Полный текст (890 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
كذلك في المشهور، والمراد بذلك على وجه الكراهة، وقيل إنها مباحة للشيخ وتكره للشاب رواه الخطابي عن مالك، وقيل إنها مباحة في النفل مطلقاً وتمنع في الفرض رواه ابن وهب، وهذه الأقوال الثلاثة حكاها عياض في الإكمال. وقسم غير واحد القبلة والمباشرة والملاعبة على ثلاثة أقسام: فإن علم من نفسه السلامة لم تحرم وعكسه عكسه وإن شك ففي ذلك قولان: الكراهة والتحريم وقال ابن هارون والذي عني أنه إن شك في خروج المني فالظاهر التحريم وإن شك في المذي فالظاهر الكراهة، وظاهر كلام الشيخ أن الفكرة والنظر ليس منهيا عنهما وجعلهما ابن الحاجب كالقبلة ونحوها وجعل اللخمي النظر المستدام كالقبلة، وقال ابن بشير لا يختلف أنهما لا يحرمان وإنما اختلف في القبلة والمباشرة هل تحرم أم تكره أو يفرق بين الشيخ والشاب وبين الواجب وغيره.
(ومن التذ في نهار رمضان بمباشرة أو قبلة فأمذى لذلك فعليه القضاء و‘ن تعمد ذلك حتى أمنى فعليه الكفارة):
ظاهر كلام الشيخ إن التذ بقبلة فلا شئ عليه، وهو كذلك وظاهره إذا أنعظ ولم يخرج منه شئ أنه لا يقضي وهو كذلك في أحد القولين، وظاهر كلامه أنه يلزمه وإن لم يستدم وهو كذلك وظاهره إذا أنعظ، ولم يخرج منه شئ أنه لا يقضي وهو كذلك في أحد القولين، وظاهر كلامه أنه يلزمه وإن لم يستدم وهو كذلك في قول. والملاعبة والمباشرة مثل ما تقدم إلا أن الكفارة تجب في المني من غير تفصيل بين استدامة وغيرها على المشهور، وأسقط أشهب الكفارة فيه مع عدم الاستدامة نقله الباجي.
(ومن قام رمضان إيمانا واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه: وإن قمت فيه بما تيسر فذلك مرجو فضله وتكفير الذنوب به والقيام فيه في مساجد الجماعات بإمام ومن شاء قام في بيته):
اختلف في قيام رمضان فقيل: فضيلة قال ابن حبيب، وقيل: سنة قاله أبو عمر بن عبد البر. ومعنى قول الشيخ إيمانا أي تصديقا ومعنى احتساباً أي خالصا لله ويريد بالمغفرة الصغائر، وأما الكبائر فلا يكفرها إلا التوبة، ويريد أيضاً فيما بين العبد
стр. 282
وربه وأما ذنوب الخلق فلا ب من التحليل لأربابها.
قال بعض من شرح كلام الشيخ، وهذا الموضوع هو أحد ما تغفر بسببه الذنوب ومثله المصلي للجمعة والمريض والحاج والمجاهد والمفطمة لولدها والكافر يسلم زاعما أن الحديث ورد بذلك، ولا شك أن ما ذكره في الكافر صحيح يل عليه قوله ﵇ " الإسلام يجب ما قبله " والمجاهد قد علمت ما جاء فيه من الحث وإليك النظر في بقيتها.
(وذلك أحسن لمن قويت نيته):
ما ذكر أن صلاة المنفرد أحسن هو المشهور، وقيل قيامه في المساجد أفضل ولا يبعد أن يكون سبب الخلاف ما تقدم من حكمه هل هو فضيلة أو سنة، وهذا الخلاف عند غير واحد إنما هو ما لم تتعطل المساجد وظاهر كلام بعضهم أن الخلاف عموما، وهذا على سبب الخلاف المتقدم، ونقل أبو عمر بن عبد البر في التمهيد عن الطحاوي أنه قال، أجمعوا على منع تعطيل المساجد منه، قال مالك وختم القرآن فيه ليس بسنة وقال ربيعة إن أمهم فيه بسورة أجزأهم وكلا المقالتين في المدونة قال اللخمي والختم أحسن.
(وإن كان السلف الصالح يقومون فيه في المساج بعشرين ركعة ثم يوترون بثلاث ويفصلون بين الشفع والوتر بسلام ثم صلوا بعد ذلك ستا وثلاثين ركعة غير الشفع والوتر وكل ذلك واسع ويسلم من كل ركعتين):
ويذكر عن ابن شعبان أنه يكره تقسيط القرآن ليوافق الختم ليلة سبع وعشرين ذكره في كتاب البيوع، ونقل ذلك عنه ابن أبي يحيى عند تكلمه على هذا المحل، قال التادلي، وهذا خلاف قول مالك أنه يقام بتسع وثلاثين ركعة، وذكر اللخمي عن مالك أنه قال الذي آخذ به ما جمع عمر عليه الناس إحدى عشرة ركعة، وقال ابن حبيب رجع عمر إلى ثلاث وعشرين ركعة.
(وقالت عائشة ﵂: ما زاد رسول الله ﷺ في رمضان ولا في غيره على اثنتي عشرة ركعة بعدها الوتر):
قال بعض الشيوخ: يريد في الأغلب وإلا فقد روي عنها أنه أوتر بخمس عشرة، وروي عن غيرها من أزواجه أنه رجع إلى تسع ثم إلى سبع وليس اختلافا كما ظنه بعضهم، وإنما هو اختلاف في حال فإنه كان ﵊ أول ما يبدأ به إذا دخل بيته بعد العشاء بتحية البيت، وإذا قام يتهجد يفتتح ورده بركعتين خفيفتين
стр. 283
لينشط وإذا خرج لصلاة الصبح ركع ركعتي الفجر، فتارة عدت جميع ما يفعله في ليله وذلك سبع عشرة ركعة.
وتارة أسقطت ركعتي الفجر لأنهما ليستا من الليل فعدت خمس عشرة وتارة أسقطت تحية المسجد فعدت ثلاث عشرة وتارة أسقطت الركعتين الخفيفتين فعدت إحدى عشرة ركعة، قلت وهذا أحسن في الفقه لأن الفقه جمع أحاديث الباب على حسب الاستطاعة على أن ما ذكر لا يتناول ما نقل الشيخ عن عائشة ﵂.
باب في الاعتكاف
стр. 284
الاعتكاف في اللغة هو اللزوم مطلقاً، وفي الاصطلاح قال ابن الحاجب: هو لزوم المسلم المميز المسجد للعبادة صائما كافا عن الجماع ومقدماته يوماً فما فوقه بالنية واعترضه ابن عبدالسلام من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن قوله المسلم كالمستغنى عنه بقوله للعبادة صائما إذا علم أن العبادة والصوم لا يصحان إلا من المسلم.
الثاني: أن قوله للعبادة فيه إجمال إذ من العبادة ما ليس للمعتكف فعله.
الثالث: أن قوله الجماع مستغنى عنه لاستلزام الكف عن مقدماته الكف عنه، قلت واعترضه أيضاً بعض شيوخنا بأنه يخرج عنه إذا اعتكف يوماً مثلا فخرج فيه لحاجة الإنسان فإن اعتكافه يجزئ وحده يدل على خلاف ذلك فكلامه غير جامع.
(والاعتكاف من نوافل الخير):
اختلف في حكم الاعتكاف على أربعة أقوال: أحدها: ما قاله الشيخ ونحوه قال القاضي عبدالوهاب هو قربة وقال ابن العربي في العارضة هو سنة ولا يقال فيه مباح وقول أصحابنا في كتبهم جائز جهل قلت ليس بجهل وإنما يذكرون ذلك لنفي ما يتوهم من كراهته، وقال ابن عبد البر في الكافي هو في رمضان سنة وفي غيره جائز، وقال ابن عبدوس روى ابن نافع ما رأيت أحدا من أصحابنا اعتكف، وقد اعتكف النبي ﷺ حتى قبض وهم أشد اتباعا فلم أزل أفكر حتى حدث بنفسي أنه لشدته لأن نهاره وليله سواء كالوصال المنهي عنه مع وصاله ﷺ ، فأخذ ابن رشد منه كراهية مالك له ولا خلاف أن الاعتكاف يصح من الصبي المميز وكذلك من المرأة والعبد إن أذن الزوج والسيد ولا خلاف أنها إذا دخلا في الاعتكاف بإذنهما لم يكن لهما قطعه عليهما، واختلف إذا لم يدخلا وبدا للزوج والسيد في إذنهما فظاهر المدونة أن لهما الرجوع، قال فيها وإن أذن لعبده أو لامرأته في الاعتكاف فليس له قطعه عليهما إذا دخلا فيه.
وبه قال ابن شعبان وحكى عياض عن مالك أنه ليس لهما رجوع ولا خلاف أن المكاتب لا يمنع من الاعتكاف اليسير ويمنع من الكثير.
(والعكوف الملازمة):
قد تقدم حد الاعتكاف فأغنى عن إعادته ولو أخر إلى ههنا لكان أحسن وفي
стр. 285
كلام الشيخ تقديم التصديق قبل التصور بحسن الجواب المشهور هنا، وبقية الأجوبة سبقت عند قوله أو لما يخرج من الذكر من مذي فانظرها.
(ولا اعتكاف إلا بصيام):
يريد لا الاعتكاف يجزئ إلا بصوم وهذا هو المشهور من المذهب، وقال ابن لبابة ليس من شرطه الصوم وهو قول الشافعي، وعلى الأول فإن كان اعتكافه تطوعا فلا يفتقر إلى صوم يخصه بل يصح إيقاعه في رمضان أو غيره بلا خوف، وإن كان منذورا فقال ابن عبد الحكم: كالأول وقيل لا بد من صوم يخصه قاله ابن الماجشون وسحنون وعزا الباجي الأول لمالك وتعقبه ابن زرقوم بعدم وجوده له، وهو ضعيف لما قد علمت من أنه من حفظ مقدم على من لم يحفظ لثقة الناقل واطلاعه على ما لم يطلع عليه الآخر ولم يحك اللخمي غير الثاني، وقيده بكون الناذر نوى أنه لا يكون إلا في صوم غير واجب ولم يعلم صحته في واجب أو جهل شرط الصوم فيه صح في واجبه، وسبب الخلاف هل الصوم ركن فناذر الاعتكاف ناذر لجميع أجزائه ومنها الصوم، وهو شرط فكما يصح له إيقاع الصلاة المفروضة المنذورة بطهارة أتى بها لغيرها فكذلك هنا.
(ولا يكون إلا متتابعاً):
يعني كما إذا قال لله تعالى علي اعتكاف عشرة أنه يلزمه تتابعها، قال ابن عبد السلام: والأقرب عندي مذهب المخالف أنه لا يلزمه ذلك لأن النذر المطلق أعم من المتتابع وغيره فلا يلزمه الآخر وكما في صيام هذا في حق الناذر، فأحرى في حق غير الناذر والله أعلم.
(ولا يكون إلا في المساجد كما قال الله سبحانه):
المشهور من المذهب أن المسجد لا بد منه في الاعتكاف، وخالف فيه ابن لبابة أيضاً فقال يصح الاعتكاف في غير المسجد، ولا يلزم ترك المباشرة إلا فيه قال ابن رشد وهو شذوذ، وعلى الأول فهل هو ركن نص عليه ابن العربي في القبس، وهو ظاهر كلام غيره، وقيل إنه شرط قاله في الذخيرة ولم يظهر لي أين تظهر ثمرة هذا الخلاف في هذا الباب، واختلف هل المستحب عجزه أو رحبته أم لا؟ فقيل بما ذكر رواه ابن عبدوس قال لم أره إلا في عجزه، وقيل المستحب في رحبته رواه ابن وهب قال لم أره إلا في رحبته، وقيل هما سواء.
стр. 286
قال اللخمي: وهو مذهب المدونة واعترضه بعض شيوخنا لأن نصها لا بأس به في رحابه وليعتكف في عجزه فظاهرها كالأول والرحبة هي صحنه قاله الباجي، ونص في الموطأ على أنه لا يعتكف فوق ظهر المسجد، ونقل ابن الحاجب قولاً بأنه يعتكف فيه ونصه: والمسجد ورحابه سواء بخلاف السطح على الأشهر وقبله ابن عبدالسلام، فقال: اضطرب المذهب في إلحاق السطح بحكم ما تحته في الاعتكاف والجمعة وحكموا بالحنث على من حلف أن لا يدخل بيتا فصعد على سطحه وجعلوه حرزا يقطع من سرق منه ثوباً منشورا عليه، قلت وغمز بعض شيوخنا القول المقابل الأشهر بقوله نظرت ما أمكنني من التأليف قديما وحديثا فلم أقف عليه.
(فإن كان في بلد الجمعة فلا يكون إلا في الجامع إلا أن ينذر أياماً لا تأخذه فيها الجمعة):
المطلوب إذا نذر أياماً تأخذه فيها الجمعة أنه لا يعتكف إلا في الجامع إن كان من أخل الجمعة، فإن اعتكف في غيره خرج، واختلف هل يبطل اعتكافه أم لا؟ فقيل يبطل قاله مالك في المجموعة، وقيل إنه يصح ولا يؤثر خروجه شيئاً كما إذا خرج لغسل الجنازة أو لشراء طعامه قال ابن عبدالسلام، ولا يخفى عليك الفرق يريد أن اعتكافه في غير الجامع مع قدرته على الاعتكاف فيه أمر اختياري بخلاف خروجه لما ذكر فإنه ضروري على القول الثاني فقيل يتم في الجامع قاله مالك وابن الجهم وقيل يتم بمكانه أولا قاله عبد الملك.
