مَلِيًّا، فرأى المثنَّى خللًا في بعض صُفوفه، فأرسل إليهم رجلًا، وقال: إنّ الأمير يقرأ عليكم السّلام، ويقول: لا تفضحوا المسلمين اليوم، فقالوا: نعم! واعتدلوا، وجعلوا قبل ذلك يروْنه وهو يمدّ لحيته لما يرى منهم، فاعتنوْا بأمر لم يجئ به أحد من المسلمين يومئذ فرمقوه، فرأوه يضحك فَرَحًا والقوم بنو عِجْل. فلمَّا طال القتالُ واشتدّ، عمَد المثنَّى إلى أنس بن هلال، فقال: يا أنس! إنَّك امرؤ عربيّ، وإن لم تكن على ديننا؛ فإذا رأيتَني قد حملت على مِهران فاحمِل معي، وقال لابن مِرْدَى الفِهْر مثلَ ذلك فأجابه، فحمل المثنَّى على مِهران؛ فأزاله حتى دخل في ميمنته، ثم خالطوهم واجتمع القلبان وارتفع الغبار والمجنَّباث تقتَتِل، لا يستطيعون أن يفرغوا لنصر أميرهم، لا المشركون ولا المسلمون، وارتُثَّ مسعود يومئذ وقُوّاد من قُؤاد المسلمين؛ وقد كان قال لهم: إن رأيتمونا أصِبنا؛ فلا تَدَعوا ما أنتم فيه؛ فإنّ الجيش ينكشف ثم ينصرف؛ الزموا مصافَّكم، واغْنُوا غَناء من يليكم، وأوجِع قلبَ المسلمين في قلْب المشركين، وقتَلَ غلام من التغلبيّين نصرانيّ مِهران واستوى على فرسه، فجعل المثنَّى سلبه لصاحب خَيله؛ وكذلك إذا كان المشرك في خيل رجل فقتل وسلب فهو للذي هو أمير على مَن قتل؛ وكان له قائدان: أحدهما جَرير والآخر ابن الهوبر؛ فاقتسما سلاحَه (١). (٣: ٤٦٥/ ٤٦٦).
١١٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: وقف المثنَّى عند ارتفاع الغُبار؛ حتى أسفر الغبار، وقد فنِيَ قلب المشركين، والمجنَّبات قد هز بعضها بعضا، فلمَّا رأوه وقد أزال القلب، وأفنى أهلَه، قويت المجنَّبات - مجنَبات المسلمين - على المشركين وجعلوا يردّون الأعاجم على أدبارهم، وجعل المثنَّى والمسلمون في القلْب يدعُون لهم بالنَّصر، ويرسل عليهم مَنْ يذمُرهم، ويقول: إنّ المثنَّى يقول: عاداتكم في أمثالهم؛ انصروا الله ينصركم؛ حتى هزموا القوم، فسابقهم المثنَّى إلى الجسر فسبقهم وأخذ الأعاجم، فافترقوا بشاطئ الفرات مصعِّدين ومصوّبين، واعتورتهم خيول المسلمين حتى قتلُوهم، ثمّ جعلوهم جُثثًا؛ فما كانت بين العرب والعجم وقعة كانت أبقى رِمَّةً منها. ولما ارتُثّ مسعود بن حارثة يومئذ - وكان صُرع قبل
стр. 947
الهزيمة، فتضعضع مَن معه، فرأى ذلك وهو دَنِف - قال: يا معشر بكر بن وائل! ارفعوا رايَتكم، رفعكم الله! لا يهولنكم مَصْرعي، وقاتل أنس بن هلال النمَرِيّ يومئذ حتى ارتُثّ، ارتثَّه المثنَّى، وضمَّه وضمّ مسعودًا إليه. وقاتل قُرْط بن جَمَّاع العبديّ يومئذ حتى دقَّ قنًا، وقطع أسيافًا، وقتِل شَهْربراز من دهاقين فارس وصاحب مجرّدة مِهران.
قال: ولما فرغوا؛ جلس المثنَّى للناس من بعد الفراغ يحدّثهم ويحدّثونه، وكلَّما جاء رجل فتحذث قال له: أخبرْني عنك؛ فقال له قُرْط بن جمّاح: قتلتُ رجلًا فوجدتُ منه رائحة المسك، فقلتُ: مِهران، ورجوت أن يكون إيّاه، فإذا هو صاحب الخيل شَهْربراز، فوالله ما رأيتهُ إذ لم يكن مِهران شيئًا.
فقال المثنَّى: قد قاتلت العرب والعجم في الجاهليَّة والإسلام؛ والله لمئة من العجم في الجاهليَّة كانوا أشدّ عليّ من ألف من العرب، ولمئة اليومَ من العرب أشدّ عليّ من ألف من العجم؛ إن الله أذهب مصدوقتَهم، ووهَّن كيدَهم؛ فلا يروعنَّكم زُهّاء تروْنه، ولا سَواد ولا قِسِيٌّ فُجٌّ، ولا نِبال طوال، فإنَّهم إذا أعجِلوا عنها أو فقدوها، كالبهائم أينما وجَّهتموها اتَّجهت.
وقال رِبْعيّ وهو يحدّث المثنَّى: لمّا رأيتُ ركود الحرب واحتدامها، قلتُ: تترّسوا بالمجانّ، فإنهم شادّون عليكم؛ فاصبروا لشدّتَين وأنا زعيم لكم بالظفر في الثالثة؛ فأجابوني والله! فوفَّى اللهُ كفالتي.
وقال ابن ذي السَّهمين محدّثَّا: قلت لأصحابي: إنّي سمعت الأميرَ يقرأ ويذكر في قراءته الرُّعْب؛ فما ذكره إلا لفضل عنده؛ اقتدوا برايتكم، وليَحْمِ راجلَكم خيلُكم، ثم احملوا، فما لقول الله من خُلْف؛ فأنجز الله لهم وعده، وكان كما رجوت.
وقال عَرْفجة محدّثًا: حُزْنا كتيبةً منهم إلى الفرات، ورجوت أن يكون الله تعالى قد أذِن في غَرَقِهم، وسلَّى عنَّا بها مصيبة الجسر، فلمَّا دخلوا في حدّ الإحراج، كرّوا علينا، فقاتلناهم قتالًا شديدًا حتى قال بعض قومي: لو أخَّرتَ رايَتك! فقلت: عليّ إقدامُها، وحملت بها على حاميتهم فقتلتُه، فولّوْا نحو الفُرات، فما بلغه منهم أحد فيه الرّوح.
стр. 948
وقال رِبْعِيّ بن عامر بن خالد: كنت مع أبي يوم البُويب - قال: وسُمِّيَ البُويب يوم الأعشار - أحصي مئة رجل، قتل كلّ رجل منهم عشرة في المعركة يومئذ، وكان عُرْوة بن زيد الخيل من أصحاب التّسعة، وغالِب في بني كنانة من أصحاب التسعة، وعرفجة في الأزْد من أصحاب التسعة.
وقتِل المشركون فيما بين السَّكون اليوم إلى شاطى الفرات، ضفَّة البويب الشرقيّة؛ وذلك: أنّ المثنّى بادرهم عند الهزيمة بالجَسْرَ، فأخذه عليهم، فأخَذوا يَمْنة ويَسْرة، وتبِعهم المسلمون إلى الليل، ومن الغد إلى اللَّيل، وندم المثنَّى على أخذه بالجسر، وقال: لقد عجزتُ عجزة وَقَى الله شرّها بمسابقتي إيّاهم إلى الجسر وقَطْعِه؛ حتى أحرجتُهم؛ فإني غير عائد؛ فلا تعودوا ولا تقتدوا بي أيّها الناس! فإنها كانت منّي زلَّة لا ينبغي إحراج أحد إلّا مَن لا يقوى على امتناع، ومات أناس من الجرحى من أعلام المسلمين، منهم خالد بن هلال ومسعود بن حارثة، فصلَّى عليهم المثنَّى، وقدّمهم على الأسنان والقرآن؛ وقال: والله إنَّه ليُهوِّن عليّ وجْدي أن شهِدوا البُويب، أقدَموا وصبَرُوا، ولم يجزَعوا ولم ينكِلوا، وإن كان في الشهادة كفَّارة لِتجوُّز الذنوب (١). (٣: ٤٦٦/ ٤٦٧ / ٤٦٨).
١١٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: وقد كان المثنَّى وعصمة وجرير أصابُوا في أيَّام البُويب على الظّهر نُزْل مِهْران غنمًا ودقيقًا وبقرًا، فبعثوا بها إلى عِيالات مَن قدم من المدينة وقد خلَّفوهنّ بالقوادس، وإلى عِيالات أهل الأيَّام قبلَهم، وهم بالحيرة. وكان دليل الذين ذهبوا بنصيب العِيالات الَّذين بالقوادس عَمْرو بن عبد المسيح بن بُقَيلة، فلمَّا رُفِعوا للنسوة فرأين الخيلَ، تصَايحن وحسبنها غارةً، فقمْنَ دون الصبيان بالحجارة والعُمُد، فقال عمرو: هكذا ينبغي لنساء هذا الجيش! وبشّروهنّ بالفتح، وقالوا: هذا أوّله، وعلى الخيل التي أتتهم بالنُّزل النُّسَير؛ وأقام في خيله حاميةً لهم، ورجع عمرو بن عبد المسيح فبات بالحيرة، وقال المثنَّى يومئذ: من يتبع الناس حتَّى ينتهي إلى السِّيب؟
فقام جرير بن عبد الله في قومه، فقال: يا معشر بَجِيلة! إنَّكم وجميع مَن
стр. 949
شهد هذا اليوم في السابقة والفضيلة والبلاء سواء، وليس لأحد منهم في هذا الخُمس غدًا من النَّفَل مثل الذي لكم منه؛ ولكم رُبع خمسه نفَلًا من أمير المؤمنين؛ فلا يكوننَّ أحدٌ أسرع إلى هذا العدوّ ولا أشدّ عليه منكم للذي لكم منه، ونِيَّة إلى ما ترجون؛ فإنما تنتظرون إحهدى الحُسنَيَين: الشهادة والجنَّة أو الغنيمة والجنَّة.
ومال المثنَّى على الَّذين أرادوا أن يستقتلوا من مُنهزِمة يوم الجسر، ثم قال: أين المستبسل بالأمس وأصحابه! انتدبوا في آثار هؤلاء القوم إلى السِّيب، وابلغوا من عدوّكم ما تغيظونهم به، فهو خيرٌ لكم وأعْظَمُ أجرًا؛ واستغفروا الله إنّ الله غفورٌ رحيم (١). (٣: ٤٦٩).
стр. 950
- ثم دخلت سنة أربع عشرة - ذكر ابتداء أمر القادسية
١١٦ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن خُلَيد بن ذَفْرَة، عن أبيه، قال: كتب المثنَّى إلى عُمر باجتماع فارس على يَزْدَجرد وببعوثهم، وبحالِ أهل الذمَّة، فكتب إليه عمر؛ أن تَنَحَّ إلى البَرّ، وادعُ مَن يليك، وأقم منهم قريبًا على حدود أرضك وأرضهم؛ حتى يأتيَك أمري.
