← Фикх малики

Фикх малики · id 14555

شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة

ابن ناجي التنوخي

Полный текст (890 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

الثاني: قوم من اليهود أسلموا فكانوا إذا سمعوا ما غيره اليهود من التوراة وبدلوه من نعت محمد ﷺ وصفته أعرضوا عنه وذكروا الحق. الثالث: أنهم المسلمون إذا سمعوا الباطل لم يلتفتوا إليه. الرابع: أنهم من أناس من أهل الكتاب لم يكونوا من اليهود ولا النصارى وكانوا على دين الله كانوا ينتظرون بعث محمد ﷺ فلما سمعوا به بمكة قصدوه فعرض عليهم القرآن فأسلموا فكان الكفار من قريش يقولون لهم أف لكم من قوم اتبعتم غلاما كرهه قومه وهم أعلم منكم به، قاله ابن العربي في أحكامه فليت شعري كيف يقوم الدليل من هذه الآية على تحريم الملاهي والغناء. استدل أيضا بقوله تعالى (فماذا بعد الحق إلا الضلال) [يونس: ٣٢] وهذا كما تقدم أعني لا صراحة فيه ولا تحريم شيء بعينه حتى يكون نصا في عين المسألة المطلوبة، واستدل أيضا بقوله ﷺ "وكل لهو يلهو به المؤمن باطل إلا ثلاثة، ملاعبة الرجل زوجته، وتأديبه فرسه، ورميه عن قوسه" قال الغزالي: قلنا قوله ﷺ فهو باطل لا يدل على التحريم بل يدل على عدم الفائدة وقد سلم ذلك على أن الملاهي بالنظر إلى الحبشة خارج عن هذه الثلاثة وليس بحرام بل يلحق بالمحظور غير المحظور كقوله ﷺ "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بأحد ثلاثة" فإنه يلحق به رابع وخامس وكذلك ملاعبة زوجته فلا فائدة فيها إلا التلذذ وفي هذا دليل على أن التفرج في البساتين وسماع أصوات الطيور وأنواع الملهيات مما يلهو به الرجل لا يحرم شيء منها، وإن جاز وصفه بأنه باطل، وبالجملة فإن لأصحابنا ظواهر يستدلون لها على التحريم كما لغيرنا ظواهر يستدلون بها على الإباحة. قال الشيخ أبو القاسم القشيري ﵁ مستدلا على إباحة السماع قال الله تعالى (فبشر عباد، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) [الزمر: ١٧، ١٨] قال: ويقتضي قوله التعميم والاستغراق والدليل علىه أنه مدحهم بسماع الأحسن وقال تعالى (فهم في روضة يخبرون) [الروم: ١٥] وقال في التفسير أنه السماع قال: وأعلم أن سماع الأشعار بالأصوات الطيبة والنغم المستلذة إذا لم يقصد المستمع محظور أو لم يشتل على مذموم في الشرع ولم ينجرر في زمام هواه ولم ينخرط في سلك لهوه فمباح في الجملة، ولا خلاف أن الأشعار أنشدت بين يدي

стр. 842

رسول الله ﷺ وأنه سمعها ولم ينكر عليهم في إنشادها فإذا جاز سماعها بغير الألحان الطيبة فلا يتغير الحكم بأن يسمع بالألحان الطيبة هذا ظاهر من الأمر، وثم ما يوجب للمستمع من توفر الرغبة على الطاعة فيذكر ما أعد الله لعباده من الدرجات، ويحمله على التحرز من الزلات ويؤدي في الحال إلى صفاء الواردات مستحب في الدين وممتاز في الشرع. ثم قال بعد كلام: وقد سمع السلف والأكابر الأبيات والألحان وممن قال بإباحاته من السلف: مالك بن أنس وأهل الحجاز كلهم يبيحون الغناء وأما الحداء فأجمعوا على إجازته وقد وردت الأخبار واستفاضت الآثار في ذلك وذكر في ذلك أوارقا لا نطول بذكرها إذا كان موضعها معروفا، وأما الإمام أبو حامد الغزالي ﵀ فأفتى بذلك في البحر الزخار وأورد كل ما استدل به من قال بتحريم السماع، وأجاب بأجوبة لا يشك سامعها في أنها أجوبة صحيحة لا تكاد تنقض فعليك بالأحياء إن أردت الوقوف عليها فإن هذا الكتاب ليس موضعا لذلك والذي في ذلك أني لا اعتقد تحريمه، ولا إباحته على الإطلاق بل على التفصيل بحسب الأشخاص والأحوال ووجود الشروط وعدمها على ما هو مذكور في كتاب علماء الصوفية وأرباب القلوب أعاد الله علينا من بركاتهم ولا أحرمنا الإيمان بكراماتهم حتى يجتمع علينا مصيبتان: عدم الوصول إلى مرتبتهم وعدم الإيمان بأحوالهم قلت وبهذا التفصيل أقول ومن رأي حالهم اتصف بطريقتهم وحقر نفسه معهم. وممن كان يبيحه ويرغب الناس في الاجتماع إليه ويحضره من العلماء القرويين المتأخرين الشيخ الصالح العالم الورع أبو عمران موسى بن عيسى المناري كان يقع بين يديه في زاويته المعروفة بالقيروان وهو في خلوته وأجمع أهل عصره على علمه ودينه وشرع في تأليفه على التهذيب وصل فيه إلى صلاة السفر وتكلم فيه بكلام مشبع يعلم فيه فقه فلما نظر في كتاب الغزالي المسمى بالإحياء تفرغ للعبادة ليلا ونهار أيعمر ميعاده بقراءة الرقائق ويعظ الناس وكان لا يحضر ميعاده أهل الدنيا لما يسمعون منه، وكان ممن يعمله لنفسه شيخ الفقراء والصلاح عندنا بالقيروان في عصره الشيخ الصالح الورع الزاهد أبو عبد الله محمد بن عبد العزيز الحريري نفعنا الله به لقد مررت بزاويته، وسمعته نشد فوقفت في الزقاق أسمع وهبت أن أدق الباب لأنه كان مغلقا وليس على الشيخ دلالة وكان ذلك في جوف الليل ليلة سفره إلى المشرق فأصابني حال عظيم وكاد عقلي أن يزهق، ووددت أني أحضر في حلقته تلك الساعة، وأخرج عن ملك الدنيا بأسرها لو ملكتها.

стр. 843

وبالجملة فإن القرويين من الطلبة والمرابطين يتسامحون في حضوره بأنفسهم ويرغبون العامة في ذلك، وأما المتصدرون بالخطط منهم فهم لا يفعلون ذلك متبعين في ذلك أشياخ التونسيين المنكرين ذلك أتم إنكار مصرحين بتحريم من يفعل ذلك. (ولا قراءة القرآن باللحون كترجيع الغناء وليجل كتاب الله العزيز أن يتلى إلا بسكينة ووقار وما يوقن أن الله يرضى به ويقرب منه مع إحضار الفهم لذلك): اللحون والألحان جميع لحن بإسكان الحاء قال ابن رشد: فالواجب أن ينزه القرآن عن ذلك، ولا يقرأ إلا على الوجه الذي يخشع به القلب ويزيد في الإيمان وينبغي تفهمه ما عند الله لقوله تعالى (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا) [الأنفال: ٢] الآية وقوله تعالى (أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالها) [محمد: ٢٤] وقوله (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول) [المائدة: ٣٨] الآية. والألحان تكره في الشعر فكيف بالقرآن؟ فمن قصد إلى سماع القرآن بالصوت الحسن فهو حسن، وقد قال عمر بن الخطاب ﵁ لأبي موسى الأشعري ذكرنا رنبا لحسن صوته بالقرآن وتجويده لقراءته، وقد اختلف في تأويل قوله ﷺ "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" اختلافا كثيرا وأحسن ما قيل في ذلك أن يكون المعنى فيه: ليس منا من لم يتلذذ بسماع القرآن لرقة قبل وشوقه إلى ما عند ربه كما يتلذذ أهل الغواني بسماع غوانيهم. (ومن الفرائض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل من بسطت يده في الأرض وعلى كل من تصل يده إلى ذلك فإن لم يقدر فبلسانه فإن لم يقدر فبقلبه): المعروف هنا ما أمر الله سبحانه به والمنكر ما نهى عنه والأصل في ذلك ما قاله أبو موسى واستحسنه قال: قال رسول الله ﷺ "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم"، وروى جرير بن عبدالله البجلي أن رسول الله ﷺ قال: "ما من قوم يعلم فيهم بالمعاصي هم أعز وأكثر ممن يعمله فلا يغيرونه إلا عمهم الله بعقابه" ويشترط في ثلاثة شروط الأول: أن يكون المتولي عالما بما يأمر به، وبما ينهى

стр. 844

عنه. الثاني: أن يأمر أن يؤدي إنكاره إلى أكبر من مثل أن ينهى عن شرب الخمر فيؤول نهيه عنه إلى قتل النفس ونحوها الثالث: أن يعلم أو يغلب على ظنه أن إنكاره المنكر مزيل له وأن أمره بالمعروف مؤثر فيه ونافع وفقد أحد الشرطين يمنع الجواز وفقد الثالث يسقط الوجوب فقط ويبقى الجواز والندب. قال التادلي: واختلف في شرطين وهما العدالة وإذن الإمام والمشهور عدم اشتراطهما واختلف إذا رأى بهيمة تفسد شيئا على أقوال ثالثها: يجب علي منعها إن لم تكن فيه مشقة قلت: لا أعرف هذا النقل لغيره وسألت عنه شيخنا أبا مهدي أيده لاله فأنكره قائلا: مقتضى المذهب الوجوب باتفاق نعم يختلف في عزمه إن تركها حتى أفسدت جريا على الخلاف في الترك هل هو كالفعل أم لا؟ وقد علمت النظائر المذكور في ذلك ويشترط في المنكر ظهوره في الوجود من غيرتجسس، ولا يسرق سماعا ولا يستنشق رائحة يتوصل بذلك إلى المنكر ولا يبحث عما أخفى في يده أو ثوبه أو دكانه أو داره فإن السعي في ذلك حرام لقوله تعالى (ولا تجسسوا) [الحجرات: ١٢]. وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أحس من رجل بالخنا فتسور عليه فرآه على منكر فصاح عليه فقال الرجل: يا أمير المؤمنين إن عصيت الله في واحدة فقد عصيته أنت في ثلاثة فقال: وما هن قال: تجسست وقد قال ولا تجسسوا فقد نهى عنه، وأتيت البيوت من ظهورها وقد أمر تعالى إتيانها من أبوابها، ودخلت غير بيتك من غير استئذان وتسليم وقد أمر الله تعالى بذلك فقال عمر: صدقت فاستغفر لنا فقال: غفر الله لنا ولك يا أمير المؤمنين. (وفرض على كل مؤمن أن يريد بكل قول وعمل من البر وجه الله الكريم ومن أريد بذلك غيرالله لم يقبل عمله): الدليل على ذلك قوله تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) [البينة: ٥] الآية، وقوله تعالى (ألا لله الدين الخالص) [الزمر: ٣] وقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" قال الغزالي: الإخلاص عند علمائنا إخلاصان إخلاص العمل، وإخلاص طلب الأجر فأما إرادة إخلاص العمل فهو التقرب إلى الله تعالى وتعظيم أمره وإجابة دعوته

стр. 845

وأما إخلاص طلب الأجر فهو إرادة نفع الآخرة يعمل الخير، قلت: وكلام المؤلف كالنص بأن الرياء لو طرأ في أثناء العمل يفسده، وهو كذلك وبه أفتى غير واحد ممن أدركناهم ﵃ وأرضاهم. (والرياء هو الشرك الأصغر): هو أن يريد بعمله غير الله أو يشرك فيه غيره. (والتوبة فريضة من كل ذنب من غير إصرار والإصرار المقام على الذنب واعتقاد العود إليه): يريد الكبائر وأما الصغائر فلا تفتقر إلى توبة منها إذا اجتنبت الكبائر وظاهره سواء كان الذنب معلوما أو مجهولا وهو كذلك قال الشيخ أبو علي ناصر الدين: تجب التوبة من المعلوم تفصيلا ومن المجهول إجمالا وتقدم في العقيدة فروع متعدة في أحكام التوبة هل هي مقطوع بها أم لا؟ إلى غير ذلك. (ومن التوبة رد المظالم واجتناب المحارم والنية أن لا يعود وليستغفر الله ربه): قال التادلي: ولابد من رد المظالم إلى المظلوم أو إلى ورثته ولو أتى على جميع ماله فإن لم يكن له ورثة تصدق به عليه وقال بعضهم: يترك لنفسه ما يترك للمفلس قلت: وهو ضعيف لأن المفلس أخذ مال الغرماء عن طيب أنفسهم فهم عاملوه على إبقاء شيء بيده بخلاف من أخذ له مال كرها فيناسبه أخذ جميع ما بيده. (ويرجو رحمته ويخاف عذابه ويتذكر نعمته لديه ويشكر فضله عليه بالأعمال بفرائضه وترك ما يكره فعله ويتقرب إليه بما تيسر له من نوافل الخير): يعني أن جامع بين الرجاء والخوف ويغلب الرجاء عند الموت ليلقى الله على حسن الظن به وفي الحديث "أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيرا. (وكل ما ضيع من فرائضه فيلفعله الآن): قال الفاكهاني: لأن الفرض المطلوب لا يسقط بالنسيان فإذا ضيع فرضه قضى، والأصل في ذلك قوله ﷺ : "من نسي صلاة أو نام عنها فليقضها إذا ذكرها" ولا خلاف في ذلك قلت: أما ما ترك في العمد فالخلاف فيه بالنص والتخريج كما قدمنا في محله قال عياض: سعت بعض شيوخنا يحكي أنه بلغه عن مالك قولة شاذة بسقوط القضاء ولا يصح عنه ولا عن غيره من الأئمة سوى داود بن عبد الرحمن الشافعي

