Полный текст (1 073 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
باب في الرؤيا والتثاؤب والعطاس واللعب بالنرد وغيرها والسبق بالخيل والرمي وغير ذلك
ذكر في هذه الترجمة ثمانية أشياء عين منها ستة وأبهم اثنين وهي اللعب بالشطرنج وما أتى به من الوعظ ونحوه في الخاتمة.
(وقال الرسول ﵇ " الرؤيا الحسنة من الرجل الصالج جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ومن رأى منكم ما يكره في منامه فإذا استيقظ فليتفل عن يساره ثلاث وليقل اللهم إني أعوذ بك من شر ما رأيت في منامي أن يضرني في ديني ودنياي").
هذا صحيح متفق على روايةأصله والرؤيا مثال يلقيه الله تعالى لعبده في منامه بواسطة ملك أو غيره وقد قسمها الكرماني إلى ثمانية أقسام وقال رسول الله ﷺ " الرؤيا ثلاثة: رؤيا من الله والحلم من الشيطان ورؤيا يحدث البرئ بها نفسه" الحديث ومعنى الحسنة الجميلة يعني في صورتها وصدقها وقوتها وفي البخاري متصلا بهذا الحديث وما كان من النبوة لا يكذب.
وفي البخخاري متصلا وغيره من حديث عائشة ﵁ أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح يعني في الصدق والظهور.
وقوله: (من الرجل الصالح) شرط فلا تكون من النبوة إلا بذلك لأنها حينئذ كرامة والكرامة من المعجزة لأن مددها منها وهي شاهدة بصحتها وهي من تمام برهانها كما قيل خرق العادة كرامة للمتبع واستدراج للمبتدع يفرق بينهما التوفيق في سلوك الطريق.
المازري قال بعض الناس أنه ﷺ أقام يوحى إليه ثلاثا وعشرين سنة ععشر ثلاث عشرة بالمدينة وثلاثة عشر بمكة وكان قبل ذلك ستة أشهر يرى في منامه ما يلقي إليه الملك وذلك نصف سنة ونصف سنة من ثلاثة وعشرين جزءا من ستة وأربعين جزءا.
стр. 982
وقد قيل: إنه ﷺ قد خص دون الخليقة بضروب وفنون وجعل له إلى العلم طرقا لم تجعل لغيره فيكون المراد بالمنامات قسمتها بما حصلت له وميزته جزء من ستة وأربعين جزءا قال فلا يبقى على هذا أن يقول بينوا هذه الأجزاء ولا يلزم العالم أن يبين كل شيء جملة وتفصيلا وقد جعل الله سبحانه للعالم حدا يقف عنده فمن ما لا يعمله أصلا ومنها ما يعلمه جملة وتفصيلا ومنها طريق السمع ولا مدخل للعقل فيه فإنما يعرف منه قدر ما يعرف به السمع.
قال: وقد مال بعض شيوخنا إلى هذا الجواب الثاني وقدح في الأول بأنه لم يثبت أن أمد رؤيا ﷺ قبل النبوة كان ستة أشهر قال ويحتمل عندي أن يراد بالحديث وجه آخر وهو أن ثمرة المنامات الإخبار بالغيب لا أكثر وإن كان يتبع ذلك إنذار وتنبيه.
والإخبار بالغيب أحد ثمارت النبوة وفوائدها وهي في جنب النبوة وفوائدها يسير لأنه يصح أن يبعث بشرع الشرائع، وتبيين الأحكام ولا يخبر بغيب أبدا ولا يكون ذلك قادحا في نبوته ولا مبطلا للمقصود منها.
وهذا الجزء من النبوة والإخبار بالغيب إذا وقع فلا يكون إلا صدقا ولا يقع إلا حقا والرؤيا إذا دلت على شيء ولم يقع ما دلت عليه إما لكونها من الشيطان أو حديث النفس أو غير ذلك مما يقصد للعائن في أصل العبارة إلى غير ذلك من الضروب الكثيرة التي توجب عدم الثقة بدلالة المنام فقد صار اخلبر بالغيب أحد ثمرات النبوة وهو غير مقصود بها لكنه لا يقع إلا حقا وثمرة المنام الإخبار بالغيب ولكنه قد لا يقع صدقا فتقدر النسبة بهذه بقدر ما قدره الشارع بهذا العدد بحسب ما أطلعه الله عليه ولأنه يعلم من حقائق نبوته ما لا نعلم وانظر بقية كلامه.
وقوله: (إذا رأى أحدكم ما يكره) يعني في صورة منامه ويحتمل في معناه وكل صحيح " فليتفل" وفي رواية " فلينفث" وفي رواية " فليبصق" والبصاق إلقاء الريق من الفم بكثرة والتفل دون والنفث مثله مع ريح والنفخ لا ريح فيه وقيل غير ذلك وفي رواية إنه: "يتحول عن جنبه الذي رأى ذلك عليه ولا يتحدث بها فإنها لا تضره وإذا رأى ما يجب" فلا يحدث به إلا من يجب الحديث.
(ومن تثاوب فليضع يده على فيه).
стр. 983
يعني يده اليسرى مقلوبا ظهرها لفيه وبطنها لخارجه ليلاقي بها الشيطان ويكظم ما استطاع وقد قال ﵇ " إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب فإذا تثائب أحدكم فليرده ما استطاع ولا يقل هاه" يعني يفتح فاه مسترسلا فإن ذلك من الشيطان.
قال ابن العربي وقد فعل ذلك بعض الناس فانفكت أحناكه وبقي فمه مفتوحا كذلك قال علماؤنا وإنما يضحك منه لأنه تشويه لخلقته ولأنه يمكنه من دخوله في جوفه وهل حقيقة أو أن ذلك يزيد في كسله ولما كان إنما ينشأ عن الكسل ويثمره عصم الله منه أنبياءه عليهم الصلاة والسلام وقال ابن عباس ﵁ ما تثاءب نبي قط ولا احتلم نبي قط ولا زنت امرأة نبي قط ذكره الزركشي في شرح البخاري.
(ومن عطس فليقل الحمد لله وعلى من سمعه يحمد الله أن يقول له يرحمك الله ويرد العاطس عليه يغفر الله لنا ولكم أو يقول يهديكم الله ويصلح بالكم).
قد تقدم في الحديث قبل أن العطاس من الله ومعناه أنه من حيز الخير قالوا لأنه يخفف الدماغ ويسهل بعض العبادات في الحديث أنه يقطع عرق الفالج والسعار يقطع عرق البرص والزكام يقطع عرق الجذام والرمد يقطع عرق العمى وما ذكره الشيخ يسمى تشميت العاطس ويقال بالشين المعجمة قبلها تاء بعدها ميم بياء ساكنة وتاء فوقية ويروى بالمهملة أيضا.
قال القاضي أبو بكر بن العربي والشمائت الأعضاء وإنها تتزلزل بالعطاس وإذا رجعت إلى مقرها حمد الله عليها فيرجى له بالرحمة على ذلك ويقابل هو من دعا له بدعاء آخر وقيل بل لما كان حال العطاس محل شهوة الخلقة حمدا لله على زوال ما يشمت به من أجله وأما بالمهملة فهو من السمت لأن العطاس يزول سمته الذي حسن هيئته ثم يعود إليه فيحمد الله على ذلك.
وفي حديث علي كرم الله وجهه: " إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله وليقل له أخوه يرحمك الله فإذا قالي رحمك الله فليقل يهديكم الله ويصلح بالكم" أخرجه
стр. 984
البخاري والنسائي: "فليقل يغفر الله لنا ولكم" وفي الحديث الأمر بتخمير وجهه وكظم صوته عند العطاس وأنه لا يلزم التشيمت فيما فوق الثلاث وقيل فوق الاثنين وليقل إنك مزكوم أبو عمر يعذر له بذلك على تشميته فيما بعد.
وقال الباجي ظاهر المدونة أن التشميت من سنن الكفاية يجزئ الواحد عن الجماعة وقيل لا لأن الدعاء مطلوب تعدده من كل أحد فليس كالسلام في ذلك وثالثها استحبابه من الأعيان وقيل مالك وربما كانت الحلقة كثيرة الأهل فلا تسمع تحميد العاطس فقال إذا سمعت الذين يلونه يشمتونه فشمته.
ويروى أن من سمع عاطسا فسبقه بالحمد كان أمانا من الشوصة ورأيت في جدار زمزم حجرا أخضر مكتوب فيه بخط ضعيف جدا من قرأ الفاتحة عند عطاسه أمن من قلع أضراسه فذكر لي بعض سكان مكة المدنيين أنه وجد في بئر زمزم كذلك. وفي الحديث: " أن الدعاء عند العطاس مستجاب" والحديث صادق وقد شرد عني محل نقله فابحث عنه.
(ولا يجوز اللعب بالنرد ولا بالشطرنج ولا بأس بالسلام على من يلعب بها ويكره الجلوس إلى من يلعب بها والنظر إليهم).
النرد والنردشير لعب بأعواد ونحوها على كيفية مخصوصة يقع بها القهر في القلب والتضييع للعبادات بالاسترسال غالبا وغالب الأمر لعبها بالقمار وكان ذلك حراما فقد قال رسول الله ﷺ : " من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه" رواه مسلم.
وفي الموطأ: " من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله" وقاس مالك علهي الشطرنج بطريق الأحروية إذا قال الشرطنج ألهي وألهي منه وجه القياس كونهما شاغلين عما يفيد في الدين والدنيا وداعيين للتشاجر الحادث فيهما عند التغالب مع كونهما غير مفيدين في الدين ولا في الدنيا قال المازري وينهى عن القليل والكثير منهما لأن القليل يوقع في الكثير واللاعب وإن كان قد ترك القمار قد يقع في القمار ولا خلاف في تحريم الشطرنج بالقمار إن أدى إلى الفواحش أو ترك الصلاة أو تأخيرها عن وقتها المختار
стр. 985
وإنما الخلاف مع السلامة من ذلك والمذهب رد الشهادة بعلبه.
وفيه اختلاف وتفصيل يطول ذكره وقد بالغ الطرطوشي في ذمه والرد على من يلعب به في كتاب له في البدع وإنما يسلم على من يلعب به لاختلاف العلماء فيه ولا ينظر إليهم ولا يجلس لهم لئلا يدعوه إلى مثل فعلهم والله أعلم.
(ولا بأس بالسبق بالخيل والإبل وبالسهام بالرمي وإن أخرجا شيئا جعل بينهما محللا يأخذ ذلك المحلل إن سبق هو وإن سبق غيره لم يكن عليه شيء هذا قوله ابن المسيب وقال مالك إنما يجوز أن يخرج الرجل سبقا فإن سبق غيره أخذه وإن سبق هوكان للذي يليه من المتسابقين وإن لم يكن غير جاعل السبق وآخر فسبق جاعل السبق أكله من حضر ذلك).
أما أن السبق جائز بما ذكر فهو المذهب وسواء في ذلك بجعل أو بغير جعل ويجوز أيضا بالرجل لكن بغير جعل وقول الشيخ (وإن أخرجا شيئا) يفهم منه أنه يجوز بشيء وبلا شيء وقد ذكر الشيخ صورا ثلاثا وأنهاها غيره إلى خمسة.
أولها: مسألة المحلل وأضافها إلى ابن المسيب وحكي عن مالك مثل قول عياض ومشهور المذهب فيها المنع.
الثانية: أن يخرج سبقا فإن سبق غيره أخذه وإلا كان للذي يليه من السابقين.
الثالثة: إذا لم يكن غير جاعل السبق وآخر يسبق الجاعل يأكله من حضر ذلك وهما اللذان في قول مالك.