وعاجلتهم الأعاجم فزاحفتهم الزُّحوف، وثار بهم أهل الذمَّة؛ فخرج المثنَّى بالناس حتى ينزلَ الطّفّ، ففرّقهم فيه من أوّله إلى آخره، فأقام ما بين غُضَيّ إلى القُطْقُطانة مسالحه، وعادت مسالحُ كسرى وثغورُه، واستقرّ أمرُ فارس وهم في
стр. 951
ذلك هائبون مُشْفِقُون، والمسلمون متدفِّقون قد ضَرُوا بهم كالأسد ينازَع فريستَه، ثم يعاود الكرّ، وأمراؤهم يكفكفونهم بِكتاب عمر وأمداد المسلمين (١). (٣: ٤٨٢).
١١٧ - كتب إليّ السريّ بن يحيى عن شعيب بن إبراهيم، عن سيف بن عمر، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: قد كان أبو بكر استعمل سعدًا على صدقات هوازن بنجْد، فأقرّه عمر، وكتب إليه فيمن كتب إليه من العُمَّال حين استنفر الناس أن ينتخب أهلَ الخيل والسّلاح ممَّن له رأي ونجدة، فرجع إليه كتاب سعد بمَن جمع الله له من ذلك الضرب؛ فوافق عمرَ وقد استشارهم في رجل، فأشاروا عليه به عند ذكره (٢). (٣: ٤٨٢).
١١٨ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن محمَّد وطلحة، عن ماهان، وزياد بإسناده، قالوا: وأمدّ عمر سعدًا بعد خروجه بألفَي يمانيّ، وألفي نجديّ مُؤْدٍ من غَطفَان وسائر قَيس، فقدِم سعد زَرُودَ في أوّل الشتاء، فنزلها وتفرّقت الجنود فيما حولَها من أمواه بني تميم وأسد، وانتظر اجتماع الناس، وأمْر عمر، وانتخب من بني تميم والرّباب أربعة آلاف؛ ثلاثة آلاف تميمي، وألف رِبي، وانتخب من بني أسد ثلاثة آلاف، وأمرهم أن ينزلوا على حدّ أرضهم بين الحَزْن والبَسيطة، فأقاموا هنالك بين سَعْد بن أبي وقّاص وبين المثنَّى بن حارثة، وكان المثنَّى في ثمانية آلاف؛ مِنْ ربيعة ستة آلاف من بكر بن وائل، وألفان من سائر ربيعة؛ أربعة آلاف ممَّن كان انتخب بعد فصول خالد، وأربعة آلاف كانوا معه ممَّن بقيَ يوم الجسر، وكان معه من أهل اليمن ألفان من بَجِيلة، وألفان من قُضاعة؛ وطيِّيء ممَّن انتُخبوا إلى ما كان قبل ذلك، على طيّئ عديّ بن حاتم، وعلى قُضاعة عمرو بن وَبَرة، وعلى بَجِيلة جرير بن عبد الله؛ فبينا النَّاس كذلك -سعد يرجو أن يقدَم عليه المثنَّى، والمثنَّى يرجو أن يقدَم عليه سعد- مات المثنّى من جراحته التي كان جُرِحها يوم الجِسْر، انتقضت به؛ فاستخلف المثنَّى على النَّاس بشير بن الخَصاصيَّة، وسعد يومئذ بزَرُود، ومع بشير يومئذ وجوهُ أهل
стр. 952
العراق، ومع سعد وفود أهل العراق الَّذين كانوا قدموا على عمر، منهم فُرات بن حيَّان العجلي وعتيبة، فردّهم مع سعد (١). (٣: ٤٨٦).
١١٩ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي ضَمْرة، عن ابن سيرين، وإسماعيل بن أبي خالد عن قَيس بن أبي حازم، قالا: لمَّا بلغ سعدًا فصولُ رستم إلى ساباط؛ أقام في عسكره لاجتماع الناس؛ فأمّا إسماعيل فإنه قال: كتب إليه سعد أنّ رستم قد ضرب عسكره بساباط دون المدائن وزحف إلينا؛ وأمَّا أبو ضَمْرة فإنه قال: كتب إليه أنّ رستم قد عسكر بسَاباط، وزحف إلينا بالخيول والفيول وزُهاء فارس، وليس شيء أهمَّ إليَّ ولا أنا له أكثر ذكرًا منّي لما أحببت أن أكون عليه؛ ونستعين بالله، ونتوكَّل عليه، وقد بعث فلانًا وفلانًا وهم ما وصفت (٢). (٣: ٤٩٥).
١٢٠ - حدثني محمد بن عبد الله بن صَفْوان الثّقفيّ، قال: حدَّثنا أمَيَّة بن خالد، قال: حدَّثنا أبو عوانة، عن حُصَين بن عبد الرحمن، قال: قال أبو وائل: جاء سعد حتى نزل القادسيَّة، ومعه النَّاس، قال: لا أدري لعلَّنا لا نزيد على سبعة آلاف أو نحو من ذلك، والمشركون ثلاثون ألفًا أو نحو ذلك. فقالوا لنا: لا يدي لكم ولا قوّة ولا سلاح، ما جاء بكم؟ ارجعوا، قال: قلنا: لا نرجع؛ وما نحن براجعين، دنكانوا يضحكون من نَبْلنا، ويقولون: "دُوك دوك"، ويشبّهونها بالمغازل. قال: فلما أبينا عليهم أن نرجع، قالوا: ابعثوا إلينا رجلًا منكم، عاقلًا يبيِّن لنا ما جاء بكم؛ فقال المغيرة بن شعبة: أنا، فَعَبَر إليهم فقعد مع رستم على السرير، فنخَروا وصاحوا، فقال: إنَّ هذا لم يزدني رفعة، ولم ينقص صاحبكم، قال رستم: صدقت، ما جاء بكم؟ قال: إنَّا كنا قومًا في شرٍّ وضلالة؛ فبعث الله فينا نبيًّا، فهدانا الله به ورزقنا على يديه؛ فكان ممَّا رزقنا حَبّة زُعمت تنبُتُ بهذا البلد؛ فلما أكلناها وأطعمناها أهلينا قالوا: لا صبر لنا عن هذه، أنزلونا هذه الأرضَ حتى نأكل من هذه الحبَّة، فقال رستم: إذًا نقتلُكم، فقال: إن قتلتمونا دَخلْنا الجنَّة، وإن قتلناكم دخلتم النار؛ أو أدّيتم الجِزْية،
стр. 953
قال: فلمّا قال: أدّيتم الجزية، نخروا وصاحوا، وقالوا: لا صلحَ بيننا وبينكم، فقال المغيرة: تعبرون إلينا أو نعبر إليكم؟ فقال رستم: بل نعمر إليكم، فاستأخَر المسلمون حتى عَبَر منهم مَن عبر، فحملوا عليهم فهزموهم.
قال حصين: فحدّثني رجل منَّا يقال له عُبيد بن جَحْش السُّلميّ، قال: لقد رأيتُنا وإنّا لنَطَأ على ظهور الرجال، ما مسَّهم سلاح، قتل بعضهم بعضًا، ولقد رأيتُنا أصبْنا جِرابًا من كافور، فحسبْناه ملحًا لا نشكّ أنه مِلْح؛ فطبخنا لحمًا، فجعلنا نُلقيه في القِدْر فلا نجد له طعمًا، فمرّ بنا عِباديّ معه قميص فقال: يا معشرَ المُعرِبين! لا تفسدُوا طعامَكم، فإنَّ ملح هذه الأرض لا خيرَ فيه، هل لكم أن تأخذوا هذا القميصَ به؟ فأخذناه منه، وأعطيناه منَّا رجلًا يلبسه، فجعلنا نُطيف به ونعجب منه، فلمَّا عرفنا الثياب؛ إذا ثمن ذلك القميص درهمان. قال: ولقد رأيتُني أقربُ إلى رجل عليه سِواران من ذهب، وسلاحُه، فجاء فما كلّمته حتى ضربتُ عنقه.
قال: فانهزموا حتى انتهوا إلى الصَّراة؛ فطلبناهم فانهزموا حتى انتهوا إلى المدائن؛ فكان المسلمون بكُوثَى وكان مسلحة المشركين بدَير المسلاخ، فأتاهم المسلمون فالتقوْا، فهُزم المشركون حتى نزلوا بشاطئ دِجلة، فمنهم مَن عبر من كَلْواذَى، ومنهم مَن عبَر من أسفل المدائن، فحصروهم حتى ما يجدون طعامًا يأكلونه، إلّا كلابَهم وسنانيرهم، فخرجوا ليلًا، فلحقوا بجَلولاء، فأتاهم المسلمون؛ وعلى مقدّمة سعد هاشم بن عُتْبة، وموضع الوقعة التي ألحقهم منها فريد. قال أبو وائل: فبعث عمر بن الخطاب حذيفةَ بن اليمان على أهل الكوفة، ومُجاشع بن مسعود على أهل البصرة (١). (٣: ٤٩٦/ ٤٩٧).
١٢١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وعمرو بإسنادهم، قالوا: وعجَّ أهلُ السَّواد إلى يَزْدَجرد بن شهريار، وأرسلوا إليه: أن العرب قد نزلوا القادسيَّة بأمر ليس يُشبه إلّا الحرب، وإن فعل العرب مذ نزلوا القادسيَّة لا يبقى عليه شيء؛ وقد أخربوا ما بينهم وبين الفرات؛ وليس فيما
стр. 954
هنالك أنيس إلّا في الحصون، وقد ذهب الدوابّ وكلّ شيء لم تحتمله الحصون من الأطعمة، ولم يبق إلّا أن يستنزِلونا، فإن أبطأ عنّا الغياث أعطيناهم بأيدينا، وكتب إليه بذلك المُلُوك الَّذين لهم الضّياع بالطفّ، وأعانوهم عليه، وهيَّجوه على بعثه رستم.
ولما بدا ليزدَجِرْد أن يرسلَ رستَم أرسلَ إليه، فدخل عليه، فقال له: إنِّي أريد أن أوَجهك في هذا الوجه؛ وإنما يُعَدّ للأمور على قدرها، وأنت رجل أهل فارس اليوم، وقد ترى ما جاء أهلَ فارس مِن أمر لم يأتِهم مثلُه منذ وليَ آلُ أردشير، فأراه أن قد قبِل منه، وأثنى عليه. فقال له الملك: قد أحبُّ أن انظر فيما لديك لأعرفَ ما عندك، فصفْ لِي العرب وفعلَهم منذ نزلوا القادِسيَّة، وصف لي العَجَم وما يلقوْن منهم.
