← Фикх малики

Фикх малики · id 14555

شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة

ابن ناجي التنوخي

Полный текст (890 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

اليومين معًا ولا قائل به. قال الفاكهاني: وقول الشيخ ومن فاته الذبح في اليوم الأول إلى آخره ظاهره أن الخلاف خارج المذهب لأن هذه العبارة في الغالب والاصطلاح لا تكون إلا خارج المذهب كقوله في كتاب الجنائز وأرخص بعض العلماء في القراءة عند رأسه بسورة يس، وكذلك قولهم أن النافلة في قول بعض العلماء أربع نحو ذلك، وليس الأمر هنا كذلك بل القولان منقولان في المذهب ذكرهما ابن رشد وابن بشير وغيرهما فليت شعري لم آتي بهذه العبارة الموهمة مع إمكان غيرها على جري عادته في جزالة لفظه وفصيح عبارته. قلت: ليس في كلامه إيهام لأنه إذا عبر ببعض العلماء أراد به ابن حبيب حيثما وقع له حسبما قاله التادلي عند قول الشيخ، وأرخص بعض العلماء في القراءة، وكذلك هو قول ابن حبيب هنا عزاه اللخمي له، والقول الآخر لابن المواز لا لروايتهما. واختلف هل يراعى النهار في اليومين أم لا؟ فقيل بمراعاته وهو المشهور وروى عن مالك إن ذبح ليلا أنه يجزئه حكاه ابن القصار وبه قال أشهب في احد قوليه وعلى الأول فهل يراعى قدر الصلاة فيهما أم لا؟ فقال ابن المواز لا يراعي ذلك، ولكن إذا ارتفعت الشمس وحانت الصلاة ولو فعل ذلك بعد الفجر أجرأه كذا نقله ابن يونس وحكاه الباجي من رواية ابن حبيب عن مالك، ونقله اللخمي عن أصبغ، وقال ابن بشير: المشهور مراعاة الصلاة، والشاذ يجزئ من ذبح بعد الفجر، واعترضه بعض شيوخنا بأن ظاهره عدم الإجزاء على المشهور وهو خلاف نص الروايات. (ولا يباع شيء من الأضحية جلد ولا غيره): ظاهر كلام الشيخ ولو كان المبيع صوفا أو شعرا وهو كذلك قاله في المدونة، وظاهر كلامه وإن كان تصدق بذلك على مساكين أو وهبه لرجل فإنه لا يجوز بيعه للمسكين ولموهوب له كالمضحي وكالوارث قاله مالك في كتاب ابن المواز، وقيل يجوز كالصدقة على الفقير، وكالزكاة إذا بلغت محلها، وهو قول أصبغ في كتاب ابن حبيب وإليه مال ابن رشد، واعترض عن سماع ابن القاسم إذا وهب رجل جلد أضحيته لخادمه أنه لا يباع لوجهين وهما قدرته على الانتزاع والحجر عليها فكأنه هو المتولي بيعه، واضطرب من كان معارضا لابن عبد السلام فيها حتى ألف بعضهم على بعض، واختلف الشيوخ من التونسيين المتأخرين أيضًا هل يعطى منها القابلة والفران والكواش

стр. 352

فمنعه بعضهم وأجازه بعضهم، والصواب عندي أن يكون خلافهم خلافًا في حال، ويقوم من كلام الشيخ أن الحرارة البونية لا يجوز بيعها إذا وجدت في الأضحية لعدم نهيه عن البيع. وبه أفتى غير واحد من التونسيين كالشيخ أبي القاسم الغبريني ﵀، وظاهر كلام الشيخ أنه لو عمل شيء من صوف الأضحية مع غيره ونسج فإنه لا يباع ولو كان صوف الأضحية قليلاً وقال التادلي: إذا كان تبعًا فإنه يباع ولم يحك غيره مستدلاً بالسيف المحلى. قلت: ويراد استدلاله بأن بيع الأضحية ممنوع لذاته بدليل أن يبعه منفردا لا يجوز، وبيع المحلي إنما هو لعارض بدليل جواز حالة الانفراد فلا يلزم من جوازه في السيف جوازه في الأضحية والله أعلم. والجاري على المذهب هنا الأول وقد روى ابن القاسم كراهة دهن الخراز النعال بشحم أضحيته قال ابن رشد لأن للشحم حصة من ثمن النعال فتعليله يقتضي أنه حمل الكراهة على التحريم، وقد علمت أنه لا يصير له من الثمن إلا شيء يسير. قاله ابن شاس وإجارة الجلد كالبيع فلا يجوز خلافًا السحنون قلت وفيما قاله نظر إذ لم يحك أبو محمد في نوادره ولا الباجي ولا ابن يونس غير ما قاله بعض شيوخنا واختلف إذا وقع بيع شيء من الأضحية وفات على ثلاثة أقوال، فقال ابن القاسم وابن حبيب يتصدق الثمن، وقال سحنون يجعل ثمن الجلد في ماعون أو طعام وثمن اللحم في طعام، وقال محمد بن عبد الحكم يصنع به ما شاء، قال الباجي يحتمل أن يكون كمذهب أبي حنيفة القائل بجواز بيع الأضحية بما سوى الدراهم قال والأظهر أنه يمنع البيع ابتداء ولكن إذا فات يصنع به ما شاء. (وتوجه الذبيحة عند الذبح إلى القبلة): المطلوب أن توجه الذبيحة عند الذبح إلى القبلة كما قال ويستحب أن يضجعها على الجنب الأيسر ولا يضرب بها الأرض ويوضح محل الذبح ولو كان أعسر فإنه يضجعها على شقها الأيمن لضرورة رواه ابن القاسم، وقال ابن حبيب يكره له أن يذبح فإن ذبح واستكمن أكلت وكره مالك ذبح الطير وهو قائم فإن فعل أكل إن أصاب وجه الذبح، قال ابن المواز ولا يجعل رجله على عنقها قال ابن عبد السلام، وفيه نظر لما صحيح مسلم عن أنس قال " ضحي رسول الله ﷺ بكبشين أملحين

стр. 353

أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحيهما. واختلف هل يستخف ذبح شاة وأخرى تنظر أم لا فقيل إنه لخفيف قاله مالك واحتج بنحر البدن مصطفة وقال ابن حبيب إنه مكروه قائلاً: بأنه في البدن سنة. والقولان حكاهما ابن رشد، والمطلوب في الإبل أن تنحر قائمة معقولة ولا خلاف أن من ترك الاستقبال ساهيا أو جاهلا أنها تؤكل واختلف إذا فعل ذلك عامدا على ثلاثة أقوال: فقيل تؤكل وبئس ما صنع قاله في المدونة وقيل: لا تؤكل قاله ابن حبيب وقيل: يستحب ترك أكلها قاله ابن المواز. (وليقل الذابح باسم الله والله أكبر، وإن زاد في الأضحية ربنا تقبل منا فلا بأس بذلك): ما ذكر الشيخ مثله في المدونة لا يقال يحتمل أن يكون باسم الله من قول الشيخ وفي المدونة والمراد أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم بل المراد أنه يقتصر على ذلك فقط وعليه حمل الفاكهاني المذهب معبرا عنه، بقوله: قالوا: لا يقل بسم الرحمن الرحيم، قال التادلي: وإليه ذهب صاحب الحلل محتجا بأنه لو عمل بمقتضى قوله الرحمن الرحيم لتركها ولم يذبحها، قال ومثله لابن العربي وزاد أن أعرابيا سمع صبيا يقرأ آية

стр. 354

السرقة فقال: نكالا من الله والله غفور رحيم فقال قل والله عزيز حكيم، قال ولقائل أن يقول أنه يصرف معنى الرحمة إلى نفسه لكونه جعله ذابحًا لغيره، واعلم أنه لا خصوصية لهذا اللفظ بل إذا قال غيره من سائر الأذكار فإنه يجزئه نص على ذلك ابن حبيب، وقال: إن قال: باسم الله، والله أكبر ولا إله إلا الله وسبحان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فإنه يكفيه عن التسمية، ولكن ما مضي عليه العمل أحسن وهو باسم الله والله أكبر زاد في الدونة على ما قال الشيخ وليس بموضع صلاة على النبي ﷺ ولا يذكر لا إله إلا الله، وأنكر مالك قولهم اللهم منك وإليك قاله هذه بدعة. وقال ابن شعبان: حسن أن يقول على ما يتقرب به من هدي أو نسك أو أضحية أو عقيقة: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ولا بأس بقوله اللهم منك العطاء وإليك النسك وإليك تقربت وسمع ابن القاسم كراهة قوله صلى الله على محمد رسول الله ونحوه ما تقدم للمدونة، وأجازه ابن حبيب وصوبه ابن رشد. (ومن نسي التسمية في ذبح أضحية أو غيرها فإنها تؤكل وإن تعمد ترك التسمية لم تؤكل وكذلك عند إرسال الجوارح على الصيد ولا يباع من الأضحية والعقيقة والنسك لحم ولا جلد ولا ودك ولا عصب ولا غير ذلك): ما ذكر من أن من ترك التسمية سهوًا أنها تؤكل هو كذلك باتفاق قاله ابن حارث وغيره، وما ذكر من أنها لا تؤكل في العمد، وظاهره التحريم وهي رواية ابن مزين عن عيسى وأصبغ، وقال مالك: لا تؤكل فحمله بعض الشيوخ على التحريم، وحمله ابن الجهم والأبهري وغيرهما على الكراهة، وقيل إن أكلها جائز قاله أشهب، قال عياض في الإكمال: وحكاها الخطابي عن مالك فيتحصل في أكلها مع العمد ثلاثة أقوال: وكل هذا في غير المتهاون وأما المتهاون فلا خلاف أنها لا تؤكل تحريما قاله ابن الحارث وابن بشير وقال ابن الحاجب: فإن تركها عامدا متهاونا أو غير متهاون ولم تؤكل على المعروف فظاهرة أن الخلاف فيه كغيره. ويظهر من كلام غير واحد أن القول بالكراهة فيه موجود كغير المتهاون، قال بعض شيوخنا: والمتهاون هو الذي يتكرر ذلك منه كثيرًا، قال ابن بشير: وحكم التسمية قيل: هي سنة والخلاف على ترك السنة عمدًا، وقيل: واجبة مع الذكر ساقطة مع العجز والنسيان، قلت: والقول الأخير هو الذي يعرج عليه شيوخنا في درسهم ويذكرون لها نظائر كالنجاسة والموالاة والترتيب ووجوب الكفارة على المفطر في رمضان وترتيب الحاضرتين.

стр. 355

(ويأكل الرجل من أضحيته ويتصدق منها أفضل له وليس بواجب عليه، ولا يأكل من فدية الأذى وجزاء الصيد ونذر المساكين وما عطب من هدي تطوع قبل محله ويأكل مما سوى ذلك إن شاء): ظاهر كلام الشيخ أن الجميع بين الأكل والصدقة أفضل من الصدقة بها جملة فأحرى أكلها وهو كذلك عند ابن حبيب وعزاه عياض لروايته لا لقوله، وقال ابن المواز: الصدقة بجميعها أفضل للأجر، واختلف هل يطعم منها النصراني والنصرانية، قال ابن القاسم كان مالك يجيزه ثم رجع عنه وما يعجبني أن يطعم منهم إلا من كان في عياله فأما أن يهدي لهم فلا يعجبني وما ذكر الشيخ أن الصدقة ليست بواجبة هو كذلك اتفاقًا وإنما هي مستحبة. واختلف في مقدارها على أربعة أقوال: فقال ابن حبيب: ليس في ذلك حد، وقال ابن الجلاب: لو قيل إنه يأكل الثلث ويتصدق بالثلثين لكان حسنا وقيل محدودة بالثلث، وقيل: بالنصف كلاهما حكاه ابن الحاجب، ونصه في تحديد الصدقة استحبابًا ثلاثة الثلث والنصف والمشهور نفي التحديد وقبلهما ابن عبد السلام وقال ابن هارون: ما علمت من نقلهما غيره، وقال خليل: تصور كلامهم ظاهر فالعجب منه حيث لم يذكر كلام ابن هارون والقول بالنصف حكاه عياض في الإكمال ونصه لا حد له عند مالك وأكثرهم بل يتصدق بما شاء ويأكل ما شاء ويطعم ما شاء، واستحب الشافعي الصدقة بالثلث، واختار بعض شيوخنا وغيرهم الصدقة بالأكثر، وأكل الثلث فأقل واستحب آخرون الصدقة بالنصف ففهم بعض من لقيناه أنه مذهبى لقرينة القول الذي قبله يليه. (والذكاة قطع الحلقوم والأوداج ولا يجزئ أقل من ذلك): ما ذكر الشيخ مثله في المدونة وتمام الذبح فري الأوداج والحلقوم، وظاهر كلامه لو بقي يسير من الأوداج فإنها لا تؤكل كذلك قاله سحنون وابن شعبان، وقال ابن محرز: لا تحرم بذلك واختلف إذا ترك أحد الودجين على قولين لمالك حكاهما عياض ونص في المدونة على أنه إذا ترك الحلقوم لا تؤكل وخرج اللخمي ﵀ قولاً بأكلها من قول المدونة إن أدرك الصيد منفوذ المقاتل استحب أن تفرى أوداجه فإن أفراها الجارح فقد فرغ من ذكائه ومن رواية المبسوط لا بأس بذبيحة سقطت بماء بعد قطع ودجيها من القول يأكل المغلصمة، وأجيب عن الأول بأن المراد من الذكاة هي