الرابع: أن يكون المخرج للسبق غير المتسابقين وهذه لا خلاف في جوازها.
الخامس: أن يخرج أحد المتسابقين على أنه إن سبق غيره أخذه وإن سبق هوكان له وهذه منعها ابن القاسم في روايته وهو أحد قولي مالك وأجازها في أحد قوليه مع أصبغ وابن وهب وثالثها الكراهة لأصبغ.
السادسة: ممنوعة باتفاق فيما حكى ابن رشد وهي أن يخرج كل واحد شيئا على أن سبقه أخذ الجميع وأحكام هذا الباب كثيرة ومحله آخر الجهاد في غير هذا الكتاب وانظر الجواهر وبالله التوفيق.
(وجاء فيما ظهر من الحيات بالمدينة أن تؤذن ثلاثا وإن فعل ذلك في غيرها
стр. 986
فذلك حسن ولا تؤذن في الصحراء ويقتل ما ظهر منها).
المراد بالمدينة طيبة المشرفة وأشار بذلك لما في الصحيح من أن شابا تزوج امرأة فخرج لبعض حاجته يوم إعراسه فلما رجع وجد زوجته بالب فانتهرها فقالت ادخل لترى فدخل فوجد حية عظيمة فقتلها فلم يدر أيهما أسبق روحه أم روح الحية فقال رسول الله ﷺ : " أن المدينة جنا قد أسلموا فإن رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثا أيام فإن بدأ لكم فاقتلوه فإنما هو شيطان" روه مسلم وغيره من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
وإنما يستحسن ذلك في غير المدينة لاحتمال عزم الأمر فيه ولا تؤذن في الصحراء لئلا تعاجل بالضرر وقال مالك يكفي في الاستئذان أن يقول أحرج عليكن بالله واليوم الآخر أن لا تبدو لنا ولا تؤذونا عياض ولعل مالكا أخذ التحريج مما وقع في صحيح مسلم: " ما حرجوا عليها ثلاثا".
وروى ابن حبي أنشدكن بالعهد الذي أخذ عليكن سليمان بن داود ﵇ أ، لا تؤذونا أو تظهروا لنا وفي كون الثلاث معتبرة بالوقت أو بالأيام أو بالخرجات أقوال والصحيح ثلاثة أيام لأنه نص الحديث والله أعلم.
(ويكره قتل القمل والبراغيث بالنار ولا بأس إن شاء الله بقتل النمل إذا آذت ولم يقدر على تركها ولو لم تقتل كان أحب إلينا إن كان يقدر على تركها).
قتل القمل والبراغيث بالعقص والفرك جائز وإنما المكروه قتلها بالنار وقد قال ﷺ : " إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأسحنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة" ولمسلم من حديث شداد بن أوس ﵁ ويحكى أن بعض الصالحين خرج للفحص مع أصحاب له فرجع من الطريق وقال إن في المرقعة قملا أخشى إن تركتهم أن يموتوا جوعا فيكون مخالفا لقوله ﵊:" إذا قتلتم فأحسنوا القتلة" فأنا آتيها لأفليها أو ألبسها فيأكلوا مني قلت وغايته الشفقة على خلق الله والامتثال لأمر الله وأما النمل فقد نهى رسول الله ﷺ عن قتلها قال الخطابي والنهي خاص بالنمل المجنح الكبير الأرجل لأنه لا يضر.
стр. 987
وفي الصحيح: " أن نبيا من الأنبياء قرصته نملة فحرق قرية النمل فأوحى الله إليه أفي إن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح هلا نملة واحدة" فأخذ منه العلماء جواز حرق النمل إذا آذت وأن تركها أحسن وسئل مالك عن قتل النمل فقال إن قدرتم على أن تمسكوا عنها فافعلوا وإن أضرتكم أرجو أن تكونوا من قتلها في سعة.
وذكر الشيخ أبو طالب المكي في كتابه أن طرح القمل حيا يورث النسيان وذكر غيره أنه تصير عقربا بمخالطة التراب فلا تلدغ أحدا إلا مات أو كاد وعلى هذه فيحرم ما يفعله عامة مصر من فلي الثوب بالأسنان خساسة وربما حرم لما يجري من دم القمل ونحوه في أفواههم والله أعلم.
(ويقتل الوزغ ويكره قتل الضفادع).
أما الوزغ فقد جاء الحديث بالتغريب في قتله حتى قال ﵇: " من قتلها بضربة فله مائة حسنة ومن قتلها بضربتين فله بدون ذلك".
رواه مسلم وفي رواية " في الثانية بخمسين" ثم كذلك وفي الحديث أيضا " إنها كانت تنفخ النار على إبراهميم ﵇" قالوا والوزغ أنواع منه سام أبرص وغيره.
وأما الضفادع فقد سأل طبيب النبي ﷺ عن جعلها في دواء فنهى عن قتلها أخرجه أحمد من حديث عبد الرحمن بن عثمان القرشي وكذا النسائي وصححه الحاكم وفي أبي داود نهى ﵇ عن قتل أربع من الدواب النملة والنحلة والهدهد والصرد وقال ﵇ " خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والعقرب والفارة والكلب العقور" واختلف في قتل من لم يبلغ حد الأذى من الحيات والعقارب قال ابن العربي والصحيح الجواز لأن مالها إلى الأذى قطعا والله أعلم.
(وقال ﵇ إن الله أذهب عنكم الغيبة الجاهلية وفخرها بالآباء مؤمن تقي أو فاجر شقي أنتم بنو آدم من التراب وقال ﵇ في رجل تعلم أنساب الدين علم لا ينفع وجهالة لا تضر وقال عمر ﵁ عنه تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم قال مالك ويكره أن يرفع في النسبة فيما فوق
стр. 988
الإسلام من الآباء).
كل ما ذكر في هذه الجمل واضح لا يحتاج إلى تقرير وحاصله النهي عن المفاخرة والكبر بالأنساب ونوع من النهي عن الاشتغال بالفضول ومنه عبية الجاهلية يروي بالمعجمة والمهملة مع الضم أو الكسر وتشديد الموحدة وهي بالمعجمة من الغباوة أي الجهل البالغ وبالمهملة نخوة النفس وكبرها وفي الحديث: " نسب المرء دينه وحسبه خلقه وكرمه تقواه" ولا خلاف أن الكبر حرام ومن افتخر بشرف آبائه كمن ادعى الشبع بأكلهم ويحكى أن الحسن البصري ﵁ مر به المهلب بن أبي ضفرة فلم يلتفت إليه فقال له المهلب أما تعرفني قال نعم أنا أعرف بك منك قال وكيف قال أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة وأنت فيما بينهما تحمل العذرة ويرحم الله من قال:
كيف يزهو من رجيعه ... أبد الدهر ضجيعه
فهو منه وإليه ... وأخوه ورضيعه
وإنما يكون علم الأنساب علما لا ينفع وجهالة لا تضر إذا كان تقيا وإلا فعلمه يضر وجهالته تنفع ومما ينسب لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه:
الناس من جهة التمثيل أكفاء ... أبوهم آدم والأم حواء
فإن أتيت بفخر من ذوي حسب ... فإن حسبهما الطين والماء
ووزن كل امرئ ماكان يحسنه ... والجاهلون لأهل العلم أعداء
ووقع لبعض الفقراء أنه نظر إلى التراب فقال لبعض من حضره من كان وجوده من هذا ومصيره لهذا وقوامه من هذا تكبره بماذا انتهى وهو موعظة عجيبة وبالله التوفيق.
(والرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ومن رأى في منامه ما يكره فليتفل عن يساره وليتعوذ من شر ما رأى ولا ينبغي أن يفسر الرؤيا من لا علم له بها ولا يعبرها علىالخير وهي عنده على المكروه).
إنما كرر الحديث في الرؤيا ليركب عليه المسألتين وفي البخاري بعد ذكر الحديث متصلا به وما من النبوة لا يكذب عبد الوهاب في تعبير من لا علم له بها لأنه
стр. 989
يكون كذبا وإفتاء بغير علم قال الله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء: ٣٦].
قال غيره وشرط معبر الرؤيا أن يكون عارفا بمواد التعبير ومحله وله قدرة زائدة وإدراك صحيح وإذا فسرها من لا علم له بها فهو كذلك وكذلك إذا عبرها على الخير وهي عنده على المكروه وإذا قال للسائل خير فلا شيء عليه قال لمالك أيعبر الرؤيا من لا علم له بها فقال أبا لنبوة يعلب يشير بذلك كله للحديث المذكور أولا وبالله التوفيق.
(ولا بأس بإنشاد الشعر وما خف من الشعر أحسن ولا ينبغي أن يكثر منه ومن الشغل به).
أجمع ما قيل في ذلك الشعر كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح وكان جدتي رحمة الله عليها من الصالحات ولها نصيب من العلم فكانت تقول لي وأنا صغير يا ولدي لا تؤثر الشعر على العلم فإنه كمن يبدل القمح بالشعير والكلام فيه طويل فلنقتصر دون وبالله التوفيق.
(وأولى العلوم وأفضلها وأقربها إلى الله تعالى علم دينه وشرائعه مما أمر به ونهى عنه ودعا إليه وحض عليه في كتابه وعلى لسان نبيه والفقيه في ذلك والفهم فيه والتهمم برعايته والعمل به).
أولى أي الحق العلوم بالتهمم والتقديم علم دين الله الذي هو أحكام الإسلام والإيمان والإحسان وهي الأصول والفقه ومعاملات التصوف لقوله في حديث جبريل ﵇ لما فرغ من ذكر الإيمان والإسلام: " هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" قال البخاري جعل كل ذلك من الدين وقال بعضهم علم لا عمل وسيلة بلا غاية وعمل بلا علم جناية وهما بلا إخلاص كلفة بلا أجر وقد يريد بعلم دينه العقائدالتي بها يثبت الدين وبالشرائع ما وراء ذلك من العبادات والأحكام وقال رسول الله ﷺ " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ويلهمه رشده وإنما أنا قاسم والله يعطي"
وسئل الجنيد ﵀ عن العلم النافع فقال هو أن تعرف ربك ولا تعدو قدرك وذكر ابن عطاء الله في لطائف المنن حديثا نصه إن الله لا يسأل الخلق عن ذاته وصفاته وعن قضائه وقدره وإنما يسألهم عن أمره ونهيه فاطلب ربك من حيث يطلبك والنقل
стр. 990
وفي هذا الباب أكثر من أن يحصى وأوسع من أن يحاط به.
ومرجع ذلك إلى أن العلوم ثلاثة علم كالغذاء لا يستغنى عنه بحال وهو فرض العين قال الغزالي وهو ما لا يؤمن الهلاك مع جهله وعلم كالدواء يستغنى عنه في حال دون حال وهو ما وراء ذلكم ن فروض الكفاية وما ندب إلى تعلمه وتلعيمه كالتوسع في الأحكام ونحوه وعلم كالداء وهوما يؤدي إلى ضرر في الدنيا والدين وتختلف أحوال الناس فيه وتفترق أحوالهم عليه وعن جماعة منه علم الجدل والكلام والمنطق والتحقيق أن في ذلك تفصيلا يطول ذكره فانظر وبالله التوفيق.
(والعلم أفضل الأعمال وأقرب العلماء إلى الله أكثرهم له خشية وفيما عنده رغبة).
لما كان الشيء يشرف بشرف متعلقه كان متعلق العلم أشرف المتعلقات وهو العلم بالله والعلم بما به أمر اله كان العلم أفضل الأعمال وقد جاء في فضل العلم ما لا مزيد عليه وفي البخاري: " من سلك طريقا يطلب به علما سهل الله له طريقا إلى الجنة " وفي الحديث: " العلماء ورثة الأنبياء وأمناء الرسل ما لم يميلوا إلى الدنيا ويداخلوا السلاطين فإذا مالوا إلى الدنيا وداخلوا السلاطين فاخشوهم في دينكم" وكون أقرب العلماء إلى الله أكثرهم خشية هو الذي شهدت به شواهد السنة قال الله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾.
وقال ابن عطاء الله في الحكم خير العلم ما كانت الخشية معه العلم إن قارنته الخشية فلك وإلا فعليك.
قال في لطائف المنن فشاهد العلم الذي هو مطلوب لله تعالى الخشية لله وشاهد الخشية موافقة الأمر أما علم تكون معه الرغبة في الدنيا والتملق لأربابها والجمع والادخار والمباهاة والاستكثار وإيثار الدنيا ونسيان الآخرة فما أبعد من هذا علمه أن يكون من ورثة الأنبياء.
وهل ينتقل الشيء الموروث إلى الوارث إلا بالصفة التي كان عليها عند الموروث عنه قال ومثل من هذه الأوصاف أوصافه من العلماء كمثل الشمعة تضيء على غيرها وتحرق نفسها جعل الله الذي علمه من هذا وصفه حجة عليه وسببا في تكثير العقوبات.
стр. 991
لديه قال ولا يغرنك أن يكون به انتفاع للبادي والحاضر.
فقد قال ﵇: " إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر" قال ومثل من تعلم العلم لاكتساب الدنيا والرفعة كمثل من يرفع العذرة بالملعقة من الياقوت فما أشرف الوسيلة وما أخس التمتوسل إلهي ومثل من قطع الأوقات في طلب العلم فمكث أربعين أو خمسين سنة يتعلم العلم ويعلمه ولا يعمل به كمثل من قطع هذه المدة يتطهر ولا يصلي صلاة واحدة إذ مقصود العلم العمل كما أن مقصود الطهارة الصلاة انتهى على شك في بعض ألفاظه نفعنا الله بمنه وكرمه.
(والعلم دليل إلى الخيرات وقائد إليها).
قال الرسول ﵇" العلم إمام العمل والعمل تابعه" وق قالوا طلبنا العلم لغيرا لله فأبى أن يكون إلا لله قيل يعني امتنع حصوله إلا أن يطلب لله وقييل بل طلبه لغير الله لا يصيره لغيره لأنه لا يمكن أن يكون لغيره حتى إن الشيطان يحض العبد على طلب العلم لتقوم عليه الحجة ويقع في ذنوب الطلبة والعلماء خرج له بذلك بيان الحلال والحرام الذي يصرفه عن تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله فعند ذلك بود أن يرده عنه لما يرى من مصلحته فيجيبه بقوله طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا الله فتأمل ذلك فإنه مليح وبالله التوفيق.
(واللجأ إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ واتباع سبيل المؤمنين وخبر القرون من خير أمة أخرجت للناس نجاة ففي المفزع إلى ذلك العصمة).
ذكر في هذه الجملة أصول الأحكام التي هي الكتاب والسنة يعني متواترها وآحداها والسنة هنا ما جاء من فعل ﵇ وقوله وتقريره وسبيل المؤمنين هو الإجماع واتباعه واجب قال الله تعالى ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم﴾ [النساء: ١١٥].
وقوله: (وخير القرون) يحتمل الخبرية فيكون تكرارا مع ما في العقيدة ويحتمل عطفة على اتباع السلف أي واتباع خير القرون من خير أمة وخير الكل نجاة وكأنه يشير بذلك إلى الاقتداء بالقرون الثلاثة الأول بعد الكتاب والسنة والإجماع وبيان ذلك أنه لا مقلد إلا المعصوم لامتناع الخطأ عليه أو من شهد له المعصوم حيث يتعذر الاقتداء
стр. 992
به لأن مزكي العدل عدل وقد شهد ﵇ لقرنه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم فوجب اعتبارهم في الاقتداء على مراتبهم.
لكن القرن الأول حفظوا عن الشارع ولم يجمعو ولم يعرف عام من خاص ولا ناسخ من منسوخ وذلك يتحصل بالجمع فجاء القرن الثاني فحفظوا ما جمعوا وذلك لا يكفي دون التفقه فيه وقد تفقهوا فيه ولكنهم لم يستوبعوه فجاء القرن الثالث فحفظ ما جمع على جمع واستوفى ما جمعه بفقه فكمل علم الدين في القول الثالث حفظا وجمعا وتفقها في كل فن شرعي فأخذ ذلك عن علمائه الذين صح ورعهم وهم اثنا عشر رجلا فكان لكل منهم اتباع ثم لم تزل اتباعهم تنقرض وينقرض علمها بها حتى لم يبق إلا جملة الأئمة الأربعة مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد فاقتصر الناس عليهم واتبعوا مذاهبهم مع أنه لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة لقوله ﵇ " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق".
ففي كل عصر سادة وفي كل قطر قادة لكن القرون الثلاثة الأصل فيهم الخير والشر عارض وما بعدهم من القرون ليس كذلك فهم معتبرون بأوصافهم وبالله التوفيق.
(وفي اتباع السلف الصالح النجاة وهم القدوة في تأويل ما تأولوه واستخراج ما استنبطوه).
السلف هو السابق والصالح هو الذي جرت أقواله وأفعاله على وفق الحق والصواب في الغالب والمراد بهم هنا أهل القرون الثلاثة الأول من العلماء العاملين ومن اتصف بأوصافهم من المتأخرين القدوة الذي يتبعون ويقتدى بهم.
والتأويل إخراج اللفظ عن ظاهره بدليل يعضدة والاستنباط استخراج الحكم من أصله الذي يحتوي عليه وإنما كان السلف قدوة فيما ذكر لأنهم جمعوا ثلاثة أشياء العلم الكامل والورع الحاصل والنظر السديد وغلبت عليهم الأمانة ولولا هذه الشروط ما صح الاقتداء بهم وقد قال ابن المبارك إن هذا لحديث دين فانظروا عن من تأخذون دينكم وبالله التوفيق.
(وإذا اختلفوا في الفروع والحوادث لم يخرج عن جماعتهم).
стр. 993
بل يتعين أن يقتدى بهم على مراتبهم فإن العلماء كلهم طرق إلى الجنة البلالي ويجب مذهب معين وله رجوع عنه وعن بعض مسائله لا تتبع الرخص قلت أما تتبع الرخص فحرام إجماعا لأنه تلاعب بالدين وأما تقليد الرخصة يوما ما للضرورة أو الأخذ بالاحتياط والورع فلا عتب على صاحبه هكذا نصوا عليه واختلفوا في جواز الانتقال على أقوال محلها أصول الفقه وبالله التوفيق.
(والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله).
ش: هذا اعتراف بمنة الله وشكر له على ما هداه من التعليم والإلقاء بعد تحصيل العلم والتقى وعلى مثل هذا يتعين الشكر ثم هذا الحمد هو حمد أهل الجنة في الجنة وهو من نسبة قول الصحابة ﵃ والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فشهود المنة من تعظيم المنعم وهو أصل كل بر وخير وبالله التوفيق.
(قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد قد أتينا على ما شرطنا أن نأتي به في كتابنا هذا مما ينتفع به إن شاء الله من رغب في تعليمه ذلك من الصغار ومن احتاج إليه من الكبار وفيه ما يؤدي الجاهل إلى علم ما يعتقده من دينه ويعمل به من فروضه ويفهم كثيرا من أصول الفقه وفنونه ومن السنن والرغائب والآداب).
قوله (قال أبو محمد) إلى آخره ثابت في هذا الموضع باتفاق واختلف فيه أن وهو هنا على بابه من القول بلا نية وأبو محمد هو كنية عبد الله وإنما كنى نفسه لأن معرفته بذلك وإلا فهو أشد تواضعا وتأدبا من ذلك وكان ﵁ من أورع أهل زمانه وأعظمهم ديانة حسبما ذكره عياض وغيره في التعريف.
وسمعنا عن شيخ أبي عبد الله القوري ﵀ قال ألف هذا الكتاب وهو ابن سبع وعشرين سنة وبذلك بينه وبين كلامه في النوادر كثير وسمعته يقول كتب الفقه من النوادر مثل الحوض تجري منه من السواقي.
وكان مولد الشيخ ﵀ سنة عشر وثلاثمائة وتوفي سنة ست وثمانين من المائة المذكورة فعمره سعبون سنة وكان يعرف بمالك الصغير وقيل كان ينكر الكرامات ثم رجع عن ذلك لسر اتفق له وقيل لم ينكر منكرا ولكن حسما للذريعة وهو الظاهر والله أعلم.
стр. 994
وما ذكر في ترجمة كتابه لأنه هو الذي شرطه أول الكتاب وقد مدح الناس الرسالة واعتنوا بشرحها حتى أنه ليقال منذ وضعت ما خلت سنة عن ظهرو شرح جديد لها وقد ظهرت بركتها على العامل بها والملتزم لها.
وسمعت عن الشيخ الصالح سيدي أبي عبد الله بن عباد ﵀ أنه قال طلبوا الفقه في غير الرسالة فأضلوه وطلبوا التصوف في غير الحكم فأضلوه وقد جرب بالمشاهدة أن من قرأ كتب الفقه دونها لم ينتفع بنفسه غالبا ما ذاك إلا لصدق صاحبها وطالبها ونيتهما فالأعمال بالنيات والخواتم وبالله التوفيق.
(وأن أسأل الله أن ينفعنا وإياك بما علمنا ويعيننا وإياك على القيام بحقه فيما كلفنا ولا حول ولا قوة إلا بالله العليم العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما).
هذا سؤال موافق لما قال أول الكتاب أما بعد أعاننا الله وإياك على رعاية ودائعه وحفظ ما أودعنا من شرائعه ومدارهما على الاهتمام بأمر الدين واللجأ إليه تعالى في قيام ذلك والقيام به ومعنى (لا حول ولا قوة) لا حركة ولا ثبوت إلا بالله وروى لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بإعانة الله.
والصلاة على النبي ﷺ في آخر الكتاب جاء به حديث ضعيف النهي عنه ذكره أبو نعيم في ترجمة عمر بن عبد العزيز من الحلية ولم يعده العلماء في المواضع المنهي عن الصلاة فيها وهي سبعة عند العثرة وعند البيع وعند الذبح وفي الحمام وفي الخلاء وعند الجماع وفي المواضع القذرة ونحوها فاعرف ذلك وبالله التوفيق.
قال مؤلف هذه العجالة العبد الفقير إلى الله سبحانه أقل عبيده وأفقرهم إلى رحمته أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى البرنوسي ثم الفاسي عرف بزروق أصلح الله حاله وبلغ فيما لديه آماله وعافاه من بليته وشافه من علته ورزقه في كل حال شرك نعمته قد كتبت هذا الكتاب وجمعته من أصول معتمدة جلها كتب المتأخرين والعمدة مختصر الشيخ الفقيه الصالح سيدي أبي عبد الله بن عرفة التونسي وربما لفقت كلامه أو بسطته أو أتيت به على وجهه فليراجعه من أشكل عليه شيء من نقله وليقف على حد الإنصاف متقيا الله سبحانه
стр. 995
والله أسأل أن يجعله رحمة لعباده وبركة في أرضه وبلاده وأن ينفع به الخاص والعام ويجعله تذكرة وتبصرة لا مخملا ولا مخمرا ولا مخمدا ولا ملموسا بيد إذاية من جاهل يتحامل أو حاسد يعرف الحق ويتجاهل فإنه ولي ذلك والقادري عليه وهو حسبنا ونعم الوكيل وكان الفراغ منه في أوائل سنة ست وتسعين وثمانمائة عرفنا الله خبيره وخير ما بعده إلا الأبد بمنه وفضله وكرمه وكتب مؤلفه بخط يده الفانية مبيضة غير مصححة ولا مهذبة والله المسئول في ذلك بمنه وكرمه.
стр. 996
متن الرسالة
للإمام أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني
المتوفى سنة ٣٨٦هـ
стр. 997
صفحة خالية
стр. 998
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني ﵁ وأرضاه:
الحمد لله الذي ابتدأ الإنسان بنعمته وصوروه في الأرحام بحكمته وأبرزه إلى رفقه وما يسره له من رزقه وعلمه ما لم يكن يعلم وكان فضل الله عليه عظيما ونبهه بآثار صنعته وأعذر إليه على ألنسة المرسلين الخيرة من خلقه فهدى من وفقه بفضهل وأضل من خذله بعدله ويسر المؤمنين لليسرى وشرح صدورهم للذكرى فآمنوا بالله بألسنتهم ناطقين وبقلوبهم مخلصين وبما أتتهم به رسله وكتبه عالمين، وتعملوا ما علمهم ووقفوا عند ما حد لهم واستغنوا بما أحل لهم عما حرم عليهم.
أما بعد:
أعاننا الله وإياك على رعياية ودائعه وحفظ ما أودعنا من شرائعه فإنك سألتني أن أكتب لك جملة مختصر من واجب أمور الديانات مما تنطق به الألسنة وتعتقده القلوب، وتعمله الجوارح وما يتصل بالواجب من ذلك من السنن من مؤكدها ونوافلها ورغائبا وشيء من الآداب منها وجمل من أصول الفقه وفنونه على مذهب الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى وطريقته مع ما سهل سبي ما أشكل من ذلك من تفسير الراسخين وبيان المتفقهين لما رغبت فيه من تعليم ذلك للولدان كما تعلمهم حروف القرأن ليسبق إلى قلوبهم من فهم دين الله وشرائعه، ما ترجى لهم بركته وتحمد لهم عاقبته فأجبتك إلى ذلك لما رجوته لنفسي ولك من ثواب من علم دين الله أو دعا إليه.
واعلم أن خير القلوب أوعاها للخير وأرجى القلوب للخير ما لم يسبق الشر إليه وأولى ما عني به الناصحون ورغب في أجره الراغبون إيصال الخير إلى قلوب أولاد المؤمنين ليرسخ فيها وتنبيههم على معالى الديانة وحدود الشريعة ليراضوا عليها وما عليهم أن تعتقده من الدين قلوبهم وتعمل به جوارحهم.
فإنه روى أن تعليم الصغر لكتاب الله يطفئ غضب الله وأن تعليم الشيء في الصغر كالنقش على الحجر وقد مثلت لك من ذلك ما ينتفعون إن شاء الله بحفظه ويشرفون بعلمه ويسعدون باعتقاده والعمل به.
стр. 999
وقد جاء أن يؤمروا بالصلاة لسبع سنين ويضربوا عليها لعشر ويفرق بينهم في المضاجع فكذلك ينبغي أن يعلموا ما فرض الله على العباد من قول وعمل قبل بلوغهم ليأتي عليهم البلوغ، وقد تمكن ذلك من قلوبهم وسكنت إليهم أنفسهم وأنست بما يعملون به من ذلك جوارحهم.
وقد فرض الله سبحانه على القلب عملا من الاعتقادات وعلى الجوارح الظاهرة عملا من الطاعات وسأفصل لك ما شرطت لك ذكره بابا بابا ليقرب من فهم متعلميه إن شاء الله تعالى وإياه نستخير وبه نستيعن ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الديانات
من ذلك الإيمان بالقلب والنطق باللسان أن الله إله واحد لا إله غيره ولا شبيه له ولا نظير له ولا ولد له ولا والد له ولا صابحة له ولا شريك له ليس لأوليته ابتداء ولا لآخريته انقضاء لا يبلغ كنه صفته الواصفون ولا يحيط بأمره المتفكرون يعتبر المتفكرون بآياته ولا يتفكرون في ماهية ذاته، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم العالم الخبير المدبر القدير السيمع البصير العلي الكبير.
وأنه فوق عرشه المجيد بذاته وهو في كل مكان بعلمه خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين على العرش استوى وعلى الملك احتوى له الأسماء الحسنى والصفات العلى، لم يزل بجميع صفاته وأسمائه تعالى أن تكون صفاته مخلوقة وأسمائه محدثة.
كلم موسى بكلامه الذي هو صفة ذاته لا خلق من خلقه وتجلى للجبل فصار دكا من جلاله، وأن القرآن كلام الله ليس بمخلوق فيبيد ولا صفة لمخلوق فينفد، والإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره وكل ذلك قد قدره الله ربنا ومقادير الأمور بيده ومصدرها عن قضائه علم لك شيء قبل كونه فجرى على قدره لا يكون من
стр. 1000
عباده قول ولا عمل إلا وقد قضاه وسبق علمه به ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير.
يضل من يشاء فيخذله بعدله ويهدي من يشاء فيوفقه بفضله فكل ميسر بتيسيره إلى ما سبق من علمه وقدره من شقي أو سعيد تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد أو يكون لأحد عنه غنى أو يكون خالق لشيء إلا هو رب العباد ورب أعمالهم والمقدر لحركاتهم وآجالهم الباعث الرسل غليهم لإقامة الحجة عليهم ثم ختم الرسالة والنذارة والنبوة بمحمد نبيه ﷺ ، فجعله آخر المرسلين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وأنزل عليه كتابه الحكيم وشرح به دينه القويم وهدى به الصراط المستقيم.
وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من يموت كما بدأهم يعودون، وأن الله سبحانه ضاعف لعباده المؤمنين الحسنات وصفح لهم بالتوبة عن كبائر السيئات وغفر لهم الصغائر باجتناب الكبائر وجعل من لم يتب من الكبائر صائرا إلى مشيئته إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
ومن عاقبه بناره أخرجه منها بإيمانه فأدخله به جنته ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ويخرج منها بشفاعة النبي ﷺ م نشفع له من أهل الكبائر من أمته. وأن الله سبحانه قد خلق الجنة فأعدها دار خلود لأوليائه وأكرمهم فيها بالنظر إلى وجهه الكريم. وهي التي أهبط منها آدم نبيه وخليفته إلى أرضه بما سبق في سابق علمه.
وخلق النار فأعدها دار خلود لمن كفر به وألخد في آياته وكتبه ورسله وجعلهم محجوبين عن رؤيته وأن الله ﵎ يجيء يوم القيامة والملك صفا صفا لعرض الأمم وحسابها وعقوبتها وثوابها، وتوضع الموازين لوزن أعمال العباد فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ويؤتون صحائفهم بأعمالهم فمن أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا، ومن أوتي كتابه وراء ظهره فأولئك يصلون سعيرا، وأن الصراط حق يجوزه العباد بقدر أعمالهم فناجون متفاوتون في سرعة النجاة عليه من نار جهنم وقوم أو بقتهم فيها أعمالهم.
والإيمان بحوض رسول الله ﷺ ترده أمته لا يظمأ من شرب منه أبدا ويذاد عنه من بدل وغير وأن الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح يزيد بزيادة الأعمال وينقص بنقصها فيكون فيها النقص وفيها الزيادة.
стр. 1001
ولا يكمل قول الإيمان إلا بالعمل ولا قوة ولا عمل إلا بالنية ولا قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة وأنه لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة وأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون وأرواح أهل السعادة باقية ناعمة إلى يوم يبعثون وأرواح أهل الشقاء معذبة إلى يوم الدين.
وأن المؤمنين يفتنون في قبورهم ويسألون ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة وأن على العباد حفظة يكتبون أعمالهم ولا يسقط شيء من ذلك عن علم ربهم وأن ملك الموت يقبض الأرواح بإذن ربه وأن خير القرون القرن الذين رأوا رسول الله ﷺ وآمنوا به ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.
وأفضل الصحابة الخلفاء الراشدون الهادون المهديون أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃ أجمعين، وأن لا يذكر أحد من صحابة الرسول إلا بأحسن ذكر والإمساك عما شجر بينهم وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج ويظن بهم أحسن المذاهب والطاعة لأئمة المسلمين من ولاة أمورهم وعلمائهم، واتباع السلف الصالح واقتفاء آثارهم والاستغفار لهم وترك المراء والجدال في الدين وترك كل ما أحدثه المحدثون.
وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وعلى آله وأزواجه وذريته وسلم تسليما كثيرا.
باب ما يجب منه الوضوء والغسل
الوضوء يجب لما يخرج من أحد المخرجين من بول أو غائط أو ريح أو لما يخرج من الذكر من مذي مع غسل الذكر كله منه وهو ماء أبيض رقيق يخرج عند اللذة بالإنعاظ عند الملاعبة أو التذكار.
وأما الودي فهو ماء أبيض خاثر يخرج بإثر البول يجب منه ما يجب من البول.
وأما المني فهو الماء الدافق الذي يخرج عند اللذة الكبرى بالجماع رائحته كرائحة الطلع وماء المرأة ماء رقيق أصفير يجب منه الطهر فيجب من هذا طهر جميع الجسد كما يجب من طهر الحيضة.
وأما دم الاستحاضة فيجب منه الوضوء ويستحب لها والسلس البول أن يتوضأ لكل صلاة ويجب الوضوء من زوال العقل بنوم متسثقل أو إماء أو سكر أو
стр. 1002
تخبط أو جنون.
ويجب الوضوء من الملامسة للذة والمباشرة للجسد للذة والقبلة للذة ومن مس الذكر واختلف في مس المرأة فرجها في إيجاب الوضوء بذلك. ويجب الطهر مما ذكرنا من خروج الماء الدافق للذة في نوم أو يقظة من رجل أو امرأة، أوانقطاع دم الحيضة أو الاستحاضة أو النفاس أو بمغيب الشحفة في الفرج، وإن لم ينزل ومغيب الحشفة في الفرج يوجب الغسل، ويوجب الحد ويوجب الصداق، ويحصن الزوحين ويحل المطلقة ثلاثا للذي طلقها ويفسد الحاج ويفسد الصوم.
وإذا رأت المرأة القصة البيضاء تطهرت وكذلك إذا رأت الجفوف تطهرت مكانها رأته بعد يوم أو يومين أو ساعة، ثم إن عاود هادم أو رأت صفرة أو كدرت تركت الصلاة ثم إذا انقطع عنها اغتسلت وصلت ولكن ذلك كله كدم واحد في العدة والاستبراء حتى يبعد ما بين الدمين ثمانية أيام أو عشرة فيكون حيضا مؤتنفا ومن تمادى بها الدم بلغت خمسة عشر يوما ثم هي مستحاضة تتطهر وتصوم وتصلي ويأتيها زوجها.
وإذا انقطع دم النفساء وإن كان قرب الولادة اغتسلت وصلت وإن تمادى بها الدم جلست ستين ليلة ثم اغتسلت وكانت مستحاضة تصلي وتصوم وتوطأ.
باب طهارة الماء والثوب والبقعة وما يجزئ من اللباس في الصلاة
والمصلي يناجي ربه فعليه أن يتأهب لذلك بالوضوء أو بالطهر إن وجب عليه الطهر ويكون ذلك بماء طاهر غير مشوب بنجاسة ولا بماء قد تغير لونه لشيء خالطه من شيء نجس أوطاهر إلا ما غيرت لونه الأرض التي هو بها من سبحة أو حمأة أونحوهما وماء السماء وماء العيون وماء الآبار وماء البحار طيب طاهر مطهر للنجاسات، وما غير لونه بشيء طاهر حل فيها فذلك الماء طاهر غير مطهر في وضوء أو طهر أو زوال نجاسة وما غيرته النجاسة فليس بطاهر ولا مطهر وقيل الماء ينجسه قليل النجاسة وإن لم تغيره.
وقلة الماء مع إحكام الغسل سنة والسرف منه غلو وبدعة وقد توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 1003
بمد وهو وزن رطل وثلث وتطهر بصاع وهو أربعة أمداد بمده ﵊ وطهارة البقعة للصلاة واجبة.
وكذلك طهارة الثوب فقيل أن ذلك فيهما واجب وجوب الفرائض وقيل وجوب السنن المؤكدة، وينهى عن الصلاة في معاطن الإبل ومحجة الطريق وظهر بيت الله الحرام والحمام حيث لا يوقن منه بطهارة والمزبلة والمجزرة ومقبرة المشركين وكنائسهم.
وأقل ما يصلي فيه الرجل من اللباس ثوب ساتر من درع أو دراء والدرع القميص ويكره أن يصلي بثوب ليس على أكتافه منه شيء فإن فعل لم يعد وأقل ما يجزئ المرأة من اللباس في الصلاة الدرع الحصيف السابغ الذي يستره ظهور قدميها وخمار تتقنع به وتباشر بكفيها الأرض في السجود مثل الرجل.
باب صفة الوضوء ومسنونه ومفروضه وذكر الاستنجاء والاستجمار
وليس الاستنجاء مما يجب أن يوصل به الوضوء لا في سنن الوضوء ولا في فرائضه وهو من باب إيجاب زوال النجاسة به أو بالاستجمار لئلا يصلي بها في جسده ويجزئ فعله بغير نية وكذلك غسل الثوب النجس وصفة الاستنجاء أن يبدأ بغد غسل يديه فيغسل مخرج البول ثم يمسح ما في المخرج من الأذى بمدر أو غيره أو بيده ثم يحكها بالأرض ويغسلها ثم يستنجي بالماء ويواصل صبه ويسترخي قليلا ويجيد عرك ذلك بيده حتى يتنظف وليس عليه غسل ما بطن من المخرجين ولا يستنجي من ريح ومن استجمر بثلاثة أحجار يخرج آخرهن نقيا أجزأه والماء أطهر وأطيب وأحب إلى العلماء ومن لم يخرج منه بول ولا غائط وتوضأ لحدث أو نوم أو لغير ذلك مما يوجب الوضوء فلا بد من غسل يديه قبل دخولهما في الإناء ومن سنة الوضوء غسل اليدين قبل دخولهما في الإناء والمضمضمة والاستنئشاق والاستنثار ومسح الأذنين سنة وباقية فريضة.
فمن قام إلى وضوء من نوم أو غيره فقد قال بعض العلماء: يبدأ فيسمي الله ولم يره بعضهم من الأمر المعروف وكون الإناء على يمينه أمكن له في تناوله ويبدأ فيغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثة فإن كان قد بال أو تغوط غسل ذلك منه ثم توضأ
стр. 1004
ثم يدخل يده في الإناء فيأخذ الماء فيمضمض فاه ثلاثا من غرفة واحدة إن شاء أو من ثلاث غرفات وإن استاك بأصبعه فحسن ثم يستنشق بأنفه الماء ويستنثره ثلاثا يجعل يده على أنفه كامتخاطه ويجزئه أقل من ثلاث في المضمضة والاستنشاق وله جمع ذلك في غرفة واحدة والنهاية أحسن ثم يأخذ الماء إن شاء بيديه جميعا وإن شاء بيده اليمنى فيجعله في يديه جميعا ثم ينقله إلى وجهه فيفرغه عليه غاسلا له بيديه من أعلى جبهته وحده ومنابت شعر رأسه إلى طرف ذقنه ودور وجهه كله من حد عظمى لحييه إلى صدغيه ويمر يديه على ما غرا من ظاهر أجفانه وأسارير جبهته وما تحت مارنه من ظاهر أنفه يغسل وجهه هكذا ثلاثا. ينقل الماء غليه ويحرك لحيته في غسل وجهه بكفيه ليداخلها الماء لدفع الشعر لما يلاقيه من الما وليس عليه تخليلها في الوضوء في قول مالك ويجري عليها يديه إلى آخرها ثم يغسل يده اليمنى ثلاثا أو اثنتين يفيض عليها الماء ويعكرها بيده اليسرى ويخلل أصابع يديه بعضها ببعض ثم يغسل اليسرى كذلك ويبلغ فيهما بالغسل إلى المرفقين يدخلهما في غسله وقد قيل إليهما حد الغسل فليس بواجب إدخالهما فيه وإدخالهما فيه أحوط لزوال تكلف التحديد ثم يأخذ الماء بيده اليمنى فيفرغه على باطن يده اليسرى ثم يمسح بهما رأسه يبدأ من مقدمه من أول مناب شعر رأسه وقد قرن أطراف أصابع يديه بعضها ببعض على رأسه وجعل إبهاميه على صدغيه ثم يذهب بيديه ماسحا إلى طرف شعر راسه مما يلي قفاه ثم يردهما إلى حيث بدا ويأخذ بإبهاميه خلف أذنيه إلى صدغيه وكيفما مسح أجزأه إذا أوعب رأسه والأول أحسن ولو أدخل يديه في الإناء ثم رفعهما مبلولتين ومسح بهما رأسه أجزأه ثم يفرغ الماء على سبابتيه وإبهاميه وإن شاء غمس ذلك في الماء ثم يمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما وتمسح المرأة كما ذكرنا وتمسح على دلاليها ولا تمسح على الوقاية وتدخل يديها من تحت عقاص شعرها في رجوع يديها في المسح ثم يغسل رجليه يصب الماء بيده اليمنى على رجله اليمنى ويعركها بيده اليسرى قليلا قليلا يوعبها بذلك ثلاثا. وإن شاء خلل أصابعه في ذلك وإن ترك فلا حرج والتخليل أطيب للنفس ويعرك عقبيه وعرقوبيه ومالا يكاد يداخله الماء بسرعة من جساوة أو شقوق فليبالغ بالعرك مع صب الماء بيديه.
فإنه جاء الأثر: " ويل للأعقاب من النار" وعقب الشيء طرفه وآخره ثم يفعل
стр. 1005
باليسرى مثل ذلك وليس تحديد غسل أعضائه ثلاثا ثلاثا بأمر لا يجزئ دونه ولكنه أكثر ما يفعل ومن كان يوعب بأقل من ذلك أجزأه إذا أحكم ذلك وليس كل الناس في أحكام ذلك سواء وقد قال رسول الله ﷺ " من توضأ فأحسن الوضوء ثم رفع طرفه إلى السماء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء".
وقد استحب بعض العلماء أن يقول بإثر الوضو: اللهم اجعلني من المتطهرين ويجب عليه أن يعمل عمل الوضوء احتسابا لله تعالى لما أمره به يرجو تقبله وثوابه وتطهيره من الذنوب به ويشعر نفسه أن ذلك تأهب وتنظف لمناجاة ربه والوقوف بين يديه لأداء فرائضه والخضوع له بالركوع والسجود فيعمل على يقين بذلك وتحفظ فيه فإن تمام كل عمل بحسن النية فيه.
باب في الغسل
أما الطهر فهو في الجنابة ومن الحيضة والنفاس سواء فإن اقتصر المتطهر على الغسل دون الوضوء أجزأه وأفضل له أن يتوضأ بعد أن يبدأ بغسل ما بفرجه أو جسده من الأذى ثم يتوضأ وضوء الصلاة فإن شاء غسل رجليه وإن شاء أخرهما إلى آخر غسله ثم يغمس يديه في الإناء ويرفعهما غير قابض بهما شيء فيخلل بهما أصول شعر رأسه ثم يغرف بهما على رأسه ثلاث غرفات غاسلا له بهن وتفعل ذلك المرأة وتضغث شعر رأسها وليس عليها حل عقاصها ثم يفيض الماء على شقه الأيمن ثم على شقه الأيسر ويتدلك بيديه بإثر صب الماء حتى يوعب جميع جسده وما شك أن يكون الماء أخذه من جسده عاوده بالماء ودلكه بيده حتى يوعب جميع جسده ويتابع عمق سرته ويحت حلقه ويخلل شعر لحيته وتحت جناحيه وبين أليتيه ورفغيه وتحت ركبتيه وأسافل رجليه ويخلل أصابع يديه ويغسل رجليه آخر ذلك يجمع ذلك فيهما لتمام غسله ولتمام وضوئه إن كان آخر غسلهما ويحذر أن يمس ذكره في تدلكه بباطن كفه فإن فعل ذلك وقد أوعب طهره أعاد الوضوء وإن مسه في ابتداء غسله وبعد أن غسل مواضع الوضوء منه فليمر بعد ذلك بيديه على مواضع الوضوء بالماء على ما ينبغي من ذلك وينويه.
стр. 1006
باب فيمن لم يجد الماء وصفة التيمم
التيمم يجب لعدم الماء في السفر إذا يئس أن يجده في الوقت، وقد يجب مع وجوده إذا لم يقدر على مسه في سفر أو حضر لمرض مانع أو مريض يقدر على مسه لا يجد من يناوله إياه.
وكذلك مسافر يقرب منه الماء ويمنعه منه خوف لصوص أو سباع وإذا أيقن المسافر بوجود الماء في الوقت أخر إلى آخره وإن يئس منه تيمم في أوله وإن لم يكن عنده منه علم تيمم في وسطه وكذلك إن خاف أن يدرك الماء في الوقت ورجا أن يدركه فيه ومن تيمم من هؤلاء ثم أصاب الماء في الوقت بعد أن صلى.
فأما المريض الذي لم يجد من يناوله إياه فليعد وكذلك الخائف من سباع ونحوها، وكذلك المسافر الذي يخاف أن لا يدرك الماء في الوقت ويرجو أن يدركه فيه. ولا يعيد غير هؤلاء ولا يصلي صلاتين بتيمم واحد من هؤلاء إلا مريض لا يقدر على مس الماء لضرر بجسمه مقيم وقد قيل يتيمم لكل صلاة وقد روي عن مالك فيمن ذكر صلوات أن يصليها بتيمم واحد.
والتيمم بالصعيد الطاهر وهو ما ظهر على وجه الأرض منها من تراب أو رمل أو حجارة أو سخة يضرب بيديه الأرض فإن تعلق بهما شيء نفضهما نفضا خفيفا ثم يمسح بهما وجهه كله مسحا ثم يضرب بيديه الأرض فيمسح يمناه بيسراه يجعل أصابع يده اليسرى على أطراف أصابع يده اليمنى ثم يمر أصابعه على ظاهر يده وذراعيه وقد حنى عليه أصابعه حتى يبلغ المرفقين ثم يجعل كفه على باطن ذراعه من طي مرفقه قابضا عليه حتى يبلغ الكوع من يده اليمنى ثم يجري باطن بهمه على ظاهر بهم يدهه اليمنى ثم يمسح اليسرى باليمنى هكذا فإذا بلغ الكوع مسح كفه اليمنى بكفه اليسرى إلى آخر أطرافه ولو مسح اليمنى باليسرى واليسرى باليمنى كيف شاء وتيسر عليه وأوعب المسح لأجزأه.
وإذا لم يجد الجنب أو الحائض الماء للطهر تيمما وصليا فإذا وجد الماء تطهرا ولم يعيدا ما صليا. ولا يطأ الرجل امرأته التي انقطع عنها دم حيض أو نفاس بالتطهر بالتيمم حتى يجد من الماء ما تتطهر به المرأة ثم ما يتطهران به جميعا وفي باب جامع الصلاة شيء من مسائل التيمم.
стр. 1007
باب في المسح على الخفين
وله أن يمسح على الخفين في الحضر والسفر ما لم ينزعهما وذلك إذا أدخل فيهما رجليه بعد أن غسلهما في وضوء تحل به الصلاة فهذا الذي إذا أحدث وتوضأ مسح عليهما وإلا فلا.
وصفة المسح أن يجعل يده اليمنى من فوق الخف من طرف الأصابع ويده اليسرى من تحت ذلك، ثم يذهب بيديه إلى حد الكعبين وكذلك يفعل باليسرى ويجعل يده اليسرى من فوقها واليمنى من أسفلها.
ولا يمسح على طين في أسفل خفه أو ورث دابه حتى يزيله بمسح أو غسل وقيل يبدأ في مسح أسلفه من الكعبين إلى أطراف الأصابع لئلا يصل إلى عقب خفه شيء من رطوبة ما مسح من خفيه من القشب وإن كان في أسفله طين فلا يمسح عليه حتى يزليه.
باب في أوقات الصلاة وأسمائها
أما صلاة الصحبح ففي الصلاة الوسطى عند أهل المدينة وهي صلاة الفجر فأول وقتها انصداع الفجر المعترض بالضياء في أقصى المشرق ذاهبا من القبلة إلى دبر القبلة حتى يرتفع فيعم الأفق، وآخر الوقت الإسفار البين الذي إذا سلم منها بدأ حاجب الشمس وما بين هذين وقت واسع.
وأفضل ذلك أوله ووقت الظهر إذا زالت الشمس عن كبد السماء وأخذ الظل في الزيادة ويستحب أن تؤخر في الصيف إلى أن يزيد ظل كل شيء ربعه بعد الظل الذي زالت عليه الشمس.
وقيل إنما يتسحب ذلك في المساجد ليدرك الناس الصلاة وأما الرجل في خاصة نفسه فأول الوقت أفضل له وقيل أما في شدة الحر فالأفضل له أن يبرد بها وإن ان وحده لقول النبي ﷺ " أبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم" وآخر الوقت أن يصير ظل كل شيء مثله بعد ظل نصف النهار.
وأول وقت العصر آخر وقت الظهر، وآخره أن يصير ظل كل شيء مثليه بعد ظل نصف النهار وقيل إذا استقبلت الشمس بوجهك وأنت قائم غير منكس رأسك ولا مطأطئ له فإن نظرت إلى الشمس ببصرك فقد دخل الوقت وإن لم ترها ببصرك.
стр. 1008
فلم يدخل الوقت وإن نزلت عن بصرك فقد تمكن دخول الوقت والذي وصف مالك ﵀ أن الوقت فيها ما لم تصفر الشمس.
ووقت المغرب وهي صلاة الشاهد يعني الحاضر يعني أن المسافر لا يقصرها ويصليها كصلاة الحاضر فوقتها غروب الشمس فإذا توارت بالحجاب وجبت الصلاة لا تؤخر وليس لها إلا وقت واحد لا تؤخر عنه.
ووقت صلاة العتمة وهي صلاة العشاء وهذا الاسم أولى بها غيبوة الشفق، والشفق: الحمرة الباقية في المغرب من بقايا شعاع الشمس فإذا لم يبق في المغرب صفرة ولا حمرة فقد وجب الوقت ولا ينظر إلى البياض في المغرب فذلك لها وقت إلى ثلث الليل لمن يريد تأخيرها لشغل أو عذر والمبادرة بها أولى ولا بأس أن يؤخرها أهل المساجد قليلا لاجتماع الناس ويكره النوم قبلها والحديث لغير شغل بعدها.
باب الأذان والإقامة
الأذان واجب في المساجد والجماعات الراتبعة فأما الرجل في خاصة نفسه فإن أذن فحسن ولا بد له من الإقامة وأما المرأة فإن أقامت فحسن وإلا فلا حرح ولا يؤذن لصلاة قبل وقتها إلا الصبح فلا بأس أن يؤذن لها في السدس الأخير من الليل.
والأذان:
الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله ثم ترجع بأرفع من صوتك أول مرة فتكرر التشهد فتقول أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمد رسول الله حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح.
فإن كنت في نداء الصبح زدت ههنا الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم لا تقل ذلك في غير نداء الصبح الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله مرة واحدة.
والإقامة وتر:
الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله.
стр. 1009
باب صفة العمل في الصلوات المفروضة وما يتصل بها من النوافل والسنن
والإحرام في الصلاة أن تقول: الله أكبر لا يجزئ غير هذه الكلمة وترفع يديك حذو منكبيك أو دون ذلك ثم تقرأ فإن كنت في الصبح قرأت جهرا بأم القرآن لا تستفتح بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أمر القرآن ولا في السورة التي بعدها.
فإذا قلت: ﴿ولا الضالين﴾ فقل آمين إن كنت وحدك أو خلف إمام وتخفيها ولا يقولها الإمام فيما جهر فيه ويقولها فيها أسر فيه وفي قوله إياها في الجهر اختلاف ثم تقرأ سورة من طوال المفصل وإن كنت أطول من ذلك فحسن بقدر التغليس وتجهر بقراءتها.
فإذا تمت السورة كبرت في انحطاطك للركوع فتمكن يديك من ركبتيك وتسوي ظهرك مستويا ولا ترفع رأساك ولا تطأطئه وتجافي بضبعيك عن جنبيك وتعتقد الخضوع بذلك في ركوعك وسجودك ولا تدع في ركوعك وقل إن شئت سبحان ربي العظيم وبحمده وليس في ذلك توقيت قول ولا حد في اللبث ثم ترفع رأسك وأنت قائل سمع الله لمن حمده ثم تقول اللهم ربنا ولك الحمد إن كنت وحدك ولا يقولها الإمام ولا يقول المأموم سمع الله لمن حمده ويقول اللهم ربنا ولك الحمد.
وتستوي قائما مطمئنا مترسلا ثم تهوي ساجدا لا تجلس ثم تسجد وتكبر في انحطاطك للسجود فتمكن جبهتك وأنفك من الأرض وتباشر بكفيك الأرض باسطا يديك مستويتين إلى القبلة تجعلهما حذو أذنيك أو دون ذلك وكل ذلك واسع غير أنك لا تفترش ذراعيك في الأرض ولا تضم عضديك إلى جنبيك ولكن تجنح بهما تجنيحا وسطا وتكون رجلاك في سجودك قائمتين وبطون إباهميها إلى الأرض.
وتقول إن شئت في سجودك: سبحانك ربي ظلمت نفسي وعملت سوءا فاغفر لي أو غير ذلك إن شئت وتدعو في السجود إن شئت وليس لطول ذلك وقت وأقله أن تطمئن مفاصلك متمكنا ثم ترفع راسك بالتكبير فتجلس فتثني رجلك اليسرى في جلوسك بين السجدتين وتنصب اليمنى وبطون أصباعها إلى الأرض وترفع يديك عن الأرض على ركبتيك ثم تسجد الثانية كما فعلت أولا.
стр. 1010
ثم تقولم من الأرض كما أنت معتمدا على يديك لا ترجع جالسا لتقوم من جلوس ولكن كما ذكرت لك وتكبر في حال قيامك ثم تقرأ كما قرأت في الأولى أو دون ذلك وتفعل مثل ذلك سواء غير أنك تقنت بعد الركوع وإن شئت قنت قبل الركوع بعد تمام القراءة.
والقنوت:
اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونتوكل عليك ونخنع لك ونخلع ونترك من يكفرك الله إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخاف عذابك الجد إن عذابك باللكافرين ملحق.
ثم تفعل في السجود ولاجلوس كما تقدم من الوصف فإذا جلست بعد السجدتين نصبت رجلك اليمى وبطون أصابعها إلى الأرض وثنيت اليسرى وأفضيت بأليتك إلى الأرض ولا تقعد على رجلك اليسرى وإن شئت حنيت اليمنى في انتصابها فجعلت جنب بهمها إلى الأرض فواسع ثم تتشهد.
والشهد:
التحيا لله الزاكيات لله الطيباب الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فإن سلمت بعد هذا أجزأك ومما تزيده إن شئت وأشهد أن الذي جاء به محمد حق وأن الجنة حق وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وارحم محمدا وآل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
اللهم صل على ملائكتك والمقربين وعلى أنبيائك والمرسلين وعلى أهل طاعتك أجمعين اللهم اغفر لي ولوالدي ولأئمتنا ولمن سبقنا بالإيمان مغفرة عزما.
اللهم إني أسألك من كل خير سألك منه محمد نبيك وأعوذ بك من كل شر استعاذك منه محمد نبيك الله اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أنت أعلم به منا ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وأعوذ بك
стр. 1011
من فتنة المحيا والممات ومن فتنة القبر ومن فتنة المسيح الدجال ومن عذاب النار وسوء المصير السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
ثم تقول: السلام عليكم تسليمة واحدة عن يمينك تقصد بها قبالة وجهك وتتيامن برأسك قليلا هكذا يفعل الإمام والرجل وحده وأما المأموم فيسلم واحدة يتيامن بها قليلا ويرد أخرى على الإمام قبالته يشير بها إليه ويرد على من كان سلم عليه على يساره فإن لم يكن سلم عليه أحد لم يرد على يساره شيا ويجعل يديه في تشهده على فخذيه ويقبض أصابع يده اليمنى ويبسط السبابة يشير بها وقد نصب حرفها إلى وجهه.
واختلف في تحريكها فقيل: يعتقد بالإشارة بها أن الله إله واحد ويتأول من تحركها أنها مقمعة للشيطان وأحسب تأويل ذلك أن يذكر بذلك من أمر الصلاة ما يمنعه إن شاء الله عن السهو فيها والشغل عنها ويبسط يده اليسرى على فخذه الأيسر ولا يحركها ولا يشير بها ويستحب الذكر بإثر الصلوات يسبح الله ثلاثا وثلاثين ويحمد الله ثلاثا وثلاثين، ويكبر الله ثلاثا وثلاثين ويختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
ويستحب بإثر صلاة الصبح التمادي في الذكر والاستغفار والتسبيح والدعاء إلى طلوع الشمس أو قرب طلوعها وليس بواجب ويركع ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح بعد الفجر يقرأ في كل ركعة بأم القرآن يسرها.
والقراءة في الظهر بنحو القراءة في الصبح من الطوال أو دون ذلك قليلا ولا يجهر فيها بشيء من القراءة ويقرأ في الأولى والثانية في كل ركعة بأم القرآن وسورة سرا وفي الأخيرتين بأم القرآن وحدها سرا ويتشهد في الجلسة الأولى إلى قوله وأشهد أن محمد عبد الله ورسوله ثم يقولم فلا يكبر حتى يستوى قائما هكذا يفعل الإمام والرجل وحده.
وأما المأموم فبعد أن يكبر الإمام يقوم المأموم أيضا فإذا استوى قائما كبر ويفعل في بقية صلاة الظهر من صفة الركوع والسجود والجلوس نحو ما تقدم ذكره في الصبح ويتنفل بعدها ويتسحب له أن يتنفل بأربع ركعات يسلم من كل ركعتين ويستحب له.
стр. 1012
مثل ذلك قبل صلاة العصر ويفعل من صلاة العصر كما وصفنا في الظهر سواء إلا أنه يقرأ في الركعتين الأوليين مع أمر القرآن بالقصار من السور مثل والضحى وإنا أنزلناه ونحوهما.
وأما المغرب فيجهر بالقراءة في الركعيتن الأوليين منها ويقرأ في كل ركعة منهما بأم القرآن وسورة من السور القصار وفي الثالثة بأم القرآن فقط ويتشهد ويسلم ويستحب أن يتنفل بعدها بركعتين وما زاد فهو خير وإن تنفل بست ركعات فحسن والتنفل بين المغرب والعشاء مرغب فيه.
وأما غير ذلك من شأنها فكما تقدم ذكره في غيرها وأما العشاء الأخيرة وهي العتمة واسم العشاء أخص بها وأولى فيجهر في الأوليين بأم القرآن وسورة في كل ركعة وقراءتها أطول قليلا من قراءة العصر وفي الآخيرتين بأم القرآن في كل ركعة سرا ثم يفعل في سائرها كما تقدم من الوصف ويكره النوم قبلها والحديث بعدها لغير ضرورة.
والقراءة التي يسر بها في الصلوات كلها هي بتحريك اللسان بالتكلم بالقرآن وأما الجهر فأن يسمع نفسه ومن يليه إنكان وحده والمرأة دون الرجل في الجهر وهي في هيئة الصلاة مثله غير أنها تنضم ولا تفرج فخذيها ولا عضديها وتكون منضمة متروية في جلوسها وسجودها وأمرها كله.
ثم يصلي الشفع والوتر جهرا وكذلك يستحب في نوافل الليل الإجهار وفي نوافل النهار الإسرار، وإن جهر في النهار في تنفله فذلك واسع وأقل الشفع ركعتان ويستحب أن يقرأ في الأولى بأم القرآن وسبح اسم ربك الأعلى وفي الثانية بأم القرآن وقل يا أيها الكافرون ويتشهد ويسلم ثم يصلي الوتر ركعة يقرأ فيها بأم القرآن وقل هو الله أحد والمعوذتين.
وإن زاد من الإشفاع جعل آخر ذلك الوتر وكان رسول الله ﷺ يصلي من الليل اثنتي عشرة ركعة ثم يوتر بواحدة وقيل عشر ركعات ثم يوتر بواحدة، وأفضل الليل آخره في القيام فمن أخر تنفله ووتره إلى آخره فذلك أفضل إلا من الغالب عليه أن لا يتنبه فليقدم وتره مع ما يريد من النوافل أول الليل ثم إن شاء إذا استيقظ في آخره تنفل ما شاء منها مثنى مثنى ولا يعيد الوتر ومن غلبته عيناه عن حزبه فله أن يصليه ما بينه.
стр. 1013
وبين طلوع الفجر وأول الإسفار ثم يوتر ويصلي الصبح ولا يقضي الوتر من ذكره بعد أن صلى الصبح.
ومن دخل المسجد على وضوء فلا يجلس حتى يصلي ركعتين إن كان وقت يجوز فيه الركوع. ومن دخل المسجد ولم يركع الفجر أجزأه لذلك ركعتا الفجر وإن ركع الفجر في بيته ثم أتى المسجد فاختلف فيه فقيل يركع وقيل لا يركع ولا صلاة نافلة بعد الفجر إلا ركعتا الفجر إلى طلوع الشمس.
باب في الإمامة وحكم الإمام والمأموم
ويؤم الناس أفضلهم وأفقههم ولا تؤم المرأة في فريضة ولا نافلة لا رجالا ولا نساء. ويقرأ مع الإمام فيما يسر فيه ولا يقرأ معه فيما يجهر فيه ومن أدرك ركعة فأكثر فقد أدرك الجماعة فليقض بعد سلام الإمام ما فاته على نحو ما فعل الإمام في القراءة وأما في القيام والجلوس ففعله كفعل الباني المصلي وحده، ومن صلى وحده فله أن يعيد في الجماعة للفضل في ذلك إلا المغرب وحدها.
ومن أدرك ركعة فأكثر من صلاة الجماعة فلا يعيدها في جماعة ومن لم يدرك إلا التشهد أو السجود فله أن يعيد في جماعة والرجل الواحد مع الإمام يقوم عن يمينه ويقوم الرجلان فأكثر خلفه، فإن كانت امرأة معهما قامت خلفهما وإن كان معهما رجل صلى على يمين المرأة خلفهما ومن صلى بزوجته قامت خلفه والصبي إن صلى على يمين الإمام والمرأة خلفهما ومن صلى بزوجته قامت خلفه والصبي إن صلى مع رجل واحد خلف الإمام قاما خلفه إن ان الصبي يعقل لا يذهب ويدع من يقف معه والإمام الراتب إن صلى وحده قام مقام الجماعة.
ويكره في كل مسجد له إمام راتب أن تجمع فيه الصلاة مرتين ومن صلى صلاة فلا يؤم فيها أحد وإذا سها الإمام وسجد لسهوه فليتبعه من لم يسه معه ممن خلفه ولا يرفع أحد رأسه قبل الإمام ولا يفعل إلا بعد فعله.
ويفتح بعده ويقوم من اثنتين بعد قيامه ويسلم بعد سلامه وما سوى ذلك فواسع أن يفعله معه وبعده أحسن وكل سهو سهاه المأموم فالإمام يحمله عنه إلا ركعة أو سجدة أو تكبيرة الإحرام أو السلام أو اعتقاد نية الفريضة.
وإذا سلم الإمام فلا يثبت بعد سلامه ولينصرف إلا أن يكون في محله فذلك واسع.
стр. 1014
باب جامع في الصلاة
وأقل ما يجزئ المرأة من اللباس في الصلاة الدرع الحصيف السابغ الذي يتسر ظهور قدميها وهو القميص والخمار الخصيف ويجزئ الرجل في الصلاة ثوب واحد ولا يغطي أنفه أو وجهه في الصلاة أو يضم ثيابه أو يكفت شعره وكل سهو في الصلاة بزيادة فليسجد له سجدتين بعد السلام يتشهد لهما ويسلم منهما.
وكل سهو بنقص فليسجد له قبل السلام إذا تم تشهده ثم يتشهد ويسلم وقيل لا يعيد التشهد ومن نقص وزاد سجد قبل السلام ومن نسي أن يسجد بعد السلام فليسجد متى ما ذكره وإن طال ذلك وإن كان قبل السلام سجد إن كان قريبا وإن بعد ابتدا صلاته إلا أن يكون ذلك من نقص شيء خفيف كالسورة مع أم القرآن أو تكبيرتين أو التشهدين وشبه ذلك فلا شيء عليه.
ولا يجزئ سجود السهو لنقص ركعة ولا سجدة ولا لترك القراءة في الصلاة كلها أو في ركعتين منها وكذلك في ترك القراءة في ركعة من الصبح واختلف في السهو عن القراءة ي ركعة من غيرها فقيل يجزئ فيه سجود السهو قبل السلام وقيل يلغيها ويأتي بركعة، وقيل يسجد قبل السلام ولا يأتي بركعة ويعيد الصلاة احتياطا وهذا أحسن ذلك إن شاء الله تعالى.
ومن سها عن تكبيرة أو عن سمع الله لمن حمده مرة والقنوت فلا سجود عليه ومن انصرف من الصلاة ثم ذكر أنه بقي عليه شيء منها فليرجع إن كان بقرب ذلك فيكبر تكبيرة يحرم بها ثم يصلي ما بقي عليه وإن تباعد ذلك أو خرج من المسجد ابتدأ صلاته وكذلك من نسي السلام.
ومن لم يدر ما صلى أثلاث ركعات أم أربعا بنى على اليقين وصلى ما شك فيه وأتى برابعة وسجد بعد سلامه ومن تكلم ساهيا سجد بعد السلام. ومن لم يدر أسلم أم لم؟ يسلم سلم ولا سجود عليه ومن استنكحه الشك في السهو فليله عنه ولا إصلاح عليه ولكن عليه أن يسجد بعد السلام والذي يكثر ذلك منه يشك كثيرا أن يكون سها زاد أو نقص ولا يوقن فليسجد بعد السلام فقط، وإذا أيقن بالسهو سجد بعد إصلاح صلاته فإن كثر ذلك منه فهو يعتريه كثيرا أصلح صلاته ولم يسجد لسهوه ومن قام من اثنتين رجع
стр. 1015
ما لم يفارق الأرض بيديه وركبتيه فإذا فارقها تمادى ولم يرجع وسجد قبل السلام.
ومن ذكر صلاة صلاها متى ما ذكرها على نحو ما فاتته ثم أعاد ما كان في وقته مما صلى بعدها ومن عليه صلوات كثيرة صلاها في كل وقت من ليل أو نهار وعند طلوع الشمس وعند غروبها وكيفما تسير له وإن كانت يسيرة أقل من صلاة يوم وليلة بدأ بهن وإن فات وقت ما هو في وقته وإن كثرت بدأ بما يخاف فوات وقته ومن ذلك صلاة في صلاة فسدت هذه عليه.
ومن ضحك في الصلاة أعاده ولم يعد الوضوء وإن كان مع إمام تمادى وأعاد ولا شيء عليه في التبسم، والنفخ في الصلاة كالكلام والعامد لذلك مفسد لصلاته، ومن أخطأ القبلة أعاد في الوقت وكذلك من صلى بثوب نجس أو على مكان نجس، وكذلك من توضأ بماء نجس مختلف في نجاسته.
وأما من توضأ بماء قد تغير لونه أو طعمه أو ريحه أعاد صلاته أبدا ووضوءه ورخص في الجمع بين المغرب والعشاء ليلة المطر، وكذلك في الطين وظلمة يؤذن للمغرب أول الوقت خارج المسجد ثم يؤخر قليلا في قول مالك ثم يقيم في داخل المسجد ويصليها ثم يؤذن للعشاء في داخل المسحد ويقيم ثم يصليها ثم ينصرفون وعليم إسفار قبل مغيب الشفق.
والجمع بعرفة بين الظهر والعصر عند الزول السنة واجبة بأذان وإقامة لكل صلاة وكذلك فيجمع المغرب والعشاء بالزدلفة إذا وصل إليها.
وإذ جد السير بالمسافر فله أن يجمع بين الصلاتين في آخر وقت الظهر وأول وقت العصر وكذلك المغرب والعشاء وإذا ارتحل في أول وقت الصلاة الأولى جمع حينئذ.
وللمريض أن يجمع إذا خاف أن يغلب على عقله عند الزوال وعند الغروب.
وإن كان الجمع أرفق به لبطن به ونحوه جمع وسط وقت الظهر وعند غيبوبة الشفق والمغمى عليه لا يقضي ما خرج قوته في إمائه ويقضي ما أفاق في وقته مما يدرك منه ركعة فأكثر من الصلوات.
وكذلك الحائض تطهر فإذا بقي من النهار بعد طهرها بغير توان خمس ركعات.
стр. 1016
صلت الظهر والعصر وإن كان بقي من الليل أربع ركعات صلت المغرب والعشاء وإن كان من النهار أو من الليل أقل من ذلك صلت الصلاة الأخيرة وإن حاضت لهذا التقدير لم تقض ما حاضت في وقته وإن حاضت لاربع ركعات من النهار فأقل إلى ركعة أو لثلاث ركعات من الليل إلى ركعة قضت الصلاة الأولى فقط، واختلف في حيضها لأربع ركعات من الليل فقيل مثل ذلك وقيل إنها حاضت في وقتهما فلا تقضيهما.
ومن أيقن بالوضوء وشك في الحدث ابتدأ الوضوء ومن ذكر من وضوئه شيئا مما هو فريضة منه فإن كان بالقرب أعاد ذلك وما يليه وإن تطاول ذلك أعاده فقط وإن تعمد ذلك ابتدأ الوضوء إن طال ذلك، وإن كان قد صلى في جميع ذلك أعاد صلاته أبدا ووضوءه.
وإن ذلك مثل المضمضمة والاستنشاق ومسح الأذنين فإن كان قريبا فعل ذلك ولم يعد ما بعده وإن تطاول فعل ذلك لما يستقبل ولم يعد ما صلى قبل أن يفعل ذلك ومن صلى على موضع طاهر من حصير وبموضع آخر من نجاسة فلا شيء عليه والمريض إذا كان على فراش نجس فلا بأس أن يبسط عليه ثوبا طاهرا كثيفا ويصلي عليه.
وصلاة المريض إن لم يقدر على القيام جالسا إن قدر على التربع وإلا فبقدر طاقته وإن لم يقدر على السجود فليومئ بالركوع السجود، ويكون سجوده أخفض من ركوعه وإن لم يقدر صلى على جنبه الأيمن إيماء وإن لم يقدر إلا على ظهره فعل ذلك ولا يؤخر الصلاة إذا كان في عقله وليصلها بقدر ما يطيق.
وإن لم يقدر على مس الماء لضرر به أو لأنه لا يجد من يناوله إياه فإن لم يجد من يناوله ترابا تيمم بالحائط إلى جانبه إن كان طينا أو عليه طين فإن كان عليه جص أو جير فلا يتيمم به والمسافر يأخذه الوقت في طين خضخاض لا يجد أين يصلي فلينزل عن دابته ويصلي فيه قائما يومئ بالسجود أخفض من الركوع فإن لم يقدر أن ينزل فيه صلى على دابته إلى القبلة.
وللمسافر أن يتنفل على دابته في سفره حيثما توجهت به إن كان سفرا تقصر في الصلاة وليوتر على دابه إن شاء ولا يصلي الفريضة وإن كان مريضا إلا بالأرض.
стр. 1017
إلا أن يكون إن نزل صلى جالسا إيماء لمرضه فليصل على الدابة بعد أن توقف له ويستقبل بها القبلة ومن رعف مع الإمام خرج فغسل الدم ثم بنى ما لم يتكمل أو يمش على نجاسة، ولا يبني على ركعة لم تتم بسجدتيها وليلغها ولا ينصرف لدم خفيف وليفلته بأصابعه إلا أن يسيل أو يقطر.
ولا يبني في قيئ ولا حدث ومن رعف بعد سلام الإمام سلم وانصرف وإن رعف قبل سلامه انصرف وغسل الدم ثم رجع فلجس وسلم وللراعف أن يبني في منزله إذا يئس أن يدرك بقية صلاة الإمام إلا في الجمعة فلا يبني إلا في الجامع.
ويغسل قليل الدم من الثوب ولا تعاد الصلاة إلا من كثيره وقليل كل نجاسة غيره وكثيرها سواء ودم البرغيث ليس عليه غسله إلا أن يتفاحش.
باب في سجود القرآن
وسجود القرآن إحدى عشرة سجدة وهي العزائم ليس في المفصل منها شيء في: المص عند قوله: ويسبحونه وله يسجدون وهو آخرها فمن كان في صلاة فإذا سجدها فقام فقرأ من الأنفال أو من غيرها ما تيسر عليه ثم ركع وسجد، وفي الرعد عند قوله: وظلالهم بالغدو والأصال، وفي النحل يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون، وفي بني إسرائيل: ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا، وفي مريم: إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا، وفي الحج ألولها ﴿ومن يهين الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء﴾ [الحج: ١٨] وفي الفرقان: أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا، وفي الهدهد: الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم، وفي ألم تنزيل: وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون، وفي ص: فاستغفروا ربه وربه راكعا وأناب، وقيل عند قوله: لزلفى وحسن مآب وفي حم تنزيل: واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون.
ولا يسجد السجدة في التلاوة إلا على وضوء ويكبر لها ولا يسلم منها وفي التكبير في الرفع منها سعة وإنكبر فهو أحب إلينا.
ويسجدها من قرأها في الفريضة والنافلة ويسجدها من قرأها بعد الصبح ما لم يسفر وبعد العصر ما لم تصفر الشمس.
стр. 1018
باب في صلاة السفر
ومن سافر مسافة أربعة برد وهي ثمانية وأربعون ميلا فعليه أن يقصر الصلاة فيصليها ركعتين إلا المغرب فلا يقصرها ولا يقصر حتى يجاوز بيوت المصر وتصير خلفه ليس بين يديه ولا بحذائه منها شيء ثم لا يتم حتى رجع إليها أو يقاربها بأقل من الميلن وإن نوى المسافر إقامة أربعة أيام بموضع أو ما يصلي فيه عشرين صلاة أتم الصلاة حتى يظعن من مكانه ذلك ومن خرج ولم يصل الظهر والعصر وقد بقي من النهار قدر ثلاث ركعات صلاهما سفريتين فإن بقي قدر ما يصلي فيه ركعتين أو ركعة صلى الظهر حضرية والعصر سفرية.
ولو دخل لخمس ركعات ناسيا لهما صلاهما حضريتين فإن كان بقدر أربع ركعات فأقل إلى ركعة صلى الظهر سفرية والعصر حضرية وإن قدم في ليل وقد بقي للفجر ركعة فأكثر ولم يكن صلى المغرب والعشاء صلى المغرب ثلاثا والعشاء حضرية ولو خرج وقد بقي من الليل ركعة فأكثر صلى المغرب ثم صلى العشاء سفرية.
باب في صلاة الجمعة
والسعي إلى الجمعة فريضة وذلك عند جلوس الإمام على المنر وأخذ المؤذنون في الآذان والسنة المتقدمة أن يصعدوا حينئذ على المنار فيذنون.
ويحرم حينئذ البيع وكل ما يشغل عن السعي إليها وهذا الأذان الثاني أحدثه بنو أمية والجمعة تجب بالمصر والجماعة والخطبة فيها واجبة قبل الصلاة ويتوكأ الإمام على قوس أو عصا ويجلس في أولها وفي وسطها وتقام الصلاة عند فراغها ويصلي الإمام ركعتين يجهر فيهما بالقراءة يقرأ في الأول بالجمعة ونحوها في الثانية: بـ هل أتاك حديث الغاشية ونحوها.
ويجب السعي إليها على من في المصر ومن على ثلاثة أميال منه فأقل ولا تجب على مسافر ولا على أهل منى ولا على عبد ولا امرأة ولا صبي وإن حضرها عبد أو امرأة فليصلها وتكون النساء خلف صفوف الرجال ولا تخرج إليها الشابة.
وينصت للإمام في خطبته ويستقبله الناس والغسل لها واجب والتهجير حسن وليس ذلك في أول النهار وليتطيب لها ويلبس أحسن ثيابه وأحب إلينا أن ينصرف بعد
стр. 1019
فراغها ولا يتنفل في المسجد بعدها وليتنفل إن شاء قبلها ولا يفعل ذلك الإمام وليرق المنبر كما يدخل.
باب في صلاة الخوف
وصلاة الخوف في السفر إذا خافوا العدو أن يتقدم الإمام بطائفة ويدع طائفة مواجهة العدو فيصلي الإمام بطائفة ركعة ثم يثبت قائما ويصلون لأنفهسم ركعة ثم يسمون فيقفون مكان أصحابهم ثم يأتي أصحابهم فيحرمون خلف الإمام فيصلي بهم الركعة الثانية ثم يتشهد ويسلم ثم يقضون الركعة التي فاتتهم وينصرفون هكذا يفعل الإمام في صلاة الفرائض كلها إلا المغرب فإنه يصلي بالطائفة الأولى ركعتين وبالثانية ركعة.
وإن صلى بهم في الحضر لشدة خوف صلى في الظهر والعصر والعشاء بكل طائفة ركعتين ولكل صلاة أذان وإقامة وإذا اشتد الخوف عن ذلك صلوا وحدانا بقدر طاقتهم مشاة وركبانا ماشين أو ساعين مستقبلي القبلة وغير مستقبليها.
باب في صلاة العيدين والتكبير أيام منى
وصلاة العيدين سنة واجبة يخرج لها الإمام والناس ضحوة بقدر ما إذا وصل حانت الصلاة وليس فيها أذان ولا إقامة فيصلى بهم ركعتين يقرأ فيهما جهرا بأم القرآن وسبح اسم ربك الأعلى ووالشمس وضحاها ونحوهما ويكبر في الأولى سبعا قبل القراءة يعد فيها تكبيرة الإحرام وفي الثانية خمس تكبيرات لا يعد فيها تكبيرة القيام وفي كل ركعة سجدتان ثم يتشهد ويسلم، ثم يرقى المنبر فيخطب ويجلس في أول خطبته ووسطها ثم ينصرف.
ويستحب أن يرجع من طريق غير الطريق التي أتى منها والناس كذلك وإن كان في الأضحى خرج بأضحيته إلى المصلى فذبحها أو نحرها ليعلم ذلك الناس فيذبحون بعده وليذكر الله في خروجه من بيته في الفطر والأضحى جهرا حتى يأتي المصلى الإمام والناس.
كذلك فإذا دخل الإمام للصلاة قطعوا ذلك ويكبرون بتكبير الإمام في خطبته وينصتون له فيما سوى ذلك فإن كانت أيام النحر فليكب الناس دبر الصلوات من
стр. 1020
صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الصبح من اليوم الرابع منه وهو آخر أيام منى يكبر إذا صلى الصبح ثم يقطع.
والتكبير دبر الصلوات الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر وإن جمع مع التكبير تهليلا وتحميدا فحسن يقول إن شاء ذلك الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر والله الحمد.
وقد روي عن مالك هذا والأول والكل واسع والأيام المعلومات أيام النحر الثلاثة والأيام المعدودات: أيام منى وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر والغسل للعيدين حسن وليس بلازم ويستحب فيهما الطيب والحسن من الثياب.
باب في صلاة الخسوف
وصلاة الخسوف سنة واجبة خسفت الشمس خرج الإمام إلى المسجد فافتتح الصلاة بالناس بغير أذان ولا إقامة ثم قرأ قراءة طويلة سرا بنحو سورة البقرة ثم يركع ركوعا طويلا نحو ذلك ثم يرفع رأسه يقول سمع الله لمن حمده ثم يقرأ دون قراءته الأولى ثم يركع نحو قراءته الثانية، ثم يرفع رأسه يقول سمع الله لمن حمده ثم يسجد سجدتين تامتين ثم يقوم فيقرأ دون قراءته التي تلي ذلك، ثم يركع نحو قراءته ثم يرفع كما ذكرنا ثم يقرأ دون قراءته هذه ثم يركع نحو ذلك، ثم يرفع كما ذكرنا ثم يسجد كما ذكرنا ثم يتشهد ويسلم.
ولمن شاء أن يصلي في بيته مثل ذلك أن يفعل وليس في صلاة خسوف القمر جماعة وليصل الناس عند ذلك أفذاذا والقراءة فيها جهرا كسائر ركوع النوافل وليس في إثر صلاة خسوف الشمس خطبة مرتبة ولا بأس أن يعظ الناس ويذكرهم.
باب في صلاة الاستسقاء
وصلاة الاستقساء سنة تقام يخرج لها الإمام كما يخرج للعيدين ضحوة فيصلي بالناس ركعتين يجهر فيهما بالقراءة يقرأ بـ سبح اسم ربك الأعلى ووالشمس وضحاها وفي كل ركعة سجدتان وركعة واحدة ويتشهد ويسلم ثم يستقبل الناس بوجهه فيجلس فإذا اطمأن الناس قامو متوكئا على قوس أو عصا فخطب ثم جلس ثم قام فخطب.
следующие страницы →