إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا؛ فسأعطيكم عند ذلك، وأسأل لكم؛ فلمّا صلى رسول الله ﷺ بالناس الظهر، قاموا فتكلّموا بالذي أمرهم به، فقال رسول الله: أمّا ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله، وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله. قال الأقرع بن حابس: أمّا أنا وبنو تميم فلا، وقال عُيينة بن حصن: أمّا أنا وبنو فَزارة فلا، [و] قال عباس بن مرداس: أمّا أنا وبنو سليم فلا، قالت بنو سليم: ما كان لنا فهو لرسول الله.
قال: يقول العباس لبني سليم: . وهّنتموني! فقال رسولُ الله ﷺ : أمّا مَنْ تمسّك بحقه من هذا السبي منكم فله بكلّ إنسان ستّ فرائض من أوّل شيء نُصيبه، فرَدّوا إلى الناس أبناءهم ونساءهم (١). (٣: ٨٦/ ٨٧).
стр. 702
٢٦٥ / أ - ثم رجع الحديث إلى حديث عمرو بن شعيب، قال: فلما فرغَ رسولُ الله ﷺ من ردّ سبايا حُنين إلى أهلها، ركب واتّبعه الناس يقولون: يا رسولَ الله، اقسمْ علينا فيئَنا الإبل والغنم، حتى ألجؤوه إلى شجرة، فاختطفت الشجرة عنه رداءه، فقال: رُدُّوا عليَّ ردائي أيها الناس؛ فوالله لو كان لي عدد شجر تهامة نَعَمًا لقسمتها عليكم، ثم ما لقيتموني بخيلًا ولا جَبَانًا ولا كَذّابًا. ثم قام إلى جنب بعير، فأخذ وَبَرَةً من سَنامه فجعلها بين أصبعيه، ثم رفعها فقال: أيّها الناس، إنه والله ليس لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلّا الخُمس، والخُمس مردودٌ عليكم، فأدُّوا الخِياطَ والمخيط؛ فإن الغُلول يكون على أهله عارًا ونارًا وشَنَارًا يوم القيامة. فجاءَه رجلٌ من الأنصار بكُبَّة من خيوط شَعَر فقال: يا رسولَ الله أخذتُ هذه الكُبّة أعملُ بها برذعة بعير لي دَبِر، قال: أمّا نصيبي منها فلَكَ، فقال: إنه إذا بلغت هذه فلا حاجةَ لي بها، ثم طرحها من يده.
إلى ها هنا حديث عمرو بن شعَيب (١). (٣: ٨٩/ ٩٠).
стр. 703
٢٦٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: أعطى رسولُ الله ﷺ عمرَ بن الخطاب جاريةً من سبي هوازن، فوهبها لي، فبعثت بها إلى أخوالي من بني جُمَح ليُصلِحوا لي منها حتى أطوف بالبيت ثم آتيهم؛ وأنا أريد أن أصيبَها إذا رجعت إليها، قال: فخرجتُ من المسجد حين فرغت؛ فإذا الناس يشتدّون، فقلت: ما شأنكم؟ قالوا: ردّ علينا رسولُ الله نساءَنا وأبناءَنا، قال: قلت: تِلْكمُ صاحبتكم في بني جُمح؛ اذهبوا فخذوها، فذهبوا إليها فأخذوها (١). (٣: ٨٨).
٢٦٧ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدّثني أبو عبيدة بن محمد، عن مِقْسم أبي القاسم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، قال: خرجت أنا وتليد بن كلاب الليثيّ حتى أتينا عبد الله بن عمرو بن العاص وهو يطوف بالبيت معلّقًا نعْلَيه بيده، فقلنا له: هل حضرتَ رسولَ الله ﷺ حين كلّمه التميميُّ يوم حنين؟ قال: نعم، أقبل رَجُلٌ من بني تميم يقال له ذو الخُوَيصِرة، فوقف على رسول الله ﷺ وهو يعطي الناس، فقال: يا محمد قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم! فقال رسول الله: أجل؛ فكيف رأيت؟ قال: لم أركَ عدلْتَ! فغضِب رسولُ الله ﷺ ، ثم قال: ويحك! إذا لم يكن العدل عندي، فعند
стр. 704
مَنْ يكون! فقال عمر بن الخطاب: يا رسولَ الله، ألا نقتله! فقال: لا، دعوه؛ فإنه سيكون له شيعة يتعمّقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرميّة، يُنْظَرُ في النصل فلا يوجد شيء، [ثم في القِدْح فلا يوجد شيءٌ]؛ ثم في الفُوق، فلا يوجد شيء؛ سَبَقَ الفَرْثَ والدّمَ (١). (٣: ٩٢).
٢٦٨ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي مثل ذلك؛ وسمّاه ذا الخويصرة التميمي (٢) (٣: ٩٢).
стр. 705
٢٦٩ - قال أبو جعفر: وقد روي عن أبي سعيد الخُدْرِيّ أنّ الذي كلّم رسول الله ﷺ بهذا الكلام؛ إنما كلّمه به في مالٍ كان عليٌّ ﵇ بعثه من اليمن إلى رسول الله، فقسّمه بين جماعة؛ منهم عُيَينة بن حِصْن، والأقرع، وزيد الخيل؛ فقال حينئذ ما ذُكر عن ذي الخُوَيصرة أنه قاله رجل حضره (١). (٣: ٩٢).
٢٧٠ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن أبي سعيد الخُدرِيّ، قال: لما أعطَى رسولُ الله ما أعطى من تلك العطايا في قريش وقبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء، وجَدَ هذا الحيّ من الأنصار في أنفسهم، حتى كثُرَتْ منهم القالة؛ حتى قال قائلهم: لقيَ والله رسولُ الله قومَه! فدخل عليه سعد بن عُبادة فقال: يا رسولَ الله؛ إن هذا الحيّ من الأنصار قد وجَدوا عليك في أنفسهم لما صنعتَ في هذا الفيء الذي أصبت؛ قَسَمت في قومك وأعطيمت عطايا عظامًا في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحيّ من الأنصار شيء، قال: فأين أنت من ذلك يا سعد! قال: يا رسول الله ما أنا إلّا من قومي! قال: فاجمَعْ لي قومَك في الحظيرة. قال: فخرج سعدٌ فجمع الأنصار في تلك الحظيرة، قال: فجاءَه رجالٌ من المهاجرين، فتركهم فدخلوا، وجاء آخرون فردّهم، فلما اجتمعوا إليه أتاه سعدٌ فقال: قد اجتمع لك هذا الحيُّ من الأنصار، فأتاهم رسولُ الله ﷺ ، فحمد
стр. 706
الله وأثنى عليه بالذي هو له أهلٌ، ثم قال: يا معشرَ الأنصار، ما قالةٌ بلغتني عنكم، ومَوْجِدَةٌ وجدتموها في أنفسكم! ألم آتكم ضُلّالًا فهداكم الله؛ وعالةً فأغناكم الله، وأعداءً فألّف الله بين قلوبكم! قالوا: بلَى، لله ولرسوله المنُّ والفضل! فقال: ألا تجيبوني يا معشر الأنصار! قالوا: وبماذا نُجيبُكَ يا رسول الله، لله ولرسوله المنُّ والفضلُ! قال: أما والله لو شئتم لقلتم فصَدَقْتم، ولَصُدّقْتم؛ أتيتنا مُكَذَّبًا فصَدَّقناك، ومخذولًا فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلًا فآسيناك؛ وجَدْتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لُعَاعة من الدنيا تألّفْتُ بها قومًا ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم! أفلا ترضَوْن يا معشر الأنصار؛ أن يذهب الناس بالشاء والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالِكم! فو الذي نفس محمد بيده؛ لولا الهجرةُ لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناسُ شِعْبًا وسلكت الأنصار شِعْبًا، لسلكتُ شِعْب الأنصار! اللهمّ ارْحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار!
قال: فبكى القوم حتى أخْضَلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قِسمًا وحظًّا، ثم انصرف رسول الله ﷺ وتَفرَّقوا (١). (٣: ٩٣/ ٩٤).
[عمرة رسول الله من الجعرانة]
٢٧١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، قال: ثم خرجَ رسولُ الله ﷺ من الجِعْرانة معتمرًا، وأمر ببقايا الفيء، فحبس بمِجَنّةَ،
стр. 707
وهي بناحية مَرّ الظَّهران، فلمّا فرغ رسول الله من عُمْرته وانصرف راجعًا إِلى المدينة؛ استخلف عتّاب بن أسيد على مكة، وخلف معه معَاذَ بن جبل يُفقّهُ الناس في الدين ويعلّمهم القرآن، واتُّبِع رسول الله ﷺ ببقايا الفيء (١). (٣: ٩٤).
[ثم دخلت سنة تسع]
أمر ثقيف وإسلامها
٢٧٢ - فلمّا أسلموا وكتب لهم رسول الله ﷺ كتابهم؛ أمَّرَ عليهم عثمان بن أبي العاص -وكان من أحدثِهم سنًّا- وذلك أنه كان أحرصَهم على التفقه في الإسلام وتعلّم القرآن، فقال أبو بكر لرسول الله ﷺ : يا رسول الله؛ إني قد رأيتُ هذا الغلام فيهم من أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلّم القرآن (٢). (٣: ٩٩).
стр. 708
وفي هذه السنة غزا رسول الله ﷺ تبوك. [ذكر الخبر عن غزوة تبوك] (١).
٢٧٣ - ثم إنّ رسولَ الله ﷺ جَدَّ في سفره، فأمر الناس بالجهاز والانكماش، وحضَّ أهل الغنَى على النفقة والحُمْلان في سبيل الله، ورغَّبهم في ذلك، فحمل رجال من أهل الغنى فاحتسبوا، وأنفق عثمان بن عفان في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحدٌ أعظمَ من نفقته (٢). (٣: ١٠٢).
٢٧٤ - قال ابن إسحاق: وخلّف رسولُ الله ﷺ عليّ بن أبي طالب على أهله، وأمره بالإقامة فيهم، واستخلَف على المدينة سِبَاع بن عُرْفُطَة، أخا بني غِفار، فأرجف المنافقون بعليّ بن أبي طالب، وقالوا: ما خَلّفه إلا استثقالًا له، وتخفّفًا منه. فلما قال ذلك المنافقون، أخذ عليٌّ سلاحَه ثم خرج حتى أتى رسولَ الله ﷺ وهو بالجُرف فقال: يا نبيّ الله؛ زعم المنافقون أنّك إنّما خَلّفتَني؛ أنك استثقلتَني وتخفَّفتَ منّي! فقال: كذبوا، ولكني إنما خلّفتُك لما ورائي، فارجع فاخلُفْني في أهلي وأهلك؛ أفلا ترضَى يا عليّ أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؛ إلّا
стр. 709
أنه لا نبيّ بعدي! فرجع عليٌّ إلى المدينة، ومضى رسولُ الله ﷺ على سفره (١). (٣/ ١٠٣: ١٠٤).
٢٧٥ - ثم إنّ أبا خَيثَمة أخا بني سالم رجع -بعد أن سارَ رسول الله ﷺ أيامًا- إلى أهله في يوم حارّ، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائط، قد رشّتْ كلُّ واحدة منهما عريشَها وبرَّدتْ له فيه ماءً، وهيَّأتْ له فيه طعامًا؛ فلمّا دخل فقام على باب العريشين؛ فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، قال: رسولُ الله في الضِّحِّ والريح، وأبو خيثمة في ظلال باردة وماء بارد وطعام مهيّأ وامرأة حسناء، في ماله مقيمٌ! ما هذا بالنَّصَف! ثمّ قال: والله لا أدخل عريش واحدةٍ منكما حتى ألحقَ برسول الله؛ فهيّئَا لي زادًا؛ ففعلتَا. ثم قدّم ناضِحَه فارتحله، ثمّ خرج في طلب رسول الله ﷺ حتى أدركه حين نزل تبُوك، وقد كان أدرك أبا خيثمة عميرُ بن وهب الجُمحيّ في الطريق، يطلب رسولَ الله ﷺ ، فترافقا حتى إذا دَنَوا من تبوك قال أبو خيثمة لعُمير بن وهب: إنّ لي ذنبًا، فلا عليك أن تَخلّفَ عنّي حتى آتيَ رسولَ الله ﷺ . ففعل، ثم سار حتى إذا دنا من رسولِ الله ﷺ وهو نازل بتَبوك قال الناس: يا رسول الله، هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول الله: كُنْ أبا خيثمة! فقالوا: يا رسول الله، هو والله أبو خيثمة! فلمّا أناخ أقبلَ فسلّم على رسول الله ﷺ ، فقال له رسولُ الله: أوْلَى لك يا أبا خيثمة! ثم أخبر رسولَ الله الخبر، فقال له رسولُ الله ﷺ خيرًا، ودعا له بخير (٢). (٣/ ١٠٤ / ١٠٥).
