← Фикх малики

Фикх малики · id 14555

شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة

ابن ناجي التنوخي

Полный текст (890 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

لا أعرفه، واختلف في أقل المجزئ منها على ثلاثة أقوال: فقيل ثلاثة وهو ظاهر قول في العتبية، وقيل اثنان قاله الأبهري، وقيل الراعي فقط قاله ابن حبيب، وقال ابن بشير يمكن أن يرجع الخلاف الواقع في المذهب إلى القولين اعتبار الاثنين أو لأكثر. (ولا زكاة على من لم تبلغ حصته عدد الزكاة): اعلم أن المشهور من المذهب أنه يشترط في الخليط أن يكونا حرين مسلمين وقال ابن الماجشون إذا كان أحدهما من أهل الزكاة والآخر عبدًا أو نصرانيا زكي الحر المسلم ما يجب عليه في زكاة الخلطة، ويسقط نصيب النصراني والعبد، فإذا عرفت هذا فما ذكر الشيخ هو المشهور والمنصوص ومثله إذا حل حول أحدهما وخرج اللخمي من قول ابن الماجشون السابق أن يزكي صاحب النصاب، ومن حال عليه الحول زكاة الخلطة ويسقط مناب من لم يحل عليه الحول إلى حوله، وفرق ابن بشير بمراعاة الخلاف في مسألة العبد والنصراني لاختلاف العلماء في خطابهما بالزكاة واجتماعهم على سقوط الزكاة عن مالك دون النصاب ولم يحل حول ماله، وما ذكرناه عن اللخمي تخريجا حكاه ابن عات عن ابن الماجشون نصًا، وقال ابن زرقون اكتفى ابن وهب في النصاب ببلوغه مجموع حظهما. (ولا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق خشية الصدقة وذلك إذا قرب الحول فإذا كان ينقص أداؤها بافتراقهما أو باجتماعهما أخذ بما كانا عليه قبل ذلك، ولا تؤخذ في الصدقة السخلة وتعد على رب الغنم ولا تؤخذ العجاجيل في البقر، ولا الفصلان في الإبل وتعد عليهم ولا يؤخذ تيس ولا هرمة ولا الماخض ولا فحل الغنم ولا شاة العلف ولا التي تربي والدها): مثال التفريق خشية الصدقة رجلان لكل منهما مائة شاة وشاة فيفترقان في آخر الحول لتجب عليهما شاتان، وقد كان الواجب عليهما ثلاثًا. ومثال الجمع ثلاثة رجال لكل واحد منهم أربعون فيجمعونها في آخر الحول لتجب عليهم شاتان وقد كان الواجب عليهم ثالثا والمنصوص أخذهم بالأول كما قال الشيخ، وخرج اللخمي أنهما يؤخذان بزكاة ما رجعا إليه من مسألة البائع ماشيته يذهب فرارا من الزكاة فقد قال مالك في مختصر ابن شعبان يؤخذ بزكاة الذهب، وقال ابن بشير هذا لا يلزم لأن مسألة الخلطة تختلف فيها الزكاة ومسألة البائع من لا يختلف فيها الحال بين زكاة العين والماشية وربما كانت زكاة العين أنفع للمساكين، واختلف

стр. 317

المذهب إذا لم تقم قرينة وأنها في الجمع، والتفريق لنقص الزكاة فالمشهور اعتبار قرب الزمان وقيل بعدم اعتباره، واختلف في حد القرب على ثلاثة أقوال: شهران وشهر ودودنه. (ولا خيار أموال الناس): يريد أنه لا يؤخذ من خيارها ولا من شرارها وإنما يؤخذ من الوسط، واختلف إذا كان خيارًا كلها أو شرارا كلها على أربعة أقوال: فقيل يكلف بالوسط قاله مالك في المدونة وهو المشهور، وقيل يؤخذ منها على الإطلاق قاله محمد بن عبد الحكم، وقيل يؤخذ منها إلا أن تكون سخالا قاله ابن الماجشون، وقيل يؤخذ منها إلا أن تكون خيارًا أو سخالا قاله مطرف في ثمانية أبي زيد وعبر ابن الحاجب عن هذا القول بقوله تؤخذ إلا أن تكون خيارًا متبعًا في ذلك ابن بشير، قال ابن هارون والمنقول ما تقدم بزيادة أو سخالا والاعتراض عليهما واحد. (ولا يؤخذ في ذلك عرض ولا ثمن فإن أجبره المصدق على أخذ الثمن في الأنعام وغيرها أجزأة إن شاء الله ولا يسقط الدين زكاة حب ولا تمر ولا ماشية): ظاهر كلامه أنه على التحريم لقوله: فإن أجبره المصدق، مفهومه لو طاع بدفع القيمة اختيارًا فإنها لا تجزئ والذي دل عليه كلام المؤلف بالنص، والمفهوم وهو المشهور هو أحد الأقوال الأربعة، وقيل إن إخراج القيمة مطلقًا جائز قاله أشهب وبه قال ابن القاسم في العتبية وقيل بعكسه، وفي سماع ابن أبي زيد عن ابن القاسم له أن يخرج العين عن الحب بخلاف بخلاف العكس ولم يحفظه خليل إلا لأشهب فقط. قال ابن هارون: والقول الأول بالفرق بين الطوع فلا يجزئ إخراج القيمة وبين الإكراه فيجزئ هو قول ابن القاسم في المدونة، وقال ابن عبد السلام: ظاهر المدونة وغيرها أنها من باب شراء الصدقة والمشهور فيه أنه مكروه محرم ذكر هذا كالتمريض لقول ابن الحاجب، وإخراج القيمة طوعا لا يجزئ وكرها يجزئ على المشهور فيهما قلت: ففي المدونة ما يشهد للشيخين ابن عبد السلام، وابن هارون قال في موضع: ومن أجبره المصدق على أن أدى في صدقته ثمنا رجوت أن يجزئه فمفهومه لو طاع بذلك لما أجزأه، وقال في موضع آخر: ولا يأخذ الساعي فيها دراهم، واستحب مالك

стр. 318

أن يترك المرء شراء صدقته وإن كانت قد قبضت وهذا يدل على ما قال ابن عبد السلام: والأول لما قال ابن هارون – والله أعلم. باب في زكاة الفطر (وزكاة الفطر سنة واجبة فرضها رسول الله ﷺ على كل كبير أو صغير ذكر أو أنثى حرًا أو عبدًا من المسلمين صاعا عن كل نفس بصاع النبي ﵇ وهو أربعة أمداد بمده ﷺ : يريد أن زكاة الفطر سنة وأراد بقوله فرضها رسول الله ﷺ أي قدرها فلا تمريض في كلامه، وقول أبي عمر بن عبد البر قول الشيخ أبي محمد سنه فرضها رسول الله ﷺ تمريض للشيخ ضعيف لما قلناه، وما ذكرناه عن الشيخ من أن حكمها السنة عزاه أبو عمر بن عبد البر لبعض أصحاب مالك قائلاً وهو ضعيف، وعزاه ابن رشد لبعض أصحابنا وذكرنا بعضهم عن مالك، وقال الباجي واللخمي أنها واجبة وأخذ ذلك من قول مالك في المجموعة أنها داخلة في قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة) [البقرة: ٤٣] ، وجعله ابن الحاجب المشهور ومنهم من استدل على وجوبها بقوله تعالى: (افلح من تزكى (١٤) وذكر اسم ربه فصلى) [الأعلى: ١٤، ١٥] وقيل أن دليل الوجوب من السنة فيتحصل في حكمها قولان: السنة والوجوب، وعليه فقيل بالسنة وقيل بالوجوب وبالقرآن وعلى الثاني فقيل بالعمومات وقيل بتخصيص قوله تعالى: (افلح من تزكي). واختلف في وقت وجوبها على خمسة أقوال: فقيل عند الغروب من ليلة الفطر قال ابن القاسم. ورواه أشهب عن مالك وهو المشهور، وقيل تجب بطلوع الفجر ورواه ابن القاسم وعبد الملك ومطرف عن مالك، وقيل بطلوع الشمس قاله بعض أصحاب مالك، وقيل تجب من ليلة الفطر إلى الزوال قاله عبد الملك، وقيل من المغرب إلى الغروب حكاه اللخمي عن مالك، قلت ويقوم من المدونة من قالها ولا تؤدى عن الحمل زكاة الفطر إلا أن يولد ليلة الفطر حيا أو يومه فتؤدى عنه، وثمرة هذا الخلاف تظهر فيمن ولد وإذا مات أو أسلم أو بيع أو عتق أو طلق أو وهب أو تصدق، وما ذكر الشيخ من أن مقدارها صاع هو المشهور بالإطلاق ونقل ابن يونس عن ابن حبيب قدرها من البر نصف صاع وهو قول أبي حنيفة.

стр. 319

(وتؤدي من جل عيش أهل ذلك البلد من بر أو شعير أو سلت أو تمر أو أقط أو زبيب أو دخن أو ذرة أو أرز وقيل إن كان العلس قوت قوم أخرجت منه وهو حب صغير يقرب من خلقة البر): ما ذكر من أنها تؤدى من قوت أهل البلد هو المشهور وأحد الأقوال الثلاثة، وقال أشهب وابن المواز إنما يراعى عيش المخرج وعيش عياله إذا لم يشح على نفسه وعليهم واختاره ابن العربي، وقال اللخمي إن شاء أخرج من قوته أو قوت البلد الذي هو فيه، وما ذكر الشيخ في القول الأول أنها تؤدي من التسع هو مذهب المدونة والقول الثاني هو قول ابن حبيب وفيه يقول بعضهم. والفاضل ابن حبيب زادنا علسا = فتلك عشر بلا وكس ولا شطط وبقي في المسألة أقوال أخر حكاها ابن رشد أحدها: أنه يخرج من خمسة فقط: من القمح والشعير والزبيب والتمر والأقط، قاله ابن القاسم. والثاني: من الخمسة المذكورة إلا أنه أبدل الزبيب بالسلت قاله ابن الماجشون، والثالث: من الخمسة وقاله أصبغ في النذور وكذلك الخبز قال ابن يونس عن بعض علمائنا وليس قول ابن حبيب بخلاف المدونة وقال الباجي هو خلاف لها، وفي تأليف ابن هارون بخطه عن ابن يونس هو خلاف لها وهو غلط من قلمه لا شك فيه واختلف المذهب إذا اقتيت غير ما تقدم ذكره كالقطاني فقال مالك في المدونة لا يجزئ، وقال ابن القاسم يجزئ إذا كان عيشهم وبه قال أبو بكر بن العربي ﵀ قائلاً: مساكينهم شركاؤهم لا يتكلفون لهم بغير ما عندهم ولا يحرمونهم مما بأيديهم. (ويخرج عن العبد سيده والصغير لا مال له يخرج عنه والده): ما ذكر متفق عليه إن كان قنا ولا يلزمه أن يخرج عن عبد عبده كما لا تلزمه نفقته نص على ذلك في المدونة، وأما العتق بعضه ففيه ثلاثة أقوال: فقيل على السيد حصته وتسقط حصة جزء العتيق قال مالك في المدونة وهو المشهور، وقيل يؤدي كل من العبد والسيد حصته قاله أشهب وهو قول مالك في المبسوط، وقيل يلزم السيد جميع الزكاة قاله عبد الملك في كتاب محمد، واختلف في العبد المشترك على ثلاثة أقوال: فقيل إن زكاته على قدر ما يملك كل واحد منه وهو المشهور، وقيل على قدر رءوسهم وهو ظاهر كلام ابن المواز، وقيل إن على كل واحد منهم زكاة كاملة رواه عبد الملك ولم يأخذ بل أخذ بالمشهور، وأنكره سحنون.

стр. 320

وأما المكاتب فيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. (ويخرج الرجل زكاة الفطر عن كل مسلم تلزمه نفقته): هذا كلام عام أريد به الخصوص فإن من التزم نفقة من ليس بقربه كالربيب أو قريب لا تلزمه نفقته بالأصالة فإنه لا يلزمه أن يخرج عنه زكاة الفطر باتفاق، وإنما أراد الشيخ بقوله عمن تلزمه نفقته بالقرابة أو بالرق أو بسبب النكاح، فأما الأولان فالاتفاق على ذلك، واختلف في الثالث وهي الزوجة على قولين المشهور منهما أنه يلزمه أن يخرج عنها، وذهب ابن بشير إلى أنه لا يلزمه ومثله في المبسوط عن ابن نافع، وسبب الخلاف هل النفقة عليها من باب المعاوضة فتزكي عن نفسها أو من باب المواساة والإحسان كنفقة الآباء والبنين فتجب على الزوج، قال ابن هارون: وقد يعترض هذا بأن نفقة المواساة مشروطة بفقر أحدهما، وقال في المدونة ويؤديها عن خادم واحد من خدام امرأته التي لابد لها منها، وما ذكره فيها هو أحد الأقوال الثلاثة، وقيل يؤديها عن خادمين من خدمها إذا كان لها غنى وشرف رواه أصبغ في العتبية عن ابن القاسم، وقال أصبغ لو ارتفع قدرها كابنة السلطان والملك والهاشميات رأيت أن يزاد في عدة الخدم ما يصلحها كالأربع والخمس وتلزم الزوج نفقتهن وزكاتهن، وما ذكر الشيخ من اشتراط الإسلام هو المشهور وفي المبسوط عن ابن وهب أنه لا يشترط. (وعن مكاتبه وإن كان لا ينفق عليه لأنه عبد له بعد): ما ذكر أنه يؤديها عن مكاتبه هو المشهور وأحد الأقوال الثلاثة وقيل إنها على المكاتب حكاه عبد الوهاب عن مالك، وقيل إنها ساقطة عنهما معًا حكاه اللخمي ولم يسم قائله وعزاه ابن الجلاب لمالك. (ويستحب إخراجها إذا طلع الفجر من يوم الفطر): قال في المدونة ويخرجها قبل الغدو إلى المصلى وذلك واسع قبل الصلاة وبعدها، قال اللخمي والأول أحسن فحمل كلامه على الخلاف ولم يرتضه كثير من الشيوخ كابن بشير وفهموا أنه قول واحد استحباب إخراجها قبل الصلاة، وثم بين أن ذلك ليس بلازم فواسع له إخراجها قبل وبعد ولذلك قال ابن الحاجب: ويستحب إخراجها بعد الفجر وقيل الغدو إلى المصلى واتفاقا وواسع بعده، واعترض بعض شيوخنا دعواه الاتفاق فنقل سحنون من أوجبها بطلوع الشمس لم يستحبها حينئذ لعدم وجوبها، ومثل هذا الاعتراض المذكور للشيخ خليل ﵀، واختلف هل يجوز

стр. 321

تقديمها بالزمن اليسير أم لا؟ على ثلاثة أقوال: فقال ابن القاسم في المدونة إن أداها قبل يوم الفطر بيوم ويومين فلا بأس به وفعل ذلك ابن عمر، وقال ابن الماجشون وابن مسلمة لا يجزئ ومثله لسحنون قائلاً إنما كان ابن عمر، يدفعها إلى من يلي الصدقة فيخرجها يوم الفطر وحمل اللخمي، قول المدونة على ظاهرة من الجواز. وقال ابن يونس يحتمل أن يكون إنما أراد كتأويل سحنون عن ابن عمر قال: ومن حمل قوله على ظاهره لزمه أن يقول يجزئه إخراجها من أول الشهر، قال ابن هارون وفيه نظر لأن ما قرب من الشيء قد يحكم له بحكمه بخلاف ما بعد عنه، وقيل بجواز الثلاثة الأيام كاليومين نقله ابن الجلاب ومثله لابن بشير ولم يفهم المدونة على ظاهرها، وتبعه ابن الحاجب فقال وفي تقديمها بيوم إلى ثلاثة قولان ففسره ابن عبد السلام بأنه أراد تقديمها بيوم أو يومين أو ثلاثة كما قلناه، وقال ابن هارون ظاهر لفظه أن الخلاف في اليومين فقط لأن ما بعد إلى لا يدخل فيما قبلها وهو الذي حكي اللخمي وغيره. (ويستحب فيه الفطر قبل الغدو إلى المصلى وليس ذلك في الأضحى): ما ذكر الشيخ أن فطره قبل الغدو إلى المصلي في الفطر المستحب هو كذلك قال الباجي ويكون فطره على تمر إن وجده وترا، وقول الشيخ وليس ذلك في الأضحى يعني أنه لا يستحب الفطر فيها قبل الغدو إلى المصلى بل ذلك مباح ومثل ما ذكر الشيخ في المدونة قال فيها: ولا يؤمر بذلك في الأضحى وهو كذلك في الموطأ قال أبو عمر بن عبد البر فظاهره التخيير، واستحب غيره تركه حتى يأكل من أضحيته، وقال ابن الحاجب: ومن سنتها الغسل، والطيب والتزين باللباس والفطر قبل الغدو إلى المصلى في الفطر، وتأخيره في النحر، فجعل تركه الفطر قبل الغدو إلى المصلى هو المطلوب، قال بعض شيوخنا: ولا أعرفه لغيره، قلت: بل هو معروف نقله أبو محمد في نوادره عن ابن حبيب في الضحايا قال: ينبغي أن يأكل من أضحيته وأن يكون أول أكله منها يوم النحر فأنت ترى كيف جعل المطلوب أن يكون أكله منها فهو يدل على أن أكله قبل الغدو إلى المصلى مرجوح. وقال عبد الوهاب في تلقينه: يستحب في الفطر الأكل قبل الغدو إلى المصلي وفي الأضحى تأخيره إلى الرجوع من المصلى، وأراد ابن الحاجب بقوله ومن سنتها أي من طريقتها.

стр. 322

(ويستحب في العيدين أن يمضي من طريق ويرجع من أخرى): قد ذكر المؤلف هذه المسألة في العيدين فانظر لأي شيء كرر ههنا، وقد قدمنا هنالك أقوالا كثيرة في علة رجوعه ﵊ من طريق أخرى فانظره. باب في الحج والعمرة الحج في اللغة القصد وقيل بقيد التكرار قال ابن عبد السلام: رسمه عسير ولذلك تركه ابن الحاجب وقال ابن هارون لا يحد لأنه ضروري للحكم بوجوبه ضرورة وتصور المحكوم عليه ضروري، قلت ولما كان ابن هارون حج أثبت ما قال ولما لم يحج ابن عبد السلام حن منه أن يقول بعسره. (وحج بيت الله الحرام الذي بمكة فريضة على كل من استطاع إلى ذلك سبيلا من المسلمين الأحرار البالغين مرة في عمره): أما كونه فريضة فهو معلوم من الدين ضرورة، واختلف هل هو على الفور أم على التراخي فقيل إنه على الفور قاله العراقيون، وقيل له على التراخي قاله المغاربة وأخذه اللخمي من قول مالك لا تخرج له من المعتدة من وفاة، ومن رواية ابن نافع يؤخر لإذن الأبوين عامين وأخذه غيره من سماع أشهب لا يعجل بحنث حالف لا تخرج زوجته لخروجها له ولعله يؤخر سنة، ورد بعض شيوخنا الأخذ من المعتدة لوجوب العدة فورًا إجماعا ورد ابن بشير الأخذ الثاني بوجوب طاعة الأبوين فمراعاته كتعارض واجبين، وأجابه بعض شيوخنا بقول المدونة إذا بلغ الغلام فله أن يذهب حيث شاء وسماع أشهب وابن نافع سفر الابن البالغ بزوجته ولوالي العراق وترك أبيه شيخا كبيرا عاجزا عن نزع الشوكة من رجليه جائزة فقبله ابن رشد وحمله ابن محرز في البر لا في البحر ضعيف وعلى الأول فاختلف إذا أخره عامًا مستطيعا ثم أتى به فقيل يكون قاضيا قاله ابن القصار وقيل مؤديا قاله غيره، وإنما قال الشيخ الذي ببكة لأن كثيرًا من العتاة بنودا بيوتا وأمروا الناس بالحج إليها كبعض من كان بالمهدية أبعده الله.

стр. 323

وذكر الشيخ أن الشروط وجوبه أربعة: الاستطاعة والإسلام والحرية والبلوغ وهو كذلك عند غيره. قال ابن عبد السلام: وقد كثر استدلال الأصوليين على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة بظاهر قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً) [ال عمران: ٩٧] واستدلالهم ظاهر وعلى هذا إنما يكون شرطا في الصحة لا في الوجوب، وما ذكر الشيخ أنه فرض مرة في العمر هو كذلك بإجماع إلا ما حكاه ابن العربي عن بعضهم ممن لا يلتفت إليه. (والسبيل الطريق السابلة والزاد المبلغ إلى مكة والقوة على الوصول إلى مكة إما راجلا وإما راكبًا مع صحة البدن): اعلم أنه إذا كانت الطريق غير سابلة فإن كان يخاف على نفسه يسقط اتفاقًا وإن كان إنما يخشى على بعض ماله فإن كان مما يجحف به سقط وإلا فقولان هكذا قال غير واحد، وقال ابن عبد السلام: الأقرب أن الخلاف عموما سواء أجحف به أم لا لاختلاف ابن القاسم وغيره فيما إذا لم يكن له إلا مقدار ما يكفيه لحجه خاصة ولا يبقى له ما يعيش به بعد ذلك، ولا يترك لولده شيئًا فقال ابن القاسم يجب وقال غيره يسقط لأن هذا من الحرج والمعتبر في الاستطاعة الإمكان من غير تحديد على المشهور وكأنه ظاهر كلام الشيخ، وقال سحنون وابن حبيب باعتبار الزاد والراحلة وهو قول ابن أبي مسلمة، ومذهب الأكثرين خارج المذهب واحتجوا بما رواه جماعة من الصحابة ﵃ عن النبي ﷺ ، واللفظ هنا لعلي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا وذلك أن الله يقول: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً) وأجابه أصحاب القول الأول بوجهين أحدهما أن هذا الحديث مطعون في صحته. قال الترمذي هو غريب في اسناده وكذلك حديث ابن عمر في إسناده من تكلم فيه من قبل حفظه وكذلك الأحاديث التي خرجها الدارقطني في هذا المعنى، قال عبد الحق ليس فيها إسناد صحيح. الثاني أنه معارض لظاهر الآية لأنه قد توجد الاستطاعة بدون الراحلة كما في حق الصحيح القريب المسافة ويوجد الزاد والراحلة والاستطاعة، كما في حق الهرم وإذا ثبت ذلك وجب الاعتماد على ظاهر الآية وهذا الوجه الأخير

стр. 324

أشار إليه مالك في كتاب ابن المواز وقاله غيره، واشترط بعض العلماء في الاستطاعة وجود الماء في كل منهل وصوبه عبد الحق، واختلف في السائل الذي يغلب على الظن أنه يجد من يعطيه فروى ابن وهب ما يقتضي الوجوب وروى ابن القاسم أنه يسقط. (وإنما يؤمر أن يحرم من الميقات): يعني وكونه من أول الميقات أفضل لأن فيه المبادرة إلى فعل الخير مع الأمن من مجاوزة الميقات ونص العراقيون على أنه يكره تقديم الإحرام، وقيل لا يكره وعزاهما اللخمي لمالك قيل إن قرب كره وإن بعد جاز رواه الشيخ أبو محمد. (وميقات أهل الشام ومصر وأهل المغرب الجحفة فإن مروا بالمدينة فالأفضل لهم أن يحرموا من ميقات أهلها من ذي الحليف، وميقات أهل العراق ذات عرق، وأهل اليمن يلملم، وأهل نجد من قرن، ومن مر من هؤلاء بالمدينة فواجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة):

стр. 325

ما ذكره من التحديد هو عن النبي ﷺ إلا ذات عرق فعند البخاري أن عمر بن الخطاب ﵁ هو الذي حده، وعند النسائي أنه عن النبي ﷺ من حديث عائشة ﵂ هو الذي حده وعند النسائي وميقات المحاذي ما يحاذي به وإن كان يحاذي ميقاتين فقال ابن عبد السلام: الذي يظهر لي على أصل المذهب أنه يحرم من أولهما محاذاة إلا في الشامي والمصري وإن كان لا يمر بذي الحليفة والجحفة وإنما يحاذيهما فإنه يكون حكمه حكم ما لو مر بهما قال: وإن كان في البحر، فالمنصوص أنه يحرم إذا حاذى الميقات، وذكر لي بعض أشياخي أن المذهب قولاً آخر أنه يؤخر الإحرام إلى البر، وفي المدونة يستحب الإحرام وعلى الأول فروى أشهب من داخل المسجد، وروى ابن حبيب من بابه، وكلاهما حكاه الباجي، قال ابن عبد السلام: وأكثر النصوص استحباب المسجد ولم يحك لزومه غير ابن بشير واعترض بعض شيوخنا بنقل ابن رشد إياه بلفظ الوجوب. (ويحرم الحاج أو المعتمر بإثر صلاة فريضة أو نافلة): قال الشيخ تقي الدين: الإحرام هو الدخول في أحد النسكين والتشاغل بأعمالهما قال وقد كان شيخنا العلامة ابن عبد السلام ﵀ يستشكل معرفة حقيقة الإحرام جدا ويبحث فيه، فإذا قيل أنه النية اعترض عليه بأن النية شرط في الحج الذي الإحرام ركنه وشرط الشيء غيره ويعترض على أنه التلبية بأنها ليست بركن والإحرام ركن أو

стр. 326

قريب منه وكان يحرم على تعيين فعل تتعلق به النية والتلبية في الابتداء، قلت واعترض ابن عبد السلام ما ذكره تقي الدين بأن ما يدخل به النية والتوجه لغير المكي والأولان للملكي والواجب منهما النية فقط ويغر الواجب لا يكون جزء الواجب وأجابه بعض شيوخنا بوجوب التوجه لتوقف سائر الأركان عليه، قال ابن عبد السلام: وظاهر الرسالة وابن الحاجب أنه لا رجحان في إحرامه عقب النفل على الفرض وهو قول في المذهب واستحب في المدونة أن يكون بإثر النافلة. (يقول لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك): اعلم أن حكم التلبية السنة وفي الجلاب التلبية مسنونة غير مفروضة قال الباجي معناه أي ليست ركنا وإلا فهي واجبة، وما ذكر الشيخ من لفظ التلبية هي تلبية رسول الله ﷺ ومن زاد على ذلك ما زاده عمر بن الخطاب ﵁ فلا بأس ومن لم يلب وكبر وتوجه ناسيا حتى طال لزمه هدي، واختلف إذا لبى حين أحرم وتركه على ثلاثة أقوال: فقيل عليه هدي، وقيل لا قاله في كتاب محمد، وقيل بالأول إن لم يعوضها بتكبير وبالثاني إن كبر قاله اللخمي، ومعنى لبيك إجابة بعد إجابة عند من رأى هذا اللفظ مثنى لفظا ومعنى أو لفظا خاصة ومنهم من رآه مفردا وانقلاب ألفه لاتصاله بالضمير كما انقلبت ألف على ولدي ومعنى سعديك في تلبية ابن عمر ساعدت طاعتك يا رب مساعدة بعد مساعدة، ويقع ضبط إن مكسورة ومفتوحة من قوله إن طاعتك يا رب مساعدة بعد مساعدة، ويقع ضبط إن مكسورة ومفتوحة من قوله إن الحمد وزعم غير واحد من الأئمة إن كسرها أبلغ لما يعطيه الفتح من التعليل فكان موجب الإجابة هو أن الحمد لله والنعمة وعلى الكسر يكون إنشاء ثناء عاريا من التعليل. وقال الزمخشري وغيره إن مكسورة ومفتوحة دالة على التعليل وقال آخرون أن المفتوحة وأصرح في التعليل والرغباء يضبط بفتح الراء وبفتحها وبالقصر وبضمها والقصر ومعناه هنا الطلب والمسألة أي الرغبة إلى من بيده الخير وهو المقصود بالعمل والحقيق بالعبادة. (أو ينوي ما أراد من حج أو عمرة): دليله قوله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) [البينة:٥] وقوله ﵇ " إنما الأعمال بالنيات".

стр. 327

(ويؤمر أن يغتسل عند الإحرام قبل أن يحرم ويتجرد من مخيط الثياب ويستحب له أن يغتسل لدخول مكة): الأصل في ذلك فعله ﷺ والأكثر على أن الغسل للإحرام سنة معلل بالنظافة ولذلك تفعله الحائض ووقع لمالك إطلاق الاستحباب عليه. (ولا يزال يلبي دبر الصلوات وعند كل شرف وعند ملاقاة الرفاق، وليس عليه كثرة الإلحاح بذلك فإذا دخل مكة أمسك عن التلبية حتى يطوف ويسعى ثم يعاودها حتى تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها): الشرف هو الجبل والمكان العالي والرفاق جمع رفقة بضم الراء وقد تكسر قال الأزهري وهي الجماعة يترافقون للنزول والتحمل ويرتفق بعضهم بمؤنة بعض وما ذكر الشيخ أنه يقطع إذا دخل مكة هو أحد الأقوال الأربعة، وقيل يقطع بنفس دخوله الحرم لمن أحرم من ميقاته، وقيل إذا دخل المسجد وقيل إذا ابتدأ الطواف وما ذكر أنه إذا عاودها يقطعها إذا راح إلى المصلى هو أحد الأقوال الثلاثة وكلها في المدونة قال فيها إذا فرغ من سعيه وعاد إلى التلبية فلا يقطعها حتى يروح يوم عرفة إلى المسجد، قال ابن القاسم يريد إذا زالت الشمس وراح يريد الصلاة قطع التلبية. وثبت مالك على هذا وعلمنا أنه رأيه لأنه قال لا يلبي الإمام يوم عرفة على المنبر ويكبر بين ظهراني خطبته ولم يوقت في تكبيره وقتا، وقال مالك قبل ذلك يقطع التلبية إذا خرج إلى الموقف وكان يقول يقطع إذا زاغت الشمس ثم رجع فثبت على ما ذكرناه، واختلف الشيوخ ما المختار واختار ابن القاسم الأول واختار أشهب الثاني، واختار ابن المواز الثالث، وذهب ابن خالد إلى أن جميع ما في الكتب يرجع لقول واحد وذهب غيره إلى أنها راجعة لقولين وقدر كل واحد منهما قوله بما فيه تكلف وقول ابن القاسم وثبت مالك على هذا يضعها معًا فلا يتشاغل بكيفية جملها. (ويستحب أن يدخل مكة من كدا الثنية بأعلى مكة وإذا خرج خرج من كدى وإن لم يفعل في الوجهين فلا حرج): كداء الأول قال خليل يفتح الكاف والدال غير مصروف وهو في حديث ابن عمر بالصرف وفي حديث الهيثم بضم الكاف مقصورة وللقابس فإذا عرفت هذا فقول الفاكهاني لا أعرف إلا منونا ولا يبعد فيه منع الصرف إذا حمل على البقعة إذ هو علم على المكان المخصوص المعروف به قصور، قال ابن المواز وهي المنازل بأعلى مكة

стр. 328

يهبط منها على الأبطح والمقبرة تحتها من يسار المنازل وكدى الثانية بضم الكاف قال خليل وشد الدال قال غيره بل والقصر ابن المواز وهي الوسطى بإشعار وأما من عكس فلا حرج. (فإذا دخل مكة فليدخل المسجد ومستحسن أن يدخل من باب بني شيبة فيستلم الحجر الأسود بفيه إن قدر وإلا وضع يده عليه ثم وضعها على فيه من غير تقبيل):

стр. 329

أما دخول المسجد فقال عبد الوهاب لأن المستحب المبادرة إلى البيت للطواف وحيازة الثواب، بذلك كان يفعل ﷺ فإنه روي " أنه ﷺ كان إذا دخل مكة لم يلهه أمر عن المسجد" وأما استحباب دخوله من باب بني شيبة فلفعله ﷺ وعمر ﵁ وكذلك استلام الحجر الأسود. وفي الصحيحين " أن عمر ﵁ جاء إلى الحجر الأسود فقبله، وقال أني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك" فهو من سنن الطواف، وما ذكر أنه لا يقبل مع العجز هو المشهور وفي كتاب محمد تقبيله جائز وفي المدونة كره مالك وضع الخدين على الحجر الأسود وهو بدعة. وروى محمد بن جعفر قال رأيت ابن عباس قبل الركن ثم سجد عليه فعل ذلك ثلاثا، ومثله عن طاوس وذكره ابن حبيب عن ابن عمر، وقال من فعله في خاصته

стр. 330

فذلك له وتأول كراهة مالك خيفة أن يرى ذلك واجبًا قال بعض الشيوخ وقول ابن حبيب خلاف لقول مالك. (ثم يطوف والبيت على يساره سبعة أطواف ثلاثة خببا ثم أربعة مشيا ويستلم الحجر كلما مر به كما ذكرناه ويكبر): ما ذكر الشيخ من طوافه والبيت عن يساره ذلك من واجبات الطواف فلو جعله على يمينه فسد طوافه ورجع إليه ولو بلده قال اللخمي وعزاه غيره لأشهب، وكذلك ينبغي أن يحتاط فيقف قبل الركن بقليل بحيث يكون الحجر عن يمين موقفه ليستوعب جملته بذلك، وقيل إنه يجزئه إذا رجع إلى بلده حكاه ابن بشير قائلاً للخلاف ويشترط أن يطوف بجميع البيت فلذلك لا يطوف على شاذر وأنات البيت وهي ما أسقط من أساس البيت ولم يرفع على الاستقامة ولا يطوف داخل الحجر ولو تصور أن يطوف من طرف الحجر لأجزأه لأن طوافه ليس من البيت وليس بحسن أن يفعل ذلك. واختلف إذا طاف من وراء زمزم فقال ابن القاسم يجزئه مع العذر وقال أشهب لا يجزئه قال سحنون ولا يمكن أن ينتهي الزحام إلى السقائف واختلف الشيوخ إذا فعل ذلك لغير عذر فقال ابن أبي زيد لا يرجع من بلده. وقال ابن شبلون يرجع قال ابن عبد السلام: قال الباجي وقول ابن أبي زيد أقيس ولا دم عليه، واعترضه بعض شيوخنا بكونه لم يجده للباجي في المنتقي بحال بل تممه ابن يونس وعليه الدم قال في المدونة ومن جهل أو نسي فترك الرمل في الأشواط الثلاثة بالبيت والسعي بين الصفا والمروة فهذا خفيف، وكان مالك يقول عليه الدم ثم رجع فقال لا دم عليه وكان يقول في تارك الرمل إن قرب أعاد الطواف والسعي وإن بعد فلا شيء عليه ثم خففه وإن لم ير أن يعيده. قال الباجي: واختلاف القول في ذلك مبني على أصل هو من الهيئات التي يسوغ فعلها وتركها كاستلام الحجر بل استلام الحجر آكد منه لأنه يؤتي به في كل طواف وهي عبادة منفردة بنفسها وهي من الأمور الملازمة للطواف كركعتي الطواف. (ولا يستلم الركن اليماني بقيه ولكن بيده ثم يضعها على فيه): قال في التهذيب: ولا يستلم الركنين اللذين يليان الحجر ولا يكبر إذا حاذاهما، وذكر ابن يونس مثله ونسبه للمدونة واعترض ذلك بعض شيوخنا بكونه لم يجده نصًا

стр. 331

فيها بل هو دليل عدم ذكرهما، وعلل ابن عمر ﵁ عدم تقبيلها بأنهما ليسا على قواعد إبراهيم ﵇ وقبلوه قال القابسي وغيره لو أدخل الحجر في البيت حتى عاد الركنان على قواعد إبراهيم ﵇ لقبلا. (فإذا تم طوافه ركع عند المقام ركعتين ثم استلم الحجر إن قدر): اختلف في مقام إبراهيم ﵇ فقال ابن عباس وقتادة وغيرهما وخرجه البخاري أنه الحجر الذي ارتفع عليه إبراهيم ﵇ حين ضعف عن رفع الحجارة التي كان إسماعيل ﵇ يناوله إياها في بناء البيت وغرقت قدماه فيه، وقال الربيع بن أنس هو حجر ناولته إياه امرأته فاغتسل عليه وهو راكب جاءت به امرأته من شق إلى شق فغرقت رجلاه فيه حين اعتمد عليه، وقال فريق من العلماء المقام المسجد الحرام، وقال عطاء بن أبي رباح المقام عرفة والمزدلفة والجمار وقال ابن عباس مقامه مواقف الحج كلها وقال مجاهد مقامه الحجر كله. (ثم يخرج إلى الصفا فيقف عليه للدعاء ثم يسعى إلى المروة ويخب في بطن المسيل فإذا أتى المروة وقف عليها للدعاء): الصفا والمروة جبلان بمكة الصفا جمع صفاة وقيل اسم مفرد وجمعه صفي وأصفاء، والمروة واحد المرو وهي الحجارة الصغار التي فيها لين وذكر الصفا قيل لأن آدم ﵇ وقف عليه وأنث المروة لأن حواء وقفت عليها، وقيل كان من الصفا صنم يسمى إسافا وعلى المروة صنم يسمى نائلة فأطرد ذلك على التذكير والتأنيث قاله ابن عطية وبطن المسيل بطن الصفا والمروة وأهل مكة يقولون له الميل الأخضر والسعي واجب ولا يجبر بالدم خلافا لأبي حنيفة. (ثم يسعى إلى الصفا يفعل سبع مرات فيقف بذلك أربع وقفات على الصفا وأربعًا على المروة): قال ابن رشد في مقدماته: أصل السعي بين الصفا والمروة في الحج هو ما جاء في الحديث الصحيح من أن إبراهيم ﵇ لما ترك ابنه إسماعيل مع أمه بمكة وهو رضيع نفد ماؤها وعطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلون أو قال يتلبط، وانطلقت كراهة أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي لتنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف ردائها ثم سمعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة.

