل، فنزلوا قصرًا هنالك يعرف بقصر القرشيّ، على نهر يعرف بعمود ابن المنجم؛ كان بنو موسى بن المنجم احتفروه؛ وأظهر: أنه وكيل لولد الواثق في بيع السباخ، وأمر أصحابه أن يَنْحلوه ذلك، فأقام هنالك. فذُكر عن ريحان بن صالح أحدُ غلمان الشُّورَجيّين - وهو أوّل من صحبه منهم - أنه قال: كنت موكلًا بغلمان مولاي، أنقل الدقيق إليهم من البصرة، وأفرّقه فيهم، فحملت ذلك إليهم كما كنت أفعل، فمررت به وهو مقيم ببرنخل في قصر القرشيّ، فأخذني أصحابُه، فصاروا بي إليه، وأمروني بالتسليم عليه بالإمْرة، ففعلت ذلك، فسألني عن الموضع الذي جئتُ منه، فأخبرته أني أقبلت من البصرة، فقال: هل سمعتَ لنا بالبصرة خبرًا؟ قلت: لا، قال: فما خبر الزينبيّ؟ قلت: لا علم في به، قال: فخبر البلاليّة والسعديّة؟ قلت: ولا أعرف أخبارهم أيضًا، فسألني عن أخبار غلمان الشَّورجيّين وما يجري لكلّ غلام منهم من الدقيق والسوِيق والتمر وعمّن يعمل في الشورج من الأحرار والعبيد، فأعلمته ذلك، فدعاني إلى ما هو عليه، فأجبته، فقال لي: احتَلْ فيمن قدرت عليه من الغلمان، فأقبلْ بهم إليّ، ووعدني أن يقوّدني على من آتيه به منهم، وأن يحسن إليّ، واستحلفني ألّا أعلِم أحدًا بموضعه، وأن أرجع إليه، فخلّى سبيلي، فأتيت بالدقيق الذي معي الموضع الذي كنت قصدته به، وأقمت عنده يومي، ثم رجعت إليه من غد، فوافيته وقد قدم عليه رفيق غلام يحيى بن عبد الرحمن، وكان وُجِّه إلى البصرة في حوائج من حوائجه، ووافاه بشبل بن سالم - وكان من غلمان الدبّاسين - وبحريرة كان أمره بابتياعها ليتخذها لواء؛ فكتب فيها بحمرة وخضرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، إلى آخر الآية، وكتب اسمه

стр. 5804

واسم أبيه، وعلّقها في رأس مُرْديّ وخرج في السحر من ليلة السبت لليلتين بقيتا من شهر رمضان (١). فلما صار إلى مؤخّر القصر الذي كان فيه، لقيه غلمان رجل من الشورجيين يعرف بالعطار، متوجّهين إلى أعمالهم، فأمر بأخذهم فأخذوا، وكُتف وكيلهم، وأخِذ معهم، وكانوا خمسين غلامًا، ثم صار إلى الموضع الذي يعمل فيه السنّائيّ، فأخذ منه خمسمئة غلام، فيهم المعروف بأبي حُدَيد، وأمر بوكيلهم فأخذ معهم مكتوفًا، وكانوا في نهر يعرف بنهر المكاثر، ثم مضى إلى موضع السيرافيّ، فأخذ منه خمسين ومئة غلام، فيهم زُرَيق وأبو الخنجر. ثم صار إلى موضع ابن عطاء، فأخذ طريقًا وصبيحًا الأعسر وراشدًا المغربيّ وراشدًا القرماطيّ، وأخذ معهم ثمانين غلامًا، ثم أتى موضع إسماعيل المعروف بغلام سَهْل الطحان، ثم لم يزل يفعل ذلك كذلك في يومه، حتى اجتمع إليه بشر كثير من غلمان الشورجيّين، ثم جمعهم وقام فيهم خطيبًا، فمنَّاهم ووعدَهم أن يقودهم ويرأسهم، ويملّكهم الأموال، وحلف لهم الأيمان الغِلاظ ألا يغدر بهم، ولا يخذَلهم، ولا يدع شيئًا من الإحسان إلا أتى إليهم، ثم دعا مواليَهم، فقال: قد أردت ضرب أعناقكم لِمَا كنتم تأتون إلى هؤلاء الغلمان الذين استضعفتموهم وقهرتموهم، وفعلتم بهم ما حرّم الله عليكم أن تفعلوه بهم، وجعلتم عليهم ما لا يُطيقون، فكلمني أصحابي فيكم، فرأيت إطلاقكم، فقالوا: إنّ هؤلاء الغلمان أُبّاق، وهم يهرُبون منك فلا يُبقون عليك ولا علينا، فخذ منا مالًا وأطلقهم لنا، فأمر غلمانهم فأحضَروا شَطْبًا ثم بَطَح كلُّ قوم مولاهم ووكيلهم، فضرب كلّ رجل منهم خمسمئة شَطْبة، وأحلفهم بطلاق نسائهم ألا يُعلموا أحدًا بموضعه، ولا بعدد أصحابه، وأطلقهم، فمضوْا نحو البصرة (٢). ومضى رجل منهم يقال له: عبد الله، ويعرف بكَرِيخَا، حتى عَبَر دُجَيْلًا، فأنذر الشورجيّين ليحرِزوا غلمانهم، وكان هناك خمسة عشر ألف غلام. ثم سار بعدما صلّى العصر حتى وافى دُجَيلا، فوجد سفن سَمَاد تدخل في