стр. 710
٢٧٦ - وقد كان رسولُ الله ﷺ حين مرّ بالحِجْر نزلها واستقى الناس من بئرها، فلمّا راحوا منها قال رسولُ الله ﷺ : لا تشربُوا من مائها شيئًا، ولا تتوضّؤوا منها للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئًا، ولا يخرجنّ أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له؛ ففعل الناس ما أمرهم به رسولُ الله ﷺ إلا رجُلين من بني ساعدة؛ خرج أحدهما لحاجته، وخرج الآخر في طلب بعير له، فأما الذي ذهب لحاجته فإنه خُنِقَ على مذهبه، وأما الذي ذهب في طلب بعيره فاحتملْته الريح حتى طرحته في جبلَي
стр. 711
طيّئ، فأخبر بذلك رسولُ الله ﷺ فقال: ألم أنهكم أن يخرج منكم أحدٌ إلا ومعه صاحب له! ثم دعا للّذي أصيب على مذهبه فشُفِيَ، وأما الآخر الذي وقع بجبلَي طيّئ؛ فإنّ طيئًا هدتْهُ لرسول الله ﷺ حين قدم المدينة.
قال أبو جعفر: والحديث عن الرجلين (١). (٣: ١٠٥).
٢٧٧ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن العبّاس بن سهل بن سعد الساعديّ: فلما أصبح النّاس -ولا ماءَ معهم- شكَوْا ذلك إلى رسول الله ﷺ , فدعا الله، فأرسل الله سحابة فأمطرت حتى ارتوَى الناس، واحتملوا حاجتهم من الماء (٢). (٣: ١٠٥).
стр. 712
٢٧٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: قلت لمحمود بن لَبِيد: هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم؟ قال: نعم؛ والله إن كان الرجل ليعرفه من أخيه ومن أبيه ومن عمّه ومن عشيرته، ثم يلبس بعضهم بعضًا على ذلك؛ ثم قال محمود: لقد أخبرني رجالٌ من قومي عن رجل من المنافقين معروف نفاقُه، كان يسير مع رسول الله ﷺ حيث سار، فلما كان من أمر الماء بالحِجْر ما كان، ودعا رسولُ الله ﷺ حين دعا، فأرسل الله السحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس، أقبلنا عليه نقول: ويحَك! هل بعد هذا شيء! قال: سحابة مارَّةٌ (١). (٣: ١٠٥/ ١٠٦).
٢٧٩ - ثمّ إنّ رسولَ الله ﷺ سار حتى إذا كان ببعض الطريق ضلّتْ ناقتُه، فخرج أصحابُه في طلَبها، وعند رسول الله ﷺ رجلٌ من أصحابه، يقال له عُمارة بن حزم، وكان عقَبيًّا بدريًّا، وهو عمّ بني عمرو بن حزم، وكان في رحله زيد بن لُصَيب القَينُقاعيّ، وكان منافقًا، فقال زيد بن لُصَيب وهو في رحل عُمارة وعُمارة عند رسول الله ﷺ : أليس يزعم محمد أنه نبيّ يخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته! فقال رسولُ الله ﷺ وعمارة عنده: إن رجلًا قال: إنّ محمدًا هذا يخبركم أنه نبيّ، وهو يزعم أنه يخبركم بخبر السماء وهو لا يدري أين ناقته! وإني والله ما أعلم إلّا ما علّمني الله، وقد دلني الله عليها، وهي في الوادي من شِعْب كذا وكذا قد حبستْها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتُوا بها، فذهبوا فجاؤوا بها، فرجع عُمارة بن حزم إلى أهله، فقال: والله لَعجبٌ من شيء حدّثناه رسول الله ﷺ آنفًا عن مقالة قائل أخبره الله عنه كذا وكذا -للذي قال زيد بن اللُّصَيب- فقال رجُلٌ ممن كان في رحْل عمارة، ولم يحضر رسول الله:
стр. 713
زيد والله قال هذه المقالة قبل أن تأتيَ. فأقبل عمارة على زيد يَجَأ في عنقه، ويقول: يا عباد الله، والله إنّ في رَحْلِي لداهية وما أدري! اخرج يا عدوّ الله من رحلي فلا تصحبني (١). (٣: ١٠٦).
٢٨٠ - ثم مضى رسولُ الله ﷺ سائرًا؛ فجعل يتخلَّف عنه الرجل فيقولون: يا رسولَ الله، تخلّف فلان، فيقول: دعوه، فإن يكُ فيه خير فسيُلْحِقه الله بكم، وإنْ يكُ غير ذلك فقد أراحكم الله منه؛ حتى قيل: يا رسول الله، تخلّف أبو ذرّ وأبطأ به بعيره؛ فقال: دعوه، فإنْ يك فيه خير فسيُلحقه الله بكم، وإن يكُ غيرَ ذلك فقد أراحكم الله منه.
قال: وتلوّم أبو ذرّ على بعيره، فلما أبطأ عليه أخذ متاعَه، فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول الله ماشيًا، ونزل رسولُ الله في بعض منازله، فنظره ناظرٌ من المسلمين، فقال: يا رسولَ الله، إنّ هذا الرجل يمشي على الطريق وحده، فقال رسولُ الله ﷺ : كن أبا ذرّ! فلمّا تأمله القوم، قالوا: يا رسول الله، هو أبو ذرّ! فقال رسولُ الله ﷺ : يرحم الله أبا ذرّ! يمشي وحده، ويموت وحده، ويُبْعث وحده.
حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بُرَيدة بن سفيان الأسلميّ، عن محمّد بن كعب القُرظيّ، قال: لما نفى عثمان أبا ذرّ نزل أبو ذرّ الرّبَذَة، فأصابه بها قَدَره، ولم يكن معه أحدٌ إلّا امرأته وغلامه، فأوصاهما أن غَسِّلاني وكَفّناني، ثم ضعاني على قارعة الطريق، فأوّل ركْب يمرّ بكم فقولوا: هذا أبو ذرّ صاحب رسول الله فأعينونا على دفنه. فلما مات فعلا ذلك به، ثم وضعاه على قارعة الطريق، فأقبل عبد الله بن مسعود ورهطٌ من أهل العراق عُمّارًا، فلم يَرُعْهم إلّا بجنازة على الطريق قد كادت الإبل تطؤها، وقام إليهم الغلام، فقال: هذا أبو ذرّ صاحب رسول الله، فأعينونا على دفنه. قال: فاستهلّ عبدُ الله بن مسعود يبكي، ويقول: صدق رسول الله! تمشي وحدَك، وتموت وحدك، وتُبْعث وحدك! ثم نزل هو وأصحابه فوارَوْه.
стр. 714
ثمّ حدّثهم ابن مسعود حديثه وما قال له رسول الله في مسيره إلى تبوك (١) (٣: ١٠٧).
٢٨١ - قال: وقد كان رهط من المنافقين، منهم وديعة بن ثابت أخو بني عمرو بن عوف، ومنهم رجل من أشْجَع حليفٌ لبني سلمة، يقال له مَخشيّ بن حُمَيِّر، يسيرون مع رسولِ الله ﷺ وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون قتال بني الأصفر كقتال غيرهم! والله لكأنّي بكم غدًا مُقَرَّنين في الحبال؛ إرْجَافًا وترهيبًا للمؤمنين. فقال مخشيّ بن حميِّر: والله لوَدِدْتُ أنّى أقاضَى على أن يُضرب كلّ رجل منّا مئة جلدة، وأنا ننفلت أن يُنزِل الله فينا قرآنًا لمقالتكم هذه. وقال رسولُ الله ﷺ فيما بلغني- لعمّار بن ياسر: أدرك القوم، فإنهم قد احترقوا، فسلْهم عمّا قالوا؛ فإن أنكروا فقل: بلى قد قلتم كذا وكذا. فانطلق إليهم عمّار فقال لهم ذلك، فأتوْا رسول الله يعتذرون إليه، فقام وديعة بن ثابت ورسول الله واقف على ناقته، فجعل يقول وهو آخذ بحَقبِها: يا رسول الله، كنّا نخوض ونلعب؛ فأنزل الله فيهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ وقال مخشي بن حميِّر: يا رسول الله، قعد بي اسمي واسم أبي؛ فكان الذي عُفِيَ عنه في هذه الآية مخشيّ بن حميِّر، فسمّي عبد الرحمن، وسأل الله أنْ يقتله شهيدًا لا يُعلم مكانه، فقُتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر (٢). (٣: ٢٠٨).
стр. 715
٢٨٢ - فلما انتهى رسولُ الله ﷺ إلى تبوكَ، أتاه يُحَنّة بن رُؤبة، صاحب أيلَة، فصالح رسولَ الله ﷺ وأعطاه الجزية، وأهل جَرْباء وأذْرُح أعطوْه الجزية، وكتب رسولُ الله ﷺ لكل كتابًا؛ فهو عندهم (١). (٣: ١٠٨).
٢٨٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أنس بن مالك؛ قال: رأيتُ قَباء أكيدر حين قُدِم به إلى رسول الله ﷺ ، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم، ويتعجّبون منه، فقال رسول الله: أتَعْجَبون من هذا! فو الذي نفس محمد بيده
стр. 716
لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسنُ من هذا! (١) (٣: ١٠٩).
٢٨٤ - ثم انصرَف قافلًا إلى المدينة، فكان في الطريق ماء يخرج من وَشَلٍ ما يرْوي الراكبَ والراكبَين والثلاثة، بوادٍ يقال له وادي المُشَقّق، فقال رسول الله ﷺ : مَنْ سبقنا إلى ذلك الماء فلا يَسْتَقِيَنَّ منه شيئًا حتى نأتيَه. قال: فسبقه إليه نفرٌ من المنافقين فاستقوْا ما فيه، فلما أتاه رسولُ الله ﷺ وقف عليه فلم يرَ فيه شيئًا؛ فقال: مَنْ سبقنا إلى هذا الماء؟ فقيل له: يا رسول الله، فلان وفلان، فقال: أوَ لم نَنْهَهم أن يستقُوا منه شيئًا حتى نأتيه! ثم لعنهم رسولُ الله، ودعا عليهم. ثمّ نزل ﷺ ، فوضع يده تحت الوَشَل، فجعل يصبّ في يده ما شاء الله أن يصبّ، ثم نضحه به ومسحه بيده، ودعا رسولُ الله ﷺ بما شاء الله أن يدعوَ، فانخرق من الماء -كما يقول مَنْ سمعه: إنّ له حِسًّا كحمى الصواعق؛ فشرب الناس واستقوْا حاجتهم منه، فقال رسولُ الله ﷺ : مَنْ بَقيَ منكم ليَسمعنّ بهذا الوادي؛ وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه (٢). (٣: ١٠٩/ ١١٠).
стр. 717
٢٨٥ - قال: وقدم رسولُ الله ﷺ المدينةَ- وقد كان تخلّف عنه رهط من المنافقين، وتخلّف أولئك الرّهط من المسلمين من غير شكّ ولا نفاق: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أميّة- فقال رسولُ الله ﷺ : لا يكلّمن أحدٌ أحدًا من هؤلاء الثلاثة، وأتاه مَنْ تخلّف عنه من المنافقين، فجعلوا يحلفون له ويعتذرون، فصفح عنهم رسول الله ولم يعذِرْهم الله ولا رسوله، واعتزل المسلمون كلامَ هؤلاء الثلاثة النفر، حتى أنزل الله قوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ -إلى قوله- ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، فتاب الله عليهم (١). (٣: ١١١).