стр. 356

ذكاة الصيد ويكفي منها إنفاذ المقاتل وقطع الودجين أحد المقاتل فيكفي إلا أن يقال قطعه ما فوق الجوزة يتنزل منزلة القطع في الحلقوم لاتصاله بالحلقوم فلا يلزم عليه الاكتفاء بالودجين خاصة قاله ابن عبد السلام، وهذا هو الجواب عن رواية المبسوط وأما الثالث فلا يلزم وأيضًا فمن البعيد أن يفري الكلب أو السهم مجموع الودجين مع سلامة الحلقوم فلعله إنما اكتفى بقطعها لاستلزامه قطع الحلقوم، وعلى المنصوص فاختلف إذا قطع نصف الحلقوم أو الثلثان فقيل: إنه كقطع الكل قاله ابن القاسم في الدجاج والعصفور والحمام. وقال سحنون: لا يؤكل، وقال ابن عبد السلام: خصص بعض من لقيته قول ابن القاسم بالطير لصعوبته قلت: ورده بعض شيوخنا بنقل أبي محمد عبد ابن حبيب مطلقًا، وظاهر كلام الشيخ أنه لا يشترط قطع المريء وهو كذلك على المشهور وقيل: إنه يشترط عزاه اللخمي لرواية أبي تمام وعزاه ابن زرقون لقوله وعزاه عياض لرواية البغداديين، وقول الباجي لا أعلم من اعتبره غيره الشافعي قصور، وظاهر كلام الشيخ أن النحر يشترط فيه قطع الودجين معًا لقوله الذكاة قطع الحلقوم والأوداج. وقال ابن عبد السلام: ظاهر كلام اللخمي أنه شرط في أول كلامه قطع ودج واحد وفي آخره قطع الودجين معًا فأشار إلى أنه اختلاف من قوله قلت، وقال ابن رشد: النحر لا يشترط فيه قطع شيء من الحلقوم ولا من الودجين لأن محله اللبة وهو محل تصل منه الآلة إلى القلب فتموت بسرعة. (وإن رفع يده بعد قطع بعض ذلك ثم أعاد يده فأجهز فلا تؤكل): ظاهر كلامه سواء طال أم لا وهو كذلك إذا طال باتفاق واختلف إذا كان قريبا على خمسة أقوال: فقيل تؤكل قاله ابن حبيب وقيل: تكره نقله ابن وضاح عن سحنون وقيل لا تؤكل تحريما على ظاهر كلام الشيخ، وقال سحنون أيضًا: وتأول ابن وضاح عليه إن رفع يده كالمختبر أكلت وإن كان يعتقد التمام فلا تؤكل وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: لو عكس هذا الجواب لكان أصوب لقولهم فيمن سلم من اثنتين معتقدا التمام أنه لا يضر ذلك، ويتم باقي صلاته ولو سلم على شك أبطل صلاته قال: وعرضت هذا على الشيخ أبي الحسن القابسي فصوبه. وكل هذا إذا بلغت مبلغا لا تعيش معه. قال التونسي: وانظر لو غلبته قبل تمام الذكاة فقامت ثم أضجعها وأتم الذكاة وكان أمدا قريبًا هل تؤكل على ما مر أم لا؟ فقال أبو حفص العطار تؤكل لأنه معذور

стр. 357

ولم يقيد بالقرب ولا بالبعد، ونزلت بتونس أيام قضاء ابن قداح في ثور فحكم بأكله وبيان بائعه ذلك، وكانت مسافة هروبه نحوا من ثلاثمائة باع، واختلف في أكل المغلصمة على أربعة أقوال: فقيل: يحرم أكلها قاله ابن القاسم وأشهب وغيرها وبه كان بعض من لقيناه من القرويين يفتي وهو شيخنا أبو محمد الشبيبي ﵀، قال التلمساني: وهو المشهور وقيل: أكلها جائز قاله ابن وهب وابن عبد الحكم وغيرهما وبه الفتوى عندنا بتونس منذ مائه عام مع البيان في البيع، وقيل يكره أكلها حكاه ابن بشير ولم يسم قائله وقيل يأكلها الفقير دون الغني قاله بعض القرويين وأفتى به ابن عبد السلام وليس بسديد. ولو استؤجر جزار على ذبح شاة فغلصمها فحكي ابن يونس عن بعض شيوخه أنه يضمنها على القول الأول ولا يضمنها على القول الثاني، قلت: وهو مشكل من وجهين. أحدهما: أن القاعدة عندنا أن كل من فعل مأذونا له فيه فإنه لا يضمن إلا أن يفرط كثاقب اللؤلؤ، ومن استؤجر على نقل جرار، الثاني على تسليم ما قال فالمناسب أن يلزمه قيمة العيب على القول الثاني: لأنه عيبها عليه للخلاف في أكلها. (وإن تمادى حتى قطع الرأس فقد أساء ولتؤكل): يعني بقوله تمادى عامدا يدل عليه قوله فقد أساء وإن كانت تؤكل مع العمد فأحرى مع النسيان وغلبة السكين، وما ذكره هو قول ابن القاسم وأصبغ، ولو تعمد ذلك ابتداء وهو أحد التأولين عن مالك، فقيل بمقابله: لا تؤكل مطلقًا قاله ابن نافع، وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: إن تعمد ذلك ابتداء فإنها لا تؤكل لأنه كالعابث بالذكاة حين ترك سنة الذبح، فإن ترامت يده بعد الذكاة فإنها تؤكل وتأول على قول مالك في المدونة فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال ذكرها ابن عبد السلام قائلاً: والأخير منها هو أقرب إلى الصواب واعلم أن لهذه المسألة نظائر منها من غسل رأسه في الوضوء بدلا من مسحه، ومنها من بجبهته قروح تمنعه من السجود فسجد على أنفه ولم يقتصر على الإيماء، وليست منها من وجبت عليه شاة فأخرج عنها بعيرا لعدم المجانسة وإن كان فيها خلاف.

стр. 358

(ومن ذبح من القفا لم تؤكل): لا خصوصية لقوله من القفا بل وكذلك إذا ذبح من صفحة العنق ولا أعلم فيه خلافًا في المذهب قالوا لأنه نخعها قبل تمام الذبح، قلت ويتخرج على القول بأن منفوذة المقاتل تعمل فيها الذكاة أن تؤكل إذا تحققت حياتها بعد نخعها ولذلك قال كثير من أهل العلم أنها تؤكل، ولو قطع الحلقوم وعسر مرور السكين على الودجين لعدم حد السكين فقلبها وقطع الأوداج من داخل لم تؤكل قاله سحنون وهو المذهب، وتردد بعض شيوخنا في أكلها إذا كانت السكين حادة قائلاً الأحواط عدم أكلها، وأفتى الشيخ أبو القاسم الغبريني ﵀ في مسألة سحنون في زمان شدة بالأكل قائلاً مراعاة لقول من قال من العلماء بأكلها إذا ذبحت من القفا. (والبقر تذبح فإن نحرت أكلت): يعني أن المستحب في البقر الذبح ويجوز نحرها ابتداء على أن الظاهر كلامه لا يفي بذلك لأنه إنما تكلم على ذبحها بعد الوقوع ولكن مراده ما قلناه لأن الذبح جاء بالقرآن قال الله تعالى (أن تذبحوا بقرة) [البقرة: ٦٧] والنحر بالسنة لما روي عن النبي ﷺ أنه نحرها عن نسائه فاستحب الذبح لأنه الذكاة المذكورة في القرآن كترجيح اسم العشاء على العتمة وما ذكرناه هو نص المدونة وروى إسماعيل بن أبي أويس من نحر البقرة بئس ما صنع، قال الباجي والخليل في الذكاة كالبقر يريد وكذلك البغال على القول بأن أكلها مكروه والحمير على القول بذلك، أو بالإباحة والقول بالإباحة فيها حكاه النووي عن مالك فذكر عن ثلاث روايات ولا أعرفه لغيره. (والإبل تنحر فإن ذبحت لم تؤكل وقد اختلف في أكلها): ولا خلاف أن المطلوب في الإبل النحر فقط قال الشيخ أبو بكر الأبهري: وكذلك الفيل ينحر إذا أريد الانتفاع بجلده وعظمه، قال الباجي وإنما خصصه مع قصر عنقه لأنه لا يمكن ذبحه لغلظ موضع الذبح واتصاله بجسمه وله منحر فوجب أن تكون ذكاته فيه، واختلف المذهب إذا ذبحت الإبل على قولين فقيل: لا تؤكل قاله في المدونة، وقيل: تؤكل قاله أشهب وابن مسلمة وعلى الأول فحمله ابن حبيب على التحريم وحمله غيره على الكراهة فإن كانت ضرورة فلا خلاف في أكلها. واختلف في الضرورة ما هي فظاهر قول الأكثر وقوعه فيما هو آت فقط، وقال ابن رشد عدم آلة النحر ضرورة تبيح ذبحه وكذلك العكس وقيل الجهل في ذلك

стр. 359

ضرورة، واختلف إذا وقع في مهواة ولم يمكن نحره ولا ذبحه ففي المدونة: لا يؤكل بالطعن وهو المشهور، وقال ابن حبيب: يجوز أكله وهو قول أهل العراق، وربما أفتى به بعض من لقيناه. (والغنم تذبح فإن نحرت لم تؤكل وقد اختلف أيضًا في ذلك): لا خصوصية لقوله والغنم تذبح بل وكذلك غير الإبل والبقر والخلاف في أكلها إذا نحرت كما سبق. (وذكاة ما في البطن ذكاة أمه إذا تم خلقه ونبت شعره): يريد بتمام خلقته أنه كمل خلقه ولو خلق ناقص يد أو رجل فإنه لا يمنع نقصه من تمامه نص على ذلك الابجي وهذا الشرط اختلف فيه، ونقل ابن العربي فقال في القبس قال مالك: إذا لم تتم خلقته فهو كعضو منها ولا يزكي العضو مرتين، ونقل في العارضة عن مالك مثل نقل الجماعة واختار هو لنفسه ما تقدم وعدول الشيخ عن أن يقول وكمل شعره إلى قوله، ونبت شعره يدل على أنه لا يشترط في الإنبات بعض الشعر، وهو كذلك نعم اختلف هل يؤكل بنبات أشفار عينيه أم لا؟ فقال بعض شيوخنا ظاهر الروايات وأقوال الشيوخ أنه لا يؤكل بذلك وإنما المعتبر شعر جسده، وذهب بعض أهل العصر إلى جواز أكله بذلك واختلف في أكل مشيمته على ثلاثة أقوال، فقيل إنها تؤكل نقله ابن رشد عن سماع عيسى من كتاب الصلاة قال السلا هو

стр. 360

وعاء الولد وهو كلحم الناقة المذكرة وقيل: لا يؤكل به. وبه أفتى عبد الحميد الصائغ وقيل: تبع للولد بحيث يؤكل وإلا فلا قاله بعض المتأخرين المذكرة من التونسيين وهذا الذي ذكرناه إنما هو إذا خرج ميتا وأما إذا خرج الجنين حيا فإن رجيت له حياه لو بقي، ففي المدونة عن مالك لا يؤكل إلا بذكاة تخصه شرط في أكله قاله عيسى بن دينار في نقله ابن رشد ونقل عبد الباجي أحب إلي أن لا يؤكل إلا بذكاة قال ونحوه روى محمد وابن وهب، وزاد في روايته فإن سبقهم بنفسه كره أكله، وقال ابن عبد الغفور في استفتائه عن ابن كنانة أنه إن استخرج حيا، ومثله لا يعيش لو ترك لم يحل ولو ذكي ونحوه لابن القاسم، قال بعض شيوخنا إن رد بأن حياته إن ألغيت كفت فيه ذكاة أمه وإلا كفت ذكاته أجيب بمنع لزوم كفاية ذكاته كمنفوذ مقتله ضرورة لا يعيش. (المنخنقة بحبل ونحوه والموقوذة بعصا وشبهها والتردية والنطيحة وأكيلة السبع إن بلغ ذلك منها مبلغا لا تعيش معه تؤكل بذكاة): ظاهر كلام الشيخ سواء أنفذت المقاتل أم لا فأما إن لم تنفذ ففي ذلك قولان منصوصان، فقيل تؤكل قاله مالك وابن القاسم وقيل لا تؤكل، وكذلك الخلاف إذا شك في حياتها وأما إن أنفذت المقاتل ففي ذلك ثلاثة طرق، وقال الباجي زكاتها لغو اتفافًا. وقال ابن رشد لا تنفع زكاتها على المنصوص ويتخرج اعتبارها من سماع أبي زيد عن ابن القاسم من أجهز على من أنفذ مقاتله غيره فإنه يقتل به ويعاقب الأول فقط قال: والصواب رواية سحنون وعيسى عنه عكسه ومن الشيوخ من رد تخريج ابن رشد هذا الاحتمال أن يكون قتل الثاني إنما هو من باب حقن الدماء لئلا يتجرأ عليها بخلاف الحيوان البهيمي، وهذا الرد نقله ابن عبد السلام وسلمه وهو عنده ضعيف لأنه لو كان كما قال لزم قتلها معًا والله أعلم. وقال اللخمي إن كان إنفاذها بموضع الذكاة، وذلك فري الأوداج لم تؤكل وإلا فقولان وفي المدونة لمالك لا تؤكل مقطوعة النخاج ولابن القاسم كل منتثرة الحشوة قال ابن عبد السلام: ومن أهل المذهب من ينسب القول بالتذكية لابن وهب غيره وصوب ابن وهب قول المدونة إن منفوذه المقاتل لا تعمل فيها الذكاة قائلاً لأنها ميتة ألا ترى أن الإنسان لو أصيب بذلك لورث وإن لم تزهق نفسه وإن مات له ابن حينئذ لم يرث منه لأنه ابن الابن قد ورثه، وذكر اللخمي هذا عن ابن القاسم إذا ذبح الأب