فقال رستم: صفَهَ ذئابٍ صادفت غِرَّةً من رِعاء فأفسدت. فقال: ليس كذلك؛ إني إنما سألتك رجاء أن تُعرِب صفتهم فأقوّيك لتعمل على قَدْر ذلك فلم تُصِبْ، فافهم عنِّي؛ إنَّما مَثَلُهم ومثَلُ أهل فارس كَمَثل عُقَاب أوفَى على جبل يأوي إليه الطير بالليل، فتبيت في سَفْحه في أوكارها، فلمّا أصبحت تجلَّت الطير، فأبصرته يرقبها، فإن شذّ منها شيء اختطفه، فلمّا أبصرته الطير لم تنهض من مخافته؛ وجعلت كلَّما شذ منها طائر اختطَفه، فلو نهضت نهضةً واحدة ردَّته؛ وأشدُّ شيء يكون في ذلك أن تنجُوَ كلُّها إلا واحدًا؛ وإن اختلفت؛ لم تنهض فرقة إلَّا هلكت؛ فهذا مثلُهم ومثل الأعاجم؛ فاعمل على قَدْرِ ذلك. فقال له رستُم: أيّها الملك، دَعْني؛ فإنَّ العرب لا تزالُ تهاب العجم ما لم تُضَرِّهم بي؛ ولعلّ الدولة أن تثبت بي فيكون الله قد كَفَى، وتكون قد أصبْنَا المكيدة ورأيَ الحرب؛ فإنّ الرّأي فيها والمكيدة أنفع من بعض الظَّفر. فأبَى عليه، وقال: أيّ شيء بقي! فقال رستم: إنَّ الأناة في الحرْب خيرٌ من العجلة، وللأناة اليومَ موضع، وقتال جيش بعد جيش أمثلُ من هزيمة بمرّة وأشدّ على عدوِّنا، فلجَّ وأبَى، فخرج حتى ضرب عسكره بساباط، وجعلت تختلف إلى الملك الرُّسل ليرى موضعًا لإعفائه وبعثةِ غيره، ويجتمع إليه النَّاس. وجاء العيون إلى سعد بذلك من قبَل الحيرة وبني صلوبا، وكتب إلى عمر بذلك. ولما كثرت الاستغاثة على يَزْدَجرد من أهل السَّواد على يدي الآزاذمرد بن الآزاذبه جشعت نفسه، واتّقى الحرب برستم،
стр. 955
وترك الرّأي - وكان ضيّقًا لجوجًا - فاستحثّ رستم، فأعاد عليه رستم القول، وقال: أيَّها الملك! لقد اضطرني تضييع الرأي إلى إعظام نفسي وتزكيتها؛ ولو أجدُ من ذلك بدًّا لم أتكلَّمْ به، فأنشدك الله في نفسِك وأهلك ومُلْكك؛ دعني أقم بعسكري وأسرّح الجالنوس؛ فإن تكن لنا فذلك؛ وإلّا فأنا على رِجْل، وأبعث غيره، حتى إذا لم نجد بدًّا ولا حيلة؛ صَبَرْنا لهم؛ وقد وهَّنَّاهم وحسَّرناهم ونحن جامُّون. فأبى إلّا أن يسير (١). (٣: ٥٠٣/ ٥٠٤).
١٢٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن النّضْر بن السريّ الضبيّ، عن ابن الرُّفيل، عن أبيه، قال: لمَّا نزل رستم بساباط، وجمع آلة الحرب وأدَاتها بعثَ على مقدّمته الجالنوس في أربعين ألفًا، وقال: ازحف زحفًا، ولا تنْجذب إلَّا بأمري؛ واستعملَ على ميمنته الهُرْمزان، وعلى ميسرته مِهْران بن بَهْرام الرازيّ، وعلى ساقته البيرزان، وقال رستم ليشجّع الملك: إن فتح الله علينا القوم، فهو وجْهنا إلى ملكهم في دارهم حتى نشغلهم في أصلهم وبلادهم، إلى أن يقبلوا المسالمة أو يرضوْا بما كانوا يرضوْن به. فلمّا قدمت وفود سعد على الملك، ورجعوا من عنده؛ رأى رستم فيما يرى النائم رؤيا فكرهها، وأحسّ بالشرّ، وكره لها الخروج ولقاء القوم، واختلف عليه رأيه واضطرب، وسأل الملك أن يُمضيَ الجالنوس، ويُقيم حتَّى ينظر ما يصنعون، وقال: إن غَناء الجالنوس كغَنائي، وإن كان اسمي أشدّ عليهم من اسمه، فإن ظفِر فهو الذي نريد، وإن تكن الأخرى وجهْتُ مثله، ودفعنا هؤلاء القوم إلى يوم ما؛ فإني لا أزال مرجوًّا في أهل فارس، ما لم أهزَم ينشَطون، ولا أزال مهيبًا في صدور العرب، ولا يزالون يهابون الإقدام ما لم أباشرهم؛ فإن باشرتهم اجترؤوا آخرَ دهرهم، وانكسر أهلُ فارس آخرَ دهرهم، فبعث مقدّمته أربعين ألفًا؛ وخرج في ستين ألفًا، وساقته في عشرين ألفًا (٢). (٣: ٥٠٤/ ٥٠٥).
١٢٣ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن النَّضْر بن السّريّ، عن ابن الرُّفيل، عن أبيه، قال: كان الذي جرّأ يزدجِرد على إرسال رستم غلام جابان منجِّم كسرى، وكان من أهل فُرات بادَقلَى، فأرسل إليه فقال: ما ترى في مسير
стр. 956
رستم وحرب العرب اليوم؟ فخافه على الصّدق فكذبه، وكان رستم يعلَم نحوًا من علمه، فثقُل عليه مسيرُه لعلمه، وخفَّ على الملكِ لما غرّه منه، وقال: إنِّي أحبّ أن تخبرَنِي بشيء أراه أطمئنّ به إلى قولك، فقال الغلام لزُرنا الهنديّ: أخبِره، فقال: سَلْنِي، فسأله فقال: أيها الملك! يُقبل طائر فيقع على إيوانِك فيقع منه شيء في فيه هاهنا - وخطّ دارةً - فقال العبد: صدَق، والطائر غراب، والذي في فيه درهم، وبلغ جابان: أنّ الملك طلبه، فأقبل حتَّى دخل عليه، فسأله عمَّا قال غلامُه، فحسِب فقال: صدق ولم يُصب؛ هو عقعق، والذي في فيه درهم، فيقع منه على هذا المكان، وكذب زرنا، ينزو الدرهم فيستقرّ هاهنا - ودوّر دارة أخرى - فما قاموا حتَّى وقع على الشُّرفات عَقعق، فسقط منهُ الدرهم في الخط الأول، فنزا فاستقرّ في الخطّ الآخر، ونافر الهنديُّ جابان حيث خَطَّأه؛ فأتيا ببقرة نَتُوج؛ فقال الهنديُّ: سَخْلتها غرّاء سَوداء، فقال جابان: كذبْتَ، بل سوداء صبغاء، فنُحرت البقرة فاستُخرجت سخلتها، فإذا هي ذنَبها بين عينيها، فقال جابان: من هاهنا أتِيَ زرنا، وشجّعاه على إخراج رستم، فأمضاه، وكتب جابان إلى جُشْنَسْماه: إنّ أهل فارس قد زال أمرهم، وأدِيلَ عدوُّهم عليهم، وذهب مُلك المجوسيَّة، وأقبل مُلك العرب، وأديل دينهم؛ فاعتقد منهم الذمَّة، ولا تخلُبنَّك الأمور، والعجل العجل قبل أن تُؤخذ! فلمّا وقع الكتاب إليه خرج جشنسماه إليهم حتى أتى المعنَّى؛ وهو في خيل بالعَتيِق، وأرسله إلى سعد، فاعتقد منه على نفسه وأهل بيته ومَن استجاب له وردّه، وكان صاحبَ أخبارهم، وأهدى للمعنّى فالوذق، فقال لامرأته: ما هذا؟ فقالت: أظنّ البائسة امرأته أراغت العصيدةَ فأخطأتْها، فقال المعنَّى: بؤسًا لها (١). (٣: ٥٠٦/ ٥٠٧).
١٢٤ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن النَّضْر بن السريّ، عن ابن الرُّفيل، عن أبيه، قال: لمَّا فصَل رستم، وأمر الجالنوس بالتقدّم إلى الحيرة؛ أمره أن يصيبَ له رجلًا من العَرب، فخرج هو والآزاذمرد سريَّةً في مئة؛ حتى انتهيا إلى القادسيَّة، فأصابا رجلًا دون قنطرة القادسيّة فاختطفاه، فنفر النَّاس فأعجزوهم إلّا ما أصاب المسلِمون في أخْرَياتهم. فلمَّا انتهيا إلى النَّجَف
стр. 957
سرّحا به إلى رستم، وهو بكُوثَى، فقال له رستم: ما جَاء بكم؟ وماذا تطلبون؟ قال: جئنا نطلب موعود الله، قال: وما هو؟ قال: أرضكم وأبناؤكم ودماؤكم إن أبيتم أن تُسْلموا. قال رستم: فإن قُتلتم قبل ذلك؟ قال: في موعود الله أن من قُتِل منَّا قبل ذلك أدخله الجنة. وأنجز من بقي منّا ما قلت لك، فنحن على يقين. فقال رستم: قد وُضِعْنا إذًا في أيديكم! قال: ويحك يا رستم! إنّ أعمالكم وضعتْكم فأسلمكم الله بها؛ فلا يغرنَّك ما ترى حولَك، فإنك لست تُحإول الإنس؛ إنما تحاول القضاءَ والقدر! فاستشاط غضبًا، فأمر به فضرِبت عنقه، وخرج رستم من كُوثَى؛ حتى ينزل ببُرس، فغصب أصحابُه الناسَ أموالهم ووقعوا على النساء، وشربوا الخمور، فضجّ العلُوج إلى رستم، وشكَوْا إليه ما يلقوْن في أموالهم وأبنائهم، فقام فيهم، فقال: يا معشر أهل فارس! والله لقد صدَق العربيّ؛ والله ما أسلَمنا إلا أعمالنا، والله للعرب في هؤلاء وهم لهم ولنا حربٌ أحسنُ سيرةً منكم، إنّ الله كان ينصركم على العدوّ، ويمكّن لكم في البلاد بحُسن السيرة وكفِّ الظلم والوفاءِ بالعهود والإحسان؛ فأمَّا إذ تحوَّلتم عن ذلك إلى هذه الأعمال، فلا أرى الله إلا مغيّرًا ما بكم، وما أنا بآمنِ أن ينزع الله سلطانه منكم. وبعث الرجال، فلقطوا له بعض من يُشكى فأتِيَ بنفر، فضرب أعناقهم، ثم ركب ونادى في الناس بالرّحيل، فخرج ونزل بحيال دير الأعور، ثم انصبّ إلى الملطاط؛ فعسكر ممّا يلي الفرات بحيال أهلِ النَّجَف بحيال الخَوَرْنق إلى الغَرِيَّيْن، ودعا بأهل الحيرة، فأوعدهم وهمّ بهم، فقال له ابن بُقَيلة: لا تجمع علينا اثنتين: أن تعجز عن نُصرتنا، وتلومنا على الدفع عن أنفسنا وبلادنا. فسكت (١). (٣: ٥٠٧/ ٥٠٨).
يوم أرماث
١٢٥ - كتبَ إليّ السريُّ بن يحيى عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: قال رستم: إنَّما ضَغَا الثعلب حين مات الأسد - يذكرّهم موتَ كسرى - ثم قال لأصحابه: قد خشيتُ أن تكونَ هذه سنة القرود، ولما عَبر
стр. 958
أهل فارس أخذوا مصافَّهم، وجلس رستم على سريره وضُرب عليه طيّارة، وعبَّى في القلب ثمانية عشر فيلًا، عليهَا الصناديق والرّجال، وفي المجنَّبتين ثمانية وسبعة، وعليها الصناديق والرّجال، وأقام الجالِنوس بينه وبين ميمنته والبِيرزان بينه وبين ميسرته، وبقيت القنطرة بين خيلين من خيول المسلمين وخيول المشركين، وكان يزدجرد وضع رجلًا على باب إيوانه؛ إذ سرّح رستم، وأمرَه بلزومه وإخباره وآخر حيث يسمعه من الدار، وآخر خارج الدار، وكذلك على كل دعوة رجلًا؛ فلما نزل رستم، قال الذي بساباط: قد نزل، فقال الآخر ... حتى قاله الذي على باب الإيوان؛ وجعل بين كلّ مرحلتَين على كلّ دعوة رجلًا؛ فكلّما نزل وارتحل أو حدث أمرٌ قاله؛ فقاله الذي يليه، حتى يقوله الذي يلي باب الإيوان؛ فنظّم ما بين العتيق والمدائن رجالًا، وترك البُرُد، وكان ذلك هو الشأن.
وأخذ المسلمون مصافَّهم، وجُعِل زُهرة وعاصم بين عبد الله وشُرَحبيل، ووكّل صاحب الطلائع بالطِّراد، وخلَط بين الناس في القلب والمجنَّبات، ونادى مناديه: ألا إنّ الحسد لا يحلّ إلّا على الجهاد في أمر الله يا أيّها الناس؛ فتحاسدوا وتغَايروا على الجِهاد، وكان سعد يومئذ لا يستطيعُ أن يركبَ ولا يجلس، به حُبون، فإنَّما هو على وجهه في صدره وسادة، هو مُكِبّ عليها، مُشرِف على الناس من القَصْر، يرمي بالرّقاع فيها أمرُه ونهيُه، إلى خالد بن عُرْفُطة، وهو أسفل منه؛ وكان الصفّ إلى جنب القَصْر، وكان خالد كالخليفة لسعد لو لم يكن سعد شاهدًا مُشرِفًا (١). (٣: ٥٣٠/ ٥٣١).
١٢٦ - كتب إليّ السريُّ، قال: حدَّثنا شعيب عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: وأرسل سعدٌ الذين انتهى إليهم رأيُ الناس، والذين انتهت إليهم نجدتُهم وأصناف الفَضْل منهم إلى الناس، فكان منهم من ذوي الرأي النَّفرُ الذي أتوا رستم المغيرةُ، وحُذَيفة، وعاصم؛ وأصحابهم؛ ومن أهل النجدة طُلَيْحة، وقَيس الأسديّ، وغالب، وعمرو بن مَعْديكرب وأمثالهم، ومن الشعراء الشَّمَّاخ والحُطَيئَة، وأوس بن مَغْواء، وعبْدة بن الطبيب؛ ومن
стр. 959
سائر الأصناف أمثالهم. وقال قبل أن يُرسلهم: انطلقوا فقومُوا في النَّاس بما يحقّ عليكم ويحقّ عليهم عند مواطن البأس؛ فإنَّكم من العرب بالمكان الذي أنتم به، وأنتم شُعراء العرب وخُطباؤهم وذوو رأيهم ونجدتهم وسادتهم، فسيروا في الناس، فذكِّروهم وحَرّضوهم على القتال. فساروا فيهم، فقال قيس بن هُبَيرة الأسَديّ: أيُّها الناس! احمَدوا الله على ما هداكم له وأبلاكم يَزِدْكم، واذكروا آلاءَ الله، وارغَبوا إليه في عاداته؛ فإنّ الجنّة أو الغنيمة أمامكم؛ وإنه ليس وراء هذا القصْر إلا العراء والأرض القَفْر، والطراب الخُشْن، والفلوات التي لا تقطعها الأدِلّة.
وقال غالب: أيُّها الناس! احمَدوا الله على ما أبلاكم، وسلوه يزدْكم، وادعوه يُجبْكم؛ يا معاشر مَعَدّ! ما علَّتُكم اليوم وأنتم في حصونكم -يعني: الخيل- ومعكم من لا يعصيكم -يعني: السيوف- اذكروا حديث الناس في غدٍ؛ فإنه بكم غدًا يُبْدَأ عنده، وبمن بعدكم يُثنَّى.
وقال ابن الهُذيل الأسديّ: يا معاشر معدّ! اجعلوا حصونكم السيوف، وكونوا عليهم كأسود الأجَم، وترَبَّدوا لهم تربُّد النُّمور، وادَّرِعوا العَجاج، وثقوا بالله، وغُضّوا الأبصار، فإذا كلَّت السيوف فإنها مأمورة، فأرسلوا عليهم الجنادل، فإنها يؤذن فيما لا يؤذن للحديد فيه.
وقال بُسْر بن أبي رُهْم الجُهَنيّ: احمَدوا الله، وصدّقوا قولكم بفعل، فقد حمِدتم الله على ما هداكم له ووحّدتموه ولا إله غيره، وكبّرِتموه، وآمنتم بنبيّه ورُسُله فلا تَموتُنّ إلا وأنْتم مُسْلِمُون؛ ولا يكوننّ شيء بأهون عليكم من الدُّنيا، فإنها تأتي مَن تهاون بها، ولا تميلوا إليها فتهرُب منكم لتميلَ بكم. انصُرُوا الله ينصُركم.
وقال عاصم بن عمرو: يا معاشرَ العرب! إنَّكم أعيانُ العرب، وقد صمدتم الأعيان من العجم؛ وإنما تخاطرون بالجنَّة، ويخاطرون بالدنيا، فلا يكونُنّ على دنياهم أحوطَ منكم على آخرتكم. لا تحدِثوا اليوم أمرًا تكونون به شَيئًا على العَرَب غدًا.
وقال ربيع بن البلاد السعديّ: يا معاشرَ العرب! قاتلوا للدّين والدُّنيا؛ ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ
стр. 960
لِلْمُتَّقِينَ﴾، وإن عظَّم الشيطان عليكم الأمْرَ، فاذكروا الأخبار عنكم بالمواسم ما دام للأخبار أهل.
وقال رِبْعيّ بن عامر: إنّ الله قد هداكم للإسلام، وجمعكم به، وأراكم الزّيادة، وفي الصبر الرّاحة، فعَؤدوا أنفسَكم الصبر تعتادوه، ولا تعوّدوها الجَزَع فتعتادوه.
وقام كلّهم بنحو من هذا الكلام، وتواثَق الناس، وتعاهدوا، واهتاجوا لكلّ ما كان ينبغي لهم، وفعل أهلُ فارس فيما بينهم مثلَ ذلك، وتعاهدوا وتواصوْا؛ واقترنوا بالسلاسل؛ وكان المقترنون ثلاثين ألفًا (١). (٣: ٥٣٣/ ٥٣٤ / ٥٣٥).
١٢٧ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: مرّ بنا عمرو بن معديكرب وهو يحضّض الناس س بين الصّفين، وهو يقول: إنَّ الرجل مِن هذه الأعاجم إذا ألقى مِزراقه؛ فإنَّما هو تيس. فبينا هو كذلك يحرّضنا إذ خرفي إليه رجلٌ من الأعاجم، فوقف بين الصّفَّين فرمى بنُشَّابة، فما أخطأت سِيَةَ قوسِه وهو متنكِّبها، فالتفت إليه فحمل عليه، فاعتنقه، ثم أخذ بِمنْطَقتهِ، فاحتمله فوضعه بين يديه، فجاء به حتى إذا دنا؛ منَّا كسر عنقَه، ثم وضع سيفه على حَلْقه فذبحه؛ ثم ألقاه، ثم قال: هكذا فاصنعوا بهم! فقلنا: يا أبا ثَور! مَن يستطيع أن يصنع كما تصنع (٢)؟ !
١٢٨ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: كانت -يعني: وقعة القادسيَّة- في المحرّم سنة أربع عشرة في أوله. وكان قد خرج من الناس إليهم، فقال له أهل فارس: أحِلْنا، فأحالهم على بَجِيلة، فصرفوا إليها ستَّة عشر فيلًا (٣). (٣: ٥٣٨).
يوم أغواث
١٢٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا:
стр. 961
وكان سعد قد تزوّج سلْمَى بنت خَصَفة؛ امرأة المثنَّى بن حارثة قبله بشَراف، فنزل بها القادسيَّة، فلمَّا كان يوم أرماث، رجال الناسُ، وكان لا يُطيق جِلْسةً إلَّا مستوفِزًا أو على بطنه؛ جعل سعد يَتَمَلمل ويحُول جَزَعا فوق القصر؛ فلمَّا رأت ما يصنع أهلُ فارس، قالت: وامُثنَّيَاهُ ولا مُثنَّى للخيل اليوم! - وهي عند رجل قد أضجره ما يَرى من أصحابه وفي نفسه - فلطَم وجهها، وقال: أين المثنَّى من هذه الكتيبة التي تدورُ عليها الرّحى! -يعني: أسدًا وعاصمًا وخيله - فقالت: أغَيرةً وجُبْنًا! قال: والله لا يعذِرني اليوم أحد إذا أنتِ لم تعذريني وأنتِ تَرَينَ ما بي، والناس أحقُّ ألّا يعذِروني! فتعلَّقها الناس؛ فلمَّا ظهر النَّاس؛ لم يبقَ شاعر إلّا اعتدّ بها عليه، وكان غير جَبان، ولا ملوم، ولمَّا أصبح القوم من الغد أصبحوا على تعبية، وقد وكّل سعد رجالًا بنقل الشهداء إلى العُذيب ونقلِ الرّثيث؛ فأمَّا الرّثيث فأسلِمَ إلى النساء يقمْن عليهم إلى قضاء الله عليهم؛ وأمَّا الشُّهداء فدفنوهم هنالك على مُشَرّق - وهو وادٍ بين العُذيب وبين عين الشمس في عُدْوتَيه جميعًا؛ الدنيا منهما إلى العُذَيب والقُصَوى منهما من العُذيب - والنَّاس ينتظرون بالقتال حَمْلَ الرّثِيث والأموات؛ فلمَّا استقلَّت بهم الإبل وتوجَّهت بهم نحو العُذَيب طلعت نواصي الخيل من الشأم - وكان فتح دِمَشْق قبل القادسيَّة بشهر - فلمَّا قدم على أبي عُبَيدة كتاب عمر بصَرف أهلِ العراق أصحاب خالد؛ ولم يذكر خالدًا ضنَّ بخالد فحبسه وسرّح الجيش؛ وهم ستة آلاف؛ خمسة آلاف من ربيعة ومُضر وألف من أفناء اليَمن من أهل الحجاز؛ وأمَّر عليهم هاشم بن عُتبة بن أبي وقَّاص، وعلى مقدّمته القعقاع بن عمرو، فجعله أمامه؛ وجعل على إحدى مجنّبتَيه قيس بن هُبيرة بن عبد يغوث المراديّ - ولم يكن شهد الأيّام، أتاهم وهم باليرموك حين صُرِف أهل العراق وصُرف معهم - وعلى المجنَّبة الأخرى الهَزهاز بن عمرو العِجليّ، وعلى الساقة أنس بن عبَّاس. فانجذب القعقاع وطوى وتعجَّل، فقدم على الناس صبيحة يوم أغواث، وقد عهد إلى أصحابه أن يتقطعوا أعشارًا؛ وهم ألف، فكُلَّما بلغ عشرة مَدَى البَصَر سرَّحوا في آثارهم عشرة، فقدّم القعقاع أصحابه في عشرة، فأتى النَّاس فسلَّم عليهم، وبشّرهم بالجنود، فقال: يا أيّها الناس! إنّي قد جئتكم في قوم؛ والله أن لو كانوا بمكانكم، ثم أحشوكم حسدوكم حُظْوتَها، وحاولوا أن يطيروا بها دونكم، فاصنعوا كما أصنع. فتقدّم ثم نادى: مَن يبارز؟ فقالوا فيه بقول أبي بكر: لا يُهْزَم
стр. 962
جيشٌ فيهم مثل هذا، وسكنوا إليه، فخرج إليه ذو الحاجب، فقال له القعقاع: مَن أنت؟ قال: أنا بهْمَن جاذَوَيه، فنادى: يا لِثارات أبي عبيد وسَلِيط وأصحاب يوم الجِسْر! فاجتلدا، فقتله القعقاع، وجعلت خيله تَرِد قِطَعًا، وما زالت ترِدُ إلى الليل وتنشّط الناس؛ وكأن لم يكن بالأمس مصيبة؛ وكأنَّما استقبلوا قتالهم بقتل الحاجبيّ وللحاق القِطَع، وانكسرت الأعاجم لذلك، ونادى القعقاع أيضًا: مَن يبارز؟ فخرج إليه رجلان: أحدهما البِيرزان والآخر البِندوان؛ فانضمّ إلى القعقاع الحارث بن ظبَيْان بن الحارث أخو بني تَيم اللّات، فبارز القعقاع البِيرزان، فضر به فأذرى رأسَه، وبارز ابن ظَبْيان البِندوان، فضر به فأذرى رأسَه، وتورَّدهم فرسان المسلمين، وجعل القعقاع يقول: يا معاشِرَ المسلمين! باشروهم بالسيوف، فإنَّما يُحْصَد الناس بها! فتواصَى النَّاس، وتشايعوا إليهم، فاجتلدوا بها حتَّى المساء، فلم ير أهل فارس في هذا اليوم شيئًا ممَّا يعجبهم، وأكثر المسلمون فيهم القتْل، ولم يقاتلوا في هذا اليوم على فِيل، كانت توابيتها تكسَّرت بالأمس، فاستأنفوا علاجها حين أصبحوا فلم ترتفع حتى كان الغد (١). (٣: ٥٤٢/ ٥٤٣ / ٥٤٤).