стр. 5805

المدّ، فقدّمها، فركب فيها، وركب أصحابُه حتى عبروا دُجَيلا، وصاروا إلى نهر ميمون، فنزل المسجد الذي في وسط الشارع على نهر ميمون، وأقام هناك، ولم يزل ذلك دأبه، يجتمع إليه السودان إلى يوم الفِطْر، فلما أصبح نادى في أصحابه بالاجتماع لصلاة الفطر فاجتمعوا، وركز المرديّ الذي عليه لواؤه، وصلّى بهم وخطب خطبة ذكر فيها ما كانوا عليه من سوء الحال، وأن الله قد استنقذهم به من ذلك، وأنه يريد أن يرفع أقدارهم، ويملّكهم العبيد والأموال والمنازل، ويبلغ بهم أعلَى الأمور، ثم حلف لهم على ذلك، فلما فرغ من صلاته وخطبته، أمر الذين فهموا عنه قولَه أن يُفهِموه من لا فهم له من عجمهم، لتطيب بذلك أنفسُهم، ففعلوا ذلك، ودخل القصر، فلمّا كان بعد يوم قصد نهر بور، فوافى جماعة من أصحابه هناك الحميريّ في جماعة، فدفعوهم حتى أخرجوهم إلى الصحراء، فلحقهم صاحب الزّنج فيمن معه، فأوقع بالحميريّ وأصحابه، فانهزموا حتى صاروا إلى بطن دِجلة، واستأمن إليه رجل من رؤساء الزّنْج يكنى بأبي صالح، يعرَف بالقصير في ثلثمئة من الزَّنج، فمنّاهم ووعدهم (١). فلما كثر من اجتمع إليه من الزَّنج قوَّد قواده، وقال لهم: كلّ مَنْ أتى منكم برجل فهو مضموم إليه، وقيل إنه لم يقوّد قوّادَه إلّا بعد مواقعة الخَوَل ببَيَان ومصيره إلى سَبخة القَنْدَل. وكان ابنُ أبي عَون نقِل عن ولاية واسط إلى ولاية الأبُلّة وكُور دِجلة، فذُكِر أنه انتهى إليه في اليوم الذي قوّد فيه قوّاده: أن الحميريّ وعَقيلًا مع خليفة ابن أبي عون المقيم كان بالأبُلّة، قد أقبلوا نحوه، ونزلوا نهر طين، فأمر أصحابه بالمصير إلى الرزيقية وهي في مؤخّر الباذَاورْد، فصار إليها في وقت صلاة الظهر، فصلوا بها، واستعدُّوا للقتال، وليس في عسكره يومئذ إلا ثلاثة أسياف: سيفُه وسيف عليّ بن أبان، وسيف محمد بن سلم، ونهض بأصحابه فيما بين الظهر والعصر راجعًا نحو المحمديّة، وجعل عليّ بن أبان في آخر أصحابه، وأمره أن يعرف خبر مَنْ يأتيه من ورائه، وتقدّم في أوائل الناس حتى

стр. 5806

وافى المحمديّة، فقعد على النهر، وأمر الناس فشربوا منه، وتَوافَى إليه أصحابُه، فقال له عليّ بن أبان: قد كنا نرى من ورائنا بارقةً ونسمع حسّ قوم يتبعوننا، فلسنا ندري: أرجعوا عنا أم هم قاصدون إلينا؟ فلم يستتمّ كلامه حتى لحق القوم، وتنادى الزنج السلاح، فبدرِ مفرّج النوبيّ المكنى بأبي صالح، وريحان بن صالح، وفتح الحجام - وكان فَتْح يأكل - فلما نهض تناول طبقًا كان بين يديه، وتقدّم أصحابه فلقيه رجل من الشورجيّين، يقال له: بلبل، فلمّا رآه فَتْح حمل عليه وحذَفه بالطبق الذي كان في يده، فرمى بلبل بسلاحِه، وولّى هاربًا، وانهزم أصحابه، وكانوا أربعة آلاف رجل، فذهبوا على وجوههم، وقُتِل مَنْ قُتِل منهم، ومات بعضهم عطشًا وأسِرَ منهم قوم فأتِيَ بهم صاحب الزّنج، فأمر بضرب أعناقهم فضربت، وحملت الرؤوس على بغال كان أخذَها من الشورجيّين، كانت تنقل الشورج؛ ومضى حتى وافى القادسيّة، وذلك وقت المغرب، فخرج من القرية رجل من موالي بعض الهاشميين على أصحابه، فقتل رجلًا من السودان، فأتاه الخبر، فقال له أصحابه: ائذن لنا في انتهاب القرية وطلب قاتل صاحبنا، فقال: لا سبيلَ إلى ذلك دون أن نعرف ما عند القوم، وهل فعل القاتل ما فعل عن رأيهم، ونسألهم أن يدفعوه إلينا، فإن فعلوا وإلا ساغ لنا قتالُهم. وأعجلهم المسير، فصاروا إلى نهر ميمون راجعين، فأقام في المسجد الذي كان أقام فيه في بدأته وأمر بالرؤوس المحمولة معه فنُصبت، وأمر بالأذان أبا صالح النوبيّ فأذّن، وسلم عليه بالإمْرَة، فقام فصلى بأصحابه العشاء الآخرة، وبات ليلته بها، ثم مضى من الغد حتى مرّ بالكرخ فطواها، وأتى قرية تعرف بجُبَّى، في وقت صلاة الظهر، فعبر دُجَيلا من مخاضة دلّ عليها، ولم يدخل القرية، وأقام خارجًا منها، وأرسل إلى مَنْ فيها، فأتاه كبراؤهم وكبراء أهل الكَرْخ، فأمرهم بإقامة الأنزال له ولأصحابه فأقيم له ما أراد، وبات عندهم ليلتَه تلك، فلما أصبح أهدى له رجل من أهل جُبَّى فرسًا كُميتًا، فلم يجد سرْجًا، ولا لجامًا، فركبه بحبل وسَنَفه بليف، وسار حتى انتهى إلى المعروف بالعباسيّ العتيق، فأخذ منه دليلًا إلى السِّيب، وهو نهر القرية المعروفة بالجعفريّة، ونذر به أهل القرية، فهربوا عنها، ودخلها فنزل دار جعفر بن

стр. 5807

سليمان وهي في السوق وتفرّق أصحابُه في القرية، فأتوْه برجل وجدُوه، فسأله عن وكلاء الهاشميّين، فأخبره أنهم في الأجمة، فوجّه الملقب بجُرْبان، فأتاه برئيسهم وهو يحيى بن يحيى المعروف بالزبيريّ أحد موالي الزياديّين، فسأله عن المال، فقال: لا مال عندي، فأمر بضرب عنقه، فلما خاف القتل أقرّ بشيء قد كان أخفاه، فوجّه معه، فأتاه بمئتي دينار وخمسين دينارًا وألف درهم؛ فكان هذا أول ما صار إليه، ثم سأله عن دوابّ وُكلاء الهاشميّين فدله على ثلاثة براذين: كُميت وأشقر، وأشهب؛ فدفع أحدها إلى ابن سلْم، والآخر إلى يحيى بن محمد، وأعطى مُشرقًا غلام يحيى بن عبد الرحمن الثالث (١). وكان رفيق يركب بغلًا كان يحمل عليه الثَّقَل، ووجد بعض السودان دارًا لبعض بني هاشم فيها سلاح، فانتهبوه، فجاء النوبيّ الصغير بسيف، فأخذه صاحب الزَّنج، فدفعه إلى يحيى بن محمد، فصار في أيدي الزَّنج سيوفٌ وبالات وزقايات وتِراس، وبات ليلته تلك بالسَّيب؛ فلما أصبح أتاه الخبر: أن رُميسًا والحميريّ وعَقيلًا الأبُليّ قد وافوا السِّيب، فوجّه يحيى بن محمد في خمسمئة رجل، فيهم سليمان وريحان بن صالح وأبو صالح النوبيّ الصغير، فلقوا القوم فهزموهم، وأخذوا سُمَيريّة وسلاحًا، وهرب مَنْ كان هنالك ورجع يحيى بن محمد فأخبره الخبر، فأقام يومه، وسار من غد يريد المذَار، بعد أن اتخذ على أهل الجعفرية ألا يقاتلوه، ولا يعينوا عليه أحدًا، ولا يستُروا عنه، فلما عبر السّيب صار إلى قرية تعرف بقرية اليهود شارعة على دِجْلة، فوافق هنالك رُمَيْسًا في جَمْع، فلم يزل يقاتلهم يومه ذلك، وأسرَ من أصحابه عِدّة، وعقر منهم جماعة بالنُّشاب، وقتِل غلام لمحمد بن أبي عون كان مع رُمَيْس، وغرقت سميْرية كان فيها ملّاحهُا، فأخِذ وضربت عنقه، وسار من ذلك الموضع يريد المذَار، فلمّا صار إلى النهر المعروف بباب مداد جاوزه حتى أصحر، فرأى بُستانًا، وتلًّا يعرف بجبل الشياطين، فقصد للتلّ فقعد عليه، وأثبت أصحابه في الصحراء، وجعل لنفسه طليعة. فذُكر عن شبل أنه قال: أنا كنت طليعته على دِجْلة، فأرسلت إليه أخبره أن

