حتى احتاج الناس إلى الاستسقاء فاستسقوا ببغداد مرات (١).
ولليلة بقيت من ذي الحجة من هذه السنة كانت - فيما ذكر - وقعة بين عيسى النُّوشريّ وبين أبي ليلى بن عبد العزيز بن أبي دلف، وذلك يوم الخميس دون أصبهان بفرسخين، فأصاب أبا ليلى سهم في حلقه - فيما ذكر - فنحره، فسقط عن دابّته، وانهزم أصحابه، وأخِذ رأسه فحُمِل إلى أصبهان.
وحجّ بالناس في هذه السنة محمَّد بن عبد الله بن داود الهاشميّ المعروف بأترجَّة (٢).
* * *
ثمَّ دخلت سنة خمس وثمانين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من قطع صالح بن مُدرك الطائيّ في جماعة من طَيّئ على الحاجّ بالأجفُر يوم الأربعاء لاثنتي عشرة بَقيتْ من المحرم، فحاربه الجنّيّ الكبير، وهو أمير القافلة، فظفِر الأعراب بالقافلة؛ فأخذوا ما كان فيها من الأموال والتِّجارات، وأخذوا جماعة من النِّساء الحرائر والمماليك، وقيل إنّ ذلك الذي أخذوا من الناس بقيمة ألفي ألف دينار (٣).
ولسبع بقين من المحرم منها قُرئ على جماعة من حاجّ خُراسان في دار المعتضد بتولية عمرو بن الليث الصّفَّار ما وراء نهر بلخ، وعزل إسماعيل بن أحمد عنه (٤).
ولخمس خلون من صفر منها ورد مدينة السلام وصيف كامه مع جماعة من القوّاد من قِبَل بدر مولى المعتضد وعبيد الله بن سليمان من الجبل، معهم رأس الحارث بن عبد العزيز بن أبي دُلف المعروف بأبي ليلى، فمضوا به إلى دار
стр. 6092
المعتضد بالثريَّا، فاستوهبه أخوه فوهبه، واستأذنه في دفنه فأذن له، وخلع على عمر بن عبد العزيز، في هذا اليوم وعلى جماعة من القواد القادمين.
وفيها - فيما ذكر - كتب صاحب البريد من الكُوفة، يذكر أن ريحًا صفراء ارتفعت بنواحي الكوفة في ليلة الأحد لعشر بقين من شهر ربيع الأوّل، فلم تزل إلى وقت صلاة المغرب، ثمَّ استحالت سوداءَ فلم يزل الناس في تضرّع إلى الله.
وإنّ السماء مطرت بعقب ذلك مطرًا شديدًا برعود هائلة وبروق متّصلة، ثمَّ سقط بعد ساعة بقرية تعرف بأحمد أباذ ونواحيها حجارة بِيض وسود مختلفة الألوان، في أوساطها ضَغطة شبه أفهار العطارين، فأنفذ منها حَجَرًا، فأخرِج إلى الدواوين والناس حتى رأوه (١).
ولتسع بَقين منه شخص ابن الإخشاد أميرًا على طَرَسوس من بغداد مع النَّفر الذين كانوا قدموا منها يسألون أن يولَّى عليهم وال.
وخرج أيضًا في هذا اليوم من بغداد فاتك مولى المعتضد للنَّظر في أمور العمَّال بالموصل وديار ربيعة وديار مضر والثغور والشامية والجزرية وإصلاح الأمور بها إلى ما كان يتقلده من أعمال البريد بهذه النواحي.
وفي هذه السنة ورد الخبر - فيما ذُكر - من البصرة أن ريحًا ارتفعت بها بعد صلاة الجمعة لخمس بقين من شهر ربيع الأوّل صفراء، ثمَّ استحالت خضراء ثمَّ سوداء، ثمَّ تتابعت الأمطار بما لم يروْا مثلَها، ثمَّ وقع بردٌ كبار كان وزن البَرَدَة الواحدة مئة وخمسين درهمًا - فيما قيل - وأن الريح أقلعت من نهر الحسين خمسمئة نخلة وأكثر، ومن نهر معقل مئة نخلة عددًا (٢).
وفيها كانت وفاة الخليل بن ريمال بحُلوان.
ولخمس خلوْن من جُمادى الآخرة ورد الخبر على السلطان أن بكر بن عبد العزيز بن أبي دُلف تُوُفِّيَ بطبَرِستان من علَّة أصابته، ودفن هنالك. فأعطى الذي جاء بالخبر - فيما ذكر - ألف دينار.
стр. 6093
وفيها ولّى المعتضد محمَّد بن أبي الساج أعمال أَذْربيجان وأرمينية، وكان قد تغلَّب عليها وخالف، وبعث إليه بخلع وحُملان.
وفيها ورد الخبر لثلاث خلوْن من شعبان أنّ راغبًا الخادم مولى الموفَّق غزا في البحر، فأظفره الله بمراكب كثيرة، وبجميع مَنْ فيها من الرُّوم، فضرب أعناق ثلاثة آلاف من الرّوم الذين كانوا في المراكب، وأحرق المراكب، وفتح حصونًا كثيرة من حصون الروم، وانصرفوا سالمين (١).
وفي ذي الحجَّة منها ورد الخبر بوفاة أحمد بن عيسى بن شيْخ وقيام ابنه محمَّد بن أحمد بن عيسى بما كان في يد أبيه بآمِد، وما يليها على سبيل التغلب.
ولإحدى عشرة بقيت من ذي الحجة منها خرج المعتضد من بغداد قاصدًا إلى آمد، وخرج معه ابنه أبو محمَّد والقوّاد والغلمان، واستخلف ببغداد صالحًا الأمين الحاجب، وقلَّده النَّظر في المظالم وأمر الجسرين وغير ذلك (٢).
وفيها وجَّه هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون ومَنْ معه من قوّاد المصريين إلى المعتضد وضيفَ قاطرميز، يسألونه مقاطعتَهم عمَّا في أيديهم من مصر والشام، وأجرى هارون على ما كان يجري عليه أبوه، فقدم وصيف بغداد، فردّه المعتضد، ووجَّه معه عبد الله بن الفتح ليشافههم برسائل، ويشترط عليهم شروطًا، فخرجا لذلك في آخر هذه السنة.
وفيها غزا ابن الأخشاد بأهل طَرَسُوس وغيرهم في ذي الحجة، وبلغ سَلَنْدُو.
وفتِح عليه، وكان انصرافه إلى طرسوس في سنة ست وثمانين ومئتين.
وحجّ بالناس في هذه السنة محمَّد بن عبد الله بن داود الهاشمي (٣).
* * *
стр. 6094
ثمَّ دخلت سنة ست وثمانين ومئتين ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث الجليلة
فمن ذلك ما كان من توجيه محمَّد بن أبي الساج ابنه المعروف بأبي المسافر إلى بغداد رهينةً بما ضمن للسلطان من الطاعة والمناصحة، فقدم - فيما ذكر - يوم الثلاثاءِ، لسبع خلوْن من المحرّم منها، معه هدايا من الدوابّ والمتاع وغير ذلك، والمعتضد يومئذ غائب عن بغداد.
وفي شهر ربيع الآخر منها ورد الخبر أنّ المعتضد بالله وصل إلى آمد، فأناخ بجنده عليها، وأغلق محمَّد بن أحمد بن عيسى بن شيخ عليه أبواب مدينة آمد، وعلى من فيها من أشياعه. ففرّق المعتضد جيوشه حولها وحاصرهم، وذلك لأيام بقيَتْ من شهر ربيع الأوّل، ثمَّ جرت بينهم حروب، ونَصب عليهم المجانيق، ونَصب أهل آمد على سورهم المجانيق، وتراموْا بها (١).
وفي يوم السبت لإحدى عشرة بقيت من جمادى الأولى وجَّه محمَّد بن أحمد بن عيسى إلى المعتضد يطلب لنفسه ولأهله ولأهل آمد الأمان، فأجابه إلى ذلك، فخرج محمَّد بن أحمد بن عيسى في هذا اليوم ومَنْ معه من أصحابه وأوليائه فوصلوا إلى المعتضد، فخلع عليه وعلى رؤساء أصحابه، وانصرفوا إلى مضرب قد أعدّ لهم، وتحوّل المعتضد من عسكره إلى منازل ابن عيسى بن شيخ ودوره؛ وكتب بذلك كتابًا إلى مدينة السَّلام مؤرَّخًا بيوم الأحد لعشر بقين من جمادى الأولى. ولخمس بقين من جمادى الأولى منها ورد الكتاب من المعتضد بفتحه آمد إلى مدينة السلام، وقرئ على المنبر بالجامع.
وفيها انصرف عبد الله بن الفتح إلى المعتضد وهو مقيم بآمد من مصر بأجوبة كتُبه إلى هارون بن خمارويه، وأعلمه أنّ هارون قد بذل أن يسلّم أعمال قِنَّسرين العواصم، ويحمل إلى بيت المال ببغداد في كلّ سنة أربعمئة ألف وخمسين ألف دينار، وأنه يسأل أن يجدّد له ولاية على مصر والشام، وأن يوجَّه المعتضد بخادم من خدمه إليه بذلك، فأجابه إلى ما سأل، وأنفذ إليه بدرًا القداميّ
стр. 6095
وعبد الله بن الفتح بالولاية والخلع، فخرجا من آمد إلى مصر بذلك، وتسلم عمّال المعتضد أعمال قِنَّسرين والعواصم من أصحاب هارون في جُمادى الأولى، وأقام المعتضد بآمد بقيّة جُمادى الأولى وثلاثة وعشرين يومًا من جُمادى الآخرة. ثمَّ ارتحل منها يومَ السَّبت لسبع بَقين منها نحو الرقة، وخلَّف ابنه عليًّا بآمد مع جيوش ضمَّهم إليه لضبط الناحية وأعمال قِنَّسرين والعواصم وديار ربيعة وديار مُضر. وكان كاتب عليّ بن المعتضد يومئذ الحسين بن عمرو النّصرانيّ، وقلد الحسين بن عمرو النظر في أمور هذه النواحي ومكاتبة العمّال بها، وأمر المعتضد بهدم سور آمِد فهُدم (١).
وفيها وافتْ هدية عمرو بن الليث الصفّار من نيسابور إلى بغداد، فكان مبلغ المال الذي وجّهه أربعة آلاف ألف درهم، وعشرين من الدوابّ، وبسروج ولُجم محلّاة مغرّقة ومئة وخمسين دابة بجلال مشهرة وكسوة وطيب وبُزاة، وذلك في يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الآخرة (٢).
وفي هذه السنة ظهر رجل من القرامطة يعرف بأبي سعيد الجنّابي بالبحرين، فاجتمع إليه جماعة من الأعراب والقرامطة؛ وكان خروجه - فيما ذُكر - في أول السنة، وكثر أصحابه في جمادى الآخرة، وقويَ أمرُه، فقتل من حوله من أهل القرى، ثمَّ صار إلى موضع يقال له القَطيف، بينه وبين البصرة مراحل، فقتَل مَنْ بها. وذكر أنَّه يريد البصرة، فكتب أحمد بن محمَّد بن يحيى الواثقيّ - وكان يتقلّد معاون البصرة وكور دجلة في ذلك الوقت - إلى السلطان بما اتَّصل به من عَزْم هؤلاء القرامطة؛ فكتب إليه وإلى محمَّد بن هشام المتولِّي أعمال الصّدقات والخراج والضياع بها، في عمل سور على البصرة، فقُدّرت النفقة على ذلك أربعة عشر ألف دينار، فأمر بالإنفاق عليه فُبنِي (٣).
وفي رجب من هذه السنّة صار إلى الأنبار جماعة من أعراب بني شَيْبان، فأغاروا على القرى، وقتلوا من لحقوا من الناس، واستاقوا المواشي. فخرج إليهم أحمد بن محمَّد بن كُمُشْجور المتولّي المعاون بها، فلم يُطقهم. فكتب إلى
стр. 6096
السلطان يخبره بأمورهم. فوجّه من مدينة السلام نفيسًا المولديّ وأحمد بن محمَّد الزَّرَنْجيّ والمظفر بن حاج مددًا له في زُهاء ألف رجل؛ فصاروا إلى موضع الأعراب، فواقعوهم بموضع يعرف بالمنقبة من الأنبار، فهزمهم الأعراب، وقتلوا أصحابَهم وغَرِق أكثرهم في الفرات، وتفرّقوا. فورد كتاب ابن حاجّ يوم الإثنين لستّ بقين من رجب بخبر هذه الوقعة وهزيمة الأعراب إيامهم، فأقام الأعراب يعيثُون في الناحية، ويتخفّرون القرى، فكُتب إلى المعتضد بخبرهم، فوجّه إليهم لقتالهم من الرّقة العباس بن عمرو الغَنَوي وخفيفًا الأذكوتكينيّ وجماعة من القوّاد. فصار هؤلاء القوّاد. إلى هيت في آخر شعبان من هذه السنة.
وبلغ الأعرابَ خبرُهم، فارتحلوا عن موضعهم من سواد الأنبار، وتوجّهوا نحو عين التّمر، فنزلوها ودخل القواد الأنبار فأقاموا بها، وعاث الأعراب بعين التّمر ونواحي الكوفة؛ مثل عيثهم بنواحي الأنبار، وذلك بقية شعبان وشهر رمضان.
