← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.

стр. 5811

شدّوا عليهم، فأسروا اثنين وعشرين رجلًا، وسعوا نحو الباقين، فقتلوا منهم جماعة على شاطئ النهر، ورجعوا إليه بالرؤوس والأسرى، فأمر بضرب أعناقهم بعد مناظرة جرتْ بينه وبينهم، وأمر بالاحتفاظ بالرؤوس، وأقام إلى نصف النهار؛ وهو يسمع أصواتهم، فأتاه رجل من أهل البادية مستأمنًا، فسأله عن غَوْر النهر؛ فأعلمه أنه يعرف موضعًا منه يُخاض، وأعلمه أن القوم على معاودته بجمْعهم يقاتلونه؛ فنهض مع الرَّجل حتى أتى به موضعًا على مقدار ميل من المحمّدية، فخاض النهر بين يديه، وخاض الناس خلفه، وحمله ناصح المعروف بالرمليّ، وعبر بالدوابّ؛ فلما صار في شرقيّ النهر كرّ راجعًا نحو نهر ميمون؛ حتى أتى المسجد فنزل فيه، وأمر بالرؤوس فنُصِبت، وأقام يومه، وانحدر جيش رُميس بجمعه في بطن دُجيل، فأقاموا بموضع يعرف بأقشَى بإزاء النهر المعروف ببَرد الخيار، ووجّه طليعة فرجع إليه، فأخبره بمقام القوم هناك، فوجّه من ساعته ألفَ رجل، فأقاموا بسبَخة هناك على فُوّهة هذا النهر، وقال لهم: إن أتوْكم إلى المغرب؛ وإلّا فأعلموني، وكتب كتابًا إلى عَقيل، يذكره فيه أنه قد بايعه في جماعة من أهل الأبُلّة، وكتب إلى رُمَيس يذكّره حِلفه له بالسِّيب أنه لا يقاتله؛ وأنه يُنهي أخبارَ السلطان إليه، ووجّه بالكتابين إليهما مع بعض الأكرة بعد أن أحلفه أن يوصلهما. وسار من نهر ميمون يريد السَّبَخَة التي كان هيّأ فيها طليعةً؛ فلمّا صار إلى القادسية والشيِّفيَا، سمع هناك نعيرًا، ورأى رميًا؛ وكان إذا سار يتنكب القرى؛ فلم يدخلْها، وأمر محمد بن سَلْم أن يصير إلى الشيِّفيا في جماعة، فيسأل أهلها أن يُسلموا إليه قاتل الرجل من أصحابه في ممرّه كان بهم؛ فرجع إليه، فأخبره أنهم زعموا: أنَّه لا طاقة لهم بذلك الرّجل لولائه من الهاشميين، ومنعهم له؛ فصاح بالغلمان، وأمرهم بانتهاب القريتين، فانتهب منهما مالًا عظيمًا؛ عينًا ووَرِقًا وجوهرًا وحُلِيًّا وأواني ذهب وفضة، وسبى منهما يومئذ غلمانًا ونسوة؛ وذلك أوّلُ سَبْي سُبي، ووقفوا على دار فيها أربعة عشر غلامًا من غلمان الشورج، قد سُدّ عليهم باب؛ فأخذهم وأتِيَ بمولى الهاشميين القاتل صاحبه فأمر محمد بن سلم بضرب عنقه، ففعل ذلك، وخرج من القريتين في وقت العصر، فنزل السَّبَخة المعروفة ببرَد الخيار. فلما كان في وقت المغرب أتاه أحد أصحابه الستّة، فأعلمه أن أصحابه، قد

стр. 5812

شغلوا بخمور وأنبذة وجدوها في القادسيّة؛ فصار ومعه محمد بن سلم ويحيى بن محمد إليهم، فأعلمهم أنّ ذلك مما لا يجوز لهم، وحرّم النبيذ في ذلك اليوم عليهم، وقال لهم: إنكم تلاقون جيوشًا تقاتلونهم، فدعوا شُرب النجيذ والتشاغل به، فأجابوه إلى ذلك؛ فلما أصبح جاءه غلام من السودان، يقال له: قاقويه، فأخبره أن أصحاب رُميس قد صاروا إلى شرقيّ دُجيل، وخرجوا إلى الشطّ، فدعا عليّ بن أبان، فتقدم إليه أن يمضِيَ بالزّنج، فيوقع بهم؛ ودعا مشرقًا، فأخذ منه إصطرلابًا، فقاس به الشمس، ونظر في الوقت، ثم عبر وعبر الناس خلفَه القنطرة التي على النهر المعروف ببرَد الخيار؛ فلما صاروا في شرقيّه، تلاحق الناس بعليّ بن أبان، فوجدوا أصحاب رُميس وأصحاب عَقيل على الشطّ، والدَّبيلا في السفن يرمون بالنُّشاب، فحملوا عليهم؛ فقتلوا منهم مقتلةً عظيمة، وهبّتْ ريح من غربيّ دُجيل، فحملت السفن، فأدنتها من الشطّ، فنزل السودان إليها، فقتلوا مَنْ وجدوا فيها، وانحاز رُميس ومَنْ كان معه إلى نهر الدير على طريق أقشى، وترك سفنه لم يحرّكها ليظنّ أنه مقيم، وخرج عَقيل وصاحب ابن أبي عون إلى دِجْلة مبادريْن؛ لا يلويان على شيء. وأمر صاحب الزَّنْج بإخراج ما في السفن التي فيها الدَّبيلا؛ وكانت مقرونةً بعضها ببعض، فنزل فيها قاقويه ليفتّشها، فوجد رجلًا من الدَّبيلا، فحاول إخراجَه فامتنع عليه، وأهوى إليه بسُرتَي كان معه؛ فضربه ضربة على ساعده، فقطع بها عِرقًا من عروقه، وضربه ضربةً على رجله، فقطعتْ عصبةً من عصبه، وأهوى له قاقويه، فضربه ضربةً على هامته فسقط، فأخذ بشعره، واحتزّ رأسه؛ فأتى به صاحب الزّنج، فأمر له بدينار خفيف، وأمر يحيى بن محمد أن يقوِّدَه على مئة من السودان، ثم سار صاحب الزَّنج إلى قرية تعرف بالمهلبيّ تقابل قَيَّاران، ورجع السودان الذين كانوا اتّبعوا عَقيلًا وخليفة ابن أبي عون، وقد أخذ سُميريّة فيها ملّاحان؛ فسألهم عن الخبر، فقالوا: اتّبعناهم فطرحوا أنفسهم إلى الشطّ، وتركوا هذه السميريّة، فجئنا بها. فسأل الملّاحيْن، فأخبراه أن عقيلًا حملهما على اتباعه قهرًا، وحبس نساءهما حتى اتّبعاه، وفعل ذلك بجميع مَنْ تبعه من الملّاحين؛ فسألهما عن سبب مجيء الدّبيلا، فقالا: إنّ عقيلًا وعدهم مالًا؛ فتبعوه؛ فسألهما عن السفن

стр. 5813

الواقفة بأقشى، فقالا: هذه سفن رُميس وقد تركها، وهرب في أوّل النهار، فرجع حتى إذا حاذاها؛ أمر السودان فعبروا فأتوا بها؛ فأنهبهم ما كان فيها، وأمر بها فأحرِقت، ثم صار إلى القرية المعروفة بالمهلّبيّة اسمها تنغت، فنزل قريبًا مَنها، وأمر بانتهابها وإحراقها؛ فانتُهبتْ وأحرقت، وسار على نهر الماديان، فوجد فيها تمورًا، فأمر بإحراقها. وكان لصاحب الزَّنج بعد ذلك أمور من عيْشه هو وأصحابه في تلك الناحية تركنا ذكرها، إذ لم تكن عظيمة؛ وإن كان كلّ أموره كانت عظيمة. ثم كان من عظيم ما كان له من الوقائع مع أصحاب السلطان وقعة كانت مع رجل من الأتراك يكنى أبا هلال في سوق الرّيان؛ ذكر عن قائد من قوّاده يقال له ريحان، أن هذا التركيّ وافاهم في هذا السوق، ومعه زهاء أربعة آلاف رجل أو يزيدون، وفي مقدّمته قوم عليهم ثياب مُشهرَة وأعلام وطبول، وأن السودان حملوا عليه حملة صادقة، وأنّ بعض السودان ألقى صاحب علم القوم فضربه بخشبتين كانتا معه في يده فصرعه، وانهزم القوم، وتلاحق السودان، فقتلوا من أصحاب أبي هلال زُهاء ألف وخمسمئة، وإن بعضهم اتبع أبا هلال ففاته بنفسه على دابة عُرْي، وحال بينهم وبين من أفلت ظلمة الليل؛ وأنه لما أصبَح؛ أمر بتتبعهم، ففعلوا ذلك فجاؤوا بأسرى ورؤوس فقتل الأسرى كلهم. ثُمَّ كانت له وقعة أخرى بعد هذه الوقعة مع أصحاب السلطان؛ هزمهم فيها، وظفر بهم، وكان مبتدأ الأمر في ذلك - فيما ذكر عن قائد لصاحب الزنج من السودان يقال له: ريحان - أنه قال: لما كان في بعض الليل من ليالي هذه السنة التي ذكرنا أنه ظهر فيها، سمع نباح كلب في أبواب تعرف بعمرو بن مسعدة، فأمر بتعرّف الموضع الذي يأتي منه النّباح، فوجّه لذلك رجلًا من أصحابه، ثم رجع فأخبره أنه لم ير شيئًا؛ وعاد النباح، قال ريحان: فدعاني، فقال في: صر إلى موضع هذا الكلب النابح، فإنه إنما نَبح شخصًا يراه، فصرتُ فإذا أنا بالكلب على المسنّاة، ولم أر شيئًا، فأشرفتُ فإذا أنا برجل قاعد في درجات هنالك، فكلّمتُه، فلما سمعني أُفصحُ بالعربيّة، كلّمني، فقال: أنا سيْران بن عفولله، أتيتُ صاحبكم بكتب من شيعته بالبصْرة، وكان سيْران هذا أحد مَنْ صحب ص صاحب الزّنج أيام مُقامه بالبصرة، فأخذته فأتيته به، فقرأ الكتب التي كانت معه، وسأل عن الزّينبيّ وعن

стр. 5814

عدّة مَنْ كان معه، فقال: إن الزّينبيّ قد أعدّ لك الخوَل والمطّوعة والبلالية والسعدية؛ وهم خلق كثير، وهو على لقائك بهم ببَيَان، فقال له: اِخفض صوتَك، لئلا يرتاع الغلمان بخبرك، وسأله عن الذي يقود هذا الجيش، فقال: قد نُدِب لذلك المعروف بأبي منصور، وهو أحد موالي الهاشميين، قال له: أفرأيتَ جمعَهم؟ قال: نعم؛ وقد أعدُّوا الشُّرُط لكتف من ظفروا به من السودان، فأمره بالانصراف إلى الموضع الذي يكون فيه مُقامه، فانصرف سيران إلىِ عليّ بن أبان ومحمد بن سلم ويحيى بن محمد، فجعل يحدّثهم إلى أن أسْفر الصبح، ثم سار صاحب الزَّنج إلى أن أشرف عليهم، فلما انتهى إلى مؤخَّر تُرْسَى وبرسونا وسندادان بَيَان، عرض له قوم يريدون قتاله، فأمر عليّ بن أبان فأتاهم فهزمهم، وكان معهم مئة أسود، فظفر بهم، قال ريحان: فسمعته يقول لأصحابه: من أمارات تمام أمركم ما تروْن من إتيان هؤلاء القوم بعبيدهم فيسلِّمونهم إليكم، فيزيد الله في عددكم ثم سار حتى صار إلى بَيَان. قال ريحان: فوجّهني وجماعة من أصحابه إلى الحجر لطلب الكاروان وعسكرهم في طرف النخل في الجانب الغربيّ من بيان، فتوجّهنا إلى الموضع الذي أمرنا بالمصير إليه، فألفينا هناك ألفًا وتسعمئة سفينة، ومعها قوم من المطوّعة قد احتبسوها، فلما رأوْنا خلَّوْا عن السفن، وعبروا سُلبان عَرايا ماضين نحو جُوبك، وسقْنا السفن حتى وافيناه بها، فلما أتيناه بها أمر فبُسِط له على نشز من الأرض وقعد، وكان في السفن قوم حجّاج أرادوا سلوك طريق البصرة؛ فناظرهم بقيّة يومه إلى وقت غروب الشمس، فجعلوا يصدقونه في جميع قوله، وقالوا: لو كان معنا فضل نفقة لأقمنا معك، فردّهم إلى سفُنهم؛ فلما أصبحوا أخرجهم، فأحلفهم ألّا يخبروا أحدًا بعدّة أصحابه، وأن يقللوا أمره عند من سألهم عنه، وعرضوا عليه بساطًا كان معهم، فأبدله ببساط كان معه، واستحلفهم أنه لا مال للسلطان معهم ولا تجارة، فقالوا: معنا رجل من أصحاب السلطان، فأمر بإحضاره، فأحضر، فحلف الرَّجل أنه ليس من أصحاب السلطان، وأنه رجل معه نُقْل أراد به البصرة، فأحضر صاحب السفينة التي وُجد فيها، فحلف له أنه إنما اتّجر فيه، فحمله فخلى سبيله، وأطلق الحجاج فذهبوا، وشرع أهل سليمانان على بيان بإزائه في شرقيّ النهر؛ فكلمهم أصحابُه

стр. 5815

وكان فيهم حسين الصيدنانيّ الذي كان صحبه بالبصرة؛ وهو أحد الأربعة الذين ظهروا بمسجد عبّاد، فلحق به يومئذ؛ فقال له: لِمَ أبطأتَ عني إلى هذه الغاية؟ قال: كنتُ مختفيًا، فلما خوج هذا الجيش دخلتُ في سواده، قال: فأخبِرْني عن هذا الجيش، ما هم؟ وما عدّة أصحابه؟ قال: خوج من الخَوَل بحضرتي ألف ومئتا مقاتل، ومن أصحاب الزينبيّ ألف، ومن البلاليّةِ والسعديّة زهاء ألفين، والفرسان مائتا فارس، ولما صاروا بالأبُلّة وقع بينهم وبين أهلها اختلاف؛ حتى تلاعنوا، وشتم الخَوَلُ محمد بن أبي عون، وخلفتُهم بشاطئ عثمان وأحسبهم مصبّحيك في غد، قال: فكيف يريدون أن يفعلوا إذا أتونا؟ قال: هم على إدخال من سندادان بَيان، ويأتيك رجَّالتهم من جنبي النهر. فلما أصبح وجّه طليعةً ليعرف الخبر، واختاره شيخًا ضعيفًا زمِنًا لئلا يُعرض له؛ فلم يرجع إليه طليعتُه، فلمّا أبطأ عنه وجّه فتحًا الحجام ومعه ثلاثمائة رجل، ووجّه يحيى بن محمد سندادان، وأمره أن يخرج في سو بَيَان، فجاءه فَتْح فأخبره أن القوم مقبلون إليه في جمع كثير، وأنهم قد أخذُوا جنبي النَّهر؛ فسأل عن المدّ، فقيل: لم يأتِ بعدُ، فقال: لم تدخل خيلُهم بعد، وأمر محمد بن سَلْم وعليّ بن أبان أن يقعدوا لهم في النخل، وقعد هو على جَبل مشرف عليهم؛ فلم يلبث أن طلعت الأعلام والرّجال حتى صاروا إلى الأرض المعروفة بأبي العلاء البلخيّ؛ وهي عطفة على دُبَيران؛ فأمر الزّنج فكبَّروا ثم حملوا عليهم فوافوا بهم دبيران، ثم حمل الْخَوَل يقدُمهم أبو العباس بن أيمن المعروف بأبي الكباش وبشير القيسيّ، فتراجع الزَّنج حتى بلغوا الجبل الذي هو عليه، ثم رجعوا عليهم؛ فثبتوا لهم، وحمل أبو الكباش على فَتْح الحجام فقتله، وأدرك غلامًا يقال له دينار من السودان فضربَه ضربات، ثم حمل السودان عليهم، فوافَوْا بهم شاطئ بيان، وأخذتهم السيوف. قال ريحان: فعهدِي بمحمد بن سلم وقد ضرب أبا الكباش، فألقى نفسه في الطين، فلحقه بعضُ الزّنج، فاحتزّ رأسه، وأما عليّ بن أبان؛ فإنّه كان ينتحل قتل أبي الكباش وبشير القيسيّ، وكان يتحدّث عن ذلك اليوم فيقول: كان أوّل مَنْ لقيني بشير القيسيّ، فضربني وضربتُه، فوقعتْ ضربته في تُرسي، ووقعت ضربتي في صدره وبطنه؛ فانتظمتْ جوانح صدره، وفريتُ بطنَه، وسقط

стр. 5816

فأتيته، فاحتززتُ رأسه، ولقيني أبو الكباش، فشُغِل بي، وأتاه بعضُ السودان من ورائه فضربه بعصًا كانت في يده على ساقيه؛ فكسرهما فسقط، فأتيتُه ولا امتناع به، فقتلته واحتززتُ رأسه؛ فأتيت بالرأسين صاحب الزَّنج. قال محمد بن الحسن بن سهل؛ سمعت صاحبَ الزّنج يخبر أن عليًّا أَتاه برأس أبي الكباش ورأس بشير القيسيّ - قال: ولا أعرفهما - فقال: كان هذان يقدمان القوم، فقتلتهما فانهزم أصحابهما لمّا رأوا مصرعهما. قال ريحان - فيما ذكر عنه: وانهزم الناص فذهبوا كلّ مذهب، واتّبعهم السودان إلى نهر بَيَان، وقد جَزَر النهر، فلما وافوْه انغمسوا في الوحْل، فقتِل أكثرهم، قال: وجعل السودان يمرّون بصاحِبِهم دينار الأسود الذي كان أبو الكباش ضربه، وهو جريح ملقىً فيحسبونه من الخوَل فيضربونه بالمناجل حتى أثخِن، ومرّ به من عرفه، فحمل إلى صاحب الزّنج، فأمر بمداواة كلومِه. قال ريحان: فلما صار القوم إلى فُوّهة نهر بيان، وغرق مَنْ غرق، وأخذت السفن التي كانت فيها الدوابّ، إذا ملوّح يلوّح من سفينة، فأتيناه فقال: ادخلوا النهر المعروف بشريكان، فإنّ لهم كمينًا هناك، فدخل يحيى بن محمد وعليّ بن أبان، فأخذ يحيى في غربيّ النهر، وسلك عليّ بن أبان في شرقيّة؛ فإذا كمين في زهاء ألف من المغاربة، ومعهم حسين الصَّيْدانيّ أسيرًا قال: فلمّا رأوْنا شدّوا على الحسين؛ فقطّعوه قطعًا، ثم أقبلوا إلينا، ومدّوا رماحَهم، فقاتلوا إلى صلاة الظهر، ثم أكبّ السودان عليهم فقتلوهم أجمعين، وحَووْا سلاحهم؛ ورجع السودان إلى عسكرهم؛ فوجدوا صاحبهم قاعدًا على شاطئ بيان، وقد أتِيَ بنيّف وثلاثين عَلَمًا وزهاء ألف رأس، فيها رؤوس أنجاد الخَوَل وأبطالهم؛ ولم يلبث أن أتوْه بزهير يومئذ. قال ريحان: فلم أعرفه، فأتى يحيى وهو بين يديْه، فعرفه فقال في: هذا زهير الخَوَل؛ فما استبقاؤك إياه! فأمر به فضُربت عنقه، وأقام صاحب الزنج يومه وليلته، فلما أصبح وجّه طليعة إلى شاطئ دجْلة، فأتاه طليعته، فأعلمه أن بدجلة شَذَاتَين لاصقتين بالجزيرة، والجزيرة يومئذ على فُوّهة القَنْدَل، فردّ الطليعة بعد العصر إلى دجلة ليعرف الخبر؛ فلمّا كان وقت المغرب أتاه المعروف بأبي العباس خال ابنه الأكبر، ومعه رجل من الجند يقال له عمران، وهو زَوْج أم

стр. 5817

أبي العباس هذا، فصفّ لهما أصحابه، ودعا بهما؛ فأدّى إليه عمران رسالة ابن أبي عون، وسأله أن يعبر بيانًا ليفارق عمله، وأعلمه أنه قد نحّى الشذَا عن طريقه، فأمر بأخذ السفن التي تخترق بَيَانًا من جُبَّى، فصار أصحابه إلى الحجر، فوجدوا في سُلبان مئتي سفينة، فيها أعدال دقيق، فأخِذَتْ، ووُجد فيها أكسية وبرّكانات، وفيها عشرة من الزَّنْج، وأمر الناس بركوب السفن، فلما جاء المدّ وذلك في وقت المغرب - عبر وعبر أصحابه حيال فُوّهة القندل، واشتدّت الريح، فانقطع عنه من أصحابه المكنّى بأبي دلف، وكان معه السفن التي فيها الدقيق؛ فلمّا أصبح وافاه أبو دلف فأخبره أن الرّيح حملته إلى حسك عِمْران، وأن أهل القرية همُّوا به؛ وبما كان معه، فدفعهم عن ذلك، وأتاه من السودان خمسون رجلًا، فسار عند موافاة السفن والسودان إياه حتى دخل القَنْدل، فصار إلى قرية للمعَلَّى بن أيوب، فنزلها، وانبثّ أصحابه إلى دُبّا، فوجدوا هناك ثلثمئة رجل من الزَّنْج، فأتوْه بهم، ووجدوا وكيلًا للمعلّى بن أيوب، فطالبه بمال، فقال: اعبُر إلى برسان، فآتيك بالمال، فأطلقه، فذهب ولم يَعُد إليه؛ فلما أبطأ عليه أمر بانتهاب القرية فانتُهبت. قال ريحان - فيما ذكر عنه: فلقد رأيتُ صاحب الزَّنج يومئذ ينتهب معنا، ولقد وقعتْ يدي ويده على جبّة صوف مُضرّبة؛ فصار بعضها في يده وبعضها في يدي، وجعل يجاذبني عليها حتى تركتُها له، ثم سار حتى صار إلى مسلحة الزينبيّ على شاطئ القَنْدَل في غربيّ النهر، فثبت له القوم الذين كانوا في المسلحة: وهم يروْن أنهم يطيقونه، فعجزوا عنه؛ فقتِلوا أجمعين؛ وكانوا زُهاء مئتين، وبات ليلته في القَصْر، ثم غدا في وقت المدّ قاصدًا إلى سَبَخة القَنْدل، واكتنف أصحابه حافتي النهر، حتى وافوا مُنْذُران، فدخل أصحابه القرية فانتهبوها، ووجدوا فيها جمعًا من الزَّنج، فأتوه بهم، ففرّقهم على قوّاده، ثم صار إلى مؤخّر القَنْدل، فأدخل السفن النهر المعروف بالحَسَني النافذ إلى النهر المعروف بالصالحيّ؛ وهو نهر يؤدي إلى دُبَّا، فأقام بسبَخةٍ هناك. فذكر عن بعض أصحابه أنه قال: هاهنا قوّد القوّاد؛ وأنكر أن يكون قوّد قبل ذلك، وتفرّق أصحابُه في الأنهار حتى صاروا إلى مربّعةِ دُبَّا، فوجدوا رجلًا من التمّارين من أهل كلّاء البصرة، يقال له: محمد بن جعفر المُريديّ، فأتوه به،

стр. 5818

فسلّم عليه وعرفه، وسأله عن البلاليّة، فقال: إنما أتيتُك برسالتهم، فلقيني السودان، فأتوْك بي، وهم يسألونك شروطًا إذا أعطيتَهم إياها سمعوا لك وأطاعوا، فأعطاه ما سأل لهم، وضمن القيام له بأمرهم؛ حتى يصيروا في حيّزه، ثم خلّى سبيله، ووجّه معه مَنْ صيّره إلى الفيّاض، ورجع عنه، فأقام أربعة أيام ينتظره؛ فلم يأته، فسار في اليوم الخامس وقد سرّح السفن التي كانت معه في النهر، وأخذ هو على الظهر فيما بين نهر يقال له: الدّاورْدانيّ والنهر المعروف بالحسَنيّ والنهر المعروف بالصالحي، فلم يتعدّ حتى رأى خيلًا مقبلة من نحو نهر الأمير زهاء ستمئة فارس، فأسرع أصحابُه إلى النهر الدَّاوردانيّ، وكان الخيل في غربية، فكلَّموهم طويلًا، وإذا هم قوم من الأعراب فيهم عنترة بن حجنا، وثمال، فوجّه إليهم محمد بن سلم، فكلّم ثمالًا وعنترة، وسألا عن صاحب الزَّنج، فقال: ها هو ذا، فقال: نريد كلامَه، فأتاه فأخبره بقولهما، وقال له: لو كلّمتَهما! فزجره، وقال: إنّ هذا مكيدة، وأمر السودان بقتالهم، فعَبرُوا النهر، فعدلت الخيل عن السودان، ورفعوا علمًا أسود، وظهر سليمان أخو الزينبيّ - وكان معهم - ورجع أصحاب صاحب الزَّنْج، وانصرف القوم، فقال لمحمد بن سلم: ألم أعلمك أنهم إنما أرادوا كيدَنا! وسار حتى صار إلى دُبّا، وانبثّ أصحابه في النخل، فجاؤوا بالغنم والبقر، فجعلوا يذبحون ويأكلون، وأقام ليلته هناك؛ فلمّا أصبح سار حتى دخل الأرخنج المعروف بالمطّهريّ، وهو أرخنج ينفذ إلى نهر الأمير المقابل للفيّاض من جانبيه، فوجدوا هناك شهاب بن العلاء العنبريّ، ومعه قوم من الخَول، فأوقعوا به، وأفلت شهاب في نُفَير ممن كان معه، وقُتِل من أصحابه جماعة، ولحق شهاب بالمنصف من الفيّاض، ووجد أصحاب صاحب الزّنج ستمئة غلام من غلمان الشورجيّين هناك، فأخذوهم، وقتلوا وكلاءهم، وأتوْه بهم، ومضى حتى انتهى إلى قصر يعرف بالجوهريّ على السَّبَخة المعروفة بالبرامكة، فأقام فيه ليلَته تلك؛ ثم سار حيث أصبح حتى وافى السَّبَخة التي تُشرَع على النهر المعروف بالديناريّ، ومؤّخرها يُفضي إلى النهر المعروف بالمحدث، فأقام بها، وجمع أصحابه، وأمرهم ألا يعجّلوا بالذهاب إلى البصرة حتى يأمرهم وتفرّق أصحابُه في انتهاب كلّ ما وجدوا وبات هناك ليلته تلك.

стр. 5819

ذكر الخبر عن مسير صاحب الزنج بزنوجه وجيوشه فيها إلى البصرة (١) ذكر: أنه سار من السَّبخَة التي تشرع على النهر المعروف بالديناريّ، ومؤخرها يفضي إلى النهر المعروف بالحدث، بعدما جمع بها أصحابه يريد البصرة؛ حتى إذا قابل النهر المعروف بالرياحيّ أتاه قوم من السودان، فأعلموه: أنهم رأوا في الرياحيّ بارقةً، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى تنادى الزّنج السلاح، فأمر عليّ بن أبان بالعُبور إليهم، وكان القوم في شرقيّ النهر المعروف بالديناريّ، فعبَر في زهاء ثلاثة آلاف، وحبّش صاحب الزَّنج عنده أصحابه، وقال لعليّ: إن احتجتَ إلى مزيد في الرّجال فاستمدّني، فلما مضى، صاح الزّنج: السلاح! لحركة رأوْها من غير الجهة التي صار إليها عليّ، فسأل عن الخبر، فأخبِر أنه قد أتاه قوم من ناحية القرية الشارعة، على نهر حرْب المعروفة بالجعفريّة، فوجّه محمد بن سلْم إلى تلك الناحية. فذكر عن صاحبه المعروف بريحان، أنه قال: كنتُ فيمن توجّه مع محمد، وذلك في وقت صلاة الظهر، فوافينا القومَ بالجعفريّة، فنَشب القتال بيننا وبينهم إلى آخر وقت العصر، ثم حمل السودان عليهم حملةً صادقة، فولّوْا منهزِمين وقُتِل من الجند والأعراب وأهل البصرة البلالية والسعدية خمسمئة رجل، وكان فتْح المعروف بغلام أبي شيث معهم يومئذ، فولى هاربًا، فاتّبعه فيروز الكبير؛ فلمّا رآه جادًّا في طلبه رماه ببيضة كانت على رأسه؛ فلم يرجع عنه؛ فرماه بترسه فلم يرجع عنه، فرماه بتنّور حديد كان عليه فلم يرجع عنه؛ ووافى به نهر حرْب، فألقى فتحٌ نفسه فيه، فأفلت ورجع فيْروز، ومعه ما كان فتح ألقاه من سلاحه؛ حتى أتى به صاحب الزَّنج.

стр. 5820

قال محمد بن الحسن: قال شِبْل: حُكيَ لنا: أنّ فتحًا طفَر يومئذ نهر حرب، قال: فحدّثت هذا الحديث الفضل بن عدّي الدارميَّ، فقال: أنا يومئذ مع السعديّة، ولم يكن على فتح تنُّور حديدٍ، وما كان عليه إلا صُدْرة حرير صفراء، ولقد قاتل يومئذ حتى لم يبق أحد يقاتل، وأتى نهر حرب، فوثبه، حتى صار إلى الجانب الغربيّ منه، ولم يُعرف ما حكى ريحان من خبر فيروز. قال: وقال ريحان: لقيتُ فيروز قبل انتهائه إلى صاحب الزَّنج، فاقتصّ عليّ قصّته وقصّة فَتْح، وأراني السلاح، وأقبل الزّنج على أخذ الأسلاب، وأخذتُ على النهر المعروف بالدّيناريّ؛ فإذا أنا برجل تحت نخلة عليه قلنسوة خزّ، وخُفّ أحمر ودرّاعة، فأخذتُه فأراني كتبًا معه، وقال في: هذه كتبٌ لقوم من أهل البصرة، وجّهوني بها، فألقيت في عنقه عمامة، وقدته إليه، وأعلمته خبره، فسأله عن اسمه فقال: أنا محمد بن عبد الله، وأكنَّى بأبي الليث، من أهل أصبهان، وإنما أتيتُك راغبًا في صحبتك، فقبِله، ولم يلبث أن سمع تكبيرًا؛ فإذا عليّ بن أبان قد وافاه ومعه رأسُ البلاليّ المعروف بأبي الليث القواريريّ. قال: وقال شِبْل: الذي قتل أبا الليث القواريريّ وصيف المعروف بالزّهريّ وهو من مذكوري البلاليّة، ورأس المعروف بعبْدان الكسبيّ، وكان له في البلاليّة صوت في رؤوس جماعة منهم، فسأله عن الخبر فأخبره أنه لم يكن فيمن قاتله أشدّ قتالًا من هذين - يعني أبا الليث وعبدان - وأنه هزمهم حتى ألقاهم في نهر نافذ؛ وكانت معهم شذاة فغرّقها، ثم جاءه محمد بن سلْم ومعه رجل من البلالية أسيرًا، أسره شِبْل يقال له محمد الأزرق القوايريّ، ومعه رؤوس كثيرة، فدعا الأسير فسأله عن أصحاب هذين الجيشين، فقال له: أما الذين كانوا في الرياحيّ فإنّ قائدهم كان أبا منصور الزّينبيّ، وأما الذين كانوا مما يلي نهر حرب، فإن قائدهم كان سليمان أخا الزينبي من ورائهم مُصْحرًا، فسأله عن عددهم فقال له: لا أحصيهم، إلّا أني أعلم أنهم كثير عددهم، فأطلق محمد القواريريّ، وضمه إلى شِبْل، وسار حتى وافى سَبَخة الجعفرية، فأقام ليلتَه بين القتلى؛ فلما أصبح جمع أصحابه فحذَّرهم أن يدخل أحد منهم البصرة، وسار فتسرّع منهم أنكلويه وزُريق وأبو الخَنْجر - ولم يكن قُوِّد يومئذ - وسليم ووصيف الكوفيّ، فوافَوا النهر المعروف بالشاذاني، وأتاهم أهل البصرة، وكَثروا عليهم؛ وانتهى الخبر إليه،

стр. 5821

فوجّه محمد بن سلْم وعليّ بن أبان ومشرقًا غلام يحيى في خلق كثير، وجاء هو يسايرهم؛ ومعه السفن التي فيها الدوابّ المحمولة ونساء الغلمان حتى أقام بقنطرة نهر كثير. قال ريحان: فأتيته وقد رُميت بحجر، فأصاب ساقي، فسألني عن الخبر فأخبرته أنّ الحرب قائمة، فأمرني بالرّجوع، وأقبل معي حتى أشرف على نهر السيابجة، ثم قال في: امض إلى أصحابنا، فقل لهم يستأخروا عنهم، فقلت له: ابعد عن هذا الموضع فإني لست آمنُ عليك الخَول، فتنحّى، ومضيت فأخبرت القوّاد بما أمر به، فتراجعوا، وأكبّ أهل البصرة عليهم، وكانت هزيمة، وذلك عند العصر، ووقع الناس في النهرين: نهر كثير ونهر شَيْطان، فجعل يهتف بهم ويردّهم فلا يرجعون، وغرق جماعة من أصحابه في نهر كثير، وقتِل منهم جماعة على شطّ النهر وفي الشاذانيّ؛ فكان ممن غرق يومئذ من قوّاده أبو الجون ومبارك البحرانيّ وعطاء البربريّ وسلام الشأميّ، ولحقه غلام أبي شيث وحارث القَيْسيّ وسُحيل، فعَلَوا القنطرة، فرجع إليهم وانهزموا عنه حتى صاروا إلى الأرض، وهو يومئذ في دُرّاعة وعمامة ونعل وسيف، وتُرسه في يده؛ ونزل عن القنطرة وصعدها البصريون يطلبونه، فرجع فقتل منهم بيده رجلًا على خمس مراق من القنطرة، وجعل يهتف بأصحابه ويعرّفهم مكانه، ولم يكن بقي معه في ذلك الموضع من أصحابه إلا أبو الشّوْك ومصلح ورفيق غلام يحيى. قال ريحان: فكنت معه فرجع؛ حتى صار إلى المعلّى، فنزل في غربيّ نهر شيطان. قال محمد بن الحسن: فسمعتُ صاحب الزَّنج يحدّث، قال: لقد رأيتُني في بعض نهار هذا اليوم؛ وقد ضللت عن أصحابي، وضلّوا عني، فلم يبق معي إلا مصلح ورفيق، وفي رِجْلي نعل سنديّ، وعليّ عمامة قد انحلّ كُور منها فأنا أسحبها من ورائي، ويعجلني المشيّ عن رفعها، ومعي سيفي وتُرسِي، وأسرع مصلح ورفيق في المشي وقصّرتُ، فغابا عني، ورأيت في أثري رجلين من أهل البصرة؛ في يد أحدهما سيف، وفي يد الآخر حجارة، فلما رأياني عَرَفاني، فجدّا في طلبي، فرجعت إليهما فانصرفا عني، ومضيتُ حتى خرجت إلى

стр. 5822

الموضع الذي فيه مجمع أصحابي؛ وكانوا قد تحيَّروا لفقدي؛ فلما رأوْني سكنوا إلى رؤيتي. قال ريحان: فرجع بأصحابه إلى موضع يعرف بالمعلّى في غربيّ نهر شيطان، فنزل به، وسأل عن الرّجال؛ فإذا قد هرب كثير منهم، ونظر فإذا هو من جميع أصحابه في مقدار خمسمئة رجل، فأمر بالنفخ في البوق الذي كانوا يجتمعون لصوته، فلم يرجع إليه أحد، وبات ليلته، فلما كان في بعض الليل جاء الملقب بجُرْبان، وقد كان هرب فيمن هرب، ومعه ثلاثون غلامًا فسأله: أين كانت غيبته؟ فقال: ذهبت إلى الزّوارقة طليعةً. قال ريحان: ووجّهني لأتعرّف له مَنْ في قنطرة نهر حَرْب، فلم أجد هناك أحدًا، وقد كان أهل البصرة انتهبُوا السفن التي كانت معه، وأخذوا الدوابّ التي كانت فيها في هذا اليوم، وظفروا بمتاع من متاعه، وكتب من كتبه، وإصطرلابات كانت معه؛ فلما أصبح من غد هذا اليوم نظر في عدة أصحابه، فإذا هم ألف رجل قد كانوا ثابوا إليه في ليلتهم تلك. قال ريحان: فكان فيمن هرب شبل، وكان ناصح الرّمليّ ينكر هرب شبل، قال ريحان: فرجع شبل من غد، ومعه عشرة غلمان، فلامه وعنّفه وسأل عن غلام كان يقال له نادر يكنى بأبي نعجة، وعن عنبر البربريّ؛ فأخبر أنهما هربا فيمن هرب، فأقام في موضعه، وأمر محمد بن سلم أن يصير إلى قنطرة نهر كَثير، فيعظ الناس ويُعلمهم ما الذي دعاه إلى الخروج، فصار محمد بن سلم وسليمان بن جامع ويحيى بن محمد، فوقف سليمان ويحيى، وعبر محمد بن سلِم حتى توسَّط أهل البصرة، وجعل يكلِّمهم، ورأوْا منه غِرّة فانطووا عليه؛ فقتلوه. قال الفضل بن عديّ: عَبَر محمد بن سلم إلى أهل البصرة ليعظهم وهم مجتمعون في أرض تعرف بالفَضْل بن ميمون؛ فكان أوّل من بدر إليه وضربه بالسيف فتحٌ غلام أبي شيث، وأتاه ابن التّومنيّ السعديّ، فاحتزّ رأسه، فرجع سليمان ويحيى إليه، فأخبراه الخبر، فأمرهما بطيِّ ذلك عن الناس حتى يكون هو الذي يقوله لهم، فلمّا صلى العصر نعى محمد بن سلم لأصحابه، وعرف خبره من لم يكن عرفه، فقال لهم: إنكم تقتلون به في غد عشرة آلاف من أهل البصرة، ووجّه زُريقًا وغلامًا له يقال له: سقلبتويا، وأمرهما بمنع الناس من

стр. 5823

العبور؛ وذلك في يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة خمس وخمسين ومئتين. قال محمد بن الحسن: فحدّثني محمد بن سمعان الكاتب، قال: لما كان في يوم الإثنين لأربع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة جمع له أهل البصرة، وحشدوا له لمّا رأوا من ظهورهم عليه في يوم الأحد، وانتدب لذلك رجل من أهل البصرة يعرف بحمّاد الساجيّ - وكان من غُزاة البحر - في الشَّذَا، وله علم بركوبها والحرب فيها، فجمع المطوعة ورماة الأهداف، وأهل المسجد الجامع ومَنْ خفّ معه من حزبي البلالية والسعدية، ومَنْ أحبّ النظر من غير هذه الأصناف من الهاشميّين والقرشيين وسائر أصناف الناس، فشحن ثلاثة مراكب من الشّذا من الرماة، وجعلوا يزدحمون في الشذا حرصًا على حضور ذلك المشهد، ومضى جمهور الناس رجّالة، منهم من معه السلاح، ومنهم نظّارة لا سلاح معهم، فدخلت الشَّذَا والسفن النهرَ المعروف بأم حبيب بعد زوال الشمس من ذلك اليوم في المدّ ومرّت الرّجالة والنظارة على شاطئ النهر، قد سدّوا ما ينفذ فيه البصر تكاثفًا وكثرة، وكان صاحب الزنج مقيمًا بموضعه من النهر المعروف بشيطان. قال محمد بن الحسن: فأخبرنا صاحبُ الزّنج أنه لما أحسّ بمصير الجمع إليه، وأتته طلائعه بذلك وَجّه زُريقًا وأبا الليث الأصبهانيّ في جماعة معهما في الجانب الشرقيّ من النهر كمينًا وشِبْلًا وحسينًا الحماميّ في جماعة من أصحابه في الجانب الغربيّ بمثل ذلك، وأمر عليّ بن أبان ومَنْ بقي معه من جمْعه بتلقِّي القوم، وأن يجثوا لهم فيمن معه، ويستتروا بتراسهم فلا يثور إليهم منهم ثائر حتى يوافيَهم القوم ويُوموا إليهم بأسيافهم؛ فإذا فَعلوا ذلك ثاروا إليهم، وتقدّم إلى الكمينين: إذا جاوزهما الجمع وأحسَّا بثورة أصحابهم إليهم أن يخرجا من جنبتي النهر، ويصيحا بالناس، وأمر نساء الزّنج بجمع الآجرّ وإمداد الرجال به. قال: وكان يقول لأصحابه بعد ذلك: لمّا أقبل إليّ الجمع يومئذ وعاينته رأيت أمرًا هائلًا راعني، وملأ صدري رهبة وجَزعًا، وفزعت إلى الدعاء، وليس معي من أصحابي إلا نفر يسير؛ منهم مصلح؛ وليس منا أحد إلا وقد خُيِّل له مصرعه في ذلك، فجعل مصلح يعجّبني من كثرة ذلك الجمع، وجعلت أومئ إليه أن يمسك فلما قرب القوم مني قلت: اللهم إن هذه ساعة العسرة، فأعني، فرأيت

стр. 5824

طيورًا بيضًا تلقّتْ ذلك الجمع، فلم أستتمّ كلامي حتى بصرت بُسميريّة قد انقلبتْ بمن فيها، فغرقوا ثم تلتها الشّذَا، وثار أصحابي إلى القوم الذين قصدوا لهم فصاحوا بهم، وخرج الكمينان عن جنبتي النهر من وراء السفن والرّجّالة، وخبطوا مَنْ ولّى من الرّجّالة والنظَّارة الذين كانوا على شاطئ النهر المعروف، فغرقت طائفة، وقتلت طائفة، وهربت طائفة نحو الشطّ طمعًا في النجاة، فأدركها السيف؛ فمن ثبت قُتِل، ومن رجع إلى الماء غرق، ولجأ من كان على شاطئ النهر من الرّجّالة إلى النهر فغرقوا وقتِلوا، حتى أبير أكثر ذلك الجمع، ولم ينج منهم إلا الشريد، وكثر المفقودون بالبصرة، وعلا العويل من نسائهم، وهذا يوم الشذا الذي ذكره الناس، وأعظموا ما كان فيه من القتل، وكان فيمن قتل من بني هاشم جماعة من ولد جعفر بن سليمان وأربعون رجلًا من الرّماة المشهورين؛ في خلق كثير لا يحصى عددهم وانصرف الخبيث وجُمعت له الرؤوس، فذهب إليه جماعة من أولياء القتلى، فعرضها عليهم، فأخذوا ما عرفوا منها، وعبّأ ما بقى عنده من الرؤوس التي لم يأت لها طالب في جريبيّة ملأها منها، وأخرجها من النهر المعروف بأم حبيب في الجزر، وأطلقها، فوافت البصرة، فوقفت في مشرعة تعرف بمشرعة القيّار، فجعل الناس يأتون تلك الرؤوس، فيأخذ رأسَ كل رجل أولياؤه، وقويَ عدوَّ الله بعد هذا اليوم، وتمكن الرّعب في قلوب أهل البصرة منه، وأمسكوا عن حربه، وكتِب إلى السلطان بخبر ما كان منه، فوجّه جُعْلان التركيّ مددًا لأهل البصرة، وأمر أبا الأحوص الباهليّ بالمصير إلى الأبُلّة واليًا، وأمدّه برجل من الأتراك يقال له: جُريح. فزعم الخبيث أنّ أصحابه قالوا له بعقب هذه الوقعة: إنا قد قتلنا مقاتلة أهل البصرة، ولم يبق فيها إلا ضعفاؤهم ومَنْ لا حراك به، فائْذنْ لنا في تقحُّمها. فزَبرَهم وهجَّن آراءهم، وقال لهم: لا بل ابعدوا عنها؛ فقد أرعبناهم وأخفناهم وأمنتم جانبهم؛ فالرأي الآن أن تَدَعو حربَهم حتى يكونوا هم الذين يطلبونكم، ثم انصرف بأصحابه إلى سَبَخة بمآخير أنهارهم إردبّ يقارب النهر المعروف بالحاجر، قال شبل: هي سَبخة أبي قرّة وقعها بين النهرين: نهر أبي قرّة والنهر المعروف بالحاجر.

стр. 5825

فأقام هناك، وأمر أصحابه باتخاذ الأكواخ، وهذه السبخة متوسطة النخل والقرى والعمارات، وبثّ أصحابه يمينًا وشمالًا يغير بهم على القرى، ويقتل بهم الأكرة وينهب أموالهم، ويسوق مواشيَهم. فهذا ما كان من خبره وخبر الناس الذين قربوا من موضع مخرجه في هذه السنة. * * * ولليلتين بقيتا من ذي القعدة منها حُبس الحسن بن محمد بن أبي الشوارب القاضي، ووُلِّي عبد الرحمن بن نائل البصريّ قضاء سامرّا في ذي الحجة منها (١). وحجّ بالناس فيها عليّ بن الحسن بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن عليّ (٢). * * * ثم دخلت سنة ست وخمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث الجليلة [ذكر الخبر عن وصول موسى بن بغا إلى سامرّا واختفاء صالح] فمن ذلك ما كان من موافاة موسى بن بُغا سامُرّا واختفاء صالح بن وصيف لمقدَمه، وحَمْل من كان مع موسى من قوّاد المهتدي من الجوسق إلى دار ياجور (٣). ذكر أنّ دخول موسى بن بغا سامرّا بمن معه كان يوم الإثنين لإحدى عشرة ليلة خلتْ من المحرّم من هذه السنة؛ فلما دخلها أخذ في الحَيْر، وعبّأ أصحابه ميمنة وميسرة وقلبًا في السلاح، حتى صار إلى باب الحَيْر مما يلي الجوسق والقصر

стр. 5826

الأحمر؛ وكان ذلك يومًا جلس فيه المهتدي للناس للمظالم؛ فكان ممن أحضره في ذلك اليوم بسبب المظالم أحمد بن المتوكل بن فِتيان؛ فكان في الدار إلى أن دخل الموالي، فحملوا المهتدي إلى دار ياجور، واتّبعه أحمد بن المتوكِّل إلى ما هناك، فلم يزل موكّلًا به في مضرب مفلح إلى أن انقطع الأمر، ورُدَّ المهتدي إلى الجوسق، ثم أطلق، وكان القيّم يأمر دار الخلافة بايكباك، فصيّرها إلى ساتكين قبل ذلك بأيام، فظنّ الناس أنه إنما فعل ذلك لثقتِه بساتكين، وأنه على أن يغلب على الدار والخليفة وقت قدوم موسى، فلما كان في ذلك اليوم لزم منزله، وترك الدار خالية، وصار موسى في جيشه إلى الدار، والمهتدي جالس للمظالم؛ فأعلم بمكانه، فأمسك ساعة عن الإذن، ثم أذن لهم، فدخلوا فجرى من الكلام نحوُ ما جرى يوم قَدِم الوفد والرسل، فلمّا طال الكلام تراطنوا فيما بينهم بالتركيّة، وأقاموه من مجلسه، وحملوه على دابة من دواب الشاكريّة، وانتهبوا ما كان في الجوْسق من دوابّ الخاصة، ومضوْا يريدون الكرخ، فلما صاروا عند باب الحيْر في القطائع عند دار ياجور أدخلوه دار ياجور. فذُكِر عن بعضِ الموالي ممن حضرهم ذلك اليوم، أنّ سبب أخذهم المهتدي ذلك اليوم كان أنّ بعضهم قال لبعض: إن هذه المطاولة إنما هي حيلة عليكم حتى يكبسكُمْ صالح بن وصيف بجيشه، فخافوا ذلك، فحملوه وذهبوا به إلى الموضع الآخر؛ فذُكِر عمّن سمع المهتدي يقول لموسى: ما تريد ويحك! اتّق الله وخَفْه؛ فإنك تركب أمرًا عظيمًا، قال: فردّ عليه موسى: إنا ما نريد إلا خيرًا، ولا وتربة المتوكل لا نالك مناشرٌّ البتة. قال الذي ذكر ذلك: فقلت في نفسي: لو أراد خيرًا لحلف بتربة المعتصم أو الواثق. ولما صاروا به إلى دار ياجور أخذوا عليه العهود والمواثيق ألا يمايل صالحًا عليهم، ولا يضمر لهم إلا مثل ما يظهر؛ ففعل ذلك، فجدّدوا له البيعة ليلة الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من المحرّم، وأصبحوا يوم الثلاثاء، فوجّهوا إلى صالح أن يحضرهم للمناظرة، فوعدهم أن يصير إليهم. فذكر عن بعض رؤساء الفراغنة، أنه قيل له: ما الذي تطالبون به صالح بن وصيف؟ فقال: دماء الكتّاب وأموالهم ودم المعتزّ وأمواله وأسبابه. ثم أقبل القوم

стр. 5827

على إبرام الأمور وعسكرهم خارج باب الحيْر عند باب ياجور؛ فلما كانت ليلة الأربعاء استتر صالح؛ فذكر عن طلمجُور أنه قال: لما كانت ليلة الأربعاء اجتمعنا عند صالح، وقد أمر أن يفرّق أرزاق أصحاب النوبة عليهم، فقال لبعض من حضره: اخرج فأعرض مَنْ حضر من الناس، فكانوا بالغداة زُهاء خمسة آلاف، قال: فعاد إليه، وقال: يكونون ثمانمئة رجل، أكثرهم غلمانك ومواليك، فأطرق مليًّا، ثم قام وتركَنا، ولم يأمر بشيء وكان آخر العهد. وذكر عمّن سمع بَخْتِيشُوع يقول وهو يعرّض بصالح قبل قدوم موسى، حرّكْنَا هذا الجيش الخشن، وأرغمناه، حتى إذا أقبل إلينا تشاغلنا بالنرد والشرب، كأنا بنا وقد اختفينا إذا ورد القاطول! فكان الأمر كذلك. وغدا طُغتا إلى باب ياجور سَحَر يوم الأربعاء فلقيه مفلح، فضربه بطبرزين، فشجّه في جانب جبينه الأيمن، فكان الذين أقاموا مع صالح الليلة التي استتر فيها من القوّاد الكبار طُغْتا بن الصيْغُون وطلمجُور صاحب المؤيد ومحمد بن تركش وخمّوش والنوشريّ، ومن الكتّاب الكبار أبو صالح عبد الله بن محمد بن يزداد وعبد الله بن منصور وأبو الفرج، وأصبح الناس يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من المحرّم وقد استتر صالح، وغدا أبو صالح إلى دار ياجور، وجاء عبد الله بن منصور، فدخل الدار مع سليمان بن وهب، وتنصّح إليهم أن عنده سفاتج بخمسة آلاف دينار. وذكر أن صالحًا أراده على حملها، فأبى أن يقرّ الأمر قراره. وخلع في هذا اليوم على كنجور ليتولّى أمر دار صالح وتفتيشها، ومضى ياجور صاحب موسى فأتى بالحسن بن مَخْلَد من الموضع الذي كان فيه محبوسًا من دار صالح. * * * وفي هذا اليوم من هذا الشهر وُلِّيَ سليمان بن عبد الله بن طاهر مدينة السلام

стр. 5828

والسواد، ووجّه إليه بخلَع، وزيد على ما كان يخلع على عبيد الله بن عبد الله بن طاهر (١). وفيه رُدّ المهتدي إلى الجوسق، ودفع عبد الله بن محمد بن يزداد إلى الحسن بن مَخْلَد. وفيه أظهر النداء على صالح. * * * [ذكر الخبر عن قتل صالح بن وصيف] ولثمان بقين من صفر من هذه السنة قتِل صالح بن وصيف (٢). * ذكر الخبر عن سبب قتله وسبب الوصول إليه بعد اختفائه: ذكر أن سبب ذلك كان أن المهتدي لمّا كان يوم الأربعاء لثلاث بقين من المحرّم سنة ست وخمسين ومئتين أظهر كتابًا، ذكر أن سيما الشرابيّ زعم أنّ امرأة جاءت به مما يلي القصر الأحمر، ودفعته إلى كافور الخادم الموكّل بالحرم، وقالت له: إن فيه نصيحة، وإن منزلي في موضع كذا فإن أردتموني فاطلبوني هناك، فأوصل الكتاب إلى المهتدي، فلما طُلبت في الموضع الذي وصفت حين احتيج إلى بحثها عن الكتاب لم توجد، ولم يعرف لها خبر. وقد ذُكر أن المهتدي أصاب ذلك الكتاب، ولم يدر من رمى به، فذُكر أن المهتدي دعا سليمان بن وهب بحضرة جماعة من الموالي فيهم موسى بن بغا ومفلِح وبايكباك وياجور وبكالبا وغيرهم؛ فدفع الكتاب إلى سليمان، وقال له: تعرف هذا الخط؟ قال: نعم، هذا خطّ صالح بن وصيف، فأمره أن يقرأ عليهم، فإذا صالح يذكر فيه أنه مستخفٍ بسامرّا، وأنه إنما استتر متخيرًا للسلامة وإبقاء على الموالي، وخوفًا من إيصال الفتن بحرب إن حدثت بينهم، وقصدًا لأن يبيت القوم، ويكون ما يأتونه بعد بصيرة مما ذكر في هذا الباب.

стр. 5829

ثم ذكر ما صار إليه من أموال الكتّاب، وقال: إنّ عِلْم ذلك عند الحسن بن مَخْلَد، وهو أحدهم، وهو في أيديكم، ثم ذكر من وصل إليه ذلك المال وتولى تفريقه، وذكر ما صار إليه من أمر قبيحة، وأشار إلى أن علم ذلك عند أبي صالح بن يزداد وصالح العطار، ثم ذكر أشياء في هذا المعنى، بعضها يعتذر به وبعضها يحتجّ به، ومخرج القول في ذلك يدلّ على قوّة في نفسه. فلما فَرغ سليمان من قراءة الكتاب وصله المهتدي بقول منه يحثُّ على الصلح والهدنة والألفة والاتفاق، ويكرّه إليهم الفرقة والتفاني والتباغض، فدعا ذلك القوم إلى تُهمته، وأنه يعلم بمكان صالح، وأنه يتقدّمهم عنده، فكان بينهم في ذلك كلام كثير ومناظرات طويلة، ثم أصبحوا يوم الخميس لليلتين بقيتا من المحرّم سنة ست وخمسين ومئتين، فصاروا جميعًا إلى دار موسى بن بغا في داخل الجوسق يتراطنون ويتكلمون، واتصل الخبر بالمهتدي. فذكر عن أحمد بن خاقان الواثقيّ أنه قال: من ناحيتي انتهى الخبر إلى المهتدي؛ وذلك أني سمعت بعض مَنْ كان حاضر المجلس وهو يقول: جمع القوم على خلع الرجل. قال: فصرت إلى أخيه إبراهيم، فأعلمته بذلك، فدخل عليه فأعلمه ذلك، وحكاه عني؛ فلم أزل خائفًا أن يعجل أمير المؤمنين فيخبرهم عني بالخبر، فرزق الله السلامة. وذكر أن أخا بايكباك قال لهم في هذا المجلس لما أطلعوه على ما كانوا عزموا عليه: إنكم قتلتم ابن المتوكل، وهو حسن الوجه، سخيّ الكف، فاضل النفس، وتريدون أن تقتلوا هذا وهو مسلم يصوم ولا يشرب النبيذ من غير ذنب! والله لئن قتلتم هذا لألْحَقنّ بخراسان، ولأشيعنّ أمركم هناك. فلما اتصل الخبر بالمهتدي خرج إلى مجلسه متقلّدًا سيفًا، وقد لبس ثيابًا نظافًا، وتطيّب، ثم أمر بإدخالهم إليه، فأبوْا ذلك مليًّا، ثم دخلوا عليه، فقال لهم: إنه قد بلغني ما أنتم عليه من أمري؛ ولستُ كَمَنْ تقدّمني مثل أحمد بن محمد المستعين، ولا مثل ابن قبيحة؛ والله ما خرجت إليكم إلّا وأنا متحنّط، وقد أوصيتُ إلى أخي بولدي، وهذا سيفي؛ والله لأضربنّ به ما استمسك قائمهُ

стр. 5830

بيدي؛ والله لئن سقط من شعري شعرة ليهلكنّ أو ليذهبن بها أكثركم، أمَا دين! أما حياء! أما رِعة! كم يكون هذا الخلاف على الخلفاء والإقدام والجرأة على الله! سواء عليكم مَنْ قصد الإبقاء عليكم ومن كان إذا بلغه مثل هذا عنكم دعا بأرطال الشراب فشربها مسرورًا بمكروهكم وحبًّا لبواركم! خبِّروني عنكم؛ هل تعلمون أنه وصل إليّ من دنياكم هذه شيء! أما إنك تعلم يا بايكباك أنّ بعض المتصلين بك أيسر من جماعة إخوتي وولدي؛ وإن أحببتَ أن تعرف ذلك فانظر: هل ترى في منازلهم فرشًا أو وصائف أو خدمًا أو جواريَ! أو لهم ضياع أو غلات! سوءة لكم! ثم تقولون: إني أعلم علم صالح، وهل صالحٌ إلا رجل من الموالي، وكواحد منكم! فكيف الإقامة معه إذا ساء رأيكم فيه! فإن آثرتم الصلح كان ذلك ما أهوى لجمعكم، وإن أبيتم إلا الإقامة على ما أنتم عليه فشأنكم؛ فاطلبوا صالحًا، ثم ابلغوا شفاء أنفسكم؛ وأما أنا فما أعلم علمه. قالوا: فاحلف لنا على ذلك، قال: أمّا اليمين فإني أبذلها لكم؛ ولكني أؤخّرها حتى تكون بحضرة الهاشميين والقضاة والمعدّلين وأصحاب المراتب غدًا إذا صلّيت الجمعة، فكأنهم لانوا قليلًا، ووجّه في إحضار الهاشميين فحضروا في عشيّتهم، فأذن لهم، فسلّموا ولم يذكرْ لهم شيئًا، وأمِروا بالمصير إلى الدار لصلاة الجمعة، فانصرفوا وغدا الناس يوم الجمعة ولم يحدثوا شيئًا، وصلّى المهتدي، وسكن الناس وانصرفوا هادنين. وذُكِر عن بعض مَنْ سمع الكلام في يوم الأربعاء يقول: إن المهتدي لما خُوّن صالح قال: إن بايكباك قد كان حاضرًا ما عمل به صالح في أمر الكتّاب ومال ابن قبيحة، فإن كان صالح قد أخذ من ذلك شيئًا فقد أخذ مثل ذلك بايكباك؛ فكان ذلك الذي أحفظ بايكباك. وقال آخر: إنه سمع هذا القول، وإنه ذكر محمد بن بغا، وقال: قد كان حاضرًا وعالمًا بما أجرَوا عليه الأمر، والشريك في ذلك أجمع، فأحفظ ذلك أبا نصر. وقد قيل: إن القوم من لدن قدم موسى كانوا مضمرين هذا المعنى، منطوين على الغِلّ؛ وإنما كان يمنعهم منه خوف الاضطراب وقلة الأموال؛ فلما ورد عليهم مال فارس والأهواز تحرّكوا، وكان ورود ذلك عليهم يوم الأربعاء لثلاث

стр. 5831

بقين من المحرّم، ومبلغه سبعة عشر ألف ألف درهم وخمسمئة ألف درهم. * * * [ذكر الخبر عن خروج العامة على المهتدي] (١) فلما كان يوم السبت انتشر الخبر في العامهّ أنّ القوم على أن يخلعوا المهتدي، ويفتكوا به، وأنهم أرادوه على ذلك، وأرهقوه، وكتبوا الرقاع وألقوْها في المسجد الجامع والطرقات؛ فذكر بعض من زعم أنه قرأ رقعة منها فيها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا معشرَ المسلمين، ادعوا الله لخليفتكم العدْل الرضيّ المضاهي لعمر بن الخطاب أن ينصرَه على عدّوه، ويكفيه مؤنة ظالمِه، ويتمّ النعمة عليه وعلى هذه الأمة ببقائه؛ فإن المواليَ قد أخذوه بأن يخلع نفسه وهو يعذَّب منذ أيام، والمدبّر لذلك أحمد بن محمد بن ثوابة والحسن بن مَخْلَد، رحِم الله من أخلص النّية ودعا وصلى على محمد ﷺ ! فلما كان يوم الأربعاء لأربع خلْون من صفر من هذه السنة، تحرّك الموالي بالكرْخ والدّور، ووجّهوا إلى المهتدي على لسان رجل منهم يقال له عيسى: إنّا نحتاج أن نلقي إلى أمير المؤمنين شيئًا، وسألوا أن يوجّه أمير المؤمنين إليهم أحد إخوته، فوجّه إليهم أخاه عبد الله أبا القاسم، وهو أكبر إخوته، ووجّه معه محمد بن مباشر المعروف بالكرخيّ، فمضيا إليهم، فسألاهم عن شأنهم، فذكروا أنهم سامعون مطيعون لأمير المؤمنين، وأنه بلغهم أن موسى بن بغا وبايكباك وجماعة من قوّادهم يريدونه على الخلع، وأنهم يبذلون دماءهم دون ذلك، وأنهم قد قرؤوا يذلك رقاعًا ألْقِيَتْ في المسجد والطرقات، وشكوا مع ذلك سوء حالهم، وتأخُّر أرزاقهم، وما صار من الإقطاعات إلى قوّادهم التي قد أجحفت بالضياع والخراج، وما صار لكبرائهم من المعاون والزّيادات من الرسوم القديمة مع أرزاق النساء والدّخلاء الذين قد استغرقوا أكثر أموال

стр. 5832

الخراج، وكثر كلامهم في ذلك، فقال لهم أبو القاسم عبد الله بن الواثق: اكتبوا هذا في كتاب إلى أمير المؤمنين، أتولَّى إيصاله لكم؛ فكتبوا ذلك، وكاتبهم في الذي يكتبون محمد بن ثقيف الأسود؛ وكان يكتب لعيسى صاحب الكرخ أحيانًا، وانْصرف أبو القاسم ومحمد بن مباشر، فأوصلا الكتاب إلى المهتدي، فكتب جوابَه بخطّه، وختمه بخاتمه، وغدا أبو القاسم إلى الكَرْخ، فوافاهم فصاروا به إلى دار أشناس وقد صيروها مسجدًا جامعًا لهم، فوقف ووقفوا له في الرَّحبَة، واجتمع منهم زهاء مئة وخمسين فارسًا ونحو من خمسمئة راجل، فأقرأهم من المهتدي السلام، وقال: يقول لكم أمير المؤمنين: هذا كتابي إليكم بخطِّي وخاتمي، فاسمعوه وتدبّروه، ثم دفع الكتاب إلى كاتبهم فقرأه، فإذا فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ والحمد لله، وصلى الله على محمد النبيّ وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، أرشدنا الله وإياكم، وكان لنا ولكم وليًّا وحافظًا، فهمت كتابكُم، وسرّني ما ذكرتم من طاعتكم وما أنتم عليه؛ فأحسن الله جزاءكم، وتولّى حياطتكم؛ فأما ما ذكرتم من خَلّتكم وحاجتكم، فعزيز عليّ ذلك فيكم، ولوددت والله أنّ صلاحكم يهيّأ بألا آكل ولا أطعم ولدي وأهلي إلّا القوت الذي لا شبع دونه، ولا ألبس أحدًا من ولدي إلا ما ستر العورة، ولا والله - حاطكم الله - ما صار إليّ منذ تقلدت أمرَكم لنفسي وأهلي وولدي ومتقدمي غلمانيّ وحشمي إلا خمسة عشر ألف دينار، وأنتم تقِفون على ما ورد ويَرد، كلّ ذلك مصروف إليكم، غير مدّخر عنكم، وأما ما ذكرتم مما بلغكم، وقرأتم به الرّقاع التي ألقبت في المساجد والطرق، وما بذلتم من أنفسكم؛ فأنتم أهل ذلك، وأين تعتذرون مما ذكرتم ونحن وأنتم نفس واحدة! فجزاكم الله عن أنفسكم وعهودكم وأمانَتكم خيرًا، وليس الأمر كما بلغكم، فعلى ذلك فليكن عملكم إن شاء الله، وأما ما ذكرتم من الإقطاعات والمعاون وغيرها، فأنا أنظر في ذلك وأصير منه إلى محبّتكم إن شاء الله والسلام عليكم، أرشدنا الله وإياكم، وكان لنا ولكم حافظًا، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليمًا كثيرًا. فلما بلغ القارئ من الكتاب إلى الموضع الذي قال: "ولم يصل إليّ إلا قدر خمسة عشر ألف دينار"، أشار أبو القاسم إلى القارئ، فسكت ثم قال: وهذا

стр. 5833

ما قدِّر، هذا قد كان أمير المؤمنين في أيام إمارته يستحق في أقلّ من هذه المدة ما هو أكثر منه بأرزاقه وإنزاله ومعونته، وقد تعلمون ما كان مَنْ تقدّمه يصرفه في صِلات المخنّثين والمغنين وأصحاب الملاهي وبناء القصور وغير ذلك، فادعوا الله لأمير المؤمنين، ثم قرأ الكتاب حتى أتى على الكتاب. فلما فرغ كثُر الكلام وقالوا قولًا، فقال لهم أبو القاسم: اكتبوا بذلك كتابًا صدّروه على مجاري الكتاب إلى الخلفاء، واكتبوه عن القوّاد وخلفائهم والعُرفاء بالكرخ والدّور وسامرّا فكتبوا - بعد أن دعوا الله فيه لأمير المؤمنين: إن الذي يسألون أن تردّ الأمور إلى أمير المؤمنين في الخاصّ والعام، ولا يعترض عليه معترض، وأن تردَّ رسومهم إلى ما كانت عليه أيام المستعين بالله؛ وهو أن يكون على كلّ تسعة منهم عريف، وعلى كل خمسين خليفة، وعلى كل مئة قائد، وأن تسقط النساء والزيادات والمعاون، ولا يدخل مولّىً في قبَالة ولا غيرها، وأن يوضع لهم العطاء في كلّ شهرين على ما لم يزل، وأن تبطل الإقطاعات، وأن يكون أمير المؤمنين يزيد مَنْ شاء ويرفع مَنْ شاء، وذكروا أنهم صائرون في أثر كتابهم إلى باب أمير المؤمنين، ومقيمون هناك إلى أن تقضَى حوائجُهم، وإنه إن بلغهم أنّ أحدًا اعترض أمير المؤمنين في شيء من الأمور أخذوا رأسه، وإن سقط من رأس أمير المؤمنين شعرة قتلوا به موسى بن بغا وبايكباك ومفلحًا وياجور وبكالبا وغيرها. ودعوا الله لأمير المؤمنين ودفعوا الكتاب إلى أبي القاسم، فانصرف به حتى أوصله، وتحرّك الموالي بسامرّا، واضطرب القوّاد جدًّا، وقد كان المهتدي قعد للمظالم وأدخل الفقهاء والقضاة، وأخذوا مجالسهم، وقام القوّاد في مراتبهم، وسبق دخول أبي القاسم دخول المتظلّمين. فقرأ المهتدي الكتاب قراءة ظاهرة، وخلا بموسى بن بغا، ثم أمر سليمان بن وهب أن يوقّع في رقعتهم بإجابتهم إلى ما سألوا، فلما فعل ذلك في فصل من الكتاب أو فصلين، قال أبو القاسم: يا أمير المؤمنين، لا يقنعهم إلا خطّ أمير المؤمنين وتوقيعه، فأخذ المهتدي كتابهم فضرب على ما كان سليمان وقع في ذلك، ووقع قي كل باب بإجابتهم إلى ما سألوا، وبأن يفعل ذلك، ثم كتب كتابًا مفردًا بخطّه وختمه بخاتمه، ودفعه إلى أبي القاسم، فقال أبو القاسم لموسى

стр. 5834

وبايكباك ومحمد بن بغا: وجّهوا إليهم معي رسلًا يعتذرون إليهم مما بلغهم عنكم، فوجّه كل واحد منهم رجلًا، وصار أبو القاسم إليهم وهم في مواضعهم، وقد صاروا زهاء ألف فارس وثلاثة آلاف راجل؛ وذلك في وقت الظهر من يوم الخميس لخمس ليال خلوْن من صفر من هذه السنة، فأقرأهم من أمير المؤمنين السلام، وقال لهم: إن أمير المؤمنين، قد أجابكم إلى كلّ ما سألتم، فادعوا الله لأمير المؤمنين، ثم دفع كتابهم إلى كاتبهم، فقرأه عليهم بما فيه من التوقيعات؛ ثم قرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين؛ فإذا فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم؛ أرشدكم الله وحاطكم، وأمتع بكم، وأصلح أموركم وأمور المسلمين بكم؛ وعلى أيديكم. فهمتُ كتابكم، وقرأته على رؤسائكم، فذكروا مثل الذي ذكرتم، وسألوا مثل الذي سألتم، وقد أجبتكم إلى جميع ما سألتم محبّةً لصلاحكم وألفتكم واجتماع كلمتكم، وقد أمرت بتقرير أرزاقكم، وأن تصير دارَّة عليكم، فليست لكم حاجة إلى حركة، فطيبُوا نفسًا، والسلام. أرشدكم الله وحاطكم وأمتع بكم، وأصلح أموركم وأمور المسلمين بكم، وعلى أيديكم! فلما فرغ القارئ من الكتاب، قال لهم أبو القاسم: وهؤلاء رسل رؤسائكم يعتذرون إليكم من شيء إن كان بلغكم عنهم، وهم يقولون: إنما أنتم إخوة؛ وأنتم منّا وإلينا. وتكلم الرسل بمثل ذلك، فتكلّموا أيضًا كلامًا كثيرًا، ثم كتبوا كتابًا يعتذرون فيه بمثل العذر الأوّل إلى أمير المؤمنين، وذكروا فيه خصالًا مما ذكروه في الكتاب الذي قبله، ووصفوا أنه لا يقنعهم إلا أن ينفذ إليهم خمس توقيعات، توقيعًا بحط الزيادات، وتوقيعًا بردّ الإقطاعات، وتوقيعًا بإخراج الموالي البوابين من الخاصّة إلى عداد البرانيّين، وتوقيعًا بردّ الرسوم إلى ما كانت عليه أيام المستعين، وتوقيعًا بردّ التلاجئ حتى يدفعوها إلى رجل يضمُّون إليه خمسين رجلًا من أهل الدور، وخمسين رجلًا من أهل سامُرّا ينتجزون من الدواوين، ثم يصير أمير المؤمنين الجيش إلى أحد إخوته أو غيرهم، ممن يرى ليسفر بينه

стр. 5835

وبينهم بأمورهم، ولا يكون رجلًا من الموالي، وأن يؤمر صالح بن وصيفِ فيحاسب هو وموسى بن بغا على ما عندهم من الأموال، وأنه لا يرضيهم دونَ ما سألوا في كتبهم كلها مع تعجيل العطاء، وإدرار أرزاقهم عليهم في كلّ شهرين، وأنهم قد كتبوا إلى أهل سامُرّا والمغاربة في موافاتهم، وأنهم صائرون إلى باب أمير المؤمنين لينجز ذلك لهم، ودفعوا الكتاب إلى أبي القاسم أخي أمير المؤمنين، وكتبوا كتابًا آخر إلى موسى بن بغا وبايكباك ومحمد بن بغا ومفلح وياجور وبكالبا وغيرهم من القوّاد الذين ذكروا أنهم كتبوا كتابًا، ذكروا فيه أنهم قد كتبوا إلى أمير المؤمنين بما كتبوا، وأن أمير المؤمنين لا يمنعهم ما سألوا إلا أن يعترضوا عليه، وأنهم إن فعلوا ذلك وخالفوهم لم يوافقوهم على شيء، وأنّ أمير المؤمنين إن شاكتْه شوكة أو أخذ من رأسه شعرة، أخذوا رؤوسهم جميعًا، وأنه ليس يقنعهم إلا أن يظهر صالح بن وصيف حتى يجمع بينه وبين موسى بن بُغا، حتى ينظر أين موضع الأموال؛ فإن صالحًا قد كان وعدهم قبل استتاره أن يعطيهم أرزاق ستة أشهر. ثم دفعوا هذا الكتاب إلى رسول موسى، ووجّهوا مع أبي القاسم عدّة نفر منهم؛ ليوصلوا إلى أمير المؤمنين كتابهم، وليستمعوا كلامه فلما رجع أبو القاسم وجّه موسى زهاء خمسمئة فارس، فوقفوا على باب الحيْر بين الجوسق والكَرْخ، فمال إليهم أبو القاسم ورسل القوم ورسل أنفسهم، فدفع رسول موسى إلى موسى كتاب القوم إليه وإلى أصحابه - وفي الجماعة سليمان بن وهب وولده وأحمد ين محمد بن ثَوَابة وغيرهم من الكتاب - فلما قرأ الكتاب عليهم أعلمهم أبو القاسم أنَّ معه كتابًا من القوم إلى أمير المؤمنين، ولم يدفعه إليهم، فركبوا جميعًا وانصرفوا إلى المهتدي، فوجدوه في الشمس قاعدًا على لِبد، قد صلَّى المكتوبة؛ وكسر جميع ما كان في القصر من الملاهي وآلاتها وآلات اللعب والهَزْل، فدخلو افأوصلوا إليه الكتب، وخلوا مليًّا، ثم أمر المهتدي سليمان بن وهب بإنشاء الكتب على ما سألوا في خمس رقاع، فأنفذها المهتدي في دَرج كتاب منه بخطّه، ودفعه إلى أخيه، وكتب القُوّاد إليهم جواب كتابهم، ودفعوه إلى صاحب موسى، فصار إليهم أبو القاسم في وقت المغرب، فأقرأهم من المهتدي السلام، وقرأ عليهم كتابه، فإذا فيه:

стр. 5836

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وفّقنا الله وإياكم لطاعته وما يرضيه، فهمت كتابكم، حاطكم الله، وقد أنفذت إليكم التوقيعات الخمس على ما سألتم، فوكّلوا منْ يتنجّزها من الدواوين إن شاء الله، وأما ما سألتم من تصيير أمركم إلى أحد إخوتي ليوصل إليّ أخباركم، ويؤدي إليّ حوائجكم؛ فوالله إني لأحبّ أن أتفقد ذلك بنفسي، وأن أَطَّلع على كلّ أمركم وما فيه مصلحتكم، وأنا مختار لكم الرجل الذي سألتم، من إخوتي أو غيرهم إن شاء الله، فاكتبوا إليّ بحوائجكم وما تعلمون أن فيه صلاحكم؛ فإني صائر من ذلك إلى ما تحبّون إن شاء الله، وفّقنا الله وإياكم لطاعته وما يرضيه. وأوصل إليهم رسول موسى كتاب موسى وأصحابه؛ فإذا فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أبقاكم الله وحفظكم، وأتمّ نعمته عليكم، فهمنا كتابكم؛ وإنما أنتم إخواننا وبنو عمنا، ونحن صائرون إلى ما تحبّون، وقد أمر أمير المؤمنين أعزه الله في كل ما سألتم بما تحبون وأنفذ التوقيعات به إليكم، وأما ذكرتم من أمر صالح مولى أمير المؤمنين وتغيّرنا له فهو الأخ وابن العم، وما أردنا من ذلك ما تكرهون؛ فإن وعدكم أن يعطيَكم أرزاق ستة أشهر فقد رفعنا إلى أمير المؤمنين رقاعًا، نسأله مثل الذي سألتم، وأما ما قلتم من ترك الاعتراض على أمير المؤمنين وتفويض الأمر إليه، فنحن سامعون مطيعون لأمير المؤمنين، والأمور مفوَّضة إلى الله وهو مولانا ونحن عبيده، وما نعترض عليه في شيء من الأمور أصلًا، وأما ما ذكرتم أنا نريد بأمير المؤمنين سوءًا، فمَنْ أراد ذلك فجعل الله دائرة السوْء عليه، وأخزاه في دنياه وآخرته، أبقاكم الله وحفظكم، وأتمّ نعمتَه عليكم! فلما قرأ الكتابات عليهم، قالوا لأبي القاسم: هذا المساء قد أقبل، ننظر في أمرنا الليلة، ونعود بالغداة لنعرّفك رأينا، فافترقوا وانصرف أبو القاسم إلى أمير المؤمنين. ثم أصبح القوم من غداة يوم الجمعة، فلما كان في آخر الساعة الأولى،

стр. 5837

ركب موسى بن بغا من دار أمير المؤمنين، وركب الناس معه وهم قدر ألف وخمسمئة رجل؛ حتى خرج من باب الحيْر الذي يَلِي القطائع من الجوْسق والكَرْخ، فعسكر هناك، وخرج أبو القاسم أخو المهتدي، ومعه الكرخيّ، حتى صار إلى القوم، وهم زهاء خمسمئة فارس وثلائة آلاف راجل؛ وقد كان أبو القاسم انصرف في الليل ومعه التوقيعات؛ فلما صار بينهم أخرج كتابًا من المهتدي نسخته شبيه بالكتاب الذي في درجه التوقيعات، فلما قرأ الكتاب ضجّوا، واختلفتْ أقاويلهم، وكَثُر مَنْ يلحقُ بهم من رجّالة الموالي من ناحية سامرّا في الحيْر؛ فلم يزل أبو القاسم ينتظر أن ينصرف من عندهم بجواب يحصّله يؤديه إلى أمير المؤمنين، فلم يتهيأ ذلك إلى الساعة الرابعة، وانصرفوا، فطائفة يقولون: نريد أن يعزّ الله أمير المؤمنين، ويوفِّر علينا أرزاقنا؛ فإنا قد هلكنا بتأخيرِها عنا، وطائفة يقولون: لا نرضى حتى يوَلِّيَ علينا أمير المؤمنين إخوَته، فيكون واحدٌ بالكرْخ، وآخر بالدّور، وآخر بسامُرّا، ولا نريد أحدًا من الموالي يكون علينا رأسًا، وطائفة تقول: نريد أن يظهر صالح بن وصيف - وهي الأقل. فلما طال الكلام بهذا مخهم، انصرف أبو القاسم إلى المهتدي بجملة من الخبر، وبدأ بموسى في الموضع الذي هو معسكر فيه، فانصرف بانصرافه، فلما صلّى المهتدي الجمعة صيّر الجيش إلى محمد بن بغا، وأمره بالمصير إلى القوم مع أخيه أبي القاسم، فركب معه محمد بن بُغا في زهاء خمسمئة فارس، ورجع موسى إلى الموضع الذي كان فيه بالغَداة، ومضى أبو القاسم ومحمد بن بغا حتى خالطا القوم، وأحاط الجميع بهم، فقال أبو القاسم لهم: إنّ أمير المؤمنين يقول: قد أخرجت التوقيعات لكم بجميع ما سألتم، ولم يبق لكم مما تحبّون شيء إلا وأمير المؤمنين يبلغ فيه الغاية، وهذا أمان لصالح بن وصيف بالظهور، وقرأ عليهم أمانًا لصالح، بأنّ موسى وبايكباك سألا أمير المؤمنين أعزّه الله ذلك، فأجابهما إليه، وأكده بغاية التأكيد، ثم قال: فعلامَ اجتماعكم! فأكثروا الكلام؛ فكان الذي حصّله عند انصرافه أن قالوا: نريد أن يكون موسى في مرتبة بُغا الكبير، وصالح في مرتبة وصيف أيام بُغا، وبايكباك في مرتبته الأولى، ويكون الجيش في يد مَن هو في يده؛ إلى أن يظهر صالح بن وصيف، فيوضع لهم العطاء، وتتنجّز لهم الأرزاق بما في التوقيعات، فقال: نعم.

стр. 5838

فانصرف القوم، فلما صاروا على قدر خمسمئة ذراع اختلفوا، فقال قوم: قد رضينا، وقال قوم: لم نرض، وانصرف رسل المهتدِي إليه: إنّ القومَ قد تفرّقوا؛ وهم على أن ينصرفوا، فانصرف موسى عند ذلك، وتفرّق الناس إلى مواضعهم من الكَرْخ والدّور وسامرّا، فلما كان غداة يوم السبت، ركب ولد وصيف وجماعة من مواليهم وغلمانهم، وتنادى الناس: السلاح! وانتهب دوابّ العامة الرّجالة؛ رجّالة أصحاب صالح بن وصيف ومضوا فعسكروا بسامرّا في طرف وادي إسحاق بن إبراهيم، عند مسجد لُجَين أمّ ولد المتوكل، وركب أبو القاسم عند ذلك يريد دار المهتدي، فمرّ بهم في طريقه، فتعلّقوا به وبمن كان معه من حشمه وغلمانه، فقالوا له: تؤدي إلى أمير المؤمنين عنا رسالة؟ فقال لهم: قولوا، فخلطوا ولم يتحصل من قولهم شيئًا إلا: إنا نريد صالحًا، فمضى حتى أدى إلى أمير المؤمنين ذلك وإلى موسى، وجماعة القواد حضور. فذُكر عمّن حضر المجلس أنّ موسى بن بغا، قال: يطلبون صالحًا مني؛ كأني أنا أخفيتُه وهو عندي! فإن كان عندهم فينبغي لهم أن يظهروه، وتأكد عندهم الخبر باجتماع القوم، وتحلُّب الناس إليهم، وتهايجوا من دار أمير المؤمنين؛ فركبوا في السلاح، وأخذوا في الحيْر حتى اجتمعوا ما بين الدكة وظهر المسجد الجامع؛ فاتّصل الخبر بالأتراك ومَن كان ضَوَى إليهم، فانصرفوا ركضًا وعدْوًا لا يلوي فارس على راجل، ولا كبير على صغير حتى دخلوا الدروب والأزقة، ولحقوا بمنازلهم، وزحف موسى وأصحابه جميعًا، فلم يبق بسامُرّا قائد يركب إلى دار أمير المؤمنين إلا ركب معه، ولزموا الحيْر حتى خرجوا مما يلي الحائطين، ثم خرجوا؛ فأما مفلح وواجن ومن انضم إليهما فسلكوا شارع بغداد حتى بلغوا سوق الغنم، ثم عطفوا إلى شارع أبي أحمد، حتى لحقوا بجيش موسى، وأما موسى وجماعة القواد الذين كانوا معه مثل ياجور وساتكين ويارْجُوخ وعيسى الكرخيّ، فإنهم سلكوا على سَمْت شارع أبي أحمد، حتى صاروا إلى الوادي، وانصرفوا إلى الجوْسق؛ فكان تقدير الجيش الذين كانوا مع موسى في هذا اليوم - وهو يوم السبت - أربعة آلاف فارس في السلاح والقِسيّ الموترة والدّروع والجَواشن والرّماح والطبرزينات، وكان أكثرُ القوّاد الذين كانوا بالكرْخ يطلبون صالحًا مع موسى في هذا الجيش يريدون محاربة مَنْ يطلب صالحًا.

стр. 5839

وقد ذكر عن بعض من تخيّر أمرهم؛ أنّ أكثر مَنْ كان راكبًا مع موسى كان هواه مع صالح، ولم يكن للكرخيين والدّوريِّين في هذا اليوم حركة؛ فلمّا وصل القوم إلى الجوسق كان أوّل ما ظهر منهم النداء بأن مَنْ لم يحضر دار أمير المؤمنين في غداة يوم الأحد من قُوّاد صالح وأهله وغلمانه وأصحابه أسقِط اسمه، وخُرّب منزله، وضرب وقُيِّد وحُذّر إلى المطبَق؛ ومن وُجد بعد ثالثة من هذه الطبقة ظاهرًا بعد استتار، فقد حلّ به مثل ذلك، ومن أخذ دابّة لعاميّ أو تعرّض له في طريق؛ فقد حلّت به العقوبة المُوجعة. وبات الناس ليلة الأحد لثمان خلون من صَفَر على ذلك؛ فلما كان غداة يوم الإثنين انتهى إلى المهتدي أن مساورًا الشاري صار إلى بَلَد، فقتل بها وحرّق، فنادى في مجلسه بالنفير، وأمر موسى ومفلحًا وبايكباك بالخروج، وأخرج موسى مضاربه؛ فلمّا كان يوم الأربعاء لإحدى عشرة مَضت من صَفر بطل أمر موسى ومحمد بن بغا ومُفْلح في الخروج، وقالوا: لا يبرح أحدٌ منا حتى ينقطع أمرنا وأمر صالح؛ وهم مجمعون على ذلك، يخافون من صالح أن يخلفهم بمكروه. وذكر عن بعض الموالي أنه قال: رأيت بعض بني وصيف - وهو الذي كان جمع تلك الجموع - يلعب مع موسى وبايكباك بالصوالجة في ميدان بغا الصغير يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر، ثم جدّ هؤلاء في طلب صالح بن وصيف، فهُجم بسببه على جماعة ممن كان متصلًا به قبل ذلك، وممّن اتهموه أنه آواه، منهم إبراهيم بن سعدان النحويّ وإبراهيم الطالبيّ وهارون بن عبد الرحمن بن الأزهر الشيعي وأبو الأحوص بن أحمد بن سعيد بن سلْم بن قُتيبة وأبو بكر خَتَن أبي حَرْملة الحجّام وشارية المغنية والسرخسيّ صاحب شُرطة الخاصة وجماعة غيرهم. فذُكر عن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مصعب بن زريق، قال: حدّثني صاحب رُبع القبّة - وهو ربع تلقاء دار صالح بن وصيف - قال: بينا نحن قعود يوم الأحد، إذا غلام قد خرج من زُقاق، وأراه مذعورًا، فأنكرناه، فأردنا مسألتَه عن شأنه؛ ففاتنا؛ فلم نلبث أن أقبل عَيَّار من موالي صالح بن وصيف يعرف بروزبة، ومعه ثلاثة نفر أو أربعة، فدخلوا الزّقاق، فأنكرناهم، فلم يلبثوا أن

стр. 5840

خرجوا وأخرجوا صالح بن وصيف، فسألنا عن الخبر، فإذا الغلام قد دخل دارا في الزّقاق يطلب ماءً ليشربه، قال: فسمع قائلًا يقول بالفارسية: أيها الأمير تنحّ، فإن غلامًا قد جاء يطلب ماء؛ فسمع الغلام ذلك، وكان بينه وبين هذا العيّار معرفة، فجاء فأخبره فجمع العيّار ثلاثة أناسيّ، وهجم عليه فأخرجه. وذكر عن العيّار الذي هجم عليه، أنه قال: قال لي الغلام ما قال، فأقبلت ومعي ثلاثة نفر، فإذا بصالح بن وصيف بيده مرآة ومُشط، وهو يسرّح لحيته، فلما رآني بادر فدخل بيتًا، فخفت أن يكون قصد لأخذ سيف أو سلاح، فتلوّمت ثم نظرت إليه؛ فإذا هو قد لجأ إلى زاوية، فدخلت إليه فاستخرجتُه فلم يزدني على التضرّع شيئًا، قال: فلما تضرّع إليّ قلت: ليس إلى تركك سبيل؛ ولكني أمرّ بك على أبواب إخوتك وأصحابك وقوّادك وصنائعك؛ فإن اعترض في منهم اثنان أطلقتُك في أيديهم، قال: فأخرجته فما لقيت إلا مَنْ هو عوني على مكروهه. فذكر أنه لما أخذ مضى به نحو ميلين، ليس معه إلا أقلّ من خمسة نفر من أصحاب السلطان، وذكر أنه أخذ حين أخِذ، وعليه قميص ومبطّنة ملحم وسراويل، وليس على رأسه شيء وهو حاف. وقيل إنه حمل على بِرْذون صِنابيّ والعامة تعدو خلفَه وخمسة من الخاصّة يمنعون منه؛ حتى انتهوْا به إلى دار موسى بن بُغا؛ فلما صاروا به إلى دار موسى بن بغا أتاه بايكباك ومُفْلح وياجور وساتكين وغيرهم من القوّاد، ثمّ أخرجوه من باب الحيْر الذي يلي قِبْلة المسجد الجامع؛ ليذهبوا به إلى الجوسق، وهو على بغل بإكاف، فلمّا صاروا به إلى حدّ المنارة، ضربه رجل من أصحاب مفلح ضربة من ورائه على عاتقه كاد يقِذهُ منها، ثم احتزُّوا رأسه وتركوا جيفته هناك، وصاروا به إلى المهتدي؛ فوافوْا به قبيل المغرب وهو في بِرْكة قباء رجل من غلمان مفلح يقطر دمًا، فوصلوا به إليه، وقد قام لصلاة المغرب، فلم يره، فأخرجوه ليُصلَح، فلما قضى المهتدي صلاته، وخبّروه أنهم قتلوا صالحًا، وجاؤوا برأسه لم يزدهم على أن قال: وارُوه؛ وأخذ في تسبيحه، ووصل الخبر إلى منزله، فارتفعت الواعية وباتوا ليلتهم. فلما كان يوم الإثنين لسبع بقين من صفر حُمل رأس صالح بن وصيف على قناة، وطِيف به، ونودي عليه: هذا جزاء مَنْ قتَل مولاه، ونصِب بباب العامة

стр. 5841

ساعة ثم نُحّي، وفُعِل به ذلك ثلاثة أيام تتابعًا، وأخرِج رأس بغا الصغير في وقت صلب رأس صالح يوم الإثنين، فدُفع إلى أهله ليدفنوه. فذكر عن بعض الموالي أنه قال: رأيت مفلحًا وقد نظر إلى رأس بغا، فبكى وقال: قتلني الله إن لم أقتل قاتلَك؛ فلمّا كان يوم الخميس لأربع بَقين من صفر، وجّه موسى بالرأس إلى أمّ الفضل ابنة وَصيف، وهي امرأة النوشريّ، وكانت قبله عند سَلمة بن خاقان. فذُكِر عن بعض بني هاشم أنه قال: هَنَّأتُ موسى بن بغا بقتل صالح فقال: كان عدوّ أمير المؤمنين استحقّ القتل، قال: وهنّأتُ بايكباك بذلك؛ فقال: مالي أنا وهذا! إنما كان صالح أخِي، فقال السَّلوليّ لموسى إذ قتل صالح بن وصيف: وَنِلْتَ وترَكَ من فرعون حينَ طَغَى ... وجئتَ إذْ جئتَ يا مُوسى على قَدرِ ثلاثةٌ كُلُّهُم باغٍ أَخو حَسَدٍ ... يَرمِيكَ بالظّلم والعُدْوانِ عن وَتَرِ وصيفُ بالكرْخِ ممثُولٌ به وبُغا ... بالجسْرِ محتَرِقٌ بالجمر والشَّررِ وصالحْ بن وصيفٍ بَعدُ مُنعَفِرٌ ... في الحيْرِ جيفَتُه والرُّوحُ في سقَرِ * * * وفي مستهلّ جُمادى الأولى من هذه السنة رحل موسى بن بغا وبايكباك إلى مساور، وشيّعهم محمد بن الواثق. وفي جمادى الأولى أيضًا منها التقى مُساور بن عبد الحميد وعُبيدة العُمروسيّ الشاري بالكُحَيل، وكانا مختلفي الآراء، فظفر مساور بعبيدة فقتله. وفي هذا الشهر من هذه السنة التقَى مساور الشاري ومفلح، فحُدّثت عن مساور، أنه انصرف من الكُحَيل بعد قتله العمروسيّ، وقد كُلِم كثير من أصحابه فلم تندمل كُلُومهم، ولغِبوا من الحرب التي كانت جرت بين الفريقين إلى عسكر موسى ومن ضمّه ذلك العسكر وهم حامون، فأوقع بهم؛ فلما لم يصل إلى ما أراد منهم من الظفر بهم، وكان التقاؤهم بجبل زيني تعلق هو وأصحابه بالجبل فصاروا إلى ذِرْوته، ثم أوقدوا النيران، وركزوا رماحهم، وعسكر موسى بسفح الجبل ثم هبط مساور وأصحابه من الجبل، من غير الوجه الذي عسكر به موسى، فمضى موسى وأصحابه يحسبون أنهم فوق الجبل ففاتوهم.

стр. 5842

[ذكر الخبر عن خلع المهتدي ثم موته] وفي رجب من هذه السنة لأربع عشرة ليلة خلت منه خُلِع المهتدي، وتوفِّيَ يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب (١). * ذكر الخبر عن سبب خلعه ووفاته: ذكر أن ساكني الكرخ بسامرّا والدور تحرّكوا ليلتين خَلَتا من رجب من هذه السنة، يطلبون أرزاقهم، فوجّه إليهم المهتدي طبايغو الرئيس عليهم وعبد الله أخا المهتدي، فكلَّمهم فلم يقبلوا منهما، وقالوا: نحن نريد أن نكلِّم أميرَ المؤمنين مشافهةً، وخرج أبو نصر بن بُغا تحت ليلتِه إلى عسكر أخيه، وهو بالسِّنّ بالقرب من الشاري، ودخل دار الجوْسق جماعة منهم؛ وذلك يوم الأربعاء، فكلّمهم المهتدي بكلام كثير، وقطع العطاء عن الناس يوم الأربعاء والخميس والناس متوقّفون حتى يعرفوا ما صنع موسى بن بُغا، وكان موسى وضع العطاء في عسكره لشهر، وكان على مناجزة الشاري إذا استوى أصحابه، فوقع الاختلاف، ومضى موسى يريد طريق خُراسان. واختُلف في سبب الاختلاف الذي جرى، فصار من أجله موسى إلى طريق خُراسان، والسبب الذي من أجله خرج المهتدي لحرب من حاربه من الأتراك، فقال بعضهم: كان السبب الذي من أجْله تنحّى موسى عن وجه الشاري وتَرَك حربه وصار إلى طريق خُراسان: أنّ المهتدي استمال بايكباك، وهو مع موسى مقيم في وجه الشاري مساور، وكتب إليه يأمره أن يضمّ العسكر الذي مع موسى إلى نفسه، وأن يكون هو الأميرَ عليهم، وأن يقتل موسى بن بغا ومُفلحًا، أو يحملَهما إليه مقيَّديْن، فلما وصل الكتاب إلى بايكباك، أخذه ومضى به إلى موسى بن بغا، فقال: إني لستُ أفرح بهذا؛ وإنما هذا تدبير علينا جميعًا، وإذا فُعِل بك اليوم شيء فُعِل بي غدًا مثلُه، فما ترى؟

стр. 5843

قال: أرى أن تصير إلى سامرّا، فتخبره أنك في طاعته، وناصره على موسى ومفلح؛ فإنه يطمئنّ إليك، ثم ندبّر في قتله. فقدم بايكباك فدخل على المهتدي، وقد مضوْا إلى منازلهم كما قدموا من عند الشاري؛ فأظهر له المهتدي الغضب، وقال: تركتَ العسكر، وقد أمرتُك أن تقتل موسى ومفلحًا، وداهنتَ في أمرهما! قال: يا أمير المؤمنين، وكيف في بهما، وكيف يتهيأ في قتلهما؟ وهما أعظم جيشًا مني، وأعزّ مني! ولقد جرى بيني وبين مفلِح شيء في بعض الأمر؛ فما انتصفتُ منه؛ ولكني قد قدمتُ بجيشي وأصحابي ومَنْ أطاعني لأنصرْك عليهما، وأقوّي أمرك؛ وقد بقي موسى في أقلّ العدد، قال: ضعْ سلاحك، وأمر بإدخاله دارًا، فقال: يا أميرَ المؤمنين، ليس هذا سبيل مثلي إذا قدم من مثل هذا الوجه؛ حتى أصير إلى منزلي، وآمر أصحابي وأهلي بأمري، قال: ليس إلى ذلك سبيل، أحتاج إلى مناظرتك، فأخذ سلاحَه، فلما أبطأ خبرُه على أصحابه سعى فيهم أحمد بن خاقان حاجب بايكباك، فقال: اطلبوا صاحبَكم قبل أن يحدُث به حدث؛ فجاشت الترك، وأحاطوا بالجوسق، فلما رأى ذلك المهتدي وعنده صالح بن عليّ بن يعقوب بن أبي جعفر المنصور شاوره، وقال: ما ترى؟ قال: يا أمير المؤمنين؛ إنه لم يبلغْ أحد من آبائك ما بلغتَه من الشجاعة والإقدام، وقد كان أبو مسلم أعظم شأنًا عند أهل خراسان من هذا التركيّ عند أصحابه؛ فما كان إلّا أن طرح رأسه إليهم حتى سكنوا، وقد كان فيهم مَنْ يعبده ويتّخذه ربًّا، فلو فعلتَ مثل ذلك سكنوا؛ فأنت أشدّ من المنصور إقدامًا، وأشجع قلبًا، فأمر المهتدي الكرخيّ - واسمه محمد بن المباشر، وكان حدّادًا بالكرخ يطرق المسامير، فانقطع إلى المهدي ببغداد فوثق به ولزمه - فأمره بضرب عنق بايكباك، فضرب عنقه، والأتراكُ مصطفون في الجوسَق في السلاح، يطلبون بايكباك؛ فأمر المهتدي عتّاب بن عتّاب القائد أن يرميَهم برأسه فأخذ عتاب الرأس؛ فرمى به إليهم، فتأخرّوا وجاشوا، ثم شدّ رجل منهم على عتّاب، فقتله، فوجّه المهتدي إلى الفراغنة والمغاربة والأوكشبّة والأشروسنيّة والأتراك الذين بايعوه على الدرهمين والسويق، فجاؤوا، فكانت بينهم قتلَى كثيرة، كثر فيها الناسُ، فقيل: قُتل من الأتراك الذين قاتلوا نحو من أربعة آلاف، وقيل ألفان وقيل ألف؛ وذلك يومَ

стр. 5844

السبت لثلاث عشرة خلتْ من رجب من هذه السنة. ثمّ تتامّ القوم يوم الأحد، فاجتمع جميع الأتراك، فصار أمرهم واحدًا، فجاء منهم زُهاء عشرة آلاف رجل، وجاء طوغيتا أخو بايكباك وأحمد بن خاقان حاجب بايكباك في نحو من خمسمئة؛ مع مَنْ جاء مع طوغيتا من الاْتراك والعجم، وخرج المهتدي ومعه صالح بن عليّ والمصحفُ في عنقه، يدعو الناس إلى أن ينصروا خليفتهم، فلما التحم الشرّ مال الأتراك الذين مع المهتدي إلى أصحابهم الذين مع أخي بايكباك، وبقي المهتدي في الفراغنة والمغاربة ومَنْ خفّ معه من العامة، فحمل عليهم طوغيتا أخو بايكباك حَمْلَة ثائر حرّان موتور، فنقض تعبيتَهم، وهزمهم وأكثر فيهم القتل وولَّوْا منهزمين، ومضى المهتدي يركضُ منهزمًا، والسيف في يده مشهور، وهو ينادي: يا معشرَ الناس، انصروا خليفَتكم، حتى صار إلى دار أبي صالح عبد الله بن محمد بن يزداد وهي بعد خشبة بابك؛ وفيها أحمد بن جُمَيل صاحب المعونة، فدخلها ووضع سلاحه، ولبس البياض ليعلوَ دارًا وينزل أخرى ويهرب، فطُلِب فلم يُوجَد، وجاء أحمد بن خاقان في ثلاثين فارسًا يسأل عنه حتى وقفءلى خبره في دار ابن جميل، فبادرهم ليصعد، فرمي بسهم وبُعِج بالسيف، ثم حمله أحمد بن خاقان على في ابة أو بغل، وأردف خلفه سائسًا حتى صار به إلى داره، فدخلوا عليه، فجعلوا يصفعونه ويبزُقون في وجهه، وسألوه عن ثمن ما باع من المتاع والخرْثيّ، فأقرّ لهم بستمئة ألف قد أودعها الكرخيّ الناسَ ببغداد، وأصابوا عنده خسفَ الواضحة مُغنّية فأخذوا رقعته بستمئة ألف دينار؛ ودفعوه إلى رجل، فوطئ على خُصيَيْه حتى قتله. وقال بعضهم: كان السببُ وأول الخلاف، أنّ اللاحقين من أولاد الأتراك اجتمعوا، وقالوا: لا نرضى أن يكون علينا رئيسٌ غير أمير المؤمنين، وكتبوا إلى موسى بن بُغا وبايكباك، وهما في وجه الشاري، فوافى موسى في رجاله حتى صار إلى قنطرة في ناحية الوزيريّة يوم الجمعة، وعسكر المهتدي في الحَيْر، وقرب منهم، ثم خرج إلى الجوْسق، وعليه السلاح؛ فلما كان يوم السبت لثلاث عشرة خلتْ من رجب، دخل بايكباك طائعًا، ومضى موسى إلى ناحية طريق خراسان في نحو من ألفي رجل، وجاء المهتدي رجلٌ من الموالي؛ فقال له: إنّ

стр. 5845

بايكباك قد وعد موسى أن يفتك بك في الجوسق، فأخذ المهتدي بايكباك، وأمر بنزع سلاحه وحبسه، فحُبس يوم السبت إلى وقت العصر، ثم خرج أهل الكرخ وأهل الدّور يطلبونه، وانصرفوا وبكّروا يوم الأحد، فلم يتخلفْ منهم أحد إلا حضر راكبًا وراجلًا في السلاح، فلما صاروا إلى الجوْسق، صلّى المهتدي الظهر، وخرج إليهم في الفراغنة والمغاربة، فتطارد لهم الأتراك، فحملوا عليهم، فلمّا تَبِعوهم خرج كمين لهم، فقتل من الفراغنة والمغاربة جماعةً كبيرة، وهرب المهتدي، ومرّ على باب أبي الوزير وغلام له يصيح: يا معشرَ الناس، هذا خليفتكم؛ وتراكض الأتراكُ خلْفه، فدخل دار أحمد بن جميل، وتسلق المهتدي من دار إلى دار، وأحدق الأتراك بتلك الناحية كلها، فأخرجوه من دار غلام لعبد الله بن عمر البازيار، وحملوه وبه طعنةٌ في خاصرته على برْذون أعجف، في قميص وسراويل، وانتهبوا دار الكرخيّ ودور بني ثَوَابة وجماعة من الناس؛ فلمّا كان يوم الإثنين حمل أحمد بن المتوكل المعروف بابن فتيان إلى دار يارْجوخ، والأتراك يدورون في الشوارع، ويحمَدون العامة إذ لم يتعرّضوا لهم. وقال آخرون: بل كان السبب في ذلك؛ أنّ أهل دور سامرّا والكرخ تحرّكوا في يوم الإثنين لليلة خلتْ من رجب من هذه السنة، واجتمعوا بالكرْخ وفوقها، فوجّه المهتدي إليهم كيغلَغ وطبايغو بن صول أرتكين وعبد الله أخا نفسه، فلم يزالوا بهم حتى سكنوا ورجعوا إلى الدار، وبلغ أبا نصر محمد بن بغا الكبير أنّ المهتدي قد تكلّم فيه وفي أخيه موسى، وقال للموالي: إنّ الأموال عندهم، فتخوّفه وإياهم، فهرب في ليلة الأربعاء لثلاث خلْون من رجب، فكتب إليه المهتدي أربعة كتب يعطيه فيها الأمان على نفسه ومَنْ معه، ووصل كتابان إليه وهو بالمحمّدية مع أبرتكين بن برنمكاتكين، ووصل الآخران إليه مع فرج الصغير، فوثِق بذلك، فرجع حتى دخل الدار هو وأخوه حَبْشون وبكالبا، فحبِسوا وحُبِس معهم كَيْغَلع، فأفرد أبو نصر عنهم؛ فطلب منه المال، فقبض من وكيله خمسة عشر ألف دينار، وقتِل يوم الثلاثاء لثلاث خلوْن من رجب، ورُمِي به في بئر من آبار القناة، وأخرج من البئر يوم الإثنين للنصف من رجب، ومضى به إلى منزله وقد أراح، فاشتُرِي له ثلثمئة مثقال مسك وستمئة مثقال كافور، وصُيِّر عليه فلم تنقطع الرائحة، وصلى عليه الحسن بن المأمون،

стр. 5846

وكتب المهتدي إلى موسى بن بُغا عند حبسه أبا نصر يأمره بتسليم العسكر إلى بايكباك والإقبال إلى سامرّا في مواليه، وكتب إلى بايكباك في تسلُّم العسكر والقيام بقتال الشاري، فصار بايكباك بالكتاب إلى موسى فقرأه، فاجتمعوا على الانصراف إلى سامرّا، وبلغ المهتدي ذلك، وأنهم على خلافه، فجمع الموالي، فحضّهم على الطاعة، وأمرهم بلزومه في الدّار وترك الإخلال به، وأجرى على كل رجل من الأتراك ومَنْ يجري مجراهم في كلّ يوم درهمين، وعلى كلّ رجل من المغاربة درهمًا، فاجتمع له من الفريقين وأخدانهم زهاء خمسة عشر ألف إنسان، منهم من الأتراك المعروف بالكاملي في الجوْسق وغيره من المقاصير، وكان القيّم بأمر الدار بعد حبس كيغَلغ مسرور البلخيّ والرئيس من القوّاد طبايغو والقيّم بحبس من حُبس من هؤلاء عبد الله بن تكين. وبلغ موسى ومفلحًا وبايكباك حبسُ أبي نصر وحبشون ومَنْ حُبِس، فأخذوا حذرَهم. وجرت الرسل والكتب بينهم وبين المهتدي يوم الخميس وخرج المهتدي يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلتْ من رجب بجمعه متوقّعًا ورود القوم عليه؛ فلم يأت أحد، فلما كان يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب صحّ الخبر بأنّ موسى قد عَرَج عن طريق سامرّا إلى ناحية الجبل مع مفلح، ودخل يوم السبت بايكباك ويارجوخ وأساتكين وعليّ بن بارس وسيما الطويل وخطارمش إلى الدار، فحبس بايكباك وأحمد بن خاقان خليفته، وصُرف الباقون، فاجتمع أصحاب بايكباك وغيره من الأتراك، وقالوا: لمَ يُحبَس قائدنا؟ ولمَ قتِل أبو نصر؟ فخرج إليهم المهتدي يوم السبت - ولم يكن بينهم حرب - فرجع، وخرج يوم الأحد وقد اجتمعوا له، وجمع هو المغاربة والأتراك البرّانيين والفراغنة فصير على الميمنة مسرورًا البليخيّ، وعلى الميسرة يارجوخ، والمهتدي في القلب مع أساتكين وطبايغوا وغيرهما من القوّاد. فلما حمِيت الشمس، قرب القوم بعضهم من بعض، وهاجت الحرب، وطلبوا بايكباك، فرمى إليهم المهتدي برأسه - وكان عتّاب بن عتاب أخرجه من بركة قبائه - فلما رأوا شدّ أخوه طغوتيا في جماعة من خاصّته على جمع المهتدي وعطفت الميمنة والميسرة من عسكر المهتدي فصاروا معهم، وانهزم الباقون عن المهتدي، وقُتل جماعة من الفريقين.

стр. 5847

فذُكر عن حَبْشون بن بغا، أنه قال: قُتِل سبعمئة وثمانون إنسانًا، ولفرّق الناس، ودخل المهتدي الدار، فأغلق الباب الذي دخل فيه، وخرج من باب المصافّ حتى خرج من الباب المعروف بإيتاخ، ثم إلى سويقة مسرور، ثم درب الواثق؛ حتى خرج إلى باب العامة، وهو ينادي: يا معشرَ الناس، أنا أمير المؤمنين؛ قاتلوا عن خليفتكم، فلم تجبه العامة إلى ذلك، وهو يمرّ في الشارع وينادي، فلم يرهم ينصرونه، فصار إلى باب السجن، فأطلق مَنْ فيه، وهو يظنّ أنهم يعينونه؛ فلم يكن منهم إلا الهرب، ولم يجبه أحد، فلمّا لم يجيبوه، صار إلى دار أبي صالح عبد الله بن محمد بن يزداد، وقيها أحمد بن جميل صاحب الشُّرطة نازل، فدخل عليه، فأخرج من ناحية ديوان الضياع، ثم صيّر يه إلى الجوسق، فحبس فيه عند أحمد بن خاقان، وانتهب دار أحمد بن جُمَيل. وكان ممن قتل في المعوكة من قواد المغاربة نصر بن أحمد الزبيريّ، ومن قوّاد الشاكرية عتّاب بن عتاب حين جاء يرأس بايكباك إليهم، وقتَل المهتدي - فيما قيل - في الوقعة عدة كثيرة بيده، تم جرى بينهم وبينه بعد أن حُبس كلام شديد، وأرادوه على الخلع فأبى، واستسلم للقتل، فقالوا: إنه كان كتب رُقعة بيده لموسى بن بغا وبايكباك وجماعة من القوّاد؛ أنه لا يغدر بهم ولا يغتالهم، ولا يفتك بهم ولا يهمّ بذلك، وأنه متى فعل ذلك بهم أو بأحد منهم ووقفوا عليه فهمْ في حلٍّ من بيعته، والأمر إليهم يُقعدون من شاؤوا، فاستحلُّوا بذلك نقضَ أمره. وقد كان يارجوخ بعد انهزام الناس صار إلى الدار، فأخرج من ولد المتوكل جماعة، فصار بهم إلى داره، فبايعوا أحمد بن المتوكل المعروف بابن فِتْيان يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من رجب، وسُمِّي المعتمد على الله، وأشهِد يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب على وفاة المهتدي محمد بن الواثق، وأنه سليم ليس به إلا الجراحتان اللتان نالتاه يوم الأحد في الوقعة؛ إحداهما من سَهْم والأخرى من ضَرْبة، وصلى عليه جعفر بن عبد الواحد وعدّة من إخوة أمير المؤمنين، ودُفِن في مقبرة المنتصر، ودخل موسى بن بغا ومفلح سامرّا يوم السبت لعشر بقين من رَجب، فسلّم على المعتمد فخلَع عليه، وصار إلى منزله وسكن الناس.

стр. 5848

وقال بعضهم - وذكر أنه كان شاهدًا أمرهم: لمّا كان ليلة الإثنين لليلة خلت من رجب ثار أهل الكرْخ والدّور جميعًا، فاجتمعوا، وكان المهتدي يوجّه إليهم إذا تحرّكوا أخاه عبد الله، فوجّه إليهم في هذا اليوم عبد الله أخاه كما كان يوجّهه، فصار إليهم؛ فوجَدهم قد أقبلوا يريدون الجوْسق، فكلّمهم، وضمِن لهم القيام بحوائجهم، فأبوْا وقالوا: لا نرجع حتى نصيرَ إلى أمير المؤمنين ونشكُو إليه قصتنا، فانصرف عنهم عبد الله، وفي الدار في هذا الوقت أبو نصر محمد بن بغا وحَبْشون وكَيْغَلغ ومسرور البلخيّ وجماعة؛ فلما أدّى عبد الله إلى المهتدي ما دار بينه وبينهم، أمره بالرجوع إليهم، وأن يأتيَ بجماعة منهم فيوصلَهم إليه؛ فخرج فتلقاهم قريبًا من الجوْسَق، فأرداهم على أن يقفوا بموضعهم، ويوجّهوا معه جماعة منهم فأبوْا، فلمّا تناهَى الخبر إلى أبي نصر ومَنْ كان معه في الدّار بأنّ جمعهم قد أقبل، خرجوا جميعًا من الدار مما يلي باب النزالة، فلم يبق في الدّار إلا مسرور البلخيّ وألطون خليفة كيْغَلَغ، ومن الكتّاب عيسى بن فَرُّخانشاه، ودخل الموالي مما يلي باب القصر الأحمر، فملؤوا الدار زُهاء أربعة آلاف، فصاروا إلى المهتدي، فشكْوا إليه حالهم. وكان اعتمادهم في مسألتهم أن يعزل عنهم أمراءهم، ويضمّ أمورهم إلى إخوة أمير المؤمنين، وأن يؤخذ الأمراء والكتّاب بالخروج مما اختانوه من أموال السلطان؛ وذكروا أن قدره خمسون ومئة ألف ألف، فوعدهم النظر في أمرهم وإجابتهم إلى ما سألوا، فأقاموا يومَهم ذلك في الدّار، فوجّه المهتدي محمد بن مباشر الكرخيّ، فاشترى لهم الأسوقة، ومضى أبو نصر بن بغا من فورِه ذلك؛ حتى عسكر في الحَيْر بالقرب من موضع الحلْبة، فلحق به زهاء خمسمئة رجل، ثم تفرّقوا عنه في ليلتهم؛ فلم يبقَ إلا في أقلّ من مئة، ومضى فصار إلى المحمّدية، وأصبح الموالي في غداة يوم الأربعاء يطالبون بما كانوا يطالبون به أولًا، فقيل لهم: إن هذا الأمر الذي تريدونه أمرٌ صعب، وإخراج الأمر عن أيدي هؤلاء الأمراء ليس بسهل عليكم، فكيف إذا جمع إلى ذلك أخذهم بالأموال! فانظروا في أموركم؛ فإن كنتم تظنون أنكم تصبرون عيى هذا الأمر حتى يبلغَ منه غايته أجابكم إليه أمير المؤمنين، وإن تكن الأخرى فإنّ أميرَ المؤمنين يحسن لكم النظر، فأبوْا إلا ما سألوه أولًا، فدُعوا إلى أيمان البيعة على أن يقيموا على هذا

стр. 5849

القول، ولا يرجعوا عنه، وأن يقاتلوا مَنْ قاتلهم فيه، وينصحوا لأمير المؤمنين ويوالُوه، فأجابوه إلى ذلك، فأخذِت عليهم أيمان البيعة، فبايع في ذلك اليوم زُهاء ألف رجل وعيسى بن فرّخا نشاه الذي تجري على يده الأمور، ومقامه مقام الوزير، ثم كتبوا إلى أبي نصر كتابًا عن أنفسهم؛ كتبه لهم عيسى بن فرّخانشاه، يذكرون فيه إنكارهم خروجَه من الدار عن غير سبب، وأنهم إنما قصدوا أميرَ المؤمنين ليشكوا إليه حاجتَهم، وأنهم لما وجدوا الدار فارغة أقاموا فيها، وأنهم إذا عاد ردّوه إلى حاله، ولم يهيّجوه، وكتب عيسى عن الخليفة بمثل ذلك إليه، فأقبل من المحمّدية بين العصر والعشاء، فدخل الدار، ومعه أخوه حَبْشون وكيغلغ وبكالبا وجماعة منهم، فقام الموالي في وجوههم معهم السلاح، وقعد المهتدي، فوصل إليه أبو نصر ومَنْ معه، فسلّم عليه، ودنا فقبل يد المهتدي ورجلَه والبساط، وتأخّر فخاطبه المهتدي بأن قال له: يا محمد، ما عندك فيما يقول الموالي؟ قال: وما يقولون؟ قال: يذكرون أنكم احتجبتم الأموال، واستبددتم بالأعمال، فما تنظرون في شيء من أمورهم، ولا فيما عاد لمصلحتهم، فقال محمد: يا أميرَ المؤمنين؛ وما أنا والأموال! ما كنتُ كاتبَ ديوان، ولا جرتْ على يدي أعمال. فقال له: فأين هي الأموال؟ وهل هي إلا عندك وعند أخيك، وكتّابكم وأصحابكم! ودنا الموالي، فتقدّم عبد الله بن تكين وجماعة منهم، فأخذوا بيد أبي نصر وقالوا: هذا عدوّ أمير المؤمنين، يقوم بين يديه بسيفٍ، فأخذوا سيفَه، ودخل غلام لأبي نصر كان حاضرًا يقال له ثيتل، فسلّ سيفه، وخطا ليمنعهم من أبي نصر، وكانت خطوته تلي الخليفة، فسبقه عبد الله بن تكين، فضرب رأسه بالسيف، فما بَقيَ في الدار أحدٌ إلا سلَّ سيفه، وقام المهتدي، فدخل بيتًا كان بقربه، وأخذ محمد بنُ بغا، فأدخِل حجرة في الدار، وحُبس أصحابه الباقون، وأراد القوم قتلَ الغلام فمنعهم المهتدي، وقال: إنّ لي في هذا نظرًا ثم أمر فأعطِيَ قميصًا من الخزانة، وأمر بغسل رأسه من الدّم، وحُبِس. فأصبح الناس يوم الأربعاء وقد كثرُوا، والبيعة تؤخذ، ثمّ أمر عبد الله بن الواثق بالخروج إلى الرفيف في ألف رجل من الشاكرية والفراغنة وغيرهم؛ وكان ممن أمر بالخروج من قوّاد خراسان محمد بن يحيى الواثقيّ وعتاب بن عتاب

стр. 5850

وهارون بن عبد الرحمن بن الأزهر وإبراهيم أخو أبي عون ويحيى بن محمد بن داود وولد نصر بن شيث وعبد الرحمن بن دينار وأحمد بن فريدون وغيرهم. ثم إن عبد الله بن الواثق بلغه عن هؤلاء القوّاد أنهم يقولون: إنه ليس بصواب شخوصهم إلى تلك الناحية، فترك الخروج إليها. ثم إنهم أرادوا أن يكتبوا إلى موسى ومفلح بالانصراف وتسليم العسكر إلى مَنْ فيه من القوّاد، فأجمعوا على أن يكتبوا إليهما بذلك كتابًا، وكتبا إلى بعض القوّاد في تسلّم العسكر منهما، وكتُبا إلى الصغار بما سأل أصحابهم بسامُرّا، وما أجيبوا إليه، وأمر بنسخ الكتب التي كُتبت إلى القوّاد، وأن ينظروا؛ فإن سارع موسى ومفلح إلى ما أمِرا به من الإِقبال إلى الباب في غلمانهم وتسليم العسكر إلى مَن أمِرا بتسليمه إليه؛ وإلا شدّوهما وثاقًا، وحملوهما إلى الباب، ووجّهوا هذه الكتب مع ثلاثين رجلًا منهم، فشخصوا عن سامرّا ليلة الجمعة لخمس خلون من رجب من هذه السنة، وأجْرِي على مَنْ أخِذت عليه البيعة في الدار على كلّ رجل منهم في اليوم درهمان، فكان المتولي لتفرقة ذلك عليهم عبد الله بن تكين، وهو خال ولد كنجور. ولما تناهى الخبر إلى موسى وأصحابه اتّهم كنجور، وأمر بحبسه بعد أن ناله بالضرب، وموسى حينئذ بالسنّ، ولما انتهى الخبر إلى بايكباك وهو بالحديثة أقبل إلى السنّ، فاستخرج كنجور من الحبس، واجتمع العسكر بالسنّ، ووصل إليهم الرسل، وأوصلوا الكتب، وقرؤوا بعضها على أهل العسكر، وأخذوا عليهم البيعة بالنصرة لهم، فارتحلوا حتى نزلوا قنطرة الرفيف يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب؛ وخرج المهتدي في هذا اليوم إلى الحَير، وعرض الناس، وسار قليلًا، ثم عاد وأمر أن تخرج الخيام والمضارب فتضرب في الحَيْر، وأصبح الناس يوم الجمعة، وقد انصرف من عسكر موسى زُهاء ألف رجل؛ منهم كوتكين وحشنَج. ثم خرج المهتدي إلى الحَيْر، ثم صيّر ميمنته عليها كوتكين، وميسرته عليها حشنَج، وصار هو في القلب، ثم رجع الرسل تختلف بين العسكرين، والذي يريد موسى بن بغا أن يُولَّى ناحية ينصرف إليها، والذي يريد القوم من موسى أن يُقبل في غلمانه ليناظرهم؛ فلم يتهيّأ بينهم في ذلك اليوم شيء.
следующие страницы →