стр. 5808

رُميسًا بشاطئ دِجْلة يطلب رجُلًا يؤدِّي عنه رسالة، فوجّه إليه عليّ بن أبان ومحمد بن سلم وسليمان بن جامع، فلما أتوْه قال لهم: اقرؤوا على صاحبكم السلام، وقولوا له: أنت آمن على نفسك حيث سلكت من الأرض؛ لا يعرض لك أحدٌ، واردد هؤلاء العبيد على مواليهم، وآخذ لك عن كلّ رأسٍ خمسة دنانير، فأتوْه فأعلموه ما قال لهم رُميس، فغضب من ذلك، وآلى ليرجعنّ فليبقرنّ بطن امرأة رُميس، وليحرقنّ داره، وليخوضنّ الدماء هنالك، فانصرفوا إليه، فأجابوه بما أمِرُوا به، فانصرف إلى مقابل الموضع الذي هو به من دِجْلة، فأقام به، فوافاه في ذلك اليوم إبراهيم بن جعفر المعروف بالهمْدانيّ؛ ولم يكن لحق به إلا في ذلك الوقت، وأتاه يكتب فقرأها، فلما صلى العشاء الآخرة، أتاه إبراهيم، فقال له: ليس الرّأي لك إتيان المذار، قال: فما الرأي؟ قال: ترجع، فقد بايع لك أهل عبّادان ومَيَان رُوذان وسليمانان، وخلّفت جمعًا من البلالية بفوّهة القَنْدل وأبرسان ينتظرونك، فلمّا سمع السودان ذلك من قول إبراهيم مع ما كان رُمَيس عَرَض عليه في ذلك اليوم خافوا أن يكونَ احتال عليهم ليردّهم إلى مواليهم، فهرب بعضُهم، واضطرب الباقون، فجاءه محمد بن سلْم فأعلمه اضطرابَهم، وهرَب مَنْ هرب منهم، فأمر بجمعهم في ليلته تلك، ودعا مصلحًا، وميّز الزّنج من الفراتية، ثم أمر مصلحًا أن يعلمهم أنه لا يردّهم ولا أحدًا منهم إلى مواليهم، وحلف لهم على ذلك بالأيمان الغِلاظ، وقال: لِيَحُطْ بي منكم جماعة، فإن أحسّوا مني غدرًا فتكُوا بي (١) ثم جمع الباقين؛ وهم الفراتيّة والقرماطيّون والنوبة وغيرهم ممن يفصح بلسان العرب، فحلف لهم على مثل ذلك، وضمن ووثّق من نفسه، وأعلمهم أنه لم يخرج لعَرَض من أعراض الدنيا، وما خرج إلا غضبًا لله، ولمّا رأى ما عليه الناس من الفساد في الدين، وقال: ها أنا ذا معكم في كلّ حرب، أشرككم فيها بيدي، وأخاطر معكم فيها بنفسي، فرضوا ودعوْا له بخير، فلمّا أسحر أمر غلامًا من الشورجيّين يكنى أبا مَنارة، فنفخ في بوق لهم كانوا يجتمعون بصوته، وسار حتى أتى السِّيب راجعًا، فألفَى هناك الحميريَ ورُميْسًا وصاحب ابن أبي عون، فوجّه إليهم مشرقًا برسالة أخفاها، فرجع إليه بجوابها، فصار صاحب الزّنج إلى النهر، فتقدم

стр. 5809

صاحب محمد بن أبي عون، فسلّم عليه، وقال له: لم يكن جزاء صاحبنا منك أن تفسد عليه عمَله، وقد كان منه إليك ما قد علمت بواسط، فقال: لم آت لقتالكم، فقل لأصحابك يوسّعون لي في الطريق، حتى أجاوزكم. فخرج من النَّهر إلى دِجْلة، ولم يلبَثْ أن جاء الجند ومعهم أهل الجعفريّة في السلاح الشاك؛ فتقدّم المكتني بأبي يعقوب المعروف بجُرْبان، فقال لهم: يا أهل الجعفريّة، أما علمتم ما أعطيتمونا من الأيْمان المغلّظة ألّا تقاتلونا ولا تُعينوا علينا أحدًا، وأن تعينونا متى اجتاز بكم أحد منا! فارتفعت أصواتُهم بالنعير والضّجيج، ورموْه بالحجارة والنّشاب، وكان هناك موضع فيه زُهاء ثلثمئة زرنوق، فأمر بأخذها فأخذت، وقرن بعضها ببعض حتى صارت كالشاشات، وطرحت إلى الماء، وركبها المقاتلة فلحقوا القوم، فقال بعضهم: عبر عليّ بن أبان يومئذ قبل أخذ الزَّرَانيق سباحة، ثم جمعت الزَّرانيق، وعبر الزنج، وقد زالوا عن شاطئ النهر فوضعوا فيهم السيف، فقتل منهم خلق كثير، وأتي منهم بأسرى، فوبّخَهم وخلّى سبيلهم، ووجه غلامًا من غلمان الشورجيين يقال له: سالم يعرف بالزغاويّ، إلى مَنْ كان دخل الجعفرية من أصحابه، فردَّهم، ونادى: ألا برئت الذّمة ممن انتهب شيئًا من هذه القرية، أو سبى منها أحدًا، فمن فعل ذلك فقد حلّت به العقوبة الموجِعة. ثم عبر من غربيّ السّيب إلى شرقيّه، واجتمع أصحابه الرؤساء حتى إذا جاوز القرية بمقدار غَلْوة سمع النعير من ورائه في بطن النهر، فتراجع الزّنج، فإذا رُميس والحميريّ وصاحب ابن أبي عون قد وافوْه لمّا بلغهم حال أهل الجعفرية، فألقى السودان أنفسَهم عليهم، فأخذوا منهم أربع سُمَيريّات بملَّاحيها ومقاتليها، فأخرجوا السمَيريّات بمن فيها، ودعا بالمقاتلة فسألهم، فأخبروه أن رُميسًا وصاحب ابن أبي عون لم يَدعاهم حتى حملاهم على المصير إليه، وأنّ أهل القرى حرّضوا رُميسًا وضَمِنوا له ولصاحب ابن أبي عون مالًا جليلًا، وضمن له الشورجيّون على ردّ غلمانهم؛ لكلّ غلام خمسة دنانير، فسألهم عن الغلام المعروف بالنميريّ المأسور والمعروف بالحجّام، فقالوا: أما النميريّ فأسير في أيديهم، وأما الحجام فإن أهل الناحية ذكروا أنه كان يتلصص في ناحيتهم، ويسفك الدماء، فضُرِبت عنقه، وصُلب على نهر أبي الأسد، فلما عرف خبرَهم

стр. 5810

أمر بضرب أعناقهم، فضرِبت إلا رجلًا يقال له: محمد بن الحسن البغداديّ، فإنه حلف له أنه جاء في الأمان، لم يُشْهِر عليه سيفًا، ولا نصب له حربًا، فأطلقه، وحمل الرؤوس والأعلام على البغال، وأمر بإحراق سفنهم فأحرِقت. وسار حتى أتى نهر فريد، فانتهى إلى نهر يعرف بالحسن بن محمد القاضي وعليه مسنّاة تعترض بين الجعفرية ورُستاق القُفْص، فجاءه قوم من أهل القرية من بني عجْل، فعرضوا عليه أنفسَهم، وبذلوا له ما لديْهم، فجزاهم خيرًا، وأمر بترك العرض لهم. وسار حتى أتى نهرًا يعرف بباقثا، فنزل خارجًا من القرية التي على النهر وهي قرية تشرع على دُجيل، فأتاه أهل الكرخ، فسلّموا عليه، ودعَوْا له بخير، وأمدُّوه من الإنزال بما أراد، وجاءه رجل يهوديّ خيبريّ يقال له ماندويه فقبّل يده، وسجَد له - زعم - شكرًا لرؤيته إيّاه، ثم سأله عن مسائل كثيرة فأجابه عنها، فزعم أنه يجدُ صفته في التوراة، وأنه يرى القتال معه، وسأله عن علامات في بدنه ذكر أنه عرفها فيه، فأقام معه ليلَته تلك يحادثه (١). وكان إذا نزل اعتزل عسكره بأصحابه الستة، ولم يكن يومئذ يُنكر النبيذ على أحد من أصحابه، وكان يتقدّم إلى محمد بن سلْم في حفظ عسكره؛ فلما كان في تلك الليلة أتاه في آخر الليل رجلٌ من أهل الكَرْخ، فأعلمه أن رُمَيْسًا وأهل المفتح والقوى التي تتصل بها وَعقيلًا وأهل الأبُلّة قد أتوه ومعه الدّبيلا بالسلاح الشاك، وأنّ الحميريّ في جمع من أهل الفُرات، وقد صاروا في تلك الليلة إلى قنطرة نهر ميمون، فقطعوها ليمنعوه العبور، فلمّا أصبح أمر، فصيح بالزّنج، فعبروا دُجيلا، وأخذ في مؤخّر الكرخ حتى وافى نهر ميمون، فوجد القنطرة مقطوعة، والناس في شرقيّ النّهر والشُمَيْريّات في بطنه، والدبَيلَا في السُّمْيرّيات، وأهل القرى في الجريبيّات والمجونحات؛ فأمر أصحابه بالإمساك عنهم، وأن يرحلوا عن النهر توقّيًا للنُّشاب، ورجع فقعد على مئة ذراع من القرية؛ فلمّا لم يروا أحدًا يقاتلهم خرج منهم قوم ليعرفوا الخبر، وقد كان أمر جماعة من أصحابه، فأتوا القرية، فكَمَنُوا فيها مخفين لأشخاصهم؛ فلما أحسوا خروج مَنْ خرج منهم،

стр. 5811

شدّوا عليهم، فأسروا اثنين وعشرين رجلًا، وسعوا نحو الباقين، فقتلوا منهم جماعة على شاطئ النهر، ورجعوا إليه بالرؤوس والأسرى، فأمر بضرب أعناقهم بعد مناظرة جرتْ بينه وبينهم، وأمر بالاحتفاظ بالرؤوس، وأقام إلى نصف النهار؛ وهو يسمع أصواتهم، فأتاه رجل من أهل البادية مستأمنًا، فسأله عن غَوْر النهر؛ فأعلمه أنه يعرف موضعًا منه يُخاض، وأعلمه أن القوم على معاودته بجمْعهم يقاتلونه؛ فنهض مع الرَّجل حتى أتى به موضعًا على مقدار ميل من المحمّدية، فخاض النهر بين يديه، وخاض الناس خلفه، وحمله ناصح المعروف بالرمليّ، وعبر بالدوابّ؛ فلما صار في شرقيّ النهر كرّ راجعًا نحو نهر ميمون؛ حتى أتى المسجد فنزل فيه، وأمر بالرؤوس فنُصِبت، وأقام يومه، وانحدر جيش رُميس بجمعه في بطن دُجيل، فأقاموا بموضع يعرف بأقشَى بإزاء النهر المعروف ببَرد الخيار، ووجّه طليعة فرجع إليه، فأخبره بمقام القوم هناك، فوجّه من ساعته ألفَ رجل، فأقاموا بسبَخة هناك على فُوّهة هذا النهر، وقال لهم: إن أتوْكم إلى المغرب؛ وإلّا فأعلموني، وكتب كتابًا إلى عَقيل، يذكره فيه أنه قد بايعه في جماعة من أهل الأبُلّة، وكتب إلى رُمَيس يذكّره حِلفه له بالسِّيب أنه لا يقاتله؛ وأنه يُنهي أخبارَ السلطان إليه، ووجّه بالكتابين إليهما مع بعض الأكرة بعد أن أحلفه أن يوصلهما. وسار من نهر ميمون يريد السَّبَخَة التي كان هيّأ فيها طليعةً؛ فلمّا صار إلى القادسية والشيِّفيَا، سمع هناك نعيرًا، ورأى رميًا؛ وكان إذا سار يتنكب القرى؛ فلم يدخلْها، وأمر محمد بن سَلْم أن يصير إلى الشيِّفيا في جماعة، فيسأل أهلها أن يُسلموا إليه قاتل الرجل من أصحابه في ممرّه كان بهم؛ فرجع إليه، فأخبره أنهم زعموا: أنَّه لا طاقة لهم بذلك الرّجل لولائه من الهاشميين، ومنعهم له؛ فصاح بالغلمان، وأمرهم بانتهاب القريتين، فانتهب منهما مالًا عظيمًا؛ عينًا ووَرِقًا وجوهرًا وحُلِيًّا وأواني ذهب وفضة، وسبى منهما يومئذ غلمانًا ونسوة؛ وذلك أوّلُ سَبْي سُبي، ووقفوا على دار فيها أربعة عشر غلامًا من غلمان الشورج، قد سُدّ عليهم باب؛ فأخذهم وأتِيَ بمولى الهاشميين القاتل صاحبه فأمر محمد بن سلم بضرب عنقه، ففعل ذلك، وخرج من القريتين في وقت العصر، فنزل السَّبَخة المعروفة ببرَد الخيار. فلما كان في وقت المغرب أتاه أحد أصحابه الستّة، فأعلمه أن أصحابه، قد

стр. 5812

شغلوا بخمور وأنبذة وجدوها في القادسيّة؛ فصار ومعه محمد بن سلم ويحيى بن محمد إليهم، فأعلمهم أنّ ذلك مما لا يجوز لهم، وحرّم النبيذ في ذلك اليوم عليهم، وقال لهم: إنكم تلاقون جيوشًا تقاتلونهم، فدعوا شُرب النجيذ والتشاغل به، فأجابوه إلى ذلك؛ فلما أصبح جاءه غلام من السودان، يقال له: قاقويه، فأخبره أن أصحاب رُميس قد صاروا إلى شرقيّ دُجيل، وخرجوا إلى الشطّ، فدعا عليّ بن أبان، فتقدم إليه أن يمضِيَ بالزّنج، فيوقع بهم؛ ودعا مشرقًا، فأخذ منه إصطرلابًا، فقاس به الشمس، ونظر في الوقت، ثم عبر وعبر الناس خلفَه القنطرة التي على النهر المعروف ببرَد الخيار؛ فلما صاروا في شرقيّه، تلاحق الناس بعليّ بن أبان، فوجدوا أصحاب رُميس وأصحاب عَقيل على الشطّ، والدَّبيلا في السفن يرمون بالنُّشاب، فحملوا عليهم؛ فقتلوا منهم مقتلةً عظيمة، وهبّتْ ريح من غربيّ دُجيل، فحملت السفن، فأدنتها من الشطّ، فنزل السودان إليها، فقتلوا مَنْ وجدوا فيها، وانحاز رُميس ومَنْ كان معه إلى نهر الدير على طريق أقشى، وترك سفنه لم يحرّكها ليظنّ أنه مقيم، وخرج عَقيل وصاحب ابن أبي عون إلى دِجْلة مبادريْن؛ لا يلويان على شيء. وأمر صاحب الزَّنْج بإخراج ما في السفن التي فيها الدَّبيلا؛ وكانت مقرونةً بعضها ببعض، فنزل فيها قاقويه ليفتّشها، فوجد رجلًا من الدَّبيلا، فحاول إخراجَه فامتنع عليه، وأهوى إليه بسُرتَي كان معه؛ فضربه ضربة على ساعده، فقطع بها عِرقًا من عروقه، وضربه ضربةً على رجله، فقطعتْ عصبةً من عصبه، وأهوى له قاقويه، فضربه ضربةً على هامته فسقط، فأخذ بشعره، واحتزّ رأسه؛ فأتى به صاحب الزّنج، فأمر له بدينار خفيف، وأمر يحيى بن محمد أن يقوِّدَه على مئة من السودان، ثم سار صاحب الزَّنج إلى قرية تعرف بالمهلبيّ تقابل قَيَّاران، ورجع السودان الذين كانوا اتّبعوا عَقيلًا وخليفة ابن أبي عون، وقد أخذ سُميريّة فيها ملّاحان؛ فسألهم عن الخبر، فقالوا: اتّبعناهم فطرحوا أنفسهم إلى الشطّ، وتركوا هذه السميريّة، فجئنا بها. فسأل الملّاحيْن، فأخبراه أن عقيلًا حملهما على اتباعه قهرًا، وحبس نساءهما حتى اتّبعاه، وفعل ذلك بجميع مَنْ تبعه من الملّاحين؛ فسألهما عن سبب مجيء الدّبيلا، فقالا: إنّ عقيلًا وعدهم مالًا؛ فتبعوه؛ فسألهما عن السفن

стр. 5813

الواقفة بأقشى، فقالا: هذه سفن رُميس وقد تركها، وهرب في أوّل النهار، فرجع حتى إذا حاذاها؛ أمر السودان فعبروا فأتوا بها؛ فأنهبهم ما كان فيها، وأمر بها فأحرِقت، ثم صار إلى القرية المعروفة بالمهلّبيّة اسمها تنغت، فنزل قريبًا مَنها، وأمر بانتهابها وإحراقها؛ فانتُهبتْ وأحرقت، وسار على نهر الماديان، فوجد فيها تمورًا، فأمر بإحراقها. وكان لصاحب الزَّنج بعد ذلك أمور من عيْشه هو وأصحابه في تلك الناحية تركنا ذكرها، إذ لم تكن عظيمة؛ وإن كان كلّ أموره كانت عظيمة. ثم كان من عظيم ما كان له من الوقائع مع أصحاب السلطان وقعة كانت مع رجل من الأتراك يكنى أبا هلال في سوق الرّيان؛ ذكر عن قائد من قوّاده يقال له ريحان، أن هذا التركيّ وافاهم في هذا السوق، ومعه زهاء أربعة آلاف رجل أو يزيدون، وفي مقدّمته قوم عليهم ثياب مُشهرَة وأعلام وطبول، وأن السودان حملوا عليه حملة صادقة، وأنّ بعض السودان ألقى صاحب علم القوم فضربه بخشبتين كانتا معه في يده فصرعه، وانهزم القوم، وتلاحق السودان، فقتلوا من أصحاب أبي هلال زُهاء ألف وخمسمئة، وإن بعضهم اتبع أبا هلال ففاته بنفسه على دابة عُرْي، وحال بينهم وبين من أفلت ظلمة الليل؛ وأنه لما أصبَح؛ أمر بتتبعهم، ففعلوا ذلك فجاؤوا بأسرى ورؤوس فقتل الأسرى كلهم. ثُمَّ كانت له وقعة أخرى بعد هذه الوقعة مع أصحاب السلطان؛ هزمهم فيها، وظفر بهم، وكان مبتدأ الأمر في ذلك - فيما ذكر عن قائد لصاحب الزنج من السودان يقال له: ريحان - أنه قال: لما كان في بعض الليل من ليالي هذه السنة التي ذكرنا أنه ظهر فيها، سمع نباح كلب في أبواب تعرف بعمرو بن مسعدة، فأمر بتعرّف الموضع الذي يأتي منه النّباح، فوجّه لذلك رجلًا من أصحابه، ثم رجع فأخبره أنه لم ير شيئًا؛ وعاد النباح، قال ريحان: فدعاني، فقال في: صر إلى موضع هذا الكلب النابح، فإنه إنما نَبح شخصًا يراه، فصرتُ فإذا أنا بالكلب على المسنّاة، ولم أر شيئًا، فأشرفتُ فإذا أنا برجل قاعد في درجات هنالك، فكلّمتُه، فلما سمعني أُفصحُ بالعربيّة، كلّمني، فقال: أنا سيْران بن عفولله، أتيتُ صاحبكم بكتب من شيعته بالبصْرة، وكان سيْران هذا أحد مَنْ صحب ص صاحب الزّنج أيام مُقامه بالبصرة، فأخذته فأتيته به، فقرأ الكتب التي كانت معه، وسأل عن الزّينبيّ وعن

стр. 5814

عدّة مَنْ كان معه، فقال: إن الزّينبيّ قد أعدّ لك الخوَل والمطّوعة والبلالية والسعدية؛ وهم خلق كثير، وهو على لقائك بهم ببَيَان، فقال له: اِخفض صوتَك، لئلا يرتاع الغلمان بخبرك، وسأله عن الذي يقود هذا الجيش، فقال: قد نُدِب لذلك المعروف بأبي منصور، وهو أحد موالي الهاشميين، قال له: أفرأيتَ جمعَهم؟ قال: نعم؛ وقد أعدُّوا الشُّرُط لكتف من ظفروا به من السودان، فأمره بالانصراف إلى الموضع الذي يكون فيه مُقامه، فانصرف سيران إلىِ عليّ بن أبان ومحمد بن سلم ويحيى بن محمد، فجعل يحدّثهم إلى أن أسْفر الصبح، ثم سار صاحب الزَّنج إلى أن أشرف عليهم، فلما انتهى إلى مؤخَّر تُرْسَى وبرسونا وسندادان بَيَان، عرض له قوم يريدون قتاله، فأمر عليّ بن أبان فأتاهم فهزمهم، وكان معهم مئة أسود، فظفر بهم، قال ريحان: فسمعته يقول لأصحابه: من أمارات تمام أمركم ما تروْن من إتيان هؤلاء القوم بعبيدهم فيسلِّمونهم إليكم، فيزيد الله في عددكم ثم سار حتى صار إلى بَيَان. قال ريحان: فوجّهني وجماعة من أصحابه إلى الحجر لطلب الكاروان وعسكرهم في طرف النخل في الجانب الغربيّ من بيان، فتوجّهنا إلى الموضع الذي أمرنا بالمصير إليه، فألفينا هناك ألفًا وتسعمئة سفينة، ومعها قوم من المطوّعة قد احتبسوها، فلما رأوْنا خلَّوْا عن السفن، وعبروا سُلبان عَرايا ماضين نحو جُوبك، وسقْنا السفن حتى وافيناه بها، فلما أتيناه بها أمر فبُسِط له على نشز من الأرض وقعد، وكان في السفن قوم حجّاج أرادوا سلوك طريق البصرة؛ فناظرهم بقيّة يومه إلى وقت غروب الشمس، فجعلوا يصدقونه في جميع قوله، وقالوا: لو كان معنا فضل نفقة لأقمنا معك، فردّهم إلى سفُنهم؛ فلما أصبحوا أخرجهم، فأحلفهم ألّا يخبروا أحدًا بعدّة أصحابه، وأن يقللوا أمره عند من سألهم عنه، وعرضوا عليه بساطًا كان معهم، فأبدله ببساط كان معه، واستحلفهم أنه لا مال للسلطان معهم ولا تجارة، فقالوا: معنا رجل من أصحاب السلطان، فأمر بإحضاره، فأحضر، فحلف الرَّجل أنه ليس من أصحاب السلطان، وأنه رجل معه نُقْل أراد به البصرة، فأحضر صاحب السفينة التي وُجد فيها، فحلف له أنه إنما اتّجر فيه، فحمله فخلى سبيله، وأطلق الحجاج فذهبوا، وشرع أهل سليمانان على بيان بإزائه في شرقيّ النهر؛ فكلمهم أصحابُه

стр. 5815

وكان فيهم حسين الصيدنانيّ الذي كان صحبه بالبصرة؛ وهو أحد الأربعة الذين ظهروا بمسجد عبّاد، فلحق به يومئذ؛ فقال له: لِمَ أبطأتَ عني إلى هذه الغاية؟ قال: كنتُ مختفيًا، فلما خوج هذا الجيش دخلتُ في سواده، قال: فأخبِرْني عن هذا الجيش، ما هم؟ وما عدّة أصحابه؟ قال: خوج من الخَوَل بحضرتي ألف ومئتا مقاتل، ومن أصحاب الزينبيّ ألف، ومن البلاليّةِ والسعديّة زهاء ألفين، والفرسان مائتا فارس، ولما صاروا بالأبُلّة وقع بينهم وبين أهلها اختلاف؛ حتى تلاعنوا، وشتم الخَوَلُ محمد بن أبي عون، وخلفتُهم بشاطئ عثمان وأحسبهم مصبّحيك في غد، قال: فكيف يريدون أن يفعلوا إذا أتونا؟ قال: هم على إدخال من سندادان بَيان، ويأتيك رجَّالتهم من جنبي النهر. فلما أصبح وجّه طليعةً ليعرف الخبر، واختاره شيخًا ضعيفًا زمِنًا لئلا يُعرض له؛ فلم يرجع إليه طليعتُه، فلمّا أبطأ عنه وجّه فتحًا الحجام ومعه ثلاثمائة رجل، ووجّه يحيى بن محمد سندادان، وأمره أن يخرج في سو بَيَان، فجاءه فَتْح فأخبره أن القوم مقبلون إليه في جمع كثير، وأنهم قد أخذُوا جنبي النَّهر؛ فسأل عن المدّ، فقيل: لم يأتِ بعدُ، فقال: لم تدخل خيلُهم بعد، وأمر محمد بن سَلْم وعليّ بن أبان أن يقعدوا لهم في النخل، وقعد هو على جَبل مشرف عليهم؛ فلم يلبث أن طلعت الأعلام والرّجال حتى صاروا إلى الأرض المعروفة بأبي العلاء البلخيّ؛ وهي عطفة على دُبَيران؛ فأمر الزّنج فكبَّروا ثم حملوا عليهم فوافوا بهم دبيران، ثم حمل الْخَوَل يقدُمهم أبو العباس بن أيمن المعروف بأبي الكباش وبشير القيسيّ، فتراجع الزَّنج حتى بلغوا الجبل الذي هو عليه، ثم رجعوا عليهم؛ فثبتوا لهم، وحمل أبو الكباش على فَتْح الحجام فقتله، وأدرك غلامًا يقال له دينار من السودان فضربَه ضربات، ثم حمل السودان عليهم، فوافَوْا بهم شاطئ بيان، وأخذتهم السيوف. قال ريحان: فعهدِي بمحمد بن سلم وقد ضرب أبا الكباش، فألقى نفسه في الطين، فلحقه بعضُ الزّنج، فاحتزّ رأسه، وأما عليّ بن أبان؛ فإنّه كان ينتحل قتل أبي الكباش وبشير القيسيّ، وكان يتحدّث عن ذلك اليوم فيقول: كان أوّل مَنْ لقيني بشير القيسيّ، فضربني وضربتُه، فوقعتْ ضربته في تُرسي، ووقعت ضربتي في صدره وبطنه؛ فانتظمتْ جوانح صدره، وفريتُ بطنَه، وسقط
следующие страницы →