(وأقل ما هو أحب إلينا من الاعتكاف عشرة أيام):
ظاهر كلام الشيخ أن الزيادة على عشرة أيام جائزة وهو كذلك إلا أن كلامه يقتضي عدم التحديد، وقال ابن رشد، على القول به أكثره شهر ويكره ما زاد عليه، وقيل إن أقل الاعتكاف المستحب في المسجد يوم وليلة وأعلاه عشرة أيام قاله ابن حبيب والقولان حكاهما ابن رشد وقيل إن أقله ثلاثة أيام حكاه ابن عبد البر عن رواية ابن وهب، وفي المدونة، قال ابن القاسم: بلغني عن مالك أنه قال: أقل الاعتكاف يوم وليلة فسألته عنه، فأنكر وقال أقله عشرة أيام وبه أقول قال ابن رشد أي أقول مستحبه لا واجبه إذ يلزم من نذر الاعتكاف أقل من عشرة أيام العشرة اتفاقاً وناذر مبهمه يلزمه على الأول يوم وليلة وعلى الثاني عشرة أيام في قول مالك.
قلت: يظهر من كلامه التناقض لأنه جعل في نذر المبهم يلزمه عشرة أيام في
стр. 287
قول، وذلك يدل على أن قوله أقل حمله على الوجوب بخلاف قوله أولا، وبالجملة فإن عنى مالك رحمه الله تعالى بقوله أقل الاعتكاف بالنسبة إلى الكمال فيلزم أن يكون قائلاً بأن أقل من يوم وليلة يجزئ كما هو ظاهر قول ابن حبيب المقدم، وقد علمت قول المتأخرين لا خلاف أن أقل من يوم وليلة لا يجزئ لا على من لا يشترط الصوم، وممن صرح بهذا ابن عبد السلام قائلاً، وكذلك من يرى الصوم شرطا وليس بركن فإنه يجزئ أقل من ذلك، وإن عنى بقوله أقل الاعتكاف بالنسبة إلى الإجزاء فيلزم ما صرح به ابن رشد، وكان بعض من لقيته من التونسيين يحمل المقالة الأولى على أن مالكاً فهم من السائل أنه أراد بالنسبة إلى أقل الإجزاء في الأولى، والمقالة الثانية على الكمال وهو ضعيف كما ترى لأن فيه التوهيم لابن القاسم لأن ظاهر كلامه كالنص في أن قول مالك اختلف في أقله ألا ترى إلى قوله وبه أقول.
(ومن نذر اعتكاف يوم فأكثر لزمه وإن نذر ليلة لزمه يوم وليلة):
ما ذكر هو قول ابن القاسم في المدونة، وقال سحنون لا يلزمه وصوبه اللخمي بأنه إن صح ما نذره أتى به وإلا سقط، قال ويلزم ابن القاسم أن من نذر ركعة أو صوم بعض يوم أن يلزمه ركعتان وصوم يوم ورد بعض شيوخنا قوله وإلا سقط قائلاً بل يجب لأن ما لم يتوصل إلى الواجب إلا به وهو مقدور عليه فهو واجب قال وظاهر كلامه بطلان ما ألزمه ابن القاسم وليس كذلك بل هو حق يؤيده ما تقدم لابن رشد فيمن نذر اعتكافا مبهما.
(ومن أفطر فيه متعمداً فليبتدئ اعتكافه):
ظاهر كلامه أنه لو أفطر فيه ناسيا أنه يبني وهو كذلك ويصله باعتكافه ولا خلاف في النذر، وإن كان في التطوع فقال ابن القاسم وعبد الملك يقضي زاد عبد الملك ويتم صوم يومه وقال ابن حبيب لا قضاء عليه، وإذا أمر بوصله باعتكافه فنسي فظاهر المدونة أنه يبتدئ قال فيها فإن لم يصله استأنف فظاهرها ولو سهواً، ومثله قولها في كتاب الطهارة وناقضوا ما ذكر بما له في كتاب الطهارة إذا رأى نجاسة في ثوبه فنسي أن يغسلها حتى صلى قال يعيد في الوقت فق عذره بالنسيان الثاني، ولو لم يعذره لأعاد أبداً، وفرق المغربي بأن النجاسة الأمر فيها ضعيف إذا قيل في حكمها، إن غسلها مستحب والصواب عندي في الفرق هو أن النجاسة إنما تزال عند إرادة التلبس بالصلاة فالرواية الأولى كالعدم بخلاف المسائل المذكورة كغسل الجمعة فإن غسلها
стр. 288
يطلب وفورا لذاتها فيناسب عدم العذر بها.
(وكذلك من جامع فيه ليلا أو نهارا ناسيا أو متعمداً):
اعلم أن ذكر الجماع طردي بل وكذلك القبلة والمباشرة، قال في أول اعتكاف من المدونة فإن أفطر عامدا أو جامع في ليل أو نهار ناسيا أو قبل أو باشر ولمس فسد اعتكافه وابتدأه وظاهرها وإن لم تحصل لذة وهو ظاهر قول مطرف، وشرط اللخمي في بطلانه للقبلة والمباشرة وجود اللذة، وقال أبو عمران وطء المكرهة كالمختارة قال ابن يونس والنائمة كاليقظانة، وأما الاحتلام فهو لغو قال عياض وتقبيله مكرها لغو إن لم يلتذ، وفي إبطاله بالكبائر التي تبطل الصوم كقذف، أو شرب قليل خمر ليلا قولان: فذهب البغداديون إلى البطلان وذهب المغاربة إلى عدمه.
(فإن مرض خرج إلى بيته فإذا صح بنى على ما تقدم):
يعني أن المريض إذا عجز عن الصوم فإن له أن يخرج وسواء قدر على المكث في المسجد أم لا يدل على ذلك عطف الحائض عليه وهو كذلك رواه في المجموعة، وقيل إن قدر على المكث في المسجد فإنه لا يخرج قاله القاضي عبدالوهاب ولا خلاف أنه إذا عجز عن المكث في المسجد أنه يخرج، وكذلك إذا أصابه إغماء وجنون فإن من حضره يخرجه منه.
(وكذلك إن حاضت المعتكفة وحرمة الاعتكاف عليهما في المرض وعلى الحائض في الحيض):
يعني أنها تخرج وعلى تخريج اللخمي أن الحائض إذا استثفرت تدخل المسجد وتجلس فيه قياساً على قول ابن مسلمة في الجنب يكون حكمها كحكم المريض والله أعلم.
(فإذا طهرت الحائض أو أفاق المريض في ليل أو نهار رجعا ساعتئذ إلى المسجد):
ما ذكر من أنهما يرجعان حينئذ مثله في المدونة فناقضها غير واحد بقولها من اعتكف في بعض العشر الأواخر من رمضان ثم مرض فخرج ثم صح قبل الفطر بيوم فليرجع إلى معتكفه، ولا يبيت يوم الفطر في المسجد ويخرج فإذا مضى يوم الفطر عاد إلى معتكفه فمنعه من الرجوع إلى المسجد لكونه غير صائم، وفرق ابن محرز بخوف إيهام صوم يوم الفطر وفرق التونسي بعدم قبوله الصوم ورأى اللخمي وعياض أنه تناقض.
стр. 289
(ولا يخرج المعتكف من مكتفه إلا لحاجة الإنسان):
لا خصوصية لما ذك بل وكذلك يخرج لغسل الجنابة والوضوء وغير ذلك وبالجملة فإنه يخرج للأمر الضروري، وقال الباجي يستحب كون الحاجة في غير داره وقال ابن كنانة لا يدخل بيته ويتوضأ في غيره، وفي المدونة أكره دخوله في بيته خوف الشغل به، وكان بعض من مضي يتخذ بيتا قرب المسجد غير بيته ويخرج القريب حيث يتيسر عليه ولا يخرج لعيادة مريض ولا حكومة ولا لأداء شهادة، وفي العتبية عن مالك إذا مرض أحد أبويه فليخرج إليه ويبتدئ اعتكافه، وقال في الموطأ لا يخرج لجنازتهما قال ابن رشد لأنه غير عقوق ووجهه ما في العتبية فإن بر أبويه يفوت واعتكافه لا يفوق، قال في المدونة ولا ينتظر غسل ثوبه ولا تجفيفه ويستحب له أن يتخذ ثوباً غير ثوبه إذا أصابته جنابة، وروى ابن نافع لا يعجبني إن أجنب أول الليل أن يؤخر غسله للفجر ويريد بقوله لا يعجبني على التحريم لحرمة بقاء الجنب في المسجد.
(وليدخل معتكفه قبل غروب الشمس من الليلة التي يريد أن يبتدئ فيها اعتكافه):
يريد أن ذلك على طريق الاستحباب ولو دخل عند الغروب لأجزأه لقول المدونة: من اعتكف في الشعر الأواخر من رمضان دخل معتكفه حين تغرب الشمس من ليلة إحدى وعشرين ومثل قولها نقل أبو محمد من المجموعة من رواية ابن وهب، وذهب البغداديون إلى أنه لا يشترط دخوله عند الغروب بل قبل الفجر فقط، والمعروف أن من دخل بعد الفجر لا يعتد بيومه، وقال اللخمي أرى أن يدخل عند طلوع الفجر لقوله عائشة رضى الله عنها "كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر وكنت أضرب له خبء فيصلى الصبح ثم يدخله" قال بعض شيوخنا وهو وهم منه لأن الضمير للخباء لا للاعتكاف، وفي رواية مسلم "إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه" أي محل اعتكافه وقاله عياض:
(ولا يعود مريضاً ولا يصلي على جنازة ولا يخرج لتجارة، ولا شرط في
стр. 290
الاعتكاف):
ما ذكر أنه لا يعود مريضاً هو نص المدونة قال فيها: إلا أن يغشاه بمجلسه فلا بأس أن يسلم عليه وما ذكر أنه لا يصلي على جنازة يريد بذلك على طريق الكراهة لقوله المدونة: لا يعجبني أن يصلى على الجنازة وإن كانت في المسجد قال ابن نافع عنه، وان انتهي اليه زحام المصلين عليها قال عياض: وهذا يدل على جواز دخول الجنازة في المسجد، وقد كرهه في كتاب الجنائز قال، وإنما كرهه خوف ما يخرج من الفضلات، وفي كتاب الرضاع ما يدل على أن ذلك لا يجوز فإن الآدمي ينجس بالموت كما يقول ابن شعبان، وهي مسألة اختلف الناس فيها، قلت قال بعض العراقيين: ظاهر المذهب الطهارة وهو الذي تعضده الآثار من تقبيله ﵊ عثمان بن مظعون وصلاته على ابن بيضاء في المسجد.
وكذلك صلاة الحابة بعده على أبي بكر وعمر في المسجد وكلام عائشة المشهور من أجل سعيد بن أبي وقاص، ولا خلاف أن المعتكف يحاكي المؤذن وفرق بين الحكاية والصلاة على الجنازة بثلاثة فروق:
أحدها: أن صلاة الجنازة فرض كفاية فلم تتعين عليه، وحكاية المؤذن يخاطب بها كل واحد وهو يحسن لو كانت حكاية المؤذن واجبة.
الثاني: أن حكاية المؤذن ذكر من جنس الصلاة بخلاف صلاة الجنازة.
الثالث: الحكاية أمرها قريب بخلاف الصلاة لطولها.
(ولا بأس ان يكون إمام المسجد):
ما ذكره هو المشهور وبه قال سحنون وعنه يمنع أن يكون إماماً في فرض أو
стр. 291
نفل والقولان حكاهما عياض في الإكمال عنه وعلى الأول فإنه لا يكون إماماً ليلة المطر لمكثه في المسجد بل يجمع مأموماً نص عليه عبدالحق، وظاهره أو نصه التحريم، وقل ابن عبدالسلام: استحب بعضهم للإمام المعتكف أن يتخلص من يصلي بالناس، ويصلي وراء المتخلف قال فضل، واختلف قول مالك هل يؤذن المعتكف في المسجد أم لا؟ واختلف في صعوده المنار ليؤذن على ثلاثة أقوال، ثالثها يكره.
(وله أن يتزوج ويعقد نكاح غيره):
وفرق بين المعتكف والمحرم بأمرين وهما: إما لأن مفسدة الإحرام أعظم وإما لأن المحرم غير معتزل عن النساء بخلاف المعتكف.
(ومن اعتكف أول الشهر أو وسطه خرج من اعتكافه بعد غروب الشمس من آخره وإن اعتكف بما يتصل فيه اعتكافه بيوم الفطر فلبيت ليلة الفطر في المسجد حتى يغدو منه إلى المصلى):
يعني بقوله فليبت على طريق الاستحباب وإليه ذهب ابن القاسم، وذهب عبدالملك إلى وجوبه واختلف في ذلك قول سحنون، وفي المذهب قول ثالث أنه يخرج عند الغروب من ليلة الفطر رواه ابن القاسم.
стр. 292
باب في زكاة العين والحرث والماشية
(وما يخرج من المعدن وذكر الجزية وما يؤخذ من تجار أهل الذمة والحربيين)
الزكاة في اللغة: لها معنيان: أحدهما النمو لقوله زكا الزرع وغيره يزكوا إذا نما.
الثاني: التطهير لقوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم) [التوبة: ١٠٣]
، وحقيقتها في الشرع: قال بعض شيوخنا: الزكاة اسم لجزء من المال شرط وجوبه لمستحقه بلوغ المال نصاباً ومصدراً إخراج لجزء إلى آخره.
واعلم أن الزكاة وردت في الشرع بألفاظ مختلفة فمنها الصدقة قال تعالى: (خذ من أموالهم صدقة) [التوبة: ١٠٣]
ومنها الإنفاق (ولا ينفقون إلا وهم كارهون) [التوبة: ٥٤]
ومنها العفو قال تعالى: (خذ العفو) [الأعراف: ١٩٩]
ومنها الماعون قال تعالى: (ويمنعون الماعون) [الماعون:٧].
(زكاة العين والحرث والماشية فريضة):
стр. 293
الزكاة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع، أما بالكتاب فقوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة) [البقرة: ٤٣]
، (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) [التوبة: ٣٤]
والكنز في الآية هو المال الذي لم تؤد زكاته وإن لم يدفن، وأما السنة فقوله ﵇ "بني الإسلام على خمس" فذكر منها "الزكاة" وأجمعت الأمة على ذلك فمن كذب بذلك فقد كفر ومن امتنع من أدائها وأقر بوجوبها أخذت منه كرها وأبعد قول ابن حبيب تاركها كافر، واختلف هل تفتقر إلى نية أم لا؟ فالأكثر على أنها تفتقر، وقيل إنها لا تفتقر وأخذ ذلك من القول الشاذ أن الفقراء شركاء لأن وصول الشرط إلى حقه مما بيد شريكه لا يشترط فيه لا نية القابض ولا نية الدافع، ومن قول أهل المذهب: الممتنع من أداء الزكاة تؤخذ منه كرها وتجزئه مع ظهور المنافاة بين الإكراه بين التقريب ورده ابن القصار بأنه يعلم فنحصل النية، وألزم إذا لم يعلم، وقال ابن العربي في الزكاة المأخوذة كرها أنها تجزيه ولا يحصل الثواب.
(فأما زكاة الحرث فيوم حصاده والعين والماشية ففي كل حول مرة):
المشهور من المذهب أن الزكاة تجب بالطيب المبيح للبيع، وقال المغيرة تجب بالخرص، وقال ابن مسلمة تجب بالجداد والحصاد وهو مذهب الشيخ، وحكى اللخمي قولاً إنها تجب باليبس، وقال ابن بشير سمعناه في المذكرات، وفائدة هذا الخلاف تظهر فيمن باع او ماتت او عتق فيما بين ذلك.
(ولا زكاة من الحب والتمر في أقل من خمسة أوسق وذلك ستة اقفزة وربع قفيز والوسق ستون صاعاً بصاع النبي ﷺ وهو أربعة أمداد يمده ﷺ :
المشهور من المذهب أن الزكاة تجب في كل مقتات متخذ للعيش غالباً وقيل تجب في كل ما يخبز من الحبوب فتخرج القطاني على هذا القول، وقال ابن الماجشون بالقول الأول مع كونها تجب في كل ذي أصل من الثمار كالرمان والتفاح، وقول الشيخ وذلك ستة أقفزة وربع قفيز يعني بأفريقية في زمانه، وصرح بذلك سحنون.
стр. 294
أيضاً، وقال ابن الحاجب والصاع خمسة أرطال وثلث والرطل مائة وثمانية وعشرون درهماً، والدرهم سبعة أعشار المثقال، والمثقال اثنان وثمانون حبة وثلاثة أعشار حبة من الشعر المطلق، قال ابن عبدالسلام: تبع في نقله هذا ابن شاس وابن شاس تبع في ذلك عبدالحق صاحب الأحكام على خلل في نقل ابن شاس وأظنه كان في نسخته، ونقله عبدالحق المذكور عن كلام ابن حزم، وقد انفرد بشئ شذ فيه على عادته بل خالف الإجماع على ما نقله ابن القطان وغيره وذلك انه جعل وزن الدينار اثنين وثمانين حبة وثلاثة أعشار حبة من الشعير المطلق، والدرهم سبعة أعشاره وكون الدرهم سبعة أعشاره، وهذا المثقال الذي ذكره متفق عليه، وأما وزن الدينار فهو الذي خالف فيه الناس، بل قال جميعهم أن وزن الدينار اثنان وسبعون حبة، والدرهم سبعة أعشاره وهو خمسون حبة وخمساً حبة من الشعير المطلق.
(ويجمع القمح والشعير في الزكاة وكذلك السلت فإذا اجتمع من جميعها خمسة أوسق فليزك ذلك):
ما ذكره في القمح والشعير هو كذلك على منصوص الذهب قاله ابن بشير يعني ويتخرج من خلال ابن القاسم السيوري وتلميذه عبدالحميد الصائغ ان الشعير جنس آخر بالنسبة الى القمح في باب الربا، ورده بعض شيوخنا بتفريق الموطأ بين الزكاة والربا في الذهب والفضة واختلف في العلس فالأكثر على تعلق الزكاة به وحكي ابن عبدالبر عن ابن عبدالحكم أنها لا تتعلق به، وحكي ابن زرقون عن مطرف عن مالك، وعلى الأول فقيل يلحق بما ذكر الشيخ قال الشيخ قاله ابن كنانة وغيره، وقيل أنها لا تلحق قاله ابن وهب وغيره.
(وكذلك تجمع أصناف القطنية وكذلك تجمع أصناف التمر وكذلك أصناف الزبيب):
اعلم أن قول مالك اختلف في القطاني في البيوع فقال: مرة هي جنس واحد يحرم التفاضل بين أنواعها ومرة أجازه بناء على أنها أجناس قال ابن بشير واختلف المتأخرون هل يجري هذه الخلاف في الزكاة أم لا؟ فرأي القاضي عبدالوهاب جريانة، وقال الباجي: الصواب أنه لا يجري وعول على ما ذكره مالك في الموطأ في أن الدنانير والدراهم جنسان في الربا ويضاف بعضها إلى بعض في الزكاة بلا خلاف قلت، ونقله اللخمي عن القاضي قي إنها أجناس كالبيوع وتبعه ابن الحاجب فقال، وفي القطاني.
стр. 295
الضم على المشهور بخلاف الربا، واختلف في الكرسنة فقيل هي من القطاني وقيل لا فتسقط الزكاة فيها قاله يحيي بن عمر ومالك وصوبه بعض الشيوخ لأنها علف لا طعام وهي البسيلة قاله الباجي.
(والأرز والدخن والذرة كل واحد صنف لا يضم إلى الآخر في الزكاة):
ما ذكر الشيخ هو المشهور وهو ظاهر لتباين مقاصدها واختلاف صورها في الحلقة، وقيل هي جنس واحد، والمعروف لأنها لا تضاف إلى القمح والشعير والسلت في الزكاة وقال الليث هي معها جنس واحد، وقال اللخمي وهي أقيس لاتفاق المذهب على أن أجناس جميع هذه الستة صنف يحرم التفاضل فيه والغالب من هذه الحبوب أنها تستعمل خبزاً فقد استوت فيما هو مقصود منها.
(وإذا كان في الحائط أصناف من التمر أدي الزكاة عن الجميع من وسطه):
ظاهر كلامه ولو كان صنفاً واحداً كجعرور وغيره فإنه يؤخذ منه بحسابه وهو كذلك قال مالك في المدونة، وقيل إنه يؤخذ منه وإن كان مختلفاً وهو قول مالك في كتاب محمد واختاره اللخمي، وقيل يؤخذ من الوسط وإن كان كله جيداً أو رديئاً كلف الوسط قاله مالك في المجموعة وقاله ابن حبيب وابن نافع، وأما الحب فيؤخذ منه كيف كان باتفاق قاله ابن الحاجب قال ابن عبدالسلام: وما ذكره من الاتفاق ذكره بعضهم وفيه نظر.
وقد ألزم ابن القاسم القائل في أنواع التمر إذا كثرت أن يخرج من وسطها أن يقول في الذهب والفضة إذا اختلف أجناسه بالجودة والرداءة كذلك، وبالجملة لا فرق بين الذهب والورق والحب والتمر فإما أن يؤخذ منه إن كان نوعاً واحداً على أي حال من جودة ورداءة وإما أن يكلف بالوسط ولا يلزم مثل هذا في الماشية لأنها إذا أثقلت لا تحمل ولا يستطاع حمله رديئاً فكلف صاحب الردئ بالوسط فكان من العدل ان يكلف مثل ذلك إذا كان ماله جيداً كله وما عدا الماشية من الأموال يستوي فيها الردئ وغيره.
(ويزكي الزيتون إذا بلغ حبه خمسة أوسق أخرج من زيته):
ما ذكر من أن الزيتون يزكي هو المعروف: وحكى ابن زرقون عن ابن وهب كمذهب الشافعي أنه لا تجب فيه زكاة قال ابن عبدالسلام: وهو الصحيح على أصل المذهب لأنه ليس بمقتات ولا يتعرض بجريان الربا فيه لأن الربا أصل آخر، ألا ترى أن
стр. 296
الشافعي نص على جريانه في الملح، قال اللخمي، وكذلك الجلجلان بالمغرب لا تجب فيه زكاة لأنه لا يستعمل فيه إلا للدواء، وإذا فرعنا على المعروف من المذهب فاختلف فيما لا يخرج منه زيت فقيل بوجوب الزكاة فيه، وقيل لا، وما ذكر الشيخ من أن النصاب خمسة أو سق هو كذلك كغيره، والوسق بالزيتون سواء أخرجت الخمسة أوسق من الزيت كثيراً او يسيراً على ظاهر كلام الشيخ، قال اللخمي إن أخرجت الخمسة الأوسق قدر النصف ونحوه مما جرت به العادة في كل عام في ذلك الموضع لقحط السماء لم تجب فيه زكاة لأنه ليس يغني، ولو نقصت يسيراً وجبت الزكاة فيها، وان وجد في الحائط فوق خمسة أوسق لكنه يخرج من الزيت قدر ما يخرجه الخمسة لقحط السماء وجبت عليه الزكاة، وما ذكر أنه يخرج من زيته هو المشهور حتى أنه لو أخرج من الحب فإنه لا يجزئ، وقال محمد بن عبدالحكم ونحوه لابن مسلمة الواجب الحب وليس على ربه عصره قال وصوبه اللخمي لقوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده) وقيل كيفما أخرج أجزأه إما من الحب وإما من الزيت.
(ويخرج من الجلجلات وحب الفجل من زيت):
قال ابن يونس: اختلف قول مالك في زريعة حب القرطم وزريعة الكتان فقال مرة لا زكاة فيهما وبه أخذ سحنون وقال مرة فيهما الزكاة وبه أخذ أصبع، وروى عنه ابن القاسم تجب الزكاة في حب القرطم وتسقط في بذر الكتان وزريته، وقال ابن بشير اختلف في زريعة الفجل وحب العصفر والكتان على ثلاثة أقوال: ثالثها إن كثر خروج الزيت منه وجبت وإلا فلا، وحب العصفر هو حب القرطم.
(فإن باع ذلك أجزأه أن يخرج من ثمنه إن شال الله تعالى، الأظهر أن الإشارة بذلك راجعة للزيتون وما بعده وهذا القول مروي عن مالك قال يخرج عشر الثمن كالزيتون والرطب والعنب مما يعتصر ويثمر ويزبب أم لا).
قال عبدالوهاب وأخذ بعض الأشياخ منه قولاً بأنه يجوز إخراج القيم في الزكاة، والمشهور من المذهب أن الزيتون الذي له زيت إنما يخرج عنه الزيت فقط وما لا زيت له يخرج من ثمنه، واختلف إذا أعدم البائع فقال ابن القاسم يرجع الفقراء على المشترى ويتبع هو ذمة البائع، وقال أشهب لا رجوع لهم عليه لأن بيعه كان جائزاً وصوبه سحنون والتونسي، وقال اللخمي هذا إن باع ليخرج الزكاة، وإن كان لا.
стр. 297
يخرجها فالأول وسبب الخلاف بين القولين الأولين هو هل الفقراء شركاء أم لا؟
وعكس ابن الجلاب نسبة القولين ونسب في ذلك الى الوهم، وقال ابن هارون ويجب على أن الفقراء شركاء لأرباب الأموال أن يفسخ البيع في جزء الزكاة إلا أن يقال أنهم لم يكونوا معينين ضعف حقهم في ذلك ولذلك جاز لرب الحائط بيع جميعه.
(ولا زكاة في الفواكه والخضر ولا وزكاة من الذهب في أقل من عشرين دينارا فإذا بلغت عشرين ديناراً فقيها نصف دينار ربع العشر):
ما ذكر أن نصاب الذهب عشرون ديناراً هو مذهبنا باتفاق وذهب الحسن والثوري إلى أن النصاب أربعون ديناراً، وقال بعضهم النصاب من الذهب ما قيمته مائتا درهم كان أقل من عشرين ديناراً أو أكثر، واحتج أصحابنا بقوله ﵊ في عشرين ديناراً نصف دينار وتلقته الأئمة بالقبول ويريد الشيخ أن المعتبر الوزن الأول وهو ذلك.