стр. 332

فقامت عليها ونظرت فلم تر أحدا سبع مرات. (ثم يخرج يوم التروية إلى منى فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح ثم يمضي إلى عرفات ولا يدع التلبية في هذا كله حتى تزول الشمس يوم عرفه ويروح إلى مصلاها): قال عبد الوهاب لأن النبي ﷺ كذلك فعل قيل وهذا إذا كان غير مراهق وأما إن كان مراهقا فلابد من أن يصلى فيه الصلوات الخمس ولا بأس للضعيف ومن له حاجة أن يغدو قبل ذلك. (وليتطهر قبل رواحه فيجمع بين الظهر والعصر مع الغمام ثم يروح معه إلى موقف عرفه فيقف معه إلى غروب الشمس): سميت عرفة لأن جبريل ﵇ لما علم إبراهيم ﵇ المناسك وأراه إياها فلما انتهيا إلى جبل عرفة وهو الموقف قال له عرفت قال عرفت، وقال الفاكهاني: وانظر قول الشيخ ﵀ فيقف معه إلى غروب الشمس فظاهر أنه لا يأخذ جزءًا من الليل بخلاف من يقول يدفع بعد أن يأخذ من الليل شيئًا قاله عبد الحق. (ثم يدفع بدفعه بقرب فيصلي معه بمزدلفة المغرب والعشاء والصبح ثم يقف معه بالمشعر يومئذ بها ثم يدفع بقرب طلوع الشمس إلى منى ويحرك دابته ببطن محسر): الأصل في ذلك فعله ﵊ كما هو مبين في حديث جابر، وبطن محسر موضع بمنى قال الفاكهاني: انظر سن التحريك ببطن محسر فإني لم أقف على شيء فيه اعتمد عليه. (فإذا وصل إلى منى رمى جمرة العقبة سبع حصيات مثل حصى الخذف ويكبر مع كل حصاة):

стр. 333

قيل إنما سميت منى لما يمني فيها من الدم أي يسيل والجمرة مجتمع الحصيات التي ترمى والخذف بالخاء والذال المعجمتين والفاء قال الجوهري والخذف بالحصا المرمي بها بالأصابع قال غير واحد، وهو فوق الفستق ودون البندق، وقال الفاكهاني: وسمعت خطيب الحاج يقوله ثم رأيته لأصحابنا. قال ابن رشد والأصل في رمي الجمار على ما جاء في بعض الآثار أن إبراهيم ﵇ لما أمر ببناء البيت سارت السكينة بين يديه كأنها قبة فكانت إذا سارت سار وإذا وقفت نزل فلما انتهت إلى موضع البيت استقرت عليه، وانطلق إبراهيم مع جبريل ﵇ فمر بالعقبة فعرض له الشيطان فمراه ثم مر بالثانية فعرض له فرماه ثم مر بالثالثة فعرض فرماه، فكان ذلك سبب رمي الجمار ثم مشى معه يريه المناسك حتى انتهى إلى عرفات، فقال له عرفت فقال عرفت فسميت عرفه، ثم رجع فبني البيت على موضع السكينة. وقد روي في سبب رمي الجمار ما ذكرته في كتاب الضحايا من شأن إبراهيم ﵇ مع الكبش الذي فدى الله به ابنه من الذبح والله اعلم، والسكينة ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان قاله على بن أبي طالب ﵁، وفيها أقوال كثيرة انظر ابن عطية فيها وما ذكر الشيخ أنه يرمي بمثل حصى الخذف هو قول أكثر الشيوخ واستحب مالك في المدونة أن تكون بأكبر قليلاً، وإنما خالفوه للأحاديث الواردة في ذلك.

стр. 334

قال ابن عبد السلام: وأظن أن الإمام ﵀ لم تبلغه الأحاديث لأنه في الموطأ إنما حكي في ذلك بعض أهل العلم أعني كونه مثل حصى الخذف وعقبه بأن قال وأكبر من ذلك قليلاً أعجب إلى وأقرب ما قيل في الاعتذار عنه أن حصى الخذف لا تنضبط لأن فيه الصغير والكبير واستحب الأكبر لأن فيه القدر المشروع وزيادة وفيه نظر. ويشترط كونه حجرا فلا يجزئ المدر عنه مالك. وتردد الشيخ أبو على حسان بن مكي من طبقة الإمام المازري هل تجزئ الأحجار النفيسة والخاتم أم لا؟ قال بعض شيوخنا ويرد توقفه برواية ابن رشد إنما يجزئ بالحصي لا المدر ولا الطين اليابس، وما رمي به المشهور لا يرمي به، وروي ابن وهب من سقطت له حصاة أخذ من موضعه حصاة رمي بها، وروى ابن القاسم يكره رميه بما رمي به فإن فعل فأرجو خفته، وقال أشهب إن نفدت حصاه فأخذ من الجمرة حصاة ورمي بها لم تجزه، وقول الباجي الذي يظهر لي أنها كالوضوء بالماء المستعمل سبقه به ابن شعبان شيوخنا قال اللخمي عنه لا تجزئ لأنه تعبد به كما لو توضأ به ونبه على هذا بعض شيوخنا قال اللخمي وهذا فيما رمى به غيره، ولو كرر رميه بحصاة واحدة سبعًا لم يجزه قال بعض شيوخنا، وكأنه خلاف ظاهر المدونة من نفدت حصاه فأخذ ما بقي عليه من حصى الجمرة أجزأه، قال أبو عمر بن عبد البر أحسن ما قيل في علة قلة الجمار بمنى، قول أبي سعيد وابن عباس إنها قربان ما تقبل منها رفع ولو كان أعظمهن من ثبير، وقول الشيخ يكبر مع كل حصاة يريد رافعا صوته ابن المواز وفي المدونة إن سبح قال التكبير سنة فإن رمى السبع مرة احتسب منها بواحدة، فإن ترك التكبيرة فلا شيء عليه فقال أبو عمر إجماعا. (ثم ينحر إن كان معه هدي ثم يحلق ثم يأتي البيت فيفيض فيطوف سبعًا ويركع): قال عبد الوهاب: ما يفعل بمنى من رمي ونحر وحلق فلا شيء عليه في تقديم بعضه على بعض إلا تقديم الحلاق على الرمي ففيه دم، وقال ابن بشير إن ابتداء بالنحر قبل الرمي فالمذهب سقوط الفدية وإن ابتدأ بالحلق قبل الرمي فقولان، وسقوط الدم وجوبا لمالك وعبد الملك قال غير واحد وإن ابتدأ بالإضافة قبل جمرة العقبة فقال مالك وابن القاسم تجزئه الإفاضة وهو في يوم النحر آكد وكذلك إن أفاض قبل حلقه فقيل إنه لا يجزئه وقيل إنه يجزئه وقيل تستحب الإعادة ولا تجب، قال عياض وعن مالك في الموطأ أحب إلى أن يهدي ومثله لابن عبد السلام ووهمهما بعض شيوخنا

стр. 335

بكون ما ذكراه ليس في الموطأ، وإن أفاض قبل ذبحه فالمنصوص الإجزاء وخرج إعادته. (ثم يقيم بمنى ثلاثة أيام فإذا زالت الشمس من كل يوم منها رمي الجمرة التي تلي منى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ثم يرمي الجمرتين كل جمرة بمثل ذلك ويكبر مع كل حصاة ويقف للدعاء بإثر الرمي في الجمرة الأولي والثانية ولا يقف عند جمرة العقبة ولينصرف فإذا رمي في اليوم الثالث وهو رابع يوم النحر انصرف إلى مكة وقد تم حجه وإن شاء تعجل في يومين من أيام منى فرمى وانصرف): اعلم أن للرمي وقت أداء، ووقت انقضاء ووقت فوات. فأما وقت الأداء ففي يوم النحر من طلوع الفجر إلى غروب الشمس وتردد أبو الوليد الباجي في الليلة التي تلي يوم النحر على هل هي وقت أداء أو وقت قضاء؟ وكذا نقل ابن بشير عنه، وقال ابن الحاجب: عنه قضاء كل يوم تاليه بالتاء المثناة من فوق ولام بعد ألف اسم فاعل من تلاه وفي بعضها بالثاء المثلثة أولا ونون عوض اللام، وتعقبه ابن عبد السلام بأنه لم يجده في المنتقي وإنما فيه أن وقت القضاء يمتد من غروب الشمس كل يوم إلى آخر أيام التشريق فليس فيه اختصاص بالثاني ولا بالتالي، ولا فيه أيضًا أن الخامس محل قضاء اليوم الرابع كما يعطيه ظاهر كلام المؤلف، والفضيلة من هذا الوقت من بعد طلوع الشمس إلى الزوال وما بعده لا يشاركه في الفضل وإن شاركه في كونه وقت أداء وكذلك ما قبل طلوع الشمس. ووقت الأداء في كل يوم من الأيام الثلاثة من بعد زوال إلى مغيب الشمس والفضيلة تتعلق بعقب الزوال من هذه الأيام، ووقت القضاء لكل يوم ما بعده منها ولا قضاء لليوم الرابع، وإن ترك جمرة أتى إلى موضعها إن ذكرها فيه ثم لا شيء عليه إلا أن تكون الأولي والوسطى فيعيد ما بعدها وقيل لا وإن ذكرها بعد مضي يومها أعاد ما كان في وقته خاصة، وقيل لا وإن كان المتروك حصاة وذكرها في موضعها رماها يجبر بها النقص ولم يعد رمي الجمرة. ويختلف فيما بعدها على ما تقدم وقيل يعيد رمي الجمرة، وقيل يجزئه جبر نقصها إن كان يوم الأداء ويبتدئ رميها إن كان يوم القضاء، وكذلك إن لم يذكر موضعها وقال في الكتاب يرمي عن الأولى بحصاة ثم يعيد ما بعدها، وقال فيه أيضًا يبتدئ رمي الجميع ولا يعتد بشيء، والكلام في هذا الفصل متسع جدًا ومحله المدونة.

стр. 336

(فإذا خرج من مكة طاف للوداع وركع وانصرف): يقال طواف الوداع طواف الصدر وهو مشروع بلا خلاف لكنه عندنا مستحب وعند الشافعي مسنون وعند الحنفي واجب وليس بركن، وشرط مشروعيته عندنا أن يكون ذلك بعد أن لا يبقى عليه شيء من أفعال الحج مطلقًا وأن لا يبقى له شغل وقد عزم على الانصراف عن مكة فإذا عرفت هذا فأعلم أن قول الشيخ وإذا خرج من مكة أراد به وإذا أراد الخروج من مكة، ومنه قول النبي ﷺ " من أتى الجمعة فليغتسل" وقوله ﵎: (فإذا قرأت القرءان فاستعذ باله من الشيطان الرجيم) [النحل: ٩٨] تأويله عند الأكثر إذا أردت فإذا عرض له بعد ذلك شغل خفيف لم يعده وإلا أعاده ومثل هذا من اغتسل للجمعة ثم تربص ثم صار إلى الجامع يفصل فيه بين القرب والبعد ومن خرج ولم يودع رجع لم يخش فوات ورفقته ولا يجب بتركه دم ولا غيره ولا يودع مكي، ولا قادم أوطان مكة ولا خارج للتنعيم ليعتمر ولا من اعتمر ثم خرج من فوره فإن أقام ثم خرج ودع. (والعمرة يفعل فيها كما ذكرنا أولا إلى تمام السعي بين الصفا والمروة ثم يحلق رأسه وقد تمت عمرته): المشهور من المذهب كراهة أن يعتمر في العام الواحد أكثر من مرة وقال مطرف يجوز ذلك وبه قال ابن المواز واختاره اللخمي وهي تشتمل على إحرام وسعي وطواف وحلاق أو تقصير. (والحلاق أفضل في الحج والعمرة والتقصير يجزئ وليقصر من جميع شعره وسنة المرأة التقصير): قال اللخمي: الناس في الحلاق والتقصير على ثلاثة أقسام: حلاق وتقصير تخيير، فالحلاق لمن لا شعر له وللأقرع ولمن لبد أو ضفر أو عقص من الرجال، والتقصير للنساء ولا يجوز الحلق لأن ذلك مثله لهن إلا لمن برأسها أذى والحلاق أصلح كذلك لبنت تسع أو عشر والخيار لمن له وفرة من الرجال ولم يلبد ولا عقص ولا ضفر. قال في المدونة وليس تقصير الرجال أن يأخذ من طرف شعره ولكنه يجزه جزًا وليس كالمرأة فإن لم يجزه وأخذ منه فقد أخطأ وأجزأه، وقال الأبهري معناه أن يأخذ

