٨٥ - قال أبو جعفر: وكان أبو بكر قبل أن يشتغل بأمور المسلمين تاجرًا، وكان منزله بالسُّنْح، ثم تحوّل إلى المدينة. فحدّثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن مَرْوان بن أبي سعيد بن المعلَّى، قال: سمعتُ سعيد بن المسيَّب قال: وأخبرنا مُوسى بن محمَّد بن إبراهيم عن أبيه، عن عبد الرحمن بن صبيحة التميميّ، عن أبيه، قال: وأخبرَنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، قال: وأخبَرنا محمد بن عبد الله عن الزهريّ، عن عُرْوة، عن عائشة، قال: وأخبرنا أبو قُدامة عُثْمان بن محمد عن أبي وَجْزة، عن أبيه؛ قال: وغير هؤلاء أيضًا قد حدّثني ببعضه، فدخلَ حديثُ بعضهم في حديث بعض، قالوا: قالت عائشةُ: كان منزل أبي بالسُّنْح عند زوْجته حَبيبة بنة خارجة بن زيد بن أبي زُهير من بني الحارث بن الخزرج، وكان قد حجَّر عليه حُجرة من سَعَف؛ فما زادَ على ذلك حتى تحوّل إلى منزله بالمدينة؛ فأقام هنالك بالسُّنْح بعد ما بويع له ستَّة أشهر، يغدُو على رجليه إلى المدينة، وربما ركب على فرس له، وعليه إزار ورِداء ممشَّق، فيوافِي المدينةَ فيصلي الصَّلَواتِ بالنَّاس، فإذا صلَّى العشاء؛ رجع إلى أهله بالسُّنْح؛ فكان إذا حَضر صلَّى بالناس وإذا لم يحضر صلَّى بهم عمر بن
стр. 912
الخطاب. قال: فكان يُقيم يوم الجمعة صدرَ النَّهار بالسُّنح يصبغ رأسه ولحيته ثم يروح لقَدَر الجمعة، فيُجمِّع بالنَّاس. وكان رجلًا تاجرًا، فكان يغدُو كلّ يوم إلى السوق، فيبيع ويبتاع؛ وكانت له قطعة غنم تروحُ عليه؛ وربَّما خرج هو بنفسه فيها؛ وربما كُفِيَهَا فرُعيت له، وكان يحلب للحيّ أغنامَهم، فلمَّا بويع له بالخلافة قالتْ جارية من الحيّ: الآن لا تُحْلبُ لنا منائحُ دارنا، فسمعها أبو بكر، فقال: بلَى لعمري لأحلبنّها لكم؛ وإني لأرجو ألّا يغيِّرني ما دخلت فيه عن خُلق كنت عليه. فكان يحلُب لهم، فربما قال للجارية من الحيّ: يا جارية! أتحبّين أن أرعَى لك، أو أصرِّح؟ فربما قالت: ارْعَ، وربما قالت: صرّح؛ فأيّ ذلك قالتْه فعل؛ فمكث كذلك بالسُّنْح ستَّة أشهر؛ ثم نزل إلى المدينة، فأقام بها، ونَظَر في أمرِه، فقال: لا والله، ما تصلِح أمور الناس التِّجارة، وما يصلِحُهم إلّا التفرُّغ لهم والنَّظر في شأنهم، ولا بدّ لعيالي مما يُصلِحُهم. فترك التجارة واستنفق من مال المسلمين ما يُصلِحُه ويُصْلح عياله يومًا بيوم، ويحجّ ويعتمر. وكان الذي فرضوا له في كلّ سنة ستَّة آلاف درهم؛ فلما حضرتْه الوفاة، قال: ردُّوا ما عندَنا من مال المسلمين؛ فإني لا أصيبُ من هذا المال شيئًا، وإنّ أرضي الَّتي بمكان كذا وكذا للمسلمين بما أصبت من أموالهم؛ فدفع ذلك إلى عمر، ولقوحًا وعبدًا صَيقلًا، وقطيفة ما تُساوي خمسة دراهم؛ فقال عمر: لقد أتعب مَن بعده (١). (٣: ٤٣١/ ٤٣٢ / ٤٣٣).
٨٦ - وقال عليّ بن محمد -فيما حدّثني أبو زيد عنه في حديثه عن القوم الذين ذكرتُ روايته عنهم- قال أبو بكر: انظروا كم أنفقت منذ وُلِّيتُ من بيت المال فاقضوه عنِّي. فوجدوا مبلَغه ثمانية آلاف درهم في ولايته (٢). (٣: ٤٣٣).
стр. 913
٨٧ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حَدّثنا سَلمة عن ابن إسحاق، عن الزهريّ، عن القاسم بن محمد، عن أسماءَ بنة عُمَيس، قالت: دخل طلحة بن عبيد الله على أبي بكر، فقال: استخلفتَ على الناس عُمر، وقد رأيتَ ما يلقى الناس منه وأنت معه؛ فكيف به إذا خلا بهم! وأنت لاقٍ ربَّك فسائلك عن رعيَّتك؟ ! فقال أبو بكر -وكان مضطجعًا: أجلسوني، فأجلسوه، فقال لطلحة: أبالله تفرّقني؟ ! -أو أبالله تخوّفني؟ ! - إذا لقيت الله ربِّي فساءلني قلت: استخلفتُ على أهلِك خيرَ أهلك (١). (٣: ٤٣٣).
٨٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن الحصين بمثل ذلك (٢) (٣: ٤٣٣).
стр. 914
٨٩ - قال أبو جعفر: قد تقدّم ذكرنا وقت عقد أبي بكر لعُمر بن الخطاب الخلافة، ووقت وفاة أبي بكر، وأنّ عمر صلَّى عليه، وأنه دفن ليلةَ وفاته قبل أن يُصْبح الناس، فأصبح عمر صبيحةَ تلك الليلة، فكان أوّل ما عمل وقال -فيما ذُكِر- ما حدثنا أبو كُرَيب، قال: حدَّثنا أبو بكر بن عيّاش عن الأعمش، عن جامع بن شدّاد، عن أبيه؛ قال: لمَّا استُخلِف عمر صعِد المنبر، فقال: إني قائل كلمات فأمِّنوا عليهنّ، فكان أوّل منطق نطق به حين استُخلِف (١). (٣: ٤٣٣).
٩٠ - حدَّثنا عمر، قال: حدّثني عليّ عن عيسى بن يزيد، عن صالح بن كيسان، قال: كان أوّل كتاب كتبه عمر حين وُلِّي إلى أبي عبيدة يولِّيه على جند
стр. 915
خالد: أوصيك بتقوى الله الذي يبقَى ويفنَى ما سواه؛ الذي هدانا من الضّلالة، وأخرجَنا من الظُّلمات إلى النور. وقد استعملتك على جُنْد خالد بن الوليد، فقم بأمرهم الذي يحقّ عليك، لا تُقدِّم المسلمين إلى هَلَكة رجاء غنيمة؛ ولا تُنزلهم منزلًا قبل أن تستريده لهم؛ وتعلمَ كيف مأتاه؛ ولا تبعث سريّة إلا في كَثْف من الناس؛ وإيّاك وإلقاء المسلمين في الهلَكة، وقد أبلاك الله بي وأبلاني بك؛ فغمِّضْ بَصَرك عن الدنيا، وألْه قلبك عنها؛ وإيّاك أن تُهلِكَك كما أهلكتْ مَن كان قبلك، فقد رأيتَ مصارعَهم (١). (٣: ٤٣٤).
ذكر غزوة فِحْل وفتح دمشق
٩٠ / أ- حدّثني عمر عن عليّ بن محمد بإسناده، عن النّفر الذين ذكرت
стр. 916
روايتَهم عنهم في أول ذكري أمرَ أبي بكر: أنَّهم قالوا: قدِم بوفاة أبي بكر إلى الشأم شدّاد بن أوْس بن ثابت الأنصاريّ ومَحْمِيَة بن جَزْء، ويَرْفأ، فكتموا الخبرَ الناس حتى ظفر المسلمون -وكانوا بالياقوصة يقاتلون عدوَّهم من الروم؛ وذلك في رجب- فأخبروا أبا عبيدة بوفاة أبي بكر وولايته حَرْب الشأم، وضمّ عمر إليه الأمراءَ، وعزلِ خالد بن الوليد (١). (٣: ٤٣٤).
٩١ - فحدّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلَمة عن ابن إسحاق، قال: لما فرغ المسلمون من أجنَادين ساروا إلى فِحْل من أرض الأردنّ؛ وقد اجتمعت فيها رافضة الروم، والمسلمون على أمرائهم وخالد على مقدّمة الناس. فلمَّا نزلت الروم بيسان بثقوا أنهارها؛ وهي أرض سَبْخة، فكانت وحلًا، ونزلوا فِحْلًا -وبيسانُ بين فلسطين وبين الأردن- فلما غشيَها المسلمون ولم يعلموا بما صنعت الرومِ، وحلت خيولُهم، ولقوا فيها عَناءً، ثم سلَّمهم الله -وسميت بَيسان ذات الرَّدغَة لما لقي المسلمون فيها- ثم نهضوا إلى الروم وهم بفِحْل؛ فاقتتلوا فهُزمت الروم، ودخل المسلمون فِحْلًا ولحقت رافضة الروم بدمشق؛ فكانت فِحْل في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة، على ستّة أشهر من خلافة عمر. وأقام تلك الحجَّة للناس عبد الرحمن بن عوف. ثم ساروا إلى دمشق وخالد على مقدّمة الناس؛ وقد اجتمعت الروم إلى رجل منهم يقال له: باهان بدمشق -وقد كان عمر عزلَ خالدَ بن الوليد واستعمل أبا عبيدة على جميع الناس- فالتقى المسلمون والروم فيما حول دمشق، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، ثم هزم الله الرّومَ، وأصاب منهم المسلمون، ودخلت الروم دمشق؛ فغلَّقوا أبوابَها وجَثم المسلمون عليها فرابطوها حتى فُتحت دمشق، وأعطوا الجزية، وقد قدم الكتاب على أبي عبيدة بإمارته وعزل خالد، فاستحيا أبو عبيدة أن يقرئ خالدًا الكتاب حتى فتحت دمشق، وجرى الصُّلْح على يدي خالد، وكتب الكتاب باسمه. فلما صالحت دمشق لحِق باهان -صاحب الروم الّذي قاتل المسلمين- بهرقل. وكان فتح دمشق
стр. 917
في سنة أربع عشرة في رجب، وأظهر أبو عبيدة إمارتَه وعَزْلَ خالد؛ وقد كان المسلمون التقوْا هم والرّوم ببلد يقال له: عين فِحْل بين فلسطين والأردنّ، فاقتتلوا به قتالًا شديدًا، ثمّ لحقت الروم بدمشق (١). (٣: ٤٣٤/ ٤٣٥).