٢٨٦ - قال: وقدِم رسول الله ﷺ المدينة من تَبُوك في شهر رمضان. وقدِم عليه في ذلك الشهر وفْدُ ثَقِيف، وقد مضى ذكر خبرهم قبل (١). (٣: ١١١).
стр. 722
٢٨٧ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان، قال: فأنزل الله فيهم القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ -من بني تميم- ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ قال: وهي القراءة الأولى (١). (٣: ١٢٠).
стр. 723
٢٨٧ / أ - قال: وفيها نَعَى رسولُ الله ﷺ للمسلمين النجاشيَّ، وأنه مات في رجب سنة تسع (١). (٣: ١٢٢).
[قدوم ضمام بن ثعلبة وافدًا عن بني سعد]
٢٨٨ - وفيها قدم وفد سعد هُذَيم. حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدّثني سلَمة بن كُهيل ومحمد بن الوليد بن نويفع، عن كُرَيب مولى ابن عبّاس، عن عبد الله بن عبّاس، قال: بعث بنو سَعْد بن بكر ضِمَامَ بن ثعلبة إلى رسولِ الله ﷺ فقدم عليه فأناخ بعيرَه على باب المسجد ثم عَقَله، ثم دخل المسجد ورسولُ الله ﷺ جالس في أصحابه، وكان ضِمام بن ثعلبة رجلًا جَلْدًا أشعر ذا غديرتين، فأقبل حتى وقف على رسول الله ﷺ في أصحابه، فقال: أيّكم ابن عبد المطلب؟ قال: قال رسولُ الله: أنا ابن عبد المطلب. قال: محمد؟ قال: نعم، قال: يا بن عبد المطلب، إني سائلك ومُغْلِظٌ لك في المسألة، فلا تَجدَنّ في نفسك! قال: لا أجِد في نفسي، فسَلْ عمّا بدا لك، قال: أنشدُك بالله إلهك وإله مَن كان قبلك وإله مَنْ هو كائن بعدك، آلله بعثك إلينا رسولًا؟ قال: اللهمّ نعم، قال: فأنشدك بالله إلهك وإله مَنْ كان قبلك وإله مَنْ هو كائن بعدك، آلله أمَرَك أن تأمُرَنا أن نَعْبده وَحْدَه، ولا نشرك به شيئًا، وأن نخلع هذه الأنداد التي كانت آباؤنا تعبد من دونه؟ قال: اللهمّ نعم، قال: فأنشدك بالله إلهك وإله مَنْ كان قبْلَك وإله مَنْ هو كائن بعدك، آلله أمرك أن تأمرنا أن نُصلِّيَ هذه الصلوات الخمس؟ قال: اللهمّ نعم. قال: ثم جعل يذكر فرائضَ الإسلام فريضة فريضة؛ الزكاة، والصيام، والحجّ، وشرائع الإسلام كلّها، يناشده عن كلّ فريضة كما ناشده في التي قبلها، حتى إذا فرغ قال: فإني أشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدًا رسول الله، وسأؤدِّي
стр. 726
هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتَني عنه. ثم لا أنقصُ ولا أزيد. ثم انصرف إلى بعيره راجعًا. فقال رسول الله ﷺ حين ولّى: إن صدق ذو العَقيصتَين يدخل الجنة، قال: فأتى بعيرَه فأطلق عِقَاله، ثم خرج حتى قدِم على قومه، فاجتمعوا إليه، فكان أوّل ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزّى! قالوا: مَهْ يا ضِمام! اتّق البرصَ، اتّق الجذام، اتّق الجنون! قال: وَيحكم، إنهما والله لا ينفعان ولا يضرّان؛ إن الله قد بعث رسولًا، وأنزل عليه كتابًا، استنقذكم به مما كنتم فيه؛ وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له؛ وأن محمدًا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه.
قال: فوالله ما أمسى ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلمًا. قال: يقول ابن عباس: فما سمعنا بوافِدِ قومٍ كان أفضَل من ضِمام بن ثعلبة (١). (٣: ١٢٤/ ١٢٥).
ثم دخلت سنة عشر
قال الواقديّ: توفِّيَ رسولُ الله ﷺ وعمرو بن حزم عامله بنَجْران (١). (٣: ١٣٠).
[سريّة علي بن أبي طالب إلى اليمن]
٢٨٩ - قال: وفيها وجّه رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب في سريّة إلى اليمن في رمضان. فحدّثنا أبو كريب ومحمد بن عمرو بن هيّاج، قالا: حدَّثنا يحيى بن عبد الرحمن الأزَجيّ، قال: حدَّثنا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن البَرَاء بن عازب، قال: بعثَ رسول الله ﷺ خالدَ بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام فكنت فيمن سار معه؛ فأقام عليه ستة أشهر لا يجيبونه إلى شيء، فبعث النبيّ ﷺ عليّ بن أبي طالب، وأمره أن يُقْفِل خالدًا ومَنْ معه، فإن أراد أحد ممن كان مع خالد بن الوليد أن يعقّب معه تركه.
قال البَراء: فكنت فيمن عقّب معه؛ فلمّا انتهجنا إلى أوائل اليمن، بلغ القوم الخبر، فجمعوا له، فصلّى بنا عليٌّ الفجر، فلما فرغ صَفّنا صفًّا واحدًا، ثمّ تقدّم بين أيدينا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قرأ عليهم كتابَ رسولِ الله ﷺ فأسلمت همدان كلها في يوم واحد وكتب بذلك إلى رسول الله ﷺ ، فلما قرأ كتابه خرّ ساجدًا، ثم جلس، فقال: السلام على هَمْدان، السلام على هَمْدان! ثم تتابع أهل اليمن على الإسلام (٢). (٣: ١٣١/ ١٣٢).
стр. 729
[قدوم الجارود في وفد عبد القيس]
٢٩٠ - وفيها قَدِم وفْد عبد القيس، فحدثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: قَدِمَ على رسول الله ﷺ الجارودُ بن عمرو بن حنَش بن المعلّى، أخو عبد القيس في وفد عبد القيس وكان نصرانيًّا (١). (٣: ١٣٦).
٢٩١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حَدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن الحسن، قال: لما انتهى إلى رسول الله ﷺ كلّمه؛ فعرض عليه الإسلام، ودعاه إليه، ورغبه فيه، فقال: يا محمد، إني قد كنت على دين؛ وإني تاركٌ ديني لدينك؛ فتضمن لي دِيني؟ فقال رسولُ الله ﷺ : نعم أنا ضامنٌ لك أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه. قال: فأسلم وأسلم معه أصحابه، ثم سألوا رسولَ الله الحُمْلان؟ فقال: والله ما عندي ما أحْمِلُكم عليه، فقالوا: يا رسولَ الله، إنّ بيننا وبين بلادنا ضَوَالّ من ضوالّ الناس؛ أفنتبلّغ عليها إلى بلادنا؟ قال: إياكم وإياها؛ فإنما ذلك حَرَق النار. قال: فخرج من عنده الجارود راجعًا إلى قومه -وكان حسنَ الإسلام صُلْبًا على دينه- حتى هلك؛ وقد أدرك الرِّدةَ، فلما رجع من قومه مَنْ كان أسلم منهم إلى دينهم الأوّل مع الغَرور المنذر بن النعمان بن المنذر، أقام الجارود فشهد شهادةَ الحقّ ودعا إلى الإسلام، فقال: يا أيها الناس؛ إنّي أشهدُ أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا عبده ورسوله، وأنهى مَنْ لم يشهد (٢). (٣: ١٣٦/ ١٣٧).
стр. 730
[قدوم وفد بني حنيفة ومعهم مسيلمة]
٢٩٢ - وفيها قدم وفد بني حنيفة؛ حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، قال: قدِم على رسولِ الله ﷺ وفد بني حَنيفة؛ فيهم مُسيلمة بن حبيب الكذّاب، فكان منزلهم في دار ابنة الحارث؛ امرأة من الأنصار، ثم من بني النجار (١). (٣: ١٣٧).
٢٩٣ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، قال: حَدّثني تستره بالثياب، ورسول الله جالس في أصحابه، ومعه عَسِيبٌ من سَعف النَّخل، في رأسه خُوصات، فلمَّا انتهَى إلى رسول الله ﷺ وهم يسترونه بالثّياب، كلّم
стр. 731
رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله: لو سألتني هذا العسيب الذي في يدي ما أعطيتك! (١) (٣: ١٣٧).
[قدوم الأشعث بن قيس في وفد كندة]
٢٩٤ - قال أبو جعفر: وفيها قدم وفدُ كِنْدة، رأسهُم الأشعث بن قيس، الكنديّ؛ فحدّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن ابن شهاب الزهريّ، قال: قدِم على رسول الله ﷺ الأشعث بن قيس في ستين راكبًا من كِندة، فدخلوا على رسول الله مسجدَه، وقد رَجَّلوا جُمَمَهُم، وتكحّلوا، عليهم جُبَب الحبرة؛ قد كفّفُوها بالحرير؛ فلمّا دخلُوا على رسولِ الله ﷺ ، قال: ألم تسلموا؟ قالوا: بلى، قال: فما بالُ هذا الحرير في أعناقكم؟ قال: فشَقُّوه منها فألقوْه، ثم قال الأشعث: يا رسول الله؛ نحن بنو آكل المُرار، وأنت ابن آكل المُرار، فتبسّم رسول الله، ثم قال: ناسبوا بهذا النَّسَب العباس بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث. قال: وكان ربيعة والعبّاس تاجرَين؛ فكانا إذا ساحا في أرض العرب فسئلا مَنْ هما؟ قالا: نحن بنو آكل المُرار؛ يتعزّزان بذلك؛ وذلك أن كِنْدة كانت ملوكًا، فقال رسول الله ﷺ : نحن بنو النَّضْر بن كنانة لا نَقْفُو أمَّنا، ولا ننتفي من أبينا. فقال الأشعث بن قيس: هل عرفتم يا معشرَ كندة! والله
стр. 732
لا أسمع رجلًا قالها بعد اليوم إلا ضربته حَدَّهُ ثمانين (١). (٣: ١٣٨/ ١٣٩).
[وفْدُ بني عامر بن صَعْصَعَة]
٢٩٥ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: قدِم علَى رسول الله ﷺ وفدُ بني عامر؛ فيهم عامر بن الطفَيل، وأربَدُ بن قيس بن مالك بن جعفر، وجَبّارُ بن سلمَى بن مالك بن جعفر؛ وكان هؤلاء الثلاثة رؤوس القوم وشياطينهم.