стр. 846

وإنكار عياض لا ينفيه لأن من حفظ مقدم على من لم يحفظ لقلة الناقلين ولإطلاع بعضهم على من لم يطلع عليه الآخر قال سند يتخرج على قول ابن حبيب بتكفيره لأنه مرتد تاب. (وليرغب إلى الله في تقبله ويتوب إليه من تضييعه وليلجأ إلى الله فيما عسر عليه من قياد نفسه ومحاولة أمره موقنا أنه المالك لصلاح شأنه وتوفيقه وتسديده لا يفارق ذلك على ما فيه من حسن أو قبيح ولا ييأس من رحمة الله): قال عبدالوهاب: لأن الله هو المسهل والميسر وبيده التوفيق والتسهيل وقد قال تعالى (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده) [فاطر:٢] ، وقال تعالى (وما توفيقي إلا بالله) [هود: ٨٨] وقال تعالى (رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري) [طه: ٢٥، ٢٦] ، وقال تعالى: (ولا تيئسوا من روح الله) [يوسف: ٨٧] الآية، وقال تعالى (ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) [النور:٤٠]. قال التادلي: وأشار الشيخ بقوله وليلجأ إلى الله فيما عسر عليه إلى آخره جهاد نفسه وهو أعظم من جهاد العدو ولأنه فرض عين ولكونه دائما وكونه متصلا بالنفس وكونه لا يحصل إلا باسعتمال النفس في جميع الطاعات وكفها عن المحرمات بخلاف جهاد العدو في الجميع. (والفكرة في أمر الله مفتاح العبادة): فاستعن بذكر الموت والفكرة فيما بعده وفي نعمة ربك عليك وإمهاله لك وأخذه لغيرك بذنبه وفي سالف ذنبك وعاقبة أمرك ومبادرة ماعسى أن يكون قد اقترب من أجلك أشار الشيخ بقوله في أمر الله لقوله ﷺ "تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق لأنكم لا تقدرون قدره) وهو معنى قوله تعالى (ويتفكرون في خلق السموات والأرض) [آل عمران: ١٩١]. ولقد أحسن من قال من العلماء: المتفكر في ذات الله كالناظر في عين الشمس لأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وقال الحسن بن أبي الحسن "الفكرة مرآة المؤمن ينظر فيها إلى حسناته وسيئاته" وقال بن عباس وأبو الدرداء "فكرة ساعة خير من عبادة سنة" وما هو إلا أن تحل أطناب خيمتك فتجعلها في الآخرة، وأخذ أبو سليمان الداراني قدحا من الماء ليتوضأ لصلاة الليل وعنده ضيف فرآه لما أدخل اصبعه في أذن القدح

стр. 847

أقام كذلك مفكرا حتى طلع الفجر فقال له ما هذا يا أبا سليمان؟ فقال له: إني لما طرحت اصبعي في أذن القدح تفكرت قول الله تعالى (إذا الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسبحون، في الحميم ثم في النار يسجرون) [غافر: ٧١، ٧٢] فتفكرت في حالي وأنا الملقى أن طرح الغل في عنقي يوم القيامة فما زال في ذلك حتى أصبح. قال ابن عطية: وهذه نهاية الخوف وخير الأمور أوسطها وليس علماء الأئمة الذين هم الحجة على هذا المنهاج وقراءة علم كتاب الله ومعاني سنة رسول الله ﷺ لمن تفهم وجاء نفعه أفضل من هذا لكنه يحسن أن لا تخلو البلاد من مثل هذا، وحدثني أبي ﵀ عن بعض علماء المشرق قال: كنت بائنا في المسجد الأقدم بمصر فصليت العتمة فرأيت رجلا قد اضطجع في كساء مسجي بكسائه حتى أصبح وصلينا نحن تلك الليلة وسهرنا فلما أقيمت صلاة الصبح قام ذلك الرجل وصلى مع الناس فاستعظمت جرأته في الصلاة بغير وضوء فلما فرغت الصلاة خرج فاتبعته لأعظه فما دنوت منه سمعته ينشد: مسجن الذهن غائب حاضر: منتبه القلب صامت ذاكر منقبض في الغيوب منبسط: كذلك من كان عارفا شاكر يبيت في ليله أخا فكرة: فهو مدى الدهر قائم ساهر قال: فعلمت أنه ممن يعبد الله بالفكرة فانصرفت عنه. (فاستعن بذكر الموت والفكرة إلى آخره): قيل: لأن ذكر الموت ما بعده مبغض في الحياة مزهد في الدنيا وإذا حصل الزهد حصل الخير كله أو جله فإن حب الدنيا كما قال ﷺ "رأس كل خطيئة ومن طال أمله ساء عمله ونسي أجله" ولا معين على الزهد مثل قصر الأمل. وفي الحديث "إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح وخذ من صحتك لسقمك ومن حياتك لموتك ومن غناك لفقرك ومن شبابك لهرمك" الحديث. باب في الفطرة وختان وحلق الشعر واللباس وستر العورة وما يتصل بذلك (هنا أفرد الختان بالذكر دلالة على تأكده فإنه أكد خصال الفطرة وإلا فهو منها. ومن الفطرة خمس قص الشارب وهو الإطار وهو طرف الشعر المستدير على الشفه

стр. 848

لا إخفاؤه والله أعلم وقص الشارب ونتف الجناحين وحلق العانة): الحديث أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الفطرة خمس الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الآباط" واختلفت الروايات في هذا الحديث فجاء: الفطرة خمس كما تقدم، وجاء خمس من الفطرة فعلى الأول يكون على الحصر بخلاف الثاني لوجود من التبعيضية فيها وعليها جاء كلام الشيخ في قوله: ومن الفطرة خمس. قال عياض: ومعناه أن هذه الخصال من سنن الأنبياء ﵈ وقيل معناه من الإسلام خمس فإن الفطرة الإسلام قال غير واحد ولم ير مالك باستئصال شعر الشارب وأمر بأدب فاعله لأنه حلقه مثله وهو فعل النصارى وإنما يأخذ منه مقدار ما يبدو من طرف الشارب يبدأ إن قص له غيره بيمين القاص وبيمينه إن قص لنفسه وللقص فوائد: تحسين البشرة وإذهاب الشين وتمكينه من الاستمتاع بالقبلة وعدم إيذائه زوجته بذلك، وقص الأظفار لا حد في البداءة يه ولذلك أنكر المازري فيه على الغزالي قوله يبدأ بسبابته اليمنى لأنها هي المسبحة ثم ما يليها لأنها من ناحية اليمنى وهي في الشرع أفضل ثم يبتدئ باليسرى ومن خنصرها على صفة دائرة فإذا أتمها ختم بإبهام اليمنى الذي تركه أولا قائلا: لأنه سر الهندسة والدوائر. وكذلك يقص أظفاره في أي زمان أحب وما يعتقده العوام من التحرج يوم الأربعاء فلا يعول عليه، قال التادلي: ويكره قصها بالأسنان وهو مما يورث الفقر وكذلك طرح القمل وترك العنكبوت في البيت واستخدام الأجرار قال ابن العربي في سراجه: إنما شرع في شعر الجناحين النتف لأنه أشد ذهابا لإنبات الشعر وأما الحلق فيقويه وإنما لم يشرع في العانة للمشقة اللاحقة في ذلك قال الباجي: ولا تحلق المرأة عانتها لأنه يضر بالزوج لاسترخاء المحل بذلك اتفاقا من الأطباء. (ولا بأس بحلاق غيرها من شعرالجسد): ظاهر كلامه جواز حلق شعر اليدين ولا أعرف في ذلك نصا في المذهب وعن غير واحد كالفاكهاني الخلاف فيه للعلماء وإنما قال من شعر الجسد احتراز من شعر اللحية والرأس لأن حلقهما بدعة. (والختان في الرجال سنة والخفاض للنساء مكرمة وأمر النبي أن تعفى اللحية وتوفر ولا تقص):

стр. 849

ما ذكر من أن الختان سنة ويريد بتأكيد مثله لابن يونس وروى ابن حبيب هو من الفطرة لا تجوز إمامة تاركه اختيار ولا شهادته قال الباجي: لأنها تبطل بترك المروءة ولو أسلم وقد قدمنا الخلاف فيما إذا أسلم شيخ كبير يخاف على نفسه إن هو اختتن هل يتركه أم لا؟ على قولين لابن عبد الحكم وسحنون وذكرنا أن قوله والخفاض للنساء مكرمة هو خلاف رواية الباجي وغيره والخفاض كالختان. (قال مالك ولا بأس بالأخذ من طولها إذا طالت كثيرا إلى آخره): يريد أن ذلك خير من غيره وكذلك يستحب الأخذ من عرضها قال عياض: واختلف السلف هل لذلك حد أم لا؟ فالمعروف أنه لا حد له إلا أنه لا يتركها نحو الشهر، ومنهم من قال في حدها بما زاد على القبضة فيزال ومنهم من كره الأخذ منها جملة إلا في الحج والعمرة، قال مالك: وبلغني أن عمر بن الخطاب ﵁ نهى أن يحلق ما تحت اللحية إلى الغلصمة وقيل أنه من فعل المجوس وأنا أكره حلق الرقبة إلا لمن أراد أن يحتجم وأكره تحديد اللحية والشارب بالموس من جهاتها تحسينا وتزينا وإنما ذلك من زي النساء. (ويكره صباغ الشعر بالسواد من غير تحريم ولا بأس بالحناء والكتم): قال الفاكهاني: أما السواد ففي المذهب قولان بالكراهة والجواز ووجه الكراهة قوله ﷺ : "غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود" خرجه النسائي وأطلقه النبي ﷺ ولم يقيد سواد من غيره وفي غيره قولان بالندب والإباحة، قلت: وكلام الشيخ يحتملهما والأقرب له الإباحة والحناء ممدود قاله عياض والكتم بفتح الكاف والتاء نبت بخلط بالوسمة فيختصب به قاله الجوهري. (ونهى الرسول ﵇ الذكور عن لباس الحرير وتختم الذهب عن التختم بالحديد): لا خلاف في المذهب أن لبسه حرام على الذكور وجائز للنساء في حال الحياة وفي المذهب قولان متقابلان بالجواز مطلقا ذكرهما المازري وأما التكفين فيه فقد قدمنا أن في المذهب ثلاث أقوال ثالثها: يجوز للنساء وأجاز ابن حبيب للرجل أن يلبس الحرير لحكة وأجازه ابن الماجشون في الجهاد ورواه عن مالك والمشهور المنع. واختلف هل يجوز افتراشه والاتكاء عليه أم لا؟ فقيل إنه جائز قاله ابن الماجشون قال أبو محمد وهو خلاف قول مالك، وطاهر المذهب أنه لا يجوز لزوج

стр. 850

المرأة الجلوس عليه تبعا لها قال ابن العربي: ذلك جائز قال بعض شيوخنا ولا أعرفه لغيره والتختم بالذهب جائز للنساء ممنوع للرجال واختلف فيمن صلى به فقيل يعيد في الوقت وقيل لا وكذلك القولان فيمن صلى بخاتم فيه تماثيل نقله ابن هارون ولا أعرفهما إلا في خاتم الذهب واختلف المذهب إذا صلى بثوب حرير على ثلاثة أقوال حكاها ابن الحاجب قال: ولو صلى بالحرير مختارا عصى وثالثها: تصح إن كان ساترا غيره، ولا توجد الأقوال هكذا لغيره، وما ذكر الشيخ من النهي عن تختم الحديد قال المغربي: هو خلاف ظاهر المدونة لقولها في باب الاحداد لا تلبس حليا ولا قرطا ولا خاتم حديد فمفهوم كلامه أنه لغير الحاد من النساء جائز وعليه يدل قوله ﷺ "التمس ولو خاتما من حديد". (ولا بأس بالفضة في الحلية الخاتم والسيف والمصحف): ظاهر كلام الشيخ أن تحلية ما ذكر بالذهب منهي عنه وهو كذلك بالنسبة إلى الخاتم باتفاق وإلى السيف في قول وقيل إنه جائز وأما بالنسبة إلى المصحف فقيل مكروه رواه ابن عبد الحكم وقاله به وقيل أنه جائز ورواه ابن المواز وهو في الموطأ والقولان حكاهما ابن رشد. (ولا يجعل ذلك في لجام ولا سرج ولا سكين ولا في غير ذلك ويتختم النساء بالذهب ونهي عن التختم بالحديد): اختلف المذهب هل يجوز تحلية باقي آلة الحرب على ثلاثة أقوال: فقيل: جائز وقيل: لا يجوز وهو ظاهر كلام الشيخ، وقيل: يجوز فيما يطاعن به ويضارب لا فيما يتقي به ويتحزم، واختلف هل يجوز للمرأة أن تعمل فبقايا من فضة أم لا؟ فقال أبو بكر بن عبدالرحمن: لا يجوز ولم يرتضه أبو حفص العطار واختار الجواز ذكر ذلك في تعليقه في كتاب الصرف، قال شيخنا أبو مهدي: وتصوره المسألة في قبقاب لا مفهوم له وكذلك يختلف في قبقاب الذهب لأن مستند من أجاز كون قبقابها من حليها كخلهالها قلت: ولذلك أطلقت فرض المسألة في قولي في الزكاة من هذا التعليق والقبقاب للمرأة فيه قولان حكاهما أبو حفص العطار وما عدا ما ذكر فإنه محرم باتفاق. (والاختيار مما روي في التختم التختم في اليسار لأن تناول الشيء باليمين فهو يأخذه بيمنيه ويجعله في يساره): ما ذكر الشيخ هو مذهب جمهور العلماء لأنه يتناوله بيمينه ويجعله في شماله، قال

