← Указатели

Указатели · id 1455

الفهرست - ت أيمن السيد

ابن النديم

Полный текст (1 273 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

ذِكْرُ ما جَاءَ به مَاني وقَوْله في صِفَة القَدِيم ﵎ وبِنَاء العَالَم والْحُرُوب التي كانت بَيْن النُّور والظُّلْمَة قال مَاني: مَبْدَأُ العَالَم كَوْنَان: أَحَدُهُما نُورٌ والآخر ظُلْمَةٌ، كلُّ وَاحِدٍ منهما مُنْفَصِلٌ من الآخر. فالنُّورُ هو العَظِيمُ الأوَّل، ليس بالعَدَدِ، وهو الإله مَلِك جِنَان النُّور، وله خَمْسَةُ أَعْضَاءِ: الحِلْمُ والعِلْمُ والعَقْلُ والغَيْبُ والفِطْنَةُ، وخَمْسَةٌ أُخَرَ رُوحَانِيَّة وهي: الحُبُّ والإيمَانُ والوَفَاءُ والمَوَدَّةُ والحِكْمَةُ. وزَعَمَ أَنَّه بصِفَاتِه هذه أزَليٌّ، ومَعَهُ شَيْئَانِ اثْنَانِ أَزَلِيَّان: أَحَدُهُما الجَوُّ والآخَرُ الأَرْض. قال ماني: وأَعْضَاءُ الجَوّ خَمْسَة: الحِلْمُ والعِلْمُ والعَقْلُ والغَيْبُ والفِطْنَةُ، وأعْضَاءُ الأَرْضِ: النَّسِيمُ والرِّيحُ والنُّورُ والمَاءُ والنَّارُ. والكَوْنُ الْآخَرُ، وهو الظُّلْمَة، وأَعْضَاؤُهَا خَمْسَة: الضَّبَابُ والحَرِيقُ والسَّمُومُ والسُّمُّ والظُّلْمَة. قال مَانِي: وذلك الكَوْنُ النَّيِّر مُجَاوِرٌ للكَوْنِ المُظْلِم لا حَاجِزَ بَيْنَهُما، والنُّورُ يَلْقَى الظُّلْمَة بصَفْحَته، ولا نِهَايَة للنُّورِ من عُلُوّه ولا يَمْنَتِه ولا يَسْرَتِه، ولا نِهَايَةَ للظُّلْمَةِ في السِّفْلِ ولا في اليَمْنَة واليَسْرَة. قال مَانِي: ومنْ تِلْكَ الأرْضِ المُظْلِمَة كان الشَّيْطَانُ، لا أن يكون أَزْليًّا بِعَيْنِه ولكنَّ جَوَاهِرَه كانت في عَنَاصِرِه أَزَليَّة، فاجْتَمَعَت تِلْكَ الجَوَاهِرُ من عناصِرِه فتَكَوَّنَت شَيْطَانًا، رَأْسُه كَرَأس أسَد وبَدَنُهُ كبَدَن تِنِّين وجَنَاحُهُ كجَنَاحِ طَائِرٍ وذَنَبُهُ كذَنَبِ حُوت وأرْجُلُهُ أَرْبَعٌ كأَرْجُل الدَّوَاب. فلمَّا تَكَوَّنَ هذا الشَّيْطَانُ من الظُّلْمَةِ وتَسَمَّى إبْليس القَديم، ازْدَرَدَ واسْتَرَط وأَفْسَدَ، ومَرَّ يَمْنَةً ويَسْرَةً، ونَزَلَ إلى السِّفْل، في كلِّ ذلك يُفْسِدُ ويُهْلِكُ مَنْ غَالَبَهُ. ثم رَامَ العُلُوَّ فَرَأَى لَمَحَاتِ النُّور

стр. 1192

فأَنْكَرَها، ثم رَآها مُتَعَالِيَةً فَارْتَعَدَ وتَدَاخَلَ بَعْضُه في بَعْضٍ ولَحِقَ بعَنَاصِرِه. ثم إِنَّه رَامَ العُلُوَّ، فعَلِمَت الأرْضُ النَّيِّرة بأمر الشَّيْطَان وما هَمَّ به من القِتَالِ والفَسَادِ، فلمَّا عَلِمَت به، عَلِمَ به عَالَمُ الفِطْنَة ثم عَالَمُ العِلْم ثم عَالَمُ الغَيْب ثم عَالَمُ العَقْل ثم عَالَمُ الحِلْم. قال: ثم عَلِمَ به مَلِكُ جِنَانِ النُّور فاحْتَال لقَهْرِهِ. قال: وكان جُنُودُه أوَلَئِك يَقْدِرُون على قَهْرِه ولكنَّه أَرَادَ أَنْ يَتَوَلَّى ذلك بنَفْسِهِ، فَأَوْلَدَ برُوح يَمنَتِه وبِخَمْسَة عَالَميْه وبعَنَاصِرِ (¬a) الاثْني عَشَر، مَوْلُودًا وهو الإنْسَانُ القَدِيم، ونَدَبَهُ لِقِتَالِ الظُّلْمَة. قال: فتَدَرَّعَ الإِنْسَانُ القَدِيم بالأجْنَاسِ الخَمْسَة، وهي الآلهة الخَمْسَة: النَّسِيمُ والرِّيحُ والنُّورُ والمَاءُ والنَّارُ، واتَّخَذَهُم سِلاحًا. فأوَّلُ ما لَبِسَ النَّسيم وارْتَدَى على النَّسيم العَظِيم بالنُّور المُشِعّ، وتَعَطَّف على النُّور بالمَاءِ ذي الهَبَاءِ، واكْتَنَّ بالرِّيح الهَابَّة. ثم أَخَذَ النَّارَ بيَدِه كالمَجِنّ والسَّنَان، وانْحَطَّ بسُرْعة <من الجِنَان> إلى أنِ انْتَهَى إلى الحَدِّ ممَّا يَلي الحَرْبِيّ. وعَمَدَ إبْلِيسُ القَدِيم إلى أجْنَاسِه الخَمْسَة، وهي: الدُّخَانُ والحَرِيقُ والظُّلْمَةُ والسَّمُومُ والضَّبَابُ، فَتَدَرَّعَها وجَعَلَها جُنَّةً له، ولَقِيَ الإِنْسَانَ القَدِيم فاقْتَتَلُوا مُدَّةً طَوِيلَةً، واسْتَظْهَرَ إبْلِيسُ القَدِيم على الإنْسَانِ القَدِيم، واسْتَرَط من نُورِه، وأحَاطَ به مع أجْنَاسه وعَنَاصِرِه، وأَتْبَعَهُ مَلِكُ جِنان النُّور بآلِهَةٍ أَخَر، واسْتَنْقَذَهُ واسْتَظْهَرَ على الظُّلْمَة. ويُقَالُ لهذا الذي أتْبَعَ به الإنْسَان، "حَبِيب الأنْوَار"، فنَزَلَ وتَخَلَّصَ الإِنْسَانُ القَدِيمُ من الجَهَنَّمَات مع ما أَخَذَ وأسر من أَرْوَاحِ الظُّلْمَة. قال: ثم إِنَّ البَهْجَةَ ورُوحَ الحَيَاةِ ظَعَنَا إلى الحَدِّ، فنَظَرَا إلى غَوْرِ تِلْكَ الجَهَنَّم (¬b) السُّفْلَى، وأَبْصَرَا الإِنْسَانَ القَدِيمِ والمَلَائِكَة وقد أحَاطَ إبْلِيسُ والزَّجْرِيُّون العُتَاة والحَيَاةُ المُظْلِمَة.

стр. 1193

قال: فَدَعَا رُوحُ الحَيَاة، الإِنْسَانَ القَدِيم بصَوْتٍ عَالٍ كالبَرْق في سُرْعَةٍ، فكان إلَهًا آخَر. قال ماني: فلمَّا شَابَكَ إِبْلِيسُ القَدِيم الإنْسانَ القَدِيم بالمُحَارَبَة، اخْتَلَطَ من أَجْزَاءِ النُّورِ الخَمْسَة بأجْزَاءِ الظُّلْمَة الخَمْسَة، فخَالَطَ الدُّخَانُ النَّسيمَ، فمنها هذا النَّسيم المَمْزُوجُ (فما فيه من اللَّذَّة والتَّرْويح عن الأنْفُس وحَيَاة الحَيَوَان فمن النَّسيم، وما فيه من الهَلاك والأدْوَاء فمن الدُّخَان. وخَالَطَ الحَرِيقُ النَّار، فمنها هذه النَّارُ، فما) (¬a) فيها من الإحْرَاق والهَلَاك والفَسَاد فمن الحَرِيق، وما فيها (¬b) من الإضَاءه والإنَارَة فمن النَّار. وخَالَطَ النُّورُ الظُّلْمَة، فما فيها من هذه الأجْسَام الكَثِيفَة، مثل الذَّهَب والفِضَّةِ وأشْبَاه ذلك، وما فيها من الصَّفَاءِ والحُسْنِ والنَّظَافَةِ والمَنْفَعَةِ، فمن النُّورِ، وما فيها من الدَّرَن والكَدَرِ والغِلَظِ والقَسَاوَة فمن الظُّلْمَة. وخَالَطَ السَّمُومُ الرِّيح، <فمنها هذه الرِّيح> (¬c)، فما فيها من المَنْفَعَةِ واللَّذَّةِ فمن الرِّيح، وما فيها من الكَرْبِ والتَّعْوِير والضَّرَرِ فمن السَّمُوم. وخَالَطَ الضَّبَابُ المَاءَ، فمنها هذا الماءُ، فما فيه من الصَّفَاءِ والعُذُوبَةِ والمُلَاءَمَةِ للأَنْفُسِ فمن المَاء، وما فيه من التَّغْرِيق والتَّخْنِيق والإهْلاكِ والثِّقَلِ والفَسَادِ فمن الضَّبَاب. قال مَانِي: فلمَّا اخْتَلَطَت (¬d) الأجْنَاسُ الخَمْسَةُ الظُّلَمِيَّة بالأَجْنَاسِ الخَمْسَة النُّورِيَّة، نَزَلَ الإِنْسَانُ القَدِيم إلى غَوْرِ العُمْقِ، فَقَطَعَ أُصُولَ الأَجْنَاسِ الظُّلَمِيَّة لئلَّا تَزيد، ثم انْصَرَفَ صَاعِدًا إلى مَوْضِعِه في النَّاحية الحَرْبِيَّة (¬e). قال: ثم أمَرَ بَعْضَ المَلائِكَة باجْتِذَابِ ذلك المِزاج إلى جَانِبٍ من أَرْضِ الظُّلْمَة تَلِي أرْضَ النُّور، فعَلَقُوهم بالعُلُوّ، ثم أقَامَ مَلَكًا آخَرَ فَدَفَعَ إليه تلك الأجْزَاء المُمْتَزِجَة.

стр. 1194

قال مَانِي: وأَمَرَ مَلِكُ عَالَم النُّور بَعْضَ مَلائِكَتِه بِخَلْقِ هَذا العَالَم وبِنَائِه من تِلْكَ الأجْزَاء المُمْتَزِجَة لتَخْلُص تِلْكَ الأجْزَاء النُّورِيَّة من الأجْزَاء الظُّلَمِيَّة، فبَنَى عَشَرَ سَمَاوَات وثماني أرَضِين، ووَكَّلَ مَلَكًا بحَمْل السَّمَاوَاتِ وَآخَرَ برَفْعِ الأَرَضِين، وجَعَلَ لَكُلِّ سَمَاءٍ أبْوَابًا اثنِي عَشَر بدَهَالِيزِها عِظَامًا وَاسِعَةً، كلَّ وَاحِدٍ مِن الْأَبْوَابِ بإزَاءِ صَاحِبِه وقُبَالَته، على كلِّ وَاحِدٍ من الدَّهَالِيز مِصْرَاعَان (¬a)، وجَعَلَ فِي تِلْكَ الدَّهاليز، في كلّ بَابٍ من أبوابها سِتّ عَتَبَات، وفي كلِّ وَاحِدَة من العَتَبَات ثَلاثِين سِكَّة، وفي كلِّ سِكَّة اثْنَى عَشَرَ صَفًّا، وجَعَلَ العَتَبَات والسِّكَك والصُّفُوف، من أعالِيها في عُلُوِّ السَّمَوات. قال: ووَصَلَ الجَوّ بأسْفَل الأرَضين على السَّمَوَات، وجَعَلَ حَوْل هذا العَالَم خَنْدَقًا ليَطْرَح فيه الظَّلامَ الذي يُسْتَصْفَي من النُّور، وجَعَلَ خَلْفَ ذلك الخَنْدَقِ سُورًا لكي لا يَذْهَبَ شَيءٌ من تِلْكَ الظُّلمَة المُفْرَدَة عن النُّور. قال مَانِي: ثم خَلَقَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لاسْتِصْفَاءِ ما في العَالَم من النُّور، فالشَّمْسُ تَسْتَصْفِي النُّورَ الذي اخْتَلَطَ بِشَيَاطِين (الحَرّ، والقَمَرُ يَسْتَصْفِي النُّورَ الذِي اخْتَلَطَ بشَيَاطِين) (¬b) البَرْد في عَمُود السَّبْح، يَتَصَاعَدُ ذلك مع ما يَرْتَفِعُ من التَّسابِيح والتَّقادِيس والكَلامِ الطَّيِّبِ وأَعْمَالِ البِرّ. قال: فيَدْفَعُ ذلك إلى الشَّمْس، ثم إِنَّ الشَّمْسَ تَدْفَعُ ذلك إلى نُورٍ فَوْقَها في عَالَمِ التَّسْبِيح، فيَسِيرُ في ذلك العَالَم إلى النُّور الأعْلى الخَالِص. فلا يَزَالُ ذلك من فِعْلها حتى يَبْقى من النُّورِ شَيْءٌ مُنْعَقِدٌ لا تَقْدِرُ الشَّمْسُ والقَمَرُ على اسْتِصْفَائِه <فعِنْدَ ذَلِك> (¬c) يَرْتَفِعُ المَلَكُ الذي كان يَحْمل الأرَضِين، ويَدَع المَلَكَ الآخَر اجْتِذَابَ السَّمَوَات، فيَخْتَلِطُ الأعْلى على الأَسْفَل، وتَفُورُ نَارٌ فتَضْطَرِمُ في تِلْكَ الأشْيَاء، فلا تَزَالُ مُضْطَرِمَةٌ حتى يَنْحَل ما

стр. 1195

فيها من النُّور. قال مَانِي: ويكونُ ذلك الاضْطِرَامُ، مِقْدَارَ أَلْفِ سَنَةٍ وأربعِ مائة وثَمانٍ وسِتِّين سَنَةَ. قال: فإذَا انْقَضَى هذا التَّدْبِيرُ، ورَأت الهَمَامَةُ، رُوحُ الظُّلْمَةِ، خَلاصَ النُّور وارْتِفَاعَ المَلائِكَة والجُنُود والحَفَظَة، اسْتَكَانَت ورَأت القِتَالَ، فَيَزْجُرُها الجُنُودُ من حَوْلها؛ فتَرْجِع إلى قَبْرٍ قد أُعِدَّ لها. ثم يُسَدُّ على ذلك بصَخْرَةٍ تكونُ مِقْدَار الدُّنْيا، فيَرْدِمُها فيه، فيَسْتَرِيحُ حينئذٍ من الظُّلْمَةِ وأَذَاهَا. وزَعَمَت "المَاسِيَّةُ" من المَانَوِيَّة أَنَّ النُّورَ يَبْقَى منه شيءٌ في الظُّلْمَة (١). ابْتِدَاءُ التَّنَاسُلِ عَلَى مَذْهَبِ مَانِي قال: ثم إِنَّ أَحَدَ أولَئِك الأراكِنَةِ (٢) والنُّجُوم والزَّجْر (¬a) والحِرْص والشَّهْوَة والإثْم، تَنَاكَحُوا، فحَدَثَ من تَناكُحهم الإِنْسَانُ الأَوَّلُ الذي هو آدَم، والذي تَوَلَّى ذلك أَرْكُونَان ذَكَرٌ وأَنْثَى، ثم حَدَثَ تَنَاكُحٌ آخَرُ، فَحَدَثَ منه المَرْأَةُ الحَسْنَاءُ التي هي حَوَّاء. قال: فلمَّا رَأى المَلائِكَةُ الخَمْسَةُ، نُورَ الله وطِيبَه الذي اسْتَلَبَه الحِرْص، وأسَرَّه في ذينك المَوْلُودين، سَأَلُوا البَشِيرَ وأمَّ الحَيَاة والإنْسَانَ القَدِيم ورُوحَ الحَيَاة، أنْ يُرسلوا إلى ذلك المَوْلُود القَدِيم منْ يُطْلِقُه ويُخَلِّصُه ويُوَضِّحُ له

стр. 1196

العِلْمَ والبِرَّ ويُخَلِّصُه من الشَّيَاطين. قال: فأَرْسَلُوا عيسى ومَعَهُ إِلَهٌ، فَعَمَدُوا إلى الأرْكُونين فحَبَسُوهم، واسْتَنْقَذُوا المَوْلُودَيْن. قال: فعَمَدَ عيسى فكلَّم المَوْلُودَ - الذي هو آدَم - وأوْضَحَ له الجِنَانَ والآلِهَة وجَهَنَّمَ والشَّيَاطين والأرْض والسَّماء والشَّمْس والقَمَر، وخَوَّفَه من حَوَّاء وأرَاهُ زَجْرَها ومَنَعَهُ منها وخَوَّفَهُ أَنْ يَدْنُو إليها، ففَعَلَ. ثم إِنَّ الأَرْكُونَ عَادَ إلى ابْنَتِه التي هي حَوَّاء، فنَكَحَها بالشَّبَق الذي فيه، فأَوْلَدَها وَلَدًا أَشْوَهَ الصُّورَة أَشْقَر، واسْمُهُ قَايِن، الرَّجُل الأشْقَر، ثم إِنَّ ذلك الوَلَد نَكَحَ أُمَّه فأَوْلَدَها وَلَدًا أبْيَض سَمَّاهُ هَابِيل، الرَّجُل الأبْيَض. ثم رَجَعَ قَايِن فنَكَحَ أمَّه، فأَوْلَدَها جارِيتَيْن، تُسَمَّى إِحْدَاهُما حَكِيمَة الدَّهْرِ والأُخْرَى ابْنة الحِرْص. فاتَّخَذَ ابْنَة الحِرْص قاين زَوْجَة، ودَفَعَ حَكِيمَةَ الدَّهْرِ إِلى هَابِيلَ فَاتَّخَذَهَا امْرَأَة له. قال: فكان في حَكِيمَةِ الدَّهْرِ فَضْلٌ من نُورِ الله وحِكْمَتِه، ولم يكُن في ابْنَة الحِرْص منْ ذلك شيءٌ. ثم إِنَّ مَلَكًا من الملائِكة صَارَ إلى حَكِيمَةِ الدَّهْرِ، فقال لها: احْفَظِي نَفْسَك، فإنَّه يُوَلَدُ منك جَارِيَتَان مُكَمِّلتَان لَمَسَرَّةِ الله، ووَقَعَ عليها، فوَلَدَت منه جَارِيتَين، فَسَمَّت إحْدَاهُما فِرْيَاد، والأُخْرَى بِرْفِرْيَاد. فلمَّا بَلَغَ هَابِيل ذلك احْتَشَى غَضَبًا وشَمِلَهُ الحُزْنُ، وقال لها: "مُمَّن جِئْتِ بِهَذَيْنِ الوَلَدَيْنِ؟ أَحْسَبُهُما من قَايِن، وهو الذي خَالَطَكِ". فشَرَحَت له صُورَةَ المَلَك، فتَرَكَها ومَضَى إلى أمِّه حَوَّاء، فشَكَا إليها ما فَعَلَهُ قَايِن، وقال لها: "بَلَغَكِ ما فَعَلَه بأخْتي وامْرَأَتِي". فَبَلَغَ ذلك قَايِن، فعَمَدَ إلى هَابِيل فدَمَغَهُ بِصَخْرَةٍ فَقَتَلَهُ، ثم اتَّخَذَ حَكِيمَة الدَّهْرِ امْرَأَة. قال مَانِي: ثم إنَّ أولَئِك الأراكِنَة وذلك الصَّنْدِيد وحَوَّاء، اغْتَمُّوا لِمَا رَأَوْا من قَايِن، وعَلَّمَ الصَّنْدِيدُ لحَوَّاء أرْطَانَ السِّحْر لتَسْحَر آدَمَ، فمَضَت فَفَعَلَت، وتَصَدَّت له بإكْليلٍ من زَهْرِ الشَّجَر، فلمَّا رآها آدَمُ لشَهْوَتِه وَقَعَ عليها، فحَمَلَت منه ووَلَدَت رَجُلًا جَمِيلًا صَبِيحَ الوَجْه، فبَلَغَ الصِّنْدِيدَ ذلك، فاغْتَم له واعْتَلَّ، وقال لحَوَّاء: "إنَّ هذا المَوْلُود ليس مِنَّا وهو غَرِيبٌ"، فرَامَت قَتْلَهُ، فَأَخَذَهُ آدَمُ، وقال لحَوَّاء:

стр. 1197

"إنِّي أغْذُوه بألْبَانِ البَقَر وثِمَارِ الشَّجَر"، وأخَذَهُ ومَضَى. فَأَنْفَذَ الصِّنْدِيدُ الأَرَاكِنَة ليَحْمِلُوا الشَّجَرَ والبَقَرَ ويُبَاعِدُوها من آدَم، فلمَّا رأى آدَمُ ذلك أَخَذَ ذلك المَوْلُود وأدَارَ حَوْلَهُ ثَلاث دَائِرَات، ذَكَرَ على الأولى اسْم مَلَكِ الجنان، وعلى الثَّانِيَة اسْمَ الإِنْسَانِ القَدِيم، وعلى الثَّالِثَةِ اسْمَ رُوحِ الحَيَاة، وتَنَجَّى وضَرَعَ إلى الله - جَلَّ اسْمُهُ - فقال له: "إنْ كُنْتُ أنا اجْتَرَمْتُ إليكم جُرْمًا، فما ذَنْبُ هذا المَوْلُود". ثم إِنَّ وَاحِدًا من الثَّلاثَة عَجَّلَ ومعه إكْلِيلُ البَهَاء أَخَذَه بيَدِه إلى آدَمَ، فلما رآه الصِّنْدِيدُ والأَرَاكِنَة، مَضَوْا لوُجُوهِهِم. قال: ثم ظَهَرَت لآدَم شَجَرَةٌ يُقالُ لها لُوطِيس. فظَهَرَ منها لَبَنٌ فكان يُغَذِّي الصَّبِيَّ به، وسَمَّاهُ باسْمِها، ثم سَمَّاهُ بعد ذلك شَاثِل. ثم إِنَّ ذلك الصِّنْدِيدَ نَصَبَ العَدَاوَة لآدَم ولأولَئِك المَوْلُودين، فقال لحَوَّاء: "اطْلَعي إلى آدَم فَلَعَلكَ أَنْ تَرُدِّيه إِلَيْنَا"، فانْطَلَقَت فاسْتَغْوت آدَم، فخَالَطَها بالشَّهْوَة، فلمَّا رَآهِ شَاثِل وَعَظَه وعَذَلَه، وقال له: "هَلُمَّ نَنْطَلِق إلى المَشْرِق إلى نُورِ الله وحِكْمَتِه"، فَانْطَلَقَ معه وأَقَامَ ثُمَّ إلى أنْ تُوفِّيَ وصَارَ إلى الجِنَان. ثم إِنَّ شَاثِل، وفِرْياد وبِرْفِرْيَاد (¬a)، وحَكِيمَة الدَّهْر أمُّهُما دَبَّرُوا بالصَّدِيقُوت بحَقٍّ وَاحِدٍ وسَبِيلِ وَاحِدَةٍ إِلى وَقْتِ وَفَاتِهم، وصَارَت حَوَّاءُ وقَايِن وابْنَة الحِرْص إلى جَهَنَّم (١).

стр. 1198

صِفَةُ أَرْضِ النُّورِ وجَوِّ النُّورِ وهُمَا الاثْنَان اللَّذَان كَانَا مَعَ إِلهُ النُّورِ أَزَلِيَّيْن قال مَانِي: لأَرْضِ النُّور أعْضَاءٌ خَمْسَةٌ: النَّسيمُ والرِّيحُ والنُّورُ والمَاءُ والنَّارُ. ولجَوِّ النُّورِ أَعْضَاءٌ خَمْسَة: الحِلْمُ والعِلْمُ والعَقْلُ والغَيْبُ والفِطْنَةُ. قال (¬a): العَظَمَة، هذه الأعْضَاء العَشَرة كلُّها التي هي للجَوّ والأرْض. قال: وتِلْك الأرْض النَّيِّرَة ذَات جِسْم نَضِيرَة بَهِجَة، ذَات وَمِيضٍ وشُرُوقٍ، يُشْرِقُ عليه صَفَاءُ طُهْرِها، وحُسْنُ أَجْسَامِهَا. صُورَةً صُورَةً، وحُسْنًا حُسْنًا، وبَياضًا بَيَاضًا، وصَفَاءً صَفَاءً، وبَهجًا بَهجًا، ونُورًا نُورًا، وضِيَاءً ضِيَاءً، ومَنْظَرًا مَنْظَرًا، وطِيبًا طِيبًا، وجَمَالًا جَمَالًا، وأبْوابَات أَبْوَابَات، وبُرُوجًا بُرُوجًا، ومَسَاكِنَ مَسَاكِن، ومَنَازِلَ مَنَازِل، وجِنَانًا جِنَانًا، وأشْجَارًا أشْجارًا، وغُصُونًا غُصُونَا ذَات فُرُوعِ وثِمَارِ بَهِجَة المَنْظَر، ونُور بَهِيّ بأَلْوَان شَتّى، بَعْضُها أطْيَب وأزْهَر من بَعْض، وغَمَامًا غَمَامًا، وظِلًّا ظِلًّا. وذلك الإلَه النَّيّر في هذه الأَرْض أزَلِيٌّ. قال: وللإلَه في هذه الأرْض عَظَمَاتٌ اثْنَا عَشَر (¬b) ، يُسَمَّوْن الأَبْكَار، صُوَرُهُم كَصُورَتِهِ كُلّهَا عُلَمَاء غَافِلُونَ. قال: وعَظَمَات يُسَمَّون العُمَّار العَالِمُون الأقْوِيَاء. قال: والنَّسِيمُ حَيَاةُ العَالَم. صِفَةُ أَرْضِ الظُّلْمَةِ وحَرِّها قال مَانِي: أرْضُها ذَاتَ أَعْمَاقٍ وأَغْوَارٍ وأَقْطَارٍ وأَطْبَاقٍ ورُدُومٍ وغِيَاضٍ وآجَامٍ. أَرْضٌ مُتَفَرِّقَةٌ مُتَشَعِّبَةٌ مَمْلُؤةٌ حَرَشَات ويَنَابِيع دُخَان منها من بِلادٍ بلاد. ومن رَدْمٍ رَدْم، وتَنْبِعُ النَّار منها من بِلادٍ بِلاد. وتَنْبُعُ الظُّلْمَةُ من بِلادٍ بِلاد وبَعْض ذلك أَرْفَعُ من بَعْض، وبَعْضُه أَسْفَلُ. وادُّخَانُ الذي يَنْبُعُ منه، وهو حُمَّة المَوْتِ، يَنْبُعُ