١٣٠ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن القاسم بن سُليم بن عبد الرحمن السعديّ، عن أبيه، قال: كان يكون أوّل القتال في كلّ أيامها المطاردة، فلمَّا قدم القعقاع قال: يا أيّها الناس! اصنعوا كما أصنع، ونادَى: مَنْ يبارزُ؟ فبرز له ذو الحاجب فقتلَه، ثم البِيرزان فقتله، ثم خرج الناس من كلِّ ناحية، وبدأ الحرب والطِّعان، وحمل بنو عمّ القعقاع يومئذ، عشرة عشرة من الرجَّالة، على إبل قد ألبسوها فهي مجلَّلة مبرقعة، وأطافت بهم خيولُهم، تحميهم، وأمرهم أن يحملوا على خيلهم بين الصّفين يتشبَّهون بالفيَلة، ففعلوا بهم يوم أغواث كما فعلت فارس يوم أرماث، فجعلت تلك الإبل لا تصمد لقليل ولا لكثير إلَّا نفرت بهم خيلهم، وركبتهم خيول المسلمين، فلمَّا رأى ذلك الناس استنُّوا بهم، فلقيَ فارس من الإبل يوم أغواث أعظَم ممَّا لقي المسلمون من الفيَلة يوم أرماث.
стр. 963
وحمل رجلٌ من بني تميم ممَّن كان يحمي العشيرة يقال له: سواد، وجعل يتعرَّض للشهادة، فقُتل بعدما حمل، وأبطأت عليه الشهادة؛ حتى تعرَّض لرستم يريده، فأصيب دونه (١). (٣: ٥٤٥).
١٣١ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: قَتل القعقاع يوم أغواث ثلاثين في ثلاثين حملة، كلَّما حمل حملة قتل فيها، فكان آخرهم بُزُرْجُمِهر الهمَذانيّ، وقال في ذلك القعقاع:
حَبَوْتُهُ جَيَّاشةً بالنّفس ... هَدَّارةً مثلَ شُعاع الشمسِ
في يوم أغواثٍ فَلَيْلِ الفُرْس ... أَنْخُسُ بالقوم أشَدَّ النَّخْس
حتى تَفِيضَ مَعْشَري ونَفْسي
وبارز الأعْوَر بن قُطبة شَهْرَبَرازَ سِجْستان، فقتل كلّ واحد منهما صاحبه، فقال أخوه في ذلك:
لم أرَ يومًا كان أحلَى وأمَرْ ... من يوم أغواثٍ إذِ افترَّ الثَّغَرْ
من غير ضَحْكٍ كان أَسْوَا وَأَبَرّ (٢)
(٣: ٥٤٧).
١٣٢ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد؛ وشاركهم ابن مِخراق عن رجل من طَيّئ، قالوا: وقاتلت الفرسان يوم الكتائب فيما بين أن أصبحوا إلى انتصاف النهار؛ فلمَّا عدَل النهار تزاحف الناس، فاقتتلوا بها صَتيتًا حتى انتصف الليل؛ فكانت ليلة أرماث تُدعى الهَدْأة، وليلة أغواث تُدعى السَّواد، والنّصف الأول يدعى السَّواد، ثم لم يزل المسلمون يروْن في يوم أغواث في القادسيَّة الظَّفَر، وقتلوا فيه عامّة أعلامهم؛ وجالت فيه خيل القلب، وثبتَ رَجْلهم؛ فلولا أن خيلهم كرّت أخذ رستم أخذًا، فلمَّا ذهب السواد بات النَّاس على مثل ما بات عليه القوم ليلة أرماث؛ ولم يزل المسلمون ينتمون لَدُن أمسوا حتى تفايؤوا. فلمَّا أمسى سعد وسمع ذلك نام، وقال لبعض من عنده: إن تمّ الناس على الانتماء فلا تُوقِظْني، فإنهم أقوياء على عدوّهم؛ وإن سكتوا ولم
стр. 964
ينْتَم الآخرون فلا توقظني، فإنَّهم على السَّواء فإن سمعتَهم ينتمون فأيقظِني؛ فإن انتماءهم عن السَّوء.
فقالوا: ولما اشتدّ القتال بالسواد، وكان أبو مِحْجَن قد حُبس وقُيّد، فهو في القصر، فصعد حين أمسى إلى سعد يستعفيه ويستقيله، فزبره وردّه، فنزل، فأتى سلْمَى بنت خَصَفة، فقال: يا سلمى يا بنت آل خَصَفة! هل لكِ إلى خير؟ قالت: وما ذاك؟ قال: تخلِّين عنِّي وتُعيرينني البَلقاء؛ فلله عليَّ إن سلَّمني الله أن أرجع إليكِ حتى أضعَ رجلي في قَيدي، فقالت: وما أنا وذاك! فرجع يرسُف في قيوده، ويقول:
كَفَى حَزَنًا أن تَرْدِيَ الخَيْلُ بالقَنا ... وأُترَكَ مشدودًا عليَّ وثاقيا
إذا قُمْتُ عَنَّاني الحديدُ وأُغلِقَتْ ... مصاريعُ دوني قد تُصِمُّ المُناديا
وقد كنتُ ذا مالٍ كثيرةٍ وإخْوَةٍ ... فقد تركوني واحدًا لا أخَا لِيَا
ولله عَهْدٌ لا أخيسُ بعهده ... لئن فُرِجَتْ ألَّا أزورَ الحوانيا
فقالت سَلْمى: إنِّي استخرتُ الله ورضيتُ بعهدك، فأطلقَتْه. وقالت: أمَّا الفَرَس فلا أعِيرها؛ ورجعتْ إلى بيتها، فاقتادها فأخرجها من باب القصر الذي يلِي الخندق فركبها؛ ثم دبّ عليها؛ حتى إذا كان بحيال الميمنة كبَّر، ثم حمل على ميسرة القَوم يلعب برمحه وسلاحه بين الصفَين؛ فقالوا: بسرجها، وقال سعيد والقاسم: عُرْيًا؛ ثم رجع من خلف المسلمين إلى الميسرة فكبَّر وحمل على ميمنة القوم يلعب بين الصّفَين برمحه وسلاحه، ثم رجع من خلْف المسلمين إلى القلب فندَر أمام النَّاس، فحمل على القوم يلعب بين الصّفّين برمحه وسلاحه؛ وكان يقصِف الناس ليلتئذٍ قصْفًا منكرًا وتعجَّب الناس منه وهم لا يعرفونه ولم يروْه من النَّهار، فقال بعضهم: أوائل أصحاب هاشم أو هاشم نفسه، وجعل سعد يقول وهو مُشرِف على النَّاس مُكِبّ من فوق القصر: والله لولا مَحْبس أبي مِحْجَن لقلتُ: هذا أبو مِحْجن وهذه البلقاء! وقال بعض الناس: إنْ كان الخَضِر يشهد الحروب فنظنّ صاحب البلقاء الخَضِر، وقال بعضهم: لولا أنّ الملائكة لا تُباشر القتال لقلنا: مَلَكٌ يثبِّتنا؛ ولا يذكره الناس ولا يأبهون له؛ لأنَّه بات في محبسه، فلما انتصف الليل حاجز أهل فارس، وتراجع المسلمون،
стр. 965
وأقبل أبو محْجَن حتى دخل من حيث خرج؛ ووضع عن نفسه وعن دابته، وأعاد رجلَيه في قيديه، وقال:
لقد علِمَتْ ثَقيفٌ غيرَ فَخْرٍ ... بأنّا نحن أكرَمُهم سُيُوفا
وأكثَرُهُمْ دروعًا سابغَاتٍ ... وأصبَرُهم إذا كَرِهوا الوُقُوفا
وأنّا وَفدُهم في كلّ يومٍ ... فإن عَمِيُوا فَسَل بِهِمُ عَرِيفا
وليلةَ قادِسٍ لم يَشْعُروا بي ... ولم أُشْعِرْ بمَخْرَجِيَ الزُّحُوفَا
فإِن أُحْبَسْ فذلكُمُ بلائي ... وإنْ أترَك أَذيقُهُمُ الحُتوفا
فقالت له سلْمى: يا أبا مِحْجَن! في أيّ شيء حبسك هذا الرجل؟ قال: أمَّا والله ما حبسني بحرام أكلته ولا شربته؛ ولكني كنت صاحبَ شراب في الجاهليَّة، وأنا امرؤ شاعر يدِبّ الشعر على لساني، يبعثه على شفتي أحيانًا، فيُساء لذلك ثنائي؛ ولذلك حبسني، قلت:
إذا مِتُّ فادْفِنِّي إلى أصل كَرْمَةٍ ... تُرَوِّي عِظامي بعد موتي عُرُوقها
ولا تَدْفِنِّي بالفَلاة فإِنني ... أخافُ إذا ما متُّ ألا أذوقها
وتُرَوِّي بخمر الحُصِّ لَحدِي فإنني ... أسيرٌ لها من بعدِ ما قد أسوقُها
ولم تزل سلْمى مغاضبة لسعد عشيَّة أرماث، وليلة الهدأة، وليلة السواد؛ حتى إذا أصبحتْ أتته وصالحتْه وأخبرته خبرها وخبر أبي محجن، فدعا به فأطلقه، وقال: اذهب فما أنا مؤاخذك بشيء تقوله حتى تفعله، قال: لا جَرَم، والله لا أجيب لساني على صفة قبيح أبدًا (١). (٣: ٥٤٧/ ٥٤٨ / ٥٤٩/ ٥٥٠).