وقال ابن حبيب إن كثر نقص الدنانير وصارت كوازنة بالبلد زكيت، فحمله الباجي وابن رشد على أن المعتبر عنده عدد النصاب بوزن كل بلد فنسباه لحرق الاجماع، وألزمه الباجي أن يقول بوجوب الزكاة على من بيده عشرون ديناراً من رباع صقلية لأنها كالدنانير عندهم، وأجابه ابن رشد بأنهم لا يتعاملون بها على أنها دنانير بل على أنها أجزاء من دنانير، ورده المازري بأن مراده ما جاز كوازنه بالوزن الأول على المعروف، فإن كانت الدنانير ناقصة فإن كان نقصها لا يحطها عن سعر الوازنة فاختلف في ذلك على ثلاثة أقوال: احدها وجوب الزكاة قال ابن المواز، ولو كان ينقص كل دينار ثلث حبة، وقيل إنها لا تجب قال ابن لبابة وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقيل إن كان النقص يسيراً وجبت الزكاة وإلا فلا قاله ابن القاسم في العتيبة.
قال ابن هارون وهو المشهور وجعل ابن الحاجب المشهور الأول وليس كما قال، واختلف في حق اليسير فقال عبدالوهاب وهو كالحبة والحبتين وان اتفقت الموازين عليه، وقال ابن القصار والأبهري إنما يكون ذلك إذا اختلفت الموازين في النقص وأما إن اتفقت عليه فهو كالكثير، وأما إن حطها النقص عن سعر الناس ولم تجز بجواز الوازنة فإن كان النقص كثيراً فلا زكاة باتفاق وإن كان يسيراً فقيل كذلك، وقيل بوجوب الزكاة ولو كان النقص بصفة فإن كان لا يحطها كالمرابطية فكالخالصة.
стр. 298
وإن حطها فالمشهور بحسب الخالص، وقال ابن الفخار إن كان الخالص الأكثر اعتبر الجميع وإلا اعتبر الخالص.
(فما زاد فيحاسب ذلك وإن قل):
ما ذكر الشيخ هو مذهبنا وقال أبو حنيفة لا شئ في الزائد على النصاب حتى يبلغ أربعة دنانير في الذهب وأربعين درهما في الورق فإذا بلغ زكاة ثم كذلك يبقى الوقص فيهما، واحتج بقوله ﵊ "فأتوا الى ربع عشر ما عندكم من كل أربعين درهما" وهذا يقتضي بأن ما دون الأربعين وقص مثل قوله ﵊ في زكاة الغنم" فما زاد ففي كل مائة شاة" وقول الشيخ وإن قل ظاهره، وإن لم يكن الإخراج من عينه فإنه يشتري به طعام أو غيره مما يمكن قسمه على أربعين جزءاً وفي التلقين فما زاد فبحسابه به في كل ممكن، قال ابن عبدالسلام: فكان بعض اشياخي يجعله خلافاً للأول ويري أن الإمكان المراد به انقسام الزائد على النصاب الى جزء الزكاة ويأتي ذلك فيه، قال ويحتمل ان يقال الإمكان المأخوذ من هذا القول هو الذي أوجبه في القول الآخر لأنه ربما زاد النصاب زيادة محسوسة، لا يمكن أن يشتري بها ما ينقسم أربعين جزءاً، قلت وقطع بعض شيوخنا بأن قول التلقين خلاف قائلاً ونقله المازري قال ومن رأي أن الأصل إنما وجب وتعذر بذاته وأمكن تغيره وحب الغير له كجزء من الرأي في غسل الوجه وجزء من الليل في الصوم، وما ذكر شيخنا ضعيف لأنه ذلك مختلف فيه عند أهل الأصول وعند أهل المذهب حسبما قدمناه في محله.
(ولا زكاة من الفضة في أقل من مائتي درهم وذلك خمس أواق ذلك والأوقية أربعون درهماً من وزن سبعة أعني أن السبعة دنانير وزنها عشرة دراهم فإذا بلغت هذه الدراهم مائة درهم ففيها ربع عشرها خمسة دراهم فما زاد فبحساب ذلك):
والأوقية بضم الهمزة وتشديد الياء وجمعها أواقي بتشديد الياء وتخفيفها وأواق بحذفها، ودرهم الكيل وزنه خمسون وخمساتً حبة وسمي درهم الكيل لأنه بتكييل عند الملك بن مروان أي بتقديره وتحقيقه، وذلك أن الدراهم التي كان يتعامل بها الناص قديماً نوعان: نوع عليه نقش فارق والآخر عليه نقش الروم، فكان الناس يتعاملون بها.
стр. 299
مجموعة على النصف من هذه والنصف من هذه عند اطلاق وكذلك كانوا يؤدون الزكاة في أول الإسلام باعتبار مائة من هذه ومائة من هذه في النصاب، ذكر ذلك ابو عبيدة وغيره الى زمان عبدالملك بن مروان رحمه الله تعالى.
(ويجمع الذهب والفضة في الزكاة):
ما ذكر الشيخ أنه يجمع الذهب الى الفضة في الزكاة هو المشهور من المذهب، وقال ابن لبابة كالشافعي بعدم الضم لأنهما جنسان مختلفان كالبقر والغنم حكاه ابن رشد، والمعتبر في الجمع الوزن لا القيمة باتفاق خلافاً لأبي حنيفة، وقال ابن الحاجب: ويكمل أحد النقدين بالآخر بالجزء لا بالقيمة اتفاقاً فقال ابن عبدالسلام الاتفاق راجع إلى القسمين وهما الضم بالجزء وبقي القيمة وخالف الشافعي في الأول وهو الظاهر كما لا يضم أجزاء سائر النصب وخالف ابو حنيفة في الثاني.
وقال ابن هارون يرجع الى قوله بالجزء لا إلى التكميل بخلاف ابن لبابة قلت ظاهر اللفظ ما فسر به ابن هارون ولم يحفظ ابن عبدالسلام قول ابن لبابة فلذلك ذكر ما تقدم عنه، وقال ابن عبد البر عدم الضم صحيح لتباينها بالتفاضل فيهما.
(فمن كان له مائة درهم وعشرة دنانير فليخرج من كل مال ربع عشر):
اختلف المذهب هل يجوز إخراج الذهب عن الورق والعكس على ثلاثة أقوال: فقيل أنه جائز قال في المدونة، وقيل أنه ممنوع لأنه من إخراج القيم في الزكاة وقيل يخرج الورق عن الذهب بخلاف العكس، قاله ابن كنانه قائلاً: إن خالف ذلك أجزأه، ونحوه لابن القاسم وهو الذي ذكرناه من الخلاف بالمنع والجواز هو ظاهر كلام ابن الحاجب وتصريح كلام ابن هارون ونصف ابن هارون ونص ابن الحاجب وفي إخراج أحدهما عن الآخر، ثالثها يخرج الورق عن الذهب.
وانتقده ابن عبدالسلام بأن الخلاف إنما هو بالكراهة والجواز ومثله قول ابن راشد: لم أقف على المنع في المذهب، قلت وهذا منهما قصور لنقل ابن بشير إياه نصاً، وإذا قلنا بالجواز فقيل يعتبر صرف الوقت ما لم ينقص عن الصرف الأول، قاله ابن حبيب، وقيل باعتباره صرف الوقت مطلقاً قاله ابن المواز وهو ظاهر المدونة، وقيل باعتبار الصرف الأول مطلقاً حكاه الأبهري عن بعض أصحابنا وجعل ابن الحاجب المشهور قول ابن حبيب، قال ابن عبدالسلام: وليس كذلك بل المشهور اعتبار صرف الوقت مطلقاً ونحوه لابن هارون وما ذكراه من المشهور وصرح به المازري.
стр. 300
(ولا زكاة في العروض حتى تكون للتجارة فإذا بعتها بعد حول فأكثر من يوم أخذت ثمنها أو زكيته ففي ثمنها الزكاة لحول واحد أقامت قبل البيع حولا أو أكثر):
أعلم أن أكثر أهل المذهب قالوا بزكاة العروض وذهب أهل الظاهر إلى سقوط الزكاة فيها، وعلى الأول فمذهبنا يفرق فيها بين حكم الإدارة وحكم الاحتكار، وقال أكثر الفقهاء لا يفرق بل إذا حال الحول قومها بغالب نقد بلده مطلقاً، وبدأ الشيخ بزكاة المحتكر وذكر فيها أربعة شروط.
الأول: أن تكون بنية التجارة ونبه على هذه بقوله حتى تكون للتجارة احترازاً من عدم النية أو نية مضادة لنية التجارة، كالقنية أو في حكم المضادة كنية الإجارة فإنها لا تزكي في جميع ذلك، وقيل تزكي في الأخير إذا باع.
الثاني: أن يملكه بمعاوضة ونبه عليه الشيخ بقوله من يوم أخذت ثمنه أو زكيته احترازاً من ملكها بالميراث والهبة ونحوهما فإنه لا زكاة فيها إلا بعد حول من يوم قبض ثمنها، وتلحق بالعين المشتراة بع بعرض تجارة احترازًا من عرض القنية فإن كان كذلك ففيه قولان.
الثالث: أن يرصد السوق إلى أن يجد فيها ربحاً معتبراً عادة وأشار إليه بقوله: فإذا بعتها بعد حول احترازاً من المدبر فإنه يكتفي بما أمكنه من الربح وربما باع بغير ربح وبأقل من رأس المال.
الرابع: أن يبيع بعين وأشار إليه بقوله ففي ثمنها الزكاة احترازاً من أن يبيع بعرض فإنه لا يزكي.
(إلا أن تكون مدبراً لا يستقر بيدك عين ولا عرض فإنك تقوم عوضك كل عام وتزكي ذلك مع ما بيدك من العين):
اختلف المذهب في علة كونه يزكي كل عام بالتقويم فقيل لاختلاط الأحوال عليه وعدم انضباطها بكثرة البيع بالعين، وقيل لأنه لما كثرت الإدارة في العروض صارت في حقه كالعين، وعلى هذا الخلاف انبنى من بيع العروض بالعروض هل يقوم أم لا؟ فعلى الأول لا يقوم وهو قول ابن القاسم وأشهب وابن نافع، وعلى الثاني يقوم وهو قول مالك من رواية مطرف وابن الماجشون، وعليه فقيل يخرج عرضه ويقومه ويجزئه وقيل يكلف بإخراج العين وهو ضعيف لأننا بنينا أن العروض في حقه كالعين ولا سيما إذا قلنا إن الفقراء شركاء، وعلى الأول أنه إذا كان يبيع العروض بالمعروض فلا يزكي فهل يشترط أن يكون الناض نصاباً أم لا؟ فاشترطه أشهب وابن نافع.
стр. 301
ومذهب المدونة أن نصوص الدرهم كاف ولا يبالي في أي أجزاء الحول حصل النصوص عند الأكثر، وقيل لابد من أن ينص في آخره.
(وحول ربح المال حول أصله وكذلك حول نسل الأنعام حول الأمهات):
ما ذكر من أن ربح المال مضموم إلى أصله وظاهره كان الأصل نصاباً أم لا هو المعروف من المذهب, وروى أشهب وابن عبد الحكم أنه يستقبل به حولا وإن كان الأصل نصاباً كالفوائد. ولا أنكر أبو عبيد القول الأول وقال لا نعلم أحدا قاله قبل مالك ولا فرق بين ربح المال والفوائد ولم يتابعه عليه أحد غير أصحابه، وقال أبو عمر بن عبد البر قال بقول مالك هذا الأوزاعي وأبو ثور وطائفة من السلف إلا أن هؤلاء راعوا أن يكون أصله نصاباً، فإذا كان دون النصاب استقبل به حولا إذا كمل به النصاب ولا خلاف في المذهب فيما قد علمت أن أولاد الماشية مضمومة إلى أمهاتها، وفيها خلاف خارج المذهب والفرق بينها وبين الأرباح على القول الثاني هو أن الماشية إذا بقيت تناسلت بأنفسها والنفقة عليها إنما هي لحفظها في أنفسها لا للتناسل ولا تحصل الأرباح في الأموال بالحركة فيها.
وانقلاب أعيانها قال ابن عبد السلام: بدليل أن الغاصب يرد الأولاد ولا يرد الأرباح، وقول الشيخ وكذلك حول نسل الأنعام حول الأمهات إنما قصد به الإخبار بالحكم به لا أنه أتى به دليلاً للأول إذ الفارق ما تقدم والله أعلم، قال الفاكهاني رحمة الله تعالى: الأمهات جمع مفرده أمهة إنما تقع في الغالب على من يعقل ومن لا يعقل فكان الأحسن وإلا وجب أن يقول حول لا الأمهات فأعرفه.
(ومن له مال تجب فيه الزكاة وعليه دين مثله أو ينقصه عن مقدار الزكاة فلا زكاة عليه):
ما ذكر هو المذهب وقال ابن عبد السلام: ليس لأهل المذهب في سقوط الزكاة عن المديان نص ظاهر والذي ينبغي أن الزكاة تجب عليه لأن المديان المالك لنصاب من أنواع العين والحرث والماشية يتناوله لظاهر المقتضي للوجوب، قلت: ووجه بعض شيوخ المذهب بعدم كمال ملكه إذ هو بصدد الانتزاع ولكونه غير كامل التصرف كالعيد ولما في الموطأ عن عثمان أن الدين يسقط الزكاة وقال صاحب اللباب، وقال ذلك بمحضر الصحابة ولم ينكر عليه أحد. وظاهر كلام الشيخ ولو كان الدين مهر
стр. 302
امرأته التي في عصمته. وهو كذل قاله ابن القاسم.
وقال ابن حبيب لا يسقط الزكاة إذ ليس من شأن النساء القيام به إلا في موت أو فراق، أو إذا تزوج عليها، وقاله أبو القاسم بن محمد وقال أبو محمد وهو خلاف قول مالك، وقال اللخمي هو حسن في الفقه.