стр. 1199

من يَنْبُوعِ غَوْر، قَوَاعِدُه من (الوَفْيَة رَبْوات) (¬a). وعَنَاصِرُ النَّارِ وعَنَاصِرُ الرِّيحِ الشَّديد المُظْلِمَة، وغِيَاض المَاء الثَّقيل (¬b) . والظُّلْمَةُ مُجَاوِرَةٌ لتلك (¬c) الأرْض النَّيِّرَة فَوْق، وتِلْك أسْفَل، لا نِهَايَة لَوَاحِدٍ منها في جِهَةِ العُلُوّ، والظُّلْمَةُ من جِهَة السَّفْل (١). كَيْفَ يَنْبَغِي للإِنْسَانِ أَنْ يَدْخُلَ فِي الدِّينِ قال: يَنْبَغِي للذي يُرِيدُ الدَّخُول في الدِّين أنْ يَمْتَحِنَ نَفْسه، فإِنْ رَآهَا تَقْدِرُ على قَمْعِ الشَّهْوَةِ والحِرْصِ، وتَرْكِ أكْلِ اللُّحْمَان وشُرْبِ الخَمْرِ والتَّنَاكُح، وتَرْكِ أَذِيَّة الماء والنَّار والشَّجَر والنَّبَات، فليَدْخُل في الدِّين. وإنْ لم يَقْدِر على ذلك كُلِّه فلا يَدْخُل في الدِّين. وإن كان يُحِبُّ الدِّين، ولم يَقْدِر على قَمْعِ الشَّهْوَة والحِرْص، فليَغْتَنِم حِفْظَ الدِّين والصِّدِّيقين. وليَكُن له بإزَاءِ أَفْعَالِهِ القَبِيحَة أَوْقَاتٌ يَتَجَرَّدُ فِيها للعَمَل والبِرِّ والتَّهَجُّد والمَسْأَلَة والتَّضَرُّع، فإنَّ ذلك يَدْفَعُهُ في عَاجِلِهِ وآجِلِه وتكُون صُورَتُه الصُّورَةَ الثَّانِيَة في المَعَاد، ونحن نَذْكُرُها فيما بَعْد، إِنْ شَاءَ الله. الشَّرِيعَةُ التي جَاءَ بِهَا مَانِي وَالفَرَائِضُ التِي فَرَضَهَا فَرَضَ مَاني على أَصْحَابِهِ عَشْرَ فَرَائِض على السَّمَّاعِين، ويَتْبَعَها ثَلاثُ خَوَاتِيم، وصِيَامُ سَبْعَة أَيَّامٍ أَبَدًا في كلِّ شَهْر. فالفَرَائِضُ هي: الإِيمَانُ بالعَظَائِمِ الأَرْبَعَ: الله ونُورُه وقُوَّتُه وحِكْمَتُه. فالله - جَلَّ اسْمُهُ - مَلِكُ جِنَانِ النُّور، ونُورُه الشَّمْسُ والقَمَر، وقُوَّتُه الأَمْلاكُ الخَمْسَة، وهي: النَّسِيمُ والرِّيحُ والنُّورُ والمَاءُ والنَّارُ، وحِكْمَتُه، الدِّينُ المُقَدَّس، وهو على خَمْسَة مَعَاني: المُعَلِّمِين، أَبْنَاء الحِلْم،

стр. 1200

المُشَمِّسِين، أبْنَاء العِلْم. القِسِّيسين، [أبْنَاء العَقْل. الصِّدِّيقين، أبْنَاء الغَيْب. السَّمَّاعين] (¬a)، أبْنَاء الفِطْنَة. والفَرَائِضُ العَشْر تَرْكُ عِبَادَة الأصْنَام. تَرْكُ الكَذِب. تَرْكُ البُخْل. تَرْكُ القَتْلِ، تَرْكُ الزِّنَى. تَرْكُ السَّرِقَة. وتَعْلِيم العِلَل والسِّحْر. و<عَدَمُ> القِيَامِ بهَمَّتَين وهما (¬b) : الشَّكّ في الدِّين والاسْتِرْخَاء والتَّوَاني في العَمَل. وفَرَضَ صَلَوَاتٍ أَرْبَعًا أو سَبْعًا وهو أنْ يَقُومَ الرَّجُلُ فيَمْسَحُ بالمَاءِ الجَارِي أو غَيْره، ويَسْتَقْبِل النَّيْر الأعْظَم قَائِمًا، ثم يَسْجُدُ ويَقُول في سُجُودِه: "مُبَارَكٌ هَادِينَا الفَارَقْلِيط رَسُولُ النُّور، ومُبَارَكٌ مَلائِكَتُه الحَفَظَة، ومُسَبّحٌ جُنُودُه النَّيِّرُون". يَقُولُ هذا وهو يَسْجُدُ ويَقُومُ ولا يَلْبَث في سُجُودِه ويَكُون مُنْتَصِبًا. ثم يَقُولُ في السَّجْدَةِ الثَّانِيَة: "مُسَبَّحٌ أنت أيُّها النَّيِّر مَانِي هَادِينا، أصْل الضِّياء، وغُصْن الحَيَاة، الشَّجْرة العَظِيمة التي هي شِفَاءٌ كُلُّها". ويَقُولُ في السَّجْدَة الثَّالِثَة: "أَسْجُدُ وأَسَبِّحُ بِقَلْبٍ طَاهِرٍ ولسَانٍ صَادِقٍ للإلَه العَظِيم أبي الأنْوار وعُنْصُرهم، مُسَبَّحٌ مُبَارَكٌ أنت وعَظَمْتُكَ كُلُّها، وعالَموك المُبَارَكُون الذين

стр. 1201

دَعَوْتَهم. يُسَبِّحُك مُسَبِّحُ جُنُودك وأبْرَارك وكَلِمَتُك وعَظَمَتُك ورِضْوَانُك، من أجْلِ أنَّك أنت الإلَه الذي كُلُّه حَقٌّ وحَيَاةٌ وبِرٌّ". ثم يَقُولُ في الرَّابِعَة: "أسَبِّحُ وأسْجُدُ للآلِهَة كُلِّهم، والمَلَائِكة المُضِيئين كلِّهم، وللأنْوَارِ كلِّهم الَّذين كانوا من الإلَه العَظِيم". ثم يقول في الخَامِسَة: "أسْجُدُ وأسَبِّحُ للجُنُودِ الكُبَرَاءِ، وللآلِهَةِ النَّيِّرِينَ الَّذِينَ بحِكْمَتِهِم طَعَنُوا وأَخْرَجوا الظُّلْمَةِ وقَمَعُوها". ويَقُولُ في السَّادِسَة: "أَسْجُدُ وأُسَبِّحُ لأبي العَظَمَة العَظِيم المُنِير، الذي جَاءَ من العَالمين". وعلى هذا إلى السَّجْدَة الثَّانِيَة عَشْرَة. فإذَا فَرَغَ من الصَّلَوَاتِ العَشْرِ، ابْتَدَأ في صَلاةٍ أُخْرَى، ولهم فيها تَسْبِيحٌ لا حَاجَةَ بنا إلى ذِكْرِه. فأَمَّا الصَّلاةُ الأولى فعِنْد الزَّوَالِ، والصَّلاةُ الثَّانِيَة بَيْنَ الزَّوَالِ وغُرُوبِ الشَّمْس، ثم صَلاةُ المَغْرِب بَعْد غُرُوبِ الشَّمْس، ثم صَلاةُ العَتْمَة بَعْدَ المَغْرِبِ بِثَلاثِ سَاعَات. ويَفْعَلُ في كلِّ صَلاةٍ وسَجْدَةٍ مِثْل ما فَعَلَ في الصَّلاةِ الأولى، وهي صَلاةُ البَشِير. فأَمَّا الصَّوْمُ: فإذا نَزَلَت الشَّمْسُ القَوْسَ، وصَارَ القَمَرُ نُورًا كُلُّه، يُصَامُ يَوْمَان لا يُفْطَرُ بَيْنَهُما (١). فَإِذَا أَهَلَّ الهِلَالُ، يُصَامُ يَوْمَان لا يُفْطَرُ بَيْنَهما. ثم مِنْ بعد ذلك يُصَامُ إِذَا صَارَ نُورًا، يَوْمَان فِي الجَدْي. ثم إذَا أهَلَّ الهِلَالُ ونَزَلَت الشَّمْسُ الدَّلْو

стр. 1202

ومَضَى من الشَّهْرِ ثَمَانِيَةُ أَيَّام، يُصَامُ حينئذٍ ثَلاثُونَ يَوْمًا، يُفْطَر كُلَّ عند غُرُوبِ الشَّمْس. والأحَدُ يُعَظِّمُهُ (عَامَّةُ المَنَّانِيَّة، والاثْنَين يُعَظِّمُهُ (¬a) خَوَاصُّهُم. كَذَا أَوْجَبَ عليهم مَانِي (١). اخْتِلافُ المانَوِيَّة فِي الْإِمَامَةِ (٢) بَعْدَ مَانِي قال المانَوِيَّة: لما ارْتَفَعَ مَانِي إِلى جِنَانِ النُّور أقَامَ، قَبْلَ ارْتِفَاعِه، سِيس الإِمَام بَعْدَه، فكان يُقِيمُ دِينَ الله وطَهَارَتَه إلى أنْ تُوفِّيَ. وكانت الأئِمَّةُ يَتَنَاوَلُون الدِّين وَاحِدًا عن وَاحِد، ولا اخْتِلافَ بَيْنَهم، إلى أنْ ظَهَرَت خَارِجَةٌ منهم يُعْرَفُون بالدِّينَاوَرِيَّة (٣)، فطَعَنُوا على إمَامِهِم وامْتَنَعُوا من طَاعَتِه. وكانت الإمَامَةُ لا تَتِمُّ إِلَّا بِبَابل، ولا يَجُوزُ أنْ يكونَ إِمَامٌ في غَيْرِها. فقالَتْ هذه الطَّائِفَةُ بخلاف هذا القَوْل، ولم يَزَالُوا عليه وعلى غَيْره من الخلاف - الذي لا فَائِدَة في ذِكْرِه - إلى أنْ أفْضَت الرِّئَاسَةُ الكُلِّيَّةُ إلى مهر، وذلك في مُلْك الوليد بن عبد الملك في وِلَايَة خَالِد بن عبد الله القَسْرِيّ العِرَاق (٤) .. وانْضَمَّ إليهم رَجُلٌ يُقَالُ له زَادْهُرْمُز، فمَكَثَ عندهم مُدَّةً ثم فَارَقَهُم، وكان رَجُلًا في دُنْيَا عَرِيضَة فتَرَكَها وخَرَجَ إلى

стр. 1203

الصَّدِيقُوت، وزَعَمَ أَنَّه يَرَى أَمُورًا يُنْكِرُها، وأَرَادَ اللُّحُوقَ بالدِّينَاوَرِيَّة، وهم وَرَاءَ نَهْر بَلْخ. فأتَى المَدَائِنَ، وكان بها كاتب للحَجَّاجِ بن يُوسُف ذُو مَالٍ كَثِيرٍ، وقد كانت بينهما صَدَاقَةٌ، فشَرَحَ له حَالَهُ والسَّبَبَ الذي أَخْرَجَهُ من الجُمْلَة، وأَنَّه يُرِيدُ خُرَاسَان ليَنْضَمّ إلى الدِّينَاوَرِيَّة. فقال له الكاتِبُ: "أنا خُرَاسَانك وأنا أبْنِي لَكَ البيع وأُقِيمُ لَكَ ما تَحتاج إليه، فأَقَامَ عِنْدَه، وبَنَى له البيع. فَكَتَبَ زَادْهُرْمُز إلى الدِّينَاوَرِيَّة يَسْتَدْعِي منهم رئيسًا يُقِيمُه، فكَتَبُوا إليه أنَّه لا يَجُوزُ أَن تكون الرِّئَاسَةُ إِلَّا في وَسَطِ الملك يتابل، فسُئِلَ عَنْ مَنْ يَصْلُح لذلِك، فلم يكُن غَيْرُه، فنَظَرَ في الأمْرِ. فلمَّا انْحَلَّ - ومَعْنَاهُ حَضَرْتُه الوَفَاة - سَأَلُوه أَنْ يَجْعَل لهم رئيسًا، فقال: هذا مِقْلاصٌ قد عَرَفْتُم مَكانَهُ، وأَنَا أَرْضَاهُ وَأَثِقُ بِتَدْبِيرِه لَكُم. فلمَّا مَضَى زَادْهُرْمُز، أَجْمَعُوا على تَقْدِيم مِقْلَاص. فصَارَت المانَوِيَّةُ فِرْقَتَين: المِهْرِيَّة والمِقْلاصِيَّة (١) وخَالَفَ مِقْلاصٌ الجَمَاعَة إلى أشْيَاء من الدِّين، منها في الوِصَالاتَ (٢)، حتى قَدِمَ أبو هلال الدَّيْجُورِيّ من إفْرِيقيَّة، وقد انْتَهَت رِئاسَةُ المَانِويَّة إليه، وذلك في أيَّام أبي جَعْفَر المَنصُور. فَدَعَا المَقَالِصَةَ إِلى تَرْكِ ما رَسَمَهُ لهم مِقْلاصٌ في الوِصَالَات، فأجَابُوهُ إلى ذلك.

стр. 1204

وظَهَرَ من المَقَالِصَة في ذلك الوَقْتِ رَجُلٌ يُعْرَفُ بُزُرْمِهر، واسْتَمَالَ جَمَاعَةً منهم وأحْدَثَ أَشْيَاءَ أخَرَ، ولم يَزَلْ أَمْرُهُمُ على ذلك إلى أنِ انْتَهَت الرِّئَاسَةُ إلى أبي سَعِيد رَجَا، فرَدَّهُم في الوِصالات إلى رأي المهرِيَّة. وهو الذي لم يَزَل الدِّينُ عليه في الوِصَالات. ولم يَزَل حَالُهُم على ذَلِك، إلى أنْ ظَهَرَ فِي خِلافَةِ المَأْمُونِ رَجُلٌ منهم، أَحْسَبُه يَزْدَان بُخْت، فخَالَفَ في الأمُورِ وأَزْرَى بهم، ومَالَت إِليه شِرْذِمَةٌ مِنْهم (١). ومِمَّا نَقَمَتْهُ المَقَالِصَةُ على المَهْرِيَّة أَنَّهُم زَعَمُوا أَنَّ خَالِدَ القَسْرِيِّ حَمَلَ مِهْرًا على بَغْلَةٍ وَخَتَمَهُ بِخَاتَم فِضَّة وخَلَعَ عليه ثِيَابَ وَشْي. وكان رئيسَ المَقَالِصَة في أيَّام المأمُون والمعتصم، أبو عليّ سَعِيد، ثم خَلَفَهُ بَعْدُ كَاتِبُه نَصْرُ بن هُرْمُرَد السَّمَرْقَنْدِي. وكانوا يُرَخِّصُون لأُهْلِ المَذْهَبِ والدَّاخِلِين فيه أشْيَاءَ مَحْظُورَة في الدِّين وكانوا يُخَالِطُون السَّلاطين ويُؤاكِلُونَهم. وكان من رُؤَسَائِهِم أبو الحَسَن الدِّمَشْقِي. وقُتِلَ مَانِي في مَمْلَكَة بَهْرَام بن شَابُور (٢). ولما قَتَلَهُ، صَلَبَهُ نِصْفَين، النِّصْفُ الوَاحِدُ على بَاب والآخَرُ على البَابِ الآخر من مَدِينَة جُنْدَيْسَابُور، ويُسَمَّى المَوْضِعَان: المارّ الأغلى والمارّ الأسْفَل. ويُقَالُ إنَّه كان في مَحْبَسِ شَابُور، فلمَّا مَاتَ شَابُورُ أَخْرَجَهُ بَهْرَام، ويُقَالُ بل مَاتَ في الحَبْسِ، والصَّلْبُ لا شَكّ فيه. وحَكَى بَعْضُ النَّاسِ، أَنَّه كان أحْنَفَ الرّجُلَين، وقيل الرّجل اليُمْنَى (٣). وماني يَنْتَقِصُ سَائِرَ الأَنْبِيَاء في كُتُبِه، ويُزْرِي عليهم ويَرْمِيهم بالكذب وأنَّ الشَّيَاطِينَ

стр. 1205

اسْتَحْوَذَت عليهم، وتَكَلَّمَت على أَلْسِنَتِهِم، بَلْ يَقُولُ في مَوَاضِع من كُتُبِه إِنَّهُم شَيَاطِين. فأمَّا عِيسى المَشْهُورِ عِنْدَنَا وعِنْدَ النَّصَارَى فَيَزْعُمُ أَنَّه شَيْطَان. قَوْلُ الْمَانَوِيَّةِ في المَعَاد قال مَانِيّ: إِذَا حَضَرَت وَفَاةُ الصِّدِّيق (١)، أرْسَلَ إليه الإِنْسَانُ القَدِيمِ إِلَها نَيِّرًا بصُورَة الحَكِيم الهَادِي، ومَعَهُ ثَلاثَةُ آلِهَة، ومَعُهم الرَّكْوَة واللِّباس والعُصَابَة والتَّاج وإكليل النُّور، وتأتي مَعْهُم البكْر الشَّبِيهَة بنسْمة ذلك الصِّدِّيق. ويَظْهَر له شَيْطانُ الحِرْص والشَّهْوَة والشَّيَاطِين. فإذَا رَآهُم الصِّدِّيق، اسْتَغَاثَ بِالآلِهَة التي على صُوَرَة الحَكِيم، والآلهة الثَّلاثَة، فيَقْرَبُون منه، فإذا رأتهُم الشَّيَاطِينُ وَلَّت هَارِبَةً. وأخَذُوا ذلك الصِّدِّيق وألْبَسُوهُ التَّاجَ والإكليل واللِّبَاسَ، وأعْطَوه الرَّكْوَةَ بِيَدِه، وعَرَجُوا به في عَمُود السَّبْح إلى فَلَكِ القَمَرِ وإِلى الإِنْسَانِ القَدِيم، وإلى النَّهْنَهَة أمر الأحْيَاء إلى ما كان عليه أوَّلًا، في جِنَّانِ النُّور. ثم يَبْقَى ذلك الجَسَدُ مُلْقًى، فَتَجْتَذِبُ منه الشَّمْسُ والقَمَرُ والآلِهَةُ النَّيِّرُون القُوَى التي هيّ: الماءُ والنَّارُ والنَّسِيمُ، فَيَرْتَفِعُ إِلى الشَّمْسِ ويَصِيرُ إِلَيْهَا، ويُقْذَفُ بَاقِي جَسَدِه - الذي هُوَ (¬a) ظُلْمَة كُلَّه - إلى جَهَنَّمَ. فأَمَّا الإِنْسَانُ المُحَارِبُ القَابِلُ للدِّين والبِرّ، الحَافِظُ لهما وللصِّدِّيقين، فإذا حَضَرَت وَفَاتُه، حَضَرَ أولَئِك الآلِهَة الذين ذَكَرْتُهُم، وحَضَرَت الشَّيَاطِينُ، واسْتَغَاثَ ومتّ بما كان يَعْمَل من البِرِّ وحِفْظِ الدِّين والصِّدِّيقين، فيُخَلِّصُونَه من الشَّيَاطِين، فلا يَزَالُ في العَالَم شَبَه الإِنْسَان الذي يَرَى فِي مَنَامِهِ الأهْوَال، ويَغُوصُ

стр. 1206

في الوَحْل والطِّين، فلا يَزَالُ كذلك إلى أن يَتَخَلَّص نُورُه ورُوحه، ويَلْحَق بَمَلْحَق الصِّدِّيقين، ويَلْبَس لِبَاسَهُم بعد المدَّة الطَّوِيلَة من تَرَدُّدِه. فأَمَّا الإِنْسَانُ الأثِيم المُسْتَعْلي عليه الحِرْص والشَّهْوَة، فَإِذَا حَضَرَت وَفَاتُه حَضَرَتْهُ الشَّيَاطِينُ، فَأَخَذُوهُ وعَذَّبُوهُ وأروهُ الأهْوَالَ، فيَحْضُر أولَئِكَ الآلِهَة ومَعَهُم ذلك اللِّباس، فيَظُنُّ الإِنْسَانُ الأَثِيمُ أَنَّهم قد جَاءُوا الخَلَاصِه، وإِنَّمَا حَضَرُوا لَتَوْبِيخِه وتَذْكِيرِه أَفْعَالَه، وإلزامه الحُجَّة في تَرْكِ إِعَانَتِهِ الصِّدِّيقين. ثم لا يَزَالُ يَتَرَدَّدُ في العالم في العَذَابِ إلى وَقْتِ العَاقِبَةِ فَيُدْحَى به في جَهَنَّمَ. قال مانِي: فهذه ثَلاثُ طُرْقٍ يُقْسَم فيها نَسَمَاتُ النَّاسِ: أَحَدُها إلى الجِنَان وهُمْ الصِّدِّيقُون، والثَّاني إلى العَالَم والأهْوَال وهم حَفَظَةُ الدِّين ومُعِينُو الصِّدِّيقين، والثَّالِث إلى جَهَنَّمَ وهو الإِنْسَانُ الأَثِيم. كَيْفَ حَالُ المَعَاد بعد فَنَاءِ العَالَم وصفة الجنَّة والجَحِيم قالَ: ثم إِنَّ الإِنْسَانَ القَدِيمَ يأتي من عَالَم الجَدي، والبَشِير من المَشْرِق، والبِنَاء الكبير من التَّيَمُّن، ورُوح الحياة من عَالم المَغْرِب، فيَقِفُون على البُنْيَانِ العَظِيم الذي هو الجنَّة الجَدِيدَة مُطِيفين بتلك الجَحِيم، فيَنْظُرُون إليها. ثم يأتي الصِّدِّيقُون من الجنان إلى ذلك النُّور فيَجْلِسُون فيه، ثم يَتَعَجَّلُون إِلى مَجْمَعِ الْآلِهَةِ فَيَقُومُون حَوْلَ تلك الجَحِيم، ثم يَنْظُرُون إلى عَمَلَة الإِثْم يَتَقَلُّبون ويَتَرَدَّدُون ويَتَضَوَّرُون في تلك الجَحِيم، ولَيْسَت تِلْكَ الجَحِيمِ قَادِرَة على الإضْرَارِ بالصِّدِّيقِينَ، فَإِذَا نَظَرَ أولَئِك الآثِمون إلى الصِّدِّيقين يَسْألونهم ويَتَضَرَّعُون إليهم فلا يُجِيبُونَهُم إلَّا بما لا مَنْفَعَة لهم فيه من التَّوْبيخ، فيَزْدَادُ الأثَمَةُ نَدَامَةٌ وهَمًّا وغَمًّا. فهذه صُورَتُهم أَبَدَ الأَبَدِ" (١).

стр. 1207

أَسْمَاءُ كُتُبِ مَانِي لمَانِي سَبْعَةُ كُتُب، أحَدُهَا فَارِسِيّ، وسِتَّة سُورِيّ بلُغَة سُوريا فمن ذلك: كِتَابُ "سِفر الأسْرَار"، ويَحْتَوِي على: بَابِ ذِكْرِ الدَّيْصَانِيين. بَابِ شَهَادَة يُسْتَاسْف على الحَبِيب، بَابِ شَهَادَة على نَفْسِهِ لِيَعْقُوب. بَابِ ابن الأرْمَلَة، وهو عند مَانِيّ: المسيح المَصْلُوب الذي صَلَبَهُ (¬a) اليَهُود. بَابِ شَهَادَة عيسى على نَفْسِه في يَهُوذَا. بَابِ ابْتِدَاء شَهَادَة اليَمِين بعد غَلْبِه. بَابِ الأَرْوَاح السَّبْع. بَابِ القَوْل في الأَرْوَاحِ الأَرْبَعِ الزَّوَال. بَابِ الضِّحْكَة. بَابِ شَهَادَة آدم على عيسى. باب السقاط عن الدِّين بَابِ قَوْلِ الدَّيْصَانِيين في النَّفْسِ والجَسَد. بَابِ الرَّدِّ على الدَّيْصَانِيين في نَفْسِ الحَيَاةِ. بَابِ الخَنَادِقِ الثَّلاثَةِ. بَابِ حفظ العَالَم. بَابِ الأَيَّامِ الثَّلاثَة. بَابِ الأَنْبِيَاء. بَابِ القِيَامَة. فهذا ما يَحْتَوِي عليه "سِفْرُ الأَسْرَار". كتاب "سفر الجَبَابِرَة" ويَحْتَوِي كتابُ "فَرَائِضِ السَّمَّاعين". كِتَاب "فَرَائِض المُجْتَبَين" (¬b). "كِتَابُ الشَّابُرْقَان" (١) ويَحْتَوِي على: بَابِ انْحِلالِ السَّمَّاعين. بَابِ انْحِلالِ المُجْتَبَين. بَابِ انْحِلال الخُطَاة.

