← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14561

نتاج الفكر في أحكام الذكر

عبد الله بن مانع الروقي

Полный текст (344 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الحكم الثاني عشر الدعاء أثناء العبادة أفضل وأقرب للإجابة؛ لأنه يجتمع فيه دعاء المسألة ودعاء العبادة، أيضًا لأنه في حال إقبال على الله، ومناجاة له، ولذا شرع لنا الدعاء في الصلاة والذكر بعده، وفي الحديث: «ثلاثة لا ترد دعوتهم .....» (١) ومنهم الصائم حتى يفطر. ولفظة «حين يفطر» شاذة. والدعاء في الحج كثير، ومنه الدعاء بعد رمي الجمرة الأولى والثانية دون الثالثة، وقال أبو منصور الكرماني صاحب المسالك في المناسك (٢) على الدعاء بين الجمرتين ما نصه: والسنة الدعاء في أول العبادة وأوسطها؛ لأنه أقرب للإجابة لا عند الخروج وبعدها. ولهذا قال ابن القيم في الزاد (٣) ما نصه: قيل - وهو أصح: إن دعاءه كان في نفس العبادة قبل الفراغ منها، فلما رمى جمرة العقبة، فرغ الرمي، والدعاء في صلب العبادة قبل الفراغ منها أفضل منه بعد الفراغ منها، وهذا كما كانت سنته في دعائه في الصلاة؛ إذ كان يدعو

стр. 107

في صلبها، فأما بعد الفراغ منها، فلم يثبت عنه أنه كان يعتاد الدعاء، ومن روى عنه ذلك فقد غلط عليه، وإن روي في غير الصحيح أنه كان أحيانا يدعو بدعاء عارض بعد السلام، وفي صحته نظر. وبالجملة فلا ريب أن عامة أدعيته التي كان يدعو بها، وعلمها الصديق إنما هي في صلب الصلاة، وأما حديث معاذ بن جبل: (١) «لا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (٢) فدبر الصلاة يراد به آخرها قبل السلام منها، كدبر الحيوان، ويراد به ما بعد السلام؛ كقوله: «تسبحون الله وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة» (٣) الحديث. والله أعلم. ا. هـ. ومثله الدعاء على الصفاء - على قول - أنه دعا مرتين، وذكر الله ثلاثًا، فكان الدعاء في أضعاف الذكر، فالذكر وهو وظيفة العبادة على الصفاء كان يكتنف الدعاء، فصار دعاؤه أثناء عبادته الخاصة.

стр. 108

قال في حاشية الروض ما نصه: (١) قال الحافظ وغيره: لا نعلم فيه خلافًا، لما في الصحيحين وغيرهما: (٢) أنه ﷺ لا يقف عندها. وحكمة الوقوف عندهما دونها والله أعلم تحصيل الدعاء لكونه في وسط العبادة، بخلاف جمرة العقبة، لأن العبادة قد انتهت بفراغ الرمي، والدعاء في صلب العبادة قبل الفراغ منها، أفضل منه بعد الفراغ منها، كالصلاة. ا. هـ. تنبيه: حديث «أي الدعاء اسمع قال دبر الصلاة المكتوبة» أخرجه الترمذي في سننه قال: (٣) حدثنا محمد بن يحيى الثقفي المروزي قال: حدثنا حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبي أمامة، قال: قيل يا رسول الله: أي الدعاء أسمع؟ قال: «جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات». وقال: هذا حديث حسن. وقد روي عن أبي ذر، وابن عمر. عن النبي ﷺ أنه قال: (٤) «جوف الليل الآخر الدعاء فيه أفضل أو أرجى» ونحو هذا وأخرجه غيره وإسناده ضعيف لانقطاعه بين ابن سابط وأبي أمامة والمقصود التنبيه على ضعف الحديث فحسب.

стр. 109

الحكم الثالث عشر الذكر المضاعف عند العلماء ما هو، وما سبب تضعيفه، وتفضيله على غيره، وهل من استوعب وقته ذكرًا تكون حاله دون من أتى بهذا الذكر؟ وأصل المسألة ما أخرجه مسلم في صحيحه (١)، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، وعمرو الناقد، وابن أبي عمر - واللفظ لابن أبي عمر - قالوا: حدثنا سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن، مولى آل طلحة، عن كريب، عن ابن عباس، عن جويرية (٢): أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح، وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى، وهي جالسة، فقال: «ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟» قالت: نعم، قال النبي ﷺ : «لقد قلت بعدك أربع كلمات، ثلاث مرات، لو

стр. 110

وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته». قال ابن القيم في المنار المنيف ما نصه: (١) وأما المسألة الثانية، وهي تفضيل سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته، على مجرد الذكر بسبحان الله أضعافًا مضاعفة، فإن ما يقوم بقلب الذاكر حين يقول سبحان الله وبحمده عدد خلقه، من معرفته وتنزيهه وتعظيمه من هذا القدر المذكور من العدد، أعظم مما يقوم بقلب القائل سبحان الله فقط. وهذا يسمى الذكر المضاعف، وهو أعظم ثناء من الذكر المفرد، فلهذا كان أفضل منه، وهذا إنما يظهر في معرفة هذا الذكر وفهمه، فإن قول المسبح سبحان الله وبحمده عدد خلقه، يتضمن إنشاء وإخبارًا عما يستحقه الرب من التسبيح، عدد كل مخلوق كان أو هو كائن إلى ما لا نهاية له. فتضمن الإخبار عن تنزيهه الرب وتعظيمه والثناء عليه، هذا العدد العظيم الذي لا يبلغه العادون، ولا يحصيه المحصون، وتضمن إنشاء العبد لتسبيح هذا شأنه، لا إن ما أتى به العبد من التسبيح هذا قدره وعدده، بل أخبر أن ما يستحقه الرب من التسبيح، هو تسبيح يبلغ هذا العدد، الذي لو كان في العدد ما يزيد لذكره، فإن تجدد المخلوقات لا ينتهي عددًا ولا يحصي الحاضر. وكذلك قوله: ورضا نفسه. فهو يتضمن أمرين عظيمين أحدهما: أن يكون المراد تسبيحا هو والعظمة والجلال سيان، ولرضا نفسه؛ كما أنه في الأول مخبر عن تسبيح مساوٍ لعدد خلقه، ولا ريب أن رضا

стр. 111

نفس الرب لا نهاية له في العظمة، والوصف والتسبيح ثناء عليه سبحانه يتضمن التعظيم والتنزيه. فإذا كانت أوصاف كماله ونعوت جلاله لا نهاية لها ولا غاية، بل هي أعظم من ذلك وأجل، كان الثناء عليه بها كذلك؛ إذ هو تابع لها إخبارًا وإنشاء، وهذا المعنى ينتظم المعنى الأول من غير عكس. وإذا كان إحسانه سبحانه وثوابه وبركته وخيره لا منتهى له وهو من موجبات رضاه وثمرته فكيف بصفة الرضا؟ وفي الأثر: «إذا باركت لم يكن لبركتي منتهى». فكيف بالصفة التي صدرت عنها البركة؟ والرضا يستلزم المحبة والإحسان والجود والبر والعفو والصفح والمغفرة. والخلق يستلزم العلم والقدرة والإرادة والحياة والحكمة، وكل ذلك داخل في رضا نفسه وصفة خلقه. وقوله: «وزنة عرشه»، فيه إثبات للعرش، وإضافته إلى الرب ، وأنه أثقل المخلوقات على الإطلاق، إذ لو كان شيء أثقل منه لوزن به التسبيح، وهذا يرد على من يقول إن العرش ليس بثقيل ولا خفيف، وهذا لم يعرف العرش ولا قدره حق قدره. فالتضعيف الأول للعدد والكمية، والثاني للصفة والكيفية، والثالث للعظم والثقل وليس للمقدار. وقوله: «ومداد كلماته» هذا يعم الأقسام الثلاثة ويشملها، فإن مداد كلماته لا نهاية لقدره ولا لصفته ولا لعدده، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ

стр. 112

رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧]. ومعنى هذا أنه لو فرض البحر مدادًا، وبعده سبعة أبحر تمده كلها مدادًا، وجميع أشجار الأرض أقلامًا، وهو ما قام منها على ساق من النبات والأشجار المثمرة وغير المثمرة، وتستمد بذلك المداد، لفنيت البحار والأقلام، وكلمات الرب لا تفنى ولا تنفد، فسبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته. فأين هذا من وصف من يصفه بأنه ما تكلم ولا يتكلم ولا يقوم به كلام أصلا؟ وقول من وصف كلامه بأنه معنى واحد لا ينقضي ولا يتجزأ ولا له بعض ولا كل ولا هو سور وآيات ولا حروف وكلمات؟. والمقصود أن في هذا التسبيح من صفات الكمال ونعوت الجلال ما يوجب أن يكون أفضل من غيره، وأنه لو وزن غيره به لوزنه وزاد عليه. وهذا بعض ما في هذه الكلمات من المعرفة بالله، والثناء عليه بالتنزيه والتعظيم، مع اقترانه بالحمد المتضمن لثلاثة أصول: أحدها: إثبات صفات الكمال له سبحانه، والثناء عليه. الثاني: محبته والرضا به. الثالث: فإذا انضاف هذا الحمد إلى التسبيح والتنزيه على أكمل الوجوه وأعظمها قدرًا وأكثرها عددًا وأجزلها وصفًا، واستحضر العبد ذلك عند التسبيح، وقام بقلبه، معناه: كان له من المزية والفضل ما ليس لغيره وبالله التوفيق. ا. هـ.

стр. 113

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (١) وقول النبي ﷺ لأم المؤمنين جويرية: «لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله رضى نفسه، سبحان الله مداد كلماته». أخرجه مسلم في صحيحه. فمعناه أنه سبحانه يستحق التسبيح بعدد ذلك؛ كقوله ﷺ : (٢) «ربنا ولك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما بينهما. وملء ما شئت من شيء بعد». ليس المراد أنه سبح تسبيحًا بقدر ذلك. فالمقدار تارة يكون وصفًا لفعل العبد، وفعله محصور. وتارة يكون لما يستحقه الرب، فذاك الذي يعظم قدره؛ وإلا فلو قال المصلي في صلاته: سبحان الله عدد خلقه. لم يكن قد سبح إلا مرة واحدة. ا. هـ. وقال في بيان تلبيس الجهمية: (٣) المقصود بالحديث نهاية ما يمكن من الوزن؛ كما ذكره وغاية ما يمكن من المعدود، وغاية ما يمكن من القول، والمحبوب هو كلام الرب ورضاه وذكر. ا. هـ. وقال في الرسالة العرشية: (٤) فهذا يبين أن زنة العرش أثقل الأوزان. ا. هـ. والمقصود مما تقدم أن الذكر المضاعف المذكور في الحديث هو ذكر فاضل في نفسه، وبما يقوم بقلب صاحبه من التعظيم والتنزيه لله جل وعلا، وحينئذ قد يكون من يأتي به خيرًا ممن ذكر الله أكثر من ذكره؛ دون هذا الذكر وقد يكون مثله وقد يكون دونه، وذلك لأن الذاكر عابد فما يقوم بقلبه من الخشوع والتعظيم موجب لأفضليته من

стр. 114

هذه الحيثية، مع إتيانه بجنس فاضل من العبادة وهو هذا الذكر؛ وذلك لا يستلزم أفضليته المطلقة على غيره من العباد الذين يشاركونه هذه العبادة، فإن التفضيل يكون باعتبارات عديدة والتفضيل بهذه العبادة جزء من التفضيل، فحسب، ومما يجليه أن هذا الذاكر كمن تصدق بجوهرة عظيمة، وتصدق غيره بجواهر عديدة مفرقة دون هذه الجوهرة فالأول بذل نفيسا دفعة واحدة، والثاني فرق نفائس (دون الأول) في أزمنة متعددة؛ والله أعلم.

стр. 115

الحكم الرابع عشر الأصل أن عد الأذكار باليد أفضل، وعقد الأوراد التي تحتاج عدًا بالأصابع أفضل، فما حكم عقد التسبيح بالمسبحة، ومثلها الخاتم الإلكتروني، ونحوه، والأصل في ذلك أن النبي ﵊ كان يعقد التسبيح بيده، فقد أخرج الترمذي (١) وغيره: (٢) من طريق عثام بن علي، عن الأعمش، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: «رأيت النبي ﷺ يعقد التسبيح بيده» قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث الأعمش عن عطاء بن السائب. قال الترمذي عقبه: وروى شعبة، والثوري، هذا الحديث عن عطاء بن السائب، بطوله. وفي الباب عن يُسيرة بنت ياسر. قال شيخ الإسلام في مجموع فتاويه: (٣) وربما تظاهر أحدهم بوضع السجادة على منكبه وإظهار المسابح في يده وجعله من شعار الدين والصلاة. وقد علم بالنقل المتواتر أن النبي ﷺ وأصحابه لم يكن هذا شعارهم وكانوا يسبحون ويعقدون على أصابعهم كما جاء في

стр. 116

الحديث: «اعقدن بالأصابع فإنهن مسؤولات مستنطقات» (١) وربما عقد أحدهم التسبيح بحصى أو نوى. والتسبيح بالمسابح من الناس من كرهه، ومنهم من رخص فيه؛ لكن لم يقل أحد: إن التسبيح به أفضل من التسبيح بالأصابع وغيرها، وإذا كان هذا مستحبًا يظهر، فقصد إظهار ذلك والتميز به على الناس مذموم، فإنه إن لم يكن رياء فهو تشبه بأهل الرياء، إذ كثير ممن يصنع هذا يظهر منه الرياء، ولو كان رياء بأمر مشروع لكانت إحدى المصيبتين؛ لكنه رياء ليس مشروعًا. اهـ. وقال ﵀: (٢) وعد التسبيح بالأصابع سنة كما قال النبي ﷺ للنساء: سبحن واعقدن بالأصابع، فإنهن مسؤولات مستنطقات، وأما عده بالنوى والحصى ونحو ذلك فحسن، وكان من الصحابة رضى الله عنهم من يفعل ذلك، وقد رأى النبي ﷺ أم المؤمنين تسبح بالحصى، وأقرها على ذلك وروى أن أبا هريرة ﵁ كان يسبح به. وأما التسبيح بما يجعل في نظام من الخرز ونحوه، فمن الناس من كرهه، ومنهم من لم يكرهه، وإذا أحسنت فيه النية فهو حسن غير مكروه، وأما اتخاذه من غير حاجة أو إظهاره للناس، مثل تعليقه في العنق، أو جعله كالسوار في اليد، أو نحو ذلك، فهذا إما رياء للناس، أو مظنة المراءاة، ومشابهة المرائين من غير حاجة، الأول محرم، والثاني أقل أحواله الكراهة، فإن مراءاة الناس في العبادات المختصة؛ كالصلاة والصيام

стр. 117

والذكر وقراءة القرآن من أعظم الذنوب، قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]. فأما المرائي بالفرائض فكل أحد يعلم قبح حاله، وأن الله يعاقبه لكونه لم يعبده مخلصًا له الدين، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢، ٣]. فهذا في القرآن كثير. وأما المرائي بنوافل الصلاة والصوم والذكر وقراءة القرآن، فلا يظن الظان أنه يكتفى فيه بحبوط عمله فقط، بحيث يكون لا له ولا عليه بل هو مستحق للذم والعقاب على قصده شهرة عبادة غير الله؛ إذ هي عبادات مختصة ولا تصح إلا من مسلم، ولا يجوز إيقاعها على غير وجه التقرب بخلاف ما فيه نفع العