Полный текст (890 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
الثاني: أن الله تعالى لما نص على حيازة الأخ جميع المال إذا انفرد بقوله (وهو يرثها) [النساء: ١٧٦]
وهي في حال اجتماعها مع الذكر تأخذ نصف ما يأخذ فليكن للابن إذا انفرد مثلا مالها وذلك في جميع المال قياسا على حال الاجتماع.
الرابع: أن الابن أقوى تعصيبا من كل العصبات بدليل أن سائرهم معه على ضربين إما أن يسقطوا جملة كالإخوة وإما أن يصبروا من أهل السهام كالأب.
(وابن الابن بمنزلة الابن إذا لم يكن ابن):
قال الفاكهاني: ليس هذا على عمومه وبيان أن الابن لا يسقط بحال البتة وابن الابن يسقط في ثلاث مسائل أحدها أبوان وابنتان وابن ابن وكذلك إن كان زوج إو زوجة فكان حقه أن يقول يريد غالبا كما قلناه في منهاج الفرائض في علم الفرائض.
(فإن كان ابن وابنة فللذكر مثل حظ الانثيين وكذلك في كثرة البنين والبنات وقلتهم يرثون كذلك جميع المال أو ما فضل منه بعد من شركهم من أهل السهام):
ما ذكر لا خلاف فيه، وقد اختلف في سبب نزول آية الوصية حسبما هو مذكور في محله.
(وابن الابن كالابن في عدمه فيما يرث ويحجب):
قد تقدم للشيخ ما يغني عن هذا وخالف مجاهد في الحجب يجعله الزوج ولا الزوجة مستدلا بقوله تعالى (إن كان له ولد) [النساء: ١١]
وهذا ليس بولد. قال الفاكهاني: واختلف هل يطلق عليه ولد حقيقة أو مجازا والذي اختاره السهيلي حقيقة.
(وميراث البنت الواحدة النصف وللأنثتين فصاعدا الثلثان فإن كثرن لم يزدن على الثلثين شيئا):
قد قدمنا أن أصحاب النصف خمسة إحداها: بنت الصلب وبنت الابن والأختان الشقيقتان والأختان للأب، والأصل فيما ذكر الشيخ قوله تعالى (فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف) [النساء: ١١]
، ومعنى قوله تعالى (فإن كن نساء فوق اثنتين) [النساء: ١١]
أي اثنتين فأعلى ومنه قوله تعالى (فاضربوا فوق الأعناق) [الأنفال: ١٢].
وروي عن ابن عباس ﵄ أن للبنتين النصف قال بعض المحدثين وهي رواية ضعيفة والصحيح عنه مثل قول الجمهور ولما رواه الترمذي عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبدالله قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد
стр. 807
إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك وإن عمهما أخذ مالهما، ولا ينكحن إلا ولهم مال قال "يقضي الله في ذلك" فنزلت آية المواريث فبعت رسول الله ﷺ إلى عمهما فقال "اعط ابنتي سعد الثلثين واعط أمهما الثمن وما بقي فهو لك" قال هذا حديث حسن صحيح.
وقال أبو عمر بن عبدالبر قد روي من أخبار العدل فذكر هذا الحديث وابن عقيل هذا وإن كان مختلف فيه ولكن هذان الإمامان قد ذكرا ما تقدم وإنما احتجا بالحديث المذكور لأن الآية ليست بنص في الذي ذكروا.
(فإن كانت ابنة وابنة فللبنت النصف ولبنت الابن السدس تمام الثلثين):
ما ذكره هو مذهب الجمهور وقال ابن مسعود يكون الباقي للذكر وحده ووافقه على ذلك علقمة وأبو ثور واحتج أبو ثور بقوله ﷺ "ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت السهام فلأولى عصبة ذكر".
(وميراث الشقيقة النصف وللاثنين فصاعدا الثلثان فإن كانوا إخوة وأخوات شقائق أو لأب فالمال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين قلوا أو كثروا):
الأصل في ذلك قوله تعالى "يستفتونك" [النساء: ١٧٦]
الآية.
(والأخوات مع البنات كالعصبة لهن يرثن ما فضل عنهن ولا يربي لهن معهن ولا ميراث للأخوات والإخوة مع الأب ولا مع الولد الذكر أو مع ولد الولد والإخوة للأب في عدم الشقائق كالشقائق ذكورهم وإناثهم فإن كانت أخت شقيقة وأخت وأخوات لأب فالنصف للشقيقة ولمن بقي من الأخوات للأب السدس ولو كانتا شقيقتين لم يكن للأخوات للأب بشيء إلا أن يكون معهن ذكر فيأخذون ما بقي للذكر مثل حظ الانثيين):
فهذا تعقب على ابن الحاجب بقوله: ولا يكون التعصب إلا في ذكر يدلي بنفسه أو بذكر وأجاب ابن عبد السلام بأنه إنما يلزم هذا إن عطف قوله أو ذكر على نفسه وهو محتمل أن يكون معطوفا على ذكر وهو الذي يكون بسبب ذكر فكأنه يقول لا يكون إلا في ذكر موصوف بكذا أو بسبب ذكر وهذا الذي يكون بسبب ذكر قد يكون في ذكر كالأخ، وقد يكون أنثى كالأخت مع البنت.
قلت: قال بعض شيوخنا فيما ذكره بعد لأنه قاصد لاختصار كلام ابن شاس
стр. 808
وهو لا يقبل هذا الاحتمال لأن لفظه ويرث بالتعصيب كل ذكر يدلي بنفسه أو بذكر ويلزم على قوله في الاحتمال الذي ذكره أن تكون الباء في بنفسه للتعدية وفي بذكر للسببية ويلزم عليه أن تكون بنت الأخ عاصبة للبنت عملا بالسببية لقولهم حجة الأشقاء على الإخوة للأم في الحمارية بمشاركتهم إياهم في سبب إرثهم.
(وميراث الأخت للأم والأخ للأم سواء السدس لكل واحد وإن كثروا فالثلث بينهم الذكر والأنثى فيه سواء):
الأصل في ذلك قوله تعالى (وإن كان رجل يوث كلالة أو امرأة) [النساء: ١٢]
وأجمعوا على أن المراد بالأخ والأخت في هذه الآية من قبل الأم خاصة وعلى أن الشركة بينهم في ذلك سواء الأنثى كالذكر لقوله شركاء.
(ويحجبهم عن الميراث الولد وبنوه والأب والجد للأب والأخ يرث المال إذا انفرد إن كان شقيقا أو لأب والشقيق يحجب الأخ للأب وإن كان الأخ وأخت فأكثر شقائق أو لأب فالمال بينهم للذكر مثل حظ الانثيين):
يعني: عمودي النسب سفلي وعلوي.
(وإن كان مع الأخ ذو سهم بدئ بأهل السهام وكان له ما بقي وكذلك يكون ما بقي للإخوة والأخوات للذكر مثل حظ الأنثيين فإن لم يبق شيء فلا شيء لهم):
قيل: هذا لا يختص الأخ بل كان عاصب كذلك حكمه.
(إلا أن يكون في أهل السهام إخوة لأم قد ورثوا الثلث وقد بقي أخ شقيق أوإخوة ذكورأو ذكور وإناث شقائق معهم فيشاركون كلهم الإخوة للأم في ثلثهم فيكون بينهم بالسواء وهي الفريضة التي تسمى المشتركة ولو كان من بقي إخوة لأب لم يشاركوا الإخوة للأم لخروجهم عن ولادة الأم وإن كان من بقي أختا أو أخوات لأبوين أو لأب أعيل لهن وإن كان من قبل الأم أخ واحد أو أخت لم تكن مشتركة وكان ما بقي للإخوة إن كانوا ذكورا وإناثا وإن كن إناث لأبوين أو لأب أعيل لهن والأخ للأب كالشقيق في عدم الشقيق إلا في المشتركة):
صورتها امرأة ماتت وتركت زوجا وأما أو جدة وأخوين لأم فصاعدا وأختا شقيقة وأخا شقيقا وحده أو مع غيره يشتركون في الثلث الذكر والأنثى سواء وهذا قول مالك والشافعي وغيرهما، وقيل إن الأشقاء لا يشاركون الإخوة للأم، قاله أبو حنيفة وغيره.
واختلف رأي الصحابة رضوان الله عليهم حتى إن كل من تكلم فيها اختلف
стр. 809
قوله بهذين القولين ومال بعض من ألف في الفرائض عن مذهب مالك إلى مذهب أبي حنيفة وهو أبو عمر بن عبد البر ﵁ وتسمى هذه المسألة بالحمارية لأنها رفعت إلى عمر ﵁ فأراد أن يحكم فيها بإسقاط الإخوة الأشقاء فقال واحد منهم: هب أبانا حمارا أليست أمنا واحدة، فحكم بالثلث لجميعهم بالسواء قال ابن خروف فإن كان مع ذلك جد فلا نص فيها ومذهب زيد بن ثابت ﵁ أن للزوج النصف وللأم أو الجدة السدس أو للجد السدس وللإخوة الأشقاء كذلك، واختلف أصحاب مالك فيها فمنهم من قال بما تقدم عن زيد ومنهم من جعل الثلث كله للجد.
وأما الفريضة المسماة بالمالكية وهي زوج وأم وجد وأخ لأب وأخ لأم قيل: للأخ السدس قاله ابن خروف وهو اختيار ابن يونس وظاهر نقل ابن شعبان في زاهيه عن ابن وهب، وذكره ابن العربي عن مالك في غاية الوصية من أحكامه، وقال بعض شيوخنا: لا أعرفه لغيره ولم يذكره في قبسه ولا عارضته، وقيل: يسقط الأخ والثلث أجمع للجد نقله الباجي عن مالك، وقال ابن خروف: سميت مالكية لأن مالكا خالف فيها زيد بن ثابت زاد غيره مع شدة اتباعه لزيد في الفرائض.
قال ابن رشد: سميت بذلك لقول مالك فيها وصحة اعتبار فيها وظاهر كلامه أن مالكا لم يختلف قوله فيها وهذه المسألة منهم من فرعها على المشتركة كالحوفي وأبي النجار ومنهم من فرعها على الأكدرية كابن شاس وابن الحاجب.
(وابن الأخ كالأخ في عدم الأخ كان شقيقا أو لأب ولا يرث ابن الأخ للأم، والأخ لأبوين يحجب الأخ للأب، والأخ للأب أولى من ابن أخ شقيق وابن أخ شقيق أولى من ابن أخ لأب. وابن أخ يحجب عما لأبوين وعم لأبوين يحجب عما لأب، وعم لأب يحجب ابن عم لأبوين، وابن عم لأبوين يحجب ابن لأب، وهكذا يكون الأقرب أولى ولا يرث بنو الأخوات ما كن ولا بنوا البنات الأخ ما كان ولا بنات العم ولا جد لأم ولا عم أخو أبيك لأمه):
قال الفاكهاني: يريد في التعصب خاصة لأنه لا يتنزل منزلته من كل وجه لأن ابن الأخ لا يعصب أخته ولا يحجب الأم اثنان من بني الإخوة وأن الجد يحجب ابن الأخ وأنه إذا كان في التركة مكان أبيه لم تكن مشتركة وابن الأخ للأم لا يرث.
(ولا يرث عبد ولا من فيه بقية رق):
اختلف العلماء في الذي بعضه حر فقال مالك كما قال الشيخ: هو كالقن لا يرث ولا
стр. 810
يورث، وماله لمن يملك الرق منه، وبه قال أبو حنيفة والزهري، وقالت طائفة: يرث المعتق بعضه ويورث وقيل ميراثه بين من يملك بعضه وبين من كان يرثه لو كان حرا قاله عطاء وعمرو بن دينار وإياس بن معاوية وغيرهم قال بعض التابعين ميراثه كله للذي أعتق بعضه وتقدم الخلاف في المكاتب إذا مات من يرثه على أربعة أقوال.
(ولا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم):
ما ذكر هو مذهبنا وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وغيرهم وكان معاذ ومعاوية يورثان المسلم من الكافر وروي مثله عن ابن الحنفية ومحمد بن علي بن الحسن، وغيرهما وحجتنا ما في الصحيح عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : "لا توارث بين ملتين" وعنه ﷺ قال: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" فهذا الرد من جهة النقل، ومن جهة المعنى أن الكافر قطع بينه وبين الله تعالى، فيقطع ما بينه وبين أوليائه وهم المؤمنون قال الله سبحانه "إنما المؤمنون إخوة" [الحجرات: ١٠]
ولا إخوة مسلم وكافر أيضا فإن الكافر أبيح دمه للمؤمنين والمال تبع للنفس فلما استبيح دمه لجميع المسملين، فكذلك ماله لبيت مالهم وليس بعضهم أولى من بعض لأنهم قدموا على من سواهم قاله السهيلي.
قال ابن عبد البر: واحتج الآخرون بحديث ليس بالقوي واختلف المذهب فيمن يظهر الإسلام ثم يطلع على زندقته فقتل بها أو مات، فروي ابن القاسم: يره ورثته المسلمون، وروى ابن نافع: كالمرتد وعليه الأكثرون، وقال ابن عبدالسلام وهو الأظهر لأن المقتضى حقيقة لقتله إنما هو كفره فيدخل تحت حكم المرتد والله أعلم.
(ولا ابن الأخ للأم ولا جد لأم ولا أم أبي الأم):
قال الفاكهاني: حقه أن يكون مع ماتقدم وهو ساقط من بعض النسخ.
(ولا ترث أم أبي الأب مع ولده أبي الميت):
هو قولنا وقول أكثر العلماء وحكي عن ابن مسعود وغيره أنها ترث مع الأب السدس.