стр. 337

منه ما يقع عليه اسم التقصير وليس ذلك بأن يأخذ اليسير من شعر رأسه. وقال الباجي وفي هذا نظر لأنه قد منع أن يفعل منه ما تفعله المرأة ما يقع عليه اسم التقصير ولو كان الذي يأخذ من أطراف شعره لا يقع عليه اسم التقصير لم يجزه، وقد قال مالك أنه يجزئه وإنما أراد المبالغة في ذلك على وجه الاستحباب، قال ابن عبد السلام: وهو لعمري أقرب إلى ظاهر الكلام غير أن في المدونة وإن قصر فليأخذ من جميع شعره وما أخذ من ذلك أجزأه فظاهره خلاف ما تقدم وعلى هذا حمله التونسي وهو أيضًا فيه نظر لأن اسم التقصير صادق عليه، واعلم أن أقل ما يكفي من التقصير الأخذ من جميع الشعر قصيره وطويله كذلك نص عليه في المدونة مع ما يصدق عليه اسم التقصير من غير اعتبار بأنملة وأقل أو أكثر. وروى ابن حبيب يقصر قدر الأنملة وفوقها بيسير أو دونها وروي في الطراز قدر الأنملة فقط، وفي المدونة لابن القاسم فيما إذا وطئ بعد تقصيره بعضا وتركه بعضا عليه الدم قال ابن يونس يريد وقد أفاض، وقال ابن القاسم إن اقتصر على بعضه لم يجزه على المشهور وقال ابن عبد السلام: وغيره لا أعرف مقابله. (ولا بأس أن يقتل المحرم الفأرة والحية والعقرب وشبهها والكلب المعقور وما يعدو من الذئاب والسباع ونحوها يقتل من الطير ما يتقى أذاه من الغرباء والأحدية فقط): في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال " خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهم الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور" وقال أيضًا " خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والغرب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحدأة" فأسقط في هذا الحديث العقرب وزاد الحية فوجب جمعها معًا لصحة الحديثين وزاد في هذا اللفظ الأبقع، قال ابن عبد السلام: وهل لفظ الغراب مطلق فيكون الأبقع مقيدا له أو عام فيكون هذا على وقفه لا مخصصا في ذلك نظر، والأقرب هو الثاني وقد ذهبت فرقة إلى النهي يقصر على الغراب الأبقع، واختلف المذهب ما المراد بالكلب العقور في الحديث على قولين فالمشهور أنه كل عاد من السباع كالأسد والنمر والشاذ أنه الكلب الأنسي حكاه ابن الحاجب نصا تبع في ذلك ابن شاس. قال ابن عبد السلام: وأظنهما رأيا ما في تبصرة اللخمي وهو قوله وظاهر قول

стр. 338

أشهب أنه الإنسي لأنه قال يقتل الكلب وإن لم يعقر انتهي كلام اللخمي، وزاد في النوادر وإن كان كلب ماشية وليس في هذا اللفظ ما يدل على ما قاله اللخمي ﵀ لاحتمال أن يقول أشهب يقتل مع ذلك الأسد والنمر وغيرهما من السباع المؤذية، بل نص أشهب في هذا اللفظ، وهو في النوادر قبل الكلام الذي حكاه اللخمي ومتصل به على أنه يقتل صغار السباع وهو يدل على أنه يقول مثل قول جمهور أهل المذهب. وروي عنه قول آخر أنه يمنع أنه يقتل صغارها وعليه الجزاء إن قتلها وهو مؤذن بجواز قتل الكبار، والأشبه أن الخلاف الذي في المذهب هو ما قاله بعض الشيوخ هل يتناول اللفظ السباع والكلاب معًا أو إنما يتناول الكلاب أو السباع الذي تلحق بها معنى من باب الأولى، وحمل بعض الشيوخ على أن مذهب مالك في طائفة أن المراد منها السباع خاصة قال: وليس المراد الكلاب الإنسية لا العادي منها ولا غيره، والحاصل من هذا كله أن المذهب دخول السباع تحت هذا اللفظ، وإنما الخلاف في دخول الكلب وهو عكس ما نقله هؤلاء المتأخرون، وفي الحديث أن النبي ﷺ قال في عتبة بن أبي لهب: " اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك، فعدا عليه الأسد" فاحتج بذلك جماعة على أن المراد بالكلب العقور هو الأسد وما في معناه، واختلف المذهب في قتل الغرب والحدأة إذا لم يؤذيا وكذلك اختلف في قتل صغارهما وكذلك ما آذى من الطير مما ليس بغراب ولا حدأة. (ويجتنب في حجه وعمرته النساء والطيب ومخيط الثياب والصيد وقتل الدواب والقاء التفث): أما اجتناب النساء في الإحرام فمتفق عليه أي مجمع عليه لقوله تعالى: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) [البقرة: ١٩٧] قال ابن عباس وغيره الرفث هنا الجماع فإن وطئ في حجه فلا يخلو إما أن يطأ قبل الوقوف بعرفة فهذا لا خلاف في فساد حجه، وإما أن يطأ بعد الوقوف وقبل رمي جمرة العقبة وطواف الإفاضة ففيه قولان المشهور فساده، وإما أن يطأ قبل طواف الإفاضة، وبعد رمي جمرة العقبة، فقال ابن القاسم عليه العمرة والهدي كان قد حلق أم لا، وأما عكسه فعليه الهدي فقط ولا عمرة عليه. وقال ابن المواز هو كتارك رمي جمرة العقبة قاله ابن كنانة، وقال ابن وهب إن وطئ يوم النحر فسد حجه إذا لم يرم وإن أفاض وقاله أشهب، وأما الطيب فتجب

стр. 339

الفدية فيه باستعمال المؤنث منه أو لمسه كالزعفران والورس والكافور والمسك، وقيل لا تجب بمجرد اللمس ويكره له شم غير المؤنث ولا فدية على وجه كان استعمله أو مسه واستخف ما أصابه من خلوق الكعبة إذ لا يكاد ينفك منه ولينزع الكثير منه وهو مخير في نزع اليسير، وأما مخيط الثياب فالأصل فيه قوله ﷺ لما سئل عما يلبس المحرم من الثياب فقال: " لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات" الحديث. ولا خلاف في تحريم ذلك على الرجال دون النساء قال ابن الماجشون: ولا باس أن يستظل المحرم إذا نزل بالأرض ولا بأس أن يرمي ثوبًا على شجرة ويقيل تحتها ولي كالراكب والماشي وهو للنازل كالخباء والفسطاط والبيت المبني وقال اللخمي إن كان في محارة كشف عنها فإن لم يفعل ابتدأ وقد نقل الإمام أبو عبد الله والقاضي أبو بكر أن ابن عمر أنكر على من استظل راكبا، وقال أضح لمن أحرمت له ثم نقلا عن الرماني أنه قال رأيت ابن المعدل الفقيه في يوم شديد الحر وهو ضاح للشمس فقلت يا أبا الفضل هذا أمر اختلف فيه فلو أخذت بالتوسعة فأنشأ يقول: ضحيت له كي أستظل بظله = إذا الظل أضحي في القيامة قالصا فيا أسقي إن كان سعيك باطلا = ويا حسرتي إن كان حجك ناقصا وأما الصيد يعني به صيد البر لقوله تعالى: (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا) [المائدة: ٩٦] ولا فرق في صيد البر أن يكون متأنسا أو وحشيا كان مما يؤكل لحمه أم لا كان مملوكا أم لا ويحرم التعرض لأفراخه وبيضه، ويلزم الجزاء بقتله، وأما قتل الدواب فيريد به دواب جسده فلا يقتل القمل ولا يلقيه عن جسده إذ ذاك كقتله بخلاف البرغوث فإنه يجوز إلقاءه لأنه من الأرض، وأما إلقاء التفث فهو كقص الشارب والأظفار ومنهم من فسر كلام الشيخ بأن مراده ما يلقي من الدواب عن جسده وضعف للتكرار. (ولا يغطي رأسه في الإحرام ولا يحلقه إلا من ضرورة ثم يفتدي بصيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين مدين لكل مسكين بمد النبي ﵇ أو ينسك بشاة يذبحها حيث

стр. 340

شاء من البلاد وتلبس المرأة الخفين والثياب في إحرامها وتجتنب ما سوى ذلك مما يجتنب الرجل وإحرام المرأة في وجهها وكفيها وإحرام الرجل في وجهة ورأسه ولا يلبس الرجل الخفين في الإحرام إلا أن لا يجد نعلين فليقطعهما أسفل من الكعبين): الأصل في ذلك قوله تعالى: (ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله) [البقرة: ١٩٦] قال ابن عطية المعنى حلقه لإزالة الأذى بيديه وهذا هو فحوى الخطاب عند أكثر الأصوليين ونزلت هذه الآية في كعب بن عجرة حين رآه رسول الله ﷺ ورأسه يتناثر قملا فأمره بالحلاق ونزلت الرخصة والصيام عند مالك وأصحابه ثلاثة أيام والصدقة إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، وذلك مدان بمد النبي ﵇ والنسك شاة بإجماع ومن ذبح أفضل منها فهو أفضل. وقال الحسن بن أبي الحسن الصيام عشرة أيام والإطعام عشرة مساكين وتعجب الفاكهاني من قوله ﷺ " فصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع" حسبما هو في الصحيحين. وقول الشيخ يذبحها حيث شاء من البلاد يريد ما لم يقلدها أو يشعرها فإن فعل ذلك لم يذبحها إلا بمنى. (والإفراد بالحج أفضل عندنا من التمتع ومن القران): اعلم أن هذا النسك يصح أداؤه بالإفراد والتمتع والقران واتفاقًا واختلف هل يفضل بعضها على بعض أم لا؟ فذهب أبو عمر بن عبد البر إلى عدم التفضيل والأكثرون على التفضيل وعليه فقيل أفضلها الإفراد وهو المشهور وقيل التمتع قاله اللخمي، وقيل الإفراد للمراهق والتمتع حيث يشتد الإحرام لطول أمده والقران لغيرهما رواه أشهب، وعلى الأول فقيل إن القران أفضل من التمتع نقله ابن بشير وقيل بالعكس نقله ابن شاس. (فمن قرن أو تمتع من غير أهل مكة فعليه هدى يذبحه أو ينحره بمنى إن أوقفه بعرفة وإن لم يوقفه بعرفة فلينحره بمكة بالمروة بعد أن يدخل به من الحل فإن لم يجد هديا فصيام ثلاثة أيام في الحج يعني من وقت يحرم إلى يوم عرفة فإن فاته ذلك صام أيام منى وسبعة إذا رجع):

стр. 341

ظاهر كلام الشيخ أن المكي لا هدي عليه في تمتع ولا قران وهو كذلك إلا أنه في التمتع متفق عليه، وفي القران على المشهور خلافًا لابن الماجشون في إيجابه الهدي، واختاره اللخمي لأن موجب الدم في حق غير الحاضر إنما هو سقوط أحد العملين وذلك مشترك بين أهل مكة وغيرهم، ويبعد أن يقال موجبه في حقهم سقوط أحد السفر إذ لا معني لطلب السفر وهو وسيلة لسقوط العمل وهو المقصود بخلاف التمتع ودليل سقوط الهدي عن المكي قوله تعالى: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام) [المسجد: ١٦٩]. (وصفة التمتع أن يحرم بعمرة ثم يحل منها في أشهر الحج ثم يحج من عامه قبل الرجوع إلى أفقه أو إلى مثل أوقفه في البعد ولهذا أن يحرم من مكة إن كان بها ولا يحرم منها من أراد أن يعتمر حتى يخرج إلى الحل): اختلف لم سمي متمتعا فقال ابن القاسم لأنه متمتع بكل مالا يجوز لمحرم فعله من وقت حله في العمرة إلى وقت إنشاء الحج، وقال غيره سمي متمتعا لإسقاط أحد السفرين وذلك أن حث العمرة أن تقصد بسفر وحق الحج أن يقصد كذلك فلما تمتع بإسقاط أحدهما لزمه عليه هدي كالقارن الذي يجمع بين الحج والعمرة في سفر واحد قاله ابن عطية فإذا ثبت هذا فلتعلم أن للتمتع ستة شروط متى أسقط شرطا منهما لم يكن متمتعا. أحدها: الجمع بين العمرة والحج في عام واحد. الثاني: في سفر واحد. الثالث: أن يقدم العمرة على الحج. الرابع: أن يأتي بها أو ببعضها في أشهر الحج. الخامس: أن يحرم بعد الإحلال منها بالحج. السادس: أن يكون المتمتع مقيما بغير مكة. قاله القاضي عبد الوهاب، قال الفاكهاني: وكلام الشيخ يشتمل عليها إذا أعطي من التأمل حقه. (وصفة القران أن يحرم بحجة وعمرة معًا ويبدأ العمرة في نيته وإذا أردف الحج على العمرة قبل أن يطوف ويركع فهو قارن وليس على أهل مكة هدي في تمتع ولا قران ومن

стр. 342

حل من عمرته قبل أشهر الحج من عامه فليس بمتمتع): اختلف المذهب إذا شرع في عمل العمرة فقال أشهب لا يصح قرانه حينئذ وقال ابن القاسم يصح ما لم يكمل الطواف، وقال أيضًا ما لم يركع وذكر عبد الوهاب أنه يصح ويردف الحج ما لم يكمل السعي. (ومن أصاب صيدا فعليه جزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذو عدل من فقهاء المسلمين ومحله منى إن وقف به بعرفة وإلا فمكة ويدخل به من الحل وله أن يختار ذلك أو كفارة طعام مساكين أن ينظر إلى قيمة الصيد طعامًا فيتصدق به أو عدل ذلك صيامًا أن يصوم عن كل مد يومًا ولكسر المد يومًا كاملاً): الأصل في هذا قوله تعالى: (ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم) [المائدة: ٩٥] الآية فمن قتل صيد لم يجتز بمعرفة نفسه ولابد أن يحكم على نفسه فقيهين من المسلمين كمال قال تعالى: (يحكم به ذوا عدل منكم) [المائدة: ٩٥] ولذلك دعا عمر بن الخطاب ﵁ عبد الرحمن بن عوف ليحكم معه على رجل قتل صيدا وهو محرم فقال له المحكوم عليه أنت أمير المؤمنين، ولا تحكم علي حتى تدعو آخر فقال له عمر أتقرأ سورة المائدة قال لا قال لو قرأتها لأوجعتك ضربًا قال الله تعالى: (يحكم به ذوا عدل منكم) [المائدة: ٩٥] وهذا عبد الرحمن بن عوف. ثم إن المحكوم عليه بالخيار إن شاء أن يحكما عليه بالجزاء أو بالإطعام أو بالصيام وهذا فيما له مثل فإن لم يكن له مثل كالأرنب والعصافير كان مخيرا في شيئين: الطعام والصيام، ولو أراد المحكوم عليه الطعام فلما حكما عليه أراد الصيام فلا يحتاج إلى حكمهما بالصيام قاله غير واحد لأن الصوم بدل من الإطعام لان الهدي بدليل قوله تعالى: (أو عدل ذلك صيامًا) [المائدة: ٩٥] فكان الصوم مقدرا بالطعام بتقدير الشرع فلا حاجة في تقديره إلى الحكمين، واختلف إذا حكما عليه بالنعم لأمره بذلك وأصابا ثم أراد بعد ذلك أن يتنفل إلى الطعام أو الصوم هل له ذلك أو هو حكم قد نفذ؟ فإن أخطأ بينا فحكما بشاة فيما فيه بدنة انتقض حكمهما لأن الحكم بالحيف والجور غير مشروع. قال الله تعالى: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) [النساء: ٥٨] وإنما قال الشيخ ولكسر المد يومًا كاملاً لأن صوم بعض يوم غير مشروع فلم يبق إلا

стр. 343

صيام يوم كامل لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب كالإيمان في القسامة، وأما إن اختار الإطعام فإنه يطعم في ذلك الكسر ولا يلزمه تكميله، قال القاضي أبو محمد ولا يجوز إخراج شيء من جزاء الصيد لغير المحرم إلا الصيام، وحكى القاضي أبو إسحاق أنه يطعم حيث شاء ثم قال وقيل أنه يطعم في موضع قتله الصيد. (والعمرة سنة مؤكدة في العمر): ما ذكر أنها سنة هو المشهور من المذهب وقال ابن الجهم إنها واجبة وقد قدمنا الخلاف هل يكره تكريرها في العام أم لا؟ على قولين في المذهب. (ويستحب لمن انصرف من مكة وحج أو عمرة أن يقول آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده): إنما استحب هذا لأن النبي ﷺ كان يقوله إذا انصرف من غزو أو حج أو عمرة، ومعنى آيبون أي راجعون بالموت، تائبون أي من كل مخالفة، عابدون لله أي بما افترض علينا مما كلفنا به، لربنا حامدون ولله على ذلك فإن الحمد حقيقة لا يكون إلا لله ولذلك قدم المجرور المؤذن بالحصر، وصدق الله وعده لنبيه ﷺ بالنصر ونصر عبده ﵇، وهزم الأحزاب وحده لا شريك له ولا معين ولا معاضد ولا وزير يفعل ما يشاء وهو على كل شيء قدير صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا. باب في الضحايا والذبائح والعقيقة والصيد والختان وما يحرم من الأطعمة والأشربة قال بعض شيوخنا: الأضحية اسم ما تقرب بذكاته من جذع ضأن أو ثني سائر

стр. 344

النعم سالمين من بين عيب مشروطا بكونه في نهار عاشر ذي الحجة وتالييه بعد صلاة الإمام عيد الأضحية وقدر زمن ذبحه لغيره ولو تحريا لغير حاضره والذبائح لقب لما يحرم بعض أفراد من الحيوان لعدم ذكاته أو سببها عنه وما يباح بها مقدورا عليه. والعقيقة ما تقرب بذكائه من جذع ضأن أو ثني سائر النعم سالمين من بين عيب مشروطا بكونه في نهار سابع ولادة آدمي حي عنهن وقال ابن الحاجب: العقيقة ذبح الولادة فأبطل طرده بذبح غير النعم وبالذبح بعد موت الولد به لولادة غير آدمي إلى غير ذلك، والصيد أخذ مباح أكله غير مقدور عليه من وحش طير أو حيوان بحر يقصد واسمًا ما أخذ إلى آخره. (والأضحية سنة واجبة على من استطاعها): يريد أنها سنة مؤكدة وفي حكمها ثلاثة أقوال: فقيل ما ذكر الشيخ وهو قول الأكثر كالتلقين والمعلم والمقدمات وقيل إنها واجبة وأخذه ابن يونس والباجي وغيرهما من قول ابن القاسم في المدونة من كانت له أضحية فأخرها حتى انقضت أيام النحر أثم، ورد بحمله على أنها كان أوجبها. وقال ابن عبد السلام: يمكن أخذ الوجوب من قول المدونة الضحية واجبة على من استطاعها ورده بعض شيوخنا بأنه اغترار بلفظ التهذيب ولفظ المدونة قلت الناس عليهم كلهم الأضحية إلا الحاج قال نعم، وهو في لفظ السائل دون لفظ وجوبه، وقيل إن الأضحية مستحبة وأخذه ابن الحاجب من قوله المدونة يستحب لمن قدر أن يضحي ويرد بأن لفظها أحب إلى ولذلك قال بعض المغاربة يحتمل الوجوب والاستحباب. وفي سماع أشهب وابن نافع روى معن: من وافق يوم عقيقة ولده يوم الأضحى ولا يملك إلا شاة واحدة عق بها، ابن رشد إن رجا الأضحية في تالييه وإلا فالأضحية لأنها آكد فقيل إنها سنة واجبة ولم يقل في العقيقة وما ذكره سبقه به اللخمي، وهل الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها أم لا؟ فقيل بذلك وقيل بالعكس وكلاهما عن مالك حكاهما ابن رشد، والصواب أنها أفضل لأنه يلزم على القول الآخر أن تكون الأضحية نافلة ولا قائل به ولقد أحسن ابن حبيب في قوله هي أفضل من العتق وما ذكرناه من

стр. 345

الإلزام نبه عليه بعض شيوخنا، ويريد الشيخ بقوله على من استطاعها من لا يجحف به شراؤها كما صرح به ابن بشير وروى أشهب في يتيم له ثلاثون دينارا أيضحى عنه بنصف دينار ويلزم من بيده مال اليتيم أن يضحي عنه كنفقته قاله ابن حبيب. (وأقل ما يجزئ فيها من الأسنان الجذع من الضأن وهو ابن سنة وقيل ابن ثمانية أشهر، وقيل ابن عشرة أشهر والثني من المعز وهو ما أوفى سنة ودخل في الثانية ولايجزئ في الضحايا من المعز والبقر والإبل إلا الثني والثني من البقر ما دخل في السنة الرابعة والثني من الإبل ابن ست سنين): ظاهر كلام الشيخ أن الوحش لا يجزئ وهو كذلك بالاتفاق، واختلف إذا ضربت إناث النعم في الوحش فنقل ابن شعبان عن المذهب عدم الإجزاء واختار الإجزاء لقوله ﵇ " كل ذات رحم فولدها بمنزلتها" ولو كانت الذكور من النعم فنقل ابن شعبان عن المذهب عدم الإجزاء، قلت والأقرب أنه يتخرج فيها الخلاف كالأولى قياسًا على أخذ الزكاة منها حسبما قدمنا أن الخلاف فيها. وتردد خليل هل يتخرج أم لا ضعيف والقول الأول في سن الجذع قول أشهب وابن نافع وابن حبيب، والقول باعتبار ستة أشهر قاله على بن زياد وما ذكر في سن الثني هو المشهور، وقال ابن حبيب وهو ابن سنتين، وقال عيسى بن دينار هو ابن سنة حكاه ابن عات وقال عيسى عنده يرجع كما قال الشيخ لأن بنفس فراغ السنة يدخل الثانية إلا أن يريد دخولا معتبرا. (وفحول الضأن في الضحايا أفضل من خصيانها وخصيانها أفضل من إناثها وإناثها أفضل من ذكور المعز ومن إناثها وفحول المعز أفضل من إناثها وإناث المعز أفضل من الإبل والبقر في الضحايا): ما ذكر من أن الفحل أفضل من الخصي هو المشهور وقيل بعكسه لطيب لحم الخصي حكاه ابن بزيزة، وقيل إنهما سيان لا مزية لأحدهما على الآخر، ويريد الشيخ ما لم يكن الفحل هزيلا فإن كان فالخصي أفضل قاله ابن حبيب ولم يحك الباجي غيره، وما ذكر من أن الذكر أفضل من الأنثى من صنفه هو قول مالك في المختصر، وعنه في المبسوط أنهما سواء والقولان حكاهما اللخمي، وصرح المازري بأن المشهور الأول ولم يحك الباجي غيره ولم يتعرض الشيخ هل البقر أفضل من الإبل أو العكس واختلف في ذلك فالمشهور أن البقر أفضل وقال ابن شعبان بالعكس.

стр. 346

وقال أشهب: الأضحية لمن كان بمنى فالإبل والبقر أحب إلى من الغنم قائلاً: وإن كانت لا أرى على من بمنى أضحية وسمع أشهب وابن نافع أكره التغالي فيها أن يجد بعشرة دراهم فيشتري بمائة، قال ابن رشد لأنه يؤدي للمباهاة، وقد قال أبو أيوب كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن بيته ثم صارت مباهاة، وذلك في زمانه فكيف الآن، وقال اللخمي يستحب أن تكون من أعلى المكاسب لقوله تعالى: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) [آل عمران: ٩٢] ولقوله (وفدينه بذبح عظيم) [الصافات: ١٠٧] ، وبالقياس على قوله ﷺ " أفضل الرقاب أغلاها ثمنا" فرأى بعض شيوخنا أنه خلاف ما تقدم لابن رشد قائلاً إلا أن يحمل التغالي لمجرد المباهاة. واختلف هل يجوز تسمين الضحية أم لا. فقيل إن ذلك جائز قاله الجمهور، وقال ابن شعبان إنه مكروه لمشابهة اليهود والقولان حكاهما عياض، وقال أبو محمد رواية ابن نافعالمستحب كونها بكبش عظيم سمين فحل أقرن ينظر في سواد، ويمشي فيه ويأكل فيه زاد ابن يونس عنه أملح وهو ما كان بياضه أكثر من سواده. (وأما في الهدايا فالإبل أفضل ثم البقر ثم الضأن ثم المعز): ما ذكره هو مذهبنا، وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن الضحايا كالهدايا، وقال بعض أهل المذهب ويرد عليهما من طريق النقل والمعنى. أما النقل فلما روي عن النبي ﵇ " أنه كان يضحي بكبشين أقرنين" ومثل هذا اللفظ لا يستعمل إلا فيما يواظب عليه، ومعلوم أنه ﵇ إنما يواظب على الأفضل. أما المعنى فلأنه لا خلاف أنه لا يضحي بجذع إلا من الضأن وهذا يقتضي أن لها مزية على غيرها في الضحية. (ولا يجزئ في شيء من ذلك عوراء ولا مريضة ولا العرجاء البين ظلعها ولا العجفاء التي لا شحم فيها): ما ذكر أنه لا يجزئ من الأربعة التي ذكرها هو كذلك باتفاق لما في الموطأ عن البراء بن عازب " أن رسول الله ﷺ عما يتقى في الضحايا فأشار بيده، وقال أربع فكان البراء يشير بيده ويقول يدي أقصر من يد رسول الله ﷺ العرجاء البين ظلعها والعوراء البين عورها والمريضة البين مرضها والعجفاء التي لا تنقي" ولا خلاف أن ما هو أشد من الأربع أنها لا تجزئ معه، واختلف في المساوي لها كقطع الأذن

стр. 347

والذنب فقيل إن عدم الإجزاء مختص بالأربع فتجزئ معه قاله جميع البغداديين منهم ابن القصار وابن الجلاب. وذهب العراقيون أجمع وغيرهم إلى عدم الاختصاص بالأربع، وهو ظاهر المدونة، وسبب الخلاف هل يقدم العدد على القياس أم العكس قال ابن حارث واختلف إذا كان البياض على بعض الناظر فقال مالك لا تجزئ، وقال أشهب إن كان على أقله أجزأ، وقال ابن عبد السلام: ظاهر قول أشهب، إن نقص نظرها لم تجز ومرض بعض شيوخنا ما نقله عن أشهب بأنه لم يقف عليه لنقل غيره مع أنه خلاف ما تقدم لابن حارث عنه، وفي المدونة لا تجزئ التخمة، وهي البشمة لأنه مرض، وقال الباجي لا نص في المجنونة ورآه كالمرض. وقال اللخمي إن كان لازما تجز معه وإن كان يجيء المرة بعد المرة ثم ذهب فهو خفيف. قلت: فهم بعض أشياخي أنهما قولان وليس كذلك بل المرض على قسمين: خفيف فتجزئ وكثير فلا تجزئ فما صرح به اللخمي هو مراد الباجي والله أعلم، وما ذكر الشيخ من أن العجفاء هي التي لا شحم فيها هو أحد الأقوال الثلاثة، وبه قال ابن حبيب، وقال غيره التي لا مخ فيها، وقال ابن الجلاب لا شحم لها ولا مخ في عظامها لشدة هزالها وأما التي أقعدها الشحم فإنها لا تجزئ معه نقله أبو محمد عن سحنون. (ويتقى فيها العيب كله): يعني بذلك كالخرقاء والشرقاء والمقابلة والمدابرة لنهي النبي ﷺ عن ذلك، قال اللخمي: الخرقاء مثقوبة الأذن والشرقاء مشقوقتها والمقابلة مقطوعة الأذن من قبل وجهها والمدابرة من قبل قفاها، وحمل ابن القصار نهيه ﵇ على الاستحباب واعترضه الباجي قائلاً هذا مطلق والمذهب فيه تفصيل فكثير القطع يمنع الإجزاء بخلاف يسيره كالسمة، وقال ابن بشير حمل ابن القصار النهي على الاستحباب وهو قوله المتقدم بقصر الحديث على العيوب الأربعة فيتحصل من هذا أن المذهب على خلاف قول ابن القصار عن الباجي وابن بشير ولذلك اعترض ابن هارون قول ابن الحاجب، والنهي عنها بيان للإكمال على الأشهر ولو زالت سن واحدة من أسنانها فروى ابن المواز لا بأس بذلك. وروى إسماعيل لا يضحى بها فحمله الباجي على ظاهره، وقال اللخمي محله

стр. 348

على الاستحباب لخفته، وحكي ابن بشير القولين في السن والسنين ونقل أبو محمد عن ابن حبيب إن طرحت ثنيتها ورباعيتها دون إثغار لم تجز وفهم عنه غير واحد عدم لحوق ما لا يساويها في الجمال فيتحصل في ذلك ثلاثة أقوال والأشهر في عدم الكل والجل عدم الإجراء. (ولا المشقوقة الأذن أن يكون يسيرا وكذلك القطع): هذا معطوف على قوله ولا يجزئ وأخبر في كلامه على أنه إذا كان الشق أو القطع يسيرا فإنها تجزئ وإلا فلا ولم يبين مقدارهما، وقال اللخمي قطع ما دون الثلث يسير وما فوقه كثيرا، وفي الثلث قولان فقال ابن حبيب هو كثير ومفهوم قول أبي محمد أنه يسير قال، وأما الشق فهو أيسر من القطع وشق النصف يسير، وقال المازري: رواية المتأخرين تشير إلى أن القطع والشق باعتبار الكثرة سيان ورأى بعض المتأخرين أن الشق أيسر من القطع والتفصيل المذكور الأذن هو بعينه في الذنب عند ابن رشد وقال الباجي الصحيح أن الثلث من الأذن يسير ومن الذنب كثير لأنه لحم وعصب والأذن طرف جلد ونحوه للمازري. (ومكسورة القران إن كان يدمي فلا تجوز وإن لم يدم فذلك جائز): ما ذكر الشيخ مثله فى المدونة وقال أشهب تجزئه وإن كانت تدمي قال بعضهم يعني إذا كان مرضها به خفيفا وقال ابن حبيب إنما هذا إذا انكسر القرن الخارج دون الداخل وتسمي العضباء، وأما إن انكسر الداخل والخارج فلا تجوز الأضحية به وإن لم يدم وتسمى العضباء والذكر أعضب، وقد " نهى النبي ﷺ أن يضحى بأعضب القرن والأذن". (وليل الرجل ذبح أضحيته بيده بعد ذبح الإمام أو نحره يوم النحر ضحوة ومن ذبح قبل أن يذبح الإمام أو ينحر أعاد أضحيته):

стр. 349

يريد أن ذلك على طريق الاستحباب لفعله ﵇ ذلك قال ابن المواز وليذبح له غيره من ضرورة أو ضعف ومثله لابن حبيب، فإن استناب مسلما دون عذر فإنه يجزئه وبئس ما صنع قاله ابن المواز، وفي مختصر ابن عبد السلام لا يجزئه نقله خليل وقال ابن حبيب إن وجد سعة أحب إلى أن يعيدها بنفسه. وظاهر كلام الشيخ أن الصبي والمرأة لا يذبحان بأنفسهما بل يستنيبان غيرهما، وهو كذلك في الصبي باتفاق وفي المرأة عند ابن رشد قائلاً: الأظهر منع ذبحها إلا من ضرورة لنحره ﷺ في الحج عن أزواجه، وروى ابن المواز واختار أن تلي المرأة ذبح أضحيتها بيدها وكان أبو موسى يأمر بناته بذلك. واختلف إذا استناب كتابيا فقيل لا تجزئه قاله في المدونة وقيل تجزئه قاله أشهب، ولو استناب من يضيع الصلاة فقيل تجزئه وقيل لا تجزئه وهما جاريان على فسقه أو كفره إن مات، واستحب اللخمي أن تعاد على الخلاف واختلف إذا نواها المأمور عن نفسه على ثلاثة أقوال: فقيل تجزئ بها قال أشهب وابن نافع وقيل تجزئ الذابح قاله أصبغ قائلاً ويضمن قيمتها وقيل: لا تجزئ واحداً منهما قاله فضل وصوب ابن رشد الأول بأن المعتبر نية ربها كالموضيء لأن نية الذابح كالماضئ ورده ابن عبد السلام بأن شرط النائب في الذكاة صحت ذكاته بدليل منع كونه مجوسيا فنيته إذا مطلوبة فإذا نواها لنفسه لم تجز ربها والموضىء لا تطلب منه نية دليل صحة كونه جنبا، وأجيب بأن الكلام في نية التقرب لا نية الذكاة.

стр. 350

(ومن لا إمام لهم فليتحروا صلاة أقرب الأئمة إليهم وذبحه ومن ضحي بليل أو أهدى لم يجزه): وما ذكر مثله في المدونة وظاهرها كان الإمام الذي يليهم قدمه الخلفية أم لا فإذا عرفت هذا فأعلم أنه أخذ منها أن المعتبر إمام الصلاة وبه قال ابن رشد، وقال اللخمي: المعتبر الخليفة ومن يقوم مقامه، وقال البوني: الإمام المعتبر ذبحه الذي يقيم الحدود والجمعة والأعياد فظاهره أنه ثالث وكذلك فهمه خليل على ظاهر كلامه، وأشار اللخمي إلى أن المتغلبين لا يعتبرون، وقال ابن عبد السلام: فيما قال نظر لنصوص أهل المذهب بتنفيذ أحكامهم وأحكام قضاتهم، ورآه بعض شيوخنا للضرورة إذ لا يمكن غير ذلك ولا ضرورة هنا لأنه يمكن تحري وقت الإمام غير المتغلب فإن تحروا فأخطئوا، فقيل لا تجزئهم قاله مالك من رواية أشهب، وقيل تجزئهم قال في المدونة، وهو المشهور ولا يعارض قوله هنا بقولها من تحرى الفجر فإذا هو صلى قبل الفجر أعاد وبقوله من أخطأ القبلة أعاد في الوقت لمشقة إعادة الأضحية ويسر إعادة الصلاة ولا يقال الفرق بين الأضحية والفجر هو أنه في الأضحية مأمور بالتحري على ظاهر قول الشيخ فليتحروا صلاته بخلاف الفجر فإن المصلي مأمور بالتربص حتى لا يشك لأن ذلك ينتقض بمن أخطأ القبلة مع أنه غير مأمور بالتربص. (وأيام النحر ثلاثة يذبح فيها أو ينحر إلى غروب الشمس من آخرها وأفضل أيام النحر أولها): ما ذكر هو مذهبنا وقال الشافعي أيام النحر أربعة وبه قال عمر بن عبد العزيز والحسن وحكي عن الحسن أيضًا أنه كان يقول الشهر كله إلى غير ذلك من الأقوال. (ومن فاته الذبح في اليوم الأول إلى الزوال فقد قال بعض أهل العلم يستحب أن يصير إلى ضحى اليوم الثاني): يريد وكذلك إذا فاته الذبح في اليوم الثاني فإنه يستحب تربصه إلى ضحى اليوم الثالث وهذا القول رواه ابن حبيب عن مالك وفي كتاب ابن المواز عن مالك أن اليوم الأول كله أفضل من الثاني والثاني كله أفضل من الثالث، وأنكر الشيخ أبو الحسن القابسي رواية ابن حبيب قائلاً الذي عند ابن المواز أحسن منه وهو المعروف، وقال ابن الحاجب: وفي أفضلية ما بعد الزوال على أولية ما بعده قولان، واعترض بأن كلامه موهم بأن القول الثاني بالمواساة وموهم أيضًا بأن الخلاف إنما هو في اليوم الثاني لا في

стр. 351

اليومين معًا ولا قائل به. قال الفاكهاني: وقول الشيخ ومن فاته الذبح في اليوم الأول إلى آخره ظاهره أن الخلاف خارج المذهب لأن هذه العبارة في الغالب والاصطلاح لا تكون إلا خارج المذهب كقوله في كتاب الجنائز وأرخص بعض العلماء في القراءة عند رأسه بسورة يس، وكذلك قولهم أن النافلة في قول بعض العلماء أربع نحو ذلك، وليس الأمر هنا كذلك بل القولان منقولان في المذهب ذكرهما ابن رشد وابن بشير وغيرهما فليت شعري لم آتي بهذه العبارة الموهمة مع إمكان غيرها على جري عادته في جزالة لفظه وفصيح عبارته. قلت: ليس في كلامه إيهام لأنه إذا عبر ببعض العلماء أراد به ابن حبيب حيثما وقع له حسبما قاله التادلي عند قول الشيخ، وأرخص بعض العلماء في القراءة، وكذلك هو قول ابن حبيب هنا عزاه اللخمي له، والقول الآخر لابن المواز لا لروايتهما. واختلف هل يراعى النهار في اليومين أم لا؟ فقيل بمراعاته وهو المشهور وروى عن مالك إن ذبح ليلا أنه يجزئه حكاه ابن القصار وبه قال أشهب في احد قوليه وعلى الأول فهل يراعى قدر الصلاة فيهما أم لا؟ فقال ابن المواز لا يراعي ذلك، ولكن إذا ارتفعت الشمس وحانت الصلاة ولو فعل ذلك بعد الفجر أجرأه كذا نقله ابن يونس وحكاه الباجي من رواية ابن حبيب عن مالك، ونقله اللخمي عن أصبغ، وقال ابن بشير: المشهور مراعاة الصلاة، والشاذ يجزئ من ذبح بعد الفجر، واعترضه بعض شيوخنا بأن ظاهره عدم الإجزاء على المشهور وهو خلاف نص الروايات. (ولا يباع شيء من الأضحية جلد ولا غيره): ظاهر كلام الشيخ ولو كان المبيع صوفا أو شعرا وهو كذلك قاله في المدونة، وظاهر كلامه وإن كان تصدق بذلك على مساكين أو وهبه لرجل فإنه لا يجوز بيعه للمسكين ولموهوب له كالمضحي وكالوارث قاله مالك في كتاب ابن المواز، وقيل يجوز كالصدقة على الفقير، وكالزكاة إذا بلغت محلها، وهو قول أصبغ في كتاب ابن حبيب وإليه مال ابن رشد، واعترض عن سماع ابن القاسم إذا وهب رجل جلد أضحيته لخادمه أنه لا يباع لوجهين وهما قدرته على الانتزاع والحجر عليها فكأنه هو المتولي بيعه، واضطرب من كان معارضا لابن عبد السلام فيها حتى ألف بعضهم على بعض، واختلف الشيوخ من التونسيين المتأخرين أيضًا هل يعطى منها القابلة والفران والكواش

стр. 352

فمنعه بعضهم وأجازه بعضهم، والصواب عندي أن يكون خلافهم خلافًا في حال، ويقوم من كلام الشيخ أن الحرارة البونية لا يجوز بيعها إذا وجدت في الأضحية لعدم نهيه عن البيع. وبه أفتى غير واحد من التونسيين كالشيخ أبي القاسم الغبريني ﵀، وظاهر كلام الشيخ أنه لو عمل شيء من صوف الأضحية مع غيره ونسج فإنه لا يباع ولو كان صوف الأضحية قليلاً وقال التادلي: إذا كان تبعًا فإنه يباع ولم يحك غيره مستدلاً بالسيف المحلى. قلت: ويراد استدلاله بأن بيع الأضحية ممنوع لذاته بدليل أن يبعه منفردا لا يجوز، وبيع المحلي إنما هو لعارض بدليل جواز حالة الانفراد فلا يلزم من جوازه في السيف جوازه في الأضحية والله أعلم. والجاري على المذهب هنا الأول وقد روى ابن القاسم كراهة دهن الخراز النعال بشحم أضحيته قال ابن رشد لأن للشحم حصة من ثمن النعال فتعليله يقتضي أنه حمل الكراهة على التحريم، وقد علمت أنه لا يصير له من الثمن إلا شيء يسير. قاله ابن شاس وإجارة الجلد كالبيع فلا يجوز خلافًا السحنون قلت وفيما قاله نظر إذ لم يحك أبو محمد في نوادره ولا الباجي ولا ابن يونس غير ما قاله بعض شيوخنا واختلف إذا وقع بيع شيء من الأضحية وفات على ثلاثة أقوال، فقال ابن القاسم وابن حبيب يتصدق الثمن، وقال سحنون يجعل ثمن الجلد في ماعون أو طعام وثمن اللحم في طعام، وقال محمد بن عبد الحكم يصنع به ما شاء، قال الباجي يحتمل أن يكون كمذهب أبي حنيفة القائل بجواز بيع الأضحية بما سوى الدراهم قال والأظهر أنه يمنع البيع ابتداء ولكن إذا فات يصنع به ما شاء. (وتوجه الذبيحة عند الذبح إلى القبلة): المطلوب أن توجه الذبيحة عند الذبح إلى القبلة كما قال ويستحب أن يضجعها على الجنب الأيسر ولا يضرب بها الأرض ويوضح محل الذبح ولو كان أعسر فإنه يضجعها على شقها الأيمن لضرورة رواه ابن القاسم، وقال ابن حبيب يكره له أن يذبح فإن ذبح واستكمن أكلت وكره مالك ذبح الطير وهو قائم فإن فعل أكل إن أصاب وجه الذبح، قال ابن المواز ولا يجعل رجله على عنقها قال ابن عبد السلام، وفيه نظر لما صحيح مسلم عن أنس قال " ضحي رسول الله ﷺ بكبشين أملحين

стр. 353

أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحيهما. واختلف هل يستخف ذبح شاة وأخرى تنظر أم لا فقيل إنه لخفيف قاله مالك واحتج بنحر البدن مصطفة وقال ابن حبيب إنه مكروه قائلاً: بأنه في البدن سنة. والقولان حكاهما ابن رشد، والمطلوب في الإبل أن تنحر قائمة معقولة ولا خلاف أن من ترك الاستقبال ساهيا أو جاهلا أنها تؤكل واختلف إذا فعل ذلك عامدا على ثلاثة أقوال: فقيل تؤكل وبئس ما صنع قاله في المدونة وقيل: لا تؤكل قاله ابن حبيب وقيل: يستحب ترك أكلها قاله ابن المواز. (وليقل الذابح باسم الله والله أكبر، وإن زاد في الأضحية ربنا تقبل منا فلا بأس بذلك): ما ذكر الشيخ مثله في المدونة لا يقال يحتمل أن يكون باسم الله من قول الشيخ وفي المدونة والمراد أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم بل المراد أنه يقتصر على ذلك فقط وعليه حمل الفاكهاني المذهب معبرا عنه، بقوله: قالوا: لا يقل بسم الرحمن الرحيم، قال التادلي: وإليه ذهب صاحب الحلل محتجا بأنه لو عمل بمقتضى قوله الرحمن الرحيم لتركها ولم يذبحها، قال ومثله لابن العربي وزاد أن أعرابيا سمع صبيا يقرأ آية

стр. 354

السرقة فقال: نكالا من الله والله غفور رحيم فقال قل والله عزيز حكيم، قال ولقائل أن يقول أنه يصرف معنى الرحمة إلى نفسه لكونه جعله ذابحًا لغيره، واعلم أنه لا خصوصية لهذا اللفظ بل إذا قال غيره من سائر الأذكار فإنه يجزئه نص على ذلك ابن حبيب، وقال: إن قال: باسم الله، والله أكبر ولا إله إلا الله وسبحان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فإنه يكفيه عن التسمية، ولكن ما مضي عليه العمل أحسن وهو باسم الله والله أكبر زاد في الدونة على ما قال الشيخ وليس بموضع صلاة على النبي ﷺ ولا يذكر لا إله إلا الله، وأنكر مالك قولهم اللهم منك وإليك قاله هذه بدعة. وقال ابن شعبان: حسن أن يقول على ما يتقرب به من هدي أو نسك أو أضحية أو عقيقة: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ولا بأس بقوله اللهم منك العطاء وإليك النسك وإليك تقربت وسمع ابن القاسم كراهة قوله صلى الله على محمد رسول الله ونحوه ما تقدم للمدونة، وأجازه ابن حبيب وصوبه ابن رشد. (ومن نسي التسمية في ذبح أضحية أو غيرها فإنها تؤكل وإن تعمد ترك التسمية لم تؤكل وكذلك عند إرسال الجوارح على الصيد ولا يباع من الأضحية والعقيقة والنسك لحم ولا جلد ولا ودك ولا عصب ولا غير ذلك): ما ذكر من أن من ترك التسمية سهوًا أنها تؤكل هو كذلك باتفاق قاله ابن حارث وغيره، وما ذكر من أنها لا تؤكل في العمد، وظاهره التحريم وهي رواية ابن مزين عن عيسى وأصبغ، وقال مالك: لا تؤكل فحمله بعض الشيوخ على التحريم، وحمله ابن الجهم والأبهري وغيرهما على الكراهة، وقيل إن أكلها جائز قاله أشهب، قال عياض في الإكمال: وحكاها الخطابي عن مالك فيتحصل في أكلها مع العمد ثلاثة أقوال: وكل هذا في غير المتهاون وأما المتهاون فلا خلاف أنها لا تؤكل تحريما قاله ابن الحارث وابن بشير وقال ابن الحاجب: فإن تركها عامدا متهاونا أو غير متهاون ولم تؤكل على المعروف فظاهرة أن الخلاف فيه كغيره. ويظهر من كلام غير واحد أن القول بالكراهة فيه موجود كغير المتهاون، قال بعض شيوخنا: والمتهاون هو الذي يتكرر ذلك منه كثيرًا، قال ابن بشير: وحكم التسمية قيل: هي سنة والخلاف على ترك السنة عمدًا، وقيل: واجبة مع الذكر ساقطة مع العجز والنسيان، قلت: والقول الأخير هو الذي يعرج عليه شيوخنا في درسهم ويذكرون لها نظائر كالنجاسة والموالاة والترتيب ووجوب الكفارة على المفطر في رمضان وترتيب الحاضرتين.

стр. 355

(ويأكل الرجل من أضحيته ويتصدق منها أفضل له وليس بواجب عليه، ولا يأكل من فدية الأذى وجزاء الصيد ونذر المساكين وما عطب من هدي تطوع قبل محله ويأكل مما سوى ذلك إن شاء): ظاهر كلام الشيخ أن الجميع بين الأكل والصدقة أفضل من الصدقة بها جملة فأحرى أكلها وهو كذلك عند ابن حبيب وعزاه عياض لروايته لا لقوله، وقال ابن المواز: الصدقة بجميعها أفضل للأجر، واختلف هل يطعم منها النصراني والنصرانية، قال ابن القاسم كان مالك يجيزه ثم رجع عنه وما يعجبني أن يطعم منهم إلا من كان في عياله فأما أن يهدي لهم فلا يعجبني وما ذكر الشيخ أن الصدقة ليست بواجبة هو كذلك اتفاقًا وإنما هي مستحبة. واختلف في مقدارها على أربعة أقوال: فقال ابن حبيب: ليس في ذلك حد، وقال ابن الجلاب: لو قيل إنه يأكل الثلث ويتصدق بالثلثين لكان حسنا وقيل محدودة بالثلث، وقيل: بالنصف كلاهما حكاه ابن الحاجب، ونصه في تحديد الصدقة استحبابًا ثلاثة الثلث والنصف والمشهور نفي التحديد وقبلهما ابن عبد السلام وقال ابن هارون: ما علمت من نقلهما غيره، وقال خليل: تصور كلامهم ظاهر فالعجب منه حيث لم يذكر كلام ابن هارون والقول بالنصف حكاه عياض في الإكمال ونصه لا حد له عند مالك وأكثرهم بل يتصدق بما شاء ويأكل ما شاء ويطعم ما شاء، واستحب الشافعي الصدقة بالثلث، واختار بعض شيوخنا وغيرهم الصدقة بالأكثر، وأكل الثلث فأقل واستحب آخرون الصدقة بالنصف ففهم بعض من لقيناه أنه مذهبى لقرينة القول الذي قبله يليه. (والذكاة قطع الحلقوم والأوداج ولا يجزئ أقل من ذلك): ما ذكر الشيخ مثله في المدونة وتمام الذبح فري الأوداج والحلقوم، وظاهر كلامه لو بقي يسير من الأوداج فإنها لا تؤكل كذلك قاله سحنون وابن شعبان، وقال ابن محرز: لا تحرم بذلك واختلف إذا ترك أحد الودجين على قولين لمالك حكاهما عياض ونص في المدونة على أنه إذا ترك الحلقوم لا تؤكل وخرج اللخمي ﵀ قولاً بأكلها من قول المدونة إن أدرك الصيد منفوذ المقاتل استحب أن تفرى أوداجه فإن أفراها الجارح فقد فرغ من ذكائه ومن رواية المبسوط لا بأس بذبيحة سقطت بماء بعد قطع ودجيها من القول يأكل المغلصمة، وأجيب عن الأول بأن المراد من الذكاة هي
следующие страницы →