стр. 851

ابن رشد: من السلف من يختار التختم في اليمين وقد روي ذلك عن النبي ﷺ والوجه في ذلك أنه من اللباس والزينة فيؤثر به اليمنى على اليسرى كما تؤثر الرجل اليمنى على اليسرى بما جاء به من السنة في الانتعال بأن ينتعل اليمنى أولا ويخلع اليسرى قبلها لتكون اليمنى أكثر استعمالا للباس منها وقد يكون فيه اسم الله تعالى فلا يحتاج إذا تختم في يمينه أن يخلعه عند الاستنجاء لأن ذلك يستحب فيمن تختم في شماله. (واختلف في لباس الخز فأجيز وكره وكذلك العلم في الثوب من الحرير وإلا الخط الرقيق): لا خصوصية لقول الشيخ الخز بل الخلاف فيه وفي غيره ويتحصل في ذلك أربعة أقوال: فقيل إن ذلك مكروه وقيل إنه جائز وكلاهما ذكره الشيخ وقيل يمنع لباس الخز وغيره وظاهر قائله التحريم وقيل يجوز الخز ولا يجوز غيره اتباعا للعمل، قال ابن رشد وهو أضعف الأقوال إذ لا فرق في القياس بين الخز وغيره من المحررات التي قيامها حرير ولحمتها قطن أو كتان لأن الذي من أجله استجاز لبس الخز من السلف وذلك أنه ليس بمحرم محض في موجود المحررات وشبهها فلذلك استجازوا لباسها لا من أجل أنه خز إذ لم يأت أثر بالترخيص لهم في ثياب الخز فيختلف في قياس غيره عليه قال: والقول بالكراهة هو أولى الأقوال بالصواب لأن ما اختلف العلماء فيه لتكافؤ تحريمه وتحليله فهو من الشبهات التي قام فيها رسول الله ﷺ من اتقاها فقد استبرأ لدينه وعرضه فعلى هذا القول يأتي ما يحكى عن مطرف أنه رأى على مالك ساج أبريسم كساه إياه هارون الرشيد إذ لم يكن يلبس ما يعتقد أنه يأثم بلبسه. واعلم أن الخز ما سداه حرير ولحمته وبر الإبل قاله ابن رشد، وأما العلم فاختلف فيه على ثلاثة أقوال: فقيل إنه جائز وإن عظم قاله ابن جبير وقيل إنه يجوز قدر الإصبع فقط رواه أبو مصعب وقيل إنه منهي عنه إذا كان قدر الإصبع رواه ابن القاسم ومراده به الكراهة والتحريم فيما زاد. (ولا يلبس النساء من الرقيق ما يصفهن إذا خرجن): قال عبدالوهاب هذا لقوله تعالى (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) [النور: ٣١] وإذا لبسن ما لا يستر أبدانهن فقد أبدينها ولقوله تعالى (غير متبرجات بزينة) [النور: ٦٠] وهذا في التبرج فوجب منعه وفي ذلك قال النبي ﷺ : "ورب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة ورب كاسيات عاريات مائلات مميلات لا يدخلن

стр. 852

الجنة ولا يجدن ريحها". (ولا يجر الرجل إزاره بطرا ولا ثوبه من الخيلاء وليكن إلى الكعبين فهو أنظف لثوبه وأتقى لربه). هذا لما في البخاري عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة" وفي مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "بينما رجل يتبختر في برديه وأعجبته نفسه فخسف الله به فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة" وفي النسائي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه لا جناح عليه فيها بينه وبين الكعبين وما أسفل من ذلك ففي النار لا ينظر الله إلى من يجر ثوبه بطرا". وقول الشيخ فهو أنظف لثوبه وأتقى لربه معلوم بالمشاهدة وذلك حد ما قيل في قوله تعالى (وثيابك فطهر) [المدثر: ٤] أي فقصر. (وينهى عن اشتمال الصماء وهي على غير ثوب يرفع ذلك من جهة واحدة ويسدل الأخرى وذلك إذا لم يكن تحت اشتمالك ثوب واختلف فيه على ثوب): ما ذكره الشيخ من الاختلاف إذا كان الاشتمال على ثوب هو لمالك قال ابن رشد: فوجه المنع من ذلك اتباع ظاهر الحديث فحمله على عمومه ولئلا يكون ذريعة للجاهل الذي لا يعلم العلة في ذلك فيفعله ولا إزار عليه إذا رأى العالم يفعله وعليه إزار. (ويؤمر بستر العورة وإزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه والفخذ عورة وليس كالعورة نفسها): قد قدمنا أن ستر العورة عن أعين الناس لا خلاف في وجوبه وفي الخلوة قولان المشهور أنه مستحب وقيل إنه واجب حكاه ابن رشد وعلى الأول فقيل إنه واجب في الصلاة شرط وقيل ليس بشرط وقيل سنة وأن في عورة الرجل ستة أقوال: فقيل سوأتاه خاصة قاله أصبغ وقيل سوأتاه وفخذاه قاله ابن الجلاب وقيل من السرة حتى الركبة وقيل السوأتان مثقلة وإلى ستره وركبته مخففة قاله الباجي وظاهره خروج السرة والركبة وقيل الفخذ عورة وليس كالعورة نفسها كما قال الشيخ على أنه يمكن أن يرجع إلى ما

стр. 853

قال ابن الحلاب: وقول الشيخ وإزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه يريد في حق الرجال وأما النساء فقد جاء في الترمذي أنهن يرخين ذراعا لا يزدن على ذلك شيء قال حديث حسن صحيح لو ذكر الشيخ قوله هذا عقب المسألة السابقة لكان أنسب. (ولا يدخل الرجل الحمام إلا بمئزر): قال في المدونة: في كتاب الدور والأرضين لا بأس بكراء الحمام قال المغربي: فيؤخذ منه جواز دخول الحمام وهو على ثلاثة أوجه الأول: دخوله مع زوجته أو جاريته أو وحده فيباح الثاني: دخوله مع قوم لا يستترون فممنوع، الثالث: مع قوم مستورين فمكروه إذ لا يأمن أن ينكشف بعضهم فيقع بصره على ما لا يحل وقيل في هذا الوجه هو جائز فعلى القول بالجواز يصح بعشرة شروط ذكرها ابن شاس. قلت: قال رحمه الله تعالى قال القاضي أبو بكر: فإن استتر الداخلون فيصح دخوله بعشرة شروط: الأول: أن لا يدخلن إلا بنية التداوي أو بنية الطهر، الثاني: أن يقصد أوقات الخلوة أو قلة الناس، الثالث: أن يستر عورته بإزار صفيق، الرابع: أن يطرح بصره إلى الأرض أو يستقبل الحائط لئلا يقع بصره على محظور، الخامس: أن يغير ما يرى من منكر برفق بقول استر سترك الله، السادس: أن لا يدلكه أحد ولا يمكن من عورته من سرته إلى ركبته إلا امرأته أو جاريته. وقد اختلف في الفخذين هل هما عورة أم لا؟ السابع: أن يدخل بأجرة معلومة بشرط أو عادة، الثامن: أن يصب من الماء قدر الحاجة، التاسع: إن لم يقدر على دخوله وحده اتفق مع قوم يحفظون أديانهم في كرائه، العاشر: أن يتذكر به عذاب جهنم فإن لم يمكنه ذلك فليدخل وليجتهد في غض البصر، وإن غض وقت الصلاة فيه استتر وصلى على موضع متطهر. (ولا تدخله المرأة إلا من علة): قال عبد الوهاب: دخول النساء في هذا الوقت يمنعن منه إلا لعلة أو حاجة إلى لغسل من حيض أو نفاس أو شدة برد لأن جميع بدنها عورة لا يجوز لها أن تظهره لرجل ولا لامرأة. وقيل إنما منع ذلك لما لم تكن لهن حمامات دون التحريم منفردة فأما اليوم مع انفرادهم لا يمنعن ثم إذا دخلن فليسترن جميع الجسد، قال ابن رشد: حدهن في الدخول الكراهة دون التحريم قال: ولا يلزمها من الستر مع النساء إلا ما يلزم الرجل ستره ورأى أن النساء مع النساء كالرجال مع الرجال واشتهر ذلك بما أجمع عليه العلماء من أن النساء يغسلن النساء كما يغسل الرجال الرجال قال: وما ذكره عبد الوهاب من أن الحمام محرم عليهن لا أعلمه نصا على النبي ﷺ .

стр. 854

وقد ذكر عنه ﵇ في كتاب الجامع من المعونة: الحمام بيت لا ستر فيه لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يدخله إلا بمئزر ولا امرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تدخله إلا من علة فإن صح هذا عن النبي ﷺ فمعناه على ما جرى عليه عادتهن من دخولهن أياه غير مستترات قال: وأما ما قاله من أن بدن المرأة عورة لا يحل أن يراه رجل ولا امرأة فليس بصحيح إنما هي عور على الرجل فقط، وذكر في الرد عليه ما تقدم من الإجماع وغيره. وسلك أبو بكر طريق عبد الوهاب فقال: لا سبيل إلى دخولهن لأن جميع المرأة عورة للرجال والنساء ألا ترى إلى قوله ﷺ "وأفضل صلاة المرأة في بيتها لما فيه من الستر" ولم يؤذن لها في الحج أن تكشف إلا وجهها ويديها فتدخله مع زوجها إذا احتاجت إليه. قلت: ولا شك أن دخوله اليوم حرام عندنا للنساء لأنهن لا يستترن وكذلك الرجال في الأعم الأغلب إلا المشهور في الدين والفضل وأما غيره فوجود المئزر إنما هو كالعدم قال بعض شيوخنا وذكر شيخنا ابن عبدالسلام في درسه أن من له النظر الشرعي كان أمر الحمامين باتخاذ أزرا للنساء كما هو اليوم، للرجال فصار النساء يتضاربن بالأزر على وجه اللعب فصارت المصلحة زيادة في المفسدة. وفي أحكام السوق ليحيى بن عمر كتب بعض قضاة عبدالله بن طالب: أن أهل المرسى قد شكوا من حمام عندهم للمنكر الذي فيه فكتب إليه أن يحضر المتقبل للحمام فأمر أن لا يدخلنه إلا بمئزر فإن تعدى النهي فأغلق الحمام وصير المتقبل للسجن قيل ليحيى أيعجبك قال نعم وما ذهب إليه يجري على الأدب بالمال وقد ذكرنا أن ابن سهل حكى في ذلك أربعة أقوال فانظرها فيما سبق عند قول الشيخ ومن مثل بعبده مثلة بينة. (ولا يتلاصق رجلان ولا امرأتان في لحاف واحد): يعني سواء كانا قريبين أو أجنبيين وكذلك يفرق بين الصبيان في المضاجع عند بلوغ سنهم سبع سنين عند ابن القاسم وعشرا عند ابن وهب والأصل فيما ذكر الشيخ ما رواه أبو داود عن النبي ﷺ من رواية أبي سعيد الخدري أنه قال "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد" وظاهر الحديث جواز اضطجاع الرجلين

стр. 855

أو المرأتين في الكساء الواحد إذا تعاكساه بحيث يكون وسط الكساء حائلا بينهما وبه أفتى بعض من لقيناه من القرويين رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله. (ولا تخرج امرأة إلا مستترة فيما لابد لها منه من شهود موت أبويها أو قرابتها أو ذي نحو ذلك مما يباح لها ولا تحضر من ذلك ما فيه نوح نائحة أو لهو من مزمار أو عود وشبهة من الملاهي الملهية إلا الدف في النكاح): ما ذكر الشيخ هو المشهور وذكر ابن حبيب خروجهن في جنازة قريب قال وينبغي للإمام أن يمنعهن من الخروج وقد أمر النبي ﷺ بطرد امرأة وقال للنساء في جنازة "أتحملنه" قلن لا فقال "أفتدخلنه في قبره" قلن لا فقال "افتحثين عليه التراب" قلن لا قال "فارجعن مأزورات غير مأجورات" وكان مسروق يحثو في وجهوههن التراب ويطردهن فإن رجعن وإلا رجع وكان يفعل الحسن كذلك ويقول لا ندع حقا لباطل. وقال النخعي: كانوا إذا خرجوا بالجنازة أغلقوا الأبواب على النساء وقال ابن عمر: ليس للنساء في الجنازة نصيب وحيث تخرج فإنها لا تخرج إلا بشروط خمسة الأول: أن يكون خروجها طرفي النهار وما لم تضطر الى الخروج في غيرهما اضطرارا فادحا. الثاني: أن تلبس أدنى ثيابها، الثالث: أن تمشي في حافتي الطريق دون وسطه حتى تبعد عن الرجال، الرابع: أن لا يكون عليها ريح طيبة، الخامس: أن لا يظهر عليها ما يحرم على الرجال النظر إليه غير الوجه والكفين ما لم يكن النظر إلى وجهها يؤدي إلى الفتنة فيجب عليها ستره. (وقد اختلف في الكبر): قال ابن رشد: اتفق أهل العلم على إجازة الدف وهو الغربال في العرس وفي الكبر والمزهر ثلاثة أقوال: الجواز قاله ابن حبيب والمنع قاله أصبغ في سماعه وهو الآتي عمى ما في سماع سحنون ابن القاسم أن بيع الكبر فسخ بيعه وأدب فاعله والمزهر أحرى بذلك، وجواز الكبر دون المزهر وهو قول ابن القاسم هنا في سماع عيسى من كتاب الوصايا وعليه سماع عيسى القطع بقيمته في الكبر الصحيح ولابن كنانة في المدونة إجازة البوق في العرس فقيل معناه في البوقات والمزامر التي لا تلهي كل اللهو. واختلف فيما أجيز من ذلك فالمشهور ما يستوي فعله وتركه في نفي الحرج في الفعل ونفى الثواب في الترك وقيل من الجائز الذي تركه خير من فعله لما في تركه من الثواب لأن فعله حرج وعقاب وهو قول مالك في المدونة أنه كره الدفوف والمعازف وغيرهما. قلت: وما نسبه للمدونة صحيح هو نص في الجعل والإجازة منها، قال