(ولا يرث إخوة الأم مع الجد للأب ولا مع الولد ولد الولد ذكرا كان الولد أو أنثى ولا ميراث للإخوة مع الأب ما كانوا ولا يرث مع الجد ولا ابن الأخ مع الجد):
هذا منه ﵀ تكرار إذ سبق له ذلك ولعله إنما كرره لزيادة قوله ذكرا كان
стр. 811
أو أنثى والله أعلم.
(ولا يرث قاتل العمد من مال ولا دية ولا يرث قالت الخطأ من الدية ويرث من المال):
قيل الإجماع أن قاتل العمد لا يرث من مال ولا دية وإنما اختلف العلماء هل يحجب ومذهبنا أنه لا يحجب وقبله ابن عبد السلام وفي هذا الإجماع نظرا لأن ابن المسيب وسعيد بن جبير ونفرا من البصريين ذهبوا إلى أنه يرث مطلقا أعني العمد والخطأ وذهب الشافعي إلى عكسه نقل ذلك الفاكهاني ﵀.
وأراد الشيخ بالعمد والعدوان وأما إن كان القتل عمدا غير عدوان كما إذا قتل القاضي ولده قصاصا فهذا يرث بلا خوف في المذهب وفي مذهب الشافعي ثلاثة أقوال: أحدها: ما تقدم.
والثاني: المنع لعموم الحديث.
الثالث: إن ثبت قتله بإقراره فإنه يرث إذ لا تهمة بخلاف البينة فربما تطرق تهمته إلى القاضي فيه.
قال الفاكهاني: وهل يرث المقتول من قاتله يعني إذا جرح موروثه ثم مات قبل المجروح لم أقف فيه نقل لأصحابنا وفي روضة النووي أنه يرث قلت: قد قدمناه في التكلم على منفوذ المقاتل وأن ابن يونس صوب قول المدونة أن منفوذ المقاتل لا تعمل فيه الزكاة قائلا: لأنه ميتة ألا ترى أن الإنسان لو أصيب بذلك لورث وإن لم تزهق نفسه وإن مات له ابن حينئذ لم يرث منه لأن الابن قد ورث منه.
وذكر اللخمي هذا عن ابن القاسم إذا ذبح الأب قال وإن انفذت مقالته ولم يذبح ورث هو ابنه ومثله حكى التونسي عن ابن القاسم أيضا.
ومن موانع الإرث اللعان والإرث ثابت بين الابن وبين أمه، والتوأمان شقيقان واستشكله بعضهم لانقطاع النسب وإذا لا جد بينهما ولا عم ولا اشتراك بينهما من جهة الأب شرعا.
وأما توأما الزنا فإنهما إخوة لأم وشذ ابن نافع في قوله شقيقان حكاه ابن رشد وفي توأمي المغتصبة خلاف فقيل بالأول وبه العمل وقيل بالثاني قاله المغيرة وابن دينار وضعفه وكذلك اختلف في توأمي المسيبة والمستأمنة على قولين.
(وكل من لا يرث بحال فلا يحجب وارثا):
احترز بقوله بحال من الإخوة للأم فإنهم يحجبون الأم من الثلث إلى السدس وإن لم يرثوا لوجود الجد مثلا وكذلك لو كان أبوان وإخوة وكذلك الإخوة للأب في
стр. 812
مسائل المعادة كأخ شقيق وأخ لأب وجد فإن الشقيق بعد على الجد الأخ للأب فيقتسمون المال ثلاث ثم يرجع الشقيق على الأخ للأب فيأخذ ما بيده فقد حجب الأخ للأب الجد من النصف إلى الثلث ولم يرث شيئا.
(والمطلقة ثلاثا في المرض ترث زوجه إن مات من مرضه ذلك ولا يرثها وكذلك إن كان الطلاق واحدة وقد مات في مرضه ذلك بعد العدة):
الأصل في إرث من طلقها زوجها وهو مريض قضاء عثمان في امرأة عبد الرحمن بن عوف ﵄ واختلف إذا عقد اليمين في الصحة ووقع الحنث في المرض كما إذا حلف لزوجته لا دخلت الدار فدخلت فقيل إنها ترثه قاله في الأيمان بالطلاق والتخيير والتمليك من المدونة ومثله في العتق الأول منها أيضا وهو المشهور وروي زياد بن جعفر عن مالك أنها لا ترث حكاه الباجي.
قال ابن عبد السلام: وما رواه زياد هو صحيح عندي لانتفاء التهمة فيه من كل الوجوه، ألا ترى أن اليمين صدرت من الزوج في الصحة والحنث وقع منها قلت: ورده شيخنا أبو مهدي عيسى حفظه الله بأن عدم الإرث هو للظنة فلا يضر تخلفها في بعض الصور بدليل أن عبدالرحمن بن عوف ﵁ لا يتوهم متوهم عليه أنه أراد إخراج الزوجة من الميراث ومع هذا فقد حكم عثمان بإرثها اعتبار التهمة الأكثر قال أبو الحسن فعلى هذا القول لا ترثه إذا خالعها في مرضه لأنه أبين في البراءة من التهمة لأنه باختيارها وجعل ابن شاس وابن الحاجب التلاعن في المرض من ذلك وأبعده بعض شيوخنا لأنها فيه غير مختارة لخوف حدها يومئذ ولعانه إلا أن يرد باقيه خلافا أيضا نصا. واختلف إذا طلق ذمية أو أمة فأسلمت وعتقت بعد العدة وقبل موته فقيل: إنها ترثه قال ابن المواز وقيل: لا ترثه قاله ابن الماجشون.
(وإن طلق الصحيح امرأته طلقة واحدة فإنهما يتوارثان ما كانت في العدة فإن انقضت فلا ميراث بينهما بعدها ومن تزو امرأة في مرضه لم ترثه ولا يرثها):
يعني وتكون الطلقة غير فداء ولا خلاف أن التوارث بينهما وكذلك بقية أحكام الزوجية ثابتة بينهما من لزوم الطلاق والظهار والنفقة إلى غير ذلك وبهذا وجه ابن بشير قول ابن الماجشون فإن المطلقة طلاقا رجعيا يجوز وطؤها في العدة، ورده بعض شيوخنا بدليل أن الحائض والمعتكفة لا توطأ مع أن أحكام الزوجية ثابتة بينهما والمشهور أن المطلقة طلاقا رجعيا لا توطأ.
(وترث الجدة للأم السدس وكذلك التي للأب فإن اجتمعتا فالسدس بينهما إلا أن تكون التي للأم أقرب بدرجة فتكون أولى به لأنها التي فيها النص وإن كانت التي للأب
стр. 813
أقربهما فالسدس بينهما نصفين ولا يرث عند مالك أكثر من جدتين أم الأب وأم الأم وأمهاتهما ويذكر عن زيد بن ثابت أنه ورث ثلاث جدات واحدة من قبل الأم واثنتين من قبل الأب أم أم الأب ولم يحفظ عن الخلفاء توريث أكثر من جدتين):
ما ذكر هو مذهبنا وروي عن ابن عباس أن الجدة في عدم الأم كالأم يكون لها الثلث حيث يكون للأم والأصل في ميراث الجدة هو أن الجدة للأم جاءت إلى أبي بكر الصديق ﵁ تسأله ميراثها فقال لها مالك في كتاب الله شيء ولا علمت لك في سنة رسول الله ﷺ شيئا فارجعي حتى أسال الناس فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله ﷺ أعطاها السدس فقال أبو بكر هل معك غيرك؟ فقال محمد بن مسملة فأنفذه لها أبو بكر ثم جاءت الأخرى إلى عمر ﵁ تسأله ميراثها فقال مالك في كتاب الله شيء وما كان القضاء الذي قضى به أبو بكر إلا لغيرك وما أنا بزائد في الفرائض ولكن هو ذلك السدس فإن اجتمعتما فالسدس بينكما وأيكما خلت به فهو لها، قال بعض الشيوخ وهذا الحديث وإن كان غير متصل السند إلا أنه مشهور.
(وميراث الجد إذا انفرد ورث المال وله مع الولد الذكر أو مع ولد الولد الذكر فالسدس فإن شركه أحد من أهل السهام غير الإخوة والأخوات فليقض له بالسدس فإن بقي شيء من المال كان له):
قال الفاكهاني: اعلم أن الجد ليس له ذكر صريح في القرآن ولم أعلم فيه حديثا في الصحيح ولا في الحسن المتواتر وإنما ورث بإجماع الصحابة عليه فمن بعدهم وقد قال الفرضيون الذين يرثون بالإجماع ثلاثة أصناف: الجد وبنو البنين والأعمام وبنوهم.
(فإن كان مع أهل السهام إخوة فالجد مخير في ثلاثة أوجه يأخذ أي ذلك أفضل له إما مقاسمة الإخوة أو السدس من رأس المال أو ثلث ما بقي فأما إن لم يكن معه غير الإخوة فهو يقاسم أخا وأخوين أوعدلهما أربع أخوات فإن زادوا فله الثلث فهو يرث الثلث مع الإخوة إلا أن تكون المقاسمة أفضل له والإخوة للأب معه في عدم الشقائق كالشقائق فإن اجتمعوا عادة الشقائق بالذين للأب فمنعوه بهم كثرة الميراث ثم كانوا أحق منهم بذلك إلا أن يكون مع الجد أخت شقيقة ولها أخ لأب أو أخت لأب أو أخ وأخت للأب فتأخذ نصفها مما حصل وتسلم ما بقي إليهم ولا يربى للأخوات مع الجد إلا في الغراء وحدها وسنذكرها بعد هذا):
اختلف العلماء في الجد هل يحجب الإخوة أم لا؟ فقيل لا يحجبهم قاله مالك
стр. 814
وهو قول عمر وعلي وعثمان ﵃ وروي عن أبي بكر وابن عباس وابن الزبير وأبي موسى أن الجد يحجب الإخوة كالأب وبه قال أبو حنيفة وغيره.
وقد جمع عمر ﵁ على هذه المسألة الصحابة في بيته ليتفقهوا في هذه القضية فانكسرت جائزة من البيت فتفرقوا وقيل الشعبي تسمع مسألة من الفرائض فقال هاتها إن لم يكن فيها جد قال ابن عبد السلام والنفس أركن إلى المذهب الثاني وبيان ذلك في علم الخلاف.
(ويرث المولى الأعلى إذا انفرد جميع المال كان رجلا أو امرأة فإن كان معه أهل سهم كان للمولى ما بقي بعد أهل السهام ولا يرث المولى مع العصبة وهو أحق من ذوي الأرحام الذين لا سهم لهم في كتاب الله):
روى أبو يعلى الموصلي ثم ابن حبان في صحيحه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ "الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب" وحكمه كعصوبة النسب إلا أن ابن الأخ يحجب الجد وابن العم أبا الجد.
(ولا يرث من ذوي الأرحام إلا من له سهم في كتاب الله):
ما ذكر هو مذهب الجمهور واحتج به من ذهب إلى توريثهم بقوله تعالى: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) [الأنفال: ٧٥]
قالوا والآية على عمومها وبقوله تعالى (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون) [النساء: ٧]
قالوا وذوو الأرحام من الأقربين ويدرجون تحت النص وغاية ما في الباب إن قدر ذلك النصيب غير مذكور في الآية فقد ثبت استحقاقهم للنصيب وأما القدر فيستفاد من دليل آخر وأجيب عن ذلك بما هو معلوم في المطولات.
(ولا يرث النساء من الولاء إلا ما أعتقن أو جره من أعتقن إليهم بولادة أو عتق):
ولو ذكر الشيخ هذه المسألة قبل الأولى لكان أنسق للترتيب وما ذكر الشيخ ذكره سحنون وأن إجماع المسلمين عليه قاله أجمع المسلمون أن النساء لا يرثن شيء من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن أو ولد من أعتقن وإن سفل من ولد الذكر خاصة كان ذلك الولد ذكر أو أنثى.
(وإذا اجتمع من له سهم معلوم في كتاب الله فكان ذلك أكثر من المال أدخل عليهم كلهم الضرر وقسمت الفريضة على مبلغ سهامهم):
اعلم أن العول أول ما نزل بعمر بن الخطاب ﵁ فقال للصحابة: فرض الله للزوج النصف وللأختين الثلث فإن بدأت بالزوج لم يبق للأختين حقهما
стр. 815
وإن بدأت بالأختين لم يبق للزوج حقه فأشيروا علي فقال ابن عباس ﷺ : عوله إلى سبعة أجزاء؟ فادفع ثلاثة منها للزوج وأربعة للأختين قال: أرأيت لو مات رجل وترك ستة دراهم ولرجل عليه ثلاثة ولآخر أربعة كيف تصنع أليس تجعل المال سبعة أجزاء فقال نعم فقال العباس هو كذلك وأجمع الصحابة عليه إلا عبد الله بن عباس وكان في ذلك الوقت صغير فلما كبر أظهر الخلاف.
(ولا يعال للأخت مع الجد إلا في الغراء وحدها وهي امرأة تركت زوجها، وأمها وأختها لأبوين أو لأب وجدها فللزوج النصف وللأم الثلث وللجد السدس فلما فرغ المال أعيل للأخت بالنصف ثلاثة ثم جمع إليها سهم الجد فقسم جميع ذلك بينهما على الثلث لها والثلثين له فتبلغ سبعة وعشرين سهما):
ما ذكرالشيخ من تصورهما هو كذلك ومثله عن زيد بن ثابت وعنه تصح من ستة وتسقط الأخت، وعن علي بن أبي طالب ﵁ تصح من تسعة ويأخذ كل واحد ما بيده ولا يجمع نصيب الجد مع نصيب الإخوة وعن ابن مسعود تصح من ثمانية للأم السدس سهم.
وما ذكر أنها تسمى الغراء وبذلك سماها مالك فقيل: لأنها من غرة الفرس إذ لا يعرف في مذهب مسألة يفرض فيها للأخت مع الجد إلا هذه فكانت شهرتها في مسائل الجد وبيانها كغرة الفرس وقيل: من الغرور لأن الجد غر الأخت بسكوته عنها حتى فرض لها النصف ثم عاد عليها فقاسمها وتسمى هذه الأكدرية أيضا.
واختلف لأي شيء سميت بذلك فقيل: لتكدر قول زيد فيما قالوا لأنه فرض للأخت مع الجدولم يكن قبل ذلك يفرض لها معه، قال الفاكهاني: هذا القول ساقط عندي فول كان المعنى على ذلك لقيل: مكدرة لأن اسم الفاعل من كدر مكر إجماعا وقيل: إن رجلا فرضيا أتى بها يقال له الأكدر وقيل من بني الأكدر فسأل عنها عبد الملك بن مروان وهو يومئذ خليفة فأخطأ فيها ثم استدرك خطأه فقال له إليك عني يا أكدري وقيل: إن عبدالملك سأله عنها فغلط فنسبها إليه.
باب جمل من الفرائض ومن السنن الواجبة والرغائب
سئل أبو محمد ﵁ عن وضعه لهذا الباب وما قصد به مع أن فيه كثيرا من المكروه وهو مناف لشرط اختصاره فقال: لما رأيت الناس زهدوا في العلم ورغبوا عن تعليمه وقد أمرنا بنشر العلم بحسب الإمكان قصدت إلى تجديد عيون ما تقدم، إذ الواجب على كل مكلف أن يحفظ عين ما كلف به ويعمل على الجزم فيما خوطب به
стр. 816
وقد كان رسول الله ﷺ يسلك بأصحابه سبيلا فإذا رأى منهم مللا سلك بهم مسلكا آخر تنشيطا لهم وإذهابا للكسل قلت وها أنا أسلك مسلك الشيخ رحمه الله تعالى.
(والوضوء للصلاة فريضة وهو مشتق من الوضاءة إلا المضمضة والاستنشاق
стр. 817
ومسح الأذنين منه فإن ذلك سنة):
ظاهره سواء كانت الصلاة فرضا أو نفلا وهو كذلك من غير خلاف أعلمه وإن كان وقع في كلام بعضهم خلاف فيجب تأويله، وقدمنا أن حكم المضمضة والاستنشاق السنة في مشهور المذهب وقيل إن ذلك فضيلة حكاه ابن بشير في شرحه على ابن الحاجب ووقفت عليه الآن للمازري أيضا في شرحه على التلقين ومسح الأذنين حكمهما السنة وقيل فرض، وهذا الخلاف في الظاهر وأما في الباطن فهو سنة اتفاقا، واختلف في الظاهر والباطن، وفي كلام الشيخ مسامحة لأنه لم يف بذكر السنن لأنه ترك غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء إلى غير ذلك.
(والسواك مستحب مرغب فيه):
ما ذكره هو المعروف واختار بعض شيوخنا أنه سنة لمداومته ﷺ على ذلك وأمره به وقال أحمد بن حنبل وغيره: هو واجب وقال الفخر في المعالم: أجمعوا على أنه مندوب إليه، واعترضه ابن هارون بقول أحمد وغيره وأراد بالغير إسحاق بن راهويه، وداود الطائي إلا أن اسحاق أبطل صلاته بتركه عمدا، وداود مطلقا على ظاهر ما نقل عنه، ويكون بغير الإصبع إلا أن لا يجد شيء بستاك به. وظاهر كلام الشيخ فيما سبق به أنه جائز أو هو أرجح من غيره حيث قال: وإن استاك بإصبعه فحسن.
(والمسح على الخفين رخصة وتخفيف):
ما نقله عليه الأكثر وقيل: سنة وقيل: فرض ولهذه الأقوال الثلاثة حكاها ابن الطلاع قائلا: إن نفس المسح فرض والانتقال إلى المسح رخصة ويرد عليه أن كلامه يقتضي أنه رابع وليس كذلك بل من عبر بالفريضة والخلاف في حكمه ابتداء هل هو رخصة أو سنة على أنه رخصة قد يقال إن الأولى ترك ذلك وعلى أنه سنة يكون راجح الفعل وعلى كل منهما ينوي الفريضة قولا واحدا والله أعلم.
(والغسل من الجنابة ودم الحيض والنفاس فريضة):
يدخل في الجنابة مغيب الحشفة، وقد قدمنا أنه اختلف في دم الاستحاضة إذا انقطع على ثلاثة أقوال: السقوط والاستحباب وكلاهما في المدونة والوجوب نقل مالك حكاها ابن الحاجب قال ابن بشير فيها قولان.
стр. 818
(وغسل الجمعة سنة):
ما ذكر هو المشهور وقيل: إنه مستحب وقيل: إنه واجب أخذا من قول المدونة وغسل الجمعة واجب واعترض بأنه في المدونة لفظ أثر وأوجب اللخمي الغسل على أصحاب الروائح الكريهة لئلا يؤذوا غيرهم والمشهور أنه يشترط اتصال الرواح ووقع لابن وهب ما يقتضي أنه لا يشترط.
(وغسل اليدين مستحب):
ما ذكر هو قول الأكثر وقيل إنه سنة واختار اللخمي فيه كما سبق ويتخرج الوجوب فيه من باب أخرى من غسل الجمعة.
(والغسل على من أسلم فريضة لأنه جنب):
ظاهر كلام الشيخ يقتضي إذا لم تسبق منه جنابة أنه لا يجب عليه الغسل وهو كذلك على المشهور وقيل إن الغسل عبادة فيغتسل وإن لم تسبق منه جنابة، وقال القاضي إسماعيل يستحبله وإن كان جنبا لقوله ﷺ "الإسلام يجب ما قبله" وألزمه اللخمي الوضوء ونقل عنه المازري أنه قال لا يلزمه الوضوء لأن الله تعالى أمر كل قائم إلى الصلاة بالوضوء فقال (يا أيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلاة) [المائدة: ٦]
وهذا إنما يتمشى على أن وضوء التجديد فرض أما أنه فضيلة فلا.
(وغسل الميت سنة والصلوات الخمس فريضة):
ما ذكره هو أحد القولين في غسل الميت وقيل: أنه فرض قال عبد الوهاب وابن محرز وابن عبد البر وزعم ابن بزيزة أن المشهور هو الأول.
(وتكبيرة الإحرام فريضة وباقي التكبير سنة):
قد تقدم أن المازري قال في شرحه على الجوزقي كان عبد الحميد الصائغ يحكي في تكبيرة الإحرام سنة، وحكى ابن رشد قولا إن جميع التكبير سنة واحدة وعندي كلام الشيخ يحتملها هنا وينبني على هذا الخلاف إذا ترك المصلي أكثر من تكبيرة هل يسحد أم لا؟ والخلاف في ذلك شهير.
(والدخول في الصلاة بنية الفرض فريضة):
لا خلاف أن الصلاة تفتقر إلى نية لأنها عبادة محضة ويشترط اقترانها بتكبيرة الإحرام وقيل: يجوز تقديمها بالزمن اليسير قاله ابن رشد ﵀ واختلف هل يلزمه أن ينوي الخروج من الصلاة أم لا؟ والأكثر على أنه لا يضر، واختلف إذا دخل بنية الظهر وخرج بنية العصر مثلا على قولين والأكثر على أنه لا يجزئه.
стр. 819
(ورفع اليدين سنة):
ما ذكر هو أحد الأقوال الثلاثة وقيل فضيلة وهو المشهور وقيل لا يرجع حكاه ابن شعبان عن مالك من رواية ابن القاسم ويكون الرفع مقارنا لتكبيرة الإحرام على طريق الأولى وإن تقدم أو تأخر فلا جناح والمشهور أنه مختص بتكبيرة الإحرام وفيها أقوال متعددة وانظرها فيما تقدم.
(والقراءة بأم القرآن في الصلاة فريضة وما زاد عليها سنة واجبة والقيام والركوع والسجود فريضة):
جميع ما ذكر هو قول الأكثر وروى الواقدي عن مالك: أن من لم يقرأ في جميع صلاته أنه لا شيء عليه، قال الباجي وهو شذوذ.
وروى علي بن زياد عن مالك: أحب إلى أن يعيد وحكم السورة السنية على المنصوص وفيها قول بالفضيلة أخذه اللخمي من قول مالك وأشهب لا يسحد من تركها سهوا، ورده ابن بشير باحتمال قصر السجود على ما ورد ولم يرد فيها.
وأجابه ابن هارون بأن أصل مذهب مالك أن السجود لا يقصر على ماورد قال: ولم نعلم فيه خلافا ولو لزم ذلك للزم ترك السجود في جل مسائل السهو وقيل إنها فرض وأخذها اللخمي أيضا من قول عيسى بن دينار: من تركها عمدا بطلت صلاته ورده المازري باحتمال أن يكون البطلان لترك السنة عمدا، قال شيخنا حفظه الله وظاهر كلام الشيخ أن مطلق الزيادة على أم القرآن سنة لا إن جميع السورة سنة، وهو كذلك وهذا بالنسبة إلى الفرض وأما قراءتها في النفل فقال ابن رشد مستحبة لسماع ابن القاسم لا سجود لتركها في الوتر.
(والجلسة الأولى سنة والثانية فريضة):
أراد بقوله والثانية فريضة مقدار ما يقول فيه السلام عليكم فإنه فرض لا خلاف في ذلك وما زاد على ذلك فهو سنة كما قال الشيخ وقيل: إن كلا الجلستين أعني الوسطى والأخيرة فرض، قال ابن زرقون: وهو ظاهر نقل أبي عمران وأبي عمر بن عبد البر عن أبي مصعب وقيل إن الأخير منها فرض رواه أبو مصعب.
(والسلام فريضة):
ما ذكره هو المعروف وحكى الباجي عن ابن القاسم من أحدث في آخر صلاته أجزأته صلاته، واعترضه ابن هارون نقلا ومعنى.
أما نقلا فلأن المنقول عن ابن القاسم إنما هو في جماعة صلوا خلف إمام فأحدث إمامهم فلسلموا هم لأنفسهم فسأل عن ذلك فقال تجزئهم صلاتهم أي تجزئ
стр. 820
صلاة المأمومين فقط. وأما معنى فلأن الأمة على قولين: منهم من يرى لفظ السلام بعينه وهو مالك، ومنه من لا يراه لكن يشترط أن ينوي بكل مناف الخروج من الصلاة وأما ما حكاه الباجي من إطلاقه فهو خلاف ما عليه الأمة. وقبله ابن عبد السلام على أن الأخير لا يسلم من اعتراض حسبما قدمناه.
(والتيامن به قليلا سنة):
يعني سنة ضعيفة وظاهر كلام غير واحد أن ذلك فضيلة.
(وترك الكلام في الصلاة فريضة والتشهدان سنة):
يعني فرض مع الذكر ساقط مع النسيان وجعله ابن الحاجب من الشرط لا من الفرائض.
(والقنوت في الصبح حسن وليس بسنة):
اعلم أن قوله ليس بسنة تأكيد لأن قوله حسن يدل على ذلك، وما ذكره أنه حسن بمعنى الفضيلة هو المشهور وقيل إنه سنة قاله علي بن زياد وابن سحنون وهو ظاهر قول السليمانية يسجد لسهوه وهو قول المدونة قال فيها عن ابن مسعود: القنوت في الفجر سنة ماضية والأصل الحقيقة وإتيان سحنون به دون أن يأتي بخلافه يدل على ارتضائه ذلك وقال يحيى بن يحيى: لا يقنت وإنما قال ذلك لقول مالك في الموطأ: كان ابن عمر لا يقنت وعلى الأول فلا سجود كالفضائل فإن سجد بطلت حكاه ابن رشد عن أشهب وقال الطليطلي وإذا قلنا بالسنة فنص علي بن زياد على أنه إن لم يسجد بطلت وهو قائل بذلك في كل سنة.
وقال بعض المتأخرين: من أراد أن يخرج من الخلاف فليسجد بعد السلام وبه قال وأفتى بعض من لقيناه من القرويين ونص ابن الحجب على أنه لا بأس برفع يديه في دعاء القنوت وظاهر المدونة خلافه، قال فيها: ولا يرفع يديه إلا من الاستفتاح شيئا خفيفا والمشهور أنه لا تكبير له. وروي أن مالكا كبر حين قنت.
(واستقبال القبلة فريضة):
يريد مع القدرة ويريد أن ذلك مخصوص بغير النوافل في السفر الطويل للراكب وجعل ابن الحاجب استقبال القبلة من الشروط لا من الفرائض، فإن صلى لغير القبلة ناسيا أو جاهلا فقيل: بعيد أبدا وقيل: في الوقت وإن كان باجتهاد فالمشهور يعيد في الوقت، وقال ابن سحنون: يعيد أبدا وقال ابن مسلمة: إن استدير يعيد أبدا وكل هذا في قبلة الاجتهاد وأما قبلة عيان فيعيد أبدا بالإطلاق اتفاقا فيما قد علمت.
стр. 821
(وصلاة الجمعة والسعي إليها فريضة):
المنصوص والمعروف أن الجمعة فرض ع ين وخرج اللخمي أنها فرض كفاية، وروى ابن وهب أنها سنة فحملها بعضهم على ظاهره ولم يرتضه ابن عبدالسلام، وإنما كان السعي فرضا لأنه من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
(والوتر سنة واجبة):
يعني مؤكدة وهذا هو المنصوص وخرج اللخمي وابن زرقون أنه واجب من قول سحنون يجرح تاركه وأصبغ يؤدب واعتذر بعض شيوخ المازري على الأول بأن تركه علامة استخفافه بأمور الدين، واعتذر المازري عن الثاني بأن تأديبه واستخفافه بالسنة، كقول ابن خويز منداد ترك السنة فسق وإن تمادى عليه أهل بلد حوربوا، وقال ابن عبد السلام تخرجي اللخمي عندي قوي حسن من قول أصبغ ضعيف من قول سحنون وقال ابن عبد البر: ضارع مالك وجوب من قوله تقطع صلاة الصبح.