وفيها وجّه المعتضد إلى راغب مولى أبي أحمد وهو بَطَرسُوس، يأمره بالمصير إليه بالرّقة، فصار إليه وهو بها، فلمّا وصل إليه تركه في عسكره يومًا ثمَّ أخذه من الغد فحبسه؛ وأخذ جميع ما كان معه؛ وورد الخبر بذلك مدينة السلام يوم الإثنين لتسع خلوْن من شعبان، ثمَّ مات راغب بعد أيام، وقُبض على مكنون غلام راغب وعلى أصحابه، وأخذ ماله بَطرَسُوس يوم الثلاثاء لستّ بقين من رجب، وكان المتولِّي أخذهم ابن الإخشاد.
ولعشر بَقين من شهر رمضان منها وجّه المعتضد مؤنسًا الخازن إلى الأعراب بنواحي الكوفة وعين التَّمر، وضمّ إليه العباس بن عمرو وخفيفًا الأذكوتكينيّ وغيرهما من القوّاد، فسار مؤنس ومَنْ معه حتى بلغ الموضع المعروف بنينوَي، فوجد الأعراب قد ارتحلوا عن موضعهم، ودخل بعضهم إلى برّيّة طريق مكة وبعضهم إلى برّية الشام، فأقام بموضعه أيامًا، ثمَّ شخص إلى مدينة السلام.
وفي شوال منها قلّد المعتضد وعبيد الله بن سليمان ديوان المشرق محمدَ بن داود بن الجراح، وعُزل عنه أحمد بن محمَّد بن الفرات، وقُلِّد ديوان المغرب علي بن عيسى بن داود بن الجراح، وعُزِل عنه ابن الفرات.
* * *
стр. 6097
ثمَّ دخلت سنة سبع وثمانين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من قبض المعتضد على محمَّد بن أحمد بن عيسى بن شيخ وعلى جماعة من أهله وتقييده إياهم، وحبسه لهم في دار ابن طاهر؛ وذلك أنَّه صار بعض أقربائه - فيما ذُكر - إلى عبيد الله بن سليمان، فأعلمه أنّ محمدًا أجمع على الهرب في جماعة من أصحابه وأهله. فكتب بذلك عُبيد الله إلى المعتضد، فكتب إليه المعتضد يأمره بالقبض عليه، ففعل ذلك يوم الأربعاء لأربع خلوْن من المحرم منها.
وفي هذا الشهر من هذه السنة ورد كتاب أبي الأغرّ على السلطان أنّ طيئًّا تجمّعت له، وحشدوا واستعانوا بمَنْ قدروا عليه من الأعراب، واعترضوا قافلة الحاج، فواقعوهم لمّا جاوزوا المعدن منصرفين إلى مدينة السلام من مكة ببضعة عشر ميلًا، وأقبل إليهم فرسان الأعراب ورجّالتهم ومعهم بيوتهم وحرمهم وإبلهم؛ وكانت رَجّالتهم أكثرَ من ثلاثة آلاف، فالتحمت الحرب بينهم، ولم تزَل الحرب بينهم يومهم أجمع، وهو يوم الخميس لثلاث بقين من ذي الحجّة، فلما جنّهم الليل باينوهم؛ فلمّا أصبحوا غادوْهم الحرب غداةَ يوم الجمعة إلى انتصاف النهار. ثمَّ أنزل الله النصر على أوليائه وولّى الأعراب منهزمين، فما اجتمعوا بعد تفرّقهم، وأنه سار هو وجميع الحاجّ سالمين، وأنفذ كتابه مع سعيد بن الأصفر بن عبد الأعلى، وهو أحد وجوه بني عمه والمتولّي للقبض على صالح بن مدرك.
وفي يوم السبت لثلاث بقين من المحرم وافى الأغرّ مدينة السلام، وبين يديه رأس صالح بن مدرك، ورأس جحنْشَ، ورأس غلام لصالح أسود، وأربعة أسارى من بني عمّ صالح، فمضى إلى دار المعتضدِ، فخلِع عليه، وطُوّق بطوْق من ذهب، ونُصِبت الرؤوس على رأس الجسر الأعلى بالجانب الشرقيّ، وأدخِل الأسرى المطامير.
ولأربع ليال بقين من صفر منها، دخل المعتضد من متنزّهه ببرَاز الرّوز إلى
стр. 6098
بغداد، وأمر ببناء قصر في موضع اختاره من براز الرّوز، فحمل إليه الآلات، وابتدأ في عمله (١).
وفي شهر ربيع الأوّل منها غَلُظ أمر القرامطة بالبحرين، فأغاروا على نواحي هَجَر، وقرب بعضهم من نواحي البصرة، فكتب أحمد بن محمَّد بن يحيى الواثقيّ يسأل المددَ، فوجّه إليه في آخر هذا الشهر بثماني شَذوَات، فيها ثلاثمئة رجل، وأمر المعتضد باختيار جيش لينفذه إلى البصرة (٢).
وفي يوم الأحد لعشرٍ خلوْن من شهر ربيع الآخر، فقد بدر مولى المعتضد في داره، ونظر في أمور الخاصّة والعامة من الناس والخراج والضياع والمعاون.
وفي يوم الإثنين لإحدى عشرِة خلتْ من شهر ربيع الآخر، مات محمَّد بن عبد الحميد الكاتب المتولي ديوان زمام المشرق والمغرب.
وفي يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت منه ولّى جعفر بن محمَّد بن حفص هذا الديوان، فصار من يومه إلى الديوان وقعد فيه.
وفي شهر ربيع الآخر منها ولّى المعتضدُ عبّاس بن عمرو الغَنَويّ اليمامة والبحرين ومحاربة أبي سعيد الجنّابيّ ومَنْ معه من القرامطة، وضمّ إليه زُهاء ألفيْ رجل، فعسكر العبّاس بالفِرْكِ أيامًا حتى اجتمع إليه أصحابُه، ثمَّ مضى إلى البصرة، ثمَّ شخص منها إلى البحرين واليمامة (٣).
وفيها - فيما ذُكر - وافي العدوّ باب قلمية من طَرَسُوس، فنفر أبو ثابت وهو أمير طَرَسُوس بعد موت ابن الإخشاد - وكان استخلفه على البلد حين غزا - فمات وهو على ذلك؛ فبلغ في نفيره إلى نهر الرَّيحَان في طلب العدوّ، فأسرَ أبو ثابت وأصيب الناس؛ فكان ابن كلوب غازيًا في درب السلامة؛ فلمّا قفل من غَزاته جَمع المشايخ من أهل الثغر ليتراضوا بأمير يلي أمورَهم، فاتّفق رأيُهم على عليّ بن الأعرابيّ، فولّوه أمرهم بعد اختلاف من ابن أبي ثابت.
وذكر أن أباه استخلفه، وجمع جمعًا لمحاربة أهل البلد حتى توسّط الأمرَ ابن
стр. 6099
كلوب، فرضي ابن ثابت؛ وذلك في شهر ربيع الآخر، وكان النُّغيْل حينئذ غازيًا ببلاد الروم، فانصرف إلى طَرَسُوس، وجاء الخبر أن أبا ثابت حُمِل إلى القسطنطينية من حصن قونِيَة، ومعه جماعة من المسلمين.
وفي شهر ربيع الآخر مات إسحاق بن أيوب الذي كان إليه المعاون بديار ربيعة، فقلِّد ما كان إليه عبد الله بن الهيثم بن عبد الله بن المعتمر.
وفي يوم الأربعاء لخمس بقين من جُمادى الأولى، ورد كتاب - فيما ذكر - على السلطان بأنّ إسماعيل بن أحمد أسرَ عمرًا الصفار، واستباح عسكره، وكان من خبر عمرو وإسماعيل، أن عمرًا سأل السلطانَ أن يولِّيَه ما وراء النهر، فولّاه ذلك، ووجّه إليه وهو مقيم بنيسابور بالخلع، واللواء على ما وراء النهر، فخرج لمحاربة إسماعيل بن أحمد، فكتب إليه إسماعيل بن أحمد: إنك قد وليت دنيا عريضة، وإنما في يدي ما وراء النهر، وأنا في ثغر؛ فاقنع بما في يدك، واتركني مقيمًا بهذا الثغر. فأبى إجابَته إلى ذلك؛ فذُكر له أمر نهر بلخ وشدة عبوره، فقال: لو أشاء أن أسكره ببدَرِ الأموال وأعبره لفعلتُ؛ فلما أيس إسماعيل من انصرافه عنه جمع مَنْ معه والتّنّاء والدّهاقين، وعَبر النهر إلى الجانب الغربيّ؛ وجاء عمرو فنزلَ بَلْخ، وأخذ إسماعيل عليه النواحي، فصار كالمحاصَر، وندم على ما فعل، وطلب المحاجزة - فيما ذكر - فأبى إسماعيل عليه ذلك، فلم يكن بينهما كثير قتال حتى هُزم عمرو فولّى هاربًا، ومرّ بأجمة في طريقه، قيل له: إنها أقرب، فقال لعامّة مَنْ معه: امضُوا في الطريق الواضح. ومضى في نفر يسير، فدخل الأجَمَة، فوحلت دابّتُه؛ فوقعت، ولم يكن له في نفسه حيلة، ومضى مَن معه. ولم يلوُوا عليه، وجاء أصحاب إسماعيل، فأخذوه أسيرًا. ولما وصل الخبرُ إلى المعتضد بما كان من أمر عمرو وإسماعيل، مدح إسماعيل - فيما ذكر - وذمّ عمرًا.
ولليلة بقيتْ من جُمادى الأولى من هذه السنة، ورد الخبر على السلطان أن وصيفًا خادم ابن أبي الساج، هرب من بَرْذَعة، ومضى إلى مَلَطْية مراغمًا لمحمد بن أبي الساج في أصحابه، وكتب إلى المعتضد يسأله أن يولّيه الثغور، ليقوم بها، فكتب إليه المعتضد يأمره بالمصير إليه، ووجّه إليه رشيقًا الحرميّ.
ولسبع خلوْن من رَجب من هذه السنة تُوفّيتْ ابنة خَمارويه بن أحمد بن
стр. 6100
طولون. زوجة المعتضد، ودفِنت داخل قصر الرصافة.
ولعشر خلون من رجب وفد على السلطان ثلاثة أنفس وجّههم وصيف خادم ابن أبي الساج إلى المعتضد، يسأله أن يوَلِّيَه الثغور. ويوجّه إليه الخلع، فذكر أنّ المعتضد أمر بتقرير الرُّسل بالسبب الذي من أجله فارق وصيف صاحبَه ابن أبي الساج، وقصد الثغور، فقُرِّروا بالضرب، فذكروا أنَّه فارقه على مواطأة بينه وبين صاحبه على أنَّه متى صار إلى الموضع الذي هو به متى لحق به صاحبه، فصارا جميعًا إلى مُضَر وتغليا عليها، وشاع ذلك في الناس وتحدّثوا به.
ولإحدى عشرة خلتْ من رَجب من هذه السنة وُلِّي حامد بن العباس الخراج والضّياع بفارس؛ وكانت في يد عمرو بن الليْث الصفار، ودُفعت كتبه بالولاية إلى أخيه أحمد بن العباس، وكان حامد مقيمًا بواسط، لأنه كان يليها وكور دجلة، وكتب إلى عيسى النُّوشريّ وهو بإصبهان بالمصير إلى فارس واليًا على معونتها.
* * *
[خروج العباس بن عمرو الغنويّ من البصرة]
وفي هذه السنة كان خروج العباس بن عمرو الغَنَويّ - فيما ذكر - من البصرة بمن ضُمّ إليه من الجند، مع من خَفّ معه من مطوَّعة البصرة نحو أبي سعيد الجنّابي ومَن انضوى إليه من القَرامطة، فلقيَهم طلائع لأبي سعيد، فخلّف العباس سوادَه، وسار نحوهم، فلقي أبا سعيد ومَنْ معه مساء، فتناوشوا القتال، ثمَّ حجز بينهم الليل، فانصرف كلّ فريق منهما إلى موضعهم. فلمّا كان الليل انصرف مَن كان مع العباس من أعراب بني ضَبّة - وكانوا زهاء ثلاثمئة - إلى البصرة، ثم تبعهم مطّوعّة البصرة؛ فلما أصبح العباس غادى القرامطةَ الحرب، فاقتتلوا قتالًا شديدًا. ثمَّ إنَّ صاحب ميسرة العباس - وهو نجاح غلام أحمد بن عيسى بن شيخ - حمل في جماعة من أصحابه زُهاء مئة رجل على ميمنة أبي سعيد، فوغَلُوا فيهم، فقتِل وجميعُ من معه، وحَمَل الجنّابي وأصحابه على أصحاب العباس، فانهزموا، فاستأسر العباس، وأسر من أصحابه زُهاء سبعمئة رجل، واحتوى الجنّابي على ما كان في عسكر العباس؛ فلما كان من غد يوم
стр. 6101
الوقعة أحضر الجنابيّ من كان أسر من أصحاب العباس، فقتلهم جميعًا، ثمَّ أمر بحطب فطرِح عليهم، وأحرقهم.
وكانت هذه الوقعة - فيما ذكر - في آخر رجب، وورد خبرها بغداد لأربع خلون من شعبان.