قلت: واختلف ما المشهور من القولين فقال ابن شاش: السقوط هو المشهور وقال ابن بزيزة: المشهور أن الدين غير مسقط للزكاة اعتباراً بالفوائد ولكونه عن عوض ليس بمحقق قال ابن بشير، وكذلك الدين الذي جرت العادة بتأخيره وقبله ابن عبد السلام قائلاً: وذلك كدين الزوجة ودين الأب على الولد، وقال ابن هارون هو أضعف من المهر ولعله أراد بذلك ما يكون من سلف المرأة لزوجها أو من ابنتها له تضمنها لمودة فيحتمل أن يجري ذلك مجرى المهر والله أعلم.
وظاهر كلام الشيخ، ولو كان الدين دين زكاة وهو كذلك على المشهور. وقيل إنه لا يسقط الزكاة لضعف أمه إذ ليس له طالب معين ولا يخرج بعد الموت من رأس المال، وأما الدين الكائن بسبب نفقة الولد فإن قضى بها فلا خلاف أنها كغيرها وإن لم يقض بها فقولان، ونفقة الأبوين على العكس ونفقة الزوجة معتبرة مطلقاً لأنها مرتبة عن عوض، قال ابن عبد السلام: والنظر بحسب قواعد المذهب يقتضى أن الغرامة تمنع من إخراج الزكاة وتقدم أن الحكم وصف طردي.
(إلا أن يكون عنده مما لا يزكى من عروض مقتناة أو رقيق أو حيوانات مقتناة أو عقار أو ربع ما فيه وفاء لدينه فليزك ما بيده من المال فإن لم تف عروضه بدين حسب بقية دينه فيما بيده فإن بقى بعد ما فهي الزكاة زكاة ولا يسقط الدين زكاة حب ولا تمر ولا ماشية):
ما ذكر هو المشهور وقال ابن عبد الحكم: لا يجعل دينه فيما ذكر بل في الناض الذي بيده لأن الحاكم إنا يقضي عليه بدفع الناض الذي عنده وعلى الأول فاختلف هل يشترط في هذا العرض أن يكون مملوكاً من أول الحول قاله ابن القاسم أو لا يشترط إلا كونه مملوكاً في آخر الحول، قاله أشهب وفي ذلك قولان.
ونص في المدونة على أن يجعل دينه في خاتمة وفي كل ما باع عليه الإمام، وخالف أشهب في الختم قائلاً هو لباس مباح فأشيه العمامة فلا يباع عليه، ومما يباع عليه ثوباً يوم الجمعة إن كان لهما قيمة معتبرة وإلا فلا، وكان يتقدم في درس بعض
стр. 303
التونسيين أن العكس أولى فلا يعتبر أن كانت لهما قيمة لأنهما حينئذ لهما خصوصية بالجمعة وإن لم تكن لهما قيمة صارت كثياب سائر الأيام وهي زائدة عليها فتباع، وأجاب بعض شيوخنا بأن الفرض أنهما من ثياب يوم الجمعة وذلك يمنع كونهما من ثياب سائر الأيام فحينئذ إنه كانت لهما قيمة بيعتا لأنهما في حقه سرف، وإلا بقيتا إذ لا سرف فيهما مع كونهما من ثياب الجمعة.
(ولا زكاة عليه في دين حتى يقبضه وإن أقام أعواما فإنما يزكيه لعام واحد بعد قيضه وكذلك العرض حتى يبيعه وإن كان الدين أو العرض من ميراث فليستقبل حولا بما يقبض منه):
ظاهر كلامه وإن كان فارا من الزكاة وهو كذلك، وقال ابن القاسم إن فارا زكي لماضي السنين، قال ابن الحاجب: وخولف قال ابن عبد السلام: فأشار بذلك إلى انفراد ابن القاسم به مع ضعفه وليس بضعيف بل الصحيح مذهب الشافعي وهو إيجاب الزكاة لماضي السنين مطلقاً، وقد وقع في المذهب في غير ما مرة أن الدين إنما لم يزك قل الاقتضاء خشية أن لا يقتضى فينبغي على هذا إذا اقتضى أن يزكى لماضي السنين.
(وعلى الأصاغر الزكاة في أموالهم في الحرث والماشية والعين وزكاة الفطر):
أما كون الزكاة لازمة لهم في الحرث والماشية فلا خلاف في المذهب في ذلك، وأما لزوم الزكاة في العين فهو المنصوص، وخرج اللخمي فيه قولاً بسقوط الزكاة حيث لا ينمي ماله من حكم المال المعجوز عن تنميته كالمدفون الذي ضل عنه صاحبه ثم وجده وكمال الموروث الذي لم يعلم به واره إلا بعد حول أو أحوال، ورده ابن بشير بأن العجز في مسألة الصبي من قبل الملك ولا خلاف أن من كان عاجزاً من المكلفين عن تنمية ماله تجب عليه الزكاة، وإنما اختلف إذا كان عدم المال من قبلا لمال وقبله ابن عبد السلام وابن هارون وابن الحاجب، فقال تجب الزكاة في مال الأطفال والمجانين اتفاقاً عينا أو حرثا أو ماشية وتخريج اللخمي النقد المتروك على المعجوز عن إنمائه ضعيف.
وقال بعض شيوخنا تفريق ابن بشير فرق في الصورة نعم يرد التخريج بأن فقد المال يوجب فقد مالكه وعجز الصبي والمجنون لا يوجبه، وعلى المنصوص فقال أبو محمد يؤمر الولي بإخراج الزكاة إذا لم يخف أن يتعقب ففعله كقول مالك في المدونة في كتاب الرهون فيمن مات وفي تركته خمر فليدفعها إلى الإمام لتهراق بأمره، وقال ابن
стр. 304
حبيب: يزكي الولي لليتيم ويشهد فإن لم يشهد وكان مأموناً صدق وقال اللخمي هذا في البلد الذي يقضي فيه بمذهب مالك فإن كان في بلد من يقول فيه بسقوط الزكاة رفع أمره إلى الإمام فإن أمره بإخراجه أخرجها، وإن كان ممن لا يرى ذلك لم يزك إلا أن يكون الولي من أهل الاجتهاد ويرى بقول مالك وخفي عليه إخراجها لجهل معرفة ما وقع بيده فليخرجها.
(ولا زكاة على عبد ولا على من فيه بقية رق في ذلك كله):
يريد ولا على سيده ويريد أيضاً بقوله ولا على من فيه بقية رق كالمكاتب والمدير وأم الولد والمعتق بعضه وإلى أجل، وما ذكر هو المعروف في المذهب وقال ابن هارون وقع لابن كنانة في المدونة ولم ير أحد نقله عن غيرها بل قال ابن بشير لا تجب اتفاقاً ونقله ابن المنذر عن الشافعي والثوري وإسحاق وأحد قولي عمر.
قلت: قال الشيخ ابن راشد كثيراً ما يجري ابن بشير وغيره خلافاً فيمن ملك أن يملك هل يعد مالكاً أم لا؟ ويلزم القائل بأنه يعد مالكاً أن يقول بوجوب الزكاة على السيد هنا وقبله خليل قال الشيخ ابن هارون استشكال قول مالك من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن هذا المال إما أن يكون ملكاً للعبد أو السيد وأيا ما كان فتلزم زكاته لدخولهما تحت الأمر بالزكاة.
الثاني: أن العبد يتسرى والتسري دليل على الملك.
الثالث: أنه إذا أذن له السيد في الكفارة بالإطعام أو بالكسوة كفر فيجب أن يزكي إذا أذن له.
(فإذا اعتق فليأتنف حولا من يومئذ بما يملك من ماله ولا زكاة على أحد في عبده وخادمه وفرسه وداره ولا فيها يتخذ للقنية من الأرباع والعروض):
يريد لأن ماله يتبعه في العتق إلا أن ينزعه السيد فليستقبل به حولا قال ابن راشد، ويمكن أن يجري قول بوجوب الزكاة فيما إذا اعتق من مسألة من عنده مائة لا يملك غيرها وعليه مائة فحال عليها الحول فوهبها له ربها فقد قيل بوجوب الزكاة لأن الغيب كشف أن المانع من زكاتها ليس بمانع وقبله خليل، قال ابن هارون واختلف إذا كان للعبد عروض للتجارة فقيل فإنه يستقبل بثمنها حولا يعد القبض، وقيل إن كان مديرا فإنه يقومها بعد حول من يوم العتق وهذا الخلاف في النصراني يسلم وكذلك
стр. 305
العبد، قلت في كلامه قلق لأن قوله واختلف يقتضي أن الخلاف فيه إنما هو بالنص، وقوله وهذا الخلاف إلى آخه يقتضي أن الخلاف إنما هو بالتخريج فتأمله، وتقدم الخلاف فيما تجب به زكاة الحبوب والثمار والعتق يتبني على ذلك ما تقدم.
(ولا فيما يتخذ للباس من الحلي):
ما ذكره هو المعروف، وقيل إن الزكاة تجب في كل حلي نقله ابن زرقون عن رواية المازري عن مالك وبه قال أبو حنيفة وحكي الطحاوي عن مالك أيضاً أن الزكاة تجب إذا كان الحلي لرجل وتسقط إذا كان لامرأة، فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال، ووقف الشافعي عن الجواب في ذلك قائلاً استخبر الله فيه واختلف أصحابه على قولين بالوجوب والسقوط، ويريد الشيخ إذا كان استعماله جائزاً وأما إن كان حاماً فإن الزكاة تجب كالمكاحل والمرايا والمداهن وأما القبقاب للمرأة فقال ابن هارون الأشبه فيه المنع للسرف ولأنه لا يتجمل به دائماً بخلاف الحلي.
قلت: كلامه يقتضي أنه لم يقف على نص فيه، وفيه قولان حكاهما أبو حفص العطار، وظاهر كلام الشيخ أن الحلي لو اتخذ لكراء أن الزكاة تجب فيه، وبه قال ابن مسلمة وابن الماجشون وصوبه اللخمي وقيل إنها تسقط، وهو ظاهر المدونة بل هو نصها، وقيل إن كان لرجل فالزكاة، وإن كان لامرأة فلا، قاله ابن حبيب وكلها لمالك، وكذا اختلف إ‘ذا اتخذ رجل حليا ليتزوج به امرأة ففي وجوب الزكاة فيه قولان لمالك وأشهب، وأجرى عليهما الزكاة من أمسك حليا لابنته الصغيرة لتلبسه إذا كبرت، وكذلك اختلف إذا اتخذه عدة للزمن.
(وفيها يخرج من المعدن من ذهب أو فضة الزكاة إذا بلغ وزن عشرين دينارا ذهباً أو خمس أواق فضة ففي ذلك ربع العشر يوم خروجه، وذلك فيما يخرج بعد ذلك متصلاً به وإن قل):
العدن في اللغة الإقامة يقال عدن الرجل بالمكان إذا أقام به ومنه قوله تعالى: (جنات عدن) [التوبة:٧٢]
أي إقامة وما ذكر الشيخ من اعتبا النصاب هو كذلك باتفاق، وظاهر كلامه أنه لا يشترط فيه الحول لقوله يوم خروجه وهو كذلك عندنا، وقال إسحاق والليث وابن ذئب ما يخرج منه يستقبل به حولا وحجتهم أنه ﵇ جعل المعدن جباراً، وفي الركاز الخمس فلو كان في المعدن شئ لذكره قال ابن هارون والجواب عنه أن ذلك مسكوت عنه وقد بينه فعله ﵇ فيه.
стр. 306
حديث بلال بأخذه الزكاة من، واختلف المذهب إذا أذن لجماعة فقيل أنه يشترط أن يكون لكل واحد منهم نصاب وهو المشهور، وقيل إنما يعتبر النصاب في حق الجميع قاله ابن الماجشون، وأجرى عليهما لو كان المدفوع له ليس من أهل الزكاة كالعبد والذمي، واختلف إذا استخرج من المعدن عشرة دنانير مثلاً، وكان بيده من غيره عشرة دنانير حال عليها الحول فقال القاضي عبدالوهاب يضم ويزكي ومال اللخمي إلى أنه وفاق للمدونة وقال ابن يونس هو خلاف، واختلف هل يضم الذهب إلى الفضة أم لا؟ فقيل بالضم حكاه ابن الجلاب وقيل بعدمه حكاه الباتجي تخريجاً على ما يخرج من المعدنين في وقت واحد، وقال ابن الحاجب: وفي ضم الذهب إلى الفضة وإن كان المعدن واحداً قولان فظاهره أن الخلاف فيه بالنصب وليس كذلك، ونبه على هذا ابن عبدالسلام.
(فإن انقطع نيله بيده غيره لم يخرج شيئاً حتى يبلغ ما فيه الزكاة):
ما ذكره متفق عليه لأن ذلك كزرع سنين واختلف في تكميل معدن بمعدن في وقته فقيل بعدم الضم قاله مالك، وقيل بالضم قاله ابن مسلمة وصوبه بعض الشيوخ لتشبيههم ما يخرج من المعدن بالزرع، وقد اتفقنا على أن الزرع يضم قال ابن رشد وإذا انقطع النيل ثم عاد لا يخلو إما أن يتلف ما أخذه من النيل الأول قبل أن يظهر النيل الثاني أو بعد أن ظهر أو بعد أن استخرج منه تمام النصاب، ففي الأول لا يضم احدهما إلى الآخر كزرعين حرث الثاني منهما بعد حصاد الأول وعكسه الثالث، وأما الوجه الثاني فيخرج منه قولان: الزكاة ونفيها، من اختلاف قولي ابن القاسم وأشهب فيمن أفاد عشرة دنانير ثم عشرة فتلفت الأولى بعد حولها ثم جاء حول الثانية فإنه لا يخرج زكاته عند ابن القاسم ويزكي عند أشهب.
(وتؤخذ الجزية من رجال أهل الذمة الأحرار البالغين):
قال ابن رشد: الجزية العنوية ما يؤخذ من كافر على تأمينه، واعترضه بعض شيوخنا بأنه غير مانع إذ قد يدخل في كلامه ما أخذ من مال على مجرد تأمين اللحاق دار الحرب وليس بجزية قال وهي ما لزم الكافر من مال لأمنه باستقراره تحت حكم الإسلام وصونه، والجزية الصلحية لا حد لها إلا ما صالح عليه الإمام من قليل أو كثير قاله ابن حبيب وغيره، قال ابن رشد وهو كلام فيه نظر والصحيح أنه لأحد لأقل ما.
стр. 307
يلزم أهل الجزية الرضا به لأنهم مالكون لأمرهم وأن لأقلها حداً إذا بذلوه لزم لإمام قبوله وحرم عليه قتالهم لقوله تعالى: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) [التوبة:٢٩]
ولم أر لأحد من أصحابنا في ذلك حدا والذي يأتي على المذهب عندي أن أقلها ما فرض عمر على أهل العنوة.
فإذا بذل ذلك أهل الحرب في الصلح على أن يؤدوه عن يد وهم صاغرون لزم الإمام قبوله، وحرم عليه قتالهم وله أن يقبل منهم في الصلح أقل من ذلك وهم أغنياء.
قلت: وها بعض شيوخنا بأن قال: هي ما التزم الكافر بعينه أداءه على إبقائه بذلك تحت حكم الإسلام حيث يجري عليه، وحكم الجزية الجواز المعروض للترجيح بالمصلحة وقد يتعين عند الإجابة عليها قبل القدرة، وما ذكر الشيخ أنها تؤخذ من أهل الكتاب هو كذلك بإجماع صرح به غير واحد، ويرد ما لم يكن الذمي راهباً بحيث لا يقتل فإنها لا تضرب عليه، رواه ابن حبيب وقال ابن حارثة اتفاقاً، واختلف إذا ضربت عليه ثم ترهب فقيل إنها تسقط نقله ابن رشد عن ابن القاسم مع ظاهر قول مالك وعزاه ابن حارثة لأشهب فقط، وقيل إنها لا تسقط رواه مطرف وابن ماجشون، قال الفاكهاني: وقول الشيخ البالغين كالمستغني عنه لأن الرجل لا يطلق في اللغة والعرف إلا على البالغ ويقال بلغ الصبي ولا يقال بلغ الرجل، نعم لو قال العقلاء ليتحرز بذلك من المجانين لكان أولى من قوله البالغين، وإن كان يقال ذلك على طريق التوكيد.
(ولا تؤخذ من نسائهم وصبيانهم وعبيدهم).
اختلف هل تضرب على معتق على ثلاثة أقوال: فقيل تضرب قاله ابن حبيب وغيره وعكسه لأشهب ورواه عن مالك، وقيل غنه اعتقه كافر ضربت عليه وإن اعتقه مسلم فلا، قاله في المدونة، وأطلق هذا الخلاف غير واحد، وقال ابن رشد إنما هي فيمن اعتق ببلد الإسلام، وأما في بلاد الحرب فهي عليه بكل حال.
(وتؤخذ من المجوس ومن ناصري العرب):
اختلف في آخذ الجزية من غير أهل الكتاب على أربعة أقوال: فقيل تؤخذ وهو مذهب المدونة قال فيها وتؤخذ الجزية ممن دان بغير دين الإسلام، وقيل إنها لا تؤخذ وقيل تؤخذ إلا من مجوس العرب، وقيل تؤخذ إلا من قريش، واختلف في علة ذلك فقيل لمنع إذلالهم بها لمكانهم منه ﵇، وقيل لإسلامهم كلهم يوم الفتح فكل كافر من قريش مرتد والى هذا ذهب القرويون وذهب إلى الأول بعضهم.
стр. 308
(والجزئية على أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعون درهماً):
ظاهر كلام الشيخ إسقاط ما فرضه عمر ﵁ عليهم مع ذلك من إرفاق المسلمين وضيافة ثلاث أيام وهو كذلك رواه ابن المواز عن مالك قائلاً لأنه لم يوف لهم، قال الباجي فهذا يدل على أنها لازمة مع الوفاء، ونقله اللخمي بصيغة لما أحدث عليهم من الجوز قال: ولا أري أن توضع عنهم اليوم بالمغرب لأنهم لا جور عليهم، ومرضه بعض شيوخنا بأنه قل أن يكون وفاء غير عمر كوفائه ونقل أبو محمد عن سحنون أنه لا يؤخذ من أهل الذمة شئ إلا عن طيب أنفسهم إلا الضيافة التي وضعها عمر، وهذا كالنص في إلزامهم الضيافة، قال الباجي وابن رشد لا نص لمالك وأصحابه في زمن وجوبها وظاهر المذهب والمدونة أنها تؤخذ بآخر العام وهو القياس كالزكاة.
(ويخفف عن الفقر):
يريد الشيخ إنها تؤخذ منه على قدر استطاعته ولا تسقط البتة وهو كذلك في قول حكاه بعضهم، قال وظاهر قول ابن القاسم أنه إذا لم يقدر على جميعها أنها تسقط ولو كان يقدر على جميعها فإنه لا يسقط عنه شئ وقال اللخمي: اختلف في أخذها من الفقير فذهب ابن القاسم إلى أخذها منه، وقال ابن الماجشون: لا تؤخذ منه وهو أحسن ووجهه ابن بشير بالقياس على الزكاة، وعلى قول ابن القاسم فلا حد لمقدار ما يحمل، وقيل إن عجز عن دفعها سقطت عنه وكلاهما حكاه ابن القصار، ونقل خلف عن أصبغ أنه يخفف عمن ضعف فإن لم يجد طرحت عنه وان احتاج اتفق عليه قال عمر بن عبدالعزيز، وما نقله من الاتفاق إنما عزاه ابن يونس لعمر فقط زاد ويسلفون من بيت المال، وإن غاب واجتمعت عليه جزية سنين إن كانت غيبته فراراً منها أخذت منه لماضي السنين وإن كانت لعسر لم تؤخذ منه ولم يكن في ذمته ما عجز عنه منها فإذا الفقير لا جزية عليه نقله ابن شاس عن القاضي ابي الوليد، قلت ويتعارض المفهومان فيما إذا كانت غيبته لغير ما ذكر ككونها للتجارة والعمل على مفهوم الثاني فتجب عليه والله أعلم.
(ويؤخذ ممن تجر منهم من أفق إلى أفق عشر ثمن ما يبيعونه وأن اختلفوا في السنة مرارا):
стр. 309
ظاهر كلام الشيخ لو لم يبيع وأراد الرجوع بماله بعينه فإنه لا يؤخذ منه شئ، وهو كذلك وقيل يؤخذ منه والقولان لمالك، وسبب الخلاف اختلاف في عله الأخذ منهم هل هي لأجل الانتفاع او للوصول فقط؟ وعلى الأول لا يحال بينهم وبين رقيقهم في استخدام أو وطء، وعلى الثاني يمنعون إلا بعد الأداء واختلف إذا اشتري بعيدن قدم به سلعاً فقيل يؤخذ منهم عشرها وهو المشهور وقيل عشر قيمتها نقله أبو محمد وقيل عشر ثمنها نقله أبو عمر في الكافي وقبل غير ذلك، ولولا الإطالة لذكرناه، ومقتضي الروايات أن افقه محل أخذ جزيته وعمالاتها وفي المدونة الشام والمدينة أفقان.
(وإن حملوا الطعام خاصة إلى مكة والمدينة خاصة أخذ منهم نصف العشر من ثمنه):
ما ذكر أنه يؤخذ منهم نصف العشر هو المشهور وقيل العشر كاملاً كغيرها رواه ابن نافع، وظاهر كلام الشيخ إن سائر الأطعمة سواء لا يستثني منها شئ وهو ظاهر كلام غيره أيضا، وظاهر كلام مالك أن القطنية لا تلحق بذلك لأنه احتج على ذلك بفعل عمر قال كان يأخذ منهم في القطنية العشر وظاهر كلام الشيخ أن قرى مكة والمدينة ليست كهما وألحقها ابن الجلاب بهما.
(ويؤخذ من تجار الحربيين العشر إلا أن ينزلوا على أكثر من ذلك):
ما ذكر أنه يؤخذ منهم العشر هو كذلك قال مالك، وقيل بحسب ما يرى الإمام من الاجتهاد قاله ابن القاسم، قله أن يأخذ وإن لم يبيعوا على الأول فاختلف إذا قاموا بشئ غير مصنوع ثم استأجروا على حياكته وعلى صناعته أو ضربه مثلاً على ثلاثة أقوال: فقيل لا شئ عليهم قاله أشهب، وقيل يؤخذ منهم عشرة غير مصنوع قاله ابن المواز، وقيل بل عشرة مصنوعا قاله ابن القاسم، ولا يمكنون من بيع خمر لمسلم باتفاق والمشهور تمكينهم لغيره، وذلك إذا حملوا لأهل الذمة الى أمصار المسلمين التي لا ذمة فيها.
(وفي الركاز وهو دفن الجاهلية الخمس على من أصابه).
ظاهر كلامه: وإن كان المدفون غير عين كرصاص ونحاس فإنه يخمس وهو كذلك في أحد قولي مالك في المدونة ونصها قال مالك مرة فيه الخمس، ثم قال لا.
стр. 310
خمس فيه ثم قال فيه الخمس، وبه أقول، فإن كان الإمام عدلاً دفع الواحد الخمس له يصرفه في محله وإن كان غير عدل فقال مالك يتصدق به الواحد ولا يدفعه إلى من يعيث فيه وكذلك العشر وما فضل من المال للورثة قال ولا أعرف اليوم بيت مال، وإنما هو بيت ظلم، وظاهر كلام الشيخ أنه لا يشترط ففي الركاز النصاب وهو كذلك في المشهور، وقيل لا يخمس ما دون النصاب قال المغيرة: ولا يشترط في واجده الإسلام والحرية.
باب في زكاة الماشية
(قول وزكاة الإبل والبقر والغنم فريضة):
قوه كلامه تقتضي أن زكاة الماشية محصورة فيما ذكر وهو كذلك عندنا، وقال أهل العراق: وتجب في الخيل السائمة إذا كانت ذكوراً وإناثاً فقط متخذة للنسل وذلك دينار في كل فرس، وإن شاء قومها وأخرج عن كل مائتي درهم خمسة دراهم ورد بعض أهل المذهب عليهم ذلك بالنص والمعنى.
أما النص فقوله ﵇ "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقه" وقوله: "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق".
وأما المعني فلأن النعم تختص بالدر والنسل والأصواف والأوبار والأشعار بما لا يوجد في غيرها من الحيوان على هذه الصفة فواجب اختصاصها بالزكاة، وأيضا فلأن الخيل حيوان لا تجب في أحد نوعية زكاة فلا تجب في الآخر كالحمر.
واختلف المذهب في المتولد من النعم ومن الوحش على ثلاثة أقوال: فقيل بإسقاط الزكاة قاله محمد بن عبدالحكم، وعكسه حكاه ابن بشير وحكي الأستاذ أبو بكر اتفاق الأئمة الثلاثة على إبطال هذا القول، وقيل إن كان الأمهات من النعم وجبت وإلا فلا قاله أبن القصار، قال ابن بشير وقد استقرئ هذا القول من المدونة لقولها لأن كل ذات رحم فولدها بمنزلتها.
(ولا زكاة من الإبل في أقل من خمس ذود وهي خمسة من الإبل فقيها شاة جذعة أو ثنية من جل غنم أهل ذلك البلد من شأن أو معز إلى تسع ثم في العشر شاتان إلى أربعة شعر ثم في خمس عشر ثلاث أشياء إلى تسعة عشر فإن كانت عشرين فأربع شياه إلى أربع
стр. 311
وعشرين.
إنما قدم الشيخ الكلام على زكاة الإبل اقتداء بالنبي ﷺ إذ فعل ذلك في كتاب الصدقة المكتوبة لعمرو بن حزم، وظاهر كلام الشيخ سواء كانت الإبل عوامل أم لا، وهو كذلك عندنا خلافاً للشافعي وأبي حنيفة في إسقاطهما الزكاة عن العوامل لقوله ﵇ (في السائمة الزكاة).
وأجاب بعض أهل المذهب يمنع كون المفهوم حجة سلمنا ما قالوه من أنه حجة فقد عارضة العموم في قوله ﵇ والسلام (في كل أربعين شاة) وهو أقوى من المفهوم، وقال ابن عبدالسلام: مذهب المخالف هو الذي تركن النفس إليه وعارض أبو عمر نبن عبدالبر قول أهل المذهب هنا بقولهم لا زكاة في الحلي المعد للباس، ورأي أن الزكاة في أحدهما دون الآخر كالمتناقض، وفرق بأن اتخاذ النعم للاستعمال والعلوفة لا يمنع من حصول النماء فيها كما يحصل من السائمة بخلاف نماء العين إنما يكون بصرفه في التجارة، وذلك لا يحصل مع اتخاذه للباس، وما ذكر الشيخ من أن الشاة تؤخذ من جل غنم أهل البلد هو المشهور وهو نص المدونة.
وقيل إنما يعتبر جل كسب المخرج نص عليه في كتاب ابن سحنون وقاله ابن حبيب قائلاً: فإن استوى الصنفان خير الساعي، واختار اللخمي أن الأمر واسع يخرج إما من كسبه وإما من كسب أهل البلد، فيتحصل في ذلك ثلاثة أقوال: ولو أخرج بعيرا عن شاة فقال ابن شاسي أطلق القاضيان أبو الوليد وأبو بكر القول بأنه لا يجزئ، وقال أبو الطيب عبدالمنعم القروي من أصحابنا من أبناه وليس بشئ لأنه مواساة من جنس المال بأكثر مما وجب عليه.
(ثم في خمس وعشرين بنت مخاض وهي بنت سنتين):
سميت بنت مخاض لأن أمها مخاض أي حامل وظاهر كلام الشيخ أنها كملت سنتين ودخلت في الثالثة والمنصوص لغيره ما دخل في الثانية ولا يبعد أن يحمل كلام المؤلف عليه.
(فإن لم تكن فيها فابن لبون ذكر إلى خمس وثلاثين ثم في ست وثلاثين بنت لبون وهي بنت ثلاث سنين إلى خمس وأربعين ثم في ست وأربعين حقة وهي التي يصلح على ظهرها الحمل ويطرقها الفحل وهي بنت أربع سنين إلى ستين ثم في إحدى وستين جذعة وهي بنت خمس سنين إلى خمس وسبعين ثم في ست وسبعين بنتاً لبون إلى تسعين ثم في
стр. 312
إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة):
اختلف المذهب إذا فقدا معًا وهما بنت مخاض وابن لبون على أربعة أقوال: فقيل إن الساعي يكلفه بالأصل وهي بنت مخاض إلا أن يأتيه رب المال بابن اللبون ويراه الساعي نظرا قاله في المدونة.
ووقع لابن القاسم إن أتى بابن لبون قبل مطلقًا، وقال أشهب تتعين بنت مخاض مطلقًا لأنها الأصل فإن أخرج غيرها لم يجزه لأنها من إخراج القيم في الزكاة على أن المنقول عن أشهب في فصل إخراج القيم الجواز ابتداء حسبما يأتي فيكون له قولان، وقيل إن الساعي مخير ذكره ابن المواز تأويلا عن ابن القاسم ولم يرتضه اللخمي، وهذا الخلاف كما قلنا إنما هو مع فقدها وأما إن كان السنان عنده فالواجب بنت مخاض، وقال التونسي لا يبعد أن يأخذ الساعي ابن لبون لأنه إذا جاز أخذه مع عدمه نظرا جاز مع وجوده.
(فما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون):
اعلم أنه إذا كان عند المكلف عشرون ومائة ففيها حقتان بلا خلاف، وكذلك في الثلاثين ومائة حق وبنت لبون، واختلف إذا كان عنده ما بين ذلك على ثلاثة أقوال: فقيل يتعين حقتان قاله مالك خارج المدونة من رواية أشهب، وبه أخذ المغيرة وابن مسلمة وابن الماجشون وعن مالك أيضًا مخير بين ذلك وبين ثلاث بني اللبون.
وقال ابن القاسم بقول ابن شهاب تتعين ثلاث بنات لبون في الإبل أم لا، وهذان القولان كلاهما في المدونة وهذه إحدى المسائل الأربع التي أخذ فيها ابن القاسم بغير قول مالك، والثانية في كتاب المديان أخذ فيها بقول ابن هرمز، والثالثة في تضمن الصناع أخذ فيها بقول ابن أبي سلمة، والرابعة في العتق، الثاني أخذ فيها بقول ابن المسيب ولولا الإطالة لذكرنا نص جميع ذلك كما هو في المدونة، واختلف إذا وصلت الإبل مائتين على أربعة أقوال: فقيل إن الساعي مخير بين أربع حقاق أو خمس بنات لبون قاله أصبغ، وقيل التخيير في ذلك لرب المال واختاره اللخمي، وقبل إن وجدا خير الساعي وإن فقدا أو فقد أحدهما خير رب المال قال ابن القاسم ونحوه لابن المواز، وقيل إن وجدا أو فقدا خير الساعي وإن وجد أحدهما خير رب المال وهو المشهور.
стр. 313
(ولا زكاة من البقر في أقل من ثلاثين فإذا بلغتها ففيها تبيع عجل جذع قد أوفى سنتين):
ما ذكر الشيخ هو مذهبنا، وقال ابن المسيب في كل خمس شاة كالإبل إلى خمس وعشرين ففيها بقرة إلى خمس وسبعين فإذا زادت واحدة فبقرتان إلى عشرين ومائة فإذا جاوزتها ففي كل أربعين بقرة وقيل غير ذلك. والذي تدل عليه السنة الثابتة في كتاب عمرو بن حزم ما قاله مالك، وما ذكر الشيخ من تعيين الذكر هو المشهور مطلقًا. وروى أشهب أن الساعي مخير في أخذ جذعة أو تبيع إن وجدا في البقر أو فقدا معًا وأما إن وجد أحدهما فليس له غيره وصوبه القاضي عبد الوهاب محتجا بما في كتاب عمرو بن حزم أن في الثلاثين تبيعا أو جذعة فأتى أو المقتضية للتخيير، وما ذكر الشيخ من أنه في أوفي سنتين هو قول ابن حبيب، وقيل ما أوفي سنة ودخل في الثانية قاله عبد الوهاب، وقال ابن نافع في المجموعة هو ابن ثلاث سنين حكاه اللخمي قال الجوهري التبيع ولد البقرة في أول سنة قال ابن عبد السلام: فظاهره يقتضي أنه يسمي تبيعا في أول السنة ووسطها.
(ثم كذلك حتى تبلغ أربعين فتكون فيها مسنة ولا تؤخذ إلا أثنى وهي بنت أربع سنين وهي ثنية):
ما ذكر من أن سنها أربع هو قول ابن حبيب وعبد الوهاب في نقل اللخمي، ونقل ابن يونس عن ابن حبيب أنها التي دخلت في الرابعة، وبه قال ابن شعبان. وقيل بنت سنتين حكاه ابن الحاجب قال ابن هارون ولا أعرفه لغيره وسلمه ابن عبد السلام قائلاً بل قال في التبيع ما أوفى سنة ثم قال في المسنة ما أوفت سنتين.
(فما زاد ففي كل أربعين مسنة وفي كل ثلاثين تبيع):
اعلم أن المائة والعشرين من البقر كالمائتين من الإبل لأن فيها ثلاث أربعينات وأربع ثلاثينات فيختلف في التخيير على حسب ما تقدم من الأقوال الأربعة.
(ولا زكاة في الغنم حتى تبلغ أربعين شاة فإذا بلغتها ففيها شاة جذعة أو ثنية إلى عشرين ومائة فإذا بلغت إحدى وعشرين ومائة ففيها شاتان إلى مائتي شاة فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة فما زاد ففي كل مائة شاة):
اختلف في أقل المجزئ على ثلاثة أقوال: فقيل تتعين الجذعة قاله ابن القصار قائلاً ضأنا كانت أو معزا، وبه قال الشافعي قياسًا على الإبل فإن الواجب فيها الإناث،
стр. 314
والمشهور أن الجذع من الضأن والمعز يجزئ فضلا عن الأنثى وهو نص ابن القاسم وأشهب.
قال الفاكهاني: وهو ظاهر كلام المصنف يريد لأن قوله شاة تتناول الذكر والأنثى والضأن والمعز وقوله جذعة يريد سنها من الجذعة أو الثنية، وقال ابن حبيب إنما يجزئ الجذع من الضأن والثني من المعز كالضحايا قال أبو محمد ليس هذا بقول مالك وأصحابه، ورده غيره بأن الشرع فرق بين البابين بإجازته في زكاة الإبل والبقر من سن ما لا يجوز في الضحايا.
(ولا زكاة في الأوقاص وهو ما بين الفريضتين من كل الأنعام):
سياق كلامه ههنا في غير الخليطين وهو كذلك باتفاق، وأما الوقص في الخليطين فيأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء الله.
(ويجمع الضأن والمعز في الزكاة والجواميس والبقر والبخت والعراب):
ما ذكر الشيخ من جمع الجواميس للبقر والبخت للعراب متفق عليه وما ذكر من جمع الضأن للمعز هو المشهور، وقال ابن لبابة بعدم الضم وحكاه ابن رشد عنه في المقدمات في أواخر الزكاة ونقله عنه ابن بزبزة أيضًا وعلى المشهور فإن كان الواجب شاة من الضأن والمعز فإن كانا متساويين كأربعين ضائنة وأربعين معزة ففي المدونة تخيير الساعي، وزعم ابن رشد الاتفاق عليه، وقال اللخمي القياس أخذ نصفين لأن تخيير الساعي ليس بأولى من تخيير رب المال فيترجح عليه ترجيحاً بلا مرجح فهو كما تنازعه اثنان قال الشيخ خليل وليس بظاهر لأن ذلك يوقع في مخالفة الأصول لأنه إما أن يقول بأخذ قيمة نصفين أو يكون شريكا والأول يلزم منه أخذ القيم، والثاني
стр. 315
يلزم منه الشركة، وفيه ضرر على رب الماشية، وإنما لم تشرع زكاة الأوقاص في الماشية والله أعلم لضرر الشركة قلت: والأخير من كلام الشيخ خليل ذكره ابن بشير ﵀، وإن لم يكونا متساويين كأربعين ضائنة وعشرين معزة أو أربعين وستين فالمشهور من الأكثر مطلقا وقال ابن مسلمة مثله إلا أن يكونا مستقلين بحيث يكون كل واحدًا نصابًا فأكثر كالمثال، الثاني فيخير الساعي وإن كان الواجب شاتين فإن كانا متساويين كمائة ومائة أخذ منهما وإن كانا غير متساويين فله صور إحداهما أن يكون الصنف الأول بلغ النصاب وأثر في وجوب الشاة الثانية كمائة وعشرين ضائنة وأربعين معزا فمذهب المدونة أنه يأخذ منهما.
وقال سحنون بل من الأكثر، وخرج اللخمي قولاً آخر أنه يأخذ شاة من الضأن ويخير في الآخر الصورة الثانية عكس الأولى وهي أن يكون الأقل دون النصاب ولم يؤثر شيئًا كمائة وإحدى وعشرين ضائنة وثلاثين معزا فقد وافق سحنون ابن القاسم هنا الصورة الثالثة أن يكون المعز أربعين فقال ابن القاسم يأخذ الشاتين من الضان وقال ابن مسلمة يأخذ شاة من الضأن ويخير الساعي في أخذ الثانية، وقيل شاة من الضأن وأخري من المعز من غير تخيير حكاه ابن عات، وهذا الفصل والكلام فيه متسع جدًا ومحله المدونة.
(وبكل خليطين فإنهما يترادان بينهما بالسوية):
أما إن لم يكن وقص فواضح وأما إن كان فذلك على وجهين:
أحدهما: أن يكون الوقص لكل واحد منهما حالة الانفراد ويتعلق بهما نصاب كصاحبي تسع وست فهذا الوجه لا خلاف في التراجع فيه يكون على صاحب التسع شاة وأربعة أخماس أخرى، وعلى الآخر شاة وخمس.
والوجه الثاني: أن يكون الوقص من جهة واحدة أو من الجهتين ولا يبلغ نصابًا كخليطين لأحدهما تسع وللآخر خمس فكان مالك يقول على كل واحد منهما شاة ثم رجع إلى أن على صاحب التسع شاة وسبعين وعلى الآخر خمسة أسباع والقولان في المدونة والأخيرة منهما هو المشهور.
واختلف هل المعتبر في تقويم ما أخذ الساعي يوم أخذه قاله ابن القاسم أو يوم الوفاء قاله أشهب في ذلك قولان وشروط الخلطة خمسة الراعي والفحل والدلو والمراح والمبيت ولا خلاف أعلمه أنه لا يشترط جميعها، ونقل الفاكهاني قيل يشترط الخمسة
стр. 316
لا أعرفه، واختلف في أقل المجزئ منها على ثلاثة أقوال: فقيل ثلاثة وهو ظاهر قول في العتبية، وقيل اثنان قاله الأبهري، وقيل الراعي فقط قاله ابن حبيب، وقال ابن بشير يمكن أن يرجع الخلاف الواقع في المذهب إلى القولين اعتبار الاثنين أو لأكثر.
(ولا زكاة على من لم تبلغ حصته عدد الزكاة):
اعلم أن المشهور من المذهب أنه يشترط في الخليط أن يكونا حرين مسلمين وقال ابن الماجشون إذا كان أحدهما من أهل الزكاة والآخر عبدًا أو نصرانيا زكي الحر المسلم ما يجب عليه في زكاة الخلطة، ويسقط نصيب النصراني والعبد، فإذا عرفت هذا فما ذكر الشيخ هو المشهور والمنصوص ومثله إذا حل حول أحدهما وخرج اللخمي من قول ابن الماجشون السابق أن يزكي صاحب النصاب، ومن حال عليه الحول زكاة الخلطة ويسقط مناب من لم يحل عليه الحول إلى حوله، وفرق ابن بشير بمراعاة الخلاف في مسألة العبد والنصراني لاختلاف العلماء في خطابهما بالزكاة واجتماعهم على سقوط الزكاة عن مالك دون النصاب ولم يحل حول ماله، وما ذكرناه عن اللخمي تخريجا حكاه ابن عات عن ابن الماجشون نصًا، وقال ابن زرقون اكتفى ابن وهب في النصاب ببلوغه مجموع حظهما.
(ولا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق خشية الصدقة وذلك إذا قرب الحول فإذا كان ينقص أداؤها بافتراقهما أو باجتماعهما أخذ بما كانا عليه قبل ذلك، ولا تؤخذ في الصدقة السخلة وتعد على رب الغنم ولا تؤخذ العجاجيل في البقر، ولا الفصلان في الإبل وتعد عليهم ولا يؤخذ تيس ولا هرمة ولا الماخض ولا فحل الغنم ولا شاة العلف ولا التي تربي والدها):
مثال التفريق خشية الصدقة رجلان لكل منهما مائة شاة وشاة فيفترقان في آخر الحول لتجب عليهما شاتان، وقد كان الواجب عليهما ثلاثًا.
ومثال الجمع ثلاثة رجال لكل واحد منهم أربعون فيجمعونها في آخر الحول لتجب عليهم شاتان وقد كان الواجب عليهم ثالثا والمنصوص أخذهم بالأول كما قال الشيخ، وخرج اللخمي أنهما يؤخذان بزكاة ما رجعا إليه من مسألة البائع ماشيته يذهب فرارا من الزكاة فقد قال مالك في مختصر ابن شعبان يؤخذ بزكاة الذهب، وقال ابن بشير هذا لا يلزم لأن مسألة الخلطة تختلف فيها الزكاة ومسألة البائع من لا يختلف فيها الحال بين زكاة العين والماشية وربما كانت زكاة العين أنفع للمساكين، واختلف
стр. 317
المذهب إذا لم تقم قرينة وأنها في الجمع، والتفريق لنقص الزكاة فالمشهور اعتبار قرب الزمان وقيل بعدم اعتباره، واختلف في حد القرب على ثلاثة أقوال: شهران وشهر ودودنه.
(ولا خيار أموال الناس):
يريد أنه لا يؤخذ من خيارها ولا من شرارها وإنما يؤخذ من الوسط، واختلف إذا كان خيارًا كلها أو شرارا كلها على أربعة أقوال: فقيل يكلف بالوسط قاله مالك في المدونة وهو المشهور، وقيل يؤخذ منها على الإطلاق قاله محمد بن عبد الحكم، وقيل يؤخذ منها إلا أن تكون سخالا قاله ابن الماجشون، وقيل يؤخذ منها إلا أن تكون خيارًا أو سخالا قاله مطرف في ثمانية أبي زيد وعبر ابن الحاجب عن هذا القول بقوله تؤخذ إلا أن تكون خيارًا متبعًا في ذلك ابن بشير، قال ابن هارون والمنقول ما تقدم بزيادة أو سخالا والاعتراض عليهما واحد.
(ولا يؤخذ في ذلك عرض ولا ثمن فإن أجبره المصدق على أخذ الثمن في الأنعام وغيرها أجزأة إن شاء الله ولا يسقط الدين زكاة حب ولا تمر ولا ماشية):
ظاهر كلامه أنه على التحريم لقوله: فإن أجبره المصدق، مفهومه لو طاع بدفع القيمة اختيارًا فإنها لا تجزئ والذي دل عليه كلام المؤلف بالنص، والمفهوم وهو المشهور هو أحد الأقوال الأربعة، وقيل إن إخراج القيمة مطلقًا جائز قاله أشهب وبه قال ابن القاسم في العتبية وقيل بعكسه، وفي سماع ابن أبي زيد عن ابن القاسم له أن يخرج العين عن الحب بخلاف بخلاف العكس ولم يحفظه خليل إلا لأشهب فقط.
قال ابن هارون: والقول الأول بالفرق بين الطوع فلا يجزئ إخراج القيمة وبين الإكراه فيجزئ هو قول ابن القاسم في المدونة، وقال ابن عبد السلام: ظاهر المدونة وغيرها أنها من باب شراء الصدقة والمشهور فيه أنه مكروه محرم ذكر هذا كالتمريض لقول ابن الحاجب، وإخراج القيمة طوعا لا يجزئ وكرها يجزئ على المشهور فيهما قلت: ففي المدونة ما يشهد للشيخين ابن عبد السلام، وابن هارون قال في موضع: ومن أجبره المصدق على أن أدى في صدقته ثمنا رجوت أن يجزئه فمفهومه لو طاع بذلك لما أجزأه، وقال في موضع آخر: ولا يأخذ الساعي فيها دراهم، واستحب مالك
стр. 318
أن يترك المرء شراء صدقته وإن كانت قد قبضت وهذا يدل على ما قال ابن عبد السلام: والأول لما قال ابن هارون – والله أعلم.
باب في زكاة الفطر
(وزكاة الفطر سنة واجبة فرضها رسول الله ﷺ على كل كبير أو صغير ذكر أو أنثى حرًا أو عبدًا من المسلمين صاعا عن كل نفس بصاع النبي ﵇ وهو أربعة أمداد بمده ﷺ :
يريد أن زكاة الفطر سنة وأراد بقوله فرضها رسول الله ﷺ أي قدرها فلا تمريض في كلامه، وقول أبي عمر بن عبد البر قول الشيخ أبي محمد سنه فرضها رسول الله ﷺ تمريض للشيخ ضعيف لما قلناه، وما ذكرناه عن الشيخ من أن حكمها السنة عزاه أبو عمر بن عبد البر لبعض أصحاب مالك قائلاً وهو ضعيف، وعزاه ابن رشد لبعض أصحابنا وذكرنا بعضهم عن مالك، وقال الباجي واللخمي أنها واجبة وأخذ ذلك من قول مالك في المجموعة أنها داخلة في قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة) [البقرة: ٤٣]
، وجعله ابن الحاجب المشهور ومنهم من استدل على وجوبها بقوله تعالى: (افلح من تزكى (١٤) وذكر اسم ربه فصلى) [الأعلى: ١٤، ١٥]
وقيل أن دليل الوجوب من السنة فيتحصل في حكمها قولان: السنة والوجوب، وعليه فقيل بالسنة وقيل بالوجوب وبالقرآن وعلى الثاني فقيل بالعمومات وقيل بتخصيص قوله تعالى: (افلح من تزكي).
واختلف في وقت وجوبها على خمسة أقوال: فقيل عند الغروب من ليلة الفطر قال ابن القاسم. ورواه أشهب عن مالك وهو المشهور، وقيل تجب بطلوع الفجر ورواه ابن القاسم وعبد الملك ومطرف عن مالك، وقيل بطلوع الشمس قاله بعض أصحاب مالك، وقيل تجب من ليلة الفطر إلى الزوال قاله عبد الملك، وقيل من المغرب إلى الغروب حكاه اللخمي عن مالك، قلت ويقوم من المدونة من قالها ولا تؤدى عن الحمل زكاة الفطر إلا أن يولد ليلة الفطر حيا أو يومه فتؤدى عنه، وثمرة هذا الخلاف تظهر فيمن ولد وإذا مات أو أسلم أو بيع أو عتق أو طلق أو وهب أو تصدق، وما ذكر الشيخ من أن مقدارها صاع هو المشهور بالإطلاق ونقل ابن يونس عن ابن حبيب قدرها من البر نصف صاع وهو قول أبي حنيفة.
стр. 319
(وتؤدي من جل عيش أهل ذلك البلد من بر أو شعير أو سلت أو تمر أو أقط أو زبيب أو دخن أو ذرة أو أرز وقيل إن كان العلس قوت قوم أخرجت منه وهو حب صغير يقرب من خلقة البر):
ما ذكر من أنها تؤدى من قوت أهل البلد هو المشهور وأحد الأقوال الثلاثة، وقال أشهب وابن المواز إنما يراعى عيش المخرج وعيش عياله إذا لم يشح على نفسه وعليهم واختاره ابن العربي، وقال اللخمي إن شاء أخرج من قوته أو قوت البلد الذي هو فيه، وما ذكر الشيخ في القول الأول أنها تؤدي من التسع هو مذهب المدونة والقول الثاني هو قول ابن حبيب وفيه يقول بعضهم.
والفاضل ابن حبيب زادنا علسا = فتلك عشر بلا وكس ولا شطط
وبقي في المسألة أقوال أخر حكاها ابن رشد أحدها: أنه يخرج من خمسة فقط: من القمح والشعير والزبيب والتمر والأقط، قاله ابن القاسم. والثاني: من الخمسة المذكورة إلا أنه أبدل الزبيب بالسلت قاله ابن الماجشون، والثالث: من الخمسة وقاله أصبغ في النذور وكذلك الخبز قال ابن يونس عن بعض علمائنا وليس قول ابن حبيب بخلاف المدونة وقال الباجي هو خلاف لها، وفي تأليف ابن هارون بخطه عن ابن يونس هو خلاف لها وهو غلط من قلمه لا شك فيه واختلف المذهب إذا اقتيت غير ما تقدم ذكره كالقطاني فقال مالك في المدونة لا يجزئ، وقال ابن القاسم يجزئ إذا كان عيشهم وبه قال أبو بكر بن العربي ﵀ قائلاً: مساكينهم شركاؤهم لا يتكلفون لهم بغير ما عندهم ولا يحرمونهم مما بأيديهم.
(ويخرج عن العبد سيده والصغير لا مال له يخرج عنه والده):
ما ذكر متفق عليه إن كان قنا ولا يلزمه أن يخرج عن عبد عبده كما لا تلزمه نفقته نص على ذلك في المدونة، وأما العتق بعضه ففيه ثلاثة أقوال: فقيل على السيد حصته وتسقط حصة جزء العتيق قال مالك في المدونة وهو المشهور، وقيل يؤدي كل من العبد والسيد حصته قاله أشهب وهو قول مالك في المبسوط، وقيل يلزم السيد جميع الزكاة قاله عبد الملك في كتاب محمد، واختلف في العبد المشترك على ثلاثة أقوال: فقيل إن زكاته على قدر ما يملك كل واحد منه وهو المشهور، وقيل على قدر رءوسهم وهو ظاهر كلام ابن المواز، وقيل إن على كل واحد منهم زكاة كاملة رواه عبد الملك ولم يأخذ بل أخذ بالمشهور، وأنكره سحنون.
стр. 320
وأما المكاتب فيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى.
(ويخرج الرجل زكاة الفطر عن كل مسلم تلزمه نفقته):
هذا كلام عام أريد به الخصوص فإن من التزم نفقة من ليس بقربه كالربيب أو قريب لا تلزمه نفقته بالأصالة فإنه لا يلزمه أن يخرج عنه زكاة الفطر باتفاق، وإنما أراد الشيخ بقوله عمن تلزمه نفقته بالقرابة أو بالرق أو بسبب النكاح، فأما الأولان فالاتفاق على ذلك، واختلف في الثالث وهي الزوجة على قولين المشهور منهما أنه يلزمه أن يخرج عنها، وذهب ابن بشير إلى أنه لا يلزمه ومثله في المبسوط عن ابن نافع، وسبب الخلاف هل النفقة عليها من باب المعاوضة فتزكي عن نفسها أو من باب المواساة والإحسان كنفقة الآباء والبنين فتجب على الزوج، قال ابن هارون: وقد يعترض هذا بأن نفقة المواساة مشروطة بفقر أحدهما، وقال في المدونة ويؤديها عن خادم واحد من خدام امرأته التي لابد لها منها، وما ذكره فيها هو أحد الأقوال الثلاثة، وقيل يؤديها عن خادمين من خدمها إذا كان لها غنى وشرف رواه أصبغ في العتبية عن ابن القاسم، وقال أصبغ لو ارتفع قدرها كابنة السلطان والملك والهاشميات رأيت أن يزاد في عدة الخدم ما يصلحها كالأربع والخمس وتلزم الزوج نفقتهن وزكاتهن، وما ذكر الشيخ من اشتراط الإسلام هو المشهور وفي المبسوط عن ابن وهب أنه لا يشترط.
(وعن مكاتبه وإن كان لا ينفق عليه لأنه عبد له بعد):
ما ذكر أنه يؤديها عن مكاتبه هو المشهور وأحد الأقوال الثلاثة وقيل إنها على المكاتب حكاه عبد الوهاب عن مالك، وقيل إنها ساقطة عنهما معًا حكاه اللخمي ولم يسم قائله وعزاه ابن الجلاب لمالك.
(ويستحب إخراجها إذا طلع الفجر من يوم الفطر):
قال في المدونة ويخرجها قبل الغدو إلى المصلى وذلك واسع قبل الصلاة وبعدها، قال اللخمي والأول أحسن فحمل كلامه على الخلاف ولم يرتضه كثير من الشيوخ كابن بشير وفهموا أنه قول واحد استحباب إخراجها قبل الصلاة، وثم بين أن ذلك ليس بلازم فواسع له إخراجها قبل وبعد ولذلك قال ابن الحاجب: ويستحب إخراجها بعد الفجر وقيل الغدو إلى المصلى واتفاقا وواسع بعده، واعترض بعض شيوخنا دعواه الاتفاق فنقل سحنون من أوجبها بطلوع الشمس لم يستحبها حينئذ لعدم وجوبها، ومثل هذا الاعتراض المذكور للشيخ خليل ﵀، واختلف هل يجوز
следующие страницы →