стр. 361

قال وإن أنفذت مقاتله ولم يذبح ورث هو ابنه ومثله حكي التونسي عن ابن القاسم. واعلم أن المقاتل خمسة: انقطاع النخاع وانتثار الدماغ وقطع الأوداج وخرق المصران الأعلى وانتثار الحشوة ونص عبد الحق على أن قطع الودج الواحد مقتل ونص محمد على أن قطع بعض الأوداج كاف، وأفتى ابن زرقون بجواز أكل ثور وجد كرشه بعد ذبحه مثقوبًا وأفتى ابن حمد بعكسه وصوب الأول والكلام في هذا الفصل متسع جدًا ومحله المدونة ولولا الإطالة لذكرناه. (ولا بأس للمضطر أن يأكل الميتة ويشبع ويزود فإن استغني عنها طرحها): قال التادلي: يؤخذ منه أن الحرام إذا غلب وتعذر تحصيل الحلال أنه لا يمنع من الأكل منه، واعلم أن القول الشيخ لا بأس نفي لما يتوهم وإلا فالواجب أكله منها إجماعا، وما ذكر من أنه يشبع هو قول سحنون، وأكثر أهل المذهب، وقال ابن حبيب وابن الماجشون وأبوه وحكاه ابن المواز وعبد الوهاب عن مالك لا يأكل منها إلا ما يسد به رمقه خاصة نقله عياض، قلت: وهو الذي تركن النفس إليه ومثل هذا الاختلاف اختلف سحنون وابن حبيب أيضًا فيمن أفطر في رمضان لضرورة هل يباح له الأكل في بقية يومه أم لا، ويقرب منه اختلافهم فيمن يباح له أخذ الزكاة فقيل بجواز إعطاء ما يغنيه نصابًا فأكثر قاله مالك وقيل: يمنع أن يعطي النصاب قاله عبد الملك والقولان حكاهما ابن الجلاب. ونقل ابن رشد عن المغيرة مثل قول عبد الملك ولم يحك غيره، وقال اللخمي بعد أن ذكر الخلاف في إعطاء النصاب: الصواب أنه يعطي قدر كفايته لوقت خروجها، ويريد الشيخ ما لم تكن ميتة آدمي فإنه لا تؤكل يدل عليه قوله بعد ولا بأس بالانتفاع يجلدها إذ دبغ وإليه ذهب ابن القصار وتبعه عبد الحق وغيره، وظاهر كلامه أنه يأكل الميتة وإن كان ملتبسا بمعصية وهو كذلك، وقال ابن الجلاب لا يأكل حتى يفارقها وروي عن مالك، ومثله لابن العربي قائلاً ما أظن أحدا يقول بإباحة الأكل فإن قاله أحد فهو خطأ قطعا، واختار ابن يونس الأول بعد أن ذكر الثاني لابن حبيب ووجهه بأنه قد توجه عليه فرضان، النزع عن المعصية وإحياء النفس فإن فعلهما فهو المراد وإن أراد أن يفعل أحدهما لم يؤمر بتركه من أجل أنه لم يفعل، الآخر كمن يشرب الخمر ويزني ويرد بأن الشرب والزنا منفكان فحالة تلبسه بالزنا غير ملتبس بالشرب بخلاف أكله الميتة وهو عاص، ولو وجد ميتة وخنزيرا فإنه يأكل ويزكي

стр. 362

المضطر الخنزير استحبابا نقله الفاكهاني عن بعض شيوخه. وقال النووي في روضته يجوز في الاضطرار قتل الآدمي الذي لا حرمه له وأكله كالمرتد والحربي والزاني المحسن وتاريك الصلاة قال لو أراد المضطر أكل قطعة من لحمه فإن لحقه من الخوف في قطعها ما لحقه من الخوف بالجوع أو أشد منع وإلا جاز على الأصح. (ولا بأس بالانتفاع بجلدها إذا دبغ): ظاهر كلامه أن الدبغ يفيد في جلد كل ميتة حتى الخنزير وبه قال سحنون وابن عبد الحكم وهو أحد الأقوال الخمسة، وقال ابن وهب مثله إلا الخنزير وقيل إلا الخنزير والدواب وأخذه ابن رشد من المدونة من قولها ولا يصلي على جلد حمار وإن زكي، وقيل لا يطهر بالدبغ إلا المأكول وقيل إلا الأنعام وعزا ابن رشد الأول من هذين القولين لمفهوم سماع أشهب وابن نافع، والثاني لصريح سماعها وظاهر كلام الشيخ أنه لا ينتفع بالجلد قبل أن يدبغ وهو كذلك في المشهور، وحكي ابن رشد عن ابن وهب وظاهر سماع ابن القاسم أنه ينتفع به وزعم ابن حارث الاتفاق على الأول، وظاهر كلامه أيضًا أن طهارته عامة في المائعات وغيره، وهو كذلك عند سحنون وغيره وقيل: إن طهارته مقيده باليابسات والماء وحده من المائعات لأن الماء يدفع عن نفسه. وهذا القول هو المشهور، وقال ابن حارث اتفقوا على جواز الجلوس والطحن عليه، قلت ما ذكر من الجلوس عليه هو نص المدونة في كتاب الغصب قال فيها وكره مالك بيع جلود الميتة والصلاة فيها أو عليها دبغت أم لا، لكن إذا دبغت جاز الجلوس عليها وتفترش وتمتهن للمنافع ويقوم منها جواز الجلوس على ثوب الحرير وهو قول عبد الملك بن الماجسون والمشهور لا يجوز، وما ذكر في الطحن اتقاه بعض المتأخرين خوف تحلل شيء منه في الدقيق، وكان بعض من لقيته يقتبس جوازه من قول المدونة السابق وهو قولها: وتفرش وتمتهن للمنافع وكنت أجيب بأن الطحن أشد لما ذكر. واعلم أن الدبغ هو ما يزيل شعره وريحه ودسمه، ورطوبته نص عليه الباجي. (ولا يصلي عليه ولا يباع): أما ما ذكر من أنه لا يصلى عليه فهو المشهور، وأما ما ذكر من أنه لا يباع فظاهره وإن دبغ وهو كذلك في نقل الأكثر وقيل: يجوز مطلقاً وقيل: إن دبغ جاز وإلا فلا.

стр. 363

(ولا بأس بالصلاة على جلود السباع إذا ذكيت وبيعها): ما ذكر من الصلاة على جلود السباع إذا ذكيت هو كذلك، وبالجملة أن كل مزكي الحكم فيه كذلك على المشهور، وقال في المدونة: ولا يصلى على جلد حمار وإن زكي، فرأي ابن الحاجب أنه مناقض لقولهم في المشهور أن المزكي طاهر وإن لم يدبغ وما ذكر من جواز البيع مثله في المدونة وقيل لا تعمل الزكاة فيه ولا يطهر بالدبغ حسبما تقدم في نقل ابن رشد وعزاه ابن شاس لابن حبيب، وقال ابن حارث: اتفقوا على طهارة جلد السبع المختلف في أكله وبيعه إن زكي لأخذ جلده، واختلف في المتفق على منع أكله على ثلاثة أقوال ثالثها: إن دبغ كره ولم يفسح وإن لم يدبغ فسخ بيعه ورهنه وأدب فاعله إن لم يعذر بجهل وأجاز في المدونة بيع السباع لتذكيتها لجلودها فأخذ منها غير واحد كابن رشد جواز بيع جلود الخرفان على ظهورها لأن لحم السباع لا يؤكل على المشهور، فإذا بيع السبع لأخذ جلده فكان ابيع لا تقع إلا في جلده وحده، وقيل إنه لا يجوز لأنه غرر قاله ابن القاسم في العتبية نقله ابن رشد، وسمع ابن القاسم ما بيع الجلود قبل الذبح بحرام بين وما يعجبني وعسى أن يكون خفيفا وما هو بالمكروه فرأي ابن رشد أن كلامه متناقض، أوله يقتضي التحريم وآخره يقتضي الجواز. (وما ينتفع بصوف الميتة وشعرها وما ينزع منها في الحياة وأحب إلينا أن يغسل): ظاهر كلامه ولو من الخنزير والكلب وهو كذلك عند مالك وابن القاسم وقيل شعرهما معًا نجس حكاه ابن الحاجب، وقال ابن هارون ولا أعرفه في المذهب نعم هو قول الشافعي وأبي حنيفة قال، وقال بعض أصحابها إنه جار على من تأول قو لسحنون وابن الماجشون أنهما نجسان، وإنما أراد العين وقال شعر الخنزير نجس فقط قاله أصبغ وما ذكر الشيخ من استحباب غسله هو خلاف قول ابن حبيب بوجوب غسله.

стр. 364

(ولا ينتفع بريشها ولا بقرنها وأظلافها وأنيابها): ما ذكر من أنه لا ينتفع بريشها يريد ما يشبه العظم منه هو كذلك وفيه خلاف كما يأتي إن شاء الله، وأما شبه الشعر فطاهر كالشعر وفيما بينهما خلاف أيضًا وما ذكر من أنه لا ينتفع بقرنها وما عطف عليه فظاهره التحريم، وهو المشهور وقال ابن وهب: طاهر، وقيل: الفرق بين طرفها وأصلها وهذه الأقوال الثلاثة حكاها غير واحد، وحكى الباجي في العظم الفرق بين أن يصلق أم لا كأحد الأقوال الأربعة في أنياب الفيل. (وكره الانتفاع بأنياب الفيل وقد اختلف في ذلك): الخلاف في ذلك أربعة أقوال كما سبق وحمل بعض من لقيناه قول الشيخ على بابه من الكراهة فجعله خامسًا والأقرب عندي حمله على التحريم، وإذا أطلق فقال مالك: لا يباع وقال ابن وهب: يباع، وقال أصبغ: لا يفسد إن فات ويفسخ إن أطلق وإن فات واستمر العمل عندنا بإفريقية على جواز بيعه. (وما ماتت فيه فأرة من سمن أو زيت أو عسل ذائب طرح ولم يؤكل): اعلم أنه اختلف المذهب في الزيت إذا وقعت فيه دابة وماتت هل يقبل التطهير أم لا؟ فقيل: إنه لا يقبل التطهير قاله ابن القاسم وعكسه قاله مالك، وأبو بكر ابن اللباد وقيل بالأول إن قل وبالثاني إن كثر قال أصبغ قال ابن عبد السلام، وما غير واحد من المحققين إلى الأول لأن الماء يتنجس بأول الملاقاة فيكون التطهير بماء نجس قال وأنت قد علمت أن هذا ملغى في الثوب واختلف في اللحم ويؤكل قاله ابن القاسم من رواية موسي، وعكسه قاله أشهب، وقيل: إن وقعت بعد طيبه فالأول وقبله فالثاني، ونقله ابن رشد عن أبي حنيفة واختاره وتبعه ابن زرقون.

стр. 365

قال بعض شيوخنا: وهو قصور لنقلة عبد الحق وابن يونس عن السليمانية وخرج اللخمي والروايتين الأولتين في تطهير الزيتون يملح بماء نجس وحكاهما ابن الحاجب نصا فيه وقال سحنون: إن تنجس زيتون قبل طيبه طرح وبعده غسل وأكل قلت: ويجري على الزيتون إذا تنجس القمح وشبهه. (ولا بأس أن يستصبح بالزيت وشبهه في غير المساجد وليتحفظ منه وإن كان جامدا طرحت وما حولها وأكل ما بقي): اختلف في الانتفاع به وبيعه على ثلاثة أقوال: فقيل: ذلك جائز ففيهما قاله مالك وابن وهب وعكسه قاله ابن الماجشون وقيل: يجوز الانتفاع ولا يجوز البيع قاله ابن القاسم وأكثر أصحاب مالك، وحكى هذا الخلاف ابن رشد، وكذلك اختلف هل يعمل منه الصابون أم لا؟ وكذلك اختلف هل يسقى بالماء النجس البقل والزرع على ثلاثة أقوال: فقيل ذلك جائز وعكسه وقيل لا يسقي فيما يسرع إليه القلع كالبقل بخلاف ما بعد قلعه كالزرع وظاهر كلام الشيخ أن ما هو نجس بذاته كشحم الميتة فإن لا ينتفع به أطلا وهو كذلك. ونقل الشيخ ﵀ في نوادره عن ابن الجهم والأبري لا بأس أن يوقد بشحم الميتة إذا تحفظ منه قلت في الصحيحين " قيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة أنطلي بها السفن ويدهن بها الجلود؟ قال لا تطلي" الحديث عندهما منسوخ بغيره، قال ابن المواز: لا يحمل الميتة لكلبه بل يأتي به إليه، وفي المدونة إن وقد بعظم الميتة على حجر أو طين فلا بأس بذلك فأخذ منه الشيخ أبو القاسم بن الكاتب خلاف ما تقدم لمحمد، واجيب بأحد أمرين إما أنه تكلم بعد الوقوع وإما أن يحمل على أنه لم يحمل العظم بل أتي بالحجر إليه ووجده عند وهذا الأخير هو الذي كان يعرج عليه بعض من لقيناه. (قال سحنون إلا أن يطول مقامها فيه فإنه يطرح كله): الاتفاق على أن قول سحنون تفسير لا خلاف. (ولا بأس بطعام أهل الكتاب وذبائحهم): يريد بقوله لا بأس صريح الإباحة قال الله تعالى: (وطعام الذين أوتوا الكتب حل لكم وطعامكم حل لهم) [المائدة:٥] وظاهر كلامه سواء كان الكتابي صغيرا أو كبيرا ذكرًا أم أنثي ذميا أو حربيا وهو كذلك ويشترط في الصغير التمييز كالمسلم،