يوم عِماس
١٣٣ - كتب إليَّ السريُّ بن يحيى عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، وابن مخراق عن رجل من طيّئ، قالوا: فأصبحوا من اليوم الثالث؛ وهم على مواقفهم؛ وأصبحت الأعاجم على مواقفهم، وأصبح ما بين النَّاس كالرِّجلة الحَمراء -يعني: الحَرَّة- ميل في عرض ما بين الصفين، وقد قتل
стр. 966
من المسلمين ألفان من رثيث ومَيّت، ومن المشركين عشرة آلاف من رثيث وميّت. وقال سعد: مَنْ شاء غَسَل الشهداء، ومن شاء فليدفنْهم بدمائهم، وأقبل المسلمون على قتلاهم فأحرزوهم، فجعلوهم من وراء ظهورهم، وأقبل الذين يجمعون القتلى يحملونهم إلى المقابر، ويُبلِّغون الرّثيث إلى النساء، وحاجب بن زيد على الشهداء، وكان النِّساء والصبيان يحفرون القبور في اليومين: يوم أغواث، ويوم أرماث، بِعُدْوتَي مشَرّق، فدُفن ألفان وخمسمئة من أهل القادسيَّة وأهل الأيّام، فمرّ حاجب وبعض أهلِ الشهادة ووُلاةِ الشهداء في أصل نخلة بين القادسيَّة والعُذَيْب، وليس بينهما يومئذ نخلة غيرها، فكان الرّثيث إذا حُملوا فانتهيَ بهم إليها وأحدهم يَعقِل سألهم أن يقفوا به تحتها يستَرْوح إلى ظلِّها، ورجل من الجرْحَى يُدعى بُجَيرًا، يقول وهو مستظلّ بظلها:
ألا يا اسْلَمِي يا نَخْلَةً بين قادِسٍ ... وبين العُذَيبِ لا يُجاورُكِ النَّخْلُ
ورجل من بني ضبَّة، أو من بني ثوْر يُدعى غَيلان، يقول:
أَلا يا اسلَمِي يا نخلةً بين جَرْعةٍ ... يجاورُكِ الجُمّانُ دونكِ والرَّغلُ
ورجل من بني تيم الله، يقال له: رِبْعيّ يقول:
أيا نخلة الجرعاءِ يا جَرْعةَ العِدَى ... سقَتْكِ الغوادي والغيوث الهواطِل
وقال الأعور بن قطبة:
أيا نخلة الرُّكبان لا زُلْتِ فانضرِي ... ولا زال في أكناف جَرْعَائِكِ النَّخل
وقال عوف بن مالك التميمي - ويقال التيميّ تَيم الرّباب:
أَيا نخلةً دون العُذَيب بتَلْعةٍ ... سُقِيتِ الغَوادِي المُدْجناتِ من النّخل (١)
(٣: ٥٥٠/ ٥٥١).
١٣٤ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: وبات القعقاع ليلته كلَّها يسرّب أصحابَه إلى المكان الذي فارقهم فيه من الأمس، ثم قال: إذا طلعتْ لكم الشمس، فأقبلوا مئة مئة، كلّما توارى عنكم مئة فليتبعها مئة؛ فإن جاء هاشم فذاك وإلّا جدَّدتم للناس رَجاءً وجدًّا، ففعلوا،
стр. 967
ولا يشعر بذلك أحدٌ، وأصبح الناس على مواقفهم قد أحرزوا قتلاهم؛ وخلَّوْا بينهم وبين حاجِب بن زيد وقتلى المشركين بين الصّفَّين قد أضيعوا، وكانوا لا يعرضون لأمواتهم، وكان مكانهم مما صنع الله للمسلمين مكيدة فتحها ليشدّ بها أعضاد المسلمين. فلمَّا ذرّ قرن الشمس والقعقاع يلاحظ الخيلَ، وطلعت نواصيها كبَّر وكبَّر الناس، وقالوا: جاء المَدَد، وقد كان عاصم بن عمرو أمر أن يصنع مثلها، فجاؤوا من قِبَل خَفَّان، فتقدمَ الفرسان وتكتَّبت الكتائب، فاختلفوا الضرب والطَّعن، ومددُهم متتابع؛ فما جاء آخر أصحاب القعقاع حتى انتهى إليهم هاشم، وقد طلعوا في سبعمئة، فأخبروه برأي القعقاع وما صنع في يوميه، فعبَّى أصحابه سبعين سبعين، فلمَّا جاء آخر أصحاب القعقاع خرَج هاشم في سبعين معه، فيهم قيس بن هبيرة بن عبد يغوث - ولم يكن من أهل الأيَّام؛ إنما أتى من اليمن اليَرموك - فانتدب مع هاشم، فأقبل هاشم حتى إذا خالط القلب؛ كبَّر وكبَّر المسلمون؛ وقد أخذوا مصافَّهم، وقال هاشم: أوّل القتال المطاردة ثم المراماة؛ فأخذ قوسَه، فوضمع سهمًا على كَبِدها، ثمّ نزع فيها، فرفعت فرسُه رأسها، فخلّ أذنها، فضحك وقال: واسوأتاه من رمية رجل! كلّ من رأى ينتظره! أين ترون سهمي كان بالغًا؟ فقيل: العتيق، فنزّقها وقد نزع السهم، ثم ضربها حتى بلغت العتيق، ثم ضربها فأقبلت به تخرقها، حتى عاد إلى موقفه، وما زالت مَقَانبه تطلع إلى الأولى، وقد بات المشركون في علاج توابيتهم، حتى أعادوها، وأصبحوا على مواقفهم، وأقبلت الفِيَلة معها الرجّالة يحمُونها أن تقطعَ وُضُنها، ومع الرّجَّالة فرسان يحمونهم، إذا أرادوا كتيبة دلفوا لها بفيل وأتباعه؛ ليُنفِّروا بهم خيلَهم فلم يكن ذلك منهم كما كان بالأمس، لأنّ الفيل إذا كان وحْده ليس معه أحد كان أوحشَ، وإذا أطافوا به كان آنس، فكان القتال كذلك، حتى عدَل النهار، وكان يومُ عِماس من أوّله إلى آخره شديدًا؛ العرب والعجم فيه على السواء، ولا يكون بينهم نُقطة إلّا تعاوَرَها الرجال بالأصوات حتى تبلغ يزدجِرْد، فيبعث إليهم أهل النَّجَدات ممَّن بقي عنده، فيَقْوَون بهم، وأصبحت عنده للَّذي لقيَ بالأمس الأمداد على البُرد، فلولا الذي
стр. 968
صنع الله للمسلمين بالذي ألهم القعقاعَ في اليومين وأتاح لهم بهاشم، كسر ذلك المسلمين (١). (٣: ٥٥١/ ٥٥٢).
١٣٥ - كتب إليّ السَّريُّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي كِبْران الحسن بن عُقبة: أنّ قيس بن المكشوح، قال مقدَمَه من الشأم مع هاشم، وقام فيمن يليه، فقال لهم: يا معشرَ العرب! إنّ الله قد منّ عليكم بالإسلام، وأكرمكم بمحمَّد ﷺ ، فأصبحتم بنعمة الله إخوانًا. دَعْوَتُكم واحدة، وأمركم واحد، بعد إذ أنتم يعدُو بعضكم على بعض عَدْوَ الأسْد، ويختطف بعضكم بعضًا اختطاف الذئاب، فانصروا الله ينصركم، وتنجَّزوا من الله فتح فارس؛ فإنّ إخوانكم من أهل الشأم قد أنجز الله لهم فتح الشام، وانتثال القصور الحُمر والحصون الحُمر (٢). (٣: ٥٥٤).
١٣٦ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن المقدام الحارثيّ، عن الشعبيّ، قال: قال عمرو بن معد يكرب: إنّي حاملٌ على الفيل ومَنْ حوله - لفيل بإزائهم - فلا تَدَعوني أكثر من جَزْر جَزور؛ فإن تأخَّرْتم عنّي فقدتم أبا ثور؛ فإنِّي لكم مثل أبي ثور! فإن أدركتموني وجدتموني وفي يدي السيف. فحمل فما انثنى حتى ضرب فيهم، وستره الغبار، فقال أصحابه: ما تنتظرون! ما أنتم بخُلَقاء أن تُدركوه، وإن فقدتموه فقد المسلمون فارسَهم، فحملوا حملة، فأفرج المشركون عنه بعد ما صرعوه وطعنوه، وإنْ سيفه لفي يده يضاربهم، وقد طُعن فرسه، فلمَّا رأى أصحابه، وانفرج عنه أهل فارس أخذ برجْل فرس رجل من أهل فارس، فحرّكه الفارسيّ، فاضطرب الفوس، فالتفت الفارسيّ إلى عمرو؛ فهمّ به وأبصره المسلمون؛ فغشُوه، فنزل عنه الفارسيّ، وحاضر إلى أصحابه، فقال عمرو: أمكِنوني من لجامه، فأمكنوه منه فركبه (٣). (٣: ٥٥٤).
١٣٧ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن المغيرة العبديّ، عن الأسود بن قيس، عن أشياخ لهم شهدوا القادسية، قالوا: لمّا كان يوم عِماس؛ خرج رجل من العجم حتى إذا كان بين الصّفين هدر وشقشق ونادى:
стр. 969
مَنْ يبارز؟ فخرج رجل منَّا يقال له شَبْر بن علقمة - وكان قصيرًا قليلًا دميمًا - فقال: يا معشر المسلمين قد أنصفكم الرّجل! فلم يُجبه أحدٌ؛ ولم يخرج إليه أحد، فقال: أما والله لولا أن تزدروني لخرجت إليه، فلمَّا رأى أنه لا يُمنع أخذ سيفه وحَجَفته، وتقدّم، فلمَّا رآه الفارسيّ هدَر، ثم نزل إليه فاحتمله، فجلس على صدره، ثم أخذ سيفه ليذبحه ومِقْوَدُ فرسه مشدود بمِنْطقه، فلما استلّ السيف حاص الفرس حيصة فجذبه المقود، فقلبه عنه، فأقبل عليه وهو يُسْحب، فافترشه، فجعل أصحابه يصيحون به، فقال: صيحوا ما بدا لكم؛ فوالله لا أفارقه حتى أقتله وأسلبه. فذبحه وسلبه، ثم أتى به سعدًا، فقال: إذا كان حين الظُّهر فائتني، فوافاه بالسَّلَب، فحمِد الله سعد وأثنى عليه، ثم قال: إنِّي قد رأيتُ أن أنحله إيَّاه، وكلّ مَن سلب سلبًا فهو له، فباعه باثني عشر ألفًا (١). (٣: ٥٥٤/ ٥٥٥).