فقدم عامر بن الطّفيل على رسول الله ﷺ وهو يريد الغَدْر به؛ وقد قال له قومه: يا عامر؛ إنّ الناس قد أسلموا فأسلِمْ؛ قال: والله لقد كنتُ آليتُ ألّا أنتهيَ حتى تتبع العربُ عَقبِي؛ أفأنا أتّبع عقب هذا الفتى من قريش! ثم قال لأربد: إذا قدمت على الرجل فإني شاغلٌ عنك وجهه؛ فإذا فعلتُ ذلك فاعلُه بالسَّيف؛ فلما قدموا على رسولِ الله ﷺ قال عامر بن الطقيل: يا محمد خالّني؛ قال: لا والله حتى تؤمِنَ بالله وحده، قال: يا محمد خالّني، قال: وجعل يكلمه فينتظر منْ أربد ما كان أمرَهَ به، فجعل أربد لا يحير شيئًا، فلمّا رأى عامر ما يصنع أربد، قال: يا محمد خالّني، قال: لا والله حتى تؤمِنَ بالله وحدَه لا شريك له. فلما أبي عليه رسولُ الله ﷺ قال: أما والله لأملأنَّها عليك خيلًا حُمْرًا ورجالًا، فلما ولّى قال رسول الله: اللهمّ اكفني عامر بن الطفيل، فلما خرجوا من عند رسول الله قال عامر لأربد: ويلك يا أربد! أين ما كنت أوصيتك به! والله ما كان على ظهر الأرض رجلٌ هو أخوف على نفسي عندي منك، وايمُ اللهِ لا أخافك بعد اليوم
стр. 733
أبدًا. قال: لا تعجلْ عليّ لا أبا لك! والله ما هممت بالذي أمرتَني به من مرة إلّا دخلت بيني وبين الرجل حتى ما أرى غيرك، أفأضربك بالسيف! قال عامر بن الطُّفَيل:
بَعَثَ الرسولُ بمَا تَرى فكأنَّما ... عَمْدًا نَشنّ على المَقَانِب غَارَا
وَلقَدْ وَرَدْنَ بنَا المدينَةَ شُزَّبًا ... ولَقد قَتَلْنَ بجَوِّهَا الأنْصَارَا
وخرجوا راجعين إلى بلادهم؛ حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله على عامر بن الطُّفيل الطاعون في عنقه فقتله؛ وإنّه في بيت امرأة من بني سَلول؛ فجعل يقول: يا بني عامر؛ أغُدَّةٌ كغُدَّة البَكْر؛ وموت في بيت امرأة من بني سَلول! ثم خرج أصحابه حين واروْه؛ حتى قدموا أرضَ بني عامر؛ فلما قدموا أتاهم قومهم، فقالوا: ما وراءك يا أربد؟ قال: لا شيء؛ والله لقد دعانا إلى عبادة شيء لوددت أنه عندي الآن فأرميه بنَبْلي هذه حتى أقتلَه؛ فخرج بعد مقالته هذه بيوم أو يومَين، معه جملٌ له يتبعه؛ فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقةً فأحرَقتْهما.
وكان أربدُ بن قيس أخا لَبيد بن ربيعة لأمّه (١). (٣: ١٤٤/ ١٤٥).
стр. 734
[كتاب مسيلمة إلى رسول الله والجواب عنه]
٢٩٦ - وفي هذه السنة كتب مُسيلمة إلى رسولِ الله ﷺ يدّعي أنه أشرك معه في النبوّة. حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق؛ عن عبد الله بن أبي بكر، قال: كان مُسيلمة بن حبيب الكذّاب كتبَ إلى رسولِ الله ﷺ : من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله سلامٌ عليك؛ فإني قد أشرِكت في الأمر معك؛ وإن لنا نِصفَ الأرض ولقريش نِصْف الأرض، ولكنّ قريشًا قوم يعتدون.
فقدم عليه رسولان بهذا الكتاب (١). (٣/ ١٤٦).
٢٩٧ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن شيخ من أشجع قال ابن حميد: أمّا عليّ بن مجاهد فيقول: عن أبي مالك الأشجعيّ، عن سلمة بن نُعيم بن مسعود الأشجعيّ، عن أبيه نُعَيم - قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول لهما حين قرأ كتاب مسيلمة: فما تقولان أنتما؟ قالا: نقول كما قال؛ فقال: أما والله لولا أن الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ لضربتُ أعناقكما.
ثم كتب إلى مسيلمة: بسم الله الرحمن الرحيم؛ من محمد رسول الله إلى مُسيلمة الكذّاب. سَلامٌ على من اتَّبَعَ الهدى؛ أما بعد، فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. قال: وكان ذلك في آخر سنة عشر (٢). (٣: ١٤٦).
стр. 735
[حجّة الوداع]
٢٩٨ - فلمّا دخل ذو القعدة من هذه السنة -أعني سنة عشر- تجهّز النبيّ ﷺ إلى الحجّ، فأمر الناس بالجهاز له. فحدّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمَة عن ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج النبيّ ﷺ ، قالت: خرج النبيّ ﷺ إلى الحجّ لخمس ليال بقينَ من ذي القعدة، لا يَذكُر ولا يَذكُر الناس إلّا الحجّ؛ حتى إذا كان بسَرِف، وقد ساق رسول الله معه الهدْيَ وأشرافٌ من أشراف الناس، أمر الناس أن يُحِلّوا بعُمْرة إلّا من ساق الهدْي، وحِضْتُ ذلك اليوم؛ فدخل عليّ وأنا أبكي؛ فقال: ما لك يا عائشة؟ لعلك نَفِسْتِ! فقلت: نعم، لوددت أنّي لم أخرج معكم عامي هذا في هذا السفر، قال: لا تفعلي؛ لا تقولِنّ ذلك؛ فإنك تقضين [كلّ] ما يقضي الحاج؛ إلّا أنك لا تطوفين بالبيت. قالت: ودخلَ رسولُ الله ﷺ مكة؛ فحلّ كلّ مَنْ كان لا هديَ معه، وحلّ نِساؤه بعمْرة؛ فلمّا كان يوم النحر أتيتُ بلحم بقر [كثير]، فطُرح في بيتي، قلت: ما هذا؟ قالوا: ذَبَح رسول الله عن نسائه البقر؛ حتى إذا كانت ليلة الحَصْبَة، بعثني رسولُ الله مع أخي عبد الرحمن بن أبي بكر، لأقضيَ عُمْرتي من التّنعيم مكان عُمْرتي التي فاتَتْني (١). (٣: ١٤٨).
стр. 736
٢٩٩ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن ابن أبي نَجيح، قال: بعثَ رسولُ الله ﷺ عليّ بن أبي طالب إلى نَجْران، فلقيَه بمكّة؛ وقد أحرم؛ فدخل عليٌّ على فاطمة ابنة رسول الله، فوجدَها قد حلّتْ وتهيّأت، فقال: ما لك يابنة رسول الله؟ قالت: أمَرَنا رسولُ الله أن نحِلّ بعمرة؛ فأحللنا، قال: ثم أتى رسول الله ﷺ ، فلما فرغ من الخبر عن سفره، قال له رسولُ الله: انطلق فطُفْ بالبيت، وحلّ كما حلّ أصحابك، فقال: يا رسول الله، إنّي قد أهللتُ بما أهللتَ به؛ قال: ارجع فاحلل كما حلّ أصحابك، قال: قلت: يا رسولَ الله، إني قلت حين أحرمت: اللهمّ إني أهللت بما أهل به عبدك ورسولك؛ قال: فهلْ معك من هَدْي؟ قال: قلت: لا، قال: فأشركه رسول الله ﷺ في هديه وثبت على إحرامه مع رسول الله؛ حتى فرغا من الحجّ، ونحر رسول الله الهدْيَ عنهما (١). (٣: ١٤٨/ ١٤٩).