(وكذلك صالة العيدين والخسوف والاستسقاء):
أما ما ذكر من أن صلاة العيدين سنة هو المعروف قال ابن بشير: لا يبعد كونها فرض كفاية لأنها إظهار لأبهة الإسلامة ونقل ابن حارث عن ابن حبيب أنها واجبة على كل من عقل الصلاة من النساء، والعبيد والمسافر إلا أنهم خطبة عليهم.
وناقض بعض شيوخنا قول ابن حارث هذا بقوله في أول الباب: اتفقوا على أنها لا تجب على النساء ولا على أهل القرى البعيدة عن الحواضر، ولما ذكر ابن عبد السلام القول بالسنة قال: وذهب بعض الأندلسيين إلى أن ذلك فرض كفاية وأراد به ابن زرقون على بعد في ذلك حسبما قدمناه، وأما ما ذكر من أن حكم صلاة الخسوف السن هو كذلك باتفاق بالنسبة إلى الخسوف وأما خسوف القمر فقيل كذلك، قاله ابن الجلاب واللخمي وقيل ذلك فضيلة.
وروي عن مالك وبه قال أشهب: ومثله في التلقين، وأما ما ذكر من أن صلاة الاستسقاء سنة فهو كذلك من حيث الجملة قال اللخمي: ويستحب أن يقيمها المخصبون للمجدبين ولسعة الخصب مباح.
(وصلاة الخسوف واجبة أمر الله سبحانه بها وهو فعل يستدركون به فضل الجماعة): يريد أنها سنة مؤكدة وصرح بأن حكمها السنة ابن يونس في أول كتاب الصلاة ونقل عن ابن المواز لما تكلم على صلاة الخسوف أنها رخصة وتوسعة.
(والغسل لدخول مكة مستحب والجمع ليلة المطر تخفيف وقد فعله الخلفاء الراشدون والجمع بعرفة ومزدلفة سنة واجبة):
стр. 822
ظاهر كلامه أن الجمع رخصة وصرح به قبل حيث قال: وأرخص في الجمع بين المغرب والعشاء ليلة المطر وهو خلاف رواية ابن عبد الحكم الجمع ليلة المطر سنة وخلاف قول ابن قسيط: الجمع ليلة المطر سنة ماضية والأصل الحقيقة وإتيان سحنون به يدل على ارتضائه ووقع لابن القاسم الجمع غير مشروع، وأن من جمع أعاد العشاء أبدا حكاه الباجي وإليه نحا القرافي في استشكاله الجمع بأن رعاية الأوقات واجبة وفائدة الجمع تحصيل فضيلة الجماعة وهي مندوب إليها فكيف يترك الواجب لأجل تحصيل المندوب، قلت ورد بأن الجمع إما سنة كما قدمنا واستشكال السنة لا يجز وإما رخصة وقد علمت أن الرخصة ارتكاب المحظور لأجل اقيام المانع.
وللقراني جواب عن ذلك لم أذكره لطوله وضعفه وتولى خليل بيان ضعفه وهل هذه الرخصة على القول بها راجحة أو مرجوحة في ذلك قولان للخمي وابن رشد، وظاهر كلام الشيخ الأول لقوله وقد فعله الخلفاء والله أعلم.
والصواب أنها مرجوحة إذ ليست بمتفق عليها ألا ترى ما تقدم عن ابن القاسم وقد جرت العادة في أفراد من المساجد بعدم الجمع فيها كجامع الزيتونة عندنا بتونس.
(وجمع المسافر في جد السير رخصة):
ظاهر كلامه أن جد السير شرط وهو كذلك، وقال أصبغ: لا يشترط وقيل: يشترط في حق الرجال دون النساء قاله بعض شيوخ المذهب، وظاهر كلامه أنه لا يشترط فوات أمر وهو كذلك عند ابن حبيب وفي التهذيب اشتراطه ونصه ولا يجمع المسافر إلا أن يجد السير به ويخاف فوات أمر.
وقال أشهب: يشترط فوات أمر مهم فهو أخص من قول التهذيب فهو قول ثالث والرابع لابن الماجشون الفرق بين الرجال والنساء، وظاهر كلام الشيخ أن الجمع جائز دون كراهة وهو كذلك.
وروي عن مالك أنه مكروه مطلقا.
وروي عنه الكراهة للرجال فقط، وهذه الأقوال الثلاثة حكاها عياض في الإكمال ونقل عبدالحق جوازه في البر دون البحر.
(وجمع المريض جاف أن يغلب على عقله تخفيف):
المشهور أن الجمع الإغماء مطلوب ومنعه ابن نافع وعلى الأول فهل تقدم الثانية إلى الأولى أو يصلي كل صلاة لوقتها في ذلك خلاف قال الفاكهاني: لم فرق بين جمع المسافر وجمع المريض فعبر عن الأول بالرخصة وعن الثاني بالتخفيف مع أن معنى الرخصة التخفيف قلت: تفنن في العبارة والله أعلم.
стр. 823
(وكذلك جمعه لعلة فيكون ذلك أرفق به):
ما ذكره هو المشهور ومنع ابن نافع هو كالأول نقله ابن رشد والخلاف في كيفية الجمع لما سبق، وقال ابن بشير المريض يجمع مطلقا اتفاق وهو قصور لنقل ابن نافع وحفظ ابن الحاجب الخلاف في الثانية دون الأولى فقال: والمريض إذا خشى الإغماء جمع وإن لم يخش فقولان ذكرهما ابن عبد السلام قال بعض شيوخنا ومذان طريقان لا أعرفهما لغيرهما.
(والفطر في السفر رخصة والإقصار فيه واجب):
لا خلاف أن الفطر في سفر القصر جائز واختل فهل هو أفضل من الصوم أو العكس وهو المشهور أوهما على حد السواء في ذلك ثلاثة أقوال حكاها غير واحد، قال ابن حبيب: الصوم أفضل إلا في الجهاد للتقوي على العدو وجعله كالتفسير للمدونة، وظاهر كلام ابن يونس أنه خلاف.
وقول الشيخ الإقصار فيه واجب ظاهره أنه فرض وهو ظاهر قوله قبل حيث قال: فعليه أن يقصر الصلاة وهو أحد الأقوال الأربعة.
وقيل: سنة وهو المشهور. وقيل: فضيلة.
وقيل: مباح وقول الفاكهاني يحتمل ما ذكرناه ويحتمل أن يريد وجوب السنن المؤكدة وهو أولى لأنه المشهور بعيد لما قلناه من قوله فعليه أن يقصر الصلاة فهو كالنص في الوجوب، فيحمل قوله هذا عليه دفعا للخلاف وتقدم فرقا بين الفطر والقصر أفضلهما أن القصر تبرأ منه الذمة في الحال ولا كذلك الفطر فإن الذمة مشغولة بالقضاء.
(وركعتا الفجر من الرغائب وقيل من السنن):
أراد بالرغيبة الفضيلة والقول بالفضيلة هو نقل الأكثر ولاقول بالسنة هو قول أشهب، قال الفاكهاني: وفائدة الخلاف تفاوت الثواب فإن ثواب السنة أكثر من ثواب الرغيبة والنافلة، كما أن ثواب الواجب أكثر من ثواب السنن هذا في الفعل وأما في الترك عمدا فإن قلنا إنها سنة جرى فيها الخلاف في تارك السنن عمدا هل يأثم أم لا؟ قلت يحتمل أن يراعي قائله الخلاف فلا يأثم والله أعلم.
(وصلاة الضحى نافلة):
ما ذكر مثله في التلقين وظاهر كلام ابن عبد البر أنه فضيلة لقوله ورد في صلاة الضحى والوصية آثار كثيرة.
(وكذلك قيام رمضان نافلة وفيه فضل كبير ومن أقامه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه):
стр. 824
لما خاف أن يتوهم أن حكمه النافلة أردفه بقوله: وفيه فضل كبير وما بعده ليبين أن حكمه الفضيلة التي هي أقوى من النافلة وهذا قول ابن حبيب خلافا لابن عبد البر في قوله: إن قيامه سنة.
(والقيام من الليل في رمضان أو غيره من النوافل المرغب فيها):
قيام الليل من شعائر الأنبياء والصالحين وشيم المخلصين ومذهبنا أن أفضل الليل الثلث الأخر لحديث النزول ومذهب الشافعي الوسط أفضل لحديث داود ﵇ كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه.
(والصلاة على موتى المسلمين فريضة يحملها من قام بها وكذلك مواراتهم بالدفن وغسلهم سنة واجبة):
ما ذكر الشيخ من أن الصلاة على ميت المسلم فرض كفاية هو قول ابن عبد الحكم وأشهب وسحنون والقاضي عبد الوهاب وهو ظاهر نقل ابن الجلاب عن مالك في قوله قال مالك: صلاة الجنازة واجبة وقيل: إنها سنة قاله أصبغ، وقال ابن زرقون في تلقين الشارقي هي مستحبة ورواه ابن عيشون وأخذ ابن القاسم أنها غير واجبة من قول مالك تجوز صلاة الجنازة بتيمم الفريضة ومن تشبيه فعلها بعد صلاة العصر بسجود التلاوة، قال ولم أجد لمالك فيها نصا وأجيب بالنسبة إلى التخريج لكونها فرض كفاية وبقصوره بقوله لم أجد فيها نصا.
ونقل ابن الجلاب عن مالك وجوبها، وأورد الشيخ شهاب الدين القرافي على القول الأول سؤالا وهو إذا تعذر الوجوب على جملة الطوائف في فرض الكفاية فكيف يسقط عمن لم يفعل غيره مع أن الفعل البدني كصلاة الجنائز والجهاد مثلا لا يجزئ فيه أحد عن أحد فكيف يسوي الشرع بين من يفعل ومن لم يفعل، وأجاب بأن الفاعل يساوي غير الفاعل في سقوط التكليف لا في الثواب وعدمه وما ذكر من أن المواراة فرض كفاية لا أعلم فيه خلافا وما ذكر من أن غسلهم سنة واجبة أراد أنها سنة مؤكدة قاله غيره وزعم ابن بزيزة أنه المشهور وقيل إنه فرض قاله عبد الوهاب وغيره والعجب من الشيخ في تكرره لغسل الميت مع أنه سبق له في هذا الباب.
(وكذلك طلب العلم فريضة عامة يحملها من قام بها إلا ما يلزم الرجل في خاصة نفسه):
ظاهر كلام الشيخ أنه لا يجب عليه تعليم العلم الزائد على فرض العين وإن كان فيه القابلية وهو خلاف قول سحنون بوجوبه عليه والنفس أميل إليه وجعله شيخنا أبو مهدي المذهب قال: لا أعلم خلافه ولأنه ممن تلبس فصار من الجاهلين له بطلب العلم
стр. 825
أن القابلية فيه لا تعلم إلا بعد التلبس.
(وفريضة الجهاد دعامة يحملها من قام بها إلا أن يغشى العدو محلة قوم فيجب فرضا عليهم قتالهم إذا كانوا مثلي عددهم):
يعني أن الجهاد فرض كفاية وهو كذلك بإجماع نص عليه ابن القصار وانتقد ابن عبدالسلام قول ابن الحاجب بذلك قال ابن المسيب وابن شبرمة وغيرهما أنه فرض عين وحكي عن سحنون أنه سنة ليس بفرض، وقال طاوس: السعي على الأخوات أفضل من غير أن هذه الأقوال لا يبعد تأويلها وردها إلى ما نص عليه الجمهور وقال وحق ابن الحاجب أن يقول: الجهاد واجب على الكفاية على الجمهور وانظر ما تقدم لخليل في هذا.
(والرباط في ثغور المسلمين وحياطتها واجبة يحمله من قام به):
قال ابن سحنون وغيره: قال مالك: ليس من سكن بأهله بالاسكندرية وطرابلس ونحوها بمرابطين إنما المرابط من خرج من منزله مرابطا فرابط في نحر العدو وحيث الخوف، قال الباجي: وعندي أن من اختار استيطان ثغر الرباط فقط ولولا ذلك لأمكنه المقام بغيره له حكم الرباط، وروى ابن وهب: الرباط أحب إلي من الغزو على غير وجهه وهو الصواب وأحب إلي من الرباط.
(وصوم شهر رمضان فريضة):
اختلف العلماء في إطلاق رمضان على الشهر على ثلاثة أقوال ثالثها: إن كان هنالك فرينة تصرفه إلى الشهر فلا كراهة وإلا كره والقول بالكراهة قاله أصحاب مالك.
(والاعتكاف نافلة والتنفل بالصوم مرغب فيه):
اختلف في حكم الاعتكاف على أربعة أقوال: فقيل: نافلة كما قال الشيخ ونحوه قال القاضي عبد الوهاب: هو قربة وقال ابن العربي في العارضة: هو سنة ولا يقال فيها مباح وقول أصحابنا في كتبهم: جائز جهل، قلت ليس بجهل إنما قصدهم بذلك نفي ما يتوهم من كراهته.
وقال ابن عبد البر في الكافي: هو في رمضان سنة وفي غيره جائز، وقال ابن عبدوس وروى ابن نافع: ما رأيت صحابيا اعتكف وقد اعتكف ﷺ حتى قبض وهم أشد اتباعا فلم أزل أفكر حتى أجد في نفسي أنه لشدته نهاره وليله سواء كالوصال المنهي عنه مع وصاله ﷺ فأخذ منه ابن ابن رشد كراهة لتلك.
(وكذلك صوم يوم عاشوراء ورجب وشعبان وصوم يوم عرفة ويوم التروية وصوم
стр. 826
يوم عرفة لغير الحج أفضل منه للحاج):
قال ابن رشد: أفضل الصوم بعد رمضان صوم يوم عاشوراء وقد كان فرض قبل رمضان قال الفاكهاني ﵀: وفيه نظر لأن عاشوراء تكفر السنة قبلها فقط، ويوم عرفة تكفر السنة التي قبلها والتي بعدها كما جاء في الصحيح والتكفير منوط بالأفضلية فمن ادعى غير هذا فعليه الدليل.
(وزكاة العين والحرث والماشية فريضة وزكاة الفطر سنة فرضها رسول الله ﷺ :
أراد الشيخ بقوله: فرضها: قدرها فلا تناقض في كلامه وقول ابن عبدالبر قول الشيخ أبي محمد سنة فرضها رسول الله ﷺ تمريض للسنة ضعيف لما قد قدمناه، وما ذكر من أن حكمها السنة عزاه ابن عبد البر لبعض أصحاب مالك وعزاه ابن رشد لبعض أصحابنا وذكره بعضهم عن مالك، وقال الباجي واللخمي: إنها واجبة، وأخذ ذلك من قول المجموعة إنها داخلة في قوله تعالى (وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة) [البقرة: ٤٣]
وغيرها وجعله ابن الحاجب المشهور.
(وحج البيت فريضة والعمرة سنة واجبة والتلبية سنة واجبة والنية بالحج فريضة والطواف للإفاضة فريضة والسعي بين الصفا والمروة فريضة وكذلك الطواف المتصل به واجب وطواف الإفاضة آكد منه والطواف للوداع سنة والمبيت بمنى ليلة يوم عرفة سنة والجمع بعرفة واجب والوقوف بعرفة فريضة ومبيت المزدلفة سنة واجبة ووقوف المشعر الحرام مأمور به):
لا خلاف أن الحج فرض واشتهر الخلاف هل ذلك واجب على الفور أو على التراخي؟ ويجب على الأعمى إذا وجد قائدا واختلف في السائل إذا كانت العادة أنه يعطى فقيل: يجب عليه وقيل لا واختلف إذا كان يؤدي غفرا بحيث لا يجحف به هل يجب عليه أم لا؟
(ورمى الجمار سنة واجبة وكذلك الحلاق وتقبيل الركن سنة والغسل للإحرام سنة والركوع عند الإحرام سنة وغسل عرفة سنة):
ما ذكر هو المشهور وقال ابن الماجشون بوجوب جمرة العقبة قاله غير واحد.
(والغسل لدخول مكة مستحب):
قال الفاكهاني: انظر لم جعل الغسل لدخول مكة منحطا عن رتبة السنن حيث عبر بالاستحباب قلت: يحتمل أنه أراد به ليس بتأكيد السنن كغيره.
(والصلاة في الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة):
стр. 827
واختلف في حكم صلاة الجماعة على أربعة أقوال: فقيل: سنة قاله الأكثر وقيل: فرض كفاية نقله الأكثر ابن محرز وغيره عن بعض أصحابنا وقيل مندوب إليها مؤكدة الفضل قاله عبد الوهاب في تلقينه ومثله قول ابن العربي في عارضته ويحث عليها وقال ابن رشد: مستحبة للرجل في خاصته فرض في الجماعة سنة في كل مسجد واختلف هل تتفاضل بالكثرة أم لا؟ والمشهور أنها لا تتفاضل خلافا لابن حبيب، وحمل بعض الشيوخ المذهب على قول ابن حبيب وجعل معنى المشهور أن الجماعة سواء بالنسبة إلى عدم الإعادة في جماعة نقله ان عبد السلام ولا أعرفه لغيره، وأقل الجمع اثنان باتفاق.
(والصلاة في المسجد الحرام ومسجد الرسول ﵇ فذا أفضل من الصلاة في سائر المساجد واختلف في مقدار التضعيف بذلك بين مسجد الحرام ومسجد الرسول ﵇ ولم يختلف أن صلاة في مسجد الرسول أفضل من ألف صلاة فيما سواه وسوى المسجد الحرام بدون الألف وهذا كله في الفرائض وأما النوافل ففي البيوت أفضل):
واختلف في مقدار التضعيف وقد تقدم في باب الأيمان والنذور أن المشهور من المذهب أن المدينة أفضل من مكة وقيل مكة أفضل من المدينة حكاه عياض عن ابن حبيب وابن وهب واختاره بابن عبد السلام ووقف الباجي.
(والتنفل بالركوع لأهل مكة أحب إلينا من الطواف والطواف للغرباء أحب إلينا من الركوع لقلة وجود ذلك لهم):
قال الفاكهاني: تعليله بقلة وجود ذلك للغرباء فيه نظر لأن التنفل بالصلاة أفضل من التنفل بالطواف ولذلك كانت الصلاة لأهل مكة أفضل من الطواف وإذا كان ذلك فينبغي أن لا يفرق بين الغرباء وأهل مكة إذ المحافظة على الأفضل أولى من المحافظة على المفضول لاسيما على القول بمساواة النافلة للفريضة في الفضل.
(ومن الفرائض غض البصر عن المحارم وليس في النظرة الأولى بغير تعمد حرج ولا في النظر إلى المتجالة ولا في النظر إلى الشابة لعذر من شهادة عليها):
الأصل في غض البصر قوله تعالى (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) [النور: ٣٠]
قال ابن عطية: الأظهر في من أن تكون للتبعيض بخلاف الفروج إذ حفظها عام ويؤيد هذا التأويل ما روي من قوله ﷺ لعلي ﵁: "لا تتبع النظرة النظرة فإن الأولى لك وليست الثانية لك" وقال ابن جرير عن عبدالله:
стр. 828
سألت النبي ﷺ عن نظرة الفجأة فقال: "اصرف بصرك" قال ويصح أن تكون من لبيان الجنس ولابتداء الغاية والبصر هو الباب الكبير إلى القلب وأعم طرق الحواس إليه وبحسب ذلك كثرة السقوط من جهته فوجب التحذير منه.
قال الفاكهاني: وأحسن الشيخ ﵀ في قوله بغير تعمد لأن النظرة تعمدا حرام وإن كانت الأول وأما المتجالة فيجوز النظر إليها لقوله تعالى (والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا) [النور: ٦٠]
الآية.
(وقد أرخص من ذلك للخاطب):
سمع ابن القاسم لمن يريد تزويج امرأة نظره إليها بإذنها قال ابن رشد: يريد إلى وجهها قال المارزي: ويديها وكره مالك أن يتغفلها وأجازه ابن وهب واختار ابن الفطان كون النظر إليها مندوبا إليه لحديث الأمر به، وما إلى جواز النظر إلى جميع الجسد سوى السوأتين وزيد نقل جواز النظر إليها عن داود قال، وروى قاسم بن أصبغ عن الخشني عن أبي عمرو عن سفيان بن عيينة عن عمر بن دينار عن محمد بن دينار عن محمد بن علي بن عمر بن الخطاب ﵁ أنه خطب إلى علي ﵁ بنته أم كلثوم فذكر له صغرها فقيل له: إن ردك فعاود فعاوده فقال له علي ﵁: أبعث بها إليك فإن رضيتها فهي امرأتك فأرسل بها إليه فكشف عن ساقيها فقالت له فقالت له: لولا أنك أمير المؤمنين للطمت عينك ويزيد فيها أهل الأخبار أنه بعث إليه بثوب وقال لها: قولي له هذا الذي قلت لك عليه، فقال لها عمر قولي له رضيت به فلما أدبرت كشف عن ساقيها فقالت له ما سبق، ذكره فلما رجعت إلى أبيها قالت له: بعثتني إلى شيخ سوء فعل كذا فقال لها: هو زوجك يا بنية وما ذكر عن أهل الأخبار ذكره ابن عباس وابن عبد البر بأتم من هذا فانظره. ابن العربي في الأحكام في قوله تعالى (يا أيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق) [الحجرات: ٦]
الآية.
من ثبت فسقه بطل قوله في الأخبار إجماعا لأن الخبر أمانة والفسق قرينة تبطلها فأما في الإنشاء عن نفسه فلا يبطل إجماعا وأما على غيره فإن الشافعي قال: لا يكون وليا في النكاح وقال أبو حنيفة ومالك: يكون وليا ثم قال: ولا خلاف أنه يكون رسولا عن غيره في قوله يبلغه أو شيء يوصله أوإذن يعلمه إذا لم يكن عن حق المرسل والمبلغ فإن تعلق به حق لغيرهما لم يقبل قوله وهذا جائز للضرورة الداعية إليه ولو لم يتصرف بين الخلق في هذا المعنى إلا العدول ما تحصل منها شيء لعدمهم في ذلك.
стр. 829
(ومن الفرائض صون اللسان عن الكذب والزور والفحشاء والغيبة والنميمة والباطل كله).
قال التادلي ﵀: الكذب على خمسة أقسام:
واجب: لإنقاذ مال مسلم أو نفسه.
ومحرم: وهو الكذب لغير منفعة شرعية.
ومندوب: وهو الكذب للكفار بأن المسلمين أخذوا في أهبة الحرب إذا قصد بذلك إرهابهم.
مكروه: وهو الكذب لزوجته ليطيبها لنفسه.
قلت: وقال ابن رشد: جوزت السنة الكذب فيه وفي الحراب لتحذير الكفار قوله: إنه مكروه قال: ومباح وهو الكذب للإصلاح بين الناس، وأراد الشيخ بقوله والزور قول الزور، قال الفاكهاني: والزور والكذب كأنهما مترادفان، قلت: ليس كذلك لأن الزور أخص والغيبة أن يقول الإنسان في غيره في مغيبة ما يكرهه ولو كان ما لا يكرهه فليست بغيبة كما إذا قال رجل فلان سار ولرجل من أعراب إفريقية فليس ذلك بغيبة عندهم لأنهم يقدحون بذلك لأنه لا يتعاطى ذلك إلا من هو شجاع عندهم، وسمعت عبر واحد من شيوخ القرويين وغيرهم يفتي أن الغيبة في الفاسق لا تجوز وما جاء في حديث "لا غيبة في فاسق" لم يصح سلمنا صحته فبعضهم حمله على من يتمدح لذلك، وبعضهم يقول ليس فيها جلاء للجواز إذ يتحمل أن يكون معناه لا غيبة جائزة في فاسق وإلى الآخر مال صاحب الذخيرة في قواعده وعزاه الجماعة من الفضلاء.
وأما النميمة فهي نقل الكلام الفاسد بين الناس وينشأ عن ذلك مفاسد بحسب القول والقائل والمقول به وفيه.
(قال رسول الله ﵊: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ليقل خيرا أو ليصمت"، وقال "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)
ذكر هذين الحديثين دليلا لما سبق وقد بعث بعض الأمراء إلى زياد بن عبد الرحمن الملقب بشطور يسأله عن كفتي ميزان الأعمال يوم القيامة قال: ممن من فضة أو من ذهب؟ فكتب إليه: حدثنا أنس بن مالك وذكر سنده إلى النبي ﷺ قال" من حسن
стр. 830
إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" وسترد أيها الأمير يوم القيامة فتعلم هل هما من ذهب أو فضة، وذكر ذلك عياض في مداركه، واعلم أن هذين الحديثين عظيمان من وقف معهما وحافظ عليهما سلم.
فالأول: يقول الإنسان إذا وفقه الله أنه لا يتكلم إلا بالقرآن أو بعلم غالبا، وقيل: إن أبا بكر الصديق صلى ﵁ كان يجعل في فيه حصاة يتذكر بها ما يقول أو نحو ذلك.
ويقول: العبادة عشرة أجزاء تسعة في السكوت وواحدة في طلب المعيشة، وكان الشيخ أبو علي البخاري ﵁ يقول: إنما جعل لك لسان واحد وأذنان ليكون ما تسمع أكثر مما تقول ويقال لو كان الكلام من فضة لكان السكوت من ذهب.
وأما الثاني: فيحمل الإنسان إذا وفقه الله على أن يجتنب صحبة من لا خلاق له ويرغب في صحبة من هو خير منه فيتعلم من علمه وعمله وورعه ولا يتعاطى فعلا لا يليق به حتى إذا تلبس بمباح ينقل نفسه إلى المندوب والذي يثاب عليه نسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا وأن يملكنا نفوسنا وأن يذكرنا عيوبنا بمنه وكرمه.
(وحرم الله سبحانه دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم إلا بحقها ولا يحل دم مسلم إلا أن يكفر بعد إيمانه أو يزني بعد إحصانه أو يقتل نفسا بغيرنفس أو فساد في الأرض أو يمرق من الدين ولتكف يدك عما لا يحللك من مال أو جسد أو دم ولا تسع بقدميك فيما لا يحل لك ولا تباشر بفرجك أو بشيء من جسدك ما لا يحل لك قال الله سبحانه (والذين هل لفروجهم حافظون) إلى قوله (فأولئك هم العادون) [المؤمنون: ٥ - ٧]:
قال عبد الوهاب: أراد بقوله أو يمرق من الدين الخوارج الذين قال فيهم النبي ﷺ : "يمرق من الدين كما يمرق السهم من الرمية) ومنهم المبتدعة من القدرية والإباضية الذين قال فيهم مالك بالاستتابة فإن تابوا وإلا قوتلوا.
(وحرم الله سبحانه الفواحش ما ظهر منها وما بطن):
أراد بذلك قوله تعالى: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها) [الأعراف: ٣٣]
والفاحشة: قيل كل مستقبح من قول أو فعل ما ظهر للأعين وما بطن أي ستر.