ليلة القادسيّة
١٣٨ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمّد وطلحة وزياد، قالوا: وأصبحوا ليلة القادسيَّة؛ وهي صُبْحة ليلة الهرير، وهي تسمّى ليلة القادسيَّة، من بين تلك الأيام والناس حَسْرَى، لم يغمضوا ليلتهم كلَّها، فسار القعقاع في النَّاس، فقال: إن الدّبْرة بعد ساعة من بدأ القوم، فاصبروا ساعة واحملوا، فإنّ النّصر مع الصّبر، فآثروا الصّبر على الجزَع؛ فاجتمع إليه جماعة من الرؤساء، وصمدوا لرستم، حتى خالطوا الَّذيِن دونه مع الصُّبح. ولما رأت ذلك القبائل قامَ فيها رجال، فقام قيس بن عبد يَغوث والأشعث بن قيس وعمرو بن معديكرب وابن ذي السَّهمَين الخثعميّ وابن ذي البُرْدَينِ الهلاليّ، فقالوا: لا يكوننّ هؤلاء أجدّ في أمر الله منكم، ولا يكوننّ هؤلاء - لأهل فارس - أجرأ على الصوت منكم؛ ولا أسخَى أنفسهًا عن الدنيا، تَنافسوها، فحملهوا ممَّا يليهم حتى خالطوا الَّذِين بإزائهم، وقام في ربيعة رجال، فقالوا: أنتم أعلم الناس بفارس وأجرؤهم عليهم فيما مضى؛ فما يمنعكم اليوم أن تكونوا أجرأ مما كنتم بالجرْأة! فكان أوّل مَن زال حين قام قائم الظهيرة الهُرْمزان والبيرزان، فتأخَّرا وثبتا
стр. 970
حيث انتهيا، وانفرج القلْب حين قام قائم الظهيرة، وركد عليهم النَّقْع، وهبَّت ريحٌ عاصف، فقلعت طيَّارة رستم عن سريره، فهوت في العتيق؛ وهي دَبُور، ومال الغبار عليهم، وانتهى القعقاع ومَن معه إلى السرير فعثروا به، وقد قام رستم عنه حين طارت الرّيح بالطيّارة إلى بغال قد قدمت عليه بمال يومئذ فهي واقفة، فاستظلّ في ظلّ بغل وحِمْله، وضرب هلال بن عُلَّفة الحِمْل الذي رستم تحته؛ فقطع حباله، ووقع عليه أحد العِدْلين، ولا يراه هلال ولا يشعر به؛ فأزال من ظهره فَقارًا، ويضربه ضربة فنفحت مِسْكًا، ومضى رستم نحو العتيق فرمى بنفسه فيه، واقتحمه هلال عليه؛ فتناوله وقد عام؛ وهلال قائم، فأخذه برجله، ثم خرج به إلى الجُدّ، فضرب جبينه بالسَّيف حتى قتله، ثم جاء به حتى رمى به بين أرجل البغال، وصعد السرير، ثم نادى: قتلتُ رستم وربّ الكعبة! إليّ! فأطافوا به وما يُحسُّون السرير ولا يروْنه؛ وكبَّروا وتنادَوْا، وانبتّ قلب المشركين عندها وانهزموا، وقام الجالنوس على الرّدْم، ونادى أهل فارس إلى العبور، وانسفر الغبار؛ فأمَّا المقترنون فإنَّهم جشعوا فتهافتوا في العتيق، فوخزهم المسلمون برماحهم فما أفلت منهم مخبِّر، وهم ثلاثون ألفًا، وأخذ ضِرار بن الخطاب "دِرَفْشِ كابيان"، فعُوّض منها ثلاثين ألفًا، وكانت قيمتها ألف ألف ومئتي ألف، وقتلوا في المعركة عشرة آلاف سوى مَنْ قتلوا في الأيَّام قبله (١). (٣: ٥٦٣/ ٥٦٤).
١٣٩ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عَطيَّة، عن عمرو بن سَلمة، قال: قتَل هلال بن عَلَّفة رستمَ يوم القادسيّة (٢). (٣: ٥٦٤).
١٤٠ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: لما انكشف أهلُ فارس؛ فلم يبقَ منهم بين الخَنْدق والعتيق أحد، وطبّقت القتلى ما بين قُدَيس والعتيق أمر سعد زُهرة باتّباعهم، فنادى زهرة في المقدّمات، وأمر القعقاعَ بمَن سفَل، وشُرَحْبيل بمن علا، وأمر خالد بن عُرْفَطة بسَلْب القتلى وبدَفْن الشهداء، فدُفن الشهداء، شهداء ليلة الهرير ويوم القادسيَّة حول قُديْس ألفان وخمسمئة وراءَ العتيق بحِيال مُشرِّق، ودُفن شهداء ما كان قبل ليلة الهرير على مشرِّق، وجُمعت الأسلاب والأموالُ فجُمع منها شيءٌ لم يُجمَع
стр. 971
قبله ولا بعده مثله؛ وأرسل سعد إلى هلال، فدعَا له، فقال: أين صاحبُك؟ قال: رميتُ به تحت أبغُل؛ قال: اذهبْ فجئ به، فذهب فجاء به، فقال: جَرّدْه إلّا ما شئتَ، فأخذ سلبه فلم يَدَعْ عليه شيئًا، ولما رجع القعقاع وشُرحبيل قال لهذا: اغدُ فيما طلب هذا، وقال لهذا: اغد فيما طلب هذا؛ فعلا هذا، وسفَل هذا، حتى بلغا مقدار الخرّارة من القادسيَّة، وخرج زُهرة بن الحَويَّةِ في آثارهم، وانتهى إلى الرّدْم وقد بثقوه ليمنعوهم به من الطَّلَب، فقال زهرة: يا بُكَيْر، أقدِم، فضرب فرسه، وكان يقاتل على الإناث، فقال: ثبِي أطلالُ، فتجمَّعت وقال: وَثْبًا وسورة البَقَرَةِ! ووثب زهرةُ - وكان على حصان - وسائرُ الخيل فاقتحمته، وتتابع على ذلك ثلاثمئة فارس، ونادى زُهرة حيث كاعت الخيل: خذوا أيّها الناس على القنطرة، وعارضونا، فمضى ومضى الناس إلى القنطرةِ يتَّبعونه فلحق بالقوم والجالنوس في آخرِهم يحميهم، فشاوله زهرة، فاختلفا ضربتين، فقتله زهرة، وأخذ سلبَه، وقتلوا ما بين الخرّارة إلى السَّيلَحين، إلى النَّجَف؛ وأمسَوا فرجعوا فباتوا بالقادسيّة (١). (٣: ٥٦٥/ ٥٦٦).
١٤١ - كتب إليّ السريُّ عن شُعيب، عن سيف، عن عبد الله بن شُبْرُمَة، عن شقيق، قال: اقتحمنا القادسيَّة صدرَ النهار، فتراجَعْنا وقد أتى الصلاة؛ وقد أصيب المؤذّن، فتشاحَّ النَّاس في الأذان حتى كادوا أن يجتلدوا بالسيوف، فأقرع سعد بينهم؛ فخرج سهم رجل فأذَّن (٢). (٣/ ٥٦٦).
١٤٢ - ثم رجع الحديث: وتراجع الطلبُ الّذين طلبوا مَنْ علا على القادسيَّة ومَن سفَل عنها، وقد أتَى الصلاة وقد قتل المؤذن فتشاحّوا على الأذان، فأقرع بينهم سعد، وأقاموا بقيَّة يومهم ذلك وليلتَهم حتى رجع زهرة، وأصبحوا وهم جميعٌ لا ينتظرون أحدًا من جندهم، وكتب سعد بالفتح وبعدّة مَنْ قتلوا ومن أصيب من المسلمين، وسمِّي لعُمَر مَن يعرف مع سعد بن عُمَيلة الفزاريّ (٣). (٣: ٥٦٦).
стр. 972
١٤٣ - كتب إليَّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سعيد بن المَرْزبان، قال: خرج زهرة حتى أدرك الجالنوس؛ ملكًا من ملوكهم؛ بين الخرَّارة والسَّيلَحين، وعليه يارقَان وقُلْبان وقُرْطان على بِرْذَوْن له قد خَضِدَ، فحمل عليه، فقتله، قال: والله إنَّ زهرة يومئذ لعلَى فرس له ما عنانها إلا من حَبْل مضفور كالمِقْودِ، وكذلك حزامها شَعْرٌ منسوج، فجاء بسلبه إلى سعد، فعرف الأسارى الذين عند سعد سلَبه، فقالوا: هذا سلَب الجالنوس، فقال له سعد: هل أعانك عليه أحد؟ قال: نعم، قال: مَنْ؟ قال: الله، فنفَّله سلبَه (١). (٣: ٥٦٧).
١٤٤ - كتب إليَّ السَّريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عبيدة، عن إبراهيم، قال: كان سعد استكثر له سلبَه، فكتب فيه إلى عمر، فكتب إليه عمر: إنّي قد نفَّلت مَنْ قتل رجلًا سلبَه؛ فدفعه إليه فباعه بسبعين ألفًا (٢). (٣: ٥٦٧).
١٤٥ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سَلمة عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر: غير برادع الرّحال، قد عرضوا فيها الجريد، يتَّرسون بها عن أنفسهم، وما عامَّة ما وضعوه على رؤوسهم إلا أنساع الرّحَال، يطوي الرجل نِسْع رحْله على رأسه يتَّقي به، والفُرس فيما بينها من الحديد واليلامق؛ فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وسعد في القصر ينظر، معه سلمَى بنت خَصَفة؛ وكانت قبله عند المثنّى بن حارثة، فجالت الخيل، فرعبت سلمَى حين رأت الخيل جالت، فقالت: وامثنَّياه ولا مُثنَّى لي اليوم! فغار سعد فلطم وجهها، فقالت: أغَيرةً وجُبْنًا" فلمَّا رأى أبو مِحْجن ما تصنع الخيل حين جالت، وهو ينظر من قصر العُذيب وكان مع سعد فيه، قال:
كَفَى حَزَنًا أن تَرْدِيَ الخْيل بالقنا ... وأُتْرَكَ مشدودًا عَليّ وثاقِيا
إذا قمْتُ عَنَّاني الحديدُ وأُغلقَتْ ... مَصاريعُ دوني لا تُجِيبُ المُناديا
وقدْ كُنْتُ ذَا مالٍ كثيرٍ وإخوة ... فقَدْ تَركوني واحِدًا لا أخا لِيا
فكلَّم زَبْراءَ أمَّ ولد سعد - وكان عندها محبوسًا، وسعد في رأس الحصن ينظر
стр. 973
إلى الناس - فقال: يا زَبْراءُ، أطلقيني ولك عليَّ عهد الله وميثاقه: لئن لم أقتل لأرجعنّ إليك حتى تجعلي الحديد في رجليّ، فأطلقته وحملته على فرس لسعد بلْقَاءَ وخلَّت سبيله، فجعل يشدّ على العدوّ وسعد ينظر، فجعل سعد يعرف فرسَه ويُنكرها، فلمَّا أنْ فرغوا من القتال؛ وهزم الله جموع فارس، رجع أبو مِحْجن إلى زَبْراء، فأدخل رِجْله في قيده، فلمّا نزل سعد من رأس الحصن رأى فرسه تعرق، فعرف: أنها قد رُكِبَتْ، فسأل عن ذلك زَبْراء، فأخبرته خبر أبي مِحْجن فخلّى سبيله (١). (٣: ٥٧٥).
١٤٧ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق، قال: وقد كان عمرو بن مَعْديكرب شهِد القادسيَّة مع المسلمين (٢). (٣: ٥٧٦).
١٤٨ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن القاسم بن سُليم بن عبد الرحمن السعديّ، عن عثمان بن رجاء السعديّ، قال: كان سعد بن مالك أجرَأ النَّاس وأشجعَهمْ: إنه نزل قصرًا غير حصين بين الصّفَّين، فأشرف منه على النَّاس، ولو أعراه الصّفّ فُواقَ ناقة أخِذ برُمَّته؛ فوالله ما أكرثه هول تلك الأيام ولا أقلقه (٣)! (٣: ٥٨٠).