стр. 366

ويختلف فيه وفي المرأة كما يأتي إن شاء الله تعالى، وهذا الذي قلناه إذا كان ممن لا يستحل الميتة وأما من يستحلها فإن ذبح لك بحضرتك وأصاب وجه الذكاة جاز لك أكلها وأما إن غاب عليها عند الذبح فلا يجوز لك الأكل قاله الباجي، ومثله في الذخيرة. وقال ابن رشد القياس لا يؤكل مطلقًا على ما قاله الباجي في تعليل ما حرام على أهل الكتاب من أن الذكاة لابد فيها من النية وإذا استحل الميتة فكيف ينوي الذكاة وإن ادعى أنه نواها فكيف يصدق، واختلف المذهب إذا كان ممن يسل عنق الدجاجة، فالمشهور لا تؤكل واختار ابن العربي أكلها ولو رأيناه لأنه من طعامهم، قال ابن عبد السلام: وهو بعيد لأن معني طعامهم في الآية هو ما أبيح لهم في شرعهم فإذا أطبق جمهور شرعهم ومن هو مستمسك بظاهر دينهم على أن هذا مما يدل على من شرعهم وجب أن لا يكون من طعامهم، قلت فيما زعمه من التبديل نظرا بل لفظ ابن العربي في أحكام القرآن لأنها طعامهم وطعام أحبارهم ورهبانهم وإن لم تكن هذه زكاة عندنا، ولكن الله تعالى أباح طعامهم مطلقًا وكل ما يرونه في دينهم فهو حل لنا إلا ما أكذبهم الله تعالى فيه، قال ولقد قال علماؤنا: إنهم يعطون أولادهم ونساءهم في الصلح ملكا فيحل لنا وطؤهن فكيف لا يحل لنا ذبائحهم والأكل دون الوطء في الحل والحرمة. واختلف إذا ذبح الكتابي لمسلم على ثلاثة أقوال: ففي المدونة يجوز إلا في الضحايا فتعاد لأنها قربة وقيل: لا يجوز مطلقًا لأن المباح من ذبائحهم يختص فيما يكون طعامهم لظاهر الآية وهذا لم يقصد به الإباحة لنفسه فلا تؤكل وقيل يجوز حتى في الأضحية كما سبق. (وكره أكل شحوم اليهود منهم في غير التحريم): ما ذكر من أنه مكروه هو المشهور، وقيل إنه حرام نص عليه في كتاب محمد، وحكاه ابن القصار عن ابن القاسم، وأشهب، وفي المبسوط أنه جائز قاله ابن نافع وبالجملة أن ما ثبت تحريمه عليهم بشرعنا كذي الظفر ففيه ثلاثة أقوال كما سبق، والمشهور التحريم وأن ما حرموه دون أن يثبت في شرعنا ففيه ثلاثة والمشهور الإباحة وأما ما ذبحوه لعيد أو كنيسة فإنه مكروه قاله في المدونة وقيل إنه حرام قاله ابن لبانة ورد بأن قوله تعالى: (أو فسقا أهل لغير الله به) [الأنعام: ١٤٥] يتناول، وقيل إنه مباح قاله ابن وهب ولم ير أن الآية تتناوله، واحتج مالك على الكراهة بالآية المتقدمة،

стр. 367

واستشكل بأن الآية تقتضي التحريم، وأما ما ذبح للأصنام فإنه حرام باتفاق، قال ابن هارون وكذلك عندي ما ذبح للمسح بخلاف ما سموا عليه اسم المسيح يعني فلا يحرم، واختلف هل هو مكروه أم لا؟ على قولين حكاهما ابن حارث. (ولا يؤكل ما ذكاه المجوس وما كان مما ليس فيه ذكاة من طعامهم فليس بحرام): ما ذكر مثله في المدونة وهو متفق عليه ففي المذهب في نقل الأكثر مطلقًا في الوثني وغيره، وخالف جماعة من أهل العلم وقالوا يؤكد ما ذكاه واحتجوا بوجهين: أحدهما: أنهم كانوا من أهل الكتاب ورفع. الثاني: أن قوله ﵇ " سنوا بهم سنة أهل الكتاب" يدل على ذلك. وأجابوا على الأول بأنه إذا ارتفع الكتاب لم يبقوا من أهله وعن الثاني بأن المراد بالحديث أخذ الجزية منهم لأن الصحابة لما اختلفوا في أخذها منهم روى لهم عبد الرحمن بن عوف الحديث، وهذان الجوابان ذكرهما ابن هارون من رواية على إلا أن الثاني لا يسلم من اعتراض وهو أن الجزية يحتمل أن يكون فهمها الصحابة من عموم الحديث لأن الحديث إنما دل على ذلك والله أعلم. وقد قال ابن عبد السلام: الاتفاق لاشك فيه في الوثني ومنفي معناه ممن يقال فيه ذلك مجازا، وأما من كان هذا الاسم خاصا به في الزمان الأول كالفرس فالصحيح عندي أنهم يلحقون بأهل الكتاب في جميع أحكامهم ولم يمنع من ذلك إجماع، وهذا مذهب ابن المسيب وأبي ثور في أكل ذبائحهم، وأما الصابئون فقد منع أهل المذهب ذبائحهم وهم قوم بين النصرانية والمجوسية، وأما المرتد فلا تؤكل ذبيحته وإن ارتد إلى دين أهل الكتاب لأنه لا يقر عليه. وقال اللخمي: ينبغي أن تصح ذكاته حينئذ لأنه صار من أهل الكتاب وإن كان غير معصوم الدم كالحربي، وأما السكران والمجنون فلا تؤكل ذبيحتهما ولو أصاب التذكية لفقدان عقلهما، واختلف في ذبيحة الصبي المميز والمرأة على ثلاثة أقوال: الكراهة لأبي مصعب والجواز لمالك والجواز للضرورة والكراهة لغيرها رواه ابن المواز، وقال ابن الحاجب: وتصح من الصبي المميز والمرأة من غير ضرورة على الأصح، فظاهره أن القول الثاني بتحريم الأكل. واعترضه ابن عبد السلام بأن الخلاف إنما هو بالكراهة والجواز، قلت قال ابن بشير في المذهب رواية بعدم الصحة وهي مجهولة على الكراهة فلعل ابن الحاجب

стр. 368

اعتمد على إطلاق الروايات والله أعلم. (والصيد للهو مكروه والصيد لغير اللهو مباح): اعلم أن الاصطياد على خمسة أقسام: مباح ومندوب وممنوع وواجب ومكروه. فالمباح ما كان للمعاش اختيارًا إما للأكل، وإما لينتفع بثمنه.

стр. 369

والمندوب ما إذا كان يصطاد ليسد به خلته، ويكف به وجهه وليوسع به على عياله إذا كانوا في ضيق. والممنوع إذا كان يقتل الوحش ولا يريد ذكاته لأنه من الفساد في الأرض وإذا كان يؤدي الاشتغال به إلى تضييع الصلاة. والواجب إذا كان لإحياء نفسه أو غيره ولم يجد إلا الصيد. واختلف في القسم الخامس وهو الصيد للهو على ثلاثة أقوال مكروه كما قلناه وهو المشهور وقيل إنه جائز قاله محمد بن عبد الحكم قاله غير واحد وإليه ذهب الليث بن سعد لقوله: وما رأيت حقا أشبه بباطل منه، قلت الصواب رده لقول مالك بالكراهة وكأنه سلك به مسلك معني قوله ﷺ " أبغض الحلال إلى الله الطلاق" وروى مطرف وابن الماجشون عن مالك أنه استخف الصيد لمن يسكن بالبادية لأنهم من أهله، ولا غني لهم عنه وكرهه لأهل الحاضرة، ورأى إخراجهم إليه من السفه والخفة فإذا عرفت هذا فاعلم أن قول الشيخ والصيد للهو مكروه ولغيره مباح لا يفي بالتقسيم المذكور. وقال ابن الحاجب: الصيد جائز بإجماع وانتقده ابن هارون بأنه أراد بالجائز المباح فينتقض عليه بصيد اللهو فإنه مكروه وإن أراد بالجائز القدر المشترك بين المباح والمكروه فيعيد لحكاية الإجماع في ذلك قال، ويحتمل أن يريد بذلك ما اتخذ للعيش أو للانتفاع به؛ لأنه المجمع عليه دون ما هو للهو. قلت: ما ذكره لا يحتاج إليه لأن ابن الحاجب ذكر أن الصيد للهو مكروه في باب القصر وأراد الإخبار عما صرح به هنا من حيث الجملة فلا احتمال كما يقال النكاح مندوب إليه ونصه ولا يترخص للعاصي بسفره كالأبق والعاق بالسفر على الأصح ما لم يتب إلا في تناول الميتة على الأصح وكذلك المكروه كصيد اللهو. (وكل ما قتله كلبك المعلم أو بازك المعلم فجائز أكله إذا أرسلته عليه وكذلك ما أنفذت الجوارح مقاتله قبل قدرتك على ذكائه وما أدركته قبل إنفاذها لمقاتله لم يؤكل إلا بذكاة): اختلف في كيفية التعليم على طريقتين إحداهما لابن بشير أنه يرجع في ذلك إلى العاة فما يمكن من التعليم في الطير والكلب اعتبر وما لم يمكن فلا والطريقة الثانية للخمي ذكر أن المذهب اختلف في ذلك على أربعة أقوال، ونقلها ابن الحاجب عنه وانتقد عليه ابن هارون لأنه ذكر خلاف ما في اللخمي في قولين منها، ورأيت حذف هذه الطريقة لطولها خشية السآمة، وظاهر كلام الشيخ أنه إذا أرسله وليس في يده فإنه يؤكل وهو كذلك قاله مالك ثم رجع، وقال لا يؤكل، واختار ابن القاسم الأول

стр. 370

والجميع في المدونة وقال ابن حبيب إن كان قريبا أكل وإن كان بعيدا فلا اختار غير واحد كاللخمي ما اختاره ابن القاسم إذ لا فرق بين أن يكون الجارح في يده أو معه إذا لم ينبعث إلا بأشلائه. واختلف إذا انشلي من تلقاء نفسه ثم أغراه على ثلاثة أقوال: فقيل: إنه مباح قاله أصبغ وقيل لا يؤكل وهو المشهور وقال ابن الماجشون إن زادهم أشلاؤه قوة انبعاثه أكل وإلا فلا ولو أرسله ثم ظهر ترك ثم انبعث فإن طال فلا يؤكل ما صاده اتفاقًا وإن كان قريبا فالمنصوص كذلك قال اللخمي: والصواب أن الشيء اليسير لا يقطع عن حكم الأول، وفيه قال مالك، وإذا أرسل على جماعة فأخذ اثنين فإنهما يؤكلان فلم ير اشتغاله بالأول قطعا عن الثاني ورده المازري بأنه في المسألة المخرج منها في عمل واحد ولم يقطعه فإنه يلزمه وإن طال على ظاهر كلامه في المسالة المخرج منها، وقد وافق على التحريم في الطول. قلت: وظاهر كلام ابن الحاجب أن اللخمي خرج الخلاف في الطول والقرب وليس كذلك. (وكل ما صدته بسهمك أو رمحك فكله): أما إن كان الصائد مسلمًا فالاتفاق على ذلك، وأما إن كان كتابيا فنص في المدونة على أنه لا يؤكل وروى ابن المواز عن مالك كراهته، وروى ابن حبيب عن ابن وهب إباحته، وقال أشهب واختاره اللخمي والباجي وابن يونس وغيرهم واحتج في المدونة على المنع بقوله تعالى: (يأيها الذين ءامنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم) [المائدة: ٩٤] فخص المؤمنين دون أهل الكتاب واعترض بأن الآية لم تخرج لبيان جنس الصائدين وإنما جاءت لبيان ابتلاء المحرم بالصيد الممنوع منه في حال إحرامه كما ابتلي اليهود بتحريم الصيد في السبت، واحتج غير واحد للإباحة بقوله تعالى: (وطعام الذين أوتوا الكتب حل لكم وطعامكم حل لهم) [المائدة: ٥] ومعلوم أن كل أمة تصيد وتأكل وبأن هذا نوع من الذكاة فتصح من الكتاب كالذبح والنحر. (فإن أدركت ذكائه فذكه، وإن فات بنفسه فكله إذا قتله سهمك ما لم يبت عنك، وقيل عن ذلك فيما بات عنك مما قتلته الجوارح وأما السهم يوجد في مقاتله فلا بأس بأكمله): ما ذكر من أنه يذكيه يريد وجوبًا إذا قدر على ذلك متفق عليه لأنه إنما جاز أكله بغير ذلك للضرورة، والمراد ما لم تنفذ الجوارح مقاتله فإن أنفذت ففي المدونة حسن أن يفري أوداجه، قال اللخمي: وكذلك الحلقوم إذا أفرى الجارح أوداجه، وعلل بعض الشيوخ مسألة المدونة بكونه أعلى درجات التذكية، قال ابن عبد السلام: وفيه