(وأن يقرب النساء في دم حيضهن أو دم نفاسهن وحرم من النساء ما تقدم ذكرنا إياه):
стр. 831
لا خلاف أنه لا يجوز له وطؤها في الفرج كما أنه لا خلاف أنه يجوز له التمتع بما فوق الإزار واختلف فيما تحته من غير الفرج على قولين المشهور أنه لا يجوز.
(وأمر بأكل الطيب وهو الحلال فلا يحل لك أن تأكل إلا طيبا ولا تلبس إلا طيبا ولا تركب إلا طيبا ولا تسكن إلا طيبا وتستعمل سائرما تنتفع به طيبا ومن وراء ذلك مشتبهات من تركها سلم ومن أخذها كان كالواقع حول الحمى يوشك أن يقع فيه).
ما ذكر الشيخ من أن الطيب هو الحلال صرح بذلك سحنون بن سعيد، قال أبو عبدالله بن عبدوس: واعلم أن عماد الدين وقومه وهو طيب المطعم فمن طاب كسبه زكا عمله ومن لم ينصح في طيب مكسبه خيف عليه ولا تقبل صلاته وصيامه وحجه وجهاده وجميع عمله لأن الله تعالى يقول "إنما يتقبل الله من المتقين) [المائدة: ٢٧]
وقد أخذ سحنون بن سعيد عن عبدالرحمن بن القاسم عن عبدالله بن عبدالعزيز الزاهد يرفع الحديث إلى عائشة ﵂ أنها قالت لرسول الله ﷺ "من المؤمن" قال "الذي إذا أصبح سأل من أين قرصاه" قلت: يا رسول الله من المؤمن قال "الذي إذا أمسى سأل من أين قرصاه" قلت يا رسول الله لو علم الناس ذلك لتكلفوه قال "قد علموا ولكنهم قد غشموا المعيشة غشمها".
قال الشيخ أبو محمد: تعسفوا تعسفا ونظر عمر إلى المصلين فقال: لا يغرني كثيرة رفع أحدكم رأسه وخفضه، الدين الورع في دين الله، والكف عن محارم الله والعمل لحلاله وحرامه، قال بعض الشيوخ: وأصول الحلال صيد البحر وصيد البر وتجارة بصدق وصناعة بنصح ومغنم قسم بعد وميراث عن قريب وماء من غدير ونبات من أرض غير متملكة وهدية من صالح وسؤال عن حاجة والمتشابه: هو ما اختلف فيه بالحلية والتحريم وقيل ما توقف فيه العلماء كخنزير الماء قال بعضهم: يجب على المكلف طلب الحلال المتفق عليه عند أهل العلم فإن لم يجد فالمتفق عليه في المذهب فإن لم يجد فليجتهد في معرفة أصول ما يشتريه فإن تعذر فشراء الخبز أولى من شراء الدقيق وشراء الدقيق أولى من شراء القمح والمجلوب عن قرب أولى من شرائه عن بعد وفي وجوب السؤال عن أصل محله قولان.
قال الفاكهاني: لا ينبغي اليوم أن يسأل عن أصل شيء فإن الأصول فيه فسدت واستحكم فسادها بل يأخذ الشيء على ظاهر الشرع أولى له من أن يسأل عن شيء فيتعين له تحريمه ثم هو الأرفق بالناس لا قول من قال الحلال ما علم أصله، والذي
стр. 832
عندي في هذا الزمان أن من أخذ قدر الضرورة لنفسه وعياله من غير سرف ولا زيادة على ما يحتاج إليه ما لم يأكل حراما ولا شبهة، وقد قال قاسم بن محمد: لو كانت الدنيا حراما لما كان بد من العيش ألا ترى أنه لا يحل أكل الميتة ومال الغي للمضطر على تفصيل تقدم فما ظنك بما ظاهره الإباحة هذا لا يكاد يختلف فيه اليوم والله أعلم.
(وحرم الله سبحانه أكل المال بالباطل):
دليل ذلك قوله تعالى (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) [البقرة: ١٨٨]
قال النبي ﷺ "كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به" أو كما قال ﵇ قال: "ما يريد من الفواكه والثمار ولبن الغنم يحلبها" فقال ابن الفرس لا خلاف في أكل المحتاج من هذه الأشياء وإن لم يأذن ربها، واختلف في غير المحتاج على أربعة أقوال: فقيل: يجوز له ذلك، وقيل: بعكسه، وقيل: يجوز للصديق الملاطف دون غيره، وقيل: يجوز في اللبن دون الفواكه والثمار.
(ومن الباطل الغصب والتعدي والخيانة والربا والسحت والقمار والغرو والغش والخديعة والخلابة):
الغصب: هو ملك الرقبة وأما التسلط على المنفعة هو التعدي.
والخيانة: أخذ ما أؤتمن.
والربا: قيل المراد به ما كانت الجاهلية عليه من فسخ الدين في الدين يقول المطلوب أجرني وأزيدك فقال سواء علينا إن زدنا في أول البيع أو عند محل الأجل فكذبهم الله تعالى قاله مجاهد وغيره فالألف واللام على هذا القول في قوله تعالى (وحرم الربوا) [البقرة: ٢٧٥]
بالتعريف العهد. وقيل المراد به ما حرم التفاضل فيه لأن الربا في اللسان الزيادة فالألف واللام على هذا لتعريف الجنس، وقيل مراده كل بيع محرم بالإطلاق وإلى هذا ذهب عمر بن الخطاب وعائشة ﵄.
والسحت: هو الرشوة وقيل هو القمار على الحمام والقمار معلوم عند العامة فضلا عن غيرهم.
والغش: كخلط دنئ بجيد قاله الفاكهاني.
والخلابة: بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام الخديعة وفي الصحيح أن رجلا كان يخدع في البيوع فقال رسول الله ﷺ "إذا بعت فقل لا خلابة" أي لا خديعة أي
стр. 833
لا يحل لك خديعتي ولا تلزمني خديعتك هكذا فسر فيكون الشيخ ذكر الخديعة من باب ما اختلف لفظه واتفق معناه.
(وحرم الله سبحانه أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به وما ذبح لغير الله وما أعان على موته ترد من جبل أو وقذة بعصا أو غيرها والمنخنقة بحبل أو غيرها إلا يضطر إلى ذلك كالميتة وذلك إذا صارت بذلك إلى حال لا حياة بعده فلا زكاة فيها):
قال الله تعالى (حرمت عليكم الميتة): [المائدة: ٣]
الآية قال الفاكهاني: قد تقدم الكلام على هذا في موضعه بما يغني عن الإعادة وما أحسن قول من قال ومن شأن الناس معادات المعاودات قلت، وظاهر كلام الشيخ سواء أنقذت مقاتلها أم لا فمهما آيس من حياتها فلا تؤكل وهو كذلك على خلاف.
(ولا بأس للمضطر أن يأكل الميتة ويشبع ويتزود فإن استغنى عنها طرحها):
اعلم أن قول الشيخ لا بأس نفي لما يتهم وإلا فالواجب أكله منها إجماعا، وما ذكر أنه يشبع هو قول سحنون وأكثر أهل المذهب وبه الفتوى، وقال ابن حبيب وابن الماجشون وأبوه وحكى ابن المنذر وعبد الوهاب عن مالك: لا يؤكل منها إلا ما يسد به رمقه خاصة، وهذا القول هكذا عزاه عياض في إكماله وهو الذي تركن إليه النفوس ومثل هذا الاختلاف اختلاف سحنون وابن حبيب فيمن اضطر لعطش في رمضان فأزاله هل يجوز له أكل بقية يومه أم لا؟ ويقرب منه اختلافهم فيمن يباح له أخذ الزكاة فقيل يجوز إعطاؤه ما يغنيه نصابا فأكثر قاله مالك وقيل: يمنع أن يعطي النصاب قاله عبد الملك والقولان حكاهما ابن الجلاب، واختلف هل يأكل من ميتة الآدمي أو لا يأكل لحمته على قولين.
(ولا بأس بالانتفاع بجلدها إذا دبغ):
ظاهر كلام الشيخ أن الذبغ يقيد بالانتفاع بالجلد في المائعات وغيرها وهو كذلك عند سحنون وغيره وقيل إن طهارته مقيدة باليابسات والماء وحده من المائعات لأن الماء يدفع عن نفسه وهذا القول هو المشهور، وظاهره أنه لا ينتفع به قبل الدبغ وهو كذلك وحكى بن رشد عن ابن وهب وظاهر سماع ابن القاسم أنه ينتفع به زعم ابن حارث الاتفاق على الأول، وما ذكر أنه لا يصلي عليه هو المشهور وكذلك في البيع وقيل يجوز البيع إذا دبغ وقيل يجوزه مطلقا وقول الشيخ وأحب إلينا أن يغسل هو خلا ابن حبيب بوجوب غسله.
وظاهر قوله ولا ينتفع بريشها: التحريم وتقدم أن في القرن والظلف والسن ثلاثة
стр. 834
أقوال ثالثها: الفرق بين طرفها وأصلها وكذلك في العظم الثلاثة حكاها غير واحد، وحكى الباجي فيه الفرق بين أن يصلق أم لا كأحد الأربعة في أنياب الفيل، وحمل بعض من لقيناه من القرويين قول الشيخ وكره الانتفاع بأنياب الفيل على ظاهره فجعله خامسا والأقرب رده إلى التحريم لعدم وجودها لغيره، قال الفاكهاني: هذا الذي ذكر الشيخ قد تقدم في الضحايا بعينه واستوعب الكلام عليه هناك ... من بعض النسخ لكنه ثابت في روايتنا.
(وكل شيء من الخنزير حرام):
قال عبد الوهاب: يريد مما يؤكل قلت وقد تقدم الكلام على شعر الخنزير هل نجس أو طاهر وهو المشهور وكذلك القولان في شعر الكلب.
(وحرم الله سبحانه شرب الخمر قليلها وكثيرها وشراب العرب يومئذ فضيخ التمر، وبين الرسول ﵇ أن كل ما أسكر كثيره من الأشربة فقليله حرام):
قال الله تعالى (إنما الخمر والميسر) [المائدة: ٩٠]
الآية وخرج مسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ "كل مسر خمر وكل خمر حرام ومن شرب خمرا في الدنيا ومات هو يومئذ لم يتب لم يشربها في الآخرة" وفي حديث أبي داود عنه ﷺ أنه قال: إني أنهاكم عن كل مسكر" وخرج البزار وغيره عن ابن عباس قال: حرمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها والمسكر من كل شراب.
وروى مرفوعا من حديث جماعة من الصحابة وكلهم ما بين ضعيف ومجهول، وقول الشيخ: وشراب العرب يومئذ فضيخ التمر قال الجوهري: والفضيخ شراب يتخذ من البسر وحده من غير أن تمسه النار.
(فكل ما خامر العقل فأسكره من كل شراب فهو خمر):
قال عبد الوهاب: أما إن أراد أنه من باب التحريم والحكم كالخمر فذلك صحيح لاجتماعهما في العلة وأما إن أراد أنه يسمى خمرا في اللغة حتى إذا ثبت ذلك صح دخوله تحت قوله تعالى "إنما الخمر والميسر" [المائدة: ٩٠]
الآية وتحت سائر الظواهر الواردة بتحريم الخمر فهذا مبني على صحة القياس في اللغة قد سلك هذه الطريقة أبو بكر بن الجهم ورواه ابن وهب وهي مسألة من أصول الفقه وفيها خلاف.
стр. 835
(وقال الرسول ﵇: أن الذي حرم شربها حرم بيعها):
هو مثل قوله ﷺ : "لعن الله اليهود حرمت عليها الشحوم فجملوها ثم باعوها وأكلوا أثمانها" وكذلك لعن ﷺ الخمرة عشرة: عاصرها، ومن اعتصرت له، وبائعها، ومن ابتاعها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وشاهدها، وآكل ثمنها.
(ونهى عن الخليطين من الأشربة وذلك أن يخلطا عند الانتباذ وعند الشرب):
يريد بالخليطين البسر والرطب والتمر والزبيب.
(ونهى عن الانتباذ في الدباء المزفت):
الدباء معلومة وهي القرعة المزفت قلال أو ظروف تزفت أو تقير ولا خصوصية ما ذكر الشيخ ﵀ من أن النهي عن الانتباذ فيما ذكر في الحديث الصحيح أن نهي عن التقير أيضا وهو قعر النخلة التي تنقر منه الآنية كذلك نهي عن المحنتم قال ابن حبيب: وهو ما كان من الجرار الكبار أخضر وأبيض مطليا بالزجاج الإمام المازري في المعلم في كتاب الإيما، روى ابن حبيب أنه أرخص في المحنتم، وروى القاضي أبو محمد المنع وأما النقير فروى عن مالك الكراهة والرخصة فيه وأما الدباء والمزفت فكره مالك نبيذهما قال ابن حبيب والتخليل أحب إلي.
(ونهى ﵇ عن أكل كل ذي ناب من السباع وعن أكل لحوم الحمر الأهلية ودخل مدخلها لحوم الخيل والبغال لقول الله تبارك تعالى: (لتركبوها وزينة) [النحل: ٨]).
اختلف في أكل كل ما يفترس على ثلاثة أقوال: فقيل: أكله حرام وقيل مكروه وقيل: ما يعدو حرام كالأسد والنمر وما لا يعدو فمكروه كالضبع والهر وكذلك اختلف في الحمر الأهلية والبغال بالتحريم والكراهة في الخيل ثلاثة أقوال: هذان القولان والثالث الإباحة هذا الذي نقله أهل المذهب، وحكى النووي عن مالك في الحمر الأهلية الإباحة كالخيل ولا أعرفه لغيره وعلل من ذهب إلى التحريم بأمره ﷺ بإراقتها وأجاب من أباح أكلها خارج المذهب عن ذلك خوف الفناء عليها مع الحاجة إليها فإذا كثرت كزماننا جاز أكلها وفعله ﷺ أدبا لأنها طبخت قبل القسمة أو لأنها كانت جلالة.