стр. 1208

(¬a) كِتَابُ "سِفْر الأحْيَاء"، ويَحْتَوي (¬b) "كِتَابُ فَرْقَمَاطْيَا" ويَحْتَوِي (¬c) (١) أَسْمَاءُ الرَّسَائِل التي لمَانِي والأئِمَّة بَعْدَه "رِسَالَةُ الأَصْلَيْن". "رِسَالَةُ الكُبَرَاء". "رِسَالَةُ الهند العَظِيمَة". "رِسَالَةُ "هيئ البِرّ". "رِسَالَةُ قَضَاءِ العَدْل". "رِسَالَةُ كَسْكَر". "رِسَالَةُ فَتَّق العَظِيمَة". "رِسَالَةُ أرمينية". "رِسَالَةُ أمُولْيَا الكَافِر". "رِسَالَةُ طَيْسَفُون في الوَرَقة". "رِسَالَةُ الكَلِمَات العَشْر". "رِسَالَةُ المُعَلِّم في الوِصالات". "رِسَالَةُ وَحْمَن في خَاتَمَ الفَمِ". "رِسَالَةُ خَبَرهَات في التَّعْزِيَّة". "رِسَالَةُ خَبَرهَات في ". "رِسَالَةُ أمْهَسم الطَّيسَفُونِيَّة". "رِسَالَةُ عنى في الفِطْر". "رسالَةُ خبرهات في ". "رِسَالَةُ طَيْسَفُون إلى السَّمَّاعين". "رِسَالَةُ فافي ". "رِسَالَةُ الهَدْي الصَّغِيرَة". "رِسَالَةُ ذَات الوَجْهَين". "رِسَالَةُ بَابِل الكَبِيرَة". "رِسَالَةُ

стр. 1209

سَيس وفَتَّق في الصُّوَر". "رِسَالَةُ الجَنَّة". "رِسَالَةُ سِيس في الزَّمَان". "رِسَالَةُ سَعْنُوس في العُشْر". "رِسَالَةُ سيس في الرُّهُون". "رِسَالَةُ التَّدْبِير". "رِسَالَةُ أبا التِّلْمِيذ". "رِسَالَةُ أثربي إلى الرُّهَا". "رِسَالَةُ أنا في الحُبّ". "رِسَالَةُ مَيْسَان في النَّهَار". "رِسَالَةُ أبَا في". "رِسَالَةُ بَحْرَابَا في الهَوْل". "رِسَالَةُ أبا في ذِكْر الطِّيب". "رِسَالَةُ عَبْد يَشوع في الهَصْبيات". "رِسَالَةُ بَحْرَابًا في الوِصَالات". "رِسَالَةُ شَائل وسُكْنَى". "رِسَالَةُ أبي في الزَّكَوَات". "رِسَالَةُ حَدَانَا في الحَمَامَة". "رِسَالَةُ أَفْقُورْيا في الزَّمَان". "رِسَالَةُ زكو في الزَّمَان". "رِسَالَةُ سُهْرَاب في العُشْر". "رِسَالَةُ الكَرْح والغُرَاب". "رِسَالَةُ سُهْرَاب في الفُرْس". "رِسَالَةُ أبي أحْيَا". "رِسَالَةُ أبي يَسَّام المُهَندِس". "رِسَالَةُ أبي أحْيَا الكَافِر". "رِسَالَةُ المَعْمُودِيَّة". "رِسَالَةُ عنى في الدَّرَاهِم". "رِسَالَةُ أَفْعَنْد في الأعْشَار الأربعة". وبعد ذلك "رِسَالَةُ أَفْعَند في السَّعْدِ الأَوَّل". "رِسَالَةُ سوفى" (¬a) في ذِكْر الوَسَائِد". "رِسَالَةُ بَرْحَيَا فِي تَدْبِيرِ الصَّدَقَة". "رِسَالَةُ السَّمَّاعين في الصَّوْمِ والتَّقْدِير" "رِسَالَةُ السَّماعِين في النَّارِ الكُبْرَى". "رِسَالَةُ الأهْوَار في ذكر الملك". "رِسَالَةُ السَّماعِين في تَعْبِير يَزْدَانُ بَخْت". "رِسَالَةُ مَيْنَق في الفَارِسِيَّة الأولى". "رِسَالَةُ مَيْنَقِ الثَّانِيَة". "رِسَالَةُ العُشْر والصَّدَقَات". "رِسَالَةُ أَرْدَشِير ومَيْنَق". "رِسَالَة سَلْم وعُنْصُرَا". "رِسَالَةُ حَطَا". "رِسَالَةُ خَبَرْهَات في الملك". "رِسَالَةُ أَبْرَاخْيَا في الأصِحَّاء والمَرْضَى". "رِسَالَةُ أَرْدَد في الدَّوَاب". "رِسَالَةُ أجا في الخفاف". "رِسَالَةُ الخلان النَّيِّرَة". "رِسَالَةُ مَانَا في التَّصْلِيب". "رِسَالَةُ مُهر السَّمَاع".

стр. 1210

"رِسَالَةُ فَيْرُوز ورَاسِين". "رِسَالَةُ عَبْدِيَال في سِفْرِ الأَسْرَار". "رِسَالَةُ سَمْعُون ورَمين". "رِسَالَةُ عَبْدَيَال في الكُسْوَة" (١). قِطْعَةٌ من أَخْبَارِ المَنَّانية وتَنَقُّلِهم في البُلْدَان وأَخْبَارِ رُؤَسَائِهِم أوَّلُ مَنْ دَخَلَ بِلادَ مَا وَرَاء النَّهْر، من غير السُّمَنِيَّة (٢)، من الأَدْيَانِ: المَنَّانِيَّة. وكان السَّبَبُ فيه، أنَّ مَاني لمَّا قَتَلَهُ كِسْرَى <بَهْرَام بن هُرْمُز> (¬a) وَصَلَبَهُ وحَرَّمَ على أَهْلِ مملكته الجَدَلَ في الدِّين، جَعَلَ يَقْتُلُ أَصْحَابَ مَاني في أَي مَوْضِعِ وَجَدَهُم. فلم يَزَالُوا يَهْرَبُون منه إلى أن عبرُوا نَهْرَ بَلْخ ودَخَلُوا في مملكة خان، فكانوا عنده. وخان بلِسَانِهم لَقَبٌ (¬b) يُلَقِّبُونَ به مُلُوكَ التُّرْك. فلمَّا نَزَلَ المَنَّانِيَّةُ بما وَرَاء النَّهْر، إِلى أَنِ انْتَشَرَ أَمْرُ الفُرس وقَوِيَ أَمْرُ العَرَب، فعَادُوا إلى هذه البِلادِ، وسِيَّما في فتنة الفُرْس. وفي أيَّام مُلُوك بني أُمَيَّة، فإِنَّ خَالِدَ بن عبد الله القَسْرِيّ كان يُعْنَى بهم، إِلَّا أَنَّ الرِّئاسة ما كانَت تُعْقَدُ إلَّا ببابل في هذه الدِّيَار، ثم يَمْضِي الرَّئيسُ إِلى حَيْثُ يَأْمَن من البِلاد. وآخر ما انْجَلوا، في أيَّام المُقْتَدِر (٣)، فإِنَّهُم لَحَقُوا بِخُرَاسَان خَوْفًا على

стр. 1211

نُفُوسِهم، ومَنْ تَبَقَّى منهم سَتَرَ أَمْرَهُ وتَنَقَّلَ في هذه البلاد. وكان اجْتَمَعَ منهم بسَمَرْقَنْد نحو خَمْس مائة رَجُل فَاشْتُهِرَ أَمْرُهُم، وأرَادَ صَاحِبُ خُرَاسَان قَتْلَهُم، فأَرْسَلَ إليه مَلِكُ الصِّين - وأَحْسَبَهُ صَاحِبَ التُّغُزْغُز (١) - يَقُولُ: إِنَّ فِي بِلادِي من المُسْلِمِين أَضْعَافَ مَنْ في بِلادِكَ من أَهْل دِينِيّ، ويَحْلِفُ له، إِنْ قَتَلَ وَاحِدًا مِنْهُم، قتَلَ الجَمَاعَةَ به، وأخْرَبَ المَسَاجِدَ، وتَرَكَ الأَرْصَادَ على المُسْلِمين في سَائِرِ البِلاد، فقَتَلَهم. فكَفَّ عنهم صَاحِبُ خُرَاسَان، وأَخَذَ منهم الجِزْيَة، وقد قَلُّوا في المَوَاضِع الإسْلاميَّة. وأَمَّا مَدِينَةُ السَّلام، فَكُنْتُ أَعْرِفُ منهم في أيَّام مُعِزِّ الدَّوْلَة نحو ثلاث مائة، وأَمَّا في وَقْتِنَا هذا فلَيْسَ بالحَضْرَةِ منهم خَمْسَةُ أنْفُس. وهؤلاء القَوْمُ يُسَمَّوْن أجَارِي، وهم برُسْتَاق سَمَرْقَند والصُّغْد وخَاصَّةً بنوجَكْث (¬a) (٢) . أسْمَاء وذِكْرُ (¬b) رُؤَسَاءِ المَنَّانِيَّة في دَوْلَةِ بني العباس، وقَبْل ذلك كان الجَعْدُ بن دِرْهَم، الذي يُنْسَبُ إليه مَرْوَانُ بن محمَّد فيُقَالُ مَرْوَانُ الجَعْدِيّ، وكان مُؤَدِّبًا له ولوَلَدِه، فأَدْخَلَهُ في الزَّنْدَقَة. وقَتَلَ الجَعْدَ هِشَامُ بن

стр. 1212

عبد الملك في خلافتِه بعد أنْ أطَالَ حَبْسَه في يَدِ خَالِد بن عبد الله القَسْرِي. فيُقَالُ إِنَّ آلَ الجَعْدِ رَفَعُوا قِصَّةً إلى هِشَامٍ يَشْكُون ضَعْفَهُم وطُولَ حَبْسِ الجعد، فقَالَ هِشَامٌ: "أَهُوَ حَيٌّ بَعْد". وكَتَبَ إلى خَالِد في قَتْلِه، فقَتَلَهُ يوم أَضْحَى وجَعَلَهُ بَدَلًا من الأضحية، بعد، بعد أنْ قَالَ ذلك على المنبر، بأَمْرِ هِشَام (١). فإنَّه كان يَرْمِي - أغني خَالِدًا - بالزَّنْدَقَة، وكانت أمُّهُ نَصْرَانِيَّة. وكان مَرْوَانُ الجَعْدِي زِندِيقًا (٢).

стр. 1213

ومن رُؤسَائِهم المُتَكَلِّمِين الذين يُظْهِرُونَ الإِسْلامَ ويُبْطِنُونَ الزَّنْدَقَة (١) < إسْحَاقُ> [بن طَالُوت. أبو شاكر ابن أخي أبي شاكر. ابن الْأَعْمَى الحرَيْزِيّ (¬b) . نُعْمَانِ <الثَّنْوِيّ. عبد الكريم>] (¬a) بن أبي العَوْجَاء. صالح بن عبد القُدُّوس (٢). ولهؤلاءِ كُتُبْ مُصَنَّفَةٌ في نُصْرَةِ الاثْنَين ومَذَاهِب أَهْلِهَا، وقد نَقَضُوا كُتُبا كثيرةً صَنَّفَها المتكلمون في ذلك (٣). ومن الشُّعَرَاء بَشَّارُ بن بُرد. إِسْحَاقُ بن خَلَف.<إبراهيم> ابن سَيَابَة. سَلْمُ الخَاسِر. علي بن الخليل. علي بن ثابت (٤).

стр. 1214

وممن تشهر أخيرًا: أبو عيسى الوَرَّاق (١). وأبو العَبَّاسِ النَّاشِئ (٢). والجيهاني، محمد بن أحمد (¬a) (٣) . ذِكْرُ مَنْ كان يُرْمَى بِالزَّنْدَقَة من الملوك والرؤساء قِيلَ إِنَّ البَرَامِكَةَ بأسْرِهَا، إِلَّا محمَّدُ بن خَالِد بن بَرْمَك، كانَت زَنَادِقَة. وقِيلَ في الفَضْلِ وأخيه الحَسَن مِثْلُ ذلك (٤). وكان محمَّد بن عُبَيْد الله - كاتِبُ المَهْدِي - زِنْدِيقًا، واعْتَرَفَ بذلك فقَتَلَهُ المَهْدِيُّ. قَرَأْتُ بخَطِّ بَعْض أَهْلِ المَذْهَبِ: أنَّ المأمونَ كان مِنْهُم، وكَذَبَ في ذلك. وقِيلَ كان محمد بن عَبْد المَلِك الزَّيَّات زِنْدِيقًا. ومِنْ رُؤَسَائِهم في المَذْهَبِ فِي الدَّوْلَةِ العَبَّاسِيَّة أبو يحيى الرئيس. أبو عليّ سَعِيد. أبو عليّ رَجَاء (¬b). يَزْدَان بُخْت، وهو الذي

стр. 1215

أحْضَرَهُ المأمون من الرَّيِّ، بعد أنْ أمَّنَه، فقَطَعَهُ المُتَّكَلِّمُون، فقال له المأمُونُ: أَسْلِم يا يَزْدَان بُخْت، فلَوْلا ما أعْطَيْنَاكَ إيَّاه من الأمان، لكان لنا ولك شَأنٌ. فقال له يَزْدَانُ بُخْت: نَصِيحَتُكَ يا أمير المؤمِنِين مَسْمُوعَةٌ وقَوْلُك مَقْبُولٌ، ولكنَّك ممن لا يُجبر النَّاسَ على تَرْكِ مَذَاهِبهم. فقال المأمُونُ: أجل. وكان أَنْزَلَهُ بِنَاحِيَة المُخَرِّم (١)، ووَكَّلَ به حَفَظَةً خَوْفًا عليه من الغَوْغَاءِ، وكان فَصِيحًا لَسِنًا (٢). ومن رُؤَسَائِهِم فِي وَقْتِنَا هَذَا انتقلت الرِّئَاسَةُ إِلى سَمَرْقَند، وصَارُوا يَعْقِدُونَها ثَمَّ بعد أَنْ كانَت لا تَتِمّ إِلَّا ببابل (٣). وصاحِبُهُم ثُمَّ فِي وَقْتِنَا هَذَا (¬a). (¬b)< الدَّيْصَانِيَّة إنما سُمِّيَ صَاحِبُهُم بابن دَيْصَان (¬c) باشم نَهْرٍ وُلِدَ عليه (٤)، وهو قَبْل مَاني.

стр. 1216

والمَذْهَبَان قَرِيبٌ بَعْضُهُما من بَعْضٍ، وإِنما بَيْنَهُما خُلْفٌ فِي اخْتِلاطِ النُّور بالظُّلْمَة. فإنَّ الدَّيْصَانِيَّة اخْتَلَفَت في ذَلِكَ في فَرْقَتَين: فِرْقَةٌ زَعَمَت أَنَّ النُّورَ خَالَطَ الظُّلْمَةَ باخْتِيَارِ مِنْه ليُصْلِحَها، فلمَّا حَصَلَ فيها ورَامَ الخُرُوجَ عنها، امْتَنَعَ ذَلِك عليه. وفِرْقَةٌ زَعَمَت أَنَّ النُّورَ أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ الظُّلْمَةَ عَنْهُ لما أَحَسَّ بِخُشُونَتِها ونَتِنِها، فَشَابَكَها بغير اخْتِيَارِه، ومِثَالُ ذَلِك أَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ عَنهِ شَيْئًا ذَا شَظَايَا مُحَدَّدَة دَخَلَت فيه، فكُلَّما دَفَعَها ازْدَادَت وُلُوجًا فيه. وزَعَمَ ابْنُ دَيْصَان، أنَّ النُّورَ جِنْسٌ وَاحِدٌ، والظُّلْمَةَ جِنْسٌ وَاحِدٌ. وزَعَمَ بَعْضُ الدَّيْصَانِيَّة أَنَّ الظُّلْمَةَ أَصْلُ النُّور، وذَكَرَ أَنَّ النُّورَ حَيٌّ حَسَّاسٌ عَالِمٌ، وأَنَّ الظُّلْمَةَ بضِدٌ ذَلِكَ، عَمِيَّة غَيْر حَاسَّة ولا عَالِمة، فتَكَارَهَا (¬a). وأَصْحَابُ ابْن دَيْصَان بنَوَاحِي البَطَائِح كانُوا قَدِيمًا، وبالصِّين وخُرَاسَان أمم منهم مُتَفَرِّقُون، لا يُعْرَفُ لهم مَجْمَعٌ ولا بَيْعَة. والمَنانِيَّةُ كَثِيرٌ جِدًّا. ولابن دَيْصَان: "كِتَابُ النُّور والظُّلْمَةَ". "كِتَابُ رُوَحَانِيَّة الحَقِّ". "كِتَابُ المتحرك والجماد". وله كُتُبْ كَثِيرَةٌ، ولرُؤَسَاءِ المَذْهَبِ في ذلك أَيْضًا كُتُب ولم تَقَعَ إِلَيْنا. المرقيونية (¬b) أَصْحَابُ مَرْقِيُون (١)، وهم قَبْلَ الدَّيْصَانِيَّة. وهم طَائِفَةٌ من النَّصَارَى أَقْرَبُ من

стр. 1217

المَنانِيَّة والدَّيْصَانِيَّة. وزَعَمَت المَرْقِيُونِيَّة أَنَّ الأَصْلَينُ القَدِيمين: النُّورِ والظُّلْمَةِ، وأَنَّ هَاهُنَا كَوْنًا ثَالِثًّا مَزَجَهما وخَالَطَهما (¬a). وقالت بتنزيه الله عن الشُّرُور، وأَنَّ خَلْقَ جَمِيع الأشْيَاء كُلَّها لا يَخْلُو من ضَرَرٍ وهو يَجِلُّ عن ذلك. واخْتَلَفُوا في الكَوْنِ الثَّالِثِ، ما هو؟ فقالت منهم طَائِفَةٌ: هو الحَيَاةُ وهو عِيسَى. وزَعَمَت طَائِفَةٌ أَنَّ عِيسَى رَسُولُ ذَلِك الكَوْنِ الثَّالِث، وهو الصَّانِعُ للأشْيَاء بِأَمْرِهِ وقُدْرَتِه. إِلَّا أَنَّهُم أَجْمَعُوا على أنَّ العَالَمَ مُحْدَثٌ، وأنَّ الصَّنْعَةَ بَيِّنَةٌ فيه، ولا يَشكون في ذَلِك. وزَعَمَت أَنَّ مَنْ جَانَبَ الزُّهُومَات والمُسْكِر وصَلَّى اللَّه دَهْرَهُ وصَامَ أَبَدًا، أَفْلَتَ من حَبَائِل الشَّيْطَان. والحِكَايَاتُ عنه مُخْتَلِفَةٌ كَثِيرَةُ الاضْطِرَاب. وللمَرْقِيونية كِتَابٌ يَخْتَصُّونَ به يَكْتُبُون به دِيَانَتَهُم. ولَمَرْقِيُون> (¬b) كِتَابُ إِنْجِيلِ،. سَمَّاهُ. ولأصْحَابه عِدَّةُ كُتب غير مَوْجُودَةٍ إِلَّا حَيْثُ يَعْلَمُ الله، وهم يَتَسَتَّرُون بالنَّصْرَانِيَّة، وهم بخُرَاسَان كَثِيرٌ، وأَمْرُهُم ظَاهِرٌ كظُهور أمر المنانِيَّة. الماهَانِيَّة طَائِفَةٌ من المَرْقِيونِيَّة، يُخَالِفُونَهم في شيءٍ ويُوَافِقُونَهُم في شيءٍ، فهم يُوَافِقُون

стр. 1218

المرقيونية في جميع الأحوال إلَّا في النِّكاح والذَّبَائِح. ويَرْعُمُون أن المعدل بين النُّور والظُّلْمَةِ هو المسيح، ولا يُعْرَفُ من أَمْرِهِم غير هَذَا (١). < المَقَالَةُ> الجَنْجِيِّين هؤلاء أصْحَابُ جَنْجِي الجَوْحَانِي (٢). وكان هذا الرَّجُل يَعْبُدُ الأَصْنَامَ، ويَضْرِبُ بالزَّنْجليج في بَيْتِ الوَثَن. فتَرَكَ ذلك المَذْهَب وعَدَلَ إِلَى مَذْهَبِ ابْتَدَعَه. وزَعَم أَنَّ هاهنا شيئًا كان قَبْلَ النُّور والظُّلْمَة. وأنَّه كان في الظُّلْمَة صُوَرَتان: ذَكَرٌ وأَنْثَى. قال: فكان مع زَوْجَتِهِ في الظُّلْمَة. قال: فظَهَرَ للأُنْثَى نُورٌ وسَرَقَ قَليلا من النُّور، عَالم الأَحْيَاء فَتَحَرَّكَت كالدُّودَة، وارْتَفَعَت، فقبلها النُّورُ وَالْبَسَهَا شَيْئًا من نُورِه، ثم إِنَّهَا فَارَقَتْهُ وسَرَقَت منه نُورًا ورَجَعَتْ إِلى مَوْضِعها، فَخَلَقَت النور الذي سَرَقَت، من الذي ألْبَسَها النُّور، السَّمَاءَ والجمال والأرْضَ وسائر الأشياء. ويَزْعُمُون أَنَّ النَّارَ هي مَلِكَة العَالَم، وأشْيَاء نَسْتَغْفِرُ الله من ذِكْرِهَا. ولا نَعْرِفُ لهم كتابا. مَقَالَةُ خِسْرُو الْأَرْزُومَقَان هذا أيضًا من جُوخَى (٣)، من قَرْيَة على النَّهْرَوَان، وكان أَصْحَابُه يَتَفَاخَرُون باللِّباس والزِّيِّ، وكان يأمُرُهُم بذلك. ويَزْعُم أَنَّ النُّورَ كان حَيًّا لم يَزَل، وأَنَّه كان نَائِمًا فَغَشِيَتْهُ الظُّلْمَةُ وأَخَذَت منه نُورًا، وعَادَت إلى مَوْضِعِها. فَأَرْسَلَ إليها بِإِله خَلَقَه وسَمَّاه ابن الأحياء، وقال: "امض وائْتِني بما أَخَذَت الظُّلْمَةُ مِنِّي من النُّور،

стр. 1219

فلمَّا صَارَ ابْنُ الأَحْيَاء إلى الظُّلْمَة أَصَابَها قد تَحَاكَت، فحَدَثَ منها بقُوَّةِ النُّور الذي حَصَلَ فيها، كَوْنَان: ذَكَرٌ وأَنْثَى، فمَضَى وعَادَ إلى النُّور وإلى مَعْدِن الحَيَاةِ والنفوس، فأخَذَ منها وألْبَسَهَا ذلك المَوْلُودِين. وأنَّه يَذْكُر أَنَّ الماء، الذي هو صَبَابَةُ الاحْتِكَاك، خُلِقَ منه السَّمَوَاتُ والأَرَضُون وما فيها من النجوم والمياه والجبال. وكان يَطْعَنُ على عِيسَى ويُعَجِّزَه، ويَكْتُم مَذْهَبَه ولا يُذيعُه، ولا كِتَابَ له. والذي يُحْفَظُ من كَلامِه وكلام أصْحَابه: "نحن الَّذِينَ حَفَرْنَا السَّرْبَ في العالم، فسَرَقْنَا من الدُّنْيا المالَ العَظِيم، فعُمْنَا، فَذَهَبْنَا إِلَى النَّهْرِ. فَذَهَبْنَا بِهِن سُودًا وأتَيْنَا بهن بيضا، ورَدَدْنَاهُن مُشْرِقَات مُضِيئَات". هذا الكلامُ يُغَنُّون به مُلَحَّنًا مَوْزُونًا. ويُشْبِه مَذْهَبُهم في هذا مَذَاهِب الخُرَّمِيَّة. < مَقَالَةُ> الدَّشْتِيّين يَزْعُمُون أَنَّه لم يكن غير الظُّلْمَة فَقَط، وكان في جَوْفِها الماء، وفي جَوْفِ الماء الريح، وفي الرِّيح الرَّحِم، وفي الرَّحِم المَشِيمَة، وفي المَشِيمَة البَيْضَة، وفي البَيْضَةِ المَاءُ الحَيّ، وفي المَاءِ الحَيّ ابن الأحْيَاء العَظِيم. وارْتَفَعَ إِلى العُلُوِّ، فَخَلَقَ البريات والأشياء والسَّمَوَات والأرْضَ والآلهة. قالوا: وأبوه الظُّلْمَةِ لا يَعْلَم، ثم عاد. < مَقَالَةُ> المُهَاجِرِين هؤلاء يَقُولُون بالمَعْمُودِيَّة والقرابين والهَدَايَا ولهم أَعْيَادٌ. ويَذْبَحُون في بيعهم البَقَرَ والغَنَمَ والخَنَازِيرَ، ولا يَمْنَعُون نِسَاءَهُم من أَئِمَّتِهم، ويُبيحُون الزِّنَى.

стр. 1220

< مَقَالَةُ> الكَشْطِيِّين يَقُولُون بالذبائح والشَّهْوَة والحرص والمُفَاخَرَة. ويَقُولُونَ إِنَّه كان قَبْل كل شيء، الحَيُّ العظيم، فَخَلَقَ مِنْ نَفْسِهِ ابْنَا وسَمَّاهُ نَجم الضّياء، ويُسَمُّونَه الحَيّ الثَّاني. ويَقُولُون بالقُرْبَان والهَدَايَا والأشْيَاء الحَسَنَة. المُغْتَسِلة هَؤُلاء القَوْمُ كَثِيرُون بنَوَاحِي البطائح، وهم صَابِئَةُ البَطَائِح، يَقُولُون بالاغتسال، ويَغْسِلُون جَمِيعَ ما يأْكُلُونَه (١). ورَئيسُهُم يُعْرَفُ بالحسج. وهو الذي شَرَعَ المَلَّة، ويَزْعُم أَنَّ الكَوْنَين ذَكَرٌ وأنْثَى، وأنَّ البُقُولَ من شَعْرِ الذَّكَر، وأَنَّ الأكْشُوث من شعر الأنْثَى، وأنَّ الأَشْجَارَ عُرُوقَه. ولهم أقاوِيلُ شَنِيَعَة تَجْرِي مَجْرَى الخرافة، وكان تلميذُه يُقالُ له شَمْعُون. وكانوا يُوَافِقُون المانَوِيَّة في الأَصْلَين، وتَفْتَرِقُ مِلَّتُهُم بَعْد، وفيهم من يُعَظِّم النُّجُوم إلى وَقْتِنا هذا. حِكَايَةٌ أُخْرَى فِي أَمْرِ صَابِئَةِ البَطَائِح هؤلاء القَوْمُ على مَذْهَب النَّبْط القَدِيم، يُعَظِّمُونَ النُّجُومَ، ولهم أمْثَلَةٌ وأَصْنَامٌ. وهم عَامَّةُ الصَّابِئَة المَعْرُوفِين بالحَرْنَانِيين. وقد قيل إِنَّهُم غَيْرهم جُمْلَةً وتَفْصِيلًا. مَقَالَةُ أَي وَعَمَلِكُمَا هؤلاء يَزْعُمُون أَنَّ الأَكْوَانَ أَرْبَعَةٌ لا يُشْبِه بَعْضُها بَعْضًا. يُسَمُّونَ الأَوَّلَ: حُوسْطَف العظيم. ويُسَمُّونَ الثَّاني: رويمان. ويُسَمُّون الثَّالِث: وَرْدود الحَيَّة الأُنْثَى. ويُسَمُّون الرَّابع: الأَسْمَايِحِين. ويَزْعُمُون أنَّ هذه الأَشْيَاء قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ كَانَ

стр. 1221

في العالم، من الأَرْضِ والسَّمَاء وغَيْرِهِما. وأنَّ هذه الأكوان الثَّلاثَةِ، دَعَت حُوسْطَف إلى أنْ تَجْعَلَهُ رَئيسها، ثم اخْتَلَفَت بَعْد، فحَدَث من اخْتِلافِها، الشُّرُورُ والآثَامُ. مَقَالَةُ الشِّيلِيِّين كان شيلي من المُغْتَسِلة، إلَّا أنَّه كان يُخَالِفُها، وكان يَلْبَسُ الحَسَن ويأكُلُ الطَّيِّبَ. وكان يميل إلى مَذْهَبِ اليَهُودِ ويَأْخُذُ به. مَقَالَةُ الخَوْلانِيين هؤلاء أصْحَابُ مُلَيْح الخولاني، وكان تَلْمِيذَ بَابَك بن بَهْرَام. وكان بَابَكُ تِلْمِيذَ شِيلي وكان يُوَافِقُ شِيلي، ويَقِف عَنِ اليَهُود. <مَقَالَةُ> [الماريين والدَّشْتِيين وصَاحِبُهُم مَارِي الأسقف. ويَرَوْن مَذَاهِبَ الثَّنَوِيَّة، ولا يُحَرَّمُونَ الذَّبَائِح. وكان دَشتي من أَصْحَابِ مَارِي، ثم خَالَفَهُ. < مَقَالَةُ>] (¬a) أَهْلِ خِيفَة السَّمَاء صَاحِبُهُم أريدي. وكان يَنْزِلُ طَيْسَفُون وبَهُرَسِير (١)، وكان رَجُلًا مُوسِرًا،

стр. 1222

فخَدَعَ رَجُلًا يَهُودِيًا فَكَتَبَ له كُتُبَ الأنْبِيَاء والحُكَمَاء، واخْتَرَعَ لنَفْسِهِ مِلَّةً ودَعَا النَّاسَ إليها. وبنَوَاحِي طَيْسَفُونَ قَوْمٌ على مَذْهَبِه. < مَقَالَةُ> (¬a) الأسُورِيين وصَاحِبُهُم ورَئيسُهُم يُقَالُ له بِرْسَقْطِيري بن اسُوري. يَبْتَغُونَ الأَمْوَالَ والمَكَاسِب، ويُوَافِقُونَ اليَهُودَ في شَيْءٍ ويُخَالِفُونَهُم في شَيءٍ، ويُظْهِرُونَ مِلَّةَ عِيسَى. مَقَالَةُ الأورْدُجِيين هؤلاء القَوْمُ يُعَظِّمُون البَحْرَ، ويَقُولُون إنَّه هو القَدِيمُ الذي قَبْلَ كُلِّ شَيءٍ، وإنَّه لمَّا خَبَّ، أَظْهَرَت رِيحُهُ زَبَدَهُ، فلمَّا رَأَتْهُ الرِّيحُ صَنَعَت منه مَسْكَنا وسَكَنَتْه، وبَاضَت سَبْعَ بَيْضَات. قال: فكان من تلك البَيْضَات السَّبْع، آلِهَةٌ سَبْع، ويُسَمُّونَ أَحَدَ الآلِهَة، النُّشَّابَة، لأنه زَعَمُوا: غاص في البَحْر، ثم خَرَجَ بسُرْعَة كما تَخْرُج النُّشَّابة. وقال: إِنَّه خَلَقَ كَوْثَرًا ويُعْرَفُ بالثَّلّ. وأَجْرَى في ذلك الثَّلّ نَهْرًا يُسَمّى الفُرَات العَظِيم، ثم غَرَسَ على ذَلِك الثَّلَّ سِدْرَة. قالُوا: وكان من البَيْضَات السَّبع، من إحْداها النُّشَّابَة، ومن الأخرى. المِرْيَاس السَّلِس، ومن الثَّالِثَة. اسروا. ومن الرَّابِعَة الثاح. ومن الخَامِسَة سَيِّدَة العَالَم. ومن السَّادِسَة الفتى. ومن السَّابِعَة اللَّيْل والنَّهَار. قال: فنزل الثَّاحُ على المِرْيَاس، وأَجْلَسَهُ، ثم أَنْشَأَ جَمِيعَ العَالَم بما فيه من تلك الأَشْيَاء.

стр. 1223

وهؤلاء القَوْمُ يُعَظِّمُون البَحْرَ ويَقُولُون إنَّه الإله العَظِيم. ويُقَالُ إِنَّ منهم بنَوَاحِي السَّوَاحِل أُمَمًا كَثِيرَةً، ولم نَرَ منهم أحَدًا. ولهم أقاوِيلُ طَرِيفَة تَجْرِي مَجْرى الخُرَافَة، تَرَكْنَا ذِكْرَها لئلا يَطُولَ الكِتَابُ بها. أسْمَاءُ الفِرَقِ التي كانت بين عِيسَى، ﵇ ومحمَّد النَّبِيّ ﷺ - (¬a) قال محمد بن إِسْحَاق: ذَكَر القَحْطَبِيّ في "الرَّدِّ على النَّصَارَى" (١) هذه الفِرَق (٢): المَلكِيَّة - النَّسْطُورِيَّة - اليَعْقُوبيَّة - الصَّامِيَّة - الكَتْثَانِيَّة - البَهَائِيَّة الأَلْبَانِيَّة - المارُونِيَّة - السَّالِيَّة - الأَرْيُوسِيَّة - المَنَّانِيَّة - الدَّيْصَانِيَّة المَرْقِيونِيَّة - الأجْرَعَانِيَّة - المَقْدَامُوسِيَّة - المَاقَادُونِيَّة - البمباوسيه - الغُولِيَّة البُولِيَّة - الوَطَاحْرِيَّة - الهِلانِيَّة - الماكولية - البولعانية المحرانية - السُّورْوانِيَّة - السَّاوَرْمِيَّة - العلانشِيَّة - الأَفْخَارِيَّة - اليُونَانِيَّة الحَاوْحِشِّيَّة - الأُنْسِيَّة - الكَوَارْكية - التَّعالِيَّة - الرَّدَوِيَّة - العَوْلِيَّة الاطمرسونية - اللَّوْعَانِية - القِيَراطسِيَّة - السَّمْعَانِيَّة - الابرنيه - الأَرْطِمَاسِيَّة السَّابَانْسِيَّة - النَّاوَبَطْسَة - الإسْحَاقِيَّة - اليَمَانِيَّة - المارُونِيَّة - المُولْيَانِيَّة الأفُولْنارَسْطيه - الأوطَاخِيَّة - البوالنظرية - النَّقَالوسِيَّة - المَرْمَسِيَّة - الملمورية

стр. 1224

الباقوريَّة - الأدمِيَّة - النَّفْسطُونِيَّة - العَنْزُونِيَّة - النَّفْسَانِيَّة - الحسبية - الدِّيقْطانِيَّة. مَذَاهِبُ الخُرَّمِيَّة والمَزْدَكِيَّة (١) قال محمد بن إسْحَاق: الخُرَّمِيَّة صِنْفَان (¬a): الخُرَّمِيَّةُ الأَوَّلِين ويُسَمَّوْن المُحَمِّرَة. وهم بنواحي الجبال، فيما بين أذربيجان وأرْمِينِيَّة وبلادِ الدَّيْلم وهَمَدَان ودِينَوَر، مُنْتَشِرُون. وفيما بين أصْبَهَان وبلادِ الأهْوَاز وهؤلاء أهل مَجُوس في الأصل، ثم حَدَثَ مَذْهَبُهُم. وهم مِمَّن يَعْرِفُ اللُّقَطَة، وصَاحِبُهم مَزْدَكَ القَديم

стр. 1225

أمَرَهُم بتَنَاوُل اللَّذَّات، والانْعِكاف على بُلُوغِ الشَّهَوَات، والأكْل والشُّرْب، والمُوَاسَاة والاخْتِلاط، وتَرْكِ الاسْتِبْدَاد بَعْضُهم على بَعْض. ولهم مُشَارَكَةٌ في الحُرَم والأهْلِ، لا يَمتَنِعُ الوَاحِدُ منهم من حُرْمَة الآخر ولا يَمْنَعه. ومع هذه الحَال، فيَرَوْن أَفْعَالَ الخَيْرِ، وتَرْكَ القَتْلِ وإِدْخَالِ الآلام على النُّفُوس. ولهم مَذْهَبٌ في الضِّيافات ليس هو لأحَدٍ من الأمَم: إذا أضَافُوا الإِنْسَانَ لم يَمْنَعُوه من شيءٍ يَلْتَمِسُه كائنا ما كان (١). وعلى هذا المَذْهَب، مَزْدَك الأخير: الذي ظَهَرَ في أَيَّامٍ قُبَاد بن فَيْرُوز، وقَتَلَه أَنُوشُرْوَان وقَتَلَ أَصْحَابَه. وخَبَرُه مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ (٢). وقد اسْتَقْصَى البَلْخِيُّ أَخْبَارَ الخُرَّمِيَّة ومَذَاهِبَهُم وأَفْعَالَهُم فِي شُرْبِهِم وَلَذَّاتِهِم وعِبَادَاتِهم، في كتاب "عُيُون المَسَائِل والجَوَابَات" (٣)، ولا حَاجَة بنا إلى ذِكْرِ ما قد سَبَقَنَا إليه غَيْرُنا. أخْبَارُ الخَرَّمِيَّة البابَكِيَّة فأَما الخُرَّمِيَّةُ البابَكِيَّةُ، فإِنَّ صَاحِبَهُم بابَكَ الخُرَّميّ (٤). وكان يَقُولُ لمن اسْتَغْوَاهُ،

стр. 1226

إنَّه إلَهٌ، وأحْدَثَ في مَذَاهِب الخُرَّمِيَّة القَتْلَ والغَصْبَ والحُرُوبَ والمُثْلَةَ. ولم تَكُن الخُرَّمِيَّةُ تَعْرِفُ ذلك. السَّبَبُ في بَدْءِ أَمْرِه وخُرُوجِه وحُرُوبِه ومَقْتَلِه قال وَاقِدُ بن عَمْرو التَّمِيمِيّ (١) وعَمِلَ "أَخْبَار بَابَك". قال: وكان أبُوهُ رَجُلًا من أهْل المَدَائِن دَهَّانًا، نَزَعَ إِلى ثَغْرِ أَذَرْبَيْجَان فَسَكَنَ قَرْيَةً تُدْعَى بِلال أَبَاذ مِن رُسْتَاقِ مِيمَذ (٢). وكان يَحْمِل دُهْنَه في وِعَاءٍ على ظَهْرِه، ويَطُوفُ فِي قُرَى الرُّسْتَاق، فهَوَى امْرَأَةً عَوْرَاء وهي أمّ بَابَك، وكان يَفْجُرُ بها بُرْهَةً من دَهْرِه. فبَيْنا هي وهو مُنْتَبِذان عن القَرْيَة مُتَوَحِّدَان في غَيْضَةٍ ومَعَهُم شَرَابٌ يَعْتَكِفان عليه، إِذْ خَرَجَ من القَرْيَة نِسْوَةٌ يَسْقين الماءَ من عَيْنٍ في الغَيْضَة. فَسَمِعْن صَوْتًا نَبَطيًا يُتَرنَّم به، فقَصَدْنَ إليه فهَجَمْن عليهما، فهَرَبَ عبدُ الله، وأخَذْن بِشَعْرِ أمّ بَابَك وجِئْنَ بها إلى القَرْيَة وفَضَحْنَهَا فيها. قال وَاقِدٌ: ثم إنَّ ذلك الدَّهَّانَ رَغِبَ إلى أبيها فزَوَّجَهُ منها فأَوْلَدَها بَابَكًا. ثم خَرَجَ في بَعْض سَفَراتِه إلى جَبَلِ سَبْلان، واعْتَرَضَه مَنْ اسْتَقْفَاهُ وجَرَحَهُ فقَتَلَهُ، فماتَ بَعْدَ مُدَيْدَةٍ. وأَقْبَلَتَ أَمُّ بَابَك تُرْضِعُ للنَّاس بأجْرَةٍ، إلى أنْ صَارَ لبَابَك عَشْرُ سِنِين، فيُقَالُ إِنَّهَا خَرَجَت في يوم من الأيَّام

стр. 1227

تَلْتَمِسُ بَابَكَ، وكان يَرْعَى بَقْرًا لَّقَوْمٍ، فَوَجَدْتُه تحت شَجَرَةٍ قَائِلًا وهو عُرْيَانٌ، وأَنَّها رَأتْ تحت كلِّ شَعْرَةٍ من بَدَنِه ورَأْسِه دَمًا، فانْتَبَه من نَوْمِه فَاسْتَوى قَائِمًا، وحَالَ ما رَأت من الدَّم فلم تَجِدْه، قَالَت: "فعَلِمْتُ أَنَّه سيكُونُ لابْنِي نَبَأٌ جَلِيل". قال وَاقِدٌ: وكان أيْضًا بَابَك مع الشِّبْل ابن المنفي الْأَزْدِيّ برُسْتَاقِ سَرَاة، يَعْمَل في سِيَاسَة دَوَابِّه، وتَعَلَّم ضَرْبَ الطُّنْبُور من غِلْمَانِه. ثم صَارَ إِلى تِبْرِيز من عَمَلِ أذَرْبَيْجَان، فاشْتَغَلَ مع محمَّد بن الرَّوَّاد الأزْدِيّ نحو سنتين، ثم رَجَعَ إلى أمِّه وله ثمان عَشْرَة سَنَة فَأَقَامَ عنده. قال وَاقِدُ بن عَمْرو: وكان بجَبَلِ البَذِّ (١) وما يليه من جِبالِه، رَجُلان من العُلُوجِ مُتَخَرِّمِين ولهما جِدَةٌ وثَرْوَة، وكانا مُتَشَاجِرَيْن في التَّمَلُّك على مَنْ بِجِبَالِ البَذّ من الخُرَّمِيَّة ليَتَوَحَّد أحَدُهُما بالرِّئَاسَة، يُقَالُ لأَحَدِهما: جَاوِيدَان بن سَهْرك، والآخَر غَلَبَت عليه الكُنْيَة، يُعْرَفُ بأبي عِمْرَان. وكانت تَقُومُ بينهما الحَرْبُ في الصَّيْف، وتَحُولُ بينهما الثُّلُوجُ في الشِّتَاء لانْسِدَاد العقاب. فإِنَّ جَاوِيدان - وهو أستاذ بَابَك - خَرَجَ من مَدِينَتِه بألْفَي شَاةٍ، يُرِيدُ بها مَدِينَة زَنْجَان من مَدَائِن تُغُورٍ قَزْوِينِ، فَدَخَلَها وبَاعَ غَنَمَه وانْصَرَفَ إِلى جَبَلِ البَذِّ، فَأَدْرَكَهُ الثَّلْجُ واللَّيْلُ برُسْتَاق مِيمَذ، فَعَاجَ إلى قَرْيَةِ بِلال أَبَادَ فَسَأَلَ جَزِيرَهَا إِنْزَالَه. فمَضَى به بالاسْتِخْفَافُ منه بجَاوِيدَان، فَأَنْزَلَهُ على أمِّ بَابَك وما تَسْتَبِيتُ من ضَنْكٍ وعَدَمٍ. فقَامَتْ إلى نَارٍ فَأَجَّجَتْها، ولم تَقْدِر على غَيْرِهَا. وقَامَ بَابَكُ إِلى غِلْمَانِهِ ودَوَابِّه، فَخَدَمَهُم وأَسْقَى لهم المَاء. وبَعَثَ به جَاوِيدَان، فابْتَاعَ له طَعَامًا وشَرَابًا وعَلَفًا وأتَاهُ به، وخَاطَبَهُ ونَاطَقَهُ فَوَجَدَهُ، على رَدَاءَةِ حَالِهِ وتَعَقُّدِ لِسَانِه بالأَعْجَمِيَّة، فَهِمًا ورَآهُ خَبِيئًا شَهْمًا، فقال لأمِّه: أَيَّتُها المرأة أنَا رَجُلٌ من جَبَلِ البَذَّ، ولي بها حَالٌ ويَسَارٌ، وأَنَا مُحْتَاجُ إلى ابْنِكِ هذا

стр. 1228

فادْفَعِيه إليَّ لأمْضِي به مَعِي، فأوكِلُهُ بضِيَاعِي وأَمْوَالي، وأبْعَثُ بِأَجْرَتِه إِلَيْكَ في كلَّ شَهْرٍ خَمْسين دِرْهَمًا. فقَالَت له: إِنَّكَ لشَبيه بالخَيْر، وإِنَّ آثَارَ السَّعَةِ عليك ظَاهِرَة، وقد سَكَنَ قَلْبِي إِلَيْكَ، فَأَنْهِضْهُ مَعَكَ إذا نَهَضْتَ. ثم إِنَّ أَبَا عِمْرَان نَهَضَ من جَبَلِه إلى جَاوِيدَان، فحَارَبَه فَهُزِمَ، فقَتَلَ جَاوِيدَان أبا عِمْرَان ورَجَعَ إِلى جَبَلِه، وبه طَعْنَةٌ أَجَافَتْه، فأَقَامَ في مَنْزِلِه ثَلاثَةَ أَيَّام ثم مَاتَ. وكانت امْرَأَةُ جَاوِيدَان تَتَعَشَّقُ بَابَكَ وكان يَفْجُرُ بها، فلمَّا مَاتَ جَاوِيدَان، قالَت له: إِنَّكَ جَلْدٌ شَهْمٌ، وقد مَاتَ، ولم أرْفَع بذلك صَوْتي إلى أحَدٍ من أصْحَابِه، فتَهَيَّأ لغَدٍ، فإِني جَامِعَتُهُم إِلَيْك ومُعْلِمَتُهم أَنَّ جَاوِيدَان قال: إِنِّي أُرِيدُ أنْ أمُوتَ في هذه اللَّيْلَة، وإِنَّ رُوحِي تَخْرُجُ مِن بَدَنِي وتَدْخُلُ في بَدَنِ بَابَك وتَشْتَرِكُ مع رُوحِه، وإنَّه سَيَبْلُغُ بنَفْسِه وبكم أمْرًا لم يَبْلُغُهُ أَحَدٌ ولا يَبْلُغُه بَعْدَهُ أَحَدٌ، وإنَّه يَمْلِكُ الأَرْضَ ويَقْتُلُ الجَبَابِرَةَ ويَرُدّ المَزدَكِيَّة ويَعزُّ بِه ذَلِيلُكُم ويُرْفَعُ بِه وَضِيعُكُم. فطَمِعَ بَابَكُ فيما قالت له واسْتَبْشَرَ به وتَهَيَّأ له. فلمَّا أَصْبَحَت، تَجَمَّع إليها جَيْشُ جَاوِيدَان، فقالوا: كَيْفَ لم يَدْع بنا ويُوصِي إلَيْنَا. قالت: ما مَنَعَهُ من ذَلِك إِلَّا أَنَّكم كُنْتُم مُتَفَرِّقِين في مَنَازِلكم من القُرَى وأَنَّه إِنْ بَعَثَ وجَمَعَكُم انْتَشَرَ خَبَرُهُ، فلم يَأْمَنْ عَلَيْكُم شَرَّة العَرَب، فعَهِدَ إِليَّ بما أنَا أؤَدِّيه إِلَيْكُم إِنْ قَبِلْتُمُوه وعَمِلْتُم به. فقالوا لها: قُولي ما عَهِدَ إِلَيْكَ، فَإِنَّه لم تَكُن مَعَنَا مُخَالَفَةٌ لأَمْرِه أَيَّامَ حَيَاتِه ولَيْسَ مَعَنَا مُخَالَفَةٌ له بعد مَوْتِه. قالت، قال لي: إِنِّي أمُوتُ في لَيْلَتي هذه وإِنَّ رُوحِي تَخْرُجُ من جَسَدِي وتَدْخُلُ بَدَنَ هذا الغُلام خَادِمِي، وقد رَأَيْتُ أَنْ أُمَلِّكه على أَصْحَابي، فإذا مِتُّ فأعْلِميهِم ذلك، وأنَّه لا دِينَ لَمَنْ خَالَفَنِي فيه واخْتَارَ لنَفْسِه خِلَافَ اخْتِيَاري. قالوا: قد قَبِلْنَا عَهْدَهُ إِلَيْكِ في هذا الغُلام. فدَعَت ببَقَرَةٍ فأَمَرَت بِقَتْلِهَا وسَلْخِهَا وبَسْطِ جِلْدِهَا، وصَيَّرَت على الجِلْدَ طِسْتًا مَمُلؤًا خَمْرًا، وكَسَرَت فيه خُبْرًا فَصَيَّرَتُه حَوَالي الطِّسْت، ثم دَعَت برَجُلٍ رَجُلٍ، فقالت: طَأ الجِلْدَ برِجْلِك وخُذْ كَسْرَةً واغْمِسْهَا فِي الخَمْر وكُلْها،

стр. 1229

وقُلْ: "آمَنْتُ بِكِ يا رُوحِ بَابَك، كما آمَنْتُ برُوح جَاوِيدَان"، ثم خُذْ بِيَدِ بَابَك فكَفِّر عَلَيْها وقَبْلُها. ففَعَلُوا ذلك إلى وَقْتِ ما تَهَيَّأ لها فيه طَعَامٌ، ثم أَحْضَرَتْهُم الطَّعَامَ والشَّرَاب، وأَقْعَدَتْهُ على فِرَاشِها وقَعَدَت مَعَه ظَاهِرَةً لهم. فلمَّا شَرِبُوا ثَلاثًا ثَلاثًا، أَخَذَت طَاقَةَ رَيْحَانٍ فَدَفَعَتْها إلى بَابَك فتَنَاوَلَها من يَدِهَا، وذَلِك تَزْوِيجُهم. فنَهَضُوا فَكَفَّرُوا لهما رِضًا بالتَّزْوِيج، والمُسَلِّمُون غَرِيبُهُم ومَوَالِيهم (¬a) . المَذَاهِبُ التي حَدَثَت بخُرَاسَان في الإِسْلام من مَذَاهِب المَجُوس والخُرَّمِيَّة ظَهَرَ في صَدْرِ الدَّوْلَة العَبَّاسِيَّة، وقَبْلَ ظُهُورِ أبي العباس "السَّفَّاح"، رَجُلٌ يُقَالُ له بِهَا فْرِيد من قَرْيَةٍ يُقَالُ لها رُوي من أبَرْشَهْرٍ، مَجُوسِيّ يُصَلِّي الصَّلَوَات الْخَمْس بِلا سجُود مُتَيَاسِر عن القِبْلَة. وتَكَهَّنَ ودَعَا المَجُوسَ إِلى مَذْهَبِهِ، فَاسْتَجَابَ له خَلْق كَثِيرٌ. فَوَجَّه إليه أبو مُسْلم <الخُرَاسَاني> شَبِيبَ بن دَاحٍ وعبدَ الله بن سَعِيد فعَرَضَا عليه الإِسْلَامَ وأَسْلَمَ وسَوَّدَ، ثم لم يُقْبَل إسْلامُه لتَكَهنه فقُتِلَ. وعلى مَذْهَبِه بخُرَاسَان جَمَاعَةٌ إلى هذا الوَقْت. (١)

стр. 1230

هذا ذَكَرَهُ إِبْرَاهِيمُ بن العَبَّاس الصُّولِيّ في "كِتَاب الدَّوْلَة العَبَّاسِيَّة" (١). والله أعْلَمُ بالصَّوَاب. المُسْلِمِيَّة ومن الاعْتِقَادَاتِ التي حَدَثَت بخُرَاسَان بعد الإسْلام: المُسْلِمِيَّة أَصْحَابُ أبي مُسْلِم <الخُرَاسَانِيّ>، يَعْتَقِدُونَ إمَامَتَه ويَقُولُونَ إِنَّه حيٌّ يُرْزَق. وكان المَنْصُورُ لما قَتَلَ أبا مُسْلِمٍ، هَرَبَ دُعَاتُه وأَصْحَابُه المتُحَقِّقُون به إلى نَوَاحِي البِلاد. فَوَقَعَ رَجُلٌ يُعْرَفُ بإسْحَاق إلى التُّرْك، إلى بِلادِ مَا وَرَاء النَّهْر وأقام بها دَاعِيَةٌ لأبي مُسْلِم، وادَّعَى أَنَّ أبا مُسْلِم مَحْبُوسٌ في جِبَالِ الرَّيَّ. وعندهم، أنَّه يَخْرُجُ فِي وَقْتٍ يَعْرِفُونَه، كما يَزْعُم الكَيْسَانِيَّة في محمد بن الحنفية (٢). قال حَاكي هذا الخَبَر: وسَأَلْتُ جَمَاعَةً لِمَ سُمِّي إسْحَاقُ بالتُّرْك؟ فقالوا: لأنَّه دَخَلَ إلى بِلادِ التُّرْك يَدْعُوهُم بِرِسَالَةِ أَبي مُسْلِم. وذَكَرَ قومٌ أنَّ إسْحَاقَ من العَلَوِيَّة، وإنَّما تَسَتَّر بهذا المذهَب عِنْدَهُم، وهو من وَلَدِ يحيى بن زَيْد بن عليّ. وقال: إنَّه خَرَجَ هَارِبًا من بني أُمَيَّة يَجُولُ بِلادَ التُّرْكِ. وقال صَاحِبُ كِتَابِ "أَخْبَار مَا وَرَاء النَّهْر من خُرَاسَان": حَدَّثَنِي إِبْراهِيمُ بن محمَّد - وكان عالِمًا بأمُورِ المُسْلِمِيَّة - أنَّ إِسْحَاقَ إِنَّما كان رَجُلًا من أهْلِ ما وَرَاء النَّهْر، وكان أُمِّيًا، وكان له تَابِعَةٌ من الجنّ، فكان إذا سُئِلَ عن شيءٍ أَجَابَ بعد لَيْلَةٍ. فلمَّا كان من أبي مُسْلِم ما كان، دَعَا النَّاسَ إِليه وزَعَم أنَّه نَبِيٌّ أَنْفَذَهُ زَرَادَشْت، وادَّعَى أَنَّ زَرَادَشْت حيٌّ لم يَمُت. وأَصْحَابُه يَعْتَقِدون أنَّه حَيٌّ لا يَمُوت، وأنَّه يَخْرُجُ حتى يُقِيمَ هذا الدِّينَ لهم، وهذا من أسْرَارِ المُسْلِمِيَّة.
следующие страницы →