стр. 856

الفاكهاني: ولا أدري ما المراد بالكبر والذي يغلب على ظني أنه الطبل والله أعلم. فأما المزهر فهو المغشي من الجهتين قلت: الكبر في عرفنا هو الذي يقال له الشقف وهو في الحقيقة الطبل فهو كمال قال الشيخ. (ولا يخلو رجل بامرأة ليست منه بمحرم ولا بأس أن يراها لعذر من شهادة عليه أو نحو ذلك وإذا خطبه وأما المتجالة فله أن يرى وجهها على كل حال): لا خلاف أنه لا يجوز أن يخلو الرجل بالمرأة الأجنبية من حيث الجملة ولذلك اختصر البرادعي من مسألة صبيان الأعراب تصيبهم السنة سؤالا وجوابا لما فيه من الخلوة بالأجنبية لكثرة ملازمته لكونه مربيها فغالب الأمر أنه لا بد أن يخلو بها وفي إجارة المدونة أكره للعازب مؤاجرة غير ذي محرم منه حرة كانت أو أمة وللخمي فيها تفصيل: إن كان عازبا لم يجز وإن كان مأمونا وكان له أهل وهو مأمون جاز وإلا لم يجز وإن كانت متجالة لا إرب فيها للرجال جاز، وكذلك الشابة مع الشيخ. وقال شيخنا أبو مهدي أيده الله تعالى لا نص في خلوة الرجل مع خادم زوجه والظاهر أنه بحسب الأشخاص فإذا وثق بنفسه جاز ولا ينتقض بالحرة لأن النفس مجبولة على الميل إليها وإن كانت كبيرة وتقدم الخلاف في النكاح في عبد المرأة الوغد هل ينظر إلى شعرها أم لا؟ على قولين والمشهور لابن عبد الحكم قائلا: ولا يخلو معها في بيت، وكذلك تقدم عن قرب هل يستغفل الخاطب من يخطبها أم لا؟ على قولين بالكراهة والجواز لمالك وابن وهب. (وينهي النساء عن وصل الشعر وعن الوشم): إنما خص الشيخ النساء بالذكر لأنهن يرغبن في ذلك أكثر من الرجال وإلا فالحكم سواء وظاهر كلام الفاكهاني أنه لم يقف على نص في الرجال لقوله الظاهر أن النساء والرجال في النهي سواء ونص البلنسي على أنه لا يجوز للرجال أن يفروا رءوسهم، وقبله الادلي ولم يذكر غيره وذكر المغربي في كتاب الطهارة الضفر في حق الرجال مباح ولم يحك غيره والأصل فيما ذكر الشيخ قوله ﷺ "لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة". قال عبدالوهاب: ومعنى ذلك أن فيه ضربا من الغرور وتغيير الخلق وذلك غيرجائز، وقا غيره من المتأخرين من أصحابنا: أن الوشم في جميع الجسد مكروه، قال الفاكهاني: فإن أراد به كراهة التحريم فهو المنطبق على معنى الحديث إذ من فعل

стр. 857

المكروه كراهة التنزيه لا يستحق اللعنة بإجماع وإن أراد الكراهة على بابها أشكل كلامه لما قدمناه، وقال ابن رشد: لا يجوز للمرأة أن توصل شعرها ولا توشم وجهها ولا يديها ولا تحدد أسنانها، قلت: وأما ربط خيوط الحرير الملونة ونحوها مما لا يشبه الشعرفليس منهيا عنه لأنه ليس بوصل ولا مقصود للوصل إنما المراد به التجمل التحسن. قال عياض: في الإكمال. قال المغربي: وأما ثقب الأذن للأخراص فقد نص بعض الشيوخ على جوازه ومنعه الغزالي وانظر هل يقوم الأول من قول المدونة ولا تلبس الحاد حليا ولا قرطا ولا خاتما أم لا؟ قال ابن رشد: ويجوز لها أن تخصب يديها ورجليها بالحناء واختلف في تطريف اصابع يديها بالحناء فأجيز ومنع. (ومن لبس خفا أو نعلا بدأ بيمينه وإذا نزع بدأ بشماله): قال الشيخ محي الدين النواوي في شرح مسلم في قول عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله هذه قاعدة مستمرة في الشرع وهي أن ما كان من باب التكريم والتشريف كلبس الخف والسراويل ودخول المسجد والسواك وغسل أعضاء الوضوء، وتقبيل الحجر الأسود وغير ذلك مما يستجب التيامن فيه فأما ما كان مثل دخول الخلاء والخروج من المسجد والاستجمار والاستنجاء وخلع الثوب والسراويل وما أشبه ذلك فيستحب التياسر فيه وذلك لكرامة اليمنى وشرفها. (ولا بأس بالانتعال قائما): قال عبد الوهاب: ذلك كالانتعال جالسا لا فرق وقد روي من حديث إبراهيم بن طاهر عن ابن الزبير عن جابر ابن النبي ﷺ نهى أن ينتعل الرجل قائما ويشبه ذلك في مثل النعل العربي لقلة تمكنه من لبسها مع القيام فإن تمكن فلا بأس، قال الفاكهاني: وروي عن علي ﵁، ولم أره أنا بل سمعته من غير رواية أنه نهى عن التعمم قاعدا وعن التسرول قائما والله أعلم بصحة ذلك. (ويكره المشي في نعل واحدة): لأن الشيطان يمشي في نعل واحدة كما جاء في الحديث قال عبد الوهاب وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يمشي أحدكم في نعل واحدة ولينعلهما جميعا أو ليضعهما جميعا لأن ذلك ضرب من الهمزة والخروج عن

стр. 858

العادة" ولهذا قلنا نحن أن من أتلف إحدى نعلين أو خفين أو ما لا يستغني أحدهما عن الآخر أنه كالتالف للجميع، وكذلك إذا وجد بأحدهما عيبا. وقد اختلف المذهب فيمن انقطع أقفال نعليه وهو يمشي هل يقف حتى يصلح الاخرى أم لا؟ فأجاز ذلك ابن القاسم ومنعه أصبغ والظاهر، قول ابن القاسم لأن الوقف ليس بمشي ولا يجوز على قوليهما جميعا أن يمشي في نعل واحدة وهو يصلح الأخرى، قلت ولا بأس بالمشي في النعل الواحدة للمقطوع الرجل الأخرى قاله كبار الشيوخ وهو واضح لعذره ولا يختلف فيه. (وتكره التماثيل في الأسرة والقباب والجدران وفي الخاتم وليس الرقم في الثوب من ذلك غيره أحسن): ما ذكر الشيخ نحوه قول صلاة المدونة تكره التماثيل التي في الأسرة والقباب والمنابر وليس كالثياب والبسط التي تمتهن، واعلم أن التماثيل المصورة على صورة الإنسان أو صفة شيء من الحيوان مما له ظل قائم على صفة ما يحيا يوم القيامة يحرم لقوله ﷺ : "إن أصحاب هذه الصورة يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم". الثاني: مباح عند الأكثر مطلقا وهو كل تمثال لم يكن على صورة حيوان كصورة النخل والسفن والفواكه وما أشبه ذلك، وكره مجاهد تصوير الشجرة المثمرة قال عياض: ولم يقله غيره. والثالث: مختلف فيه وذلك كالرسوم في الحيطان والرقم في الستور التي تنتشر والحصر التي تفرش والوسائد التي يرتفق بها ويتكأ عليها، وقد اختلف أهل العلم في ذلك على أربعة أقوال: التحريم مطلقا والإباحة مطلقا والإباحة فيما عدا المرسوم منها في الحيطان والجدران. والرابع: إباحة ما عدا المرسوم منها في الستور التي تعلق ولا تمتهن بالبسط لها والجلوس عليها. والرابع: إباحة ما عدا المرسوم منها في الستور التي تعلق ولا تمتهن بالبسط لها والجلوس عليها. باب في الطعام والشراب (وإذا أكلت أو شربت فواجب عليك أن تقول باسم الله وتتناول بيمينك فإذا فرغت فلتقل الحمد لله):

стр. 859

يريد: إذا أردت الأكل والشرب كقوله تعالى (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) [النحل: ٩٨] عند الأكثر وكقوله ﷺ "من أتى الجمعة فليغتسل" والأصل فيما ذكر الشيخ ما خرجه مسلم في صحيحه عن عمر بن أبي سلمة قال كنت في حجر رسول الله ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي: "يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك". وفي الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ "وإذا أكل أحدكم طعاما فليقل باسم الله في أوله والحمد لله في آخره" قال هذا الحديث حسن صحيح، وفي مسلم عن أبي عمر أن رسول الله ﷺ قال "إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله" وفي أيضا عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ "إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها". قال الفاكهاني: وقول الشيخ فواجب عليك أن تقول باسم الله أي وجوب السنن التي لا إثم على من تركها قال ابن الحاجب، ويستحب للمرء أن يسمي الله عن طعامه وشرابه، قلت: وأراد بقوله يستحب السنة لأنها عبارة العراقيين الذين يطلقون على السنة الاستحباب كما تقدم له في غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء. قال الفاكهاني: قال بعض من شرح الرسالة: وليس له أن يقول الرحمن الرحيم فإن فعل فلا شيء عليه، قلت: واختار شيخنا أبو مهدي رحمه الله تعالى راجحية الرحمن الرحيم ويكفي باسم الله فقط وبه أقول. (وحسن أن تلعق يدك قبل مسحها): خرج مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إذا أكل أحدكم طعاما فليعلق أصابعه فإنه لا يدري في أيتهم البركة". (ومن آداب الاكل أن تجعل بطنك ثلثا للطعام وثلثا للماء وثلثا للنفس): هذا لما في الترمذي عنه ﷺ : "ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من البطن حسب ابن

стр. 860

آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان ولا محالة فثلثا لطعامه، وثلثا لشرابه وثلثا لنفسه"، وقال حديث حسن صحيح، وقال إبراهيم بن أدهم ﵁: صحبت أكثر رجال الله في جبل لبنان فكانوا يوصوني إذا رجعت إلى أبناء الدنيا فعظهم بأربع قل لهم: من يكثر الأكل لا يجد لذة العبادة ومن ينام كثيرا لم ير في عمره بركة ومن طلب رضى الناس فلا ينظر رضى الرب، ومن يكثر الكلام بالفضول والغيبة فلا يخرج من الدنيا على دين الإسلام. قال سهل ﵀: الخير كله في هذه الخصال الأربعة وبهذا صارة الأبدال أبدالا أخماص البطون والصمت والاعتزال عن الخلق وسهو الليل، قال بعض العراقيين: الجوع رأس مالنا ذكره الغزالي في منهاج العابدين ولا شك أن الشبع من الجوع فقط وقد سأل سحنون وابن سعيد كل شيء يعمل على الشبع إلا ابن آدم فإذا شبع رقد. (وإذا أكلت مع غيرك أكلت مما يليك ولا تأخذ لقمة حتى تفرغ الأخرى): قال ابن رشد: هذا إذا كان الطعام صنفا واحدا كالثريد واللحم وشبهه وأما إذا كان أصنافا مختلفة كأنواع الفاكهة في طبق مما يختلف أغراض الآكلين فلا بأس للرجل أن يتناول ما بين يدي غيره، وذلك منصوص عن النبي ﷺ إذا أكل الرجل مع أهله وبنيه له أن يتناول مما بين أيديهم إذ لا يلزمه أن يتأدب معهم ويلزمهم أن يتأدبوا معه في الأكل فإن لم يفعلوا أمرهم بذلك كما فعله النبي ﷺ لعمر بن أبي سلمة، ومن أدب الأكل إذا أكل الرجل مع القوم أن يصغراللقمة ويترسل في الأكل وإن خالف ذلك عادته فيه. (ولا تتنفس في الإناء عند شربك ولتبن القدح عن فيك ثم تعاوده إن شئت): هذا لما في النسائي عن أنس عن رسول الله ﷺ قال "إذا شرب أحدكم فليتنفس ثلاث مرات فإنه أهنا وأهدى" وفي مسلم عن أبي قتادة عن النبي ﷺ أنه نهى عن النفخ في الشراب فقال له رجل: يا رسول الله لا أروى من نفس واحدة فقال رسول الله ﷺ " فبن القدح وتنفس". (ولا تعب الماء عبا ولتمصه مصا وتلوك طعامك وتنعمه مضغا قبل بلعه): هو بفتح العين لأمره ﷺ بالمص وقول الشيخ وتلوك طعامك معلوم وجهة العادة لكونه أنفع في الأدب.

стр. 861

(وتنظف فاك بعد طعامك): لأن الفم محل الأذى فكان المطلوب تنظيفه على حسب الإمكان. (وإن غسلت يدك من الغمر واللبن فحسن): الغمر بفتح الغين ريح اللحم والسمن قاله الجوهري ولم يحك الفاكهاني غيره وهو خلاف قول عياض الغمر بفتح الغين المعجمة وفتح الميم هو الودك وزاد غيره وبسكونها الماء الكثير وأما بضم الغين وسكون الميم فهو الرجل الجاهل وبكسر الغين هو الحقد وظاهر كلام الشيخ أن الغسل مطلوب سواء أراد الصلاة أم لا، وهو كذلك صرح بذلك غير واحد كالمغربي وابن عبدالسلام ولذلك نسب ابن الحاجب هذه المسألة المدونة فقال: وفيها أحب إلى أن يتمضمض من اللبن ويغسل الغمر إذا أراد الصلاة فإن مفهومها أنه إذا لم يرد الصلاة أنه لا يغسل وليس كذلك، نعم يتأكد الغسل إذا أراد الصلاة. وتردد المتأخرون من التونسييين هل قول المدونة: ويغسل الغمر معطوف على قوله يتمضمض فيكون الاستحباب على حد السواء أو هو مستأنف فيكون الأمر فيه أكد من الذي قبله، والأصل فيما ذكر الشيخ ما خرجه أبو داود عنه ﷺ قال: "من بات وفي يده غمر لمن يغسله فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه". (وتخلل ما تعلق بأسنانك من الطعام): لأن ذلك من معنى التنظيف. (ونهى الرسول ﵇ عن الأكل والشرب بالشمال): هذا ما تقدم أن الشيطان يأكل بشماله. (وتناول إذا شربت من علي يمينك): الأصل في هذا ما روى مالك عن ابن شهاب عن أنس أن رسول الله ﷺ أتى بلبن قد شيب بماء وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر فأعطاه الأعرابي وقال "الأيمن فالأيمن" وفي حديث آخر عن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ فقال للغلام "أتأذن لي يا غلام" فقال لا والله يا رسول الله لا أوثر بنصبي منك أحدا فناوله رسول الله ﷺ يعني أعطاه في يده. قال الفاكهاني: هذه قاعدة الشرع أن القرب منه لا يؤثر به ولم أر ما خرج عن

стр. 862

هذه القاعدة إلا مسألة واحدة وهي إذن عائشة ﵂ لعمر ﵁ في دفنه عند النبي ﷺ بعد أن كانت أعدته لنفسها فانظر لماذا خرجت عن القاعدة وما تأولت عائشة عن ذلك. (ونهى عن النفخ في الطعام والشراب والكتاب): هذا لما تقدم فابن القدح عن فيك قال الفاكهاني: وأما الطعام فهو بذلك أولى والله أعلم لأن الماء يدفع عن نفسه بخلاف الطعام ولأن فيه الاستقذار وكراهة الغير كما في الماء وفي البزار أن النبي ﷺ نهى عن النفخ في الطعام والشراب وأما الكتاب فإجلاله له خيفة أن يخرج ريق فيحماء والله أعلم. (وعن الشراب في آنية الذهب والفضة): أي ونهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة وهو كذلك في الحديث الصحيح عنه ﷺ أنه قال "الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" قال الفاكهاني رويناه يجرجر بالكسر ونار بالضم ومعنى يجرجر بصوت فنار فاعليجرجر فاعرف هذا فإنالبحث يقع فيه كثيرا، واعلم أن أهل المذهب ألحقوا سائر الاستعمالات بالأكل والشرب في التحريم وذهب بعض الظاهرية إلى قصور المنع على الشرب خاصة فإن قلت: قد قدمتم غير ما مرة أن ابن الحاجب إذا قال باتفاق ويكون الاتفاق خارج المذهب بخلاف الإجماع وهو قد قال في هذا المحل من الذهب والفضة حرام استعمالها على الأصح على الرجل والمرأة اتفاقا، فيقتضي كلامه إن ثم من يقول بجواز الاستعمال فهل ثم من قال به؟ قلت: نعم قال عياض: في الإكمال ذهب بعض السلف إلى جواز الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة واستعمالها والظن به لم تبلغه السنة، واختلف في الاقتناء فقال ابن الجلاب وهو مذهب الأكثر، كذلك خلافا للباجي وألحق الأبهري بالأواني ما يصنع من الياقوت واللؤلؤ والمرجان، وقال القاضي أبو الوليد بعدم الإلحاق. واختلف في المغشي من ذهب وأصله من غيره أو العكس على قولين واختار ابن عبدالسلام الجواز في الأول دون الثاني وكذلك اختلف في المضيب وذي الحلقة على ثلاثة أقوال ثالثها يكره. (ولا بأس بالشراب قائما): الأصل في ذلك ما رواه ابن عباس قال: رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائما، وروى

стр. 863

جابر بن مطعم: قال رأيت أبا بكر الصديق ﵁ يشرب قائما قال الفاكهاني: وفي الصحيح خلاف هذا ورى مسلم عن قتادة عن أنس أن النبي ﷺ زجر عن الشرب قائما قال قتادة: فالأكل أخبث وأخبث وفيه أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "لا يشرب أحدكم قائما فمن نسي فليستقئ" قال عبد الحق في إسناده عمر بن حمزة العمري وهو ضعيف قال الشافعي: وإنما كره الشرب قائما لداء يأخذ في البطن قال بعض متأخري أصحابنا: ولم ير مالك به بأسا إذ لم يصح عنده النهي فبوب في موطئه باب شرب الرجل قائما وأدخل في باب عن عمر أنهم كانوا يشربون قياما. (ولا ينبغي لمن أكره الكراث أو الثوم والبصل نيئا أن يدخل المسجد): قال عياض: نيئا ممدود مهموز والأصل في ذلك ما ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد السلام عن النبي ﷺ قال: "ومن أكل ثوما أو بصلا نيئا فليعتزلنا وليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته" وأتى أتي بقدر فيه خضرات من بقول فوجد لها ريحا فسأل فأخبر بما فيها من البقول فقال "قربوها" إلى بعض أصحابه فلما رآه كره أكلها قال "كل فإني أناجي من لا تناجي" وألحق بذلك آكل الفجل يتجشأ به أو غير ذلك مما يستقبح ريحه، ويتأذى به. وكذلك ذكر أبو عبد الله بن المرابط في شرحه أن حكم من به داء البخر في فيه أو جرح له رائحة حكمه حكم البصل والثوم ومن هذا المعنى خروج الريح في المسجد ونص عليه بعض الشيوخ وبه أفتى بعض من لقيناه من القرويين قائلا: خلافا للبخاري ﵀ وأما من يغتاب الناس في المسجد فالأدب فيه كاف وبه أفتى شيخنا أبو مهدي ﵀ وتقدم ما نقله ابن عبد البر في الاستذكار عن أحمد بن عبد الملك الإشبيلي أنه يخرج من المسجد عملا بهذا الحديث وإنما ذكر المسجد لأنه مظنة الاجتماع وإلا فمجامع الصلاة في غير المسجد كمصلى العيدين والجنائز ونحوهما كالمسجد. قال عياض: ذكر بعض فقهائنا أن الحكم كذلك في مجالس العلم والولائم وحلق الذكر وظاهر كلام الشيخ أن الحكم عاما في سائر المساجد وهو كذلك عند جمهور العلماء وذهب بعضهم إلى أن هذا خاص بمسجد المدينة لأجل ملائكة الوحي وتأذيهم بذلك ويحتج بقوله ﷺ "فلا يقرب" وحجة الجماعة قوله ﷺ "فلا يقرب

стр. 864

المساجد" ذكر الروايتين مسلم. وظاهر كلامه أن دخوله مكروه لا محرم لقوله: ولا ينبغي وهو كذلك في سماع ابن القاسم قال: يكره ريح الثوم قيل: البصل والكراث مثله قال ما سمعت فيه شيء وما أحب أن يؤذي الناس، وسمع عيسى إن آذى فمثله قال ابن رشد: عليه يجب حمل قول مالك لوجود علة النهي وقوله لا أحب أن يؤذي الناي تجوز لأن ترك إذايتهم واجب لا مستحب. (ويكره أن يأكل مكئا): هذا لما في البخاري عن أبي حذيفة قال: كنت عند رسول الله ﷺ فقال لرجل عنده: "أما أنا فلا آكل متكئا" قال عبد الوهاب: والمنع في ذلك للعجب والخيلاء ولأنه من فعل الأعاجم والجبابرة وقال الباجي: قال مالك: ومن السنة الآكل جالسا على الأرض على هيئة يطمئن عليها ولا يأكل مضطجعا على بطنه ولا متكئا على ظهره لما فيه من البعد عن التواضع والتشبه بالأعاجم ووقت الأكل وقت تواضع وشكر الله تعالى على نعمه. قال عياض: والاتكاء هو التمكن من الأرض والتقعد في الجلوس كالتربع من تمكن الجلسات التي يعتمد فيها ما تحته فإن الجالس على هذه الهيئة يستدعي الأكل ويستكثر منه والنبي ﷺ إنما كان جلوسه جلوس المستوفز وقال "إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد" وليس معنى الحديث في الاتكاء الميل على الشق عند المحققين واعترضه الفاكهاني بل الذي يتحقق أنه الميل على لاشق لأنه يسبق إلى الذهن من لفظ الاتكاء وأنه غير الجلوس، وكذلك قال الداودي في الحديث الصحيح وكان متكئا فجلس فيلزم على ما قال عياض: أن يكون معنى الكلام كان جالسا فجلس وهذا محال وبالله تعالى التوفيق. (ويكره الأكل من رأس الثريد): هذا لما رواه أبو داود عن النبي ﷺ قال "إذا أكل أحدكم طعاما فلا يأكل من أعلى الصحفة ولكن ليأكل من أسفلها فإن البركة تنزل من أعلاها" بيان هذا أن تخصيص الشيخ الكراهة بهذا الثريد لا مفهوم له. (ونهى عن القران في التمر وقيل إن ذلك مع الأصحاب الشركاء فيه ولا بأس بذلك

стр. 865

مع أهلك أو مع قوم تكون أنت أطعمتهم): ذكر مسلم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى أن يقرن الرجل بين التمرتين حتى يستأذن أصحابه يقال قرن يقرن بالكسر والضم، ووجه عبد الوهاب القول الثاني أن الشركة تستدعي النساوي فإذا أراد أحد الشركاء القران فينبغي أن يعلم صاحبه ليساويه إن أراد لا يستبد دونه بالزيادة، واعترضه الفاكهاني بأن قوله فينبغي ظاهر في عدم الوجوب وظاهر الحديث الوجوب لقوله ابن عمر نهى. (ولا بأس في التمر وشبهه أن تجول يدك في الإناء لتأكل ما تريد منه): هذا واضح جلي ولا أعلم فيه خلافا. (وليس غسل اليد قبل الطعام من السنة إلا أن يكون بها أذى): ما ذكر الشيخ أنه إذا كانت يده طاهرة ليس من السنة غسلها هو قول ابن القاسم في العتيبة قائلا: لأنه من زي الأعاجم، قال المغربي وقال ابن وهب: يغسلها وكان نحا إلى قول ابن حبيب أن يد الجنب محمولة على النجاسة قلت: ما ذكر عن ابن وهب لا أعرفه وقوله ﷺ "المؤمن لا ينجس" يرد ما ذكر والاستثناء من قول الشيخ إلا أن يكون بها أذى الأقرب فيه أنه متصل والمعنى أن الأمر بالغسل جاء بالسنة والمراد به الوجوب لأن حكمه السنة والله أعلم. وظاهر كلام الشيخ أن إذا كان بها أذى أنه يغسل ولو كان الطعام باردا جامدا وهو كذلك قاله أبو عمران الجورائي كيلا يتهاون بالطعام وإليه كان يذهب بعض من لقيناه من القرويين مصرحا بوجوب الغسل وقال أبو محمد صالح رحمه الله تعالى: له أن يأكل من غير غسل وهو بعيد. (وليغسل يده وفاه بعد الطعام من الغمر وليمضمض فاه من اللبن): ما ذكر قد تقدم له مثله فلا معنى لاعادته. (ويكره غسل اليد بالطعام أو بشيء من القطاني وكذلك بالنخالة وقد اختلف في ذلك): قال الفاكهاني ﵀: القول بالجواز في الطعام نقله ابن يونس عن مالك وعلل ذلك بأن الصحابة كانوا يتمندلون بأقدامهم وكانوا يأكلون الطعام الدسم. مثله نقل ابن شاس عن ابن وهب في المختصر قال: سمعت مالكا يقول في الجلبان والقول وما أشبهه من الطعام لا بأس أن يتوضأ منه ويتدلك به في الحمام، وسئل

стр. 866

مالك عن الدقيق يغسل به اليدين، قال غيره أعجب إلي ولو فعله لم ار به بأسا قد كان عمر بن الخطاب ﵁ يتمندل ببطن رجله، قلت القول بالكراهة هو مقتضى الروايات قال ابن رشد: الغسل بالعسل واللبن والنخالة وامتشاط المرأة بالنضوخ يعمل من التمر والزبيب الروايات كراهته لحرمته وسمع أشهب: لا يعجبني غسل الرأس باليض وغسل اليدين بالأرز وهو أخف كالأشنان ابن رشد الأرز بكسر الراء إن لم يكن طعاما فلا وجه لكراهتهم الغسل به وإن كان طعاما فمكروه وروايته بتحريك الراء خطأ ولا وجه لتخفيف الغسل به لأنه من رفيع الطعام ومرض بعض شيوخنا قوله هذا بأنه يلزم في الغسل وهو حمل سماع عيسى بن القاسم لا تعجبني الكراهة وإذا ثبت في الطعام القول بالجواز فالنخالة أولى من أن يختلف فيها كمال قال الشيخ. قال الفاكهاني: ورأيت لبعض شراح الرسالة أن قول الشيخ وقد اختلف في ذلك أي في النخالة وهو غلط ظاهر أعني تخصيصه الخلاف بالنخالة بل الخلاف في كل ما تقدم وقد قال مالك في الجلبان وما أشبهه: لا بأس أن يتوضأ منه ويتدلك به في الحمام فهذا نص في الإباحة والجواز وأما الكراهة فقد نقلها الشيخ أبو محمد وغيره، قلت: واختار بعض من لقيناه من القرويين زمان الرخاء والشدة فالكراهة في زمان الرخاء لعدم استقصاء الطعام منها، والجواز في زمان الغلاء لاستقصائه منها وكأنه أراد به أن يجمع بين القولين وليس ببعيد والاحتياط أولى. (ولتجب إذا دعيت إلى وليمة العرس إن لم يكن هناك لهو مشهور ولا منكر بين وأنت في الأكل بالخيار وقد أرخص مالك في التخلف لكثرة زحام الناس فيها): اختلف هل الوليمة مستحبة أم لا؟ فقل: إنها مستحبة وجعله غير واحد المذهب كابن رشد والمازري، وقال ابن سهل الصواب: القضاء بها على الزوج لقوله ﷺ "أولم ولو بشاة" مع العمل به عند الخاصة والعامة. واختلف في وقتها فقيل: قبل البناء رواه ابن المواز فلما ذكر عياض الرواية التي في المدونة قال: والرواية الأخرى جوازها بعد البناء وحكى ابن حبيب استحبابها عند العقد وعند البناء واستحبها بعض شيوخنا قبل البناء قلت: قال بعض شيوخنا وأشار بقوله الرواية الأخرى إلى ما ذكره الباجي من رواية أشهب لا بأس أن يولم بعد البناء قال ونظرت العتبية فلم أجدها فيها. وظاهر كلام الشيخ أن الإجابة واجبة وهو كذلك قاله مالك وقيل إنها لا تجب

стр. 867

نقله الباجي عن رواية ابن حبيب ليس ذلك فرضا ولا حتما وأحب أن يأتيه فجعلها ندبا وحكاه ابن الحاجب عن ابن القصار عن المذهب، وقال اللخمي: إن كان المدعو قريبا أو جارا أو صديقا أو من يحدث بتأخيره عداوة وتقاطعا وجبت إجابته وإن كان المدعو غير ذلك فإن لم يأت من الناس ما تقوم شهرة النكاح به ندبت وإلا أبيحت. فإن قلت: والقول بأن الإباحة واجبة مع أن الدعوة مندوبة متنافيان قلت: ليس في ذلك تناف بل هو أصل المذهب ألا ترى أن الابتداء بالسلام سنه ورده فرض فإن قلت والقول بأنها مندوبة مشكل أيضا لقوله ﷺ "ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله" قلت: أجيب عن ذلك بوجهين أحدهما أن يقصد بعدم إجابته الترفع عنها والرغبة عن السنة، وهذا تأويل عبدالوهاب الثاني لبعض البغداديين من أصحابنا بأنه لا يمنع أن يطلق على من أخل بالمندوب تسمية عاص لأن المعصية مخالفة الأمر المأمور به والمندوب مأمور به، واعترضه الفاكهاني بوجهين. أحدهما: أنه خلاف عرف حملة الشريعة وغير مصطلحهم واستعمالهم، الثاني: أن المندوب قد اختلف فيه أهل الأصول هل هو مأمور به أم لا؟ قال الباجي: لا نص لأصحابنا في وجوب أكل المجيب وفي المذهب ما يقتضي القولين روى محم: عليه أن يجيب وأن لم يأكل أو كان صائما وقال أصبغ: ليس ذلك بالوكيد وهو خفيف فحمل قول مالك على أن الأكل ليس بواجب وقول أصبغ على وجوبه قلت: واعترضه بعض شيوخنا بأن رواية محمد يجب وإن لم يأكل نص فقهي في عدم وجوب الأكل وعليه حملة اللخمي فكيف يقول: لا نص قلت: ويعترض عليه أيضا بقول الشيخ أبي محمد وأنت في الأكل بالخيار. باب في السلام والاستئذان والتناجي والقراءة والدعاء وذكر الله سبحانه والقول في السفر (ورد السلام واجب والابتداء به سنة مرغب فيها): أشار الشيخ بقوله مرغب فيها إلى أن حكمه السنة بتأكيد والله أعلم قيل: وإنما بدأ الشيخ بالرد وكان العكس أولى تقديما للفرض على السنن فابتدأ بالأهم وهو صواب وفي المذهب قول أن الابتداء بالسلام فرض كفاية والمشهور السنة، وتردد التادلي هل الرد أفضل لأنه مقصود وفرض الابتداء وسيلة وسنة أو الابتداء أفضل لكونه فعل سنة وتسبب في فريضة قال والأظهر الأول قال ﵀: ولا يسلم على الشابة

стр. 868

والآكل وقاضي الحاجة المؤذن الملبي وأهل البدع والكافر وأهل المعاصي قلت وما ذكره من عدم السلام على الآكل لا أعرفه في المذهب، وكذلك أنكره شيخنا أبو مهدي لما سألته عنه هل يعرفه أم لا؟ (والسلام أن يقول الرجل السلام عليكم ويقول الراد وعليكم السلام، أو يقول سلام عليكم كما قيل له): قال التادلي: يريد كأن المسلم عليه واحدا أو أكثر إنما يسلم بلفظ الجمع لأن الواحد مع الحفظة كالجمع مع الآدميين قال ابن رشد: والاختيار أن يقول المبتدئ السلام عليكم ويقول الراد: وعليكم السلام ويجوز الابتداء بلفظ الرد والرد بلفظ الابتداء وقال الفاكهاني، وظاهر قوله كما هو ظاهر كلام الشيخ أبي محمد أنه لا بد من الألف واللام في السلام وهو خلاف قول ابن شاس فصيغة الابتداء سلام عليكم، وصيغة الرد وعليكم السلام فأتى بصيغة الابتداء بالتنكير كما رأيت ولم أره في شيء من الأحاديث إلا معرفا كما قالاه. قلت: وظاهر كلامهم أن المتبدئ والراد لو قالا السلام فقط فإنه لا يجزئ كالصلاة وشاهدت فتوى بعض من لقيناه من القرويين غير ما مرة أنه يجزئ مستدلا بقول النحويين بجواز حذف الخبر إذا فهم والصواب هو الأول لأن هذه عبادة فتتبع كالصلاة ولا أعلم أحدا قال إذا قال في الصلاة السلام فقط أنه يجزئ إلا ما رأيت من الخلاف في كتاب مجهول شرح فيه الرسالة قال أبو عمر: إذا كان المسلم بعيد من المسلم علمه فإنه يجوز أن يشير إليه بيده أو برأسه ليعلم أنه سلم عليه. قلت: وهو صحيح ولا أعلم فيه خلافا فأول ما سمعت من شخينا أبي محمد عبد الله الشبيبي ﵀ مفتيا به وكان يعرف من يسأل عن ذلك أنه لا بد من النطق باللسان وأما الإشارة وحدها فغير كافية. (وأكثر ما ينتهي السلام إلى البركة أن تقول في ردك وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته): لأنه الذي عليه العمل من السلف والخلف قال عبدالوهاب: وقد روي حديثا أن رجلا سلم على النبي ﷺ فزاد ومغف رته ولكن العمل من السلف على خلافه، قال ابن رشد وقوله تعالى (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) [النساء: ٨٦] دليل على جواز الزيادة إذا انتهى المبتدئ بالسلام في سلامه إليها. (ولا تقل في ردك سلام الله عليك):

стр. 869

قال الفاكهاني: هذا لما يقال إنها تحية أهل القبور والله أعلم. (وإذا سلم واحد من الجماعة أجزأ عنهم وكذلك إن رد واحد منهم): ما ذكر هو المذهب خلافا لأبي يوسف في قوله: لابد من رد جميعهم وأجيب بما في أبي داود عنه ﷺ "يجزئ عن الجماعة" إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزئ عن الجلوس إذا رد أحدهم إلا أن في إسناده كلاما للعلماء، وظاهر كلام الشيخ إن رد واحد من غير الجماعة المسلم عليهم لم يسقط فرض الرد عنهم وهو كذلك. (وليسلم الراكب على الماشي والماشي على الجالس): يريد والصغير على الكبير والعبد على الحر والمرأة المتجالة على الرجل واللاحق على الملحوق والداخل على المدخول عليه والأصل في ذلك ما في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال "ليس الصغير على الكبير والمار على الجالس والقليل على الكثير" وفي طريق آخر يسلم الراكب على الماشي. قال الإمام أبو عبد الله المازري: وإنما شرع سلام الراكب على الماشي لفضل الراكب عليه من باب الدنيا فعدل الشرع أن يجعل للماشي فضيلة أن يبتدئ واحتياطا على الراكب من الكبر والزهو إذا حاز الفضيلتين وإلى هذا المعنى أشار بعض أصحابنا إذا تلاقى رجلان كلاهما مار في الطريق بدأ الأدنى منهما على الأفضل إجلال وتعظيما للأكبر لأن فضيلة الدين مرغبة في الشرع، وأما بداءة المار على القاعد فلم أر في تعليله نصا ويحمتل أن يجري في تعليله على هذا الأسلوب فيقال: إن القاعد قد يتوقع شرا من الوارد عليه أو يوجس في نفسه خيفة فإذا ابتدأ بالسلام أن إليه أو لأن التصرف والتردد في الحاجة الدنيوية وامتهان النفس فيها مما ينقص مرتبة المتصادقين والآخذين بالعزلة تورعا فصار القاعدين مزية من باب الدين فلهذا أمر ببداءتهم ولأن القاعد يشق عليه مراعاة المارين مع كثرتهم والتشوف إليهم فتسقط البداءة عنه وأمر بها المار لعدم المشقة عليه. وأما بداءة القليل للجماعة فيحتمل أيضا أن تكون الفضيلة للجماعة ولهذا قال الشارع: عليكم بالسواد الأعظم، ويد الله مع الجماعة فأمر ببداءتهم لفضلهم أو لأن الجماعة إذا بدءوا الواحد خيف عليه الكبر والزهو فاحتيط له بأن يبدأ وقد يحتمل غير ذلك لكن الذي ذكرناه هو الذي يليق بما قلناه عنهم من التعليل ولا تحسن معارصة هذه التعاليل بآحاد مسائل شذت عنها لأن التعليل الكلي لوضع الشرع لا يشترط أن لا يشذ عنه بعض الجزئيات.

стр. 870

(والمصافحة حسنة): ما ذكر الشيخ هو المشهور عن مالك وكرهه في رواية أشهب، والمصافحة وضع أحد المتلاقين كفه على باطن الآخر إلى الفراغ من السلام والكلام، قال التادلي: وفي تشديد كل واحد منها على الآخر كونه يشعر بالمبالغة في المودة قولان ولا يقبل كل واحد منهما بعد الفراغ يد نفسه ولا يصافح الرجل امرأة وإن كانت متجالة ولا مبتدعا ولا كافر والأصل في المصالحة ما رواه الترمذي عن أنس قال: قال رجل يا رسول الله الرجل منا يلقي أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال "لا" قال أفيلزمه ويقبله؟ قال "لا" قال: فيأخذه ويصافحه قال: "نعم" قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وروى الترمذي أيضا عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ "ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر الله لهما قبل أن يفترقا" قال ابن رشد وقال رسول الله ﷺ : "تصافحوا يذهب عنكم الغل وتهادوا تحابوا وتذهب عنكم الشحناء" قلت: ظاهر الحديث السابق إن مطلق انحناء الرأس منهي عنه وأفتى بعض من لقيناه من القرويين غير ما مرة بجوازه إذا كان إنحناء لا يصدق عليه الركوع شرعا زعاما أن عز الدين بن عبد السلام قال ذلك، وأما السجود وما أشبهه فلا يجوز وشاهدت بعض الطلبة الجهال، وكان مؤدبا جاء إلى شيخنا أبي مهدي حفظه الله تعالى في مدرسة عنق الجمل بتونس وتلقاه لما قام من مجلسه وسجد بين رجليه وجاء ليشتكي له بإنسان فصاح عليه وانتهره وهرب منه وظهر على وجهه الغضب لكونه خالف السنة وحلف له بالله ما يسمع في ذلك الموضع كلمة واحدة. (وكره مالك المعانقة وأجازها ابن عيينة) إتيان الشيخ ﵀ بقول ابن عيينة في هذه المسألة دون غيرها كان فيه الإشارة إلى قوته عند كإتيان سحنون بقول الغير في المدونة والله أعلم قال التادلي: المعانقة جعل الرجل عنقه على عنق الآخر وفيها أقوال ثالثها: يجوز إذا كان عن طول غيبة وإلا كرهت وظاهره أن الخلاف مذهبي وذكر غير واحد أن ابن عيينة دخل على مالك فصافحه وقال: يا أبا محمد لولا أنها بدعة لعانقتك فقال سليمان بن عيينة: عانق من هو خير منك ومني يعني النبي ﷺ قال مالك جعفر قال نعم قال ذلك حديث صحيح خاص يا أبا محمد ليس بعام.

стр. 871

قال سفيان ما يعم جعفرا يعمنا إذا كنا صالحين وما يخصه يخصنا أفتأذن لي أن أحدث في مجلسك قال نعم يا أبا محمد قال حدثني عبد الله بن طاوس عن أبيه عن عبدالله بن عباس قال لما قدم جعفر من أرض الحبشة اعتقه النبي ﷺ وقبل بين عينيه وقال "جعفر أشبه الناس بي خلقا وخلقا" فأعجب ما رأيت بأرض الحبشة الحديث، وروى مالك أن ذلك لجعفر خصوصا إذ لم يصحبها العمل من الصحابة بعد النبي صلى الله علي وسلم لأنها مما تنفر عنها النفوس في كل وقت إذ لا تكون في الغالب إلا لوداع لطول اشتياق لغيبة الأهل وما أشبه ذلك، قلت: قال بعض أصحابنا: تأمل ما الذي أفاده حديثه لمالك مع أن مالكا عالم بهذا الحديث يدل عليه كلام مالك والشأن في مثل هذا أن لا يحدث إلا بما لم يعلمه. (وكره مالك تقبيل اليد وأنكر ما روي فيه): قال التادلي: يريد وكذلك سائر الأعضاء لما يلحق المقبل من الكبر قال ابن بطال إنما كره تقبيل يد الظلمة الجبابرة وأما يد الأب والرجل الصالح ومن ترجى بكرته فجائز وظاهر المذهب خلافه، قال ابن رشد: سئل مالك عن الرجل يقدم من السفر فيتناول غلامه أو مولاه يده فيقبلها قال ترك ذلك أحب إلي وهو كما قال وينبغي لسيده أو مولاه أن ينهاه عن ذلك لأنه بإسلامه أخوه في الله إلا أن يكون كافرا فلا ينهاه لما جاء أن اليهود أتوا النبي ﷺ فسألوه مختبرين له تسع آيات بينات فلما أخبرهم قبلوا يديه ورجليه في حديث طويل. (ولا تبتدأ اليهود والنصارى بالسلام): الأصل في ذلك ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "لا يبتدأ اليهود ولا النصارى بالسلام إذا لقيتم أحدا منهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه" قال عبد الوهاب لأن السلام تحية وإكرام والكافر ليس أهلا لها وقد قال تعالى (تحية من عند الله مباركة طيبة) [النور: ٦١] وقد أجاز بعض أهل العلم ابتداء أهل الذمة بالسلا وهو خلاف ما روي عن النبي ﷺ . (فمن سلم على ذمي فلا يستقيله): قال عبد الوهاب إنه لا فائدة في استقالته لأن لا يخرج بذلك عن أن يكون قد بدأه بالتحية والاستقالة إنما تكون في أمر يمكن استدراكه فيعود المقول كأنه لم يفعل. (وإن سلم عليه اليهودي أو النصراني فليقل عليك ومن قال عليك السلام بكسر

стр. 872

السين وهي الحجارة فقد قيل ذلك). هذا لما روى مسلم عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "إن اليهود إذا سلموا عليكم يقول أحدهم سامس عليكم فقولوا عليك" وفي مسلم أيضا عن عائشة ﵂ أن رهطا من اليهود استأذنوا على رسول الله ﷺ فقالوا السام عليكم فقالت عائشة ﵂ بل عليكم السام واللعنة والغضب فقال رسول الله ﷺ "يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله" قالت أو لم تسمع ما قالوا قال "قد قلت وعليكم" وفي رواية قد قلت عليكم. (والاستئذان واجب فلا تدخل بيتا فيه أحد حتى تستأذن ثلاثا فإن أذن لك وإلا رجعت) الأصل في ذلك قوله تعالى: (لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم) إلى قوله (حتى يؤذن لكم) [النور: ٢٨] وقوله (فليستئذنوا كما استئذن الذين من قبلهم) [النور: ٥٩] وما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: كنت في مجلس عند أبي بن كعب فأتى أبو موسى الأشعري مغضبا حتى وقف فقال أنشدكم بالله هل سمع منكم أحد رسول الله ﷺ يقول الاستئذان ثلاث فإن أذن لكم وإلا رجعتم قال أبي وما ذاك؟ قال: استأذنت على عمر بن الخطاب ﵁ ثلاث مرات فلم يأذن لي فرجعت ثم جئت اليوم فأخبرته أني جئت أمس فاستأذنته ثلاثا ثم انصرفت فقال قد سمعناك ونحن على شغل فلو استأذنت جعل يؤذن لك فقلت استأذنت كما سمعت النبي ﷺ فقال: "لأوجعن بطنك وظهرك إن لم تأتني بمن يشهد معك على هذا" قال أبي فوالله لا يقوم معك إلا أحدثنا ساقم يا أبا سعيد، فقمت حتى أتيت عمر فقلت قد سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا. قال بن رشد: واختلف هل يبدا بالسلام أو بالاستئذان والصواب أن يقدم الاستئذان فإن أذن له في الدخول سلم على من في البيت ودخل، قال غير واحد: واختلف في الزيادة على ثلاثة إذا ظن أنه لم يسمع أو يشك في ذلك على قولين قال ابن الفرس ولا تقل في الجواب أنا لما في مسلم عن جابر بن عبدالله ﵁ أنه قال جئت النبي ﷺ فدعوته فقال "من هذا" فقلت أنا فخرج وهو يقول "أنا، أنا" وفي

стр. 873

رواية أخرى أنه كره ذلك. قال بعض الصوفية إياكم وثلاثة ألفاظ فإن بها هلك من هلك: أنا، ولي، وعندي فهلك فرعون بقوله (أنا ربكم الأعلى) [النازعات: ٢٤] ، وقوله (أليس لي ملك مصر) [الزخرف: ٥١] ، وهلك قارون بقول (إنما أوتيته على علم عندي) [القصص: ٧٨] ، وقبله التادلي ورد شيخنا أبو مهدي أيده الله ما ذكره من الاستدلال بالآية الأولى بأن فرعون النعي عليه بزيادة قوله ربكم الأعلى لا لقوله أنا فقط، واعلم أن تنقير الباب ثلاث أو التنحنح يقوم مقام الاستئذان كانت الأبواب مفتوحة أو مغلوقة. قال التادلي: واختلف فيمن أرسل إليه هو يدخل بغير إذن أو يفرق بين أن يأتي عن بعد فيستأذن وإلا فلا على ثلاثة أقوال، قلت: والأقرب أنه خلاف في حال واختلف فيمن اطلع على رجل بغير إذنه ففقأ عينه فقيل عليه الدية ولا قصاص وقيل بل يجب علي القصاص قاله مالك، وقال ابن عبد الحكم: لا قصاص ولا دية وهو ظاهر ما في مسلم عن أبي هريرة عنه ﷺ قال: "ومن اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقئوا عينه". (ويرغب في عيادة المرضى): هذا لما في مسلم عن ثوبان عن رسول الله ﷺ "أن المسلم إذا دعا أخاه لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع" وفي آخر قيل يا رسول الله ﷺ ما خرقة الجنة قال "جنانها". (ولا يتناجى اثنان دون واحد وكذلك جماعة إذ أبقوا واحد منهم وقد قيل لا ينبغي ذلك إلا بإذنه وذكر الهجرة قد تقدم في باب قبل هذا): علل بخوف الغدر وقيل جبرا لقلبه لإهماله، قال ابن رشد: فإن عللنا بالأول كان التناجي حراما وإن عللنا بالثاني كان التناجي مكروها وفي المدونة نهى عمر عن رطانة الأعاجم وقال إنها خب قال عياض: رطانة بفتح الراء وكسرها وفتح الطاء المهملة وهو كلام بلسانهم وخب بكسر الخاء المعجمة وتشديد الباء أي خديعة ومكر قال ابن يونس إنما ذلك في المساجد وقيل إنه يصير إلى معنى ما كره أن يتناجى اثنان دون واحد.

стр. 874

(قال معاذ بن جبل ما عمل آدمي عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله قال عمرو أفضل من ذكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه): الأصل في ذلك قوله تعالى (فاذكروني أذكركم) [البقرة: ١٥٢] وقوله (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) [ال عمران: ١٩١] إلى غير ذلك. وقد قال الأستاذ أبو علي الدقاق: الذكر منشور الولاية فيمن وفق إلى الذكر فقد أعطى المنشور ومن سلب الذكر فقد عزل قال عبد الوهاب: لأن الإنسان إذا أكثر من الذكر جدد خشوعا في قلبه وبعدت الغفلة عن قلبه فكان إلى التقوى أقرب وعن المعاصي أبعد وما قاله عمر إنما أراد به الذكر بالقلب وهو إحضار الإنسان قلبه الخوف والخشوع وتصوره لاطلاع ربه عليه في سره وعلانيته وعلمه بجيمع أعماله وتصرفاته وأنه لا تخفى عليه خافية ولا يستر عنه مستور فلذلك قال: الذكر بالقلب أفضل من الذكر باللسان. وقال الفاكهاني: الذي يظهر لي أن الوقت عند الحدود أن ذكر واجبا ذكر الله فاجتنبه ومعنى ذكر الله أن ذكر ثوابه وعقابه والله أعلم بما أراد قال ويؤيد ما قلناه قول الحسن: أفضل ذكر الله عند ما حرم الله ونقل عن البوني أنه قال في ذلك يريد أداء الفرائض فهذا قريب مما قلناه وهو قريب في المعنى قلت: وقول الفاكهاني إليه كان يذهب بعض من لقيناه من القرويين قال أبو القاسم القشيري: ومن خصائص الذكر أنه غير موقت بل ما من وقت من الأوقات إلا والعبد مأمور بذكر الله إما فرضا وإما نفلا فالصلاة وإن كانت أشرف العبادات فقد لا تجوز في بعض الأوقات. والذكر بالقلب مستديم في جميع الحالات قال الله تعالى (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) [آل عمران: ١٩١] وفي الخبر أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ إن الله تعالى يقول "أعطيت أمتك ما لم أعط أمة من الأمم قال: وما ذلك يا جبريل قال: قوله تعالى (فاذكروني اذكركم) [البقرة: ١٥٢] ولم يقل هذا لأحد غير أمتك". (ومن دعائه ﷺ كلما أصبح وأمسى "اللهم بك نصبح وبك نمسي وبك تحيا وبك نموت ويقول في الصباح وإليك النشور وفي المساء وإليك المصير وروي مع ذلك: اللهم اجعلني من أعظم عبادك حظا ونصيبا في كل خير تقسمه في هذا اليوم وفيما بعده من نور تهدي به أو رحمة تنشرها أو رزق تبسطه أو ضر تكشفه أو ذنب تغفره أو شدة ترفعها أو فتنة تصرفها أو معافاة تمن بها برحمتك إنك على كل شيء قدير): قال الفاكهاني: بك أي بقدرتك فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه وإليك النشور يوم القيامة فكان قيام الإنسان من نومه كقيامه إلى حشره وإليه مصير

стр. 875

كل شيء أي مرجعه والحظ والنصيب مترادفان، ومعنى تقسمه تهيئه وتيسره وتحضره وإلا فكل شيء مقسوم في الأزل لا يزيد ولا ينقص والهداية الرشاد إلى الخير. وفي الحديث "أن النور إذا دخل القلب انفتح وانشرح" قيل يا رسول الله هل لذلك النور من علامة قال: التجافي عن دار الغرور والإبانة إلى دار الخلود" أو كما قال ﷺ قال ابن الفرس: واختلف في حكم الدعاء فقيل: واجب وقيل مندوب إليه على الخلاف في الأمر هل يحمل على الوجوب أو على الندب وعلى الوجوب فيخرج منه بالمرة الواحدة، واختلف هل الدعاء أفضل أم السكوت والرضى لجريان حكم الله تعالى بما اختار له في الأزل. (ومن دعائه ﷺ عند النوم أنه كان يضع يده اليمنى تحت خده الأيمن واليسرى على فخذه الأيسر ثم يقول "اللهم بأسمك وضعت جنبي وباسمك أرفعه اللهم إن أمسكت نفسي فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به الصالحين من عبادك اللهم إني أسلمت نفسي إليك وألجأت ظهري إليك وفوضت أمري إليك ووجهت وجهي إليك رهبة منك ورغبة إليك لا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك أستغفرك وأتوب إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت إلهي لا إله إلا أنت رب قني عذابك يوم تبعث عبادك"): خرجه مسلم عن البراء بن عازب وفي آخر "فاجعله آخر كلامك فإن مت في ليلت مت على الفطرة" قال الفاكهاني: قول الشيخ ورسولك الذي أرسلت كأنه وهب لأن الذي في مسلم ونبيك الذي أرسلت وإنما كان نبيك دون رسولك لأن الرسول قد يكون من الملائكة بخلاف النبي وفي هذا الحديث ثلاث سنن مستحبة: هيئة النوم على الشق الأيمن لأنه أسرع إلى انتباه وذكر الله تعالى ولكن خاتمة عمله الوضوء عند النوم ولم يذكره الشيخ وهو مسلم إذا أخذت مضجعك فتوضأ وضوء الصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن وفائدة الوضوء مخافة أن يموت في ليلته ويكون أصدق لرؤياه وأبعد من تلاعب الشيطان به. (ومما روي في الدعاء عند الخروج من المنزل: "اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي): هذا حديث خرجه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح، وهو في مسلم عن

стр. 876

أبي هريرة عن الطيالسي عن أبي هريرة عن أبي مسلمة ﵂ في سنن أبي داود عن أنس عن النبي ﷺ قال "إذا خرج الرجل من بيته قال باسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله قيل حينئذ هديت وكفيت ووقيت". (وروى في دبر كل صلاة أن يسبح الله ثلاثا وثلاثين ويكبر الله ثلاثا وثلاثين ويحمد الله ثلاثا وثلاثين ويختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير): هذا الحديث متفق عليه خرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁ وظاهر المذهب أن هذا الذكر مخصوص بأن يكون عقب الصلاة الفرض وأما النوافل فلا قال ابن بطال له أن يجمع هذه الكلمات فيقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا إله إلا الله وسمى هذه الكلمات المعقبات لكونها عقب الصلاة والفواصل لوقوع الفضل بها بين الفرائض والنوافل وتقدم الخلاف في الأجر المرتب عليه هل هو لجميع الناس سواء أو الفقراء منهم أكثر ثوابا من الأغنياء. (وعند الخلاء يقول: الحمد لله الذي رزقني لذته وأخرج عني مشقته وأبقى في جسمي قوته): الخلاء ممدود والذي في الصحيح أنه ﷺ كان إذا دخل الخلاء قال "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" بضم الخاء والباء وهو جمع خبيث وخبيثة استعاذ ﷺ من ذكران الشيطان وإناثهم. (وتتعوذ من كل شيء تخافه وعندما تحل بموضع أو تجلس بمكان أو تنام فيه أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق): هذا حديث خرجه أهل الصحيح قال الفاكهاني: أخذ بعض العلماء من هذا أن القرآن غير مخلوق ولأن النبي ﷺ لا يستعيذ بمخلوق واختلف في معنى التامات فقيل هي التي لا تنقص فيها ولا عيب قال عياض: وقيل: هي النافعة الباقية الشافية، وقيل: الفاضلة وقيل المراد به القرآن.

стр. 877

(ومن التعويذ أن تقول أعوذ بوجه الله الكريم وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر وبأسماء الله الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم من شر ما خلق وذرأ أو برأ ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما يخرج منها، ومن فتن الليل والنهار، ومن طوارق الليل والنهار إلا طارق يطرق بخير يا رحمن ويقال في ذلك أيضا ومن شر كل دابة ربي آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم): المراد بالوجه الذات والبر هو الحسن المطيع وضده الفاجر وقول الشيخ وذرأ أو برأ قيل هما بمعنى واحد وقيل بمعنيين والفرق بينهما أن الذرء يكون طبقة بعد طبقة وجيلا بعد جيل بخلاف الخلق ولا شك أن برأ مرادف لخلق ومعنى قوله وما يعرج فيها يعني باطنها لأن غلظها مسيرة خمسمائية عام فيعرض من سطحها لقلة الذي يلي الأرض إلى منتهى ما يلي السماء الثانية. (ويستحب لمن دخل منزله أن يقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله): قال القاضي أبو بكر بن العربي: الذكر مشروع للعبد في كل حال على الندب ومن جملة الأوقات التي يستحب فيها ذكر الله إذا دخل أحدنا منزله أو مسجده أن يقول كما قال الله تعالى (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله) [الكهف: ٣٩] ، وروي من قال أربعا أمن أربع من قال هذا أمن من هذا، ومن قال حسبنا الله ونعم الوكيل أمن من كيد الناس له، قال الله تعالى (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) [آل عمران: ١٧٣] ومن قال وأفوض أمري إلى الله أمن من المكر قال الله تعالى مخبرا عن العبد الصالح (فوقاه الله سيئات ما مكروا) [غافر: ٤٥] ، ومن قال لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين أمن من الغم وقد قال قوم: ما من أحد يقول ما شاء الله فأصابه شيء إلا رضي به. (ويكره العمل في المساجد من خياطة ونحوها ولا يغسل يديه فيه ولا يأكل إلا مثل الشيء الخفيف كالسويق ونحوه): ينبغي أن تنزه المساجد عن البيع والشراء واستخف في البيان قضاء الدين وكنت ألحق فيه ما لم يطل وإنشاد الضالة وعمل الصناعات والسؤال قال ابن أبي زيد في النوادر: من سأل فلا يعطي وأمر بحرمانهم وردهم خائبين، قال التادلي: وكان الشيخ

стр. 878

أبو عبدالله محمد بن عمران أن يغلظ عليهم في النهي وربما أمر بإخراجهم مسحوبين، وكان بعض الشيوخ بالعكس منه فيرفق بهم ويسأل عن أحوالهم ويتصدق عليهم، فالأول تصرف بالشرع، والثاني بعين الحقيقة ومن رفع الصوت بغير ذكر الله ومن الحديث في الأمور الدنيوية ومن القصص قال مالك: والقصص بدعة ومن قراءة القرآن في المصحف قال ابن أبي زيد في مختصره لم يكن من الأمر القدم وأول من أحدثها الحجاج ومن غرس الشجر فإن وقع قطع فإن لم يقع قال ابن سهل هي حلال للغني والفقير كالفيء، قال الباجي واختلف أصحابنا في الوضوء فإن أجازه ابن القاسم في صحته في رواية موسى بن معاوية وكرهه سحنون لما في ذلك من مج الريق في المسجد قال الباجي: ورحاب المسجد كالمسجد في التنزيه. (ولا يقص فيه شاربه ولا يقلم أظفاره وإن أخذه في ثوبه): وكذلك لا يقتل فيه قملة ولا برغوثة وصرح ابن الحاجب بأن قتلها في المسجد مكروه وقال عبدالسلام: وما قاله في البرغوث ظاهر لأنه ليس له نفس سائلة وأما القملة فالمشهور أنها لها نفسا سائلة فينبغي أن يكون قتلها في المسجد أشد من البرغوث والله أعلم. (وأرخص في مبيت الغرباء في مساجد البادية): قال ابن رشد: وإذا بات في المسجد فخاف أن يخرج لقضاء الحاجة في اللصوص فإن يتخذ آنية لقضاء حاجته فإن لم يجدها بال فيه قال ابن العربي وكذلك الغري لا يجد أن يدخل دابته فإنه يدخلها في المسجد إذا خاف عليه اللصوص. (ولا ينبغي أن يقرأ في الحمام إلا الآيات اليسيرة ولا يكثر): قال عبد الوهاب: لأن الحمام من البيوت المكروهة إلا للضرورة وقد قيل إنه من بيوت الشياطين والقراءة قربة وفعل خير ومن أفضل الطاعات فيجب أن تكون في أشرف المواضع وقد روي أثر فيه النهي عن القراءة في الحمام. (ويقرأ الراكب والمضطجع والماشي من قرية إلى قرية ويكره ذلك للماشي إلى السوق وقد قيل إن ذلك للمتعلم واسع): قال عبد الوهاب: والفرق بين قراءة الماشي إلى السوق والماشي من قرية إلى قرية أن الماشي إلى السوق في قراءته ضرب من الإهانة للقرآن في قراءته في الطرقات وذلك خلاف ما أمرنا به من تعظيمه بخلاف الماشي من قرية إلى قرية لأن القراءة تعينه على طريقه ويحتاج إلى التبرك بها في مشيه والتخوف بها ولأن ذلك يعد شغلا وسرورا فلا ينسب قارئه إلى الابتذال له قال الفاكهاني: وقد رأيت لبعض شارحي الرسالة التفريق

стр. 879

بين أسواق الحاضرة وأسواق البادية فجوزه في الثاني قال التادلي، وقول الشيخ وقد قيل: راجع للماشي إلى السوق وقد قيل راجع إلى القرية وقد قيل: إن ذلك إلى الثلاثة للحمام وما بعده، والخلاف متعدد في الكل قلت وأشار الشيخ بقوله وقد قيل إلى تضعيف هذا القول ولتقدمنا الأول عليه كما سبق في قوله وقد قيل يتيمم لكلا صلاة. (ومن قرأ القرآن في سبع فذلك حسن والتفهم مع قلة القراءة أفضل وروي أن النبي ﵇ لم يقرأه في أقل من ثلاث): أكثر العلماء ﵃ على أن الإقلال من القراءة مع الفهم أفضل من سرد حروفه نقل صاحب القوت أن بعضهم كان يختم ختمة في الأسبوع وختمة في الشهر وختمة في العام وختمة في عمره ونقل المازري عن القابسي أبي الحسن أنه ختم القرآن ليلة فكان يستغفر الله من ذلك وكان الشيخ أبو عبدالله بن ناصر المعروف بابن العتبي من أصحاب ابن سحنون ورده بالقيروان ثلاث ختم كل ليلة فرأى نفسه أنه مقصر فصار إلى المنستير يتعبد ينزل على رأسه قنديل من السماء يزهر ليس له معاليق فإذا فرغ من ورده ارتفع ذلك القنديل بقدرة من يقول للشيء كن فيكون كان قوته ربع خبزة ثمن جميع الخبزة ربع درهم. وعلم أن الطريقين إنما هو في تعيين الأفضل ما هو وأفتى بعض من لقيناه من القرويين غير ما مرة بأن من يقرأ القرآن بلا فهم فلا ثواب له البتة زاعما أن ابن عبد البر نص على ذلك وقال هو كمثل الحمار يحمل أسفارا وكنت لا أرتضي منه هذه الفتوى ومجمل ما ذكر عن ابن عبد البر إن صح إنما هو إشارة إلى المبالغة فمتى فهم القرآن أحسن وقد كانت قراءة رسول الله ﷺ مترسلة ولو شاء أحد أن يعد الحروف لعدها وقال تعالى (ورتل القرءان ترتيلا) [المزمل: ٤]. (ويستحب للمسافر أن يقول عند ركوبه باسم الله اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والمال اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال ويقول الراكب إذا استوى على الدابة سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون): هذا الحديث خرجه أهل الصحيح وجاء بعضه مختلفا ومعنى الصاحب في السفر

стр. 880

والخليفة في الأهل أنه لا يخلو مكان عن قدرته تعالى فصحبة المسافر أن يسلمه ويرزقه ويعينه ويوفقه ويخلفه في أهله بأن يرزقهم ويطعمهم ويحفظهم فلا حكم لأحد في السماء ولا في الأرض غيره جل وعز قال تعالى (وهو معكم أين ما كنتم) [الحديد: ٤] قال الباجي. (وتكره التجارة إلى أرض العدو وبلد السودان): قال عبد الوهاب: إنما قال ذلك لأن فيه تغرير الإنسان بنفسه وماله وإذلالا للدين واعتزازا للمشركين لأنه يحصل في بلاد المشركين بحيث تجري عليه أحكامهم ويرى الكفر بالله جهارا ولا يمكنه دفعه ولا يأمن على نفسه الفتنة والإكراه على ترك الدين أو غررهم به وإنزالهم إياه على حكمهم وكل ذلك مما قد منعت الشريعة مع القدرة على تركه فله في بلاد المسلمين مندوحة عن التعرض لهذه الأمور، وقد قال تعالى (ومن يهاجر في سبيل الله) [النساء: ١٠٠] الآية. قال الفاكهاني: ولا خلاف وأعلمه أن ذلك مما يسقط شهادة العدل ولفسقه إذا سافر إلى بلاد العدو اختيارا فينبغي أن يحمل ما قال الشيخ على التحريم إذ لا تسقط شهادة من فعل مكروها مرة أو مرتين، قلت: وقول المدونة في أول مسألة من كتاب التجارة إلى أرض الحرب وشدد مالك الكراهة في التجارة إلى أرض الحرب لجري أحكام المشركين عليه ظاهر في التحريم للتعليل ووقع في المدونة ما يوهم خلاف ذلك، وتأول على غلبة الريح أو دخوله لفك أسير أو مصلحة بين المسلمين والكفار وجرى لي وأنا قاض بجربة برسم فيه شهادة قاضي قوصرة بذكر حق شهود من علمه فطلب مني أن أوقع على خطه فلم أمكن صاحبه من ذلك لأنهم قادرون على التحيل في الخروج منها، وربما يخرج بعض من فيها ويعدلها فهم كفار يحكم عليهم. (وقال ﵇ السفر قطعة من العذاب): قال الفاكهاني: هذا أمر مشاهد لغالب الحال لما فيه من قطع الراحة وإجهاد النفس وتشقية الخاطر ونظر من يشتهي نظره ومخالطته رغما فهو عذاب حسا ومعنى هذا غالبه وما نذر لا حكم له، والحديث يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه فإذا قصى أحدكم من سفر نهمته فليعجل إلى أهله رواه مالك عن أنس عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال التادلي: قال عمر لولا أني خشيت أن أزيد على رسول الله ﷺ لقلت العذاب قطعة من السفر، قلت: وهذا منه مبالغة. (ولا ينبغي أن تسافر المرأة مع غير ذي محرم منها سفر يوم وليلة فأكثر إلا في حج
следующие страницы →