стр. 918
خبر دمشق من رواية سيف:
٩٢ - كتب إليَّ السّريُّ عن شُعيب، عن سيف، عن أبي عثمان، عن خالد وعبادة؛ قالا: لما هزم الله جُنْد اليَرْموك، وتهافت أهلُ الواقوصة، وفُرغ من المقاسم والأنفال، وبُعِث بالأخماس، وسُرّحت الوفود، استخلف أبو عبيدة على اليَرموك بشير بن كعب بن أبَى الحِمْيَريّ كَيلا يُغتال بردّةٍ؛ ولا تقطع الرُّوم على موادّه، وخرج أبو عبيدة حتى ينزل بالصُّفَّر؛ وهو يريد اتباع الفالة؛ ولا يدري يجتمعون أو يفترقون؛ فأتاه الخبر بأنَّهم أرَزوا إلى فِحْل، وأتاه الخبر بأن المدد قد أتى أهل دمشق من حِمص، فهو لا يدري أبدمشق يبدأ أم بفِحْل من بلاد الأردنّ. فكتب في ذلك إلى عمر، وانتظر الجواب، وأقام بالصّفَّر، فلمَّا جاء عمرَ فتحُ اليرموك أقرّ الأمراء على ما كان استعملهم عليه أبو بكر إلّا ما كان من عمرو بن العاص وخالد بن الوليد، فإنه ضمّ خالدًا إلى أبي عبيدة، وأمر عمرًا بمعونة الناس؛ حتى يصير الحرب إلى فِلَسطين، ثم يتولَّى حربَها. (٣: ٤٣٦).
٩٢ / أ- رجع الحديث إلى حديث سيف عن أبي عثمان، عن خالد وعبادة، قالا: ولمَّا جاء عمرَ الكتاب عن أبي عُبيدة بالذي ينبغي أن يبدأ به كتب إليه: أمَّا بعد؛ فابدؤوا بدمشق، فانْهَدوا لها، فإنَّها حِصن الشأم وبيت مملكتهم، واشغلوا عنكم أهلَ فِحْل بخيل تكون بإزائهم في نحورهم وأهلَ فلسطين وأهل حِمْص؛ فإن فتحها الله قبل دمشق فذَاك الَّذي نحبّ، وإن تأخَّر فتحُها حتى يفتح الله دمشق فلينزل بدمشق مَن يمسك بها، ودعوها، وانطلق أنت وسائر الأمراء حتى تُغيروا على فِحْل، فإن فتح الله عليكم؛ فانصرف أنت وخالد إلى حِمْص، ودَعْ شُرَحْبيل وعمرًا وأخلِهما بالأردنّ وفلسطين، وأميرُ كلّ بلد وجُنْد على الناس حتى يخرجوا من إمارته. فسرّح أبو عبيدة إلى فِحْل عشرة قُوّاد: أبا الأعور السُّلَميّ، وعبدَ عمرو بن يزيد بن عامر الجُرَشيّ، وعامرَ بن حَثْمة، وعمرو بن كُليب من يَحْصُب، وعُمَارة بن الصَّعِق بن كعب، وصَيفيَّ بن عُلْبة بن شامل، وعمرَو بن
стр. 919
الحبيب بن عمرو، ولبدة بن عامر بن خَثْعمة، وبِشْرَ بن عصْمة، وعُمارة بن مُخش قائد الناس؛ ومع كلّ رجل خمسة قوّاد؛ وكانت الرؤساء تكون من الصحابة حتى لا يجدوا مَن يحتمل ذلك منهم، فساروا من الصُّفَّر حتَّى نزلوا قريبًا من فِحْل، فلمَّا رأت الرُّوم: أنّ الجنود تريدهم، بثقُوا المياه حوْلَ فِحْل، فأردِغتْ الأرض، ثم وحلَت، واغتمّ المسلمون من ذلك، فحبسوا عن المسلمين بها ثمانين ألف فارس. وكان أوّلَ محصور بالشأم أهل فِحْل، ثم أهل دمشق. وبعث أبو عبيدة ذا الكَلاع حتَّى كان بين دمشق وحِمْص ردءًا. وبعث عَلْقمة بن حكيم ومَسْروقًا فكانا بين دمشق وفلَسطين، والأمير يزيد. ففصَل، وفصَل بأبي عبيدة من المرْج؛ وقدّم خالد بن الوليد، وعلى مجنّبَتيه عمرو وأبو عبيدة وعلى الخيل عياض، وعلى الرَّجْل شُرَحبيل، فقدِموا على دمشق، وعليهم نسطاس بن نُسْطُورس؛ فحصَروا أهلَ دمشق، ونزلوا حواليها، فكان أبو عبيدة على ناحية، وعمرو على ناحية، ويزيد على ناحية، وهِرَقل يومئذ بحِمْص، ومدينة حِمْص بينه وبينهم. فحاصروا أهلَ دمشق نحوًا من سبعين ليلة حِصارًا شديدًا بالزُّحوف والتَّرامِي والمجانيق؛ وهم معتصمون بالمدينة يرجون الغِياث، وهِرَقل منهم قريب وقد استمدّوه. وذو الكَلاع بين المسلمين وبين حِمْص على رأس ليلة من دمشق؛ كأنه يريد حِمْص، وجاءت خيولُ هِرقل مغيثةً لأهل دمشق، فأشجتْها الخيول الَّتي مع ذي الكَلاع، وشغلتها عن النَّاس، فأرَزوا، ونزَلوا بإزائه، وأهلُ دمشق على حالهم.
فلمَّا أيقن أهلُ دمشق: أن الأمداد لا تصلُ إليهم فشلوا ووَهنوا وأبلسوا وازداد المسلمون طمعًا فيهم؛ وقد كانوا يروْن أنَّها كالغارات قبل ذلك، إذا هجم البرد قفَل الناس، فسقط النَّجم والقوم مقيمون، فعند ذلك انقطع رجاؤهم، وندِموا على دخول دمشق، ووُلد للبِطريق الَّذي دخل على أهل دمشق مولودٌ؛ فصنع عليه، فأكل القوم وشربوا، وغفلوا عن مواقفهم، ولا يشعر بذلك أحدٌ من المسلمين إلا ما كان من خالد، فإنه كان لا ينام ولا يُنيم، ولا يخفى عليه من أمورهم شيء؛ عيونُه ذاكية وهو معنيٌّ بما يليه، قد اتَّخذ حبالًا كهيئة السلاليم وأوْهاقًا، فلمَّا أمسى من ذلك اليوم نَهَد ومَنْ معه من جنده الذين قدم بهم عليهم، وتقدّمهم هو والقعقاع بن عمرو، ومذعور بن عديّ، وأمثاله من
стр. 920
أصحابه في أول يومه، وقالوا: إذا سمعتم تكبيرَنا على السّور فارقَوْا إلينا، وانْهدوا للباب. فلما انتهى إلى الباب الذي يَليه هو وأصحابه المتقدّمون رَمَوْا بالحبال الشُّرَف وعلى ظهورهم القِرَب التي قطعوا بها خندقهم. فلمَّا ثبت لهم وَهَقان تسلَّق فيهما القعقاع ومذعور، ثم لم يدعا أحبولةً إلّا أثبتاها -والأوْهاق بالشُرَف- وكان المكان الذي اقتحموا منه أحصن مكان يحيط بدمشق، أكثرَه ماءً، وأشدّه مدخلًا، وتوافوا لذلك، فلم يبقَ ممّن دخل معه أحدٌ إلا رقى أو دنا من الباب؛ حتى إذا استَووْا على السُّور حَدَر عامَّة أصحابه، وانحدَر معهم؛ وخلَّف مَنْ يحمي ذلك المكان لمن يرتقي، وأمرهم بالتَّكبير، فكبَّر الذين على رأس السور، فنهَد المسلمون إلى الباب، ومال إلى الحِبال بشَرٌ كثير، فوثَبُوا فيها، وانتهى خالد إلى أوّل مَن يليه فأنامهم، وانحدر إلِي الباب، فقتل البوّابين، وثار أهلُ المدينة، وفرخ سائر الناس؛ فأخذوا مواقفهم، ولا يدرون ما الشأن! وتشاغل أهلُ كلّ ناحية بما يليهم، وقطع خالد بن الوليد ومن معه أغلاق الباب بالسيوف، وفتحوا للمسلمين، فأقبلوا عليهم مِن داخل، حتَّى ما بقيَ ممَّا يلي باب خالد مقاتل إلا أنيم. ولما شدّ خالد على من يليه؛ وبلغ منهم الذي أراد عَنْوة أرَزَ من أفلت إلى أهل الأبواب التي تَلِي غيرَه؛ وقد كان المسلمون دَعَوْهم إلى المشاطرة فأبوا وأبعدوا، فلم يفجأهم إلّا وهم يَبُوحون لهم بالصُّلح، فأجابوهم وقبلوا منهم، وفتحوا لهم الأبواب، وقالوا: ادخلوا وامنعونَا من أهلِ ذلك الباب. فدخل أهلُ كلّ باب بصلح ممَّا يليهم، ودخل خالد مما يليه عَنْوة، فالتقى خالد والقوّاد في وسطها؛ هذا استعراضًا وانتهابًا، وهذا صلحًا وتسكينًا؛ فأجْرَوا ناحيةَ خالد مُجْرَى الصّلح، فصار صلْحًا، وكان صلح دمشق على المقاسمة، الدينار والعقار، ودينارٌ عن كل رأس، فاقتسموا الأسلاب؛ فكان أصحاب خالد فيها كأصحاب سائر القوّاد، وجَرَى على الديار ومَنْ بقي في الصّلح جَريب من كلّ جَريب أرض؛ ووَقف ما كان للملوك ومَن صوّب معهم فَيئًا، وقسموا لذي الكَلاع ومَن معه، ولأبي الأعور ومَن معه، ولبشير ومَن معه، وبعثوا بالبِشارة إلى عمر، وقدم على أبي عبيدة كتاب عمر؛ بأن اصرِف جند العراق إلى العراق، وأمرهم بالحثّ إلى سعد بن مالك، فأمَّر على جُند العراق هاشم بن عُتْبة، وعلى مقدّمته القعقاع بن عمرو، وعلى مجنَّبَتيه عمرو بن مالك الزُّهري ورِبْعيّ بن عامر، وضربوا بعد دمشق نحو سعد، فخرج
стр. 921
هاشم نحو العراق في جُنْد العراق؛ وخرج القوّاد نحو فِحْل وأصحاب هاشم عشرة آلاف إلّا من أصيب منهم، فأتمّوهم بأناس ممّن لم يكن منهم؛ ومنهم قيس والأشتر، وخرج علقمة ومسروق إلى إيلياءَ، فنزلا على طريقها، وبقي بدمشق مع يزيد بن أبي سفيان من قوّاد أهلِ اليمن عددٌ؛ منهم عمرو بن شِمْر بن غزيَّة، وسَهْم بن المسافر بن هَزْمة، ومشافع بن عبد الله بن شافع. وبعث يزيد دحْية بن خليفة الكلبيّ في خيل بعد ما فتح دمشق إلى تَدْمُر، وأبا الزهراء القُشَيريّ إِلى البَثَنِيَّة، وحَوْران، فصالحوهما على صلح دمشق، ووليَا القيام على فتْح ما بُعثا إليه (١). (٣: ٤٣٧/ ٤٣٦ / ٤٣٨/ ٤٣٩ / ٤٤٠).
ذكر أمر فحل من رواية سيف:
قال أبو جعفر: ونذكر الآن أمر فحل إذ كان في الخبر الذي فيه من الاختلاف ما ذكرت من فتوح جند الشام والأمور التي تستنكر وقوع مثل هذا الاختلاف الذي ذكرته في وقته لقرب بعض ذلك من بعض.
стр. 925
٩٣ - فأما ما قال ابنُ إسحاق من ذلك وقصّ من قصّته، فقد تقدّم ذكرِيه قبل. وأمَّا السَّرِيّ فإنَّه فيما كتب به إليّ، عن شُعيب، عن سيف، عن أبي عثمان يزيد بن أسيِد الغسَّانيّ وأبي حارثة العبشمي، قالا: خلَّف النَّاسُ بعد فتح دمشق يزيدَ بن أبي سفيان في خَيله في دِمشق، وساروا نحو فِحْل، وعلى الناس شُرَحبيل بن حَسَنة، فبعث خالدًا على المقدّمة وأبا عبيدة وعمرًا على مجنَّبتيه، وعلى الخيل ضِرار بن الأزْور، وعلى الرَّجْل عياض، وكرهوا أن يصمُدوا لهرقل، وخَلْفهم ثمانون ألفًا، وعلِموا: أنّ مَنْ بإزاء فِحْل جُنَّة الرّوم وإليهم ينظرون، وأن الشام بعدهم سِلْم. فلما انتهوْا إلى أبي الأعور، قدّموه إلى طَبَرِيَّة، فحاصرهم ونزلوا على فِحْل من الأردن، -وقد كان أهل فِحْل حين نزل بهم أبو الأعور تركوه وأرَزُوا إلى بَيسان- فنزل شُرَحبيل بالناس فِحْلًا، والروم بَيسان، وبينهم وبين المسلمين تلك المياه والأوحال، وكتبوا إلى عمر بالخبر، وهم يحدّثون أنفسهم بالمقام، ولا يريدون أن يَرِيموا فِحْلًا حتَّى يرجع جواب كتابهم من عند عمر، ولا يستطيعون الإقدام على عدوِّهم في مكانهم لما دونهم من الأوحال؛ وكانت العرب تسمّي تلك الغزاة فِحْلًا وذاتَ الرَّدَغة وبَيسان، وأصاب المسلمون من ريف الأردنّ أفضلَ ممَّا فيه المشركون؛ مادّتهم متواصِلة، وخصبهم رَغْد؛ فاغترّهم القوم، وعلى القوم سَقَلِاّر بن مِخْراق؛ ورجوا أن يكونوا على غِرَّة، فأتوْهم والمسلمون لا يأمنون مجيئهم، فهم على حَذر. وكان شُرَحبيل لا يبيت ولا يصبح إلّا على تعبية، فلمَّا هجموا على المسلمين غافصوهم، فلم يناظروهم، واقتتلوا بفِحْل كأشدّ قِتال اقتتلوه قطّ ليلتَهم ويومَهم إلى الليل، فأظلم الليلُ عليهم وقد حاروا، فانهزموا وهم حيارَى، وقد أصيب رئيسهم سَقَلّار بن مخراق؛ والذي يلِيه فيهم نسطورس، وظفِر المسلمون أحسنَ ظفر وأهنأه، وركبوهم وهم يَرْون أنهم على قَصْد وجدَد، فوجدوهم حيارَى لا يعرفون مأخذهم، فأسلمتهم هزيمتُهم وحَيرتهم إلى الوَحَل، فركبوه، ولحق أوائل المسلمين بهم؛ وقد وحِلوا فركبوهم؛ وما يمنعون يد لامس؛ فوخَزُوهم بالرّماح، فكانت الهزيمة في فِحْل؛ وكان مقتلهم في الرّداغ، فأصيب الثمانون ألفًا، لم يُفلِت منهم إلّا الشريد؛ وكان الله يصنع للمسلمين وهم كارهون، كرهوا البُثوق فكانت عونًا لهم على عدوّهم، وأناةً من الله ليزدادوا بصيرة وجِدًّا،
стр. 926
واقتسموا ما أفاء الله عليهم، وانصرف أبو عبيدة بخالد من فِحْل إلى حِمْص، وصرفوا سُمَيْر بن كعب معهم، ومضَوْا بذي الكَلاع ومَن معه، وخلّفوا شُرَحبيل ومن معه (١). (٣: ٤٤٢/ ٤٤٣).
ذكر بَيْسان
٩٣ / أ- ولمَّا فرغ شُرَحبيل من وقعة فِحْل؛ نَهَد في النَّاس ومعه عمرو إلى أهل بَيسَان، فنزلوا عليهم، وأبو الأعور والقوّاد معه على طَبريَّة، وقد بلغ أفناءَ أهل الأردنّ ما لقيت دمشق، وما لقي سقلّار والرّوم بفِحْل وفي الردَغة، ومسيرُ شرحبيل إليهم، ومعه عمرو بن العاص والحارث بن هشام وسُهيل بن عمرو،
стр. 927
يريد بيسان؛ وتحصّنُوا بكلّ مكان، فسار شُرَحبيل بالنَّاس إلى أهلِ بَيسان، فحصروهم أيامًا، ثم إنَّهم خرجُوا عليهم فقاتلوهم، فأناموا مَن خرج إليهم، وصالحوا بقيَّة أهلها، فقبِل ذلك على صلْح دمشق. (٣: ٤٤٣).
طبَريَّة
٩٣ / ب- وبلغ أهلَ طَبرِيَّة الخبر، فصالحوا أبا الأعور، على أن يبلغهم شُرَحبيل، ففعل؛ فصالحوهم وأهل بَيسان على صلح دمشق؛ على أن يشاطروا المسلمين المنازلَ في المدائن، وما أحاط بها ممَّا يصلُها، فيدَعون لهم نصفًا، ويجتمعون في النِّصف الآخر، وعن كلّ رأس دينار كلَّ سنة، وعن كلّ جريب أرض جَريب بُرّ أو شعير؛ أيّ ذلك حُرِث، وأشياء في ذلك صالحوها عليه، ونزلت القوّاد وخيولُهم فيها، وتمّ صلح الأردنّ، وتفرّقت الأمداد في مدائن الأردنّ وقراها، وكُتب إلى عمر بالفتح (١). (٣: ٤٤٤).
ذكر خبر المثنى بن حارثة وأبي عبيد بن مسعود
٩٤ - قال أبو جعفر: وقد مضى ذكري ما رُوي عن سيف، عَمَّن رَوى عنه؛ أنّ وقعة اليرموك كانتْ في سنة ثلاث عشرة؛ وأنَّ المسلمين وَرَد عليهم البريد بوفاة أبي بكر باليَرْموك، في اليوم الذي هُزِمت الروم في آخره، وأنّ عمر أمرهم بعد فراغهم من اليَرْموك بالمسير إلى دمشق، وزعم أنّ فِحْلًا كانت بعد دمشق؛ وأنّ
стр. 931
حروبًا بعد ذلك كانت بين المسلمين والرُّوم سوى ذلك، قبل شخوص هِرَقل إلى قسطنطينية، سأذكرها إن شاء الله في مواضعها.
وفي هذه السنة -أعنِي سنة ثلاث عشرة- وجَّه عمر بن الخطاب أبا عُبيد بن مسعود الثقفيّ نحو العراق. وفيها استُشهد في قول الواقديّ.
وأمَّا ابن إسحاق؛ فإنه قال: كان يوم الجِسْر، جِسْرِ أبي عُبيد بن مسعود الثَقَفيّ في سنة أربع عشرة (١). (٣: ٤٤١/ ٤٤٢).
٩٥ - كتب إليّ السريّ بن يحيى عن شعيب بن إبراهيم، عن سيف بن عمر، عن سهل، عن القاسم ومُبشِّر، عن سالم، قال: كان أوّلَ بعث بعثه عمر بعثُ أبي عبيد، ثم بعث يعلَى بن أميَّة إلى اليمن وأمَره بإجلاء أهل نجْران، لوصيَّة رسولِ الله ﷺ في مرضه بذلك، ولوصيَّة أبي بكر ﵀ بذلك في مرضِه، وقال: ائْتِهِم ولا تفتنْهم عن دينهم، ثمّ أجْلهم، مَن أقام منهم على دينه، وأقرر المسلم، وامْسح أرض كلّ مَنْ تُجْلِي منهم، ثمّ خيّرهم البلدان، وأعْلِمهم أنَّا نُجليهم بأمر الله ورسوله؛ ألّا يُتْرك بجزيرة العرب دينان؛ فلْيخرجوا؛ مَن أقام على دينه منهم؛ ثم نعطيهم أرضًا كأرضهم، إقرارًا لهم بالحقّ على أنفسنا، ووفاء بذمَّتهم فيما أمر الله من ذلك بدلًا بينهم وبين جيرانهم من أهل اليمن وغيرهم فيما صار لجيرانهم بالرّيف (٢). (٣: ٤٤٦).
خبر النّمارق
٩٦ - كتب إليّ السريّ بن يحيى عن شعيب، عن سيف، عن سهل ومبشّر بإسنادهما، ومُجالدٍ عن الشعبيّ، قالوا: فخرج أبو عُبيد ومعه سعد بن عبيد، وسَلِيط بن قيس؛ أخو بني عديّ بن النجار، والمثنَّى بن حارثة أخو بني شيبان، ثم أحد بني هند (٣). (٣: ٤٤٦).
стр. 932
٩٧ - كتب إليّ السريّ بن يحيى عن شعيب، عن سيف، عن الصلت بن بهرام، عن أبي عمران الجُعْفيّ، قال: ولَّت حربَها فارس رُستَمَ عشر سنين، وملَّكوه، وكان منجّمًا عالمًا بالنجوم، فقال له قائل: ما دعاك إلى هذا الأمر وأنت ترى ما ترى! قال: الطَّمَع وحبّ الشَّرَف. فكاتب أهل السَّواد، ودسّ إليهم الرؤساء، فثاروا بالمسلمين؛ وقد كان عهد إلى القوم: أنّ الأمير عليكم أوّل مَنْ ثار، فثار جابان في فُرات بَادَقْلَى، وثار الناس بعده، وأرَز المسلمون إلى المثنَّى بالحيرة، فصمد لِخَفَّان، ونزل خَفَّان حتى قدم عليه أبو عبيد وهو الأمير على المثنَّى وغيره، ونزل جابان النَّمارق، فسار إليه أبو عبيد من خَفَّان، فالتقوْا بالنّمارق؛ فهزم الله أهلَ فارس، وأصابوا منهم ما شاؤوا وبَصُر مَطَر بن فضّة -وكان ينسب إلى أمّه- وأبَيٌّ برجل عليه حَليٌ؛ فشدّا عليه فأخذاه أسيرًا، فوجداه شيخًا كبيرًا فزهد فيه أبيّ ورغب مَطرَ في فدائه، فاصطلحا على أنّ سلبه لأبيّ، وأن إساره لمَطر، فلما خَلص مطر به، قال: إنَّكم معاشر العرب أهل وفاء، فهل لك أن تؤمّني وأعطيَك غلامَين أمردين خفيفين في عملك وكذا وكذا! قال: نعم، قال: فأدخِلْني على مَلِككم؛ حتى يكون ذلك بمشهد منه، ففعل فأدخله على أبي عبيد، فتمَّ له على ذلك؛ فأجاز أبو عبيد، فقام أبيّ وأنَاس من ربيعة؛ فأما أبيّ فقال: أسرتُه أنا وهو على غير أمان؛ وأمَّا الآخرون فعرفوه، وقالوا: هذا الملك جابان؛ وهو الذي لقينا بهذا الجمع، فقال: ما تروْني فاعلًا معاشر ربيعة؟ أيؤمِّنه صاحبكم وأقتله أنا! معاذ الله من ذلك! وقسَّم أبو عبيد الغنائم، وكان فيها عِطْر كثير ونَفَل، وبعث بالأخماس مع القاسم (١). (٣: ٤٤٩/ ٤٥٠).
السَّقاطية بكَسْكر
٩٨ - كتب إليّ السريّ بن يحيى عن شعيب بن إبراهيم، عن سيف بن عمر، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: وقال أبو عبيد حين انهزموا وأخذوا نحو كَسْكَر ليلجؤوا إلى نَرْسِي -وكان نَرْسِي ابن خالة كسرى؛ وكانت كسكر قطيعة له، وكان النِّرْسِيان له، يحميه لا يأكله بشرٌ، ولا يغرسه غيرهم أو ملك فارس إلّا مَنْ
стр. 933
أكرموه بشيء منه، وكان ذلك مذكورًا من فِعْلهم في النَّاس، وأنّ ثَمرهم هذا حِمىً، فقال له رستم وبوران: اشخص إلى قطيعتك فاحمها من عدوّك وكن رجلًا، فلمَّا انهزم الناس يوم النَّمارق، ووجَّهت الفالَّة نحو نَرْسي -ونَرْسي في عسكره- نادى أبو عبيد بالرّحيل، وقال للمجرّدة: اتبعوهم حتى تُدخِلوهم عسكر نَرْسِي، أو تبيدوهم فيما بين النَّمارق إلى بارق إلى دُرْنا. وقال عاصم بن عمرو في ذلك:
لَعَمْرِي وما عمري عَلَيَّ بِهَيِّنٍ ... لَقَدْ صُبِّحَتْ بِالخِزْي أهلُ النَّمارِقِ
بأيدِي رِجالٍ هاجروا نحو ربِّهمْ ... يجوسونهم ما بين دُرْنا وبارِقِ
قتلناهُم ما بين مَرْجٍ مُسَلّح ... وبين الهَوافِي من طريق البَذارِقِ
ومضى أبو عُبَيد حين ارتحلَ من النَّمارق حتى ينزل على نَرْسي بكَسْكر -ونَرْسِي يومئذ بأسفل كَسْكر- والمثنَّى في تعبيته الّتي قاتل فيها جابان، ونَرْسي على مجنَّبتيه ابنا خاله -وهما ابنا خال كسرى بِندَوَيه وتِيرَويه ابنا بسْطام- وأهل بارُوسْما ونهر جَوْبَر والزّوابي معه إلى جنده، وقد أتى الخبر بُوران ورستمَ بهزيمة جابان، فبعثوا إلى الجالِنُوس، وبلغ ذلك نَرْسِي وأهل كَسْكَر وبارُوسْما ونهر جَوْبَر والزّاب، فرجوا أن يلحق قبل الوقعة، وعاجَلَهم أبو عُبيد فالتقوْا أسفل من كَسْكر بمكان يدعى السَّقاطية فاقتتلوا في صحارى مُلْس قتالًا شديدًا، ثمّ إنّ الله هزم فارس، وهرب نَرْسِي، وغُلِب على عسكره وأرضه، وأخرب أبو عبيد ما كان حول معسكرهم من كسكر، وجمع الغنائم، فرأى من الأطعمة شيئًا عظيمًا، فبعث فيمَن يليه من العرب فانتفلوا ما شاؤوا، وأخذت خزائن نَرْسِي؛ فلم يكونوا بشيء ممَّا خزن أفرح منهم بالنّرسِيان؛ لأنّه كان يحميه ويمالئه عليه ملوكهم؛ فاقتسموه فجعلوا يُطعمونه الفلاحين؛ وبعثوا بخُمسه إلى عمر، وكتبوا إليه: إنّ الله أطعمنا مطاعم كانت الأكاسرة يحمونها، وأحببنا أن تروها، ولتذكروا إنعام الله وإفضاله.
وأقام أبو عبيد وسرّح المثنَّى إلى بارُوسما، وبث والقًا إلى الزَّوابي وعاصِمًا إلى نهر جَوْبر؛ فهزموا مَن كان تجمّع وأخربوا وسبوْا، وكان ممَّا أخرب المثنَّى وسَبى أهل زَنْدَوَرْد وبسوسيا، وكان أبو زَعْبل من سَبْي زَنْدوَرْد؛ وهرب ذلك الجند إلى الجالِنوس، فكان ممَّن أسر عاصم أهل بيتيق من نهر جوبر، وممَّن
стр. 934
أسر والق أبو الصَّلْت، وخرج فرُّوخ وفَرْوَنداذ إلى المثنَّى، يطلبان الجزاء والذّمة، دفعًا عن أرضهم، فأبلغهما أبا عبيد: أحدهما بارُوسْما والآخر نهر جوبر، فأعطياه عن كلّ رأس أربعة، فرّوخ عن باروسما وفرونداذ عن نهر جَوْبر، ومثل ذلك الزّوابي وكَسْكر، وضمّنا لهم الرّجال عن التعجيل، ففعلوا وصاروا صُلْحًا، وجاء فرُّوخ وفرونداذ إلى أبي عُبيد بآنية فيها أنواع أطعمة فارس من الألوان والأخبصة وغيرها؛ فقالوا: هذه كرامة أكرمناك بها، وقِرّى لك. قال: أأكرمتم الجند وقريتمُوهم مثله؟ قالوا: لم يتيسَّر ونحن فاعلون؛ وإنما يتربَّصون بهم قدوم الجالِنُوس وما يصنع، فقال أبو عُبيد: فلا حاجة لنا فيما لا يسع الجند، فردّه، وخرج أبو عُبيد حتى ينزل ببارُوسما فبلغه مسير الجالِنوس (١). (٣: ٤٥٠/ ٤٥١ / ٤٥٢).
٩٩ - كتب إليّ السريّ، عن شُعيب، عن سيف، عن النضر بن السريّ الضّبيّ، قال: فأتاه الأنْدَرْزَغَر بن الخركبذ بمثل ما جاء به فرُّوخ وفرونداذ. فقال لهم: أأكرمتُم الجند بمثلِه وقريتموهم؟ قالوا: لا، فردّه، وقال: لا حاجة لنا فيه؛ بئس المرءُ أبو عبيد؛ إن صحب قومًا من بلادهم أهراقوا دماءَهم دُونه، أو لم يُهريقوا فاستأثر عليهم بشيء يصيبه! لا والله لا يأكل ممَّا أفاء الله عليهم إلا مثْل ما يأكل أوساطهم (٢)! (٣: ٤٣٢).
١٠٠ - قال أبو جعفر: وقد حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة عن ابن إسحاق بنحو من حديث سيف هذا عن رجاله في توجِيه عمر المثنَّى وأبا عبيد بن مسعود إلى العراق في حرب مَن بها من الكُفَّار وحروبهم، ومن حاربهم بها؛ غير أنه قال: لما هُزِم جالنوس وأصحابه، ودخل أبو عبيد باروسما، نزل هو وأصحابه قريةً من قراها؛ فاشتملت عليهم، فصُنع لأبي عبيد طعامٌ فأتِيَ به؛ فلمَّا رآه قال: ما أنا بالذي آكل هذا دون المسلمين! فقالوا له: كُلْ فإنَّه ليس من أصحابك أحدٌ إلا وهو يؤتَى في منزله بمثل هذا أو أفضل؛ فأكل، فلمَّا رجعوا إليه سألهم عن طعامهم، فأخبروه بما جاءهم من الطعام (٣). (٣: ٤٥٢).
стр. 935
١٠١ - كتب إليّ السريّ بن يحيى عن شعيب بن إبراهيم، عن سيف بن عمر، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: وقد كان جابان ونَرْسِي استمدّا بوران، فأمدتهما بالجالنوس في جُنْدجابان، وأمِر أن يبدأ بنَرْسي؛ ثم يقاتل أبا عُبيد بعد، فبادره أبو عُبيد، فنهض في جنده قبل أن يدنُوَ، فلمَّا دنا استقبله أبو عبيد، فنزل الجالِنُوس بباقُسياثا من بارُوسما، فنَهد إليه أبو عُبيد في المسلمين؛ وهو على تعبيته؛ فالتقوْا على باقُسياثا، فهزمهم المسلمون وهرب الجالنوس، وأقام أبو عُبيد، قد غلَب على تلك البلاد (١). (٣: ٤٥٢/ ٤٥٣).
١٠٢ - كتب إليّ السريّ بن يحيى عن شعيب، عن سيف، عن النَّضرْ بن السريّ، والمجالد بنحو من وقعة باقُسياثا (٢). (٣: ٤٥٣).
وقعة القَرْقس
١٠٣ - ويقال لها: القُسّ قَسّ النَّاطِف، ويقال لها: الجِسر، ويقال لها: المَرْوحَة.
قال أبو جعفر الطبريّ ﵀: كتب إليّ السريّ بن يحيى عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: ولمَّا رجع الجالنوس إلى رستمَ ومَن أفلت من جنوده، قال، رستم: أيُّ المعجم أشدّ على العرب فيما ترون؟ قالوا: بَهْمَن جاذويه؛ فوجهه ومعه فيَلة ورذ الجالِنوس معه، وقال له: قدّم الجالنوس، فإن عاد لمثلها فاضرب عنقه، فأقبل بهمن جاذويه ومعه "دِرَفْش كابيان" راية كَسرى -وكانت من جلود النَّمِر، عرض ثمانية أذرع في طول اثني عشر ذراعًا- وأقبل أبو عبيد، فنزل المرْوحة، موضع البُرْج والعاقول، فبعث إليه بهمن جاذويه: إمّا أن تعبروا إلينا ونَدَعكم والعبور وإمّا أن تَدَعونا نعبر إليكم! فقال الناس: لا تعبر يا أبا عُبيد، ننهاك عن العبور! وقالوا له: قل لهم: فليعبروا -وكان من أشدّ الناس اصَعيه في ذلك سَلِيط- فلجّ أبو عبيد، تركَ الرّأي، وقال: لا يكونون أجرأ على الموت منَّا؛ بل نعبُر إليهم، فعبروا إليهم وهم في منزل
стр. 936
ضيّق المطّرد والمذهب، فاقتتلوا يومًا -وأبو عبيد فيما بين الستّة والعشرة- حتى إذا كان من آخر النهار، واستبطأ رجلٌ من ثَقِيف الفتح، ألّف بين الناس، فتصافحوا بالسيوف وضرب أبو عبيد الفيل، وخبط الفيلُ أبا عبيد، وقد أسرعت السيوف في أهلِ فارس، وأصيب منهم ستة آلاف في المعركة، ولم يبقَ ولم يُنتظر إلا الهزيمة، فلما خُبِط أبو عبيد، وقام عليه الفيل جال المسلمون جولَة، ثم تمّوا عليها، وركبهم أهلُ فارس، فبادر رجل من ثَقِيف إلى الجسر فقطعه، فانتهى النَّاس إليه والسيوف تأخذهم من خَلْفهم، فتهافتوا في الفرات، فأصابوا يومئذ من المسلمين أربعة آلاف، من بين غريق وقتيل، وحمى المثنَّى الناس وعاصمٌ والكلَج الضّبِّي ومذعور، حتى عقدوا الجسر وعبّروهم ثم عبروا في آثارهم، فأقاموا بالمروحة والمثنّى جَرِيح، والكلَج ومذعور وعاصم -وكانوا حماة الناس- مع المثنَّى، وهرب من الناس بشرٌ كثير على وجوههم؛ وافتضحوا في أنفسهم، واستحيَوْا ممَّا نزل بهم، [وبلغ ذلك] عمر عن بعض مَنْ أوى إلى المدينة فقال: عبادَ الله! اللهمّ إنّ كلّ مسلم في حلٍّ منِّي، أنا فئة كلّ مسلم، يرحم الله أبا عُبيد! لو كان عَبَر فاعتصم بالخَيف، أو تحيّزَ إلينا ولم يستقتِل لكنّا له فئة!
وبينا أهلُ فارس يحاولون العبور أتاهم الخبر أن النَّاس بالمدائن قد ثاروا برستمَ، ونقضوا الذي بينهم وبينه فصاروا فرقتين: الفَهْلوج على رستم، وأهل فارس على الفَيرُزان؛ وكان بين وقعة اليَرْموك والجِسر أربعون ليلة، وكان الذي جاء بالخبر عن اليَرْموك جرير بن عبد الله الحميريّ؛ والذي جاء بالخبر عن الجسر عبد الله بن زيد الأنصاريّ -وليس بالَّذي رأى الرؤيا- فانتهى إلى عمر وعمر على المنبر. فنادى عمر: الخبر يا عبد الله بن زيد! قال: أتاك الخبر اليقين؛ ثم صعد إليه المنبر فأسرّ ذلك إليه.
وكانت اليرموك في أيام من جمادى الآخرة، والجسر في شعبان (١). (٣: ٤٥٤/ ٤٥٥).
١٠٤ - كتب إليّ السريّ بن يحيى عن شعيب، عن سيف، عن المجالد
стр. 937
وسعيد بن المَرْزُبان، قالا: واستعمل رستم على حرب أبي عُبيد بهمن جاذويه؛ وهو ذو الحاجب، وردّ معه الجالنوس ومعه الفيَلة، فيها فيل أبيض عليه النَّخل، وأقبل في الدَّهْم، وقد استقبله أبو عُبيد حتى انتهى إلى بابل؛ فلمَّا بلغه انحاز حتى جعل الفرات بينه وبينه؛ فعسكر بالمرْوحَة.
ثم إن أبا عبيد ندم حين نزلوا به وقالوا: إمَّا أن تعبروا إلينا وإمَّا أن نعبر، فحلف ليقطعنّ الفرات إليهم، وليمحّصنّ ما صنع، فناشده سَلِيط بن قيمس ووجوه النَّاس، وقالوا: إنّ العرب لم تلق مثل جنود فارس منذ كانوا، وإنهم قد حفلوا لنا واستقبلونا من الزُّهاء والعُدّة بما لم يلقَنَا به أحد منهم؛ وقد نزلتَ منزلًا لنا فيه مجال وملجأ ومرجع؛ من فَرّة إلى كَرّة. فقال: لا أفعل، جبُنت والله! وكان الرَّسول فيما بين ذي الحاجب وأبي عبيد مردانْشاه الخصيّ؛ فأخبرهم أنّ أهل فارس قد عيَّروهم؛ فازداد أبو عبيد مَحَكًا، وردّ على أصحابه الرأي، وجبّن سَلِيطًا، فقال سليط: أنا والله أجرأ منك نفسًا؛ وقد أشرنا عليك الرأيّ فستعلم! (١). (٣: ٤٥٦/ ٤٥٥).
١٠٥ - كتب إليّ السريّ بن يحيى عن شعيب، عن سيف، عن النَّضْر بن السريّ، عن الأغرّ العِجليّ، قال: أقبل ذو الحاجب حتى وقف على شاطئ الفُرات بقُسّ النَّاطف، وأبو عبيد معسكرٌ على شاطئ الفرات بالمَرْوحة فقال: إما أن تعبُروا إلينا وإما أن نعبُر إليكم. فقال أبو عبيد: بل نعبُر إليكم. فعقد ابن صلوبا الجسر للفريقين جميعًا؛ وقبل ذلك ما قد رأت دَوْمة امرأة أبي عبيد رُؤيا وهي بالمَرْوحة: أن رجلًا نزل من السماء بإناء فيه شراب، فشرب أبو عُبيد وجَبْر في أناس من أهله؛ فأخبرت بها أبا عبيد، فقال: هذه الشهادة، وعهد أبو عبيد إلى الناس، فقال: إن قتِلتُ فعلَى الناس جَبْر، فإن قتل فعليكم فلان، حتى أمَّر الذين شربوا من الإناء على الولاء من كلامه. ثم قال: إن قتل أبو القاسم فعليكم المثنَّى، ثم نَهَد بالناس فعبَر وعبروا إليهم، وعضَّلت الأرض بأهلها، وألحم الناس الحربَ. فلمَّا نظرت الخيول إلى الفيَلة عليها النخل؛ والخيل عليها التَّجَافيف والفرسان عليهم الشُّعُر رأت شيئًا منكرًا لم تكن ترى مثله، فجعل
стр. 938
المسلمون إذا حملوا عليهم لم تقدم خيولهم، وإذا حملوا على المسلمين بالفِيَلة والجلاجل فرّقت بين كراديسهم، لا تقوم لها الخيلُ إلّا على نِفار، وخَزقهم الفُرْس بالنّشّاب، وعضّ المسلمين الألم؛ وجعلوا لا يصلون إليهم، فترجَّل أبو عبيد وترجَّل الناس، ثم مشوا إليهم فصافحوهم بالسيوف؛ فجعلت الفِيَلة لا تحمل على جماعة إلّا دفعتهم، فنادى أبو عبيد: احتوشوا الفيلة، وقطّعوا بُطُنَها واقلبوا عنها أهلها؛ وواثب هو الفيل الأبيض، فتعلَّق بِبطانه فقطعه؛ ووقع الذين عليه، وفعل القوم مثل ذلك؛ فما تركوا فيلًا إلا حطّوا رحله؛ وقتلوا أصحابه، وأهوى الفيل لأبي عُبيد، فنفح مِشْفره بالسيف، فاتَّقاه الفيل بيده؛ وأبو عبيد يتجرثمه؛ فأصابه بيده فوقع فخبطه الفيل، وقام عليه، فلما بصُر الناس بأبي عبيد تحت الفيل، خشعت أنفس بعضهم، وأخذ اللواء الذي كان أمَّره بعده، فقاتل الفيل حتى تنحَّى عن أبي عبيد، فاجترّه إلى المسلمين، وأحرزوا شِلوه؛ وتجرثم الفيلَ فاتّقاه الفيل بيده، دأبَ أبي عبيد وخبطه الفيل. وقام عليه وتتابع سبعة من ثَقيف، كلُّهم يأخذ اللواء فيقاتل حتى يموت. ثم أخذ اللواء المثنَّى، وهرب النَّاس، فلما رأى عبد الله بن مَرثَد الثقفيّ ما لقيَ أبو عبيد وخلفاؤه وما يصنع الناس، بادرهم إلى الجسر فقطعه، وقال: يا أيَّها الناس، موتوا على ما مات عليه أمراؤكم أو تظفروا. وحاز المشركون المسلمين إلى الجِسر، وخشع ناس فتواثبوا في الفُرات؛ فغرق من لم يصبِر وأسرعوا فيمن صبَر، وحَمى المثنّى وفرسانٌ من المسلمين الناس، ونادى: يا أيُّها الناس! إنَّا دونكم فاعبُروا على هِينتكم ولا تدهَشوا؛ فإنا لن نزايل حتى نراكم من ذلك الجانب، ولا تغرِّقوا أنفسكم. فوجدوا الجسر وعبد الله بن مرثَد قائم عليه يمنع الناس من العبور، فأخذوه فأتوا به المثنَّى، فضربه وقال: ما حملك على الذي صنعت؟ قال: ليقاتلوا، ونادى مَن عبر فجاؤوا بعلوج، فضمّوا إلى السفينة التي قُطِعتْ سفائنها، وعبر الناس، وكان آخر من قتِل عند الجسر سَلِيط بن قيس، وعَبَر المثنَّى وحمى جانبه، فاضطرب عسكره، ورامهم ذو الحاجب فلم يقدر عليهم؛ فلمَّا عبر المثنَّى [وحمى جانبه] ارفضّ، عنه أهلُ المدينة حتى لحقوا بالمدينة وتركها بعضهم ونزلوا البوادي وبقي المثنَّى في فلَّة (١). (٣: ٤٥٦/ ٤٥٧).
стр. 939
١٠٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مجالد وعطية والنّضر، أنّ أهل المدينة لما لحقوا بالمدينة وأخبروا عمّن سار في البلاد استحياءً من الهزيمة، اشتدّ على عمر ذلك ورحمهم. قال الشعبيّ: قال عمر: اللهمّ كلّ مسلم في حلّ مِنّي، أنا فئة كلّ مسلم، مَن لقي العدوّ ففظِع بشيء من أمره فأنا له فئة؛ يرحم الله أبا عُبَيد لو كان انحاز إليّ لكنت له فئة! وبعث المثنَّى بالخبر إلى عمر مع عبد الله بن زيد، وكان أوّل من قدم على عمر (١). (٣: ٤٥٨).
١٠٧ - حدثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عَمْرة بنة عبد الرحمن، عن عائشة زوْج النبيّ ﷺ ، قالت: سمعتُ عمر بن الخطاب حين قدم عبد الله بن زيد، فنادى: الخبر يا عبد الله بن زيد! وهو داخل المسجد، وهو يمرّ على باب حُجرتي، فقال: ما عندك يا عبد الله بن زيد؟ ! قال: أتاك الخبرُ يا أمير المؤمنين! فلمَّا انتهى إليه أخبره خبرَ الناس، فما سمعت برجل حضر أمرًا فحدّث عنه كان أثبتَ خبرًا منه. فلما قدم فلّ الناس، ورأى عمر جَزَع المسلمين من المهاجرين والأنصار من الفِرار، قال: لا تجزعوا يا معشر المسلمين! أنا فئتكم، إنما انحزتم إليّ (٢) (٤٥٩: ٣).
البوَيْب
١٠٨ - كتبَ إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: وبعث المثنَّى بعد الجسر فيمَن يليه من الممِدّين، فتوافوْا إليه في جمع عظيم، أو بلغ رستَم والفَيرُزان ذلك، وأتتهم العيون به وبما ينتظرون من الأمداد، واجتمعا على أن يبعثا مِهْران الهمَذانيّ؛ حتى يريا مِن رأيهما، فخرج مِهْران في الخيول وأمَراه بالحيرة، وبلغ المثنَّى الخبر وهو معسكر بمرْج السِّباخ بين القادسيَّة وخَفَّان في الذين أمدّوه من العرب عن خبر بشير وكِنانة - وبشير يومئذ بالحيرة - فاستبطن فُرات بادَقْلى، وأرسل إلى جرير ومَن معه: إنَّا جاءنا أمر لم نستِطع معه المقام حتى تقدموا علينا. فعجِّلوا اللّحاق بنا، وموعدكم البُوَيب.
стр. 943
وكان جرير مُمِدًّا له، وكتب إلى عِصمة ومَن معه، وكان ممِدًّا له بمثل ذلك، وإلى كل قائد أظلَّه بمثل ذلك، وقال: خذوا على الجَوْف، فسلكوا القادسيَّة والجَوْف، وسلك المثنَّى وسط السَّواد، فطلع على النَّهرين ثم على الخوَرْنَق، وطلع عصمة على النَّجَف، ومَن سلك معه طريقه، وطلع جرير على الجوْف ومَن سلك معه طريقه، فانتهوْا إلى المثنَّى، وهو على البُويب، ومِهران من وراء الفرات بإزائه، فاجتمع عسكر المسلمين على البُويب ممَّا يلي موضع الكوفة اليوم، وعليهم المثنّى وهم بإزاء مِهران وعسكره. فقال المثنّى لرجل من أهل السواد: ما يقال للرُّقْعة التي فيها مِهران وعسكره؟ قال: بَسُوسْيا. فقال: أكْدَى مِهران وهلك! نزل منزلًا هو البَسوس، وأقام بمكانه حتى كاتبه مِهران: إمّا أن تعبُروا إلينا، وإمّا أن نعبَر إليكم؛ فقال المثنَّى: اعبُروا؛ فعبر مِهْران، فنزل على شاطئ الفرات معهم في الملطاط، فقال المثنّى لذلك الرجل: ما يُقال لهذه الرقعة التي نزلها مِهران وعسكره؟ قال: شُوميا - وذلك في رمضان - فنادى في الناس: انهدوا لعدوّكم، فتناهدوا، وقد كان المثنى عَبَّى جيشه، فجعل على مجنَّبتيه مذعورًا والنُّسَير، وعلى المجرّدة عاصمًا، وعلى الطلائعِ عِصْمة، واصطفّ الفريقان؛ وقام المثنَّى فيهم خطيبًا، فقال: إنكم صُوّام؛ والصوم مَرَقَّة ومَضعفة؛ وإنّي أرى من الرأي أن تُفطِروا ثم تقوَوْا بالطعام على قتال عدوّكم. قالوا: نعم، فأفطروا؛ فأبصر رجلًا يستوفز ويستنتلِ من الصّفّ، فقال: ما بال هذا؟ قالوا: هو ممَّنّ فرّ من الزّحف يوم الجِسر؛ وهو يريد أن يستقتِل، فقرعه بالرّمح، وقال: لا أبالك! الزَمْ موقفَك، فإذا أتاك قِرنك فأغْنِه عن صاحبك ولا تستقتل، قال: إني بذلك لَجدير، فاستقرّ، ولزم الصّفّ (١). (٣: ٤٦٠/ ٤٦١ / ٤٦٢).
١٠٩ - كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبي إسحاق الشيبانيّ بمثله (٢). (٣: ٤٦٢).
١١٠ - كتب إليّ السريّ بن يحيى، عن شُعيب بن إبراهيم، عن سيف بن
стр. 944
عمر، عن عطيَّة والمجالد بإسنادهما، قالا: وقدما على عُمر غُزاة بني كنانة والأزْد في سبعمئة جميعًا، فقال: أيّ الوجوه أحبّ إليكم؟ قالوا: الشأم، أسلافنا أسلافنا! فقال: ذلك قد كُفيتموه؛ العراقَ العراقَ! ذَرُوا بلدة قد قَلَّل الله شوكتها وعددَها، واستقبلوا جهاد قوم قد حوَوْا فنون العيش، لعلّ الله أن يورثَكم بقِسْطكم من ذلك فتعيشوا مع مَن عاش من الناس، فقال غالب بن عبد الله الليثيّ وعرفجة البارقيّ، كلّ واحد منهما لقومه، وقاما فيهم: يا عشيرتاه! أجيبوا أميرَ المؤمنين إلى ما يرى، وأمضوا له ما يُسكنكم. قالوا: إنَّا قد أطعناك وأجبنا أميرَ المؤمنين إلى ما رأى وأراد. فدعا لهم عمر بخير وقاله لهم، وأمَّر على بني كنانة غالب بن عبد الله وسرّحه، وأمَّر على الأزْد عَرْفجة بن هَرْثمة وعامَّتُهم من بارق، وفرحوا برجوع عَرْفجة إليهم. فخرج هذا في قومه، وهذا في قومه، حتى قدما على المثنّى (١). (٣: ٤٦٣).
١١١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سَيف، عن محمد وعمرو بإسنادهما، قالا: وجاء رِبْعِيّ في أنَاس من بني حنظلة، فأمَّره عليهم وسرّحهم، وخرجوا حتى قدم بهم على المثنَّى، فرأس بعده ابنه شَبَث بن رِبْعيّ، وقدم عليه أناسٌ من بني عمرو، فأمَّر عليهم رِبْعِيّ بن عامر بن خالد العَنُود، وألحقه بالمثنَّى، وقدم عليه قومٌ من بني ضبَّة، فجعلهم فرقتين، فجعل على إحدى الفرقتين ابن الهَوْبَر، وعلى الأخرى المنذر بن حسَّان، وقدم عليه قُرْط بن جمَّاع في عبد القيس، فوجَّهه، وقالوا جميعًا: اجتمع الفيرزان ورستَم على أن يبعثَا مِهْران لقتال المثنَّى واستأذنا بُوران - وكانا إذا أرادَا شيئًا دنَوَا من حجابها حتى يكلّماها به - فقالا بالذي رأيا وأخبراها بعدد الجيش - وكانت فارس لا تُكثِر البعوث؛ حتى كان من أمر العرب ما كان - فلمَّا أخبراها بكثرة عدد الجيش، قالت: ما بالُ أهلِ فارس لا يخرجون إلى العرب كما كانوا يخرجون قبل اليوم؟ وما لكما لا تبعثان كما كانت الملوك تبعث قبل اليوم! قالا: إنَّ الهيبة كانت مع عدوّنا يومئذ، وإنها فينا اليوم؛ فمالأتْهما وعرفت ما جاءاها به، فمضى مِهْران في جنده حتى نزلَ من دون الفرات والمثنّى وجنده على شاطئ الفرات؛ والفرات بينهما؛ وقدم أنس بن هلال النَّمَرِيّ ممدًّا للمثنَّى في أناس من النَّمِر نصارى
стр. 945
وجلّاب جلبوا خيلًا، وقدم ابن مِرْدَى الفِهْريّ الثغلبيّ في أناس من بني تَغْلِب نصارى وجلّاب جلبوا خيلًا - وهو عبد الله بن كُلَيب بن خالد - وقالوا حين رأوا نزولَ العرب بالعجم: نقاتل مع قومنا، وقال مهران: إمَّا أن تعبُروا إلينا، وإمّا أن نعبُر إليكم، فقال المسلمون: اعبُروا إلينا، فارتحلوا من بَسُوسْيا إلى شُومِيا، وهي موضع دار الرّزق (١). (٣: ٤٦٤/ ٤٦٥).
١١٢ - كتب إليَّ السَّريّ عن شُعيب، عن سيف، عن عبيد الله بن مُحَفِّز، عن أبيه: أنّ العَجم لمَّا أذِن لهم في العبور ونزلوا شوميا موضع دار الرّزق، فتعبَّوْا هنالك؛ فأقبلوا إلى المسلمين في صُفوف ثلاثة مع كلّ صفّ فيل، ورَجْلُهم أمام فيلهم، وجاؤوا ولهم زَجَل، فقال المثنَّى للمسلمين: إنّ الَّذي تسمعون فَشَل، فالزموا الصَّمْت وائتمِروا هَمْسًا، فدنوا من المسلمين وجاؤوهم من قِبَل نهر بني سُليم نحو موضع نهر بني سُلَيم، فلمَّا دنوا زحفوا، وصُفَّ المسلمون فيما بين نهر بني سليم إليوم وما وراءها (٢). (٣: ٤٦٥).
١١٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمَّد وطلحة، قالا: وكان على مجنَّبتَي المثنَّى وبُسْر بن أبي رُهْم، وعلى مجرَّدته المُعنَّى، وعلى الرَّجْل مسعود، وعلى الطلائع قبل ذلك اليوم النُّسَير، وعلى الرّدء مذعور؛ وكان على مجنبتي مِهران ابنُ الآزاذبه مرزُبان الحيرة ومَرْدانْشاه. ولمّا خرج المثنّى؛ طاف في صفوفه يعهد إليهم عهدَه، وهو على فرسه الشَّمُوس - وكان يُدعَى الشَّموس من لين عريكته وطهارته، فكان إذا ركبه قاتَل؛ وكان لا يركبه إلّا لقتال ويدَعُه ما لم يكن قتال - فوقف على الرّايات رايةً رايةَ يحضّضهم، ويأمرهم بأمرِه، ويهزّهم بأحسن ما فيهم، تحضيضًا لهم، ولكلّهم يقول: إنّي لأرجو ألا تُؤتَى العرب اليوم من قِبَلكم؛ والله ما يسرُّني اليوم لنفسي شيء إلّا وهو يسرّني لعامّتكم؛ فيجيبونه بمثل ذلك، وأنصفهم المثنَّى في القول والفعل، وخلَط النَّاس في المكروه والمحبوب؛ فلم يستطع أحدٌ منهم أن يعيب له قولًا ولا عملًا، ثم قال: إنَي مكبّر ثلاثًا فتهيّؤوا؛ ثم احمِلوا مع الرابعة، فلمَّا كبَّر أوّل تكبيرة أعجلهم أهل فارس وعاجلوهم فخالطوهم مع أوّل تكبيرة؛ وركدت حَرْبُهم
стр. 946
مَلِيًّا، فرأى المثنَّى خللًا في بعض صُفوفه، فأرسل إليهم رجلًا، وقال: إنّ الأمير يقرأ عليكم السّلام، ويقول: لا تفضحوا المسلمين اليوم، فقالوا: نعم! واعتدلوا، وجعلوا قبل ذلك يروْنه وهو يمدّ لحيته لما يرى منهم، فاعتنوْا بأمر لم يجئ به أحد من المسلمين يومئذ فرمقوه، فرأوه يضحك فَرَحًا والقوم بنو عِجْل. فلمَّا طال القتالُ واشتدّ، عمَد المثنَّى إلى أنس بن هلال، فقال: يا أنس! إنَّك امرؤ عربيّ، وإن لم تكن على ديننا؛ فإذا رأيتَني قد حملت على مِهران فاحمِل معي، وقال لابن مِرْدَى الفِهْر مثلَ ذلك فأجابه، فحمل المثنَّى على مِهران؛ فأزاله حتى دخل في ميمنته، ثم خالطوهم واجتمع القلبان وارتفع الغبار والمجنَّباث تقتَتِل، لا يستطيعون أن يفرغوا لنصر أميرهم، لا المشركون ولا المسلمون، وارتُثَّ مسعود يومئذ وقُوّاد من قُؤاد المسلمين؛ وقد كان قال لهم: إن رأيتمونا أصِبنا؛ فلا تَدَعوا ما أنتم فيه؛ فإنّ الجيش ينكشف ثم ينصرف؛ الزموا مصافَّكم، واغْنُوا غَناء من يليكم، وأوجِع قلبَ المسلمين في قلْب المشركين، وقتَلَ غلام من التغلبيّين نصرانيّ مِهران واستوى على فرسه، فجعل المثنَّى سلبه لصاحب خَيله؛ وكذلك إذا كان المشرك في خيل رجل فقتل وسلب فهو للذي هو أمير على مَن قتل؛ وكان له قائدان: أحدهما جَرير والآخر ابن الهوبر؛ فاقتسما سلاحَه (١). (٣: ٤٦٥/ ٤٦٦).
١١٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: وقف المثنَّى عند ارتفاع الغُبار؛ حتى أسفر الغبار، وقد فنِيَ قلب المشركين، والمجنَّبات قد هز بعضها بعضا، فلمَّا رأوه وقد أزال القلب، وأفنى أهلَه، قويت المجنَّبات - مجنَبات المسلمين - على المشركين وجعلوا يردّون الأعاجم على أدبارهم، وجعل المثنَّى والمسلمون في القلْب يدعُون لهم بالنَّصر، ويرسل عليهم مَنْ يذمُرهم، ويقول: إنّ المثنَّى يقول: عاداتكم في أمثالهم؛ انصروا الله ينصركم؛ حتى هزموا القوم، فسابقهم المثنَّى إلى الجسر فسبقهم وأخذ الأعاجم، فافترقوا بشاطئ الفرات مصعِّدين ومصوّبين، واعتورتهم خيول المسلمين حتى قتلُوهم، ثمّ جعلوهم جُثثًا؛ فما كانت بين العرب والعجم وقعة كانت أبقى رِمَّةً منها. ولما ارتُثّ مسعود بن حارثة يومئذ - وكان صُرع قبل
стр. 947
الهزيمة، فتضعضع مَن معه، فرأى ذلك وهو دَنِف - قال: يا معشر بكر بن وائل! ارفعوا رايَتكم، رفعكم الله! لا يهولنكم مَصْرعي، وقاتل أنس بن هلال النمَرِيّ يومئذ حتى ارتُثّ، ارتثَّه المثنَّى، وضمَّه وضمّ مسعودًا إليه. وقاتل قُرْط بن جَمَّاع العبديّ يومئذ حتى دقَّ قنًا، وقطع أسيافًا، وقتِل شَهْربراز من دهاقين فارس وصاحب مجرّدة مِهران.
قال: ولما فرغوا؛ جلس المثنَّى للناس من بعد الفراغ يحدّثهم ويحدّثونه، وكلَّما جاء رجل فتحذث قال له: أخبرْني عنك؛ فقال له قُرْط بن جمّاح: قتلتُ رجلًا فوجدتُ منه رائحة المسك، فقلتُ: مِهران، ورجوت أن يكون إيّاه، فإذا هو صاحب الخيل شَهْربراز، فوالله ما رأيتهُ إذ لم يكن مِهران شيئًا.
فقال المثنَّى: قد قاتلت العرب والعجم في الجاهليَّة والإسلام؛ والله لمئة من العجم في الجاهليَّة كانوا أشدّ عليّ من ألف من العرب، ولمئة اليومَ من العرب أشدّ عليّ من ألف من العجم؛ إن الله أذهب مصدوقتَهم، ووهَّن كيدَهم؛ فلا يروعنَّكم زُهّاء تروْنه، ولا سَواد ولا قِسِيٌّ فُجٌّ، ولا نِبال طوال، فإنَّهم إذا أعجِلوا عنها أو فقدوها، كالبهائم أينما وجَّهتموها اتَّجهت.
وقال رِبْعيّ وهو يحدّث المثنَّى: لمّا رأيتُ ركود الحرب واحتدامها، قلتُ: تترّسوا بالمجانّ، فإنهم شادّون عليكم؛ فاصبروا لشدّتَين وأنا زعيم لكم بالظفر في الثالثة؛ فأجابوني والله! فوفَّى اللهُ كفالتي.
وقال ابن ذي السَّهمين محدّثَّا: قلت لأصحابي: إنّي سمعت الأميرَ يقرأ ويذكر في قراءته الرُّعْب؛ فما ذكره إلا لفضل عنده؛ اقتدوا برايتكم، وليَحْمِ راجلَكم خيلُكم، ثم احملوا، فما لقول الله من خُلْف؛ فأنجز الله لهم وعده، وكان كما رجوت.
وقال عَرْفجة محدّثًا: حُزْنا كتيبةً منهم إلى الفرات، ورجوت أن يكون الله تعالى قد أذِن في غَرَقِهم، وسلَّى عنَّا بها مصيبة الجسر، فلمَّا دخلوا في حدّ الإحراج، كرّوا علينا، فقاتلناهم قتالًا شديدًا حتى قال بعض قومي: لو أخَّرتَ رايَتك! فقلت: عليّ إقدامُها، وحملت بها على حاميتهم فقتلتُه، فولّوْا نحو الفُرات، فما بلغه منهم أحد فيه الرّوح.
стр. 948
وقال رِبْعِيّ بن عامر بن خالد: كنت مع أبي يوم البُويب - قال: وسُمِّيَ البُويب يوم الأعشار - أحصي مئة رجل، قتل كلّ رجل منهم عشرة في المعركة يومئذ، وكان عُرْوة بن زيد الخيل من أصحاب التّسعة، وغالِب في بني كنانة من أصحاب التسعة، وعرفجة في الأزْد من أصحاب التسعة.
وقتِل المشركون فيما بين السَّكون اليوم إلى شاطى الفرات، ضفَّة البويب الشرقيّة؛ وذلك: أنّ المثنّى بادرهم عند الهزيمة بالجَسْرَ، فأخذه عليهم، فأخَذوا يَمْنة ويَسْرة، وتبِعهم المسلمون إلى الليل، ومن الغد إلى اللَّيل، وندم المثنَّى على أخذه بالجسر، وقال: لقد عجزتُ عجزة وَقَى الله شرّها بمسابقتي إيّاهم إلى الجسر وقَطْعِه؛ حتى أحرجتُهم؛ فإني غير عائد؛ فلا تعودوا ولا تقتدوا بي أيّها الناس! فإنها كانت منّي زلَّة لا ينبغي إحراج أحد إلّا مَن لا يقوى على امتناع، ومات أناس من الجرحى من أعلام المسلمين، منهم خالد بن هلال ومسعود بن حارثة، فصلَّى عليهم المثنَّى، وقدّمهم على الأسنان والقرآن؛ وقال: والله إنَّه ليُهوِّن عليّ وجْدي أن شهِدوا البُويب، أقدَموا وصبَرُوا، ولم يجزَعوا ولم ينكِلوا، وإن كان في الشهادة كفَّارة لِتجوُّز الذنوب (١). (٣: ٤٦٦/ ٤٦٧ / ٤٦٨).
١١٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: وقد كان المثنَّى وعصمة وجرير أصابُوا في أيَّام البُويب على الظّهر نُزْل مِهْران غنمًا ودقيقًا وبقرًا، فبعثوا بها إلى عِيالات مَن قدم من المدينة وقد خلَّفوهنّ بالقوادس، وإلى عِيالات أهل الأيَّام قبلَهم، وهم بالحيرة. وكان دليل الذين ذهبوا بنصيب العِيالات الَّذين بالقوادس عَمْرو بن عبد المسيح بن بُقَيلة، فلمَّا رُفِعوا للنسوة فرأين الخيلَ، تصَايحن وحسبنها غارةً، فقمْنَ دون الصبيان بالحجارة والعُمُد، فقال عمرو: هكذا ينبغي لنساء هذا الجيش! وبشّروهنّ بالفتح، وقالوا: هذا أوّله، وعلى الخيل التي أتتهم بالنُّزل النُّسَير؛ وأقام في خيله حاميةً لهم، ورجع عمرو بن عبد المسيح فبات بالحيرة، وقال المثنَّى يومئذ: من يتبع الناس حتَّى ينتهي إلى السِّيب؟
فقام جرير بن عبد الله في قومه، فقال: يا معشر بَجِيلة! إنَّكم وجميع مَن
стр. 949
شهد هذا اليوم في السابقة والفضيلة والبلاء سواء، وليس لأحد منهم في هذا الخُمس غدًا من النَّفَل مثل الذي لكم منه؛ ولكم رُبع خمسه نفَلًا من أمير المؤمنين؛ فلا يكوننَّ أحدٌ أسرع إلى هذا العدوّ ولا أشدّ عليه منكم للذي لكم منه، ونِيَّة إلى ما ترجون؛ فإنما تنتظرون إحهدى الحُسنَيَين: الشهادة والجنَّة أو الغنيمة والجنَّة.
ومال المثنَّى على الَّذين أرادوا أن يستقتلوا من مُنهزِمة يوم الجسر، ثم قال: أين المستبسل بالأمس وأصحابه! انتدبوا في آثار هؤلاء القوم إلى السِّيب، وابلغوا من عدوّكم ما تغيظونهم به، فهو خيرٌ لكم وأعْظَمُ أجرًا؛ واستغفروا الله إنّ الله غفورٌ رحيم (١). (٣: ٤٦٩).
стр. 950
- ثم دخلت سنة أربع عشرة - ذكر ابتداء أمر القادسية
١١٦ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن خُلَيد بن ذَفْرَة، عن أبيه، قال: كتب المثنَّى إلى عُمر باجتماع فارس على يَزْدَجرد وببعوثهم، وبحالِ أهل الذمَّة، فكتب إليه عمر؛ أن تَنَحَّ إلى البَرّ، وادعُ مَن يليك، وأقم منهم قريبًا على حدود أرضك وأرضهم؛ حتى يأتيَك أمري.
وعاجلتهم الأعاجم فزاحفتهم الزُّحوف، وثار بهم أهل الذمَّة؛ فخرج المثنَّى بالناس حتى ينزلَ الطّفّ، ففرّقهم فيه من أوّله إلى آخره، فأقام ما بين غُضَيّ إلى القُطْقُطانة مسالحه، وعادت مسالحُ كسرى وثغورُه، واستقرّ أمرُ فارس وهم في