١٤٩ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمَّد والمهلَّب وطلحة، قالوا: وكتب سعد بالفتح وبعدّة مَنْ قتلوا، وبعدّة مَن أصيب من المسلمين، وسَمَّى لعمر مَن يعرف مع سعد بن عُمَيلة الفزاريّ، وشاركهم النَّضْر بن السريّ عن ابن الرُّفيل بن مَيسور، وكان كتابه: أمَّا بعد: فإن الله نصرَنا على أهل فارس، ومنحهم سُنَن مَن كان قبلهم من أهل دينهم، بعد قتال طويل وزِلزال شديد، وقد لقوا المسلمين بعِدّة لم ير الراؤون مثل زُهائها فلم ينفعهم الله بذلك، بل سلَبَهموه ونقله عنهم إلى المسلمين، واتّبعهم المسلمون على الأنهار وعلى طفوف الآجام وفي الفجاج؛ وأصيب من المسلمين سعد بن عبيد القارئ، وفلان، وفلان، ورجال من المسلمين لا نَعلَمُهم، اللهُ بهم عالم،
стр. 974
كانوا يُدَوُّون بالقرآن إذا جنّ عليهم الليل دَويَّ النحل، وهم آساد النَّاس، لا يشبههم الأسود، ولم يفضُل مَن مضى منهم مَن بقي إلّا بفضل الشهادة؛ إذ لم تُكتَبَ لهم (١). (٣: ٥٨٣).
١٤٩ / أ - قال: والثَّبَت عندنا: أنَّها كانت في سنة أربع عشرة.
وأما محمد بن إسحاق فإنه قال: كانت سنة خمس عشرة، وقد مضى ذكري الروايةَ عنه بذلك. (٣: ٥٩٠).
ذكر أحوال أهل السواد
١٥٠ - كتب إليَّ السَّريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس، عن عامر الشَّعبيّ، قال: قلت له: السّواد ما حاله؛ قال: أخِذ عَنْوَةً، وكذلك كلّ أرض إلّا الحصون، فجلا أهلها؛ فدُعوا إلى الصّلح والذمة، فأجابوا وتراجعوا، فصاروا ذمَّة، وعليهم الجِزاء، ولهم المَنَعة، وذلك هو السنَّة، كذلك صنع رسول الله ﷺ بدُومة، وبقيَ ما كان لآل كسرى ومَن خرج معهم فيئًا لمن أفاءه الله عليه (١). (٣: ٥٨٧).
١٥١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: عامَّة ما أخذ المسلمون عَنْوة فدعوهم إلى
стр. 981
الرجوع والذمَّة، وعرضوا عليهم الجِزاء فقبلوه ومنعوهم (١). (٣: ٥٨٧).
١٥٢ - وعن سيف عن عمرو بن محمد، عن الشعبي، قال: قلت له: إنّ أناسًا يزعُمون أن أهل السّواد عبيد، فقال: فعلام يؤخذ الجِزاء من العبيد؟ أخِذ السَّواد عَنْوة، وكلّ أرض علمتَها إلّا حصنًا في جبل أو نحوه. فدُعوا إلى الرجوع فرجعوا، وقبل منهم الجِزاء، وصاروا ذمَّة؛ وإنَّما يُقْسَم من الغنائم ما تُغنِّم؛ فأمَّا ما لم يُغْنَم وأجاب أهله إلى الجِزاء من قبل أن يُتغنَّم، فلهم جرت السنَّة بذلك (٢). (٣: ٥٨٧).
١٥٣ - كتب إليّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي ضَمْرة, عن عبد الله بن المستورِد، عن محمد بن سيرين، قال: البلدان كلّها أخذت عَنْوة إلّا حصون قليلة، عاهدوا قبل أن يُنزَلوا، ثم دُعوا -يعني الذين أخذوا عَنْوة- إلى الرّجوع والجِزاء، فصاروا ذمَّة أهل السَّواد، والجبَل كلّه أمر لم يزل يُصنع في أهل الفيء، وإنما عمل عمر والمسلمون في هذا الجِزاء والذمَّة على إجريًّا ما عمل به رسول الله ﷺ في ذلك، وقد كان بعث خالد بن الوليد من تَبُوك إلى دُومة الجنْدل، فأخذها عَنْوة، وأخذ ملِكها أكَيدِرَ بن عبد الملك أسيرًا، فدعاه إلى الذمَّة والجزاء، وقد أخذت بلاده عَنْوة، وأخذ أسيرًا؛ وكذلك فعل بابني عريض، وقد أَخذا فادّعيا أنهما أودّاؤه، فعقد لهما على الجِزاء والذمَّة، وكذلك كان أمر يُحنَّه بن رُؤية صاحب أيلة. وليس المعمول به من الأشياء كرواية الخاصّة، مَن روى غير ما عمل به الأئمة العدول المسلمون، فقد كذب وطعن عليهم (٣). (٣: ٥٨٧/ ٥٨٨).
ذكر بناء البَصْرة
١٥٤ - قال أبو جعفر: وفي سنة أربع عشرة أمر عمر بن الخطّاب ﵀ فيما زعم الواقديّ - الناس بالقيام في المساجد في شهر رمضان بالمدينة، وكتب إلى الأمصار يأمر المسلمين بذلك.
وفي هذه السنة -أعني: سنة أربع عشرة- وجَّه عمر بن الخطاب عُتْبة بن غَزْوان إلى البصرة، وأمره بنزولها بمَن معه، وقطع مادّة أهلِ فارس عن الذين بالمدائن ونواحيها منهم في قول المدائنيّ وروايته.
وزعم سيف أن البصرة مُصّرت في ربيع سنة ست عشرة، وأنّ عُتبة بن غَزْوان إنَّما خرج إلى البصرة من المدائن بعد فراغ سعد من جَلولاء وتَكْرِيت والحِصْنين؛ وجَّهه إليها سعد بأمر عمر (١). (٣: ٥٩٠).
١٥٤ / أ - وأمَّا محمد بن بَشَار، فإنَّه حدَّثنا، قال: حدَّثنا صفوان بن عيسى الزُّهريّ، قال: حدَّثنا عمرو بن عيسى أبو نَعامة العَدَويّ، قال: سمعت خالد بن عُمَير وشُوَيسًا أبا الرُّقاد، قالا: بعث عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان، فقال له: انطلق أنت ومَن معك؛ حتَّى إذا كنتم في أقصى أرض العرب وأدنى أرض العجم، فأقيموا، فأقبلوا حتى إذا كانوا بالمِرْبَد وجدوا هذا الكذّان. قالوا: ما هذه البَصرةُ؟ فساروا حتى بلغوا حيال الجِسْر الصغير، فإذا فيه حَلْفاء وقصبٌ نابتة، فقالوا: هاهنا أمرتم، فنزلوا دون صاحب الفُرات، فأتوه فقالوا: إنّ هاهنا قومًا معهم راية، وهم يريدونك، فأقبل في أربعة آلاف أسوار، فقال: ما هم إلا ما أرى؛ اجعلوا في أعناقهم الحبال، وائْتُوني بهم، فجعل عتبة يَزْجَل، وقال: إني شهدت الحرب مع النبيّ ﷺ ؛ حتى إذا زالت الشمس، قال: احملوا؛ فحملوا عليهم فقتلوهم أجمعين، فلم يبق منهم أحد إلّا صاحب الفرات، أخذوه
стр. 984
أسيرًا، فقال عتبة بن غَزْوان: ابغوا لنا منزلًا هو أنزه من هذا - وكان يوم عِكاك وَومَد - فرفعوا له منبرًا، فقام يخطب، فقال: إنَّ الدنيا قد تصرّمت وولَّت حَذّاء، ولم يبق منها إلا صُبابة كصُبابة الإناء، ألا وإنَّكم منتقلون منها إلى دار القرار، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، وقد ذكر لي: لو أنّ صخرة ألقيت من شفير جهنم هوت سبعين خريفًا، ولتُملأنّها؛ أوعجِبتم! ولقد ذكر لي أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنَّة مسيرة أربعين عامَّا، وليأتينّ عليه يوم وهو كظيظ بزحام، ولقد رأيتُني وأنا سابع سبعة مع النبيّ ﷺ ، ما لنا طعام إلا ورق السَّمُر، حتى تقرّحت أشداقنا؛ والتقطت بُردة فشققتها بيني وبين سعد، فما منَّا من أولئك السبعة من أحدٍ إلا وهو أمير مِصْر من الأمصار، وسيُجرِّبون الناس بعدنا (١). (٣: ٥٩١/ ٥٩٢).
١٥٥ - فيما حدّثني عمر، قال: حدَّثنا المدائنيّ عن النّضر بن إسحاق السُّلَمي، عن قطبة بن قتادة السّدُوسيّ - يُغير بناحية الخُرَيبة من البصرة، كما كان
стр. 985
المثنّى بن حارثة الشيبانيّ يُغير بناحية الحبيرة، فكتب إلى عمر يُعلمه مكانه، وأنه لو كان معه عدد يسير ظفر بمن قِبَله من العجم، فنفاهم من بلادهم. وكانت الأعاجم بتلك الناحية قد هابوه بعد وقعة خالد بنهو المرأة، فكتب إليه عمر: إنَّه أتاني كتابك أنَّك تغيرُ على مَنْ قِبَلك من الأعاجم، وقد أصبت ووُفِّقت؛ أقم مكانك، واحذر على مَن معلى من أصحابك حتى يأتيَك أمري. فوجَّه عمر شريح بن عامر، أحد بني سعد بن بَكْر إلى البصرة؛ فقال له: كن ردءًا للمسلمين بهذه الجيزة، فأقبلَ إلى البصرة، فترك بها قطبة، ومضى إلى الأهواز حتى انتهى إلى دارس، وفيها مسلحة للأعاجم، فقتلوه، وبعث عمر عُتْبة بن غزوان (١). (٣: ٥٩٣).
١٥٦ - حدَّثنا عمر، قال: حدّثني عليّ عن عيسى بن يزيد، عن عبد المَلِك بن حذيفة ومحمد بن الحجّاج، عن عبد الملك بن عُمَير، قال: إن عمر قال لعتبة بن غزوان إذ وجَّهه إلى البصرة: يا عتبة! إنّي قد استعملتك على أرض الهند، وهي حوْمة من حوْمة العدوّ، وأرجو أن يكفيَك الله ما حولها، وأن يُعينك عليها، وقد كتبت إلى العلاء بن الحضرميّ أن يُمدّك بعَرْفجة بن هرثمة؛ وهو ذو مجاهدة العدوّ ومكايدته؛ فإذا قدم عليك فاستشره وقرّبه، وادع إلى الله؛ فمن أجابك فاقبل منه، ومَنْ أبي فالجزية عن صَغَار وذلّة، وإلّا فالسيف في غير هوادة. واتّق الله فيما وُلِّيت، وإيّاك أن تنازعك نفسك إلى كِبْر يفسد عليك إخوتك، وقد صحبتَ رسول الله ﷺ فعززتَ به بعد الذِّلَّة، وقوي به بعد الضعف، حتى صرتَ أميرًا مسلّطًا ومَلِكًا مطاعًا، تقول فيُسمع منك، وتأمر فيطاع أمرُك، فيالها نعمة؛ إن لم ترفعك فوق قدرك وتُبطرك على مَنْ دونك! احتفظ من النعمة احتفاظك من المعصية؛ ولَهِيَ أخوَفُهما عندي عليك أن تستدرجك وتخدعك، فتسقط سقطة تصير بها إلى جهنّم، أعيذك بالله ونفسي من ذلك، إنّ الناس أسرعوا إلى الله حين رفعت لهم الدنيا فأرادوها، فأرد الله ولا ترد الدنيا، واتّق مصارع الظالمين (٢). (٣: ٥٩٣/ ٥٩٤).
١٥٧ - حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدَّثنا عليّ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيل