← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14544

إجابة الدعوة وشروطها

إبراهيم العبيد

Полный текст (152 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أخرجه أحمد (١) من طريق ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله به وسنده صحيح وأبو الزبير صرح بالتحديث. وأخرجه أبو داود (٢) وابن سعد (٣) والبيهقي (٤) كلهم من طريق إبراهيم بن عقيل عن أبيه عن وهب بن منبه عن جابر به، وسنده حسن، ويشهد له ما قبله حديث ابن عباس ﵄. ٣ - عن ابن عمر ﵄ قال أتى النبي ﷺ بيت فاطمة فلم يدخل عليها، وجاء علي فذكرت له ذلك فذكره للنبي ﷺ قال: إني رأيت على بابها سترا موشيا (٥) فقال: ما لي وللدنيا، فأتاها علي فذكر ذلك لها فقالت: ليأمرني فيه بما شاء قال: ترسل به إلى فلان أهل بيت بهم حاجة. أخرجه البخاري (٦) وأبو داود (٧) وزاد «وما أنا والدنيا وما أنا والرقم».

стр. 72

وأخرجه أبو داود (١) وابن ماجة (٢) والبيهقي (٣) بلفظ: «أن رجلا أضاف علي بن أبي طالب فصنع له طعاما فقالت فاطمة: لو دعونا رسول الله ﷺ فأكل معنا فدعوه فجاء فوضع يده على عضادتي الباب، فرأى القرام قد ضرب في ناحية البيت، فرجع فقالت فاطمة لعلي: الحقه فانظر ما رجعه، فتبعته فقلت: يا رسول الله، ما ردك؟ فقال: إنه ليس لي أو لنبي أن يدخل بيتًا مزوقا» (٤). من طريق حماد بن سلمة عن سعيد بن جُمهان عن سفينة أبي عبد الرحمن أن رجلا به، وسنده حسن كما قاله ابن قدامة (٥). وأخرجه النسائي (٦) وأبو يعلى (٧) بلفظ عن علي قال صنعت طعامًا فدعوت رسول الله ﷺ فجاء فدخل فرأى سترًا فيه تصاوير فخرج وقال: «إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه تصاوير».

стр. 73

وفي الباب عن أم سلمة لكنه مختصر أخرجه البيهقي (١). ٤ - حديث عمر ﵁ قال: يا أيها الناس إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بإزار، ومن كانت تؤمن بالله واليوم الآخر فلا تدخل الحمام». أخرجه أحمد (٢) وأبو يعلى (٣) والبيهقي (٤) كلهم من طريق ابن وهب حدثني عمرو بن الحارث أن عمر بن السائب حدثه أن القاسم بن أبي السبائي حدثه عن قاضي الأجناد بالقسطنطينية أنه سمعه يحدث أن عمر بن الخطاب به، وسنده ضعيف لجهالة قاضي الأجناد هذا. قال المنذري: وقاضي الأجناد لا أعرفه (٥). وقال الهيثمي: وفيه رجل لم يسم (٦). وقال ابن الملقن: وفي إسناده هذا المجهول كما ترى (٧).

стр. 74

ولهذا الحديث شواهد يتقوى بها (١) من حديث جابر وابن عمر وابن عباس وهي: الأول: حديث جابر. أخرجه أحمد (٢) والنسائي (٣) والحاكم (٤) من طريق أبي الزبير عن جابر به. قال الحافظ: أخرجه النسائي وإسناده جيد (٥). لكن فيه عنعنة أبي الزبير. وأخرجه الترمذي (٦) وأبو يعلى (٧) من طريق ليث بن أبي سليم عن طاوس عن جابر به. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث طاوس عن جابر إلا من هذا الوجه.

стр. 75

قال محمد إسماعيل: ليث بن أبي سليم صدوق ربما يهم في الشيء. قال محمد بن إسماعيل: وقال أحمد بن حنبل: ليث لا يفرح بحديثه، كان ليث يرفع أشياء لا يرفعها غيره فلذلك ضعفوه. ا. هـ. الثاني: حديث ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن مطعمين: عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر، وأن يأكل الرجل وهو منبطح على بطنه. أخرجه أبو داود (١) وابن ماجة (٢) والحاكم (٣) والبيهقي (٤). كلهم من طريق كثير بن هشام عن جعفر بن برقان عن الزهري عن سالم عن أبيه به. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. لكن هذا الطريق منقطع بين جعفر والزهري فإنه لم يسمعه من الزهري. قال أبو داود: هذا الحديث لم يسمعه جعفر من الزهري وهو منكر ثم ساقه من طريق زيد بن أبي الزرقاء حدثنا جعفر أنه بلغه عن الزهري بهذا الحديث.

стр. 76

وقال أبو حاتم: هذا الحديث خطأ يرويه عن جعفر عن رجل عن الزهري هكذا وليس هذا من صحيح حديث الزهري ... ثم قال: وأما قصة المائدة فهو مفتعل ليس من حديث الثقات (١). وكذا النسائي (٢) أعله بعدم سماع جعفر من الزهري. وقال الحافظ: أخرجه أبو داود من حديث ابن عمر بسند فيه انقطاع (٣). الثالث: حديث ابن عباس ﵄ أخرجه الطبراني (٤). من طريق يحيى بن أبي سليمان عن عطاء عن ابن عباس به. قال الهيثمي: وفيه يحيى بن أبي سليمان المدني، ضعفه البخاري وأبو حاتم ووثقه ابن حبان (٥). وقال ابن الملقن: وسنده ضعيف بسبب يحيى بن أبي سليمان المدني قال البخاري: منكر الحديث (٦). وذكر الحافظ في التلخيص (٧) حديث جابر وشواهده ثم قال عقبها: وأسانيدها ضعاف. وفي الفتح جوَّد إسناد حديث جابر (٨).

стр. 77

٥ - عن أسلم مولى عمر أن عمر بن الخطاب ﵁ حين قدم الشام فصنع له رجل من النصارى طعاما فقال لعمر: إني أحب أن تجيئني، وتكرمني أنت وأصحابك وهو رجل من عظماء الشام فقال له عمر ﵁: «إنا لا ندخل كنائسكم من أجل الصور التي فيها التماثيل». أخرجه عبد الرزاق (١) وابن أبي شيبة (٢) والبيهقي (٣) كلهم من طريق معمر عن أيوب عن نافع عن أسلم به. وسنده صحيح. وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٤) من طريق محمد بن إسحاق عن نافع عن أسلم به، وفيه عنعنة ابن إسحاق. ٦ - عن أبي مسعود بن عقبة بن عمرو ﵁ أن رجلاً صنع له طعامًا فدعاه فقال: أفي البيت صورة؟ قال: نعم. فأبى أن يدخل حتى كسر الصورة ثم دخل. أخرجه ابن أبي شيبة (٥) والبيهقي (٦) كلاهما من طريق وهب بن جرير ثنا شعبة عن عدي بن ثابت عن خالد بن سعد به.

стр. 78

قال الحافظ: وسنده صحيح (١). وقال البخاري: باب هل يرجع إذا رأى منكرًا في الدعوة؟ ورأى ابن مسعود (٢) صورة في البيت فرجع (٣). ٧ - عن سالم بن عبد الله قال: أعرست في عهد أبي فآذن أبي الناس، وكان أبو أيوب فيمن آذنا، وقد ستروا بيتي ببجاد (٤) أخضر، فأقبل أبو أيوب فدخل فرآني قائمًا فاطلع، فرأى البيت مستترًا ببجاد أخضر فقال: يا عبد الله أتسترون الجدر؟ قال أبي: واسْتَحيَى، غلبنا النساء يا أبا أيوب قال: من خشي أن يغلبنه النساء، فلم أخش أن يغلبنك، ثم قال: لا أطعم لكم طعامًا ولا أدخل لكم بيتا ثم خرج. أخرجه البخاري تعليقًا (٥) وأحمد (٦) وابن أبي شيبة (٧)

стр. 79

ومسدد (١) والطبراني (٢) كلهم من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن سالم به وسنده حسن. وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح (٣). وأخرجه البيهقي (٤) من طريق ابن وهب حدثني عبد الله بن عمر عن ربيعة عن عطاء قال: عرست ابنًا لي فدعوت القاسم بن محمد وعبيد الله بن عبد الله بن عمر فلما وقفا على الباب، رأى عبيد الله البيت قد ستر بالديباج فرجع، ودخل القاسم بن محمد فقلت: والله لقد مقتني حين انصرف فقلت: أصلحك الله، والله إن ذلك لشيء ما صنعته، وما هو إلا شيء صنعته النساء وغلبونا عليه، قال فحدثني أن عبد الله بن عمر ﵄ زوج ابنه سالما فلما كان يوم عرسه دعا عبد الله ناسا فيهم أبو أيوب الأنصاري ﵁، فلما وقف على الباب رأى أبو أيوب في البيت سترا من قز فقال: «لقد فعلتموها يا أبا عبد الرحمن قد سترتم الجدر فرجع». وفي سنده العمري عبد الله بن عمر ولهذا الأثر طريق ثالث رواه الحافظ ابن حجر (٥) من طريق أبي صالح حدثني ليث عن بكير بن الأشج عن سالم بن عبد الله بنحوه. وأبو صالح هذا هو كاتب الليث.

стр. 80

وقال الحافظ بعد ذكر الطريق الأول وقع لنا من وجه آخر من طريق الليث عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن سالم بمعناه ... وقال: وقد وقع نحو ذلك لابن عمر فيما بعد فأنكره وأزال ما أنكر ولم يرجع كما صنع أبو أيوب، فروينا في كتاب «الزهد لأحمد» (١) من طريق عبد الله بن عتبة قال: دخل ابن عمر بيت رجل دعاه إلى عرس فإذا بيته قد ستر بالكرور فقال ابن عمر: يا فلان متى تحولت الكعبة في بيتك؟! ثم قال لنفر معه من أصحاب النبي ﷺ ليهتك كل رجل ما يليه (٢). مسائل تتعلق بهذا الشرط المسألة الأولى: حكم الحضور مع وجود المنكر (٣). هذه المسألة لا تخلو من صورتين: الأولى: أن يعلم بالمنكر قبل مجيئه إلى مكان الدعوة. الثانية: أن لا يعلم بالمنكر حتى حضر إلى مكان الدعوة. فأما الصورة الأولى وهي إذا كان يعلم بالمنكر قبل مجيئه فهذه الصورة لا تخلو من أحوال: الأولى: أن يكون قادرًا على إزالة المنكر. الثانية: أن يكون غير قادر على إزالة المنكر. الثالثة: أن لا يتحقق إزالة المنكر. فأما الحالة الأولى إذا كان قادرًا على إزالة المنكر، ففي هذه الحالة ثلاثة أقوال لأهل العلم:

стр. 81

القول الأول: وجوب الإجابة كما قاله ابن قدامة (١) والعراقي (٢) لأنه يؤدي فرضين إجابة أخيه وإزالة المنكر. القول الثاني: تحريم الإجابة كما حكاه شيخ الإسلام (٣) ابن تيمية عن عبد القادر. القول الثالث: التخيير وقد حكى ابن العربي (٤) الاتفاق على أنه إذا رأى منكرًا أو خاف أن يراه أنه لا يجيب. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والأقيس بكلام الإمام أحمد في التخيير عند المنكر المعلوم غير المحسوس أن يتخير بينهما أيضًا، وإن كان الترك أشبه بكلامه لزوال المفسدة بالحضور والإنكار لكن لا يجب لما فيه تكليف الإنكار ولأن الداعي أسقط حرمته باتخاذ المنكر، ونظير هذا إذ مر بمتلبس بمعصية هل يسلم عليه أو يترك التسليم؟ (٥). الحالة الثانية: أن يكون غير قادر على إزالة المنكر. في هذه الحالة إذا كان غير قادر على إزالة المنكر فإنه لا يحضر كما قاله ابن قدامة (٦) وغيره، وحكى العراقي (٧) والحافظ ابن حجر (٨) في ذلك وجهين (٩):

стр. 82

أحدهما: الأول لا يحضر ويجوز أن يحضر ولا يستمع وينكر بقلبه كما لو كان يضرب المنكر في جواره فلا يلزمه التحول وإن بلغه الصوت، وعلى ذلك جرى العراقيون كما قال الرافعي أو بعضهم كما قال النووي، وحكاه البيهقي عن أصحابنا وهو ظاهر نص الشافعي ﵀ في الأم والمختصر. وحكي (١) عن أبي حنيفة: ابتليت بهذا مرة وهذا لأن إجابة الدعوة سنة فلا يتركها لما اقترنت من البدعة من غيره، قال: وهذا إذا لم يكن مقتدى فإن كان ولم يقدر على منعهم يخرج ولا يقعد لأن في ذلك شين الدين وفتح باب المعصية على المسلمين. والمحكي عن أبي حنيفة قبل أن يصير مقتدىً ولو كان ذلك على المائدة لا ينبغي أن يقعد، وإن لم يكن مقتدى لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]. قال: وهذا كله بعد الحضور ولو علم قبل الحضور لا يحضر لأنه لم يلزمه حق الدعوة بخلاف ما إذا هجم عليه لأنه قد لزمه. انتهى (٢). الوجه الثاني: لأصحابنا أنه يحرم الحضور لأنه كالرضا بالمنكر وإقراره، وبه قال المراوزة ... وهو الصحيح. وإذا قلنا به فلم يعلم حتى حضر نهاهم، فإن لم ينتهوا فليخرج، والأصح تحريم القعود إلا أن لا يمكنه الخروج بأن كان في الليل وخاف فيقعد كارها ولا يستمع، وعلى هذا الوجه الثاني جرى الحنابلة قالوا: فإن علم بالمنكر ولم يره ولم يسمعه فله الجلوس، وكذا اعتبر المالكية في وجوب الإجابة أن لا يكون هناك منكر. ا. هـ.

стр. 83

والأظهر في هذه الحالة عدم الحضور إذا كان غير قادر على الإنكار لعموم الأدلة السابقة في هذا الباب. الحالة الثالثة: أن لا يتحقق إزالة المنكر ففي هذه الحالة لا تلزم الإجابة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وإن خافوا يأتوا بالمحرم ولم يغلب على ظنهم أحد الطرفين فقد تعارض الموجب - وهو الدعوة - والمبيح - وهو خوف شهود الخطيئة فينبغي أن لا يجيب لأن الموجب لم يسلم من المعارض المساوي ولا يحرم لأن المحرم كذلك، فينتفي الوجوب والتحريم ويبقى الجواز. ونصوص الإمام أحمد كلها تدل على المنع من اللبث في المكان المضر (١). الصورة الثانية: أن لا يعلم بالمنكر حتى حر مكان الدعوة. في هذه الصورة إذا لم يعلم بالمنكر حتى حضر فإنه يزيله فإن لم يقدر انصرف كما قاله ابن قدامة (٢). وقال الحافظ ابن حجر: فإن لم يعلم حتى حضر فلينههم، فإن لم ينتهوا فليخرج إلا إن خاف على نفسه من ذلك وعلى ذلك جرى الحنابلة وكذا اعتبر المالكية في وجوب الإجابة أن لا يكون هناك منكر، وإن كان من أهل الهيئة لا ينبغي له أن يحضر موضعا فيه لهو أصلا، حكاه ابن بطال وغيره عن مالك (٣). وقال العراقي: إذا لم يعلم حتى حضر نهاهم فإن لم ينتهوا فليخرج، والأصح تحريم القعود إلا أن لا يمكنه الخروج بأن كان في الليل وخاف فيقعد كارها

стр. 84

ولا يستمع، وعلى هذا الوجه الثاني جرى الحنابلة قالوا: فإن علم بالمنكر ولم يره ولم يسمعه فله الجلوس (١). وقال ابن عبد البر: قال مالك وابن القاسم: أما اللهو الخفيف مثل الدف فلا يرجع، وقال أصبغ: أرى أن يرجع، قال: وقد أخبرني ابن وهب عن مالك أنه لا ينبغي لذوي الهيئة أن يحضر موضعًا فيه لعب، ثم حكى ابن عبد البر الفرق بين المقتدى به وغيره عن محمد بن الحسن والأصل في هذا الباب امتناعه ﷺ من دخول بيته لما رأى فيه نمرقة فيها تصاوير، وهو في الصحيح من حديث عائشة وبوب عليه البخاري «باب هل يرجع إذا رأى منكرًا في الدعوة» قال ورأى ابن مسعود صورة في البيت فرجع، ودعا ابن عمر أبا أيوب فرأى في البيت سترًا على الجدار، فقال ابن عمر: غلبنا عليه النساء فقال: من كنت أخشى فلم أكن أخشى عليك، والله لا أطعم لكم طعامًا فرجع (٢) (٣). وبناء على هذا فإنه ينكر المنكر فإن لم يستطع ينصرف ولا يبقى، والأحاديث والآثار الواردة في هذا الباب تدل على ذلك والله أعلم. المسألة الثانية: إذا كان في البيت ستور فما حكم الإجابة . قبل الشروع في بيان حكم هذه المسألة أود أن أورد كلام أهل العلم في حكم اتخاذ الستور في البيت.

стр. 85

اختلف أهل العلم في ذلك على أقوال: القول الأول: تحريم اتخاذ الستور في البيت حكاه النووي (١) والحافظ (٢) عن الشيخ أبي نصر المقدسي من الشافعية. دليل هذا القول: ١ - ما أخرجه مسلم (٣) من حديث عائشة ﵂ قالت: رأيته خرج في غزاته، فأخذت نمطا فسترته على الباب، فلما قدم فرأى النمط عرفت الكراهية في وجهه فجذبه حتى هتكه أو قطعه وقال: «إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين» قالت: فقطعنا منه وسادتين وحشوتها ليفا فلم يعب ذلك على. والهتك والقطع يدل على المنع. ٢ - حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تستروا الجدر». أخرجه أبو داود (٤) وسنده ضعيف كما قاله ابن الملقن (٥) والحافظ ابن حجر (٦).

стр. 86

قال الحافظ: وله شاهد مرسل عن علي بن الحسين أخرجه ابن وهب ثم البيهقي (١) من طريقه. وعند سعيد بن منصور من حديث سلمان موقوفًا «أنه أنكر ستر البيوت وقال: أمحموم بيتكم أو تحولت الكعبة عندكم؟! لا أدخله حتى يهتك» اهـ. ٣ - أثر أبي أيوب مع ابن عمر وقوله له: «لا أطعم لكم طعاماً ولا أدخل لكم بيتاً ثم خرج» وتقدم قريبًا (٢). القول الثاني: كراهية اتخاذ الستور في البيت. وهذا قول جمهور أهل العلم (٣) واحتجوا: ١ - ما أخرجه البيهقي (٤) بسند صحيح عن عبد الله بن يزيد الخطمي أنه دعي إلى طعام فرأى البيت منجدًا فقعد خارجًا وبكى. وقيل له ما يبكيك؟ قال إن رسول الله ﷺ رأى رجلاً قد رقع بردة له بقطعة أدم فقال: «تطالعت عليكم الدنيا ثلاثا ثم قال: أنتم اليوم خير أم إذا غدت عليكم قصعة وراحت أخرى، ويغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى، وتسترون بيوتكم كما تستر الكعبة؟ قال عبد الله: أفلا أبكي وقد بقيت حتى رأيتكم تسترون بيوتكم كما تستر الكعبة». ٢ - استدلوا أيضًا بأدلة القول الأول وأنها محمولة على الكراهة.

стр. 87

القول الثالث: التفصيل إذا كان الستر ليس فيه صور ولحاجة من وقاية حر أو برد فلا بأس لأنه أشبه بالستر على الباب وما يلبسه. وإن كان لغير حاجة فهو مكروه قاله ابن قدامة. واستدلوا بعموم الأدلة السابقة. المناقشة: نوقشت أدلة أصحاب القول الأول: أما حديث عائشة فإن سبب الهتك هو ما فيه من الصور كما ورد ذلك في بعض الروايات في الصحيح. قال النووي في شرح هذا الحديث: وقد صرحت الروايات المذكورات بعد هذه بأن هذا النمط كان فيه صورة الخيل ذوات الأجنحة، وأنه كان فيه صورة وأما قوله حين جذب النمط وأزاله: «إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين» فاستدلوا به على أنه يمنع ستر الحيطان وتنجيد البيوت وهو منع كراهية تنزيه لا تحريم هذا هو الصحيح. وقال الشيخ أبو الفتح نصر المقدسي من أصحابنا: هو حرام، وليس في هذا الحديث ما يقتضي تحريمه لأن حقيقة اللفظ أن الله تعالى لم يأمرنا بذلك، وهذا يقتضي أنه ليس بواجب ولا مندوب ولا يقتضي التحريم والله أعلم (١). ونقل الحافظ (٢) عن البيهقي أنه قال: هذه اللفظة تدل على كراهية ستر الجدران، وإن كان في بعض الألفاظ إن المنع كان بسبب المصور وقال غيره:

стр. 88

ليس في السياق ما يدل على التحريم، وإنما فيه نفي الأمر لذلك، ونفي الأمر لا يستلزم ثبوت النهي، لكن يمكن أن يحتج بفعله ﷺ في هتكه (١). وأما حديث عبد الله بن عباس وشاهده فضعيفان. وأما أثر أبي أيوب مع ابن عمر فليس صريحًا في التحريم بل استدل بفعل ابن عمر على الجواز. قال ابن قدامة عقب ذكره للأحاديث في هذا الباب: إذا ثبت هذا فإن ستر الحيطان مكروه غير محرم، وهذا مذهب الشافعي إذ لم يثبت في تحريمه دليل، وقد فعله ابن عمر في زمن الصحابة ﵁، وإنما كره لما فيه من السرف والزيادة في الملبوس والمأكول، وقد قيل هو محرم للنهي عنه، والأول أولى فإن النهي لم يثبت ولو ثبت لحمل على الكراهة لما ذكرنا (٢). الترجيح: الأظهر والله أعلم القول الثالث وهو التفصيل، وهو إن كانت الستور لحاجة فلا بأس بها، وإن كانت لغير حاجة فهي مكروهة لعموم الأدلة الواردة في هذا الباب، وأما حديث عائشة فليس صريحًا في أن الهتك بسبب الستر وإنما كان بسبب الصورة وحديث ابن عباس والحسين صريحا في النهي لكن لا يصحان. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ويكره تعليق الستور على الأبواب من غير حاجة لوجود أغلاق غيرها من أبواب الخشب ونحوها، وكذلك تكرار الستور في الدهليز (٣) لغير حاجة فإن ما زاد على الحاجة فهو سرف وهل يرتقى إلى التحريم؟ محل نظر (٤).

стр. 89

حكم إجابة الدعوة إذا كان في البيت ستور: أما حكم الإجابة إلى الدعوة إذا كان في البيت ستور فلا تخلو من أحوال: الأولى: أن تكون الستور لحاجة ولم تشتمل على محرم فهذه لا تمنع الإجابة. الثانية: أن تكون لغير حاجة واشتملت على محرم ككونها من حرير أو فيها صور فهذا حكمه حكم الدعوة التي اشتملت على منكر وسبق تفصيل ذلك. الثالثة: أن تكون لغير حاجة ولم تشتمل على منكر فهذا يرجع إلى الخلاف في حكم الستور في هذه الحالة فمن رأى التحريم فإن حكم الإجابة إلى الدعوة التي فيها منكر كما تقدم. ومن رأى الكراهة فحكمه الكراهية. قال الحافظ ابن حجر: وإن كان مما يكره كراهة تنزيه فلا يخفى الورع، ثم قال ومما يؤيد ذلك ما وقع في قصة ابن عمر من اختلاف الصحابة في دخول البيت الذي سترت جدره ولو كان حرامًا ما قعد الذين قعدوا، ولا فعله ابن عمر، فيحمل فعل أبي أيوب على كراهة التنزيه جمعا بين الفعلين، ويحتمل أن يكون أبو أيوب كان يرى التحريم والذين لم ينكروا يرون الإباحة (١). المسألة الثالثة: إذا كان في مكان الدعوة منكر لا يراه ولا يسمعه: إذا علم أن في مكان الدعوة منكرًا لا يراه ولا يسمعه فهو بالخيار كما حكاه ابن قدامة عن الإمام أحمد ﵀. قال ابن قدامة: وإن علم أن عند أهل الوليمة منكرًا لا يراه ولا يسمعه لكونه بمعزل عن موضع الطعام أو يخفونه وقت حضوره، فله أن يحضر ويأكل، نص عليه أحمد، وله الامتناع من الحضور في ظاهر كلامه، فإنه سئل عن الرجل

стр. 90

يدعى إلى الختان أو العرس وعنده المخنثون فيدعوه بعد ذلك بيوم أو ساعة وليس عنده أولئك، قال أرجو أن لا يأثم إن لم يجب، وإن أجاب فأرجو أن لا يكون آثمًا. فأسقط الوجوب لإسقاط الداعي حرمة نفسه باتخاذ المنكر، ولم يمنع الإجابة لكون المجيب لا يرى منكرًا ولا يسمعه (١). المسألة الرابعة: إذا كان في مكان الدعوة لعب مباح أو مكروه: هذه المسألة ذكر القرطبي: أن أكثر أهل العلم على جواز الحضور وعند المالكية فيها قولان، وكره مالك لأهل الفضل والهيئات التسرع لإجابة الدعوات وحضور مواضع اللهو المباح (٢). وتقدم نقل كلام ابن عبد البر في هذا في الصورة الثانية من المسألة الأولى. الشرط الثاني: أن لا يكون في مجلس الوليمة من يهجر (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن كان في المجلس من يهجر ففيه نظر، والأشبه جواز الإجابة لا وجوبها (٤).

стр. 91

وهذا الشرط يرد عليه ما يرد على الشرط الرابع من أن مخالطة هؤلاء في صفوف الصلاة لا تسقط الجماعة، وفي الصحيحين (١) من حديث كعب بن مالك في قصة تخلفه عن غزوة تبوك وهجر النبي ﷺ له ولصاحبيه وقال: أما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشبَّ القوم وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين ... ولم يكن ذلك عذرًا لأحد في التخلف عن صلاة الجماعة مع أن كعبا يشهدها وهو مهجور من النبي ﷺ وأصحابه، إلا أن يقيد ذلك بمن يحصل منه ضرر أو يقال إن الداعي لما جمع في مجلس الدعوة من يشرع هجره أسقط حقه في وجوب الإجابة وبقي الجواز بخلاف صلاة الجماعة، فهي حق لله تعالى تجب على الجميع إلا من كان معذورًا والله أعلم. قال ابن الجوزي: إذا كان في الضيافة مبتدع يتكلم ببدعته لم يجز الحضور معه، إلا لمن يقدر على الرد عليه، وإن لم يتكلم المبتدع جاز الحضور معه مع إظهار الكراهية له والإعراض عنه، وإن كان هناك مضحك بالفحش والكذب لم يجز الحضور ويجب الإنكار فإن كان مع ذلك مزح لا كذب فيه ولا فحش أبيح ما يقل من ذلك، فأما اتخاذه صناعة وعادة فيمنع منه (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأما إن كانوا فساقًا لكن لا يأتون بمحرم ولا مكروه لهيبة في المجلس، فيتوجه أن يحضر إن لم يكونوا ممن يهجرون مثل المستترين (٣).

стр. 92

ومما يؤيد عدم وجوب الحضور أن مخالطة من يهجر قد لا يأمن التضرر ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ونصوص الإمام أحمد كلها تدل على المنع من اللبث في المكان المضر (١). الشرط الثالث: أن لا يكون الطعام حرامًا (٢). إذا كان الطعام حرامًا لم تجب الإجابة بل تحرم سواء كان الطعام محرمًا لذاته أو لكسبه. قال ابن الجوزي: إذا كان الطعام حرامًا فليمتنع من الإجابة (٣). وهذا الشرط قد يفرد وقد يكون داخلاً ضمن الشرط الأول وهو أن لا تشتمل الدعوة على منكر، وذلك لأن الطعام إما أن يكون محرمًا لذاته كلحم الميتة والخنزير، وإما أن يكون محرمًا لكسبه كالمسروق والمغصوب، وكلا النوعين منكر فيكون من الدعوة التي اشتملت على منكر فيمتنع من الإجابة. مسألة: إذا كان في الطعام شبهة. ذكر النووي (٤) والطيبِي (٥) والصنعاني (٦) وصاحب عون المعبود (٧) من الأعذار المسقطة للإجابة إذا كان في الطعام شبهة، بل قال القرطبي (٨): لا يجوز الحضور.

стр. 93

الشرط الرابع (١): أن لا يكون هناك من يتأذى بحضوره ولا تليق به مجالسته (٢). هذا الشرط المراد به أن لا يكون في مجلس الدعوة من يتأذى بهم من الأرذال والسفهاء وغيرهم. قال العراقي: أن لا يكون هناك من يتأذى بحضوره ولا تليق به مجالسته فإن كان فهو معذور في التخلف، وكذا اعتبر المالكية في الوجوب أن لا يكون هناك أرذال، وأشار الغزالي في الوسيط إلى حكاية وجه بخلاف هذا، وفي البحر للروياني: لو دُعي محتشمًا مع سفهاء القوم هل تلزمه الإجابة وجهان، ويوافقه قول المارودي: ليس من الشروط أن لا يكون عدوا للمدعو، ولا أن يكون في الدعوة من هو عدو له وفيما قاله نظر وأي تأذٍ أشد من مجالسة العدو (٣). وعلل الأُبَّى هذا الشرط بقوله: لأن المجامع التي فيها الأرذال من الفساق ونحوهم لا يؤمن فيها على الدين (٤). وقال المرداوي: قال في الترغيب والبلغة: إن علم حضور الأرذال ومن مجالستهم تزري بمثله لم تجب إجابته (٥).

стр. 94

وقد تعقب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ القول بهذا الشرط فقال عقب قول صاحب التغريب والبلغة: ولم أره لغيره من أصحابنا وقد أطلق الإمام أحمد ﵀ الوجوب واشترط الحل وعدم المنكر. فأما هذا الشرط فلا أصل له كما أن مخالطة هؤلاء في صفوف الصلاة لا تسقط الجماعة، وفي الجنازة لا تسقط الحضور فكذلك ههنا. وهذه شبهة الحجاج بن أرطأة وهو نوع من التكبر فلا يلتفت إليه. نعم إن كانوا يتكلمون بكلام محرم فقد اشتملت الدعوة على محرم وإن كان مكروهًا فقد اشتملت على مكروه. وأما إن كانوا فُسَّقًا لكن لا يأتون بمحرم ولا مكروه لهيبة المجلس فيتوجه أن يحضر إذ لم يكونوا ممن يهجرون مثل المستترين (١). وعلى هذا فلا يدخل هذا في الشروط إلا إذا كانوا يتكلمون بكلام محرم أو مكروه، فيكون محله الشرط الأول إذا اشتملت الدعوة على منكر والله أعلم. الشرط الخامس (٢): أن لا تكون الدعوة للخوف من شر المدعو أو الطمع في جاهه (٣). فإذا كانت الدعوة ليست خالصة بل دعاه لاتقاء شره أو رغبة فيما عنده من جاه أو غيره لم تجب الإجابة.

стр. 95

قال الحافظ - في معرض ذكره لشروط إجابة الدعوة -: وأن لا يظهر منه قصد التودد لشخص بعينه لرغبة فيه أو رهبة منه (١). وقال ابن العربي: أما الذي يصح في هذا عندي والله أعلم أن إجابة الدعوة واجبة إذا خلصت نية الداعي لله، وخلصت وليمته عما لا يرضي الله، ولما عدم هذا أسقط الوجوب عن الخلق بل حرم عليهم ... (٢). لكن يرد على هذا الشرط ما في الصحيحين (٣) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: شر الطعام طعام وليمة العرس يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله ﷺ . حيث أمر المدعو بالإجابة وجعل من لم يجب عاصيًا لله ولرسوله مع أنها شر الطعام حيث دعي الأغنياء من أجل غناهم، ويترك الفقراء، إلا أن يقال بأن الوليمة في الأصل مشروعة لأنها وليمة عرس. الشرط السادس: أن تكون الدعوة في وقت الوليمة (٤). المراد بهذا الشرط أن تكون الدعوة في وقت وليمة العرس لا قبلها كما حكاه العراقي عن تاج الدين السبكي أنه قال: ينبغي أن يتقيد بما إذا دعاه في وقت استحباب الوليمة دون ما إذا دعاه في غير وقتها (٥). وقد اختلف أهل العلم في وقتها، قال البيهقي: باب وقت الوليمة ثم ذكر فيه حديث أنس بنى رسول الله ﷺ فأرسلني فدعوت الناس الحديث (٦).

стр. 96

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ووقت الوليمة في حديث زينب وصفته تدل على أنه عقب الدخول (١). وكذا قال الحافظ إن حديث أنس صريح في أنها - الوليمة - بعد الدخول لقوله فيه: «أصبح عريسًا بزينب فدعا القوم» (٢). وقال النووي: واختلف العلماء في وقت فعلها فحكى القاضي عياض أن الأصح عند مالك وغيره أنه يستحب فعلها بعد الدخول، وعن جماعة من المالكية استحبابها عند العقد، وعن ابن حبيب المالكي استحبابها عند العقد وعند الدخول (٣). وقال بعد ذلك في حديث زواجه ﷺ من صفية: فيه دليل لوليمة العرس وأنها بعد الدخول وقد سبق (٤) أنها تجوز قبله وبعده (٥). وقال الحافظ: واستحب بعض المالكية أن تكون عند البناء ويقع الدخول عقبها، وعليه عمل الناس اليوم ويؤيد كونها للدخول لا للإملاك أن الصحابة بعد الوليمة (٦) ترددوا هل هي زوجة أو سرية فلو كانت الوليمة عند الإملاك لعرفوا أنها زوجة، لأن السرية لا وليمة لها فدل على أنها عند الدخول أو بعده (٧).

стр. 97

والحاصل من هذا أن وقت الوليمة يكون عقب الدخول كما في حديث أنس من زواجه ﷺ بصفية كما تقدم. قال العراقي عقب قول النووي ونقله عن المالكية: إن أريد أنه لا تجب الإجابة فيما إذا عملت الوليمة قبل العقد فهو واضح، لكن لا يحتاج إلى ذكره لأنها ليست وليمة عرس، ويبقى النظر فيما لو دعي قبل العقد ليحضر العقد، ويأكل طعامًا قد هيئ هل تجب الإجابة أم لا؟ فيه احتمال لكونه لم يعقد إلى الآن، والظاهر وجوب الإجابة لكون الوليمة إنما تفعل بعد العقد وإن كان الإعلان بها سابقًا. وإن أريد أنَّا إذا استحببنا أن تكون بعد الدخول فعملت قبله لا تجب الإجابة، فهو ممنوع لأنها وليمة عرس، وإن عدل بها صاحبها عن الأفضل فهو كمن أولم بغير شاة مع التمكن منها (١). الشرط السابع: أن لا تخص الدعوة بالأغنياء (٢). هذا الشرط ينص على أن الدعوة إذا اختصت بالأغنياء لم تجب الإجابة وسيأتي ذكر الخلاف في ذلك بعد سياق دليل هذا الشرط. دليل هذا الشرط: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء، ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله.

стр. 98

أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤)، وابن ماجة (٥)، والطحاوي (٦)، وابن عدي (٧) من طرق عن أبي هريرة به موقوفًا وفي بعض طرقه مرفوعًا كما عند مسلم لكن الأكثر على وقفه، وتقدم هذا الحديث (٨). ٢ - حديث ابن عمر ﵄ كما ذكره الحافظ من رواية أبي الشيخ كما تقدم، وأخرجه ابن عدي (٩) من طريق سلام بن سليم عن إبراهيم الصائغ عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليه الغني ويترك الفقير ومن دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله».

стр. 99

وتقدم الكلام عليه (١). ٣ - عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليه الشبعان، ويحبس عنه الجائع». أخرجه الطبراني في الكبير (٢) والأوسط (٣)، والبزار (٤)، وتقدم الكلام عليه (٥). غالب من ذكر الشروط في هذا الباب يذكر هذا الشرط منها، وأنه مسقط لوجوب الإجابة وقد حكى القرطبي (٦) كراهية العلماء اختصاص الدعوة بالأغنياء. وقال: ولا يفهم من هذا القول أعني: الحديث تحريم ذلك الفعل لأنه لا يقول أحد بتحريم إجابة الدعاء للوليمة فيما علمته (٧). ثم إنه لما حكى الكراهية لهذا الفعل حكى الخلاف فيمن فعل ذلك هل تجاب دعوته أم لا؟ فقال ابن مسعود: لا تجاب ونحوه يحيى بن حبيب من أصحابنا،

стр. 100

وظاهر كلام أبي هريرة وجوب الإجابة (١) ودعا ابن عمر في وليمة الأغنياء والفقراء، فأجلس الفقراء على حدة وقال: هاهنا لا تفسدوا عليهم ثيابهم، فإنا سنطعمكم مما يأكلون. وقال الحافظ: أنها تكون شر الطعام إذا كانت بهذه الصفة ولهذا قال ابن مسعود: إذا خص الغني وترك الفقير أمرنا أن لا نجيب (٢). وقال ابن بطال: إذا ميز الداعي بين الأغنياء والفقراء فأطعم كلا على حدة لم يكن به بأس، وقد فعله ابن عمر (٣). وفي اشتراط هذا الشرط نظر لأن النبي ﷺ سمى الوليمة التي هذه حالها شر الطعام ثم حكم على من لم يجب بالعصيان، فلو كان ذلك مسقطًا للوجوب ما حكم ﷺ على المدعو إذا لم يجب بالعصيان والله أعلم. الشرط الثامن والتاسع: أن لا يكون فيها زحام (٤) أو إغلاق باب. قال العراقي: واعتبر مالك ﵀ في وجوب الإجابة أن لا يكون هناك زحام ولا إغلاق باب دونه، حكاه ابن الحاجب في مختصره، فأما الأول وهو انتفاء الزحام فقد صرح الروياني من أصحابنا بخلافه وقال: إن الزحام ليس عذرًا، وقد يقال إنه مخالف لما سبق من اعتبار أن لا يكون هناك من يتأذى به فإن الزحام مما يتأذى به.

стр. 101

وأما الثاني وهو إغلاق الباب دونه فإن أريد استمرار إغلاقه فلا يفتح له أصلاً فهذا واضح لأنه لم يتمكن من حضور الوليمة فلا يمكن القول بوجوبه عليه، وإن أريد إغلاقه حتى يحتاج إلى الإعلام والتوسل فيفتح فهذا محتمل ولا يبعد على قواعدنا القول به لما في الوقوف على الأبواب من الذل الذي يصعب على الإنسان ويشق عليه احتماله، والله أعلم (١). وعلى هذا فهذا الشرطان ليسا على الإطلاق بل لا بد من تقييد الزحام بما يتضرر به، وإغلاق الباب بما إذا لم يفتح أو استلزم الذلة والتوسل قبل الفتح، أما مجرد إغلاق الباب فهذا لا يمنع الإجابة، لأن هذا شأن البيوت غالبًا إغلاق أبوابها فإذا جاء يستأذن كما ورد في السنة فإن لم يؤذن له كان معذورًا. الشرط العاشر: أن تكون الدعوة في اليوم الأول (٢) وهذا الشرط على المشهور كما قاله الحافظ ابن حجر (٣) وإلا فإن في المسألة خلافًا كما سيأتي. دليل هذا الشرط: قول النبي ﷺ : «الوليمة أول يوم حق والثاني معروف والثالث رياء وسمعة». وهذا الحديث مروي عن جماعة من الصحابة هم: زهير بن عثمان وأبو هريرة وابن مسعود وأنس بن مالك وابن عباس ووحشي بن حرب.

стр. 102

فأما حديث زهير بن عثمان فأخرجه أبو داود (١) والنسائي (٢) وأحمد (٣) والبخاري في التاريخ الكبير (٤) والدارمي (٥) والطحاوي (٦) والطبراني (٧) والبيهقي (٨). كلهم من طريق همام حدثنا قتادة عن الحسن عن عبد الله بن عثمان الثقفي عن رجل أعور من ثقيف قال قتادة: كان يقال له معروفًا - أي يثني عليه خيرًا - يقال له زهير بن معاوية أن النبي ﷺ ، به. وفي بعضها قال قتادة: وكان يقال له معروفًا إن لم يكن اسمه زهير بن عثمان فلا أدري ما اسمه: أن رسول الله ﷺ ، به. وهذا الطريق معلول من أوجه: الأول: الخلاف في صحبة زهير بن عثمان. قال البخاري عقب إخراجه لهذا الحديث في ترجمة زهير: ولم يصح إسناده ولا يعرف له صحبة (٩).

стр. 103

وساقه ابن عبد البر من طريق الحسن بن عبد الله بن عثمان عنه قال: يقال إنه مرسل (١). وقال ابن السكن: ليس بمعروف في الصحابة (٢). لكن قال الحافظ ابن حجر عقب قول البخاري: وأثبت صحبته ابن أبي خيثمة وأبو حاتم والترمذي والأزدي وغيرهم (٣). وقال في التهذيب تبعًا للمزي: وعداده في الصحابة الذين نزلوا البصرة (٤)، وجزم بصحبته في التقريب (٥). الثاني: جهالة عبد الله بن عثمان الثقفي كما قاله الحافظ ابن حجر (٦). الثالث: الإرسال فقد وصله همام عن قتادة وخالفه معمر عن قتادة عن الحسن مرسلاً، فلم يذكر عثمان ولا زهيرًا. أخرجه عبد الرزاق (٧) والبغوي (٨) وقال: هكذا رواه معمر مرسلاً ويروى متصلاً عن ابن مسعود بإسناد غريب. وأخرجه النسائي (٩) من طريق يونس عن الحسن مرسلاً أيضًا، وقال

стр. 104

الحافظ: وقد خالف يونس بن عبيد قتادة في إسناده فرواه عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلاً أو معضلا لم يذكر عبد الله بن عثمان ولا زهيرًا، أخرجه النسائي ورجحه على الموصول، وأشار أبو حاتم إلى ترجيحه (١). والعجيب أن الحافظ ابن حجر قوَّى حديث زهير من هذا الطريق فقال: رواه أبو داود والنسائي بسند لا بأس به (٢). والحاصل أن الحديث بهذا الطريق ضعيف، وقد ضعفه البخاري في التاريخ، وأشار إلى ذلك في الصحيح فقال: ومن أولم سبعة أيام ونحوه، ولم يؤقت النبي ﷺ يومًا ولا يومين. وذكره عبد الحق في الأحكام الوسطى (٣) وذكر قول البخاري ولم يتعقبه وقال ابن عبد البر: في إسناده نظر ويقال: إنه مرسل (٤). أما حديث أبي هريرة فأخرجه ابن ماجة (٥) من طريق عبد الملك بن حسين أبي مالك النخعي عن منصور عن أبي حازم عن أبي هريرة به. وسنده ضعيف.

стр. 105

قال الحافظ في التلخيص: وفي إسناده عبد الملك بن حسين النخعي الواسطي: ضعيف (١)، وقال في التقريب: متروك (٢)، وقال في الفتح: وفيه عبد الملك بن حسين، وهو ضعيف جدًا (٣). وقال البوصيري: هذا إسناد فيه عبد الملك بن حسين وهو ضعيف (٤). أما حديث ابن مسعود فأخرجه الترمذي (٥) والبيهقي (٦) كلاهما من طريق زياد بن عبد الله البكائي حدثنا عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله بن مسعود به. قال الترمذي: حديث ابن مسعود لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث زياد بن عبد الله، وزياد بن عبد الله كثير الغرائب والمناكير. قال وسمعت محمد بن إسماعيل يذكر عن محمد بن عقبة قال: قال وكيع: زياد بن عبد الله مع شرفه يكذب في الحديث. ا. هـ. وقال البيهقي: وحديث البكائي أيضًا غير قوي (٧). وقال فيه الحافظ: صدوق ثبت في المغازي، وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لين، ولم يثبت أن وكيعًا كذبه (٨).

стр. 106

وقال في التهذيب: بعد قول وكيع: والذي في تاريخ البخاري عن ابن عقبة عن وكيع زياد أشرف من أن يكذب في الحديث، وكذا ساقه الحاكم أبو محمد في الكنى بإسناده إلى وكيع وهو الصواب ولعله سقط من رواية الترمذي «لا» وكان فيه مع شرفه لا يكذب في الحديث فتتفق الروايات. والله أعلم (١). وقال في التلخيص: وقال الدارقطني: تفرد به زياد بن عبد الله عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عنه - أي ابن مسعود - قلت: وزياد مختلف في الاحتجاج به ومع ذلك فسماعه من عطاء بعد الاختلاط (٢). أما حديث أنس فأخرجه البيهقي (٣) من طريق بكر بن خنيس عن الأعمش عن أبي سفيان عن أنس به وقال: وليس هذا بقوي، بكر بن خنيس تكلموا فيه. وقال فيه الحافظ ابن حجر: صدوق له أغلاط، أفرط فيه ابن حبان (٤). وبكر هذا تركه غير واحد أحمد بن صالح وابن خراش والدارقطني وغيرهم، وضعفه آخرون، وقال أبو حاتم لا يبلغ به الترك. وقال ابن معين في رواية صالح لا بأس به إلا أنه يروي عن ضعفاء ويكتب من حديثه الرقاق وقال مرة: ليس بشيء (٥).

стр. 107

وقال الحافظ: في إسناده بكر بن خنيس وهو ضعيف، وذكره ابن أبي حاتم والدارقطني في العلل من حديث الحسن عن أنس ورجحا رواية من أرسله (١). أما حديث ابن عباس فأخرجه الطبراني (٢) من طريق محمد بن عبيد الله العرزمي عن عطاء عن ابن عباس به. قال الهيثمي: وفيه محمد بن عبيد الله العرزمي وهو متروك (٣). وقال الحافظ في التلخيص وعن وحشي بن حرب وابن عباس رواهما الطبراني في الكبير وإسنادهما ضعيف (٤). وقال في الفتح: أخرجه الطبراني بسند ضعيف (٥). أما حديث وحشي بن حرب فأخرجه الطبراني (٦) من طريق محمد بن سليمان ثنا وحشي بن وحشي عن أبيه عن جده بنحوه. قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله وثقهم ابن حبان (٧) وضعفهم الحافظ. وقال الحافظ أيضًا: بعد ذكره هذا الحديث وشواهده: وهذه الأحاديث وإن كان كل منها لا يخلو عن مقال، فمجموعها يدل على أن للحديث أصلاً (٨).

стр. 108

وهذا الحديث وشواهده هو عمدة هذا الشرط وقد قال به جمع من أهل العلم واعتبروا الوجوب في اليوم الأول كما قاله ابن قدامة (١) والنووي (٢) وغيرهما. قال ابن قدامة: وإن صنعت الوليمة أكثر من يوم جاز فقد روى الخلال بإسناده عن أبي أنه أعرس، ودعا الناس ثمانية أيام. وإذا دعا في اليوم الأول وجبت الإجابة، وفي اليوم الثاني تستحب الإجابة، وفي اليوم الثالث لا تستحب. قال أحمد: الأول يجب، والثاني إن أحب، والثالث فلا، وهكذا مذهب الشافعي (٣). وحكى العراقي عن النووي في الروضة القطع بهذا، وقال: وليس كذلك فقد حكى ابن يونس في التعجيز وجهين في وجوب الإجابة في اليوم الثاني، وقال في شرحها أصحها الوجوب وبه قطع الجرجاني لوصف النبي ﷺ الثاني بأنه معروف (٤). لكن هذا الحديث الذي هو عمدة هذا الشرط على القول بتقويته ظاهره يعارض ما أخرجه أبو يعلى في مسنده (٥) عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ تزوج صفية

стр. 109

وجعل عتقها صداقها، وجعل الوليمة ثلاثة أيام، وبسط نطعا جاءت به أم سليم، وألقى عليه أقطًا وتمرًا، وأطعم الناس ثلاثة أيام. وقال البخاري: باب حق إجابة الوليمة والدعوة: ومن أولم سبعة أيام، ولم يوقت (١) النبي ﷺ يوما ولا يومين، وضعف حديث زهير كما تقدم، وقال (٢) قال ابن عمر وغيره عن النبي ﷺ إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليجب، ولم يخص ثلاثة أيام ولا غيرها وهذا أصح (٣). وأخرج عبد الرزاق (٤) والبيهقي (٥) من طريق معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال تزوج أبي فدعا الناس ثمانية أيام، فدعا أبي بن كعب فيمن دعا، فجاء يومئذ وهو صائم فصلى، يقول دعا بالبركة ثم خرج. وأخرجه البيهقي من طريق وهيب عن أيوب عن محمد قال حدثتني حفصة أن سيرين عرس بالمدينة، فأولم فدعا الناس سبعا، وكان فيمن دعا أبي بن كعب فجاء وهو صائم فدعا لهم بخير وانصرف. وقال عقبة: وكذا رواه حماد بن زيد عن أيوب سبعا، إلا أنه لم يذكر حفصة في إسناده وقال معمر عن أيوب ثمانية. والأول أصح. وأخرجه من طريق عبد الوهاب عن أيوب عن محمد بن سيرين أن أباه دعا نفرًا من أصحاب النبي ﷺ ، فأتوا فيهم أبي بن كعب ﵁ أحسبه قال فبارك وانصرف.

стр. 110

وهذا الأثر يخشى فيه من الانقطاع، وهو أن ابن سيرين وأخته حفصة لم يدركا زمن القصة وهو زواج سرين (١). فإن ظاهر هذا عدم التقديم بيوم أو يومين. ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى عدم التحديد بيوم أو يومين كما قاله البخاري، وقال القاضي عياض (٢): استحب أصحابنا لأهل السعة كونها أسبوعًا قال: وقال بعضهم: محلها إذا دعا في كل يوم من لم يدع قبله ولم يكرر عليهم. لكن يمكن أن يجمع بينهما بما قاله الحافظ: فيمكن حمل ما وقع من السلف من الزيادة على اليومين عند الأمن من ذلك - يعني السمعة والرياء - وإنما أطلق ذلك على الثالث لكونه الغالب، والله أعلم (٣). الشرط الحادي عشر: أن لا يكون في مكان الدعوة من يكرهه المدعو أو يكره هو المدعو (٤). هذا الشرط ذكره المرداوي بصيغة: قيل، وفي اشتراطه نظر، وذلك أن كراهية المدعو لمن في مكان الدعوة أو كراهية غيره له ليس على إطلاقها، بل لابد من التفصيل وهو أن الكراهية إما أن تكون بحق أو بغير حق، فإن كانت بحق ككونه
следующие страницы →