стр. 737
٣٠٠ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمَر بن حزْم، عن سليمان بن محمد بن كعب بن عُجْرة، عن عمّته زينب بنت كعب بن عُجْرة - وكانت عند أبي سعيد الخدريّ - عن أبي سعيد، قال: شكا الناس عليّ بن أبي طالب، فقام رسول الله فينا خطيبًا، فسمعته يقول: يا أيُّها الناس؛ لا تشكُوا عليًّا، فوالله إنه لأخشى في ذات الله -أو في سبيل الله-[من أن يُشكَى] (١). (٣: ١٤٩).
٣٠١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نَجِيح، قال: ثمّ مضى رسولُ الله ﷺ على حجّه؛ فأرى الناس
стр. 738
مناسكَهم، وأعلمهم سننَ حجّهم؛ وخطب الناس خطبته التي بيّن للناس فيها ما بيّن، فحمِد الله وأثنى عليه، ثم قال:
أيّها الناس، اسمعوا قولي؛ فإنّي لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا، بهذا الموقف أبدًا، أيّها الناس؛ إنَّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقَوْا ربّكم كحرْمة يومكم هذا، وحرْمة شهركم هذا، وستلقوْن ربّكم، فيسألكم عن أعمالكم. وقد بَلّغْتُ، فمن كانت عنده أمانة فليُؤدِّها إلى من ائتمنه عليها. وإنّ كلّ ربًا موضوع، ولكم رؤوس أموالكم، لا تَظلمون ولا تُظلمون. قضى الله أنه لا رِبا. وإنّ ربا العباس بن عبد المطلب موضوعٌ كلّه، وأنّ كلّ دم كان في الجاهلية موضوع. وإنّ أوّل دم أضَعُ دمَ ابن رِبيعة بن الحارث بن عبد المطلب -وكان مستوضَعًا في بني ليث، فقتلتْه بنو هُذيل- فهو أوّل ما أبدأ به من دماء الجاهليّة.
أيّها الناس؛ إنّ الشيطان قد يئس من أن يُعْبَد بأرضكم هذه أبدًا؛ ولكنه رضِيَ أن يُطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم.
أيّها الناس: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾، ويُحَرّمُوا ما أحَلّ اللهُ؛ وإنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلَق الله السموات والأرض؛ و ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾، ثلاثة متوالية؛ ورجب مُضَر الذي بين جمادى وشعبان.
أمّا بعد أيها الناس؛ فإنّ لكم على نسائكم حقًّا ولهنّ عليكم حقًّا، لكم عليهنّ ألا يوطئن فرشَكم أحدًا تكرهونه، وعليهنّ ألا يأتينَ بفاحشة مُبَيِّنَة؛ فإن فعلن فإنّ الله أذِن لكم أن تهجروهنّ في المضاجع، وتضربوهنّ ضربًا غير مُبَرِّح، فإن انتهينَ فلهن رزقهنّ وكِسْوَتهن بالمعروف. واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنهنّ عندكم عَوَان لا يملكن لأنفسهنّ شيئًا، وإنكم إنما أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله؛ فاعقلوا أيها الناس واسمعوا قولي؛ فإنّي قد بلّغت وتركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلنْ تضلُّوا أبدًا؛ كتاب الله وسنة نبيّه.
أيها الناس، اسمعوا قولي فإني قد بلّغت، واعقلوه. تعلَمُنَّ أن كلّ مسلم أخو المسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحلّ لامرئ من أخيه إلّا ما أعطاه عن
стр. 739
طيب نفس؛ فلا تظلموا أنفسكم. اللهمّ هل بلغتُ! قال: فذكر أنهم قالوا: اللهمّ نعم، فقال رسول الله: اللهمّ اشهد (١). (٣: ١٥٠/ ١٥١).
٣٠٢ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمّد بن إسحاق، عن يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزُّبير، عن أبيه عبّاد، قال: كان الذي يصرخ في الناس بقول رسول الله وهو على عَرَفَة، ربيعة بن أميّة بن خلف، قال: يقول له رسول الله: قل: أيُّها الناس؛ إنّ رسول الله يقول: هل تدرون أيّ شهر هذا! فيقولون: الشهر الحرام، فيقول: قل لهم: إنّ الله قد حرّم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربّكم كحرْمة شهركم هذا. ثمّ قال: قلْ: إنّ رسولَ الله، يقول: أيّها الناس؛ فهل تدرُون أيّ بلد هذا؟ قال: فيصرخُ به، فيقولون: البلد
стр. 740
الحرام، قال: فيقول: قل: إنّ الله حَرّم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أنْ تلقوْا ربّكم، كحرمة بلدكم هذا. ثم قال: قل: أيها الناس، هل تدرون أيّ يوم هذا؟ فقال لهم، فقالوا: يوم الحجّ الأكبر، فقال: قل: إنّ الله حرّم عليكم أموالكم ودماءكم إلى أن تلقوْا ربّكم كحرمة يومكم هذا (١). (٣: ١٥١/ ١٥٢).
٣٠٣ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نَجِيح، أنّ رسولَ الله حين وقف بعَرفة، قال: هذا الموقف - للجبل الذي هو عليه - وكلّ عرفة موقف. وقال حين وقف على قُزَح صبيحة المزدلفة: هذا الموقف، وكلّ المزدلفة موقف. ثم لما نحر بالمَنحر، قال: هذا المنحر، وكلّ مِنى منحرٌ؛ فقضى رسولُ الله ﷺ الحجّ وقد أراهم مناسكَهم، وعلّمهم ما افترض عليهم في حجّهم في المواقف ورمي الجمار والطواف بالبيت، وما أحلّ لهم في حجّهم وما حرّم عليهم؛ فكانت حجّة الوداع وحجّة البلاغ؛ وذلك أن رسول الله لم يحجّ بعدها (٢). (٣: ١٥٢).