стр. 371

نظر لأن أعلى درجات التذكية إنما تطلب في حق من لم تحصل فيه الزكاة البتة فيطلب له أكمل الأنواع، وأما من حصل له نوع منها وهو كاف فزياده فري والأوداج في حقه تعذيب آخر إلا أن يمنع ذلك فيقال إن الإجهاز في حقه إراحة له من العذاب الذي هو فيه فله وجه. وقد اختلف المذهب في الحيوان الذي لا يؤكل إذا بلغ به المرض الإياس فأجاز ابن القاسم ذبحه راحة مما هو فيه، ومنعه بعضهم وبعضهم وافق ابن القاسم في الإراحة وخالفه في الذبح وقال تعقر عقرا لئلا يكون ذلك تشكيكا للعوام في إباحة أكلها إذا رأوها مذبوحة وما ذكر من أنه إذا فات بنفسه فإنه يؤكل صحيح إذا لم يتراخ في الطلب فإن تراخي لم يؤكل إلا أن يتحقق أنه لو جد في الطلب لوجده منفوذ المقاتل فإنه يؤكل وأحرى إذا مات برمية سهم، وأما الجارح فلا يتأتي هذا فيه. واعلم أنه يشترط أن يكون للجارح أثر ولو أدماه في أذنيه فإنه كاف، وأما الصدم والعض من غير تدمية فإنه يؤكل إذا مات به عند ابن وهب وأشهب نقل ذلك عنهما ابن شعبان، وقال في المدونة: ولو أخذته الجوارح فقتلته بالعض أو بغيره ولم تنيبه أو تدمه لم يؤكل، قال عياض ظاهر الكتاب أن نيبته ولم تدمه أكل وقال ثانية لا يصح تنبيه إلا بإدماء وإن قل وهو مقتضي قوله في الكتاب إن لم تنبيه لم يؤكل وهذا منه ﵀ تناقض ونبه عليه بعض شيوخنا. قال التونسي: ولو مات من الجري انبهارًا فإنه لا يؤكل ولم يذكروا فيه خلافًا وفيه نظر، فأشار إلى أنه يمكن تخريج الخلاف بالأكل من الطالب بسيفه رجلاً فيموت فإن يقتل به في قول، وذلك يدل على أن موته انبهار كالصدم قاله ابن عبد السلام وحكي صاحب الذخيرة جواز الأكل فيه، قال خليل: ولعله أراد إلزامًا من القول في الصدم والعض بالأكل، والقول الأول من قول الشيخ فيما إذا فات هو قول مالك في المدونة قائلاً، وتلك السنة قال ابن الحاجب: وعورض بنقل خلافه وانفراده، والقول الثاني هو قول ابن المواز وأصبغ، وقيل إنه يؤكل مطلقًا وإن رجع عن اتباعه رواه ابن القصار وصوبه بعض الشيوخ وقي بالفرق بين أن تنفذ مقاتله فيؤكل وإلا فلا قاله ابن الماجشون، وفي مدونة أشهب الكراهة وعزاها لمالك فحملها اللخمي على ظاهرها وردها غيره للتحريم كذا نقله ابن عبد السلام، والذي أعرفه لابن بشير أن ذلك محتمل لها وللكراهة فيحصل في المسألة خمسة أقوال. (ولا تؤكل الإنسية بما يؤكل به الصيد): ظاهر كلامه ولو ندت بقرا كانت أو غيرها وهو كذلك في البقر على المشهور

стр. 372

وفي غيرها على المنصوص، وقال ابن حبيب: تؤكل البقر إذا ندت بما يؤكل به الوحش لأن لها أصلا في التوحش ترجع إليه يعني لشبهها ببقر الوحش قال ابن عبد السلام: وفيه ضعف لأن مشابهة الصورة لا توجب شيئاً وإلا فيجب طرده في المعز إذا ندت وتوحشت لأن لها شبها بالظباء، وألزمه اللخمي أن يقول كذلك في الإبل والغنم من قوله إذا وقعت في مهواة ولم يوصل إلى نحرها ولا إلى ذبحها أنها تطعن حتى تموت وتؤكل والجامع العجز عن الوصول إلى تذكية كل واحد منها، وفرق المازري في المعلم بأن ما وقع في مهواة محقق التلف إذا تركه فلعل ابن حبيب إنما أباح في هذا النوع من التذكية صيانة للأموال، وأما البعير إذا ند فغير محقق ذلك فيه لاحتمال التحليل على تحصيله مع رجاء تأنيسه، وبهذا فرق ابن بشير. قال ابن عبد السلام: وفيه نظر لأن البعير إذا أقوى شبها بالوحش من الساقط في مهواة ورده بعض شيوخنا بأن العلة العجز عن تذكيته لا التوحش، ولذلك ولو حصل الوحش بحيث يقدر عليه صار كالمتأنس اتفاقًا، وفي المسألة فرق ثان وهو أن البقرة إذا ندت فقد رجعت إلى أصلها من التوحش كما ذكرناه فجاز قتلها بالصيد كالمتوحش إذا تأنس ثم توحش بخلاف الإبل والغنم فإنه لا أصل لهما في التوحش ونقل هذا الفرق ابن هارون. (والعقيقة سنة مستحبة):

стр. 373

يعني أنها سنة ضعيفة وقيل: أنها سنة مستحبة ولم يحك غير واحد كالمازري غيره، ونقل الشيخ أبو محمد عن رواية ابن حبيب أنها سنة واجبة وإن لم تكن واجبة فيستحب العمل بها وهو كقول الشيخ، قال الباجي ومقتضي قول مالك أنها من مال الأب لا من مال الولد، وظاهر قوله يعق عن اليتيم من ماله أنها لا تلزم قريبا غير الأب. وروى أبو محمد أنه لا يعق عبد عن ابنه ولا يضحي إلا بإذن ربه قال في المأذون من المدونة ولو كان مأذونا فإنه لا يعق إلا بإذنه. (ويعق عن المولود يوم سابعه بشاة مثل ما ذكرنا من سن الأضحية وصفتها): ما ذكر من أنه يعق عنه يوم سابعه هو كذلك باتفاق، واختلف إذا فات في اليوم

стр. 374

السابع من ولادته على أربعة أقوال: فقال مالك لا يعق عنه وهو ظاهر المدونة، وفي العتبية أنه يعق فيما قرب من السابع وروى ابن وهب أنه يعق في السابع الثاني فإن لم يفعل ففي الثالث. وفي مختصر الوقار إن فات الأول عق في الثاني، وإن فات فلا عقيقة له واختار اللخمي الأول قال لأن الذي ورد أن يعق عنه يوم سابعه ولم يرد حديث بغير ذلك ولو جاز أن يعق في غير الأسبوع الأول لعق في الخامس والسابع، وظاهر كلام الشيخ أنه لا يعق بالبقر والإبل وهو وقول مالك في العتبية وبه قال ابن المواز وابن شعبان، وقيل يعق بها كالغنم قاله مالك في كتاب ابن حبيب. قال ابن رشد في البيان وهو المشهور، ومثله لابن شاس واختاره اللخمي قائلاً: لأن كل هذه الأصناف مما يتقرب بها إلى الله تعالى، وما ذكر النبي ﷺ من الشاة تخفيف على أمته، وظاهر كلامه أيضًا أن الشاة تكفي سواء كان الولد ذكرا أو أنثى وهو كذلك. وقال أبو حنيفة والشافعي يعق عن الغلام بشاتين وعن الجارية بشاة ومال إليه ابن حبيب وقال قد ورد ذلك عن عائشة ﵂ وهو حسن لمن فعله ذكر ذلك الباجي. (ولا يحسب في السبعة الأيام اليوم الذي ولد فيه وتذبح ضحوة ولا يمس الصبي بشيء من دمها): ما ذكر هو نص المدونة في زكاة الفطر وهو أحد الأقوال الأربعة. وقيل يستحب ذلك اليوم مطلقًا نقله اللخمي عن عبد الملك وابنه عبد العزيز بن أبي سلمة واختاره ابن الماجشون، واختاره وقيل إن ولد في أول النهار من غدوة إلى نصف النهار أجزأه قاله مالك في ثمانية أبي زيد وقال أصبغ: أحب إلى أن يلغي فإن احتسب به ثم عد إلى مقداره من اليوم السابع أجزأة وقال ابن الحاجب: ولا يعد ما ولد فيه بعد الفجر على المشهور قال ابن عبد السلام: ظاهره أن القول الشاذ يحتسب بيوم الولادة مطلقًا سواء كانت أول النهار أو آخره، وهذا القول إنما يعرف لعبد العزيز وسلمه خليل، قلت ويجاب بأنه كما قلناه لعبد الملك وولده أيضًا وبه قال اللخمي، وذلك إنما نقله وعنهما قال هو حسن من وجهين، أحدهما أن الحديث ورد بذبحها في السابع مطلقًا، وهذا قد ذبح في السابع. والثاني إن ردها إلى الهدايا أو إلى من ردها إلى الضحايا لأن الضحايا إنما اتبع فيها صلاة الإمام في اليوم الأول، ولهذا أجزنا ذبحها في اليومين الأخيرين إذا طلع الفجر. وظاهر كلام غير واحد أنه إذا ولد قبل طلوع الفجر أنه يحتسب به اتفاقا وليس كذلك

стр. 375

بل نقل ابن رشد في البيان عن ابن الماجشون أنه لا يحتسب، إلا من غروب الشمس التي بعد الولادة سواء كانت الولادة ليلا أو نهارا وهو خلاف قول ابن الماجشون. (ويؤكل منها ويتصدق وتكسر عظامها وإن خلق شعر رأس المولود وتصدق بوزنه من ذهب أو فضة فذلك مستحب حسن): ما ذكر صحيح بلا خلاف من حيث الجملة، واختلف هل يكره أن تعلمها وليمة أم لا؟ فقيل إنه مكروه قاله مالك وابن القاسم خشية الفخر وقيل: إن ذلك جائز لأنه طعام سرور فأشبه الولائم، وهذا القول ذكره ابن بشير، وقبله ابن عبد السلام قائلاً: الذي أجازه هو ابن حبيب في ظاهر كلامه، وقال بعض شيوخنا لا: أعرف هذا القول لا قدم من ابن بشير قال وما ذكره ابن عبد السلام عن ابن حبيب يرد بأن نصه في النوادر حسن أن يوسع بغير شاة العقيقة لإكثار الطعام ودعاء الناس إليه، وروى أن ابن عمر ونافع بن جبير كانا يدعوان إلى طعام الولادة فظاهره أن الدعاء لطعام الولادة لا لطعام العقيقة وهما متغايران. (وإن خلق رأسه بخلوق بدلاً بخلوق بدلاً من الدم الذي كانت تفعله الجاهلية فلا بأس بذلك): أراد بالخلوق الطيب عمومًا، قال ابن عبد السلام: ولم يتعرض ابن الحاجب إلى استحباب تلطخ المولود بالزعفران، وقد ذكره الشيخ أبو محمد في الرسالة وذكره غير واحد، قلت ما نسبه للرسالة لا أعرفه نصا فيها إلا دخوله في العموم، وسمع ابن القاسم يسمي الولد يوم سابعه. قال ابن رشد لحديث يذبح عنه يوم سابعه ويخلق ويسمي والمشهور أن السقط لا يسمى خلافًا لابن حبيب. وقال بعض شيوخنا: ومقتضي القواعد وجوب التسمية، قال عياض وذهب فقهاء الأمصار إلى جواز التشمية والتكنية بأبي القاسم، والنهي عنه منسوخ، قلت: ودخل الشيخ الفقية القاضي أبو القاسم بن زيتون على سلطان بلده أمير إفريقية المستنصر بالله أبي عبد الله ابن الأمير أبي زكريا فقال له لم تسميت بأبي القاسم مع صحة الحديث تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي، فقال " إنما تسميت بكنية بأبي القاسم" ﷺ ، ولم أتكن بها واستحسن هذا الجواب أهل عصره، وقال بعض شيوخنا لو حضر له طالب لقال له هذا لا ينجيك لأن موجب الاشتراك حاصل لأن أبا القاسم مشترك بين الكنية والاسم. (والختان سنة في الذكور واجبة): يريد أن حكمها السنة بتأكيد كما صرح به ابن يونس وروى ابن حبيب هو من

стр. 376

الفطرة لا تجوز إمامة تاركه اختيارًا ولا شهادته، قال الباجي لأنها تبطل بترك المروءة، ولو أسلم شيخ كبير يخاف على نفسه إن هو اختتن فقيل إنه يتركه قال ابن عبد الحكم: وقيل يلزمه أن يختتن قاله سحنون قائلاً: رأيت لو وجب قطع يده في سرقة أيترك للخوف على نفسه؟ وهذان القولان حكاهما ابن عبد البر ولم يحك الباجي غير قول سحنون دون هذه المقالة قائلاً مقتضاه بتأكد وجوبه. قلت: واستشكل بعض شيوخنا قطعة للسرقة مع الخوف على نفسه قائلاً إذا سقط قصاص المأمومة للخوف فأحرى القطع لحديث: " ادرءوا الحدود بالشبهات" ويكون كمن سرق ولايد له يؤدب بما يليق، ويطلق قال أبو عمر بن عبد البر، ولو ولد مختونا فقالت فرقة يجرى عليه الموس فإن كان فيه ما يقطع قطع وأباه آخرون. قلت: وأجرى ذلك بعض شيوخنا على الأقرع في الحج ويكره أن يختن يوم ولادته أو سابعه لفعل اليهود إلا لعلة يخاف على الصبي فلا بأس ويستحب من سبع سنين إلى عشر وكل هذا رواه ابن حبيب عن مالك وروى اللخمي يختن يوم يطيقه، وقال الباجي اختار مالك وقت الإثغار وقيل عنه من سبع سنين إلى عشرة فيتحصل في ذلك ثلاثة أقوال. (والخفاض في النساء مكرمة): ما ذكره هو خلاف رواية الباجي وغيره الخفاض كالختان قال الفاكهاني ﵀: هل يختتن الخنثي المشكل أم لا؟ وإذا قلنا يختتن ففي أي الفرجين أو فيهما جميعا لم أر لأصحابنا في ذلك نقلا، واختلف أصحاب الشافعي فقيل يجب ختانه في فرجيه بعد البلوغ وقيل لا يجوز حتى يتبين وهو الأظهر عندهم، قلت: الحق أنه لا يختتن لما علمت من قاعدة تغليب الحظر على الإباحة ومسائله تدل على ذلك، قال ابن حبيب لا ينكح الخنثي ولا ينكح في بعض التعاليق ولا يحج إلا مع ذي محرم لا مع جماعة رجال فقط ولا مع نساء فقط إلى غير ذلك من مسائله. ثم الجزء الأول من شرح الرسالة لسيدي ابن ناجي ويليه الجزء الثاني أوله باب الجهاد

стр. 377

باب في الجهاد قال ابن هارون: الجهاد قتال العدو لإعلاء كلمة الإسلام واعترضه بعض شيوخنا بأنه غير جامع لأنه يبقى عليه صورتان: إحداهما: إذا مات من خرج للجهاد عند حضوره للقتال ولم يقاتل. الثانية: إذا مات وهو في أرض الكفر قبل أن يحضر القتال فإنه يكون مجاهدا بإجماع في المسألتين معا. وقال ابن عبد السلام: وهو إتعاب النفس في مقاتلة العدو واعترضه بما تقدم وبكونه غير مانع لدخول قتاله لإعلاء كلمة الله تعالى وحده بأن قال قتال مسلم كافر غير ذي عهد لإعلاء كلمة الله أو حضوره له أو دخول أرضه له، فيخرج قتال الذمي المحارب لأنه غير نقض على المشهور. قلت: واعترض بعض شيوخنا بهاتين الصورتين إن عني بذلك أنه مجاهد بالنسبة إلى الغنيمة، فقد علمت اشتهار المذهب في ذلك، يعني إذا مات قبل أن يشرف على الغنيمة فالاتفاق فضلا عن الإجماع، وإن أراد فيما يرجع إلى الثواب فيلزم أن يكون حده غير جامع لقول المدونة جهاد المحاربين جهاد. وقد قال ابن شعبان: إن قتالهم أفضل من قتال الكفار وصوب والمشهور ليس هو أفضل. (والجهاد فريضة يحمله بعض الناس عن بعض): ما ذكر من أن حكمه الفرضية على الكفاية هو كذلك بإجماع نص عليه ابن العطار وابن رشد في المقدمات، وانتقد ابن عبد السلام قول ابن الحاجب الجهاد واجب على الكفاية بإجماع بأن ابن المسيب وابن شبرمة وغيرهما قالوا إنه فرض عين، وحكي عن سحنون أنه سنة وليس بفرض وقال طاوس السعي على الأخوات أفضل منه غير أن هذه الأقوال لا يبعد تأويلها وردها إلى ما نص عليه الجمهور قال فكان حقه أن يقول الجهاد فرض على الكفاية عند الجمهور وقال خليل ما حكاه عن ابن المسيب حكاه المازري كذلك والذي حكاه اللخمي عن ابن شبرمة أنه ليس بفرض والذي لسحنون في كتاب ابنه كان الجهاد فرضا في أول الإسلام وليس اليوم بفرض إلا أن يرى الإمام أن يغزي طائفة فيجب أن يطيعوه ويكون جهازهم من بيت المال، وإذا تأملته لا تجده يدل على السنة لأن قوله وليس اليوم بفرض يريد بذلك فرض عين وهو الظاهر لأنه كان في أول الإسلام كذلك، واختلف المذهب هل تطوع الجهاد أفضل أو تطوع الحج أفضل؟ فقيل بذلك قاله مالك في رواية ابن وهب.

стр. 378

وقال ابن القاسم من سماع عيسي: الحج أحب إلى من الغزو إلا في الخوف ومن الصدقة إلا في مجاعة، قال ابن عبد البر في الكافي فرض على الإمام إغزاء طائفة للعدو في كل سنة يخرج إما هو أو من ينوبه وفرض على الناس في أموالهم وأنفسهم الخروج المذكور لا خروجهم كافة والنافلة منه إخراج طائفة بعد أخرى. (وأحب إلينا ألا يقاتل العدو حتى يدعى إلى دين الله إلا أن يعاجلونا فإما أن يسلموا أو يؤدوا الجزية وإلا قوتلوا): واختلف في الدعوة هل هي واجبة أم لا على أربعة أقوال: فقيل: إنها واجبة مطلقًا وهو معنى قول مالك في المدونة لا يقاتل المشركون حتى يدعوا: وقيل: إنها غير واجبة قاله مالك في غير المدونة. وقيل: أما من قربت داره فلا تجب ومن بعدت فتجب وهو معني قول مالك في المدونة في القول الثاني عنه فالدعوة فيمن بعدت داره أقطع للشك. وقيل: تجب في الجيش الكثير الآمن وجعل بعض من لقيناه قول الشيخ، وأحب إلينا قولاً خامسًا، والأقرب عندي أنه يرجع إلى القول الثاني لأن قائله إنما نفي الوجوب فقط فيريد ويستحب ذلك للخلاف. وفي المدونة: وأما القبط فلا يقاتلون ولا ينتهبون حتى يدعوا بخلاف الروم فقيل لأنهم لا يفقهون ما يدعون إليه، وأنكر بعضهم هذا وقال إنهم من أحذق الناس في الأعمال والحساب وغير ذلك إنما العلة كونهم ركبوا الظلمة في عهد كان لهم، وهذان ذكرهما عبد الحق في تهذيبه وعن ابن محرز الأول للمذاكرين والثاني لابن شبلون، وقيل لشرفهم بسبب مارية وهاجر لقوله ﷺ " استوصوا بالقبط خيرا فإن لهم نسبًا وصهرا" وهذا القول نقلة القرافي واستشكل بعض شيوخنا القول الأول بأن تعليل وجوب دعوتهم بعدم فهمهم إياها متناف والخلاف المذكور في وجوب الدعوة هو ما لم يعاجلونا فإن عاجلونا قوتلوا فورا اتفاقاً، وأما قول الشيخ فإما أن يسلموا أو يؤدوا الجزية لأنهم يخيرون فيها فيعني أنه يطلب منهم أولا الإسلام فإن أبوا طلبت منهم الجزية لأنهم يخيرون فيها مرة واحدة وهو معنى قول مالك في أواخر الجهاد من المدونة إذا دعوا إلى الإيمان فلم يجيبوا دعوا إلى إعطاء الجزية، ولما قرر ابن عبد السلام

стр. 379

المذهب بهذا اعترض قول ابن الحاجب وهو أن يدعوا إلى الإسلام أو الجزية وظاهره أنهم يخيرون في الأمرين معًا قائلاً وليس كذلك. (والفرار من العدو من الكبائر إذا كانوا مثلي عدد المسلمين فأقل وإن كانوا أكثر من ذلك فلا بأس بذلك): ما ذكر أنه من الكبائر صحيح بل ذكر أنه من الموبقات قال سحنون لا يحل للناس فرار وإن فر أمامهم من مثلي عدتهم، ومن فر في الزحف من المسلمين لم تقبل شهادته إلا أن يتوب وتظهر توبته. قلت: قال بعض شيوخنا يريد بثباته في زحف آخر والأظهر أنه إنما أراد أن توبته تظهر عند الناس بكثرة قدومه على ذلك احترازًا من مجرد دعواه ذلك فإنه لا يقبل منه، وظاهر كلام الشيخ أنه لا يشترط التساوي في السلاح. قلت: وهو المعروف في المذهب، وقيل بشرطية ذلك قاله ابن الماجشون، ورواه عن مالك واختاره ابن حبيب. قال اللخمي: ولا أعلمهم اختلفوا أنه متى جهل منزلة بعضهم من بعض في القوة أنهم مخاطبون بالعدد فقط. قال ابن عبد السلام: يريد أن هذا الاتفاق مما يقوي القول الأول لأنه إذا حمل اللفظ في هذا الصورة على الحقيقة وجب حمله في سائر الصور على ذلك إلا بدليل ولا دليل، وظاهر كلام الشيخ أن الفرار جائز مع الشرط الذي ذكره وإن كان جيش المسلمين اثني عشر ألفا وهو كذلك نقله في النوادر عن سحنون منكرا قول العراقيين يعلم الجواز حينئذ، وعزي ابن رشد قول العراقيين لأهل العلم وارتضاه قال وهو دليل قول مالك في الذي شكي إليه بعض الأمراء فقال له إن كان معك اثنا عشر ألفا فجاهدهم ولم يذكر قول سحنون بحال. (ويقاتل العدو مع كل بر وفاجر من الولاة) ما ذكر الشيخ هو قول مالك الذي

стр. 380

رجع إليه وكان يقول لا يجب الجهاد مع ولاة الجور والقول الأول في المدونة واعتذر له بأنه لو ترك مثل هذا لكان ضررا على الإسلام يعني أن الغزو معهم على هذه الحالة إعانه لهم على الجور، وفي ترك الغزو خذلان الإسلام، وسبب استيلاء العدو عليه، ولا يشك في عظم هذه المفسدة بالنسبة إلى المفسدة الأولى قال في المدونة ولا يستعان بالمشركين في القتال إلا أن يكونوا نواتية أو خدامًا قال عياض، وذهب بعض أئمتنا إلى جواز الاستعانة بهم وحمل النهي عن ذلك في وقت خاص، وعلى الأول فقال ابن حبيب يستعملون في رمي المجانيق وكره بعض أهل المذهب رميهم بها وأما إعارة السلاح منهم فلا بأس بذلك اتفاقًا. قلت: وسمعت بعض من لقيته يحكي غير ما مرة أن الشيخ الصالح أبا على القروي غزا مع أبي يحي اللحياني سلطان إفريقية فاجتاز يومًا عليه وهو عند باب السويقة والنصاري يلحقون به، فجعل الشيخ يقول يا فقيه يا أبا يحيى والناس لا يعرفون من هو مراده فلما سمعه السلطان وقف فقال نعم يا سيدي ما تريد، قال إن الله تعالى أمر أن لا تستعينوا بمشرك فقال نعم يا سيدي وانصرف برفق، واختلف إذا خرج الكفار من تلقاء أنفسهم فظاهر ما في سماع يحيى أنهم لا يمنعون وقال أصبغ يمنعون أشد المنع وكلاهما حكاه ابن رشد. (ولا يقتل أحد بعد أمان ولا يخفر لهم بعهد): ظاهره سواء كان الأمان من الأمير أو من غيره، وهو كذلك باتفاق في الأمير وغيره على المشهور، وقيل إن أمانه موقوف على نظر الإمام وهذا القول ذكره الشيخ وهو قول ابن الماجشون، وعلى الأول فهل يصح تأمينهم بعد الفتح كتأمينهم قبله؟ في ذلك قولان، واختلف هل يقبل قول المؤمن إذا قال أمنت هذا بغير بينة فقيل يقبل قاله ابن القاسم وأصبغ وعكسه قال سحنون وعلى الثاني فاختلف قول سحنون إذا شهد رجل واحد لمن أمنه. (ولا يقتل النساء والصبيان): يريد بعد أسرهم وهو المشهور من المذهب مطلقًا وهو أحد الأقوال الثلاثة وقيل تقتل إن قالت قاله ابن القاسم وقد خرج في الصبي، وقيل إن قتلت أحد أجاز قتلها وإلا فلا قاله ابن حبيب، واختلف في قتل الرجل الزمن العاجز عن القتال المجهول

стр. 381

بكونه ذا رأي على ثلاثة أقوال: فقيل وقيل لا والقول بعدم القتل لابن حبيب وغيره والقول بالقتل لسحنون، وقي إن كان في جيش فإنه يقتل وقيل في مستوطن فلا قاله بعضهم. ومثل الزمن الشيخ الفاني. (ويجتنب قتل الرهبان والأحبار إلا أن يقاتلوا): ما ذكره هو المشهور ونقل ابن حارث عن مالك أنهم يقتلون ووجه الأول كما قال ابن حبيب لاعتزالهم عن محاربة المسلمين لا لفعل ثبت لهم بل هم أبعد عن الله من أهل دينهم لشدتهم في كفرهم، وإن وجد الراهب منهزما مع العدو وقد نزل من صومعته، وقال إنما هربت خوفا منكم لم يتعرض له قاله سحنون، قال ابن نافع قيل لمالك في السرية تمر براهب فيخافون أن يدل عليهم فيأخذونه معهم فإذا أمنوا أرسلوه قال ما سمعت أنه ينزل من صومعته، واختلف في المرأة الراهبة فقيل كالرجل قاله في سماع أشهب وابن نافع، وقيل هو لغو منها قاله سحنون. واعلم أن ما ادعاه الراهب مما هو قدر كفايته ترك له وأما ما كثر فإن جهل صدق دعواه وأخذ الزائد منه على قدر كفايته، واختلف إذا علم صدقه فقيل يترك له أجمع وقيل بل يترك له منه قدر ما يستر به عورته ويعيش به الأيام خاصة نقله ابن رشد في البيان، قال ابن عبد السلام: ويترك للشيخ الكبير إذا لم نقتله ما يترك الراهب. (وكذلك المرأة تقتل إن قاتلت): ما ذكر من أنها تقتل إذا قاتلت يريد في حالة القتل هو المعروف لأنا لو لم نفعل ذلك لأدى إلى قتلنا مع القدرة على المدافعة وذلك لا يجوز، وحكي ابن الحاجب قولا إنها لا تقتل كما لا تقتل بعده قال ابن عبد السلام: ولا أعرفه لغيره، ومثله لابن هارون وخليل واختلف في قتالها بالحجارة هل يتنزل منزلة قتالها بالسيف أم لا؟ في ذلك قولان حكاهما ابن الحاجب، وأما صياح المرأة واستغاثتها وحراستها فكالعدم عندنا خلافًا للأوزاعي في الحراسة. وقتال الصبي غير المطيق له لغو وإنما هو ولع قاله ابن سحنون. واعلم أن من قتل من لا يقتل بدار الحرب فإن كان قبل صيرورته مغنما استعفر الله تعالى وإن كان بعد صيروته في المغنم فإنه يعطي قيمته للمغنم قاله سحنون. (ويجوز أمان أدنى المسلمين على بقيتهم): ظاهر كلامه أن العبد تأمينه معتبر وهو نص المدونة وأحد الأقوال الخمسة وقيل عكسه حكاه أبو الفرج عن مالك، وقيل إما أن يوفي بتأمينه وإما أن يرد إلى أمانه قاله سحنون وابن حبيب، وعن سحنون أيضًا إن أذن له سيده في القتال جاز تأمينه وإلا