* * *
وفيها - فيما ذكر - صار الجنّابيّ إلى هَجَر، فدخلها وآمن أهلها؛ وذلك بعد منصرفه من وقعة العباس، وانصرفَ فَلُّ أصحاب العباس بن عمرو يريدون البصرة، ولم يكن أفلت منهم إلَّا القليل بغير أزواد ولاكسًا، فخرج إليهم من البصرة جماعة بنحو من أربعمئة راحلة، عليها الأطعمة والكسا والماء، فخرج عليهم - فيما ذكر - بنو أسد، فأخذوا تلك الرواحل بما عليها، وقتلوا جماعة ممن كان مع تلك الرواحل ومن أفلت من أصحاب العبّاس؛ وذلك في شهر رمضان؛ فاضطربت البصرة لذلك اضطرابًا شديدًا وهمُّوا بالانتقال عنها، فمنعهم أحمد بن محمَّد الواثقي المتولّي لمعاونها من ذلك، وتخوّفوا هجومَ القرامطة عليهم.
ولثمان خَلَوْن من شهر رمضان منها - فيما ذكر - وردت خريطة على السلطان من الأبُلّة بموافاة العباس بن عمرو في مركب من مراكب البحر، وأن أبا سعيد الجنّابيّ أطلقه وخادمًا له.
ولإحدى عشرة خلتْ من شهر رمضان، وافَى العباس بن عمرو مدينة السلام، وصار إلى دار المعتضد بالثّريا، فذُكر أنَّه بقي عند الجنّابيّ أيامًا بعد الوقعة، ثمَّ دعا به، فقال له: أتحبّ أن أطلقك؟ ، قال: نعم، قال: امض وعرِّف الذي وجّه بك إلى ما رأيت. وحمله على رواحل، وضمّ إليه رجالًا من أصحابه، وحمّلهم ما يحتاجون إليه من الزاد والماء، وأمر الرجال الذين وجّههم معه أن يؤدّوه إلى مأمنه، فساروا به حتى وصل إلى بعض السواحل فصادف به مركبًا، فحمله فصار إلى الأبلّة، فخلع عليه المعتضد وصرفه إلى منزله.
وفي يوم الخميس لإحدى عشرة خلتْ من شوّال ارتحل المعتضد من مَضْرَبه
стр. 6102
بباب الشمَاسية في طلب وصيف خادم ابن أبي الساج، وكتم ذلك، وأظهر أنَّه يريد ناحية ديار مُضَر.
وفي يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلتْ منه، ورد الخبر - فيما ذُكر - على السلطان أن القرامطة بالسواد من أهل جُنُبلاء وثبوا بواليهم بدر غلام الطائي، فقتلوا من المسلمين جمعًا فيهم النساء والصبيان، وأحرقوا المنازل.
ولأربع عشرة خلت من ذي القعدة نزل المعتضد كنيسة السوداء في طلب وصيف الخادم، فأقام بها يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء، حتى تلاحق به الناس، وأراد الرحيل في طريق المصِّيصة، فأتته العيون أنّ الخادم يريد عين زربة، فأحضر الركّاضة الثغريّين وأهل الخبرة، فسألهم عن أقصد الطريق إلى عين زربة، فقطعوا به جيحان غداة الخميس لسبع عشرة خلت من ذي القعدة، فقدّم ابنه عليًّا ومعه الحسن بن علي كوره، وأتبعه بجعفر بن سِعْر، ثمَّ أتبع جعفرًا محمَّد بن كُمُشْجور، ثمَّ أتبعه خاقان المفلحيّ، ثمَّ مؤنس الخادم، ثمَّ مؤنس الخازن، ثمَّ مضى في آثارهم مع غلمان الحجر، ومرّ بعين زَرْبة؛ وضرب له بها مضرب، وخلّف بها خفيفًا السَّمْرقنديّ مع سواده، وسار هو قاصدًا للخادم في أثر القوّاد، فلما كان بعد صلاة العصر جاءته البشارات بأخذ الخادم، ووافوْا به المعتضد، فسلمه إلى مؤنس الخادم وهو يومئذ صاحب شرطة العسكر، وأمر ببذل الأمان لأصحاب الخادم والنّداء في العسكر ببراءة الذمّة ممن وُجد في رحله شيء من نهب عسكر الخادم، ولم يردّه على أصحابه؛ فردّ الناس على كثير منهم ما انتهبوا من عسكرهم. وكانت الوقعة وأسرُ وصيف الخادم - فيما قيل - يوم الخميس لثلاث عشرة بقيت من ذي القعدة، وكان من اليوم الذي ارتحل المعتضد فيه من مضربه بباب الشماسيّة إلى أن قبض على الخادم ستة وثلاثون يومًا.
ولما قبض المعتضد على الخادم انصرف - فيما ذكر - إلى عين زربة، فأقام بها يومين، فلمّا كان في صبيحة الثالث؛ اجتمع إليه أهل عين زربة، وسألوه أن يرحل عنهم لضيق الميرة ببلدهم، فرحل عنها في اليوم الثالث، فنزل المصّيصة بجميع عساكره إلَّا أبا الأغرّ خليفة بن المبارك؛ فإنَّه كان وجّهه ليأخذ على الخادم الطريق لئلّا يصير إلى مَرْعش، وناحية مَلْطَية، وكان الخادم قد أنفذ عياله وعيال أصحابه إلى مرعش وبلغ أصحاب الخادم الذين كانوا قد هربوا ما بذَل لهم
стр. 6103
المعتضد من الأمان، وما أمر بردّه عليهم من أمتعتهم، فلحقوا بعكسر المعتضد داخلين في أمانه. وكان نزول المعتضد بالمصّيصة - فيما قيل - يوم الأحد لعشر بقين من ذي القعدة، فأقام بها إلى الأحد الآخر، وكتب إلى وجوه أهل طَرَسُوس في المصير إليه، فأقبلوا إليهم منهم النُّغيل - وكان من رؤساء الثغر - وابن له، ورجل يقال له ابن المهندس، وجماعة معهم، فحبس هؤلاء مع آخرين، وأطلق أكثرهم. فحمل الذين حبسهم معه إلى بغداد، وكان قد وجَد عليهم لأنهم - فيما ذكر - كانوا كاتبوا وصيفًا الخادم، وأمر المعتضد بإحراق جميع المراكب البحرية التي كان المسلمون يغزون فيها وجميع آلاتها.
وذكر أن دميانة غلام يازمان هو الذي أشار عليه لشيء كان في نفسه على أهل طرسوس، فأحرق ذلك كله، وكان في المراكب نحو من خمسين مركبًا قديمًا قد أنفق عليها أموالٌ جليلة لا يُعمل مثلها في هذا الوقت فأحرقت، فأضرّ ذلك بالمسلمين، وكسر ذلك في أعضادهم، وقويَ به الروم، وأمنوا أن يُغْزوا في البحر. وقلّد المعتضد الحسنَ بن علي كورة الثغور الشأمية بمسألة من أهل الثغور واجتماع كلمتهم عليه، ورحل المعتضد - فيما قيل - من المصِّيصة فنزل فُندُق الحسين، ثمَّ الإسكندرية، ثمَّ بَغْراس ثمَّ أنطاكية، لليلتين خلتا من ذي الحجة. فأقام بها إلى نحَر، وبكّر في ثاني النحر بالرحيل، فنزل أرتاحَ ثمَّ الأثارب ثمَّ حلب، فأقام بها يومين، ثمَّ رحل إلى الناعورة، ثمَّ إلى خُساف، وصفِّين هناك في الجانب الجَزَري، وبيت مال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ في الجانب الآخر، ثمَّ إلى يالس، ثمَّ إلى دَوْسر، ثمَّ إلى بطن دامان، ثمَّ إلى الرّقة، فدخلها لثمان بقين من ذي الحجة، فأقام بها إلى أن بقيَ ليلتان منه.
* * *
[ذكر الخبر عن مقتل محمَّد بن زيد العلويّ] (١)
ولخمس بقين من شوّال ورد الخبر على السلطان بأن محمَّد بن زيد العلويّ قتِل.
стр. 6104
* ذكر الخبر عن سبب مقتله:
ذُكر: أن محمَّد بن زيد خرج لمّا اتصل به الخبر عن أسر إسماعيل بن أحمد عمرَو بن الليث توجَّه في جيش كثيف نحو خراسان طامعًا فيها، ظنًّا منه أنّ إسماعيل بن أحمد لا يتجاوز عمله الذي كان يتولّاه أيام ولاية عمرو بن الليث الصفّار خراسان، وأنه لا دافع له عن خراسان، إذ كان عمرو قد أسِر، ولا عامل للسلطان به؛ فلما صار إلى جُرجان له واستقرّ به، كتب إليه يسأله الرجوع إلى طَبرستان، وترك جرجان له، فأبى ذلك عليه ابنُ زيد، فندب إسماعيل - فيما ذكر لي - خليفةً كان لرافع بن هرثمة أيام ولاية رافع خراسان يُدعى محمَّد بن هارون، لحرب محمَّد بن زيد، فانتدب له، فضمّ إليه جمعًا كثيرًا من رجاله وجنده، ووجّهه، إلى ابن زيد لحربه، فشخص محمَّد بن هارون نحو ابن زيد، فالتقيا على باب جُرجان، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فانهزم عسكر محمَّد بن هارون.
ثمَّ إن محمَّد بن هارون رجع، وقد انتقضت صفوف العَلَويّ، فانهزم عسكر محمَّد بن زيد، وولَّوْا هاربين، وقُتِل منهم - فيما ذكر - بشر كثير، وأصابت ابن زيد ضربات، وأسر ابنه زيد، وحوى محمَّد بن هارون عسكره وما كان فيه. ثمَّ مات محمَّد بن زيد بعد هذه الوقعة بأيام من الضَّربات التي كانت فيه، فدُفن على باب جرجان، وحُمل ابنه زيد إلى إسماعيل بن أحمد، وشخص محمَّد بن هارون إلى طبرستان.
وفي يوم السبت لاثنتي عشرة خلتْ من ذي القعدة أوقع بدر غلام الطائيّ بالقرامطة على غرّة منهم بنواحي روذميستان وغيرها، فقتَل منهم - فيما ذكر - مقتلة عظيمة، ثمَّ تركهم خوفًا على السّواد أن يخرب؛ إذ كانوا فلّاحيه وعماله، وطلب رؤساءهم في أماكنهم، فقتل مَنْ ظفر به منهم؛ وكان السلطان قد قوَّى بدرًا بجماعة من جنده وغلمانه بسببهم للحدث الذي كان منهم.
وحجّ بالناس في هذه السنة محمَّد بن عبد الله بن داود (١).
* * *
стр. 6105
ثمَّ دخلت سنة ثمان وثمانين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من ورود الخبر على السلطان - فيما ذكر - بوقوع الوباء بأذْرَبيجان، فمات منه خلْق كثير إلى أن فقد الناس ما يكفّنون به الموتى، فكفِّنوا في الأكسية واللبود، ثمَّ صاروا إلى أن لم يجدوا مَن يدفن الموتى، فكانوا يتركونهم مطروحين في الطرق (١).
وفيها دخل أصحاب طاهر بن محمَّد بن عمرو بن الليث فارس، وأخرجوا منها عمّال السلطان، وذلك لاثنتي عشرة بقيت من صفر منها.
وفيها تُوفِّيَ محمَّد بن أبي الساج الملقب بأفشين بأذْرَبيجان، فاجتمع غلمانه وجماعة من أصحابه، فأمّروا عليهم ديوداد بن محمَّد، واعتزلهم يوسف بن أبي الساج على الخلاف لهم.
ولليلتين بقيتا من شهر ربيع الآخر ورد كتاب صاحب البريد بالأهواز، يذكر فيه أن أصحاب طاهر بن محمَّد بن عمرو بن الليث صاروا إلى سَنبيل يريدون الأهواز.
وفي أول جمادى الأولى أدخل عمرو بن الليث عبدُ الله بن الفتح - الموجّه كان إلى إسماعيل بن أحمد - بغداد وأشناس غلام إسماعيل بن أحمد. وذُكر لي أنّ إسماعيل بن أحمد خيَّره بين المقام عنده أسيرًا وبين توجيهه إلى باب أمير المؤمنين، فاختار توجيهه فوجّهه.
ولليلتين خَلتَا من جمادى الآخرة، ورد - فيما ذُكر - كتاب صاحب بريد الأهواز منها، يذكر أن كتاب إسماعيل بن أحمد ورد على طاهر بن محمَّد بن عمرو يعلمه أن السلطان ولّاه سجستان، وأمره بالخروج إليها، وأنه خارج إليه إلى فارس ليوقِع به، ثمَّ ينصرف إلى سجستان، وأنّ طاهرًا خرج لذلك، وكتب
стр. 6106
إلى ابن عمّه وكان مقيمًا بأرّجان في عسكره يأمره بالانصراف إليه إلى فارس بمن معه.
وفيها ولّى المعتضد مولاه بدرًا فارس، وأمره بالشخوص إليها لمّا بلغه من تغلّب طاهر بن محمَّد عليها، وخلع عليه لتسع خلوْن من جمادى الآخرة، وضمّ إليه جماعةً من القوّاد، فشخص في جيش عظيم من الجند والغلمان.
ولعشر خلوْن من جمادى الآخرة منها خرج عبد الله بن الفتح وأشناس غلام إسماعيل إلى إسماعيل بن أحمد بن سامان بِخِلعٍ من المعتضد حَمَلها إليه، وببَدنَة وتاج وسيف من ذهب مركّب على جميع ذلك جوهر، وبهدايا وثلاثة آلاف ألف درهم، يفرّقها في جيش من جيوش خُراسان، يوجَّه إلى سِجِسْتَان لحرب مَنْ بها من أصحاب طاهر بن محمَّد بن عمرو.
وقد قيل: إن المال الذي وجّهه إليه المعتضد كان عشرة آلاف ألف درهم، وجّه ببعض ذلك من بغداد، وكتب بباقيه على عمّال الجبل، وأمِرُوا أن يدفعوه إلى الرُّسل.
وفي رجب منها وصل بدر مولى المعتضد إلى ما قرب من أرض فارس، فتنحّى عنها مَنْ كان بها من أسباب طاهر بن محمَّد بن عمرو، فدخلها أصحاب بدر، وجبى عمّالُه الخراج بها.
ولليلتين خَلتَا من شهر رمضان منها، ذكر أنّ كتاب عجّ بن حاجّ عامل مكة ورد يذكر فيه أن بني يَعفر أوقعوا برجل كان تغلّب على صنعاء، وذكر أنَّه عَلَويّ وأنهم هزموه، فلجأ إلى المدينة وتحصّن بها، فصاروا إليه فأوقعوا به، فهزموه أيضًا، وأسروا ابنًا له، وأفلت هو في نحو خمسين نفسًا، ودخل بنو يعفر صنعاء وخطبوا بها للمعتضد.
وفيها أوقع يوسف بن أبي الساج وهو في نفر يسير بابن أخيه ديوداد بن محمَّد، ومعه جيش أبيه محمَّد بن أبي الساج، فهرب عسكره، فبقي ديوداد في جماعة قليلة، فعرض عليه يوسف المقام معه، فأبى وأخذ طريق الموصلَ فوافى بغداد يوم الخميس لسبع بَقين من شهر رمضان من هذه السنة، فكانت الوقعة بينهما بناحية أذْرَبيجان.
стр. 6107
وفيها غزا نزار بن محمَّد عامل الحسن بن علي كورة الصائفة، ففتح حصونًا كثيرة للرّوم، وأدخل طَرَسُوس مئة عِلْج وَنيّفًا وستين عِلْجًا من القوامسة والشمامسة وصلبانًا كثيرة وأعلامًا لهم، فوجّهها كورة إلى بغداد (١).
ولاثنتي عشرة خلتْ من ذي الحجَّة وردت كتب التجار من الرَّقة أن الرُّوم وافتْ في مراكب كثيرة، وجاء قومٌ منهم على الظهر إلى ناحية كيْسُون، فاستاقوا من المسلمين أكثر من خمسة عشر ألف إنسان؛ ما بين رجل وامرأة وصبيّ، فمضوا بهم، وأخذوا فيهم قومًا من أهل الذمة (٢).
وفيها قرب أصحاب أبي سعيد الجنابيّ من البصرة، واشتدّ جزع أهل البصرة منهم حتى همّوا بالهرب منها والنقلة عنها، فمنعهم من ذلك واليهم.
وفي آخر ذي الحجّة منها قُتل وصيف خادم ابن أبي الساج، فحملت جثته فصلبت بالجانب الشرقي. وقيل إنه مات ولم يقتَل، فلما مات احتُزّ رأسه.
وحجّ بالناس فيها هارون بن محمَّد المكنى أبا بكر (٣).
* * *
ثمَّ دخلت سنة تسع وثمانين ومئتين ذكر الخبر عن الكائن فيها من الأمور
فمن ذلك ما كان من انتشار القرامطة بَسَواد الكوفة، فوُجّه إليهم شبل غلام أحمد بن محمَّد الطائيّ، وتُقدِّم إليه في طلبهم، وأخذ مَن ظفر به منهم وحملهم إلى باب السلطان. وظفر برئيس لهم يُعرفَ بابن أبي فوارس، فوجّه به معهم، فدعا به المعتضد لثمان بقين من المحرّم، فسأله، ثمَّ أمر به فقلعتْ أضراسه، ثمَّ خُلع بمدّ إحدى يديه - فيما ذكر - ببكْرة، وعُلّق في الأخرى صخرة، وتُرك على حاله تلك من نصف النهار إلى المغرب، ثمَّ قُطعت يداه ورجلاه من غد ذلك
стр. 6108
اليوم، وضُرِبتْ عنقه، وصلِب مَنْ هنالك من القرامطة (١).
ولليلتين خَلتَا من شهر ربيع الأوّل، أخرج مَنْ كانت له دار وحانوت بباب الشماسيّة عن داره وحانوته، وقيل لهم: خذوا أقفاصكم واخرجوا؛ وذلك أنّ المعتضد كان قد قدّر أن يبني لنفسه دارًا يسكنها، فخطّ موضع السور، وحفر بعضه، وابتدأ في بناء دِكّة على دِجْلة، كان المعتضد أمر ببنائها لينتقل فيقيم فيها إلى أن يفرُغ من بناء الدار والقصر (٢).
وفي ربيع الآخر منها في ليلة الأمير تُوفِّي المعتضد، فلما كان في صبيحتها أحضر دار السلطان يوسف بن يعقوب وأبو خازم عبد الحميد بن عبد العزيز وأبو عمر محمَّد بن يوسف بن يعقوب، وحضر الصلاة عليه الوزير القاسم بن عبيد الله بن سليمان، وأبو خازم وأبو عمرَ والحرَم والخاصّة، وكان أوصى أن يُدفن في دار محمَّد بن عبد الله بن طاهر، فحفر له فيها، فحمِل من قصره المعروف بالحسنيّ ليلًا، فدفن في قبره هناك (٣).
ولسبع بقين من شهر ربيع الآخر من هذه السنة - وهي سنة تسع وثمانين ومئتين - جلس القاسم بن عبيد الله بن سليمان في دار السلطان في الحسنيّ، وأذن للناس، فعزَّوْه بالمعتضد، وهنؤوه بما جدّد له من أمر المكتفي، وتقدّم إلى الكتاب والقوّاد في تجديد البيعة للمكتفي بالله، فقبلوا.
* * *
стр. 6109
خلافة المكتفي بالله (١)
ولما تُوفِّي المعتضد كتب القاسم بن عبيد الله بالخبر إلى المكتفي كتبًا، وأنفذها من ساعته؛ وكان المكتفي مقيمًا بالرّقة، فلمّا وصل الخبر إليه أمر الحسين بن عمرو النصرانيّ كاتبه يومئذ بأخذ البيعة على من في عسكره، ووضع العطاء لهم، ففعل ذلك الحسين، ثمَّ خرج شاخصًا من الرّقة إلى بغداد، ووجّه إلى النواحي بديار ربيعة وديار مضر ونواحي المغرب من يضبطها.
وفي يوم الثلاثاء لثمان خَلَوْن من جمادى الأولى دخل المكتفي إلى داره بالحسنيّ؛ فلمّا صار إلى منزله، أمر بهدم المطامير التي كان أبوه اتّخذها لأهل الجرائم.
وفي هذا اليوم كنّى المكتفي بلسانه القاسم بن عبيد الله وخلع عليه.
وفي هذا اليوم مات عمرو بن الليث الصفار، ودُفن في غد هذا اليوم بالقرب من القصر الحسنيّ، وقد كان المعتضد - فيما ذكر - عند موته بعد ما امتنع من الكلام أمر صافيًا الحُرَميّ بقتل عمرو بالإيماء والإشارة، ووضع يده على رقبته وعلى عينه، أراد ذبح الأعور فلم يفعل ذلك صافي لعلمه بحال المعتضد وقرْب وفاته، وكره قتلَ عمرو، فلما دخل المكتفي بغداد سأل - فيما قيل - القاسم بن عبيد الله عن عمرو: أحيٌّ هو؟ قال: نعم، فسرّ بحياته. وذُكر أنَّه يريد أنْ يحسن
стр. 6110
إليه، وكان عمرو يهدي إلى المكتفي ويبرّه برًّا كثيرًا أيام مقامه بالرّيّ فأراد مكافأته، فذكروا أن القاسم بن عبيد الله كره ذلك، ودسّ إلى عمرو مَنْ قتله (١).
وفي رجب منها ورد الخبر لأربع بقين منه أنّ جماعة من أهل الرّيّ كاتبوا محمَّد بن هارون الذي كان إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان استعمله على طَبَرستان بعد قتله محمَّد بن زيد العَلَوِيّ، فخلع محمَّد بن هارون وبيّض، فسألوه المصير إلى الرّيّ ليدخلوه إليها؛ وذلك أن أوكر تُمُش التركيَّ المولَّى عليهم كان - فيما ذكر - قد أساء السيرة فيهم، فحاربه، فهزمه محمَّد بن هارون وقتله، وقتل ابنين له وقائدًا من قوّاد السلطان يقال له: أبرون أخو كَيغلغ، ودخل محمَّد بن هارون الرّيّ واستولى عليها.
وفي رجب من هذه السنة زلزلت بغداد، ودامت الزلزلة فيها أيامًا وليالي كثيرة.
* * *
[ذكر الخبر عن مقتل بدر غلام المعتضد]
وفي هذه السنة كان مقتل بدر غلام المعتضد (٢)
ذكر سبب قتله:
ذُكر: أنّ سبب ذلك كان أنّ القاسم بن عبيد الله كان هَمّ بتصيير الخلافة من بعد المعتضد في غير ولد المعتضد، وأنه كان ناظرَ بدرًا في ذلك، فامتنع بدر عليه وقال: ما كنتُ لأصرفَها عن ولد مولاي الذي هو وَليُّ نعمتي. فلما رأى القاسم ذلك وعلم أنَّه لا سبيل إلى مخالفة بدر؛ إذ كان بدرٌ صاحب جيش المعتضد، والمستولي على أمره، والمطاعَ في خدمه وغلمانه، اضطغنها على بدر. وحدث بالمعتضد حدثُ الموت وبدر بفارس، فعقد القاسم للمكتفي عَقْد الخلافة، وبايع له وهو بالرَّقة، لما كان بين المكتفي وبين بدر من التباعد في حياة والده.
стр. 6111
وكتب القاسم إلى المكتفي لمّا بايع غلمان أبيه له بالخلافة، وأخذ عليهم البَيْعة بما فعل من ذلك، فقدم بغداد المكتفي وبدْر بعد بفارس، فلمَّا قدمها عمل القاسم في هلاك بدر؛ حذرًا على نفسه - فيما ذكر - من بدر أن يقدَم على المكتفي، فيطلعَه على ما كان القاسم همّ به، وعزم عليه في حياة المعتضد من صرف الخلافة عن ولد المعتضد إذا مات. فوجّه المكتفي - فيما ذكر - محمَّد بن كُمُشْجور وجماعة من القوّاد برسائل، وكتب إلى القوّاد الذين مع بدر يأمرهم بالمصير إلى ما قبَله ومفارقة بدر وتركه، فأوصلت الكتب إلى القوّاد في شرّ، ووجّه إليه يانس خادم الموفّق، ومعه عشرة آلاف ألف درهم ليصرفها في عطاء أصحابه لبيعة المكتفي، فخرج بها يانس.
فذُكر: أنَّه لما صار بالأهواز، وجّه إليه بدر مَنْ قَبَض المال منه فرجع يانس إلى مدينة السلام؛ فلمّا وصلت كتب المكتفي إلى القوّاد المضمومين إلى بدر؛ فارق بدرًا جماعة منهم، وانصرفوا عنه إلى مدينة السلام؛ منهم العباس بن عمرو الغَنَويّ وخاقان المفلحيّ ومحمد بن إسحاق بن كُنْداج وخفيف الأذكوتكيني وجماعة غيرهم. فلما صاروا إلى مدينة السلام دخلوا على المكتفي، فخلع - فيما ذكر - على نيّف وثلاثين رجلًا منهم، وأجاز جماعةً من رؤسائهم؛ كلّ رجل منهم بمئة ألف درهم، وأجاز آخرين بدون ذلك، وخلَع على بعضهم، ولم يجزه بشيء. وانصرف بدر في رجب؛ عامدًا المصيرَ إلى واسط. واتَّصل بالمكتفي إقبالُ بدر إلى واسط، فوكّل بدار بدر، وقبض على جماعة من غلمانه وقوّاده؛ فحُبِسُوا، منهم نحرير الكبير، وعَريب الجبليّ، ومنصور ابن أخت عيسى النُّوشري. وأدخل المكتفي على نفسه القوّاد، وقال لهم: لست أؤمِّر عليكم أحدًا، ومَنْ كانت له منكم حاجة فليلقَ الوزير، فقد تقدّمتُ إليه بقضاء حوائجكم. وأمر بمحو اسم بدر من التراس والأعلام، وكان عليها أبو النجم مولى المعتضد بالله، وكتب بدرٌ إلى المكتفي كتابًا دفعه إلى زيدان السعيديّ، وحمله على الجمّازات. فلما وصل الكتاب إلى المكتفي أخذه، ووكّل بزيدان هذا وأشخص الحسن بن عليّ كوره في جيش إلى ناحية واسط. وذُكر أنَّه قدّمه المكتفي على مقدمته.
ثمَّ أحدر محمَّد بن يوسف مع المغرب لليلة بَقيت من شعبان من هذه السنة
стр. 6112
برسالة إلى بدر، وكان المكتفي أرسل إلى بدر حين فَصَل من عمل فارس يعرض عليه ولاية أيّ النواحي شاء؛ إن شاء أصبهان وإن شاء الريّ، وإن شاء الجبال، ويأمره بالمصير إلى حيث أحبّ من هذه النواحي مع مَنْ أحبّ من الفرسان والرّجالة، يقيم بها معهم واليًا عليها. فأبى ذلك بدر، وقال: لابدّ لي من المصير إلى باب مولاي.
فوجد القاسم بن عبيد الله مساغًا للقول فيه، وقال للمكتفي: يا أمير المؤمنين، قد عرضنا عليه أن نقلّده أيّ النواحي شاء أن يمضيَ إليها، فأبى إلَّا المجيء إلى بابك، وخوّفه غائلتَه، وحرّض المكتفي على لقائه ومحاربته، واتصل الخبر ببدر أنَّه قد وُكِّل بداره، وحبس غلمانه وأسبابه، فأيقن بالشرّ، ووجّه مَنْ يحتال في تخليص ابنه هلال وإحداره إليه، فوقف القاسم بن عبيد الله على ذلك، فأمر بالحفظ به، ودعا أبا خازم القاضي على الشرقية وأمره بالمضي إلى بدر ولقائه وتطييب نفسه وإعطائه الأمان من أمير المؤمنين، على نفسه وماله وولده، فذُكر أن أبا خازم قال له: أحتاج إلى سماع ذلك من أمير المؤمنين حتى أؤدّيه إليه عنه، فقال له: انصرفْ حتى أستأذنَ لك في ذلك أمير المؤمنين.
ثمَّ دعا بأبي عمر محمَّد بن يوسف، فأمره بمثل الذي أمر به أبا خازم، فسارع إلى إجابته إلى ما أمره به، ودفع القاسم بن عبيد الله إلى أبي عمر كتاب أمان عن المكتفي، فمضى به نحو بدر، فلمّا فصل بدر عن واسط ارفضّ عنه أصحابه وأكثر غلمانه؛ مثل عيسى النُّوشريّ وختَنَه يانس المستأمن وأحمد بن سمعان ونحرير الصغير، وصاروا إلى مضرب المكتفي في الأمان. فلما كان بعد مضيّ ليلتين من شهر رمضان من هذه السنة، خرج المكتفي من بغداد إلى مضربه بنهر دَيَالي، وخرج معه جميع جيشه، فعسكر هنالك، وخلع على مَنْ صار إلى مضربه من الجماعة الذين سَمّيتُ، وعلى جماعة من القوّاد والجند. ووكّلَ بجماعة منهم، ثمَّ قيّد تسعة منهم، وأمر بحملهم مقيّدين إلى السجن الجديد؛ ولقي - فيما ذكر - أبو عمر محمَّد بن يوسف بدرًا بالقرب من واسط، ودفع إليه الأمان وخبّره عن المكتفي بما قال له القاسم بن عبيد الله، فصاعد معه في حَرَّاقة بدر، وكان قد سيّره في الجانب الشرقيّ وغلمانه الذين بقُوا معه في جماعة من الجند وخلق كثير من الأكراد وأهل الجبل يسيرون معه بمسيره على شطّ دِجْلة،
стр. 6113
فاستقرّ الأمر بين بدر وأبي عمر على أن يدخل بدر بغداد سامعًا مطيعًا، وعبَر بدر دِجْلة، فصار إلى النعمانيّة، وأمر غلمانه وأصحابه الذين بقُوا معه أن ينزعوا سلاحهم، وألّا يحاربوا أحدًا، وأعلمهم ما ورد به عليه أبو عمر من الأمان؛ فبينا هو يسير إذ وافاه محمَّد بن إسحاق بن كنْداج في شَذًا، ومعه جماعة من الغلمان، فتحول إلى الحرَّاقة، وسأله بدر عن الخبر، فطيّب نفسه، وقال له قولًا جميلًا، وهم في كل ذلك يؤمرونه؛ وكان القاسم بن عبيد الله وجّهه، وقال له: إذا اجتمعتَ مع بدر، وصرت معه في موضع واحد؛ فأعلمْني. فوجّه إلى القاسم، وأعلمه؛ فدعا القاسم بن عبيد الله لؤلؤًا أحد غلمان السلطان، فقال له: قد ندبتُك لأمر، فقال: سمعًا وطاعة؛ فقال له: امض وتسلَّمْ بدرًا من ابن كنداجيق، وجئني برأسه. فمضى في طيّار حتى استقبل بدرًا ومَنْ معه بين سيب بني كوما وبين اضطربد، فتحول من الطيار إلى الحرّاقة، وقال لبدر: قم، فقال: وما الخبر؟ قال: لا بأس عليك، فحوّله إلى طيّاره، ومضى به حتى صار به إلى جزيرة بالصافية، فأخرجه إلى الجزيرة، وخرج معه، ودعا بسيف كان معه فاستلّه، فلمّا أيقَن بدر بالقتل سأله أن يُمهله حتى يُصَلِّي ركعتين، فأمهله، فصلّاهما، ثمَّ قدّمه فضرب عنُقَه، وذلك في يوم الجمعة قبل الزّوال لست خلْون من شهر رمضان، ثمَّ أخذ رأسه ورجع إلى طيّاره؛ وأقبل راجعًا إلى معسكر المكتفي بنهر دَيَالَي ورأس بدر معه، وتُركت جثّته مكانها، فبقيت هنالك. ثمَّ وجّه عياله من أخذ جثته سرًّا، فجعلها في تابوت، وأخفوْها عندهم، فلما كان أيام الموسم حملوها إلى مكة، فدفنوها بها - فيما قيل - وكان أوصى بذلك، وأعتق قبل أن يقتَل مماليكه كلّهم، وتسلم السلطان ضياع بدر ومستغلاته ودوره وجميعَ ماله بعد قتله. وورد الخبر على المكتفي بما كان من قَتْل بدر، لسبع خلوْن من شهر رمضان من هذه السنة، فرحل منصرفًا إلى مدينة السلام، ورحل معه مَنْ كان معه من الجند، وجيء برأس بدْر إليه، فوصل إليه قبل ارتحاله من موضع معسكره، فأمر به فنظِّف، ورُفع في الخزانة، ورجع أبو عمر القاضي إلى داره يوم الإثنين كئيبًا حزينًا، لِمَا كان منه في ذلك، وتكلَّم الناس فيه، وقالوا: هو كان السبب في قتل بدر، وقالوا فيه أشعارًا، فمما قيل فيه منها:
قلْ لقاضي مَدينةِ الْمنصُورِ ... بمَ أحللتَ أخذَ رأس الأَميرِ!
بعدَ إِعطائِه المواثيقَ والعهـ ... ـد وعقدِ الأَيْمانِ في مَنشورِ
стр. 6114
أَينَ أَيْمانُكَ التي شهدَ اللـ ... ـهُ على أنها يمينُ فَجُورِ
أَنَّ كفيَّك لا تفارِق كَفّيـ ... ـهِ إلى أن ترَى مَلِيكَ السَّريرِ
يا قليلَ الحياءِ يا أكذَبَ الأ ... مّةِ يا شاهِدًا شهادةَ زورِ
ليسَ هذا فِعل القضاةِ ولا يُحـ ... ـسِنُ أَمثالهُ وُلاة الجُسُورِ
أيّ أَمرٍ رَكِبْتَ في الجُمْعة الزهـ ... ـراءِ من شهرٍ خير الشُّهورِ
قد مضى من قتلتَ في رمضانٍ ... صائمًا بعد سجدة التعْفِيرِ
يا بني يوسفَ بن يعقوبَ أَضْحَى ... أَهلُ بغدادَ منكمُ في غرورِ
بَدّدَ اللهُ شملكمْ وأَراني ... ذلَّكْم في حياةِ هذا الوزير
فأَعِدّ الجوابَ للحَكَم العا ... دِلِ من بعدِ منكَرٍ ونكيرٍ
أنتمُ كلّكمْ فِدًا لأَبي خا ... زِمٍ المستقيمِ كلّ الأُمورِ
ولسبع خلوْن من شهر رمضان، حُمِل زيدان السعيديّ الذي كان قُدِّم رسولًا من قبَل بدر إلى المكتفى مع التسعة الأنفس الذين قُيّدوا من قوّاد بدر، وسبعة أنفس أخَر من أصحاب بَدْر قبض عليهم بعدهم في سفينة مطبقةٍ عليهم، وأُحدروا مقيّدين إلى البصرة، فحبسوا في سجنها.
وذكر: أنّ لؤلؤًا الذي ولِيَ قتل بدر كان غلامًا من غلمان محمَّد بن هارون الذي قتل محمَّد بن زيد بطَبرِسْتان وأكرتمُش بالرّيّ، قدم مع جماعة من غلمان محمَّد بن هارون على السلطان في الأمان.
وفي ليلة الإثنين لأربع عشرة بقيتْ من شهر رمضان، منها قتِل عبد الواحد بن أبي أحمد الموفق - فيما ذكر - وكانت والدته - فيما قيل - وجّهت معه إلى دار مؤنس لما قُبض عليه دايةً له، ففُرِق بينه وبين البداية فمكثت يومين أو ثلاثة، ثمَّ صُرفت إلى منزل مولاتِها، فكانت والدة عبد الواحد إذا سألت عن خبره قيل لها: إنه في دار المكتفي؛ وهو في عافية. وكانت طامعة في حياته، فلما مات المكتفي أيستْ منه وأقامت عليه مأتمًا.
* * *
ذكر باقي الكائن من الأمور الجليلة في سنة تسع وثمانين ومئتين.
فمما كان من ذلك فيها لتسع بقين من شعبان منها، ورد كتاب من
стр. 6115
إسماعيل بن أحمد صاحب خُراسان على السلطان بخبر وقعة كانت بين أصحابه وبين ابن جُسْتان الديلميّ بطبرستان، وأن أصحابه هزموه، وقرئ بذلك كتابه بمسجدي الجامع ببغداد.
وفيها لحق رجل يقال له إسحاق الفرغانيّ من أصحاب بَدْر لمّا قُتِل بدر إلى ناحية البادية في جماعة من أصحابه على الخلاف على السلطان؛ فكانت بينه هنالك وبين أبي الأغرّ وقعة، هُزِم فيها أبو الأغرّ، وقتِل من أصحابه ومن قوّاده عدّة، ثمَّ أشخِص مؤنس الخازن في جمع كثيف إلى الكوفة لحرب إسحاق الفَرْغانيّ.
ولسلخ ذي القعدة خُلِع على خاقان المفلحيّ، ووُلِّيَ معونة الريّ، وضمّ إليه خمسة آلاف رجل.
وفيها ظهر بالشام رجل جمع جموعًا كثيرة من الأعراب وغيرهم، فأتى بهم دمشق، وبها طُغْج بن جُفّ من قِبَل هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون على المعونة، وذلك في آخر هذه السنة، فكانت بين طُغْج، وبينه وقعات كثيرة قُتل فيها - فيما ذكر - خلق كثير.
* * *
ذكر خبر هذا الرجل الذي ظهر بالشام وما كان من سبب ظهوره بها (١)
ذكر: أن زكروَيْه بن مهرويْه الذي ذكرنا أنَّه كان داعية قرمط لمّا تتابع من المعتضد توجيه الجيوش إلى من بسواد الكوفة من القرامطة، وألحّ في طلبهم، وأثخن فيهم القتل، ورأى أنَّه لا مدفع عن أنفسهم عند أهل السواد ولا غَناء، سعى في استغواء من قَرُب من الكوفة من أعراب أسد وطيَئ وتميم وغيرهم من
стр. 6116
قبائل الأعراب، ودعاهم إلى رأيه؛ وزعم لهم: أنّ مَنْ بالسواد من القرامطة يطابقونهم على أمره إن استجابوا له، فلم يستجيبوا له، وكانت جماعة من كلْب تخفُر الطريق على البرّ بالسماوة فيما بين الكوفة ودمشق على طريق تَدمُر وغيرها، وتحمل الرُّسل وأمتعة التجار على إبلها، فأرسل زكرويه أولاده إليهم، فبايعوهم وخالطوهم، وانتموْا إلى عليّ بن أبي طالب وإلى محمَّد بن إسماعيل بن جعفر، وذكروا أنهم خائفون من السلطان، وأنهم ملجئَون إليهم، فقبلوهم على ذلك، ثمَّ دبّوا فيهم بالدعاء إلى رأي القرامطة؛ فلم يقبل ذلك أحد منهم - أعني من الكلبيّين - إلا الفخذ المعروفة ببني العُلَيص بن ضمضم بن عديّ بن جناب ومواليهم خاصة، فبايعوا في آخر سنة تسع وثمانين ومئتين بناحية السماوة ابنَ زكرويه المسمى بيحيى والمكنى أبا القاسم، ولقّبوه الشيخ، على أمر احتاله فيهم، ولقب به نفسَه، وزعم لهم: أنَّه أبو عبد الله بن محمَّد بن إسماعيل بن جعفر بن محمَّد.
وقد قيل: إنه زعم أنَّه محمَّد بن عبد الله بن يحيى، وقيل: إنه زعم أنَّه محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن إسماعيل بن جعفر بن محمَّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وقيل: إنه لم يكن لمحمّد بن إسماعيل ابنٌ يسمى عبد الله، وزعم لهم أن أباه المعروف بأبي محمود داعيةٌ له، وأنّ له بالسَّواد والمشرق والمغرب مئة ألف تابع، وأن ناقته التي يركبها مأمورة، وأنهم إذا اتبعوها في مسيرها ظفِروا، وتكهّن لهم وأظهر عضدًا له ناقصة، وذكر أنها آية، وانحازت إليه جماعة من بني الأصبَغ وأخلصوا له وتسمَّوْا بالفاطميّين، ودانوا بدينه، فقصدهم سبْك الديلميّ مولى المعتضد بالله بناحية الرُّصافة في غربيّ الفرات من ديار مُضَر، فاغترُّوه وقتلوه، وحرقوا مسجد الرُّصافة، واعترضوا كلّ قرية اجتازوا بها حتى أصعدوا إلى أعمال الشام التي كان هارون بن خمارويه قوطع عليها، وأسند أمرها هارون إلى طُغْج بن جُفّ، فأناخ عليها، وهزم كلّ عسكر لقيه لطغْج حتى حصره في مدينة دمشق، فأنفذ المصريون إليه بدرًا الكبير غلام ابن طولون، فاجتمع مع طُغْج على محاربته، فواقعهم قريبًا من دمشق، فقتل الله عدوَّ الله يحيى بن زكرويه.
وكان سبب قتله - فيما ذُكر -: أن بعض البرابرة زرقه بمزراق واتبعه نفّاط،
стр. 6117
فزرقه بالنار فأحرقه؛ وذلك في كبد الحرب وشدّتها، ثمَّ دارت على المصريّين الحرب، فانحازوا، فاجتمعت موالي بني العُليَص إلى بني العليص ومَنْ معهم من الأصبغيّين وغيرهم على نصب الحسين بن زكرويه أخي الملقب بالشيخ فنصبوا أخاه، وزعم لهم: أنَّه أحمد بن عبد الله بن محمَّد بن إسماعيل بن جعفر بن محمَّد، وهو ابن نيّف وعشرين سنة، وقد كان الملقّب بالشيخ حمل موالي بني العليص على صريحهم، فقتلوا جماعةً منهم، واستذلُّوهم، فبايعوا الحسين بن زكرويه المسمّى بأحمد بن عبد الله بن محمَّد بن إسماعيل بن جعفر بعد أخيه، فأظهر شامة في وجهه ذكر أنها آيته، وطرأ إليه ابن عمّه عيسى بن مِهْرويه المسمى عبد الله، وزعم: أنَّه عبد الله بن أحمد بن محمَّد بن إسماعيل بن جعفر بن محمَّد، فلقّبه المدثِّر، وعَهد إليه، وذكر أنَّه المعنيّ في السورة التي يذكر فيها المدَّثر ولقّب غلامًا من أهله المطوَّق وقلّده قتل أسرى المسلمين، وظهر على المصريّين وعلى جند حمص وغيرها من أهل الشام، وتسمَّى بإمرة المؤمنين على منابرها، وكان ذلك كله في سنة تسع وثمانين وفي سنة تسعين.
* * *
وفي اليوم التاسع من ذي الحجة من هذه السنة صلّى الناس العصر في قُمُص الصيف ببغداد، فهبّت ريح الشمال عند العصر، فبرد الهواء حتى احتاج الناس بها من شدّة البرد إلى الوقود والاصطلاء بالنّار، ولبس المحشوّ والجباب، وجعل البرد يزداد حتى جمد الماء (١).
وفيها كانت وقعة بين إسماعيل بن أحمد بالريّ ومحمد بن هارون وابن هارون - فيما قيل - حينئذ في نحو من ثمانية آلاف، فانهزم محمَّد بن هارون وتقدم أصحابَه، وتبعه من أصحابه نحو من ألف، ومضوْا نحو الدَّيلم، فدخلها مستجيرًا بها، ودخل إسماعيل بن أحمد الرّيّ، وصار زهاء ألف رجل - فيما ذكر - ممّن انهزم من أصحابه إلى باب السلطان.
وفي جمادى الآخرة منها لأربع خلوْن منها وليَ القاسم بن سيما غزو الصائفة بالثغور الجزَرية، وأطلِق له من المال اثنان وثلاثون ألف دينار.
стр. 6118
وحجّ بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك الهاشميّ (١).
* * *
ثمَّ دخلت سنة تسعين ومئتين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها
فممّا كان فيها من ذلك توجيه المكتفي رسولًا إلى إسماعيل بن أحمد لليلتين خلتا من المحرّم منها بخلع، وعقد ولاية له على الرّيّ، وبهدايا مع عبد الله بن الفتح.
ولخمس بقين من المحرّم منها ورد - فيما ذكر - كتاب عليّ بن عيسى من الرّقة، يذكر فيه أن القرمطيّ بن زكرويه المعروف بالشيخ، وافَى الرَّقة في جَمْع كثير، فخرج إليه جماعة من أصحاب السلطان ورئيسهم سُبْك غلام المكتفي، فواقعوه، فقِتل سُبْك، وانهزم أصحاب السلطان (٢).
ولستّ خلوْن من شهر ربيع الآخر ورد الخبر بأن طغج بن جفّ أخرج من دمشق جيشًا إلى القرمطيّ، عليهم غلام له يقال له: بَشِير، فواقعهم القرمطيّ، فهزم الجيش وقتل بشيرًا (٣).
ولثلاث عشرة بقيت من شهر ربيع الآخر خُلع على أبي الأغرّ ووُجّه به لحرب القرمطيّ بناحية الشام، فمضى إلى حلب في عشرة آلاف رجل.
ولإحدى عشرة بقيت من شهر ربيع الآخر خُلع على أبي العشائر أحمد بن نصر ووِلِّيَ طَرسوس، وعزِل عنها مظفَّر بن حاجّ لشكاية أهل الثغور إياه.
وللنصف من جمادى الأولى من هذه السنة، وردت كتب التجار إلى بغداد من دمشق مؤرّخة لسبع بقين من ربيع الآخر يخبرون فيها أن القرْمطيّ الملقب بالشيخ قد هزم طغج غير مرة، وقتل أصحابه إلا القليل، وأنه قد بقي في قلة، وامتنع من الخروج، وإنما تجتمع العامة، ثمَّ تخرج للقتال، وأنهم قد أشرفوا على
стр. 6119
الهلكة، فاجتمعت جماعة من تجار بغداد في هذا اليوم، فمضوْا إلى يوسف بن يعقوب، فأقرؤوه كتبهم، وسألوه المضيّ إلى الوزير ليخبره خبر أهل دمشق، فوعدهم ذلك.
ولسبع بقين من جمادى الأولى أحضِر دار السلطان أبو خازم ويوسف وابنه محمَّد، وأحضِر صاحب طاهر بن محمَّد بن عمرو بن الليث، فقوطع على مال فارس، ثمَّ عقد المكتفي لطاهر على أعمال فارس، وخلع على صاحبه، وحُمِلت إليه خلع مع العقد.
وفي جُمادى الأولى هرب من مدينة السلام القائد المستأمِن المعروف بأبي سعيد الخُوارزميّ، وأخذ نحو طريق الموصِل، فكتِب إلى عبد الله المعروف بغلام نون، وكان يتقلد المعاون بتَكريت والأعمال المتّصلة بها إلى حدّ سامرّا وإلى الموصِل في معارضته وأخذه، فزعموا أن عبد الله عارضه، فاختدعه أبو سعيد حتى اجتمعا جميعًا على غير حرب، ففتك به أبو سعيد فقتله، ومضى أبو سعيد نحو شهرزور، فاجتمع هو وابن أبي الربيع الكُرديّ، وصاهره، واجتمعا على عصيان السلطان، ثمَّ إنَّ أبا سعيد قُتِل بعد ذلك، وتفرّق مَنْ كان اجتمع إليه.
ولعشر خلوْن من جُمادى الآخرة، شخص أبو العشائر إلى عمله بطَرَسوس، وخرج معه جماعة من المطّوّعة للغزو، ومعه هدايا من المكتفي إلى ملك الروم.
ولعشر بقين من جمادى الآخرة خرج المكتفي بعد العصر عامدًا سامُرّا، مريدًا البناء بها للانتقال إليها، فدخلها يوم الخميس لخمس بقين من جمادى الآخرة، ثمَّ انصرف إلى مضارب قد ضُربت له بالجوسق، فدعا القاسم بن عبيد الله والقوّام بالبناء، فقدّروا له البناء وما يحتاج إليه من المال للنفَقَة عليه، فكثُروا عليه في ذلك، وطَوّلوا مدّة الفراغ مما أراد بناءه، وجعل القاسم يصرفه عن رأيه في ذلك، ويعظِّم أمرَ النفقة في ذلك وقدر مبلغ المال، فثناه عن عزمه، ودعا بالغَداء، فتغدّى ثمَّ نام، فلما هبّ من نومه ركب إلى الشطّ، وقعد في الطيّار، وأمر القاسم بن عبيد الله بالانحدار. ورجع أكثر الناس من الطريق قبل أن يصلوا
стр. 6120
إلى سامُرّا حين تلقّاهم الناس راجعين (١).
ولسبع خلوْن من رجب خُلع على ابني القاسم بن عبيد الله، فوُلِّيَ الأكبر منهما ضياع الولد والحرم والنفقات، والأصغر منهما كتبة أبي أحمد بن المكتفي؛ وكانت هذه الأعمال إلى الحسين بن عمرو النصرانيّ، فعُزل بهما، وكان القاسم بن عبيد الله اتَّهم الحسين بن عمرو أنَّه قد سعى به إلى المكتفي.
ثمَّ إن الحسين بن عمرو كاشفَ القاسم بن عبيد الله بحضرة المكتفي، فلم يزل القاسم يدبّر عليه، ويغلظ قلب المكتفي عليه، حتى وصل إلى ما أراد من أمره.
وفي يوم الجمعة لأربع عشرة بقيت من شعبان قرئ كتابان في الجامعين بمدينة السلام بقتل يحيى بن زكرويه الملقَّب بالشيخ، قتله المصريون على باب دمشق؛ وقد كانت الحرب اتّصلت بينه وبين مَنْ حاربه من أهل دمشق وجندها ومددهم من أهل مصر، وكسر لهم جيوشًا، وقتل منهم خلْقًا كثيرًا، وكان يحيى بن زكرويه هذا يركب جملًا برحاله، ويلبس ثيابًا واسعة ويعتمّ عمة أعرابية، ويتلثّم، ولم يركب دابّةً من لدن ظهر إلى أن قُتِل وأمر أصحابه ألا يحاربوا أحدًا؛ وإن أتى عليهم حتى يبتعث الجمل من قبَل نفسه؛ وقال لهم: إذا فعلتم ذلك لم تهزموا (٢).
وذُكر أنَّه كان إذا أشار بيده إلى ناحية من النّواحي التي فيها محاربوه، انهزم أهل تلك الناحية، فاستغوَى بذلك الأعراب، ولمّا كان في اليوم الذي قُتِل فيه يحيى بن زكرويه الملقب بالشيخ، وانحازوا إلى أخيه الحسين بن زكرويه، فطلب أخاه الشيخ في القتلى، فوجده، فواراه وعقد الحسين بن زكرويه لنفسه، وتسمّى بأحمد بن عبد الله، وتكنَّى بأبي العباس.
وعلم أصحابُ بدر بعد ذلك بقتل الشيخ، فطلبوه في القتلى فلم يجدوه، ودعا الحسين بن زكرويه إلى مثل ما دعا إليه أخوه، فأجابه أكثر أهل البوادي وغيرهم من سائر الناس، واشتدّت شوكته وظهر، وصار إلى دمشق، فذُكر أن
стр. 6121
أهلها صالحوه على خراج دفعوه إليه، ثمَّ انصرف عنهم، ثمَّ سار إلى أطراف حِمْص، فتغلّب، عليها وخُطب له على منابرها، وتسمّى بالمهديّ، ثمَّ سار إلى مدينة حِمْص، فأطاعه أهلها وفتحوا له بابها خوفًا منه على أنفسهم فدخلها، ثمَّ سار منها إلى حَماة ومعرّة النعمان وغيرهما، فقتل أهلها، وقتل النساء والأطفال ثمَّ سار إلى بعلبك فقتل عامة أهلها حتى لم يبق منهم - فيما قيل - إلا اليسير، ثمَّ سار إلى سَلَمْية فحاربه أهلها ومنعوه الدخول، ثمَّ وادعهم وأعطاهم الأمان، ففتحوا له بابها، فدخلها، فبدأ بمَن فيها من بني هاشم، وكان بها منهم جماعة فقتلهم، ثمَّ ثنى بأهل سَلَمية فقتلهم أجمعين. ثمَّ قتل البهائم، ثمَّ قتل صبيان الكتاتيب، ثمَّ خرج منها؛ وليس بها عين تطرف - فيما قيل - وسار فيما حوالي ذلك من القرى يقتل ويَسْبِي ويحرِق ويُخِيف السبيل.
فذكر عن متطبّب بباب المحوّل يُدعى أبا الحسن أنَّه قال: جاءتْنِي امرأة بعدما أدخل القرمطيّ صاحب الشامة وأصحابه بغداد، فقالت لي: إني أريد أن تعالج شيئًا في كتفي، قلتُ: وما هو؟ قالت: جرح، قلت: أنا كحّال؛ وها هنا امرأة تعالج النساء، وتعالج الجراحات، فانتظري مجيئها، فقعدت، ورأيْتها مكروبة كئيبة باكية، فسألتُها عن حالها، وقلت: ما سبب جراحتك؟ فقالت: قصّتي تطول، فقلت: حدّثيني بها واصدقيني وقد خلا مَنْ كان عندي، فقالت: كان لي ابن غاب عنّي، وطالت غيبته، وخلّف عليّ أخوات له، فضقتُ واحتجت، واشتقتُ إليه، وكان شخص إلى ناحية الرّقة، فخرجتُ إلى الموصِل وإلى بَلَد وإلى الرّقة؛ كلّ ذلك أطلبه، وأسأل عنه؛ فلم أدَلّ عليه، فخرجتُ عن الرّقة في طلبه، فوقعت في عسكر القرمطيّ، فجعلت أطوف وأطلبه؛ فبينا أنا كذلك إذْ رأيتُه فتعلقت به، فقلت: ابني! فقال: أمي! فقلت: نعم، قال: ما فعل أخواتي؟ قلت: بخير، وشكوت ما نالنا بعده من الضّيق، فمضى بي إلى منزله، وجلس بين يديّ، وجعل يسائلني عن أخبارنا، فخبّرته، ثمَّ قال: دَعيني من هذا وأخبريني ما دينك؟ فقلت: يا بنيّ أما تعرفُني! فقال: وكيف لا أعرفك! فقلت: ولمَ تسألني عن ديني وأنت تعرفني وتعرف ديني! فقال: كلّ ما كنّا فيه باطل، والدّين ما نحن فيه الآن، فأعظمتُ ذلك وعجبت منه، فلما رآني كذلك خرج وتركني، ثمَّ وجّه إليّ بخبز ولحم وما يصلحني، وقال: اطبخيه، فتركتُه ولم
стр. 6122
أمسّه، ثمَّ عاد فطبخه، وأصلح أمر منزله، فدقّ الباب داقٌّ؛ فخرج إليه فإذا رجل يسأله، ويقول له: هذه القادمة عليك تُحسن أن تصلح من أمر النساء شيئًا؟ فسألني فقلت: نعم، فقال: امضي معي، فمضيت فأدخلني دارًا، وإذا امرأة تطلق، فقعدت بين يديها، وجعلت أكلّمها، فلا تكلّمني، فقال لي الرجل الذي جاء بي إليها: ما عليك من كلامها، أصلحي أمر هذه، ودَعِي كلامها، فأقمتُ حتى ولدت غلامًا، وأصلحتُ من شأنه، وجعلت أكلّمها، وأتلطف بها وأقول لها: يا هذه، لا تحتشميني؛ فقد وجب حقِّي عليك، أخبريني خبرك وقصّتك ومن والد هذا الصبي، فقالت: تسأليني عن أبيه لتطالبيه بشيء يهبه لك! فقلت: لا، ولكن أحبّ أن أعلم خبرك، فقالت لي: إني امرأة هاشميّة - ورفعتْ رأسها؛ فرأيت أحَسن الناس وجهًا - وإن هؤلاء القوم أتْونا، فذبحوا أبي وأميّ وإخوتي وأهلي جميعًا، ثمَّ أخذني رئيسهم، فأقمتُ عنده خمسة أيام، ثمَّ أخرجني، فدفعني إلى أصحابه، فقال: طهّروها فأرادوا قتلي، فبكيتُ، وكان بين يديه رجل من قوّاده، فقال: هبها لي، فقال: خذها، فأخذني، وكان بحضرته ثلاثة أنفس قيام من أصحابه، فسلُّوا سيوفهم، وقالوا: لا نسلّمها إليك؛ إِمَّا أن تدفعَها إلينا، وإلّا قتلناها، وأرادوا قتلي، وضجّوا، فدعاهم رئيسهم القرمطيّ، وسألهم عن خبرهم فخبَّروه، فقال: تكون لكم أربعتكم، فأخذوني، فأنا مقيمة معهم أربعتهم، والله ما أدري ممّن هو هذا الولد منهم!
قالت: فجاء بعد المساء رجل فقالت لي: هنّيه، فهنأته بالمولود، فأعطاني سبيكة فضة، وجاء آخر وآخر، أهنِّئُ كلّ واحد منهم، فيعطيني سبيكة فضة؛ فلما كان في السحر جاء جماعة مع رجل وبين يديه شمع، وعليه ثياب خزّ تفوح منه رائحة المسك، فقالت لي: هنّيه، فقمت إليه، فقلت: بيَّض الله وجهك، والحمد لله الذي رزقك هذا الابن، ودعوت له، فأعطاني سبيكة فيها ألف درهم، وبات الرجل في بيت، وبتّ مع المرأة في بيت، فلما أصبحت قلت للمرأة: يا هذه، قد وجب عليك حقّي، فالله الله فيّ، خلصيني! قالت: ممّ أخلصك؟ فخبّرتُها خبر ابني، وقلت لها: إني جئتُ راغبة إليه، وإنه قال لي كيت وكيت، وليس في يدي منه شيء، ولي بنات ضِعاف خلفتهنّ بأسوأ حال، فخلِّصيني من هاهنا لأصلَ إلى بناتي، فقالت: عليك بالرّجل الذي جاء آخر
стр. 6123
القوم، فسليه ذلك، فإنَّه يخلصك، فأقمتُ يومي إلى أن أمسيتُ؛ فلما جاء تقدّمت إليه، وقبّلتُ يده ورجله، وقلت: يا سيّدي قد وجب حقّي عليك، وقد أغناني الله على يديك بما أعطيتني، ولي بنات ضِعاف فقراء، فإن أذَنت لي أن أمضي فأجيئك ببناتي حتى يخدمنك ويكنّ بين يديك! فقال: وتفعلين؟ قلت: نعم، فدعا قومًا من غلمانه، فقال: امضوا معها حتى تبلغوا بها موضع كذا وكذا، ثمَّ اتركوها وارجعوا، فحملوني على دابّة، ومضْوا بي، قالت: فبينما نحن نسير، وإذا أنا بابني يركُض، وقد كنا سِرْنا عشرة فراسخ - فيما خبَرني به القوم الذين معي - فلحقني وقال: يا فاعلة، زعمتِ أنك تمضين وتجيئين ببناتِك! وسلّ سيفه ليضربني، فمنعه القوم، فلحقني طرف السيف، فوقع في كتفي، وسلّ القوم سيوفَهم، فأرادوه، فتنحّى عني، وساروا بي حتى بلغوا بي الموضع الذي سمّاه لهم صاحبهم، فتركوني ومضوا، فتقدّمت إلى هاهنا وقد طفتُ لعلاج جرحي، فوُصف لي هذا الموضع، فجئت إلى هاهنا، قالت: ولما قدم أمير المؤمنين بالقرمطيّ وبالأسارى من أصحابه خرجتُ لأنظر إليهم؛ فرأيت ابني فيهم على جمل؛ عليه برنس وهو يبكي وهو فتىً شابّ، فقلت له: لا خفّف الله عنك ولا خلّصك! قال المتطبّب: فقمت معها إلى المتطبّبة لما جاءت، وأوصيتُها بها، فعالجت جرحَها وأعْطَتْها مَرهمًا، فسألت المتطبّبة عنها بعد منصرفها، فقالت: قد وضعت يدي على الجرح، وقلت: انفخي، فنفخت فخرجت الريح من الجرح من تحت يدي، وما أراها تبرأ منه، ومضت فلم تعد إلينا.
ولإحدى عشرة بقيتْ من شوّال من هذه السنة، قبض القاسم بن عبيد الله على الحسين بن عمرو النصرانيّ، وحبسه، وذلك أنَّه لم يزل يسعى في أمره إلى المكتفي، ويقدح فيه عنده؛ حتى أمره بالقبض عليه، وهرب كاتب الحسين بن عمرو حين قبض على الحسين المعروف بالشيرازيّ، فطُلب وكُبِست منازل جيرانه، ونُودي: مَنْ وجده فله كذا وكذا، فلم يوجد.
ولسبع بقين منه صُرف الحسين بن عمرو إلى منزله، على أن يخرج من بغداد، وفي الجمعة التي بعدها خرج الحسين بن عمرو وحُدِر إلى ناحية واسط على وجه النفي، ووُجد الشيرازيُّ كاتبه لثلاث خلون من ذي القعدة.
стр. 6124
ولليلتين خلتا من شهر رمضان من هذه السنة أمر المكتفي بإعطاء الجند أرزاقَهم والتأهّب للشخوص لحرب القرمطيّ بناحية الشأم، فأطلق للجند في دفعة واحدة مئة ألف دينار؛ وذلك أنّ أهل مصر كتبوا إلى المكتفي يشكُون ما لقُوا من ابن زكرويه المعروف بصاحب الشامة، وأنه قد أخرب البلاد، وقتل الناس، وما لَقُوا من أخيه قبله وقتلهما رجالهم، وأنه لم يبق منهم إلا العدد اليسير (١).
ولخمس خلوْن من شهر رمضان أخرِجت مضارب المكتفي، فضُربت بباب الشماسيّة.
ولسبع خلوْن منه خرج المكتفي في السّحَر إلى مضربه بباب الشّماسية، ومعه قواده وغلمانه وجيوشه.
ولاثنتي عشرة ليلة من شهر رمضان، رحل المكتفي من مضربه بباب الشماسيَّة في السَّحَر، وسلك طريق الموصِل.
وللنصف من شهر رمضان منها مضى أبو الأغرّ إلى حلب، فنزل وادي بُطْنَان قريبًا من حلَب، ونزل معه جميع أصحابه، فنزع - فيما ذُكر - جماعة من أصحابه ثيابهم، ودخلوا الوادي يتبرّدون بمائه، وكان يومًا شديد الحرّ؛ فبيناهم كذلك إذ وافَى جيش القرمطيّ المعروف بصاحب الشامة، وقد بدرهم المعروف بالمطوَّق، فكبَسهم على تلك الحال، فقتل منهم خلقًا كثيرًا وانتهب العسكر، وأفلت أبو الأغرّ في جماعة من أصحابه، فدخل حلَب، وأفلت معه مقدار ألف رجل، وكان في عشرة آلاف بين فارس وراجل، وكان قد ضُمّ إليه جماعة ممّن كان على باب السلطان من قوّاد الفراغنة ورجالهم، فلم يفلِتْ منهم إلا اليسير، ثمَّ صار أصحاب القرمطيّ إلى باب حلَب، فحاربهم أبو الأغرّ ومَن بقي معه من أصحابه وأهل البلد، فانصرفوا عنه بما أخذُوا من عسكره من الكُراع والسلاح والأموال والأمتعة بعد حرب كانت بينهم، ومضى المكتفي بمَنْ معه من الجيش حتى انتهى إلى الرّقة، فنزلها وسرّح الجيوش إلى القرمطيّ جيشًا بعد جيش.
ولليلتين خلتا من شوال ورد مدينة السلام كتابٌ من القاسم بن عبيد الله، يخبر فيه أن كتابًا ورد عليه من دمشق من بدر الحماميّ صاحب ابن طولون، يخبر
стр. 6125
فيه أنَّه واقع القرمطيّ صاحب الشامة، فهزمه ووضع في أصحابه السيف، ومضى مَنْ أفلت منهم نحو البادية، وأن أمير المؤمنين وجّه في أثره الحسين بن حمدان بن حمدون وغيره من القوّاد.
وورد أيضًا في هذه الأيام - فيما ذكر - كتاب من البحرين من أميرها ابن بانوا، يذكر فيه أنَّه كبس حصنًا للقرامطة، فظفَر بمن فيه.
ولثلاث عشرة خلت من ذي القعدة منها - فيما ذكر - ورد كتاب آخر من ابن بانوا من البحرين، يذكر فيه أنَّه واقع قرابة لأبي سعيد الجنابيّ، ووليّ عهده من بعده على أهل طاعته، فهزمه، وكان مقام هذا المهزوم بالقطيف فوُجد بعدما انهزم أصحابه قتيلًا بين القتلى، فاحتزّ رأسه، وأنه دخل القطيف فافتتحها.
ومن كتب صاحب الشامة إلى بعض عماله:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله أحمد بن عبد الله المهديّ المنصور بالله الناصر لدين الله القائم بأمر الله الحاكم بحكم الله، الداعي إلى كتاب الله، الذابّ عن حرم الله، المختار من ولد رسول الله أمير المؤمنين وإمام المسلمين، ومذلّ المنافقين خليفة الله على العالمين، وحاصد الظالمين، وقاصم المعتدين، ومبيد الملحدين، وقاتل القاسطين، ومهلك المفسدين، وسراج المبصرين، وضياء المستضيئين، ومشتّت المخالفين، والقيّم بسنة سيد المرسلين، وولد خير الوصيّين، صلى الله عليه وعلى أهل بيته الطيّبين، وسلم كثيرًا، إلى جعفر بن حميد الكرديّ:
سلام عليك؛ فإنّي أحمَدُ إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلِّيَ على جَدّي محمَّد رسول الله ﷺ ، أما بعد؛ فقد أُنهِيَ إلينا ما حدث قبَلك من أخبار أعداء الله الكفَرة، وما فعلوه بناحيتك، وأظهروه من الظلم والعَيْث والفساد في الأرض، فأعظمنا ذلك، ورأينا أن ننفذ إلى ما هناك من جيوشنا مَنْ ينتقم الله به من أعدائه الظالمين، الذين يسعوْن في الأرض فسادًا، وأنفذنا عُطيرًا داعيتَنا وجماعة من المؤمنين إلى مدينة حمص، وأمددناهم بالعساكر، ونحن في أثرهم، وقد أوعزنا إليهم في المصير إلى ناحيتك لطلب أعداء الله حيث كانوا، ونحن نرجو أن يُجريَنا اللهُ فيهم على أحسن عوائده عندنا في أمثالهم؛ فينبغي أن
стр. 6126
تشدّ قلبك وقلوب مَنْ معك من أوليائنا، وتثق بالله وبنصره الذي لم يزل يعوّدناه في كل من مرق عن الطاعة وانحرف عن الإيمان، وتبادر إلينا بأخبار الناحية، وما يتجدّد فيها، ولا تُخْفِ عني شيئًا من أمرها إن شاء الله.
سبحانك اللهم، وتحيتهم فيها سلام، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله على جدّي محمَّد رسول الله وعلى أهل بيته وسلم كثيرًا.
* * *
نسخة كتاب عامل له إليه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لعبد الله أحمد الإمام المهديّ المنصور بالله - ثمَّ الصدر كلُّه على مثال نسخة صدر كتابه إلى عامله الذي حكينا في الكتاب الذي قبل هذا الكتاب - إلى ولد خير الوصيّين صلى الله عليه وعلى أهل بيته الطيبين وسلم كثيرًا. ثمَّ بعد ذلك: من عامر بن عيسى العنقائيّ.
سلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته؛ أما بعد أطال الله بقاء أمير المؤمنين، وأدام الله عزّه وتأييده، ونصره وسلامته، وكرامته ونعمته وسعادته، وأسبغ نعمه عليه، وزاد في إحسانه إليه، وفضْله لديه، فقد كان وصل كتاب سيّدي أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، يُعلِمني فيه ما كان من نفوذ بعض الجيوش المنصورة مع قائد من قوّاده إلى ناحيتنا لمجاهدة أعداء الله بني الفصيص والخائن بن دُحيم، وطلبهم حيث كانوا، والإيقاع بهم وبأسبابهم وضياعهم، ويأمرني أدام الله عزّه عند نظري في كتابه بالنهوض في كلّ من قدرتُ عليه من أصحابي وعشائري للقائهم ومكانفة الجيش ومعاضدتهم والمسير بسيرهم، والعمد كلّ ما يُومون إليه ويأمرون به، وفهمتُه، ولم يصل إليّ هذا الكتاب أعز الله أمير المؤمنين حتى وافت الجيوش المنصورة؛ فنالت طرفًا من ناحية ابن دُحيم، وانصرفوا بالكتاب الوارد عليهم من مسرور بن أحمد الدّاعية ليلقوْه بمدينة أفاميَة، ثمَّ ورد عليّ كتاب مسرور بن أحمد في درجة الكتاب الذي اقتصصتُ ما فيه من صدر كتابي هذا، يأمرني فيه بجمع من تهيأ مِنْ أصحابي وعشيرتي والنهوض إلى ما قِبَله، ويحذِّرني التخلّف عنه، وكان ورود كتابه عليّ وقتَ صحّ عندنا نزول المارق سُبْك عبد مفلح مدينة عَرْقة في زهاء ألف رجل،
стр. 6127
ما بين فارس وراجل، وقد شارف بلدنا، وأطلّ على ناحيتنا، وقد وجّه أحمد بن الوليد عبد أمير المؤمنين أطال الله بقاءه إلى جميع أصحابه، ووجّهت إلى جميع أصحابي، فجمعناهم إلينا، ووجّهنا العيون إلى ناحية عَرْقة لنعرف أخبار هذا الخائن، وأين يريد، فيكون قصدنا ذلك الوجه، ونرجو أن يُظفر الله به، ويمكّن منه بمنه وقدرته.
ولولا هذا الحادث، ونزول هذا المارق في هذه الناحية، وإشرافه على بلدنا لما تأخّرت في جماعة أصحابي عن النهوض إلى مدينة أفاميَة، لتكون يدي مع أيدي القوّاد المقيمين بها لمجاهدة مَنْ بتلك الناحية حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين، وأعلمت سيدي أمير المؤمنين أطال الله بقاءه السبب في تخلّفي عن مسرور بن أحمد، ليكونَ على علم منه، ثمَّ إن أمرني أدام الله عزه بالنفوذ إلى أفامية كان نفوذي برأيه، وامتثلتُ ما يأمرني به إن شاء الله، أتمّ الله على أمير المؤمنين نعمه وأدام عزّه وسلامته، وهنّأه كرامته، وألبسه عفوه وعافيته.
والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته؛ والحمد لله ربّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّد النبي وعلى أهل بيته الطاهرين الأخيار.
وفيها وجّه القاسم بن عبيد الله الجيوشَ إلى صاحب الشامة، وولَّى حربه محمَّد بن سليمان الكاتب الذي كان إليه ديوان الجيش، وضمّ جميع القواد إليه، وأمرهم بالسمع له والطاعة، فنفذ من الرّقة في جيش كثيف، وكتب إلى مَنْ تقدمه من القوّاد بالسمع له والطاعة.
* * *
وفيها ورد رسولًا صاحب الروم؛ أحدهما خادم، والآخر فحل، يسأله الفِداء بمن في يده من المسلمين أسير، ومعهما هدايا من صاحب الروم وأسارى من المسلمين بعث بهم إليه، فأجابهما إلى ما سألا، وخلع عليهما.
وحجّ بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن العباس بن محمَّد (١).
* * *
стр. 6128
ثمَّ دخلت سنة إحدى وتسعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأمور الجليلة
[ذكر خبر الوقعة بين أصحاب السلطان وصاحب الشامة]
فمن ذلك ما كان من أمر الوقعة بين أصحاب السلطان وصاحب الشامة (١).
ذكر الخبر عن هذه الوقعة:
قال أبو جعفر: قد مضى ذكرى شخوصَ المكتفي من مدينة السلام نحو صاحب الشامة لحربه ومصيره إلى الرّقة، وبثه جيوشَه فيما بين حلب وحِمْص، وتوليته حرب صاحب الشامة محمَّد بن سليمان الكاتب وتصييره أمْرَ جيشه وقوّاده إليه؛ فلما دخلت هذه السنة كتب وزيره القاسم بن عبيد الله إلى محمَّد بن سليمان وقوّاد السلطان يأمره وإيّاهم بمناهضة ذي الشامة وأصحابه، فساروا إليه حتى صاروا إلى موضع بينهم وبين حَماة - فيما قيل - اثنا عشر ميلًا، فلقُوا به أصحابَ القرمطي في يوم الثلاثاء لست خَلَوْن من المحرّم، وكان القرمطيّ قدم أصحابه، وتخلّف هو في جماعة من أصحابه، ومعه مالٌ قد كان جمعه، وجعل السَّواد وراءه، فالتحمت الحرب بين أصحاب السلطان وأصحاب القرمطي، واشتدّت، فهُزم أصحاب القرمطيّ، وقتِلوا وأسِرَ من رجالهم بشرٌ كثير، وتفرّق الباقون في البوادِي، وتَبِعهم أصحابُ السلطان ليلة الأربعاء لسبع خلوْن من المحرّم، فلمّا رأى القرمطيّ ما نزل بأصحابه من الفُلول والهزيمة حمّل - فيما قيل - أخًا له يكنى أبا الفضل مالًا، وتقدّم إليه أن يلحق بالبوادي إلى أن يظهر في موضع، فيصير إليه، وركب هو وابن عمّه المسمّى المدثّر والمطوّق صاحبه وغلام له روميّ وأخذ دليلًا، وسار يريد الكوفة عرضًا في البريّة، حتى انتهى إلى موضع يعرف بالدّاليّة من أعمال طريق الفُرات، فنفد ما كان معهم من الزّاد والعلف، فوجّه بعض من كان معه ليأخذ له ما يحتاجون إليه، فدخل الدالية المعروفة بدالية ابن طَوْق لشراءِ حاجِة، فأنكروا زيّه، وسُئِل عن أمره فمجمج،
стр. 6129
فأعلِم المتولي مسلحة هذه الناحية بخبره، وهو رجل يعرف بأبي خُبْزَة خليفة أحمد بن محمَّد بن كُشَمْرد عامل أمير المؤمنين المكتفي على المعاون بالرّحبة وطريق الفرات، فركب في جماعة، وسأل هذا الرجل عن خبره، فأخبره أن الشامة خلف رابية هنالك في ثلاثة نفر.
فمضى إليهم، فأخذهم وصار بهم إلى صاحبه، فتوجّه بهم ابن كُشَمْرد وأبو خبزة إلى المكتفي بالرّقة، ورجعت الجيوش من الطلب بعد أن قتلوا وأسروا جميعَ مَنْ قدروا عليه من أولياء القرمطيّ وأشياعه، وكتب محمَّد بن سليمان إلى الوزير بالفتح:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قد تقدّمت كتبي إلى الوزير أعزه الله في خبر القرمطيّ اللعين وأشياعه؛ بما أرجو أن يكون قد وصل إن شاء الله، ولمّا كان في يوم الثلاثاء لست ليال خلون من المحرّم رحلتُ من الموضع المعروف بالقروانة نحو موضع يعرف بالعليانة في جميع العسكر من الأولياء، وزحفْنا بهم على مراتبهم في القلب والميمنة والميسرة وغير ذلك؛ فلم أبعد أن وافاني الخبر بأن الكافر القرمطيّ أنفذ النعمان ابن أخي إسماعيل بن النعمان أحد دعاته في ثلاثة آلاف فارس، وخلْق من الرّجّالة، وإنه نزل بموضع يعرف بتمنع، بينه وبين حماة اثنا عشر ميلًا، فاجتمع إليه جميع مَنْ كان بمعرّة النعمان وبناحية الفصيصيّ وسائر النواحي من الفرسان والرّجّالة، فأسررت ذلك عن القوّاد والناس جميعًا ولم أظهره، وسألتُ الدّليل الذي كان معي عن هذا الموضع، وكم بيننا وبينه، فذكر أنَّه ستة أميال، فتوكّلت على الله ، وتقدّمت إليه في المسير نحوه، فمال بالناس جميعًا، وسرنا حتى وافيتُ الكفرة، فوجدتهم على تعبئة، ورأينا طلائعهم، فلمّا نظروا إلينا مقبلين زحفوا نحونا، وسرنا إليهم، فافترقوا ستّة كراديس، وجعلوا على ميسرتهم - على ما أخبرني من ظفرتُ به من رؤسائهم - مسرورًا العُليصيّ وأبا الحمل وغلام هارون العُليصيّ، وأبا العذاب، ورجاء وصافي وأبا يعلى العلويّ، في ألف وخمسمئة فارس، وكمنوا كمينًا في أربعمئة فارس خلْف ميسرتهم بإزاء ميمنتنا، وجعلوا في القلب النعمان العُليصيّ والمعروف بأبي الحَطّي، والحماريّ وجماعة من بطلانهم في ألف وأربعمئة فارس وثلاثة آلاف
стр. 6130
راجل، وفي ميمنتهم كليبًا العليصيّ والمعروف بالسديد العليصيّ والحسين بن العليصي وأبا الجراح العليصي وحميد العليصيّ، وجماعة من نظرائهم في ألف وأربعمئة متفرّقين، متوكّلين على الله .
وقد استحثثتُ الأولياء والغلمان وسائر الناس غيرهم، ووعدتهم، فلما رأى بعضُنا بعضًا حمل الكردوس الذي كان في ميسرتهم ضربًا بالسياط، فقصد الحسين بن حمدان، وهو في جناح الميمنة، فاستقبلهم الحسين - بارك الله عليه وأحسن جزاءه - بوجهه وبموضعه من سائر أصحابه برماحهم، فكسروها في صدورهم، فانفلّوا عنهم، وعاود القرامطة الحمل عليهم، فأخذوا السيوف، واعترضوا ضربًا للوجوه فصُرع من الكفار الفجرة ستمئة فارس في أوّل وقعة وأخذ أصحاب الحسين خمسمئة فرس وأربعمئة طوْق فضة، وولّوْا مدبرين مفلولين، واتّبعهم الحسين، فرجعوا عليه، فلم يزالوا حملة وحملة، وفي خلال ذلك يصرع منهم الجماعة بعد الجماعة؛ حتى أفناهم الله ، فلم يفلت منهم إلَّا أقل من مئتي رجل.
وحمل الكردوس الذي كان في ميمنتهم على القاسم بن سيما ويُمْن الخادم ومَنْ كان معهما من بني شيبان وبني تميم، فاستقبلوهم بالرّماح حتى كسرُوها فيهم؛ واعتنق بعضُهم بعضًا، فقتِل من الفجرة جماعةٌ كثيرة، وحمل عليهم في وقت حملتهم خليفة بن المبارك ولؤلؤ، وكنت قد جعلته جناحًا لخليفة في ثلاثمئة فارس، وجميع أصحاب خليفة؛ وهم يعاركون بني شيبان وتميم، فقتِل من الكفرة مقتلة عظيمة، واتّبعوهم، فأخذ بنو شيبان منهم ثلاثمئة فرس ومئة طوْق، وأخذ أصحاب خليفة مثلَ ذلك؛ وزحف النعمان ومَنْ معه في القلْب إلينا، فحملتُ ومَنْ معي، وكنت بين القلب والميمنة، وحمل خاقان ونصر القشوريّ ومحمد بن كُمُشجُور ومَنْ كان معهم في الميمنة، ووصيف مُوشكير ومحمد بن إسحاق بن كُنْداجيق وابنا كَيْغلَغ والمبارك القمّي وربيعة بن محمَّد ومهاجر بن طليق والمظفر بن حاج وعبد الله بن حمدان وحيّ الكبير ووصيف البكتمريّ وبشر البكتمريّ ومحمد بن قَراطُغان.
وكان في جناح الميمنة جميعُ من حمل على مَنْ في القلب ومَن انقطع ممّن كان حمل على الحسين بن حمدان، فلم يزالوا يقتلون الكفار فرسانهم ورجّالتهم