(ولا زكة في شيء منها إلا في الحمر الوحشية):
قال الفاكهاني: يريد زكاة لحمه وإلا ففي الكتاب تزكية السباع لأخذ
стр. 836
جلودها وتقدم ما ذكره الباجي من أن الزكاة توجب طهارة ما زكي مطلقا سواء قلنا يؤكل أو لا يؤكل.
(ولا بأس بأكل سباع الطير وكل ذي مخلب منها):
ما ذكر هو المشهور روي عن مالك: لا يؤكل كل ذي مخلب من الطير والمشهور لا كراهة في الخطاف وقيل مكروه وقال ابن بشير: هل هذا لأنه لا كبير لحم فيها فدخلت في باب تعذيب الحيوان لا لفائدة قال ابن عبدالسلام وفيه نظر.
(ومن الفرائض بر الوالدين وإن كانا فاسقين وإن كانا مشركين فليقل لهما قولا لينا):
اعلم أن بر الأب والأم متساو وتؤول أنه اختيار مالك ومذهبه وروي عن الليث بن سعد خلافه وذكر المحاسبي أن على تفضيل الأم على الأب في البر إجماع العلماء قال عبد الوهاب: والأبوان الكافران كالمسلمين إلا أن برهما ينقطع بالموت.
قال بعض الشيوخ: والفاسق من الأبوين يزاد في الدعاء على الآخر وقيل لشهاب بن خراش ما جعلت لأبيك من دعائك؟ قال: الثلثين ولأمي الثلث فقيل له: أليس يقال للأم ثلثا البر فقال: بلى ولكن أبي شرطي لأبي هريرة. واختلف في بر الجد فقال أبو بكر الطرطوشي: لم أجد نص العلماء في الأجداد والذي عندي أنهم لا يبلغون مبلغ الآباء واستدل بسلب الأبوة عنهم في الحقيقة بقوله تعالى (أحدهما أو كلاهما) [الإسراء: ٢٣]
ولو كان حكم الأجداد لقاله بلفظه الجمع وبقوله "أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك ثم أدناك فأدناك" وفي حديث آخر "أمك وأباك وأختك وأخاك ومولاك ثم أدناك فأدناك" قال: وفصل ﷺ ورتب الإخوة بعد الآباء واحتج بقوله تعالى (كما ربياني صغيرا) [الإسراء: ٢٤]
والتربية لا تكون إلا للوالدين.
قال عياض في الإكمال: والذي عندي خلاف ما ذهب إليه كله والمعروف من قول مالك ومن وافقه من أهل العلم من أصحابه لزوم بر الأجداد وتقديمهم وقربهم من الآباء، وقد روي عن مالك أنه لا يقتص من الجد لابن ابنه إلا أن يفعل به ما لا شك في قصده قتله كالأب سواء، وكذلك قالوا في الجهاد بغير إذنه لا يجوز كالآباء وكذلك اختلف في تغليظ الدية عليه في عمد قتله وفي قطعه في السرقة من مال حفيده، وأما الحديث الي احتج به من قوله أمك وأباك وأخاك ومولاك فهو حجة عليه لأنه لما لم يذكر الأجداد وقد ذكر الموالي دل على أنهم داخلون في عموم الآباء قلت: وقد ذكرنا بعض هذا الاحتجاج في أواخر الجهاد وابن عبد السلام حسن قول الطرطوشي قال:
стр. 837
وإن احتجاج عياض إنما يتم على من يدعي أن الجد لاحظ له من البر وهذا لم يذهب إليه أحد وسمعت شيخنا أبا مهدي أيده الله يذكر أهل قرطبة اختلفوا هل يجوز أن توكل الأم ولدها على والده أو يمنع وأنه حكم بجوازه.
(ولا يطعهما في معصية كما قال الله سبحانه):
قال ابن القاسم: إذا طلب الأعمى من ولده أن يذهب به إلى الكنيسة فليطعهما ويحميهما ويعطيهما ما ينفقان في أعيادهما ولكن لا يتولى ذلك بنفسه ولا يعطيهما ما ينفقان في الكنيسة وقال أشهب: لا يفعل ذلك كله.
(وعلى المؤمن أن يستغفر لأبويه المؤمنين وعليه موالاة المؤمنين والنصيحة لهم):
إنما كان عليه أن يستغفر لهما لقوله تعالى (وقل رب ارحمهما) [الإسراء: ٢٤]
الآية وفي الحديث إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث فذكر الولد الصالح يدعو له. وقد أجمع العلماء على أن الميت ينتفع بالدعاء له، وبالصدقة عليه، واختلف في قراءة القرآن على أربعة أقوال للعلماء يفصل في الثالث بين أن يكون عند القبر فينتفع بها الميت وإلا فلا، قال الفاكهاني: وذهب بعض الشافعية وأظنه أبا المعالي إلى أن القارئ إذا نوى أول قراءته أن يكون ثواب ما يقرأه لفلان الميت كان ذلك له وإلا فلا إذ ليس له أن ينقل ما ثبت ثوابه لغيره، قوله وعليه موالاة المؤمنين والنصيحة لهم، قيل هذا لقوله ﷺ "الدين النصيحة" الحديث.
وروي عن جابر أنه قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة والنصح لكل مسلم وقال ﷺ "لا تباغضوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله أخوان" وقال التادلي: اختلف إذا كان هناك من يشارك في النصيحة هل تجب عليك النصيحة أم لا سواء طلب منك أم لا كمن رأيته يفسد في صلاته؟ فقال الغزالي: يجب عليك النصح وقال ابن العريب، لا يجب قلت: الذي أقول به ما قاله الغزالي ويكون ذلك برفق لأنه أقرب للقبول.
ولا يبلغ أحد حقيقة الإيمان حتى يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه كذلك روي عن رسول الله ﷺ :
هذا الحديث يدل على أن المطلوب للعالم أن يود أن يكون كل الناس علماء مثله
стр. 838
وكذلك الصالح والغني، قال النواوي قال الشيخ أبو محمد بن الصلاح: هذا الحديث قد يعد من الصعب الممتنع وليس كذلك إذ معناه: لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه والقيام بذلك يحصل بأن يجب حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها بحيث لا تنقص النعمة على أخيه شيئا من النعمة عليه وذلك سهل على القلب السليم وإنما يعسر على القلب الدغل عافانا الله وإخواننا من ذلك أجمعين.
(وعليه أن يصل رحمه):
يريد بنفسه وماله إلا أن يعرض له ما هو أوكد كتعليمه العلم في بلد نائية يعسر عليه الزيارة لهم والدليل على ما ذكر الشيخ قوله تعالى (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) [الأنفال: ٧٥]
الأية وفي الحديث "صلة الرحم، تزيد في العمر" ويحتمل هذا بالنسبة إلى الملائكة وفي الحديث "الرحم معلقة بالعرش تقول يا رب صل من وصلني، واقطع من قطعني".
(ومن حق المؤمن على المؤمن أن يسلم عليه إذا لقيه ويعوده إذا مرض ويشمته إذا عطس ويشهد جنازته إذا مات ويحفظه إذا غاب في السر والعلانية):
لا شك أن هذا من حقه كما قال ويتكلم الشيخ بعد على حكم الإسلام ابتداء وانتهاء.
(ولا يهجر أخاه فوق ثلاث ليال والسلام يخرجه من الهجران ولا ينبغي له أن يترك كلامه بعد السلام):
والأصل في ذلك ما رواه مالك عن ابن شهاب عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" وروى مالك عن سهل عن أبيه عن أبي هريرة أن رسولا الله ﷺ قال "تفتح أبوا الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال أنظروا هذين حتى يصطلحا" قال بعض من لقيناه من القرويين قول الشيخ والسلام يخرج من الهجران إذا نوى به ذلك وإلا فلا ويذكر أن أبا عمران نص عليه.
стр. 839
(والهجران الجائز هجران ذي البدعة أو متجاهر بالكبائر):
قال الفاكهاني: يريد بالبدعة المحرمة كأهل الأهواء والخوارج: وفي البدعة المكروهة عندي نظر هل يحل هجران مرتكبها أم لا؟
(ومن مكارم الأخلاق أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك):
قيل هذه الألفاظ الثلاث تفسير لقوله (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) [الأعراف: ١٧٧]
، واختلف العلماء هل ينفع تحليل من الظلامات والتباعات أم لا؟ على ثلاثة أقوال فقال ابن المسيب بعدم التحليل مطلقا وقال غيره بعكسه وفرق مالك بين الظلامات فلا تحل بخلاف الديون ونحوها، قال ابن العربي: إذا مات الذي له التباعات انتقلت إلى ورثته وإذا رد الغاصب ما كان عليه للورثة برئ من التباعات بإجماع وبقي عليه حق المطل.
واختلف إذا لم يعط الغاصب للورثة شيئا ثم اجتمعوا في الآخرة لمن يكون ما عليه هل للورثة أو للميت؟ على قولين قلت: وأفتى شيخنا أبو محمد عبدالله الشيبيي- ﵀ بأن ذلك للورثة وعلل بما سبق من أنه لو دفعه إليهم تبرأ ذمته إجماعا وذلك حق للورثة وشق ذلك على العامة بالقيروان لكثرة المطالب التي يؤدونها على الزرع لغلبة الأعراب عليه فجعل الفلاحون يأتون أفواجا ويقولون يا سيدنا بلغنا كذا فيقول نعم فيها خلاف وهذا الذي ظهر لي من الترجيح فرأيت بعضهم يبكي واشتد بكاؤه فجعل الشيخ يقول لهم على طريق المؤانسة على الظالم ما تعبتم بسببه وما غير به قلوبكم إلى غير ذلك.
(وجماع آداب الخير وأزمته تتفرع عن أربعة أحاديث قول النبي علي السلام "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" وقوله ﵇ "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" وقوله للذي اختصر له في الوصية "لا تغضب" وقوله "المؤمن يحب لأخيه المؤمن ما يحبه لنفسه"):
أما الحديث الأول فخرجه مسلم، وأما الحديث الثاني فخرجه الترمذي من كتاب الزهد في حديث الزهري من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال الترمذي وهو غريب من هذا الوجه والمشهور عن مالك عن الزهري عن علي بن حسين عن النبي ﷺ مرسلا، وهو أحد الأحاديث الأربعة التي عليها مدار الإسلام وحديث "إنما الأعمال بالنيات والحلال بين والحرام بين، ومن وراء ذلك أمور متشابهات وازهد
стр. 840
في الدنيا يحبك الله" وقد نظمها أبو الحسن ظاهر بن فورك رحمه الله تعالى فقال:
عمدة الشرع عندنا كلمات: أربع من كلام خيرالبرية
اتق الشبهات وازهد ودع ما: ليس يعنيك واعملن بنية
وأما الحديث الثالث فخرجه البخاري ولم يخرجه مسلم أخرجه البخاري في كتاب الأدب عن يحيى بن يوسف عن أبي بكر بن عياش عن أبي حفص عن أبي صالح عبد الله بن ذكوان عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وأما الحديث الرابع فخرجه مسلم ولفظه " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه أو لجاره ما يحب لنفسه" هكذا في مسلم على الشك وهكذا هو في مسند عبدالله بن حميد على الشك وهو في البخاري من غير شك، قال العلماء: معناه لا يؤمن الإيمان التام والمراد يحب لأخيه من الطاعات والأشياء المباحات ويدل عليه ما جاء في رواية النسائي في هذا الحديث "حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه".
(ولا يحل لك أن تتعمد سماع الباطل كله):
الباطل ضد الحق قولا كان أو فعلا ومفهوم الشيخ أن سماعه من غير تعمد جائز وهو كذلك كالنظرة الأولى قال الفاكهاني: وقد روي عن ابن عمر فيما أظن أنه لما سمع صفارة الراعي سد أذنيه وكان معه إنسان فيقول له تسمع حتى بعد عن الصوت فظاهر هذا عدم التحريم إذ لو كان حراما لأمر من معه أن يفعل كفعله من سد أذنيه.
(وإلا أن تتلذذ بسماع كلام امرأة لا تحل لك):
قال ابن شعبان: وكذلك لا يحل لك سماع صوت الأمرد من الصبيان إذا كان فيه لين يخشى منه اللذة وقبله التادلي وأردفه بقول الغزالي ولا يصلي وراءه الأشفاع لأنه يتلذذ بصوته قال الفاكهاني: وانظر قول الشيخ ولا تتلذذ ولم يقل ولا أن تسمع لأن كلام المتجالة وما في معناها جائز.
(ولا سماع شيء من الملاهي والغناء):
قال الفاكهاني: لم أعلم في كتاب الله آية صريحة ولا في السنة حديثا صحيحا صريحا في تحريم الملاهي وإنما هي ظواهر وعمومات يتأنس بها للاأدلة قاطعة واستدل ابن رشد بقوله تعالى (وإذا سمعوا اللغو اعرضوا عنه) [القصص: ٥٥]
وأي دليل في ذلك على تحريم الملاهي والغناء وللمفسرين في ذلك أربعة أقوال:
الأول: أنها ما زالت في قوم من اليهود أسلموا فكان اليهود يلقونهم بالسب والشتم فيعرضون عنهم.
стр. 841
الثاني: قوم من اليهود أسلموا فكانوا إذا سمعوا ما غيره اليهود من التوراة وبدلوه من نعت محمد ﷺ وصفته أعرضوا عنه وذكروا الحق.
الثالث: أنهم المسلمون إذا سمعوا الباطل لم يلتفتوا إليه.
الرابع: أنهم من أناس من أهل الكتاب لم يكونوا من اليهود ولا النصارى وكانوا على دين الله كانوا ينتظرون بعث محمد ﷺ فلما سمعوا به بمكة قصدوه فعرض عليهم القرآن فأسلموا فكان الكفار من قريش يقولون لهم أف لكم من قوم اتبعتم غلاما كرهه قومه وهم أعلم منكم به، قاله ابن العربي في أحكامه فليت شعري كيف يقوم الدليل من هذه الآية على تحريم الملاهي والغناء.
استدل أيضا بقوله تعالى (فماذا بعد الحق إلا الضلال) [يونس: ٣٢]
وهذا كما تقدم أعني لا صراحة فيه ولا تحريم شيء بعينه حتى يكون نصا في عين المسألة المطلوبة، واستدل أيضا بقوله ﷺ "وكل لهو يلهو به المؤمن باطل إلا ثلاثة، ملاعبة الرجل زوجته، وتأديبه فرسه، ورميه عن قوسه" قال الغزالي: قلنا قوله ﷺ فهو باطل لا يدل على التحريم بل يدل على عدم الفائدة وقد سلم ذلك على أن الملاهي بالنظر إلى الحبشة خارج عن هذه الثلاثة وليس بحرام بل يلحق بالمحظور غير المحظور كقوله ﷺ "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بأحد ثلاثة" فإنه يلحق به رابع وخامس وكذلك ملاعبة زوجته فلا فائدة فيها إلا التلذذ وفي هذا دليل على أن التفرج في البساتين وسماع أصوات الطيور وأنواع الملهيات مما يلهو به الرجل لا يحرم شيء منها، وإن جاز وصفه بأنه باطل، وبالجملة فإن لأصحابنا ظواهر يستدلون لها على التحريم كما لغيرنا ظواهر يستدلون بها على الإباحة.
قال الشيخ أبو القاسم القشيري ﵁ مستدلا على إباحة السماع قال الله تعالى (فبشر عباد، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) [الزمر: ١٧، ١٨]
قال: ويقتضي قوله التعميم والاستغراق والدليل علىه أنه مدحهم بسماع الأحسن وقال تعالى (فهم في روضة يخبرون) [الروم: ١٥]
وقال في التفسير أنه السماع قال: وأعلم أن سماع الأشعار بالأصوات الطيبة والنغم المستلذة إذا لم يقصد المستمع محظور أو لم يشتل على مذموم في الشرع ولم ينجرر في زمام هواه ولم ينخرط في سلك لهوه فمباح في الجملة، ولا خلاف أن الأشعار أنشدت بين يدي
стр. 842
رسول الله ﷺ وأنه سمعها ولم ينكر عليهم في إنشادها فإذا جاز سماعها بغير الألحان الطيبة فلا يتغير الحكم بأن يسمع بالألحان الطيبة هذا ظاهر من الأمر، وثم ما يوجب للمستمع من توفر الرغبة على الطاعة فيذكر ما أعد الله لعباده من الدرجات، ويحمله على التحرز من الزلات ويؤدي في الحال إلى صفاء الواردات مستحب في الدين وممتاز في الشرع.
ثم قال بعد كلام: وقد سمع السلف والأكابر الأبيات والألحان وممن قال بإباحاته من السلف: مالك بن أنس وأهل الحجاز كلهم يبيحون الغناء وأما الحداء فأجمعوا على إجازته وقد وردت الأخبار واستفاضت الآثار في ذلك وذكر في ذلك أوارقا لا نطول بذكرها إذا كان موضعها معروفا، وأما الإمام أبو حامد الغزالي ﵀ فأفتى بذلك في البحر الزخار وأورد كل ما استدل به من قال بتحريم السماع، وأجاب بأجوبة لا يشك سامعها في أنها أجوبة صحيحة لا تكاد تنقض فعليك بالأحياء إن أردت الوقوف عليها فإن هذا الكتاب ليس موضعا لذلك والذي في ذلك أني لا اعتقد تحريمه، ولا إباحته على الإطلاق بل على التفصيل بحسب الأشخاص والأحوال ووجود الشروط وعدمها على ما هو مذكور في كتاب علماء الصوفية وأرباب القلوب أعاد الله علينا من بركاتهم ولا أحرمنا الإيمان بكراماتهم حتى يجتمع علينا مصيبتان: عدم الوصول إلى مرتبتهم وعدم الإيمان بأحوالهم قلت وبهذا التفصيل أقول ومن رأي حالهم اتصف بطريقتهم وحقر نفسه معهم.
وممن كان يبيحه ويرغب الناس في الاجتماع إليه ويحضره من العلماء القرويين المتأخرين الشيخ الصالح العالم الورع أبو عمران موسى بن عيسى المناري كان يقع بين يديه في زاويته المعروفة بالقيروان وهو في خلوته وأجمع أهل عصره على علمه ودينه وشرع في تأليفه على التهذيب وصل فيه إلى صلاة السفر وتكلم فيه بكلام مشبع يعلم فيه فقه فلما نظر في كتاب الغزالي المسمى بالإحياء تفرغ للعبادة ليلا ونهار أيعمر ميعاده بقراءة الرقائق ويعظ الناس وكان لا يحضر ميعاده أهل الدنيا لما يسمعون منه، وكان ممن يعمله لنفسه شيخ الفقراء والصلاح عندنا بالقيروان في عصره الشيخ الصالح الورع الزاهد أبو عبد الله محمد بن عبد العزيز الحريري نفعنا الله به لقد مررت بزاويته، وسمعته نشد فوقفت في الزقاق أسمع وهبت أن أدق الباب لأنه كان مغلقا وليس على الشيخ دلالة وكان ذلك في جوف الليل ليلة سفره إلى المشرق فأصابني حال عظيم وكاد عقلي أن يزهق، ووددت أني أحضر في حلقته تلك الساعة، وأخرج عن ملك الدنيا بأسرها لو ملكتها.
стр. 843
وبالجملة فإن القرويين من الطلبة والمرابطين يتسامحون في حضوره بأنفسهم ويرغبون العامة في ذلك، وأما المتصدرون بالخطط منهم فهم لا يفعلون ذلك متبعين في ذلك أشياخ التونسيين المنكرين ذلك أتم إنكار مصرحين بتحريم من يفعل ذلك.
(ولا قراءة القرآن باللحون كترجيع الغناء وليجل كتاب الله العزيز أن يتلى إلا بسكينة ووقار وما يوقن أن الله يرضى به ويقرب منه مع إحضار الفهم لذلك):
اللحون والألحان جميع لحن بإسكان الحاء قال ابن رشد: فالواجب أن ينزه القرآن عن ذلك، ولا يقرأ إلا على الوجه الذي يخشع به القلب ويزيد في الإيمان وينبغي تفهمه ما عند الله لقوله تعالى (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا) [الأنفال: ٢]
الآية وقوله تعالى (أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالها) [محمد: ٢٤]
وقوله (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول) [المائدة: ٣٨]
الآية.
والألحان تكره في الشعر فكيف بالقرآن؟ فمن قصد إلى سماع القرآن بالصوت الحسن فهو حسن، وقد قال عمر بن الخطاب ﵁ لأبي موسى الأشعري ذكرنا رنبا لحسن صوته بالقرآن وتجويده لقراءته، وقد اختلف في تأويل قوله ﷺ "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" اختلافا كثيرا وأحسن ما قيل في ذلك أن يكون المعنى فيه: ليس منا من لم يتلذذ بسماع القرآن لرقة قبل وشوقه إلى ما عند ربه كما يتلذذ أهل الغواني بسماع غوانيهم.
(ومن الفرائض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل من بسطت يده في الأرض وعلى كل من تصل يده إلى ذلك فإن لم يقدر فبلسانه فإن لم يقدر فبقلبه):
المعروف هنا ما أمر الله سبحانه به والمنكر ما نهى عنه والأصل في ذلك ما قاله أبو موسى واستحسنه قال: قال رسول الله ﷺ "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم"، وروى جرير بن عبدالله البجلي أن رسول الله ﷺ قال: "ما من قوم يعلم فيهم بالمعاصي هم أعز وأكثر ممن يعمله فلا يغيرونه إلا عمهم الله بعقابه" ويشترط في ثلاثة شروط الأول: أن يكون المتولي عالما بما يأمر به، وبما ينهى
стр. 844
عنه. الثاني: أن يأمر أن يؤدي إنكاره إلى أكبر من مثل أن ينهى عن شرب الخمر فيؤول نهيه عنه إلى قتل النفس ونحوها الثالث: أن يعلم أو يغلب على ظنه أن إنكاره المنكر مزيل له وأن أمره بالمعروف مؤثر فيه ونافع وفقد أحد الشرطين يمنع الجواز وفقد الثالث يسقط الوجوب فقط ويبقى الجواز والندب.
قال التادلي: واختلف في شرطين وهما العدالة وإذن الإمام والمشهور عدم اشتراطهما واختلف إذا رأى بهيمة تفسد شيئا على أقوال ثالثها: يجب علي منعها إن لم تكن فيه مشقة قلت: لا أعرف هذا النقل لغيره وسألت عنه شيخنا أبا مهدي أيده لاله فأنكره قائلا: مقتضى المذهب الوجوب باتفاق نعم يختلف في عزمه إن تركها حتى أفسدت جريا على الخلاف في الترك هل هو كالفعل أم لا؟ وقد علمت النظائر المذكور في ذلك ويشترط في المنكر ظهوره في الوجود من غيرتجسس، ولا يسرق سماعا ولا يستنشق رائحة يتوصل بذلك إلى المنكر ولا يبحث عما أخفى في يده أو ثوبه أو دكانه أو داره فإن السعي في ذلك حرام لقوله تعالى (ولا تجسسوا) [الحجرات: ١٢].
وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أحس من رجل بالخنا فتسور عليه فرآه على منكر فصاح عليه فقال الرجل: يا أمير المؤمنين إن عصيت الله في واحدة فقد عصيته أنت في ثلاثة فقال: وما هن قال: تجسست وقد قال ولا تجسسوا فقد نهى عنه، وأتيت البيوت من ظهورها وقد أمر تعالى إتيانها من أبوابها، ودخلت غير بيتك من غير استئذان وتسليم وقد أمر الله تعالى بذلك فقال عمر: صدقت فاستغفر لنا فقال: غفر الله لنا ولك يا أمير المؤمنين.
(وفرض على كل مؤمن أن يريد بكل قول وعمل من البر وجه الله الكريم ومن أريد بذلك غيرالله لم يقبل عمله):
الدليل على ذلك قوله تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) [البينة: ٥]
الآية، وقوله تعالى (ألا لله الدين الخالص) [الزمر: ٣]
وقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" قال الغزالي: الإخلاص عند علمائنا إخلاصان إخلاص العمل، وإخلاص طلب الأجر فأما إرادة إخلاص العمل فهو التقرب إلى الله تعالى وتعظيم أمره وإجابة دعوته
стр. 845
وأما إخلاص طلب الأجر فهو إرادة نفع الآخرة يعمل الخير، قلت: وكلام المؤلف كالنص بأن الرياء لو طرأ في أثناء العمل يفسده، وهو كذلك وبه أفتى غير واحد ممن أدركناهم ﵃ وأرضاهم.
(والرياء هو الشرك الأصغر):
هو أن يريد بعمله غير الله أو يشرك فيه غيره.
(والتوبة فريضة من كل ذنب من غير إصرار والإصرار المقام على الذنب واعتقاد العود إليه):
يريد الكبائر وأما الصغائر فلا تفتقر إلى توبة منها إذا اجتنبت الكبائر وظاهره سواء كان الذنب معلوما أو مجهولا وهو كذلك قال الشيخ أبو علي ناصر الدين: تجب التوبة من المعلوم تفصيلا ومن المجهول إجمالا وتقدم في العقيدة فروع متعدة في أحكام التوبة هل هي مقطوع بها أم لا؟ إلى غير ذلك.
(ومن التوبة رد المظالم واجتناب المحارم والنية أن لا يعود وليستغفر الله ربه):
قال التادلي: ولابد من رد المظالم إلى المظلوم أو إلى ورثته ولو أتى على جميع ماله فإن لم يكن له ورثة تصدق به عليه وقال بعضهم: يترك لنفسه ما يترك للمفلس قلت: وهو ضعيف لأن المفلس أخذ مال الغرماء عن طيب أنفسهم فهم عاملوه على إبقاء شيء بيده بخلاف من أخذ له مال كرها فيناسبه أخذ جميع ما بيده. (ويرجو رحمته ويخاف عذابه ويتذكر نعمته لديه ويشكر فضله عليه بالأعمال بفرائضه وترك ما يكره فعله ويتقرب إليه بما تيسر له من نوافل الخير):
يعني أن جامع بين الرجاء والخوف ويغلب الرجاء عند الموت ليلقى الله على حسن الظن به وفي الحديث "أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيرا.
(وكل ما ضيع من فرائضه فيلفعله الآن):
قال الفاكهاني: لأن الفرض المطلوب لا يسقط بالنسيان فإذا ضيع فرضه قضى، والأصل في ذلك قوله ﷺ : "من نسي صلاة أو نام عنها فليقضها إذا ذكرها" ولا خلاف في ذلك قلت: أما ما ترك في العمد فالخلاف فيه بالنص والتخريج كما قدمنا في محله قال عياض: سعت بعض شيوخنا يحكي أنه بلغه عن مالك قولة شاذة بسقوط القضاء ولا يصح عنه ولا عن غيره من الأئمة سوى داود بن عبد الرحمن الشافعي
следующие страницы →