стр. 382

فلا، وقيل إن قاتل اختبر تأمينه وإلا فلا، وظاهر كلام الشيخ أن تأمين الذمي يرد عليه وهو الذي عليه الأكثر لأن مخالفته في الدين تحمله على سوء النظر للمسلمين وإذا اتهم المسلم على ذلك في بعض الأحوال فكالكافر بل هو أولى بذلك، وحكى ابن الحاجب قولاً بأن أمانه معتبر وقبله ابن هارون قائلاً لأن له ذمة فكان تابعًا للمسلمين وانتقده ابن عبد السلام بأن قصارى ما يوجد لهم التنصيص، بأن المسألة مختلف فيها فمن يراه معتبراً لا يراه لازما مطلقًا بل يجعل الإمام مخير فيه بين أن يمضيه أو يرده إلى ما منه، وقال بعض شيوخنا أنه قول ثابت في المذهب لاشك فيه. قال الشيخ أبو إسحاق التونسي في آثار المدونة جائز قال ابن يونس عقب هذا الأثر قال سحنون هكذا يقول أصحابنا وهذا كالنص في أنه المذهب وأن سحنون قائل به، وفي النوادر وظاهره من كتاب ابن سحنون ما نصه: أجاز ابن القاسم أمان العبد بالأولى من الذمي، وقال المازري: وابن بشير: المشهور لغو أمانه والشاذ اعتباره وعلى الأول لو قال المؤمن ظننته مسلمًا ففي قبول عذره قولان لابن القاسم حكاهما اللخمي. (وكذلك المرأة والصبي إذا عقل الأمان): ما ذكر هو نص المدونة وما ذكر أن أمانها لغو قيل إما أن يوفي بتأمينها وإما أن يرد إلى مأمنه وعزو هذين القولين لمن سبق ذكره في الصبي قول رابع إن أجاز الإمام تأمينه جاز وإلا فلا. (وقيل إن أجاز ذلك الإمام) ما ذكر من أن المرأة والصبي المميز والعبد معتبر هو نص المدونة لحديث: "يجير على المسلمين أدناهم" قال بأثره قال غيره لم يجعله ﷺ وشرف وكرم ومجد وعظم لازما للإمام بل ينظر فيه بالإجتهاد وعزاه الشيخ في نوادره لابن الماجشون، وسحنون وكذلك أبو عمر بن بعد البر وهو شاذ لم يقله أحد من أئمة الفتوي، وقال ابن يونس جعل أصحابنا قول الغير وفاقا لابن القاسم وجعله القاضي عبد الوهاب خلافًا، قال ابن العربي هذا الخلاف إنما هو حيث يكون جيش فيه الإمام فإن غاب الإمام عن موضع الأمان نفذ الأمان، ونقل ابن عبد السلام عن بعض الشيوخ أن معني حمل قول الغير على الخلاف، أن قول ابن القاسم يقول الإمام مخير في إمضائه ورده إلى مأمنه والغير يقول بإمضائه وجعلها فيئا. (وما غنم المسلمون بإيجاف فليأخذ الإمام خمسه ويقسم الأربعة أخماس بين أهل الجيش): ظاهر كلام الشيخ وإن كان الغانمون عبيد فإنه يخمس ما أخذوه وهو كذلك

стр. 383

عند ابن القاسم، وقال أصبغ وسحنون لا يخمس وأجراهما ابن رشد على الخلاف هل يدخلون في خطاب قوله تعالى (واعلموا أنما عنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول) [الأنفال:٤١] الآية كالأحرار أم لا؟ قال اللخمي ويختلف تخميس ما انفرد به النساء والصبيان لغنيمة قتالهم، ومذهبنا أن الخمس مصروف إلى نظر الإمام فإن شاء أوقفه لنوائب المسلمين وإن شاء قسمه وقال ابن عبد الحكم: لا يوقف، وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ وإذا قسمه فإن شاء دفعه كله لآل النبي ﷺ وشرف وكرم ومجد أو لغيرهم أو جعل بعضه فيهم وبقيته في غيرهم وللشافعي وغيره خلاف هذا فلا تشاغل بذكره. وفي المدونة ويبدأ بالذين فيهم المال فإن كان غيرهم أشد حاجة نقل إليهم أكثر فرأى ابن الحاجب أن ظاهره يقوي لزوم تبدئة بعض الناس على بعض فينسب إلى المسألة للمدونة فقال فيها ويبدأ بالذين فيهم المال إلى آخره بعد أن ذكر خمسها كالفيء، ورده ابن عبد السلام فإنك إذا تأملته تجده عين الاجتهاد لأن المصلحة صرف كل مال في مصالح الذي جيئ فيهم ما لم يعارض بقوة المصلحة ما هو أرجح منها، وذلك لشدة حاجة غيرهم فيصرف الأكثر إلى غيرهم. (وقسم ذلك ببلد الحرب أولى وإنما بخمس ويقسم ما أوجف عليه بالخيل والركاب ما غنم بقتال): ظاهر كلام الشيخ: أن الغنيمة تقسم بذاتها ولا تباع وذلك إذا أمكن، وقال سحنون تقسم الأثمان إن وجد من يشتري وإلا قسمت وهو ظاهر المدونة في قولها، والشأن قسم الغنائم ببلد الحرب وهم أولى برخصها قال ابن المواز ذلك بحسب نظر الإمام وما ذكرناه من قول سحنون وابن المواز هو عن الباجي، وأما السرية إذا خرجت من المعسكر وغنمت فليس لها أن تقسم حتى تصل إلى العسكر قاله سائر أصحابنا إلا ابن الماجشون فإنه قال: إلا أن يخشى من ذلك في السرية مضرة من تضييع طرح أثقال وقلة طاعة والى السرية فتباع الغنيمة ويمضي البيع على من غاب من الجيش، وهكذا نقل أبو محمد واللخمي والباجي، وقال بعض شيوخنا إذا كان الأمر كما قال عبد الملك فلا أظنه يخالفه فيه غيره وحيث يبيع الإمام فليبيع بالنقد إلا من ضرورة. وقال ابن حبيب: وبيع الإمام بيع براءة ومن قام قبل القسم وافتراق الجيش فلا بأس أن يقبله الإمام وبيعه بالبيان قال أبو محمد وهذا استحسان غير لازم للإمام لأنه عند أصحابنا بيع براءة.

стр. 384

(ولا بأس أن يؤكل من الغنيمة قبل أن يقسم الطعام والعلف لمن احتاج إلى ذلك): اعلم أنه في المدونة عبر بلا بأس كعبارة الشيخ وزاد فيها بلا إذن الإمام وهي ههنا والله أعلم كصريح الإباحة على ظاهر كلام أهل المذهب وهو الظاهر من فعل السلف الصالح، وفي الصحيح عن عبد الله بن عمر قال: كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه، ولا يبعد أن يقال هي هنا لما غيره خير منه لقول ابن شاس لا يؤخذ الطعام إلا بإذن الإمام واختلف المذهب في أخذ الأنعام الحية في الذبح، ففي المدونة وغيرها جواز ذلك وقيل: إنه لا يجوز ذكره ابن بشير قال ابن عبد السلام: ولا أعرفه الآن لمن ينسبه من أهل المذهب وهو المذهب الشافعي ونحوه قول خليل لا أعرفه معزوا، واختلف في أخذ السلاح بنية الرد للقسم فقيل: ذلك جائز قاله ابن القاسم وقيل: يمنع ذلك قاله مالك من رواية على عن ابن وهب والقولان معًا في المدونة قال ابن رشد وهذا الخلاف يرتفع في جواز الانتفاع بالخيل والسلاح في معمعة الحرب. قال في المدونة محتجا لرواية المنع: ولو جاز ذلك لجاز أن تؤخذ العين ويشترى بها قال ابن عبد السلام: فأشار بعض الشيوخ إلى التزام ذلك إذا دعت الضرورة إليه إذ لا فرق بين أخذ هذه الأشياء عند الضرورة إليها ولا بين أخذ ما يشتريها به ومنهم من

стр. 385

رأى أن الشراء زيادة تصرف على ما أن فيه إذ لا يلزم من جواز التصرف في شيء ما على وجه أن يجوز على سائل الوجوه. قلت: الأول: هو قول التونسي، والثاني: قول عبد الحق في النكت، واختلف هل يجوز بدل القمح بالشعير متفاضلا بين أهل الجيش أم لا، فقال سحنون ذلك جائز ومنعه ابن أبي نعيم ولو كان أحدهما من غير أهل الجيش منع وفاقا. (وإنما يسهم لمن حضر القتال أو تخلف عن القتال في شغل المسلمين من أمر جهادهم): لا خلاف في المذهب أن من مات بعد الغنيمة وقبل قسمها أن سهمه لورثته وما يوجد من الخلاف هل تملك الغنيمة بنفس أخذها، أو بالقسمة على الغانمين ليس بعام في سائر الصور، وإنما مرادهم به إدخال من لحق الجيش قبل القسمة أو أسلم، وأعتق أو بلغ وما أشبه ذلك لا مطلقًا. واختلف فيما غنم بقرب موته هل يسهم لورثته فيه أم لا؟ وظاهر كلام الشيخ أن من مات قبل أن يحضر القتال فإنه لا يسهم له وهو قول سحنون، وروى ابن المواز نحوه عن مالك وروى ابن حبيب عن أصحاب مالك أن مشاهدة القرية أو الحصن أو العسكر كالقتال، وقال ابن الماجشون بمجرد الإدراب يحصل السهم إلى قفول الجيش ولو مات قبل لقاء العدو. (ويسهم للمريض وللفرس الرهيص): اعلم أن المريض على وجهين تارة يمرض بعد أن يشهد الوقيعة ويشرف على الغنيمة فهذا لا خلاف أنه يسهم له وتارة على خلاف ذلك، ويتحصل فيه أربعة أقوال: أحدها: أنه يسهم له ولو خرج من بلد الإسلام مريضا قال اللخمي، وهذا إذا كان له رأي صائب وإلا لم يسهم له لأنه لم ينتفع به وقيل: لا يسهم له وقيل: إن مرض في أول القتال أسهم له وإن مرض قبل ذلك لم يسهم له، وقيل: إن مرض بعد دخول أرض العدو أسهم له. قال اللخمي: واختلف هل يسهم للأعمى أم لا؟ فقال سحنون: يسهم له، لأنه يبري النبل، ويكثر الجيش والصواب أنه لايسهم له وإن كان يبري السهم فهو من الخدمة قال سحنون: ويسهم لأقطع اليدين ولأقطع اليسرى وللأعرج والمقعد والصواب أنه لا يسهم لأقطع اليدين، ويسهم لأقطع اليسرى وللأعرج إن حضر القتال ما لم يحين على حضوره لعرجه إلا أن يقاتل فارسا، ويسهم للمقعد إن كان فارسا يقدر على الكر والفر وإلا فلا، وما ذكر الشيخ أنه يسهم للفرس الرهيص هو نص

стр. 386

المدونة، وقيل: إنه لا يسهم له رواه ابن نافع وهذا القول حكاه ابن حارث وعزى الأول لأشهب وسحنون، وكذلك ذكر الباجي في الفرس المريض قولين منصوصين وعزى الأولى بالإسهام له لمالك وعكسه لأشهب وابن نافع. (ويسهم للفرس سهمان وسهم لراكبه): ما ذكر أنه يسهم للرجل سهم واحد لا أعلم فيه خلافًا وما ذكر أنه يسهم للفرس سهمان هو كذلك باتفاق في نقل ابن رشد وقيل: إن يسهم لها سم واحد ذكره ابن العربي قال في عارضته حديث ابن عمر يرد على أبي حنيفة، ومن اغتر من علمائنا فقال: لا تفضل البهيمة على الآدمي، وقال في القبس يسهم لكل فرس سهم واحد عند أكثر العلماء، وقيل: سهمان والأول أصح. وقال ابن عبد السلام: القول بسهم واحد للفرس عزاه بعض المؤلفين لابن وهب واختلف هل يسهم للفرس الثاني أم لا، والمشهور أنه لا يسهم له وقيل: إنه يسهم له قاله ابن وهب وابن حبيب وابن الجهم ولا خلاف أن الثالث لا يسهم له، وظاهر كلام الشيخ أن الخيل إذا كانت في السفن يسهم لها وهو نص المدونة، وقال اللخمي: القياس عدم الإسهام لها لأنها لم تعد للبحر ولم تبلغ محل قتالها، والحمير والبغال والبعير راكبها كراجل قال ابن العربي وكذلك الفيل. واختلف في البراذين على ثلاثة أقوال: ففي الموطأ هي كالخيل وقال ابن حبيب أن أشبهتها في الكر والفر فهي كهي وإلا فلا، وفي المدونة هي كالخيل إن أجازها الإمام، وما ذكرناه أن الأقوال ثلاثة صرح به بعض شيوخنا والأقرب عندي أنها ترجع لقول ابن حبيب والله أعلم، ولذلك لم يذكر ابن بشير غيره، والبراذين هي الخيل والعظام قال ابن حبيب، وفي الموطأ: هجين الخيل منها قال ابن حبيب وهو ما أبوه عربي وأمه من البراذين. (ولا يسهم لعبد ولا امرأة ولا لصبي إن الصبي الذي لم يحتلم القتال ويجيزه الإمام ويقاتل فيسهم له): ما ذكر أنه لا يسهم لعبد هو المعروف وقيل إنه يسهم له وقيل إن كان الجيش بحيث لو انفرد عن العبيد لم يقدر على الغنيمة أسهم لهم وإلا فلا، وهذه الأقوال الثلاثة حكاها ابن بشير نصًا، وهي منصوصة في الذمي، أيضًا حكاهما المازري قائلاً: وأشار بعض الشيوخ إلى تخريجها في العبد وما ذكره في المرأة هو كذلك عن ابن رشد باتفاق وقال الباجي هو قول جمهور أصحابنا. وقال ابن حبيب: إن قاتلت قتال الرجال أسهم لها وإلا فلا، ونقله عنه أيضًا أبو

стр. 387

محمد واللخمي وصوبه واختار أن يسهم لها إن كانت ذات شدة ونصب للحرب ولو لم تقاتل، واختلف في مقدار ما يسهم للخنثى فقيل ربع سهم وقيل نصف سهم قاله ابن عبد الحكم نقله الشعبي عن بعض أهل العلم، واختلف في الإسهام للصبي على أربعة أقوال: فقيل لا يسهم له وإن قاتل قاله في المدونة وقيل: يسهم له إن راهق وبلغ مبلغ القتال رواه محمد وقيل: إن قاتل أسهم له وإلا فلا قاله محمد وقيل: إن أنبت وبلغ خمس عشرة سنة أسهم له ولو لم يقاتل قاله ابن حبيب، ولما ذكر اللخمي هذه الأقوال الأربعة قال وأرى أن يسهم له إن قوي على القتال وحضر الصف وأخذ أهبة الحرب وإن لم يقاتل قلت: وقول الشيخ سادس فتأمله. (ولا يسهم للأجير إلا أن يقاتل): ما ذكره هو نص المدونة قال فيها: إذا قاتل الأجير أسهم له وإلا فلا قال المازري: وهو أحد الأقوال الثلاثة وقال محمد: يسهم له إن حضر القتال، وقيل: لا يسهم لا واختلف في التاجر على ثلاثة أقوال: يسهم له إن شهد القتال وقيل: إن قاتل: وقال ابن القصار إن خرج للجهاد وائتجر أسهم له وإن لم يحضر القتال، وإلا فلا إن يشهد القتال. (ومن أسهم من العدو على شيء في يديه من أموال المسلمين فهو له حلال): ما ذكر الشيخ أنه يطيب له ما أسلم عليه من أموال المسلمين هو له حلال صحيح ويدخل في كلامه الرقيق وهو كذلك، وقال الشافعي يردها إلى أربابها وهو ضعيف لأنه يؤدي إلى سد الباب مع شبهتهم في الملك، وظاهر كلام الشيخ ولو أسلم على أحرار المسلمين أنهم ينزعون من يده وهو المشهور، وقال ابن شعبان في زاهيه يطيب لهم تملكهم هكذا نقل ابن بشير عنه، واعترضه بعض شيوخنا بأنه لم يجده في الزاهي ولا حكاه المازري ولا التونسي وعزى ابن عبد السلام قول ابن شعبان له ولأحمد بن خالد، وقال بعض شيوخي قول ابن شعبان هو ظاهر عموم قوله ﷺ " من أسلم على شيء في يديه فهو له" إلا أنه يصح أن يحمل على أن المراد ما يصح تملكه بدليل أنه لو أسهم على خنزير أو خمر لما كان له، وعلى الأول فظاهر الروايات أنه يؤخذ منه مجانا بغير عوض قال أبو إبراهيم الأندلسي: أنه يعوض واختلف إذا أسلم على ذمي في يديه فقال ابن القاسم يبقي رقا وقال أشهب: هو كأحرار المسلمين ولو أسلم على أم ولد مسلم فإنها تفدي من مال ربها فإن لم يكن له مال اتبع بذلك. (ومن اشتري شيئًا منها من العدو لم يأخذه ربه إلا بالثمن)

стр. 388

لا شك أن الأمر كما قال وهو يجوز شراؤها ابتداء أم لا؟ فقيل: إن ذلك مكروه قاله ابن عبد القاسم في المدونة وقيل: إنه مستحب قاله ابن المواز واختاره القاضي إسماعيل وضعف بأن فيه إغراء للحربيين بأخذ أموال المسلمين ورجح بعض الشيوخ الأول قائلاً لاسيما إذا انضم لذلك. رخص في المبيع كما هو الغالب فيكون تحصيل ذلك إلى أربابها أولى من بقائه بيد الكفار ومن عاوض في دار الحرب على مال مسلم أو ذمي فلمالكه أخذه بالثمن اتفاقًا قاله ابن بشير، فإن كانت معاوضة بمكيل أو موزون فلربه أن يأخذه بمثل ذلك في دار الحرب إن كان الوصول إليها ممكنا كمن أسلف ذلك فليس له إلا مثله بموضع السلف إلا أن يتراضيا على ما يجوز وإن لم يكن الوصول إليها ممكنا كمن سلف ذلك فليس له إلا مثله بموضع السلف إلا أن يتراضيا على ما يجوز وإن لم يكن الوصول إليها ممكنا فعليه ههنا قيمة ذلك بدار الحرب، واختلف المذهب فيما فدى من أيدي اللصوص هل يأخذه ربه مجانا أو لا؟ فقيل يأخذه مجانا، وقيل بل بالثمن الذي فداه به. قال ابن عبد السلام: وهو الذي كان يميل إليه بعض من يرضي من شيوخنا لكثرة النهب في بلادنا فيعمد بعض من له وجاهة عند الأعراب أو من يعتقدون فيه إجابة الدعوة إليهم فيفتك من أيديهم بعض ما ينتهبون بأقل من قيمته فلو أخذه مالكه من يده من فداه بغير شيء كان سدا لهذا الباب مع شدة حاجة الناس إليه، قلت: وبه كان شيخنا أبو محمد الشبيبي ﵀ يفتي ويوجهه بما تقدم قائلاً: إلا أن يكون ربها يقدر على أن يخلصها بلا شيء ولا يبعد أن يكون هو مراد من ذهب إلى القول الثاني،

стр. 389

قال ابن هارون والقولان إذا قصد به الفادي لربه وأما لو افتداه لنفسه وقصد بذلك تملكه فلا يختلف إن لربه أخذه مجانا كالاستحقاق، وقال ابن عبد السلام: وكثيراً ما يسأل عنه بعض من هو منتصب لتخليص ما في أيدي المنتهبين هل يجوز له أخذ الأجرة على ذلك أم لا، ولاشك أنه إن دفع الفداء من عنده فلا تجوز له الأجرة لأنه سلف وإجارة وإن كان الدافع غيره ففي إجازة ذلك مجال للنظر. (وما وقع في المقاسم منها فربه أحق به بالثمن وما لم يقع في المقاسم منها فربه أحق به بلا ثمن): ما ذكر الشيخ مثله في المدونة وغيرها ووجهه خفة الضرر إذا كان قبل القسمة لكبر الجيش غالبًا وكثرة الضرر إذا كان بعد القسم، ولابن القاسم لا يكون به أحق به مطلقًا سواء كان قبل القسم أو بعده، وقيل إنه يفوت بنفس القسم رواه أبو القاسم الجوهري، وحكاه عنه ابن زرقون وعلى الأول إذا كان قبل القسم لا يخلو إما أن يعلم ربه بعينه أم لا، فإن علم بعينه دفع له إن كان حاضرا بلا شيء باتفاق قاله ابن حارث وإن كان غائبًا وقف له قال سحنون ولو كان بالصين. قال ابن بشير: ووقع في بيعه أو بعثه لربه في الروايات إشارة إلى خلاف فيه وليس كذلك بل ينظر الإمام لربه بالأصلح وإن لم يعلم ربه بعينه، وإنما علم أن ذلك من أموال المسلمين فقط فقيل أنه يقسم على حكم الغنيمة وهو المشهور، وقيل إنه يوقف قال ابن المواز والقاضي عبد الوهاب وغيرهما لأن ظاهر كلام ابن المواز أنه يوقف إذا رجي العلم بصاحبه. وظاهر كلام القاضي عبد الوهاب وقفه مطلقًا، وقال البرقي وغيره إذا غنموا أحمال متاع مكتوب عليها هذا لفلان وعرف البلد الذي اشتري منه ككتان مصر وشبهه لم يجز قسمه، ووقع حتى يبعث إلى ذلك البلد فيكشف عنه فإن وجد من يعرف ذلك وإلا قسم قالا ولو عرف ذلك واحد من العسكر لم يقسم. وروى ابن وهب عن مالك إذا عرف صاحبه ولم يستطيع تسليمه إليه أنه يقسم ولو باع الإمام ما عرفه ربه جهلا أو عمدًا فقيل: يأخذه ربه مجانا قاله ابن القاسم وقيل بالثمن قاله سحنون محتجا بأنه قضاء مختلف فيه وهو قول الأوزاعي وهذان القولان حكاهما الشيخ أبو محمد. (ولا نفل إلا من الخمس على الاجتهاد من الإمام ولا يكون ذلك قبل الغنيمة والسلب من النفل): ما ذكر أن النفل من الخمس هو المعروف من المذهب، وبه قال أكثر علماء

стр. 390

الحجاز وذهب علماء الشام وبعض علماء العراق إلى أنه يكون من جملة الغنيمة، وقيل إن النفل إنما يكون من خمس الخمس حكاه عياض في الإكمال عن منذر بن سعيد عن مالك، ولا يجوز للإمام إذا فرغ القتال أن يقول من قتل قتيلا فله سلبه، واختلف هل يجوز ذلك قبل القتال أم لا، فمنعه مالك ووقعت له الكراهة أيضًا قال ابن عبد السلام: ومال بعض شيوخ المذهب إلى الجواز ولم يصرح به، وبه قال جماعة من أهل العلم وعلى الأول فاختلف إذا وقع فقيل: ينفذ لأنه حكم بما اختلف فيه أهل المذهب وإليه ذهب سحنون وابنه وهو ظاهر كلام أصبغ، وقيل إنه لا ينفذ لضعف الخلاف قاله ابن حبيب قائلاً تعرف قيمة ما سمي الإمام، ويدفع ذلك من الخمس. قال ابن الحاجب في إمضائه قولان، فظاهره أن القول الثاني يبطل ولا يعطي شيئًا وليس كذلك ونبه عليه ابن عبد السلام قال ابن سحنون: واختلف فيمن جاء برأس فدعا أنه قتل صاحبه على قولين فقيل: يقبل منه فيكون سلبه له وقيل لا، وأما إن جاء بسلب وزعم أنه قتل صاحبه لم يستحقه إلا ببينة، والفرق أن الرأس في الأغلب لا يكون إلا بيد من قتله لأنه علم أن الإمام ينفله سلبه فصارت يده تشهد له بخلاف السلب قال ابن الحاجب: والمشهور لا يكون فيما ليس بمعتاد من سوار وتاج وكذلك العين على المشهور. (والرباط فيه فضل كبير وذلك بكثرة خوف أهل ذلك الثغر وكثرة تحرزهم من عدوهم): قال الشيخ أبو محمد في كتاب ابن سحنون وغيره قال مالك: ليس من سكن بأهله في الإسكندرية وطرابلس ونحوهما من السواحل بمرابطين وإنما المرابط من خرج من منزله فرابط في نحر العدو وحيث الخوف، قال الباجي وعندي أن اختيار استيطان ثغر للرباط فقط ولولا ذلك لأمكنه المقام بغيره له حكم المرابط، وقد قال مالك فيمن جعل شيئاً في سبيل الله لا يجعل في غيرها لأن الخوف الذي بها قد ذهب، وقلت: ونقل بعض من لقيناه الاتفاق على أنه من خرج من بلد إلى بلد بأهله بنية الرباط يكون مرابطا، وإنما الخلاف السابق إذا كان مقيما بنية الرباط ولم يكن أصل سكناه في ذلك المنزل لذلك. وذكر ابن زرقون أن سبب خط القيروان بمحلها رعي كون بينها وبين البحر أقل من مسافة القصر ليكون حرسا وارتضي نقله غير واحد من أشياخي قال الباجي: وإذا ارتفع الخوف من الثغر لقوة الإسلام به أو لبعده من العدو زال حكم الرباط عنه، وقال مالك فيمن جعل شيئًا في السبيل لا تجعل في جدة لأن الخوف الذي كان بها ذهب قال أبو محمد عن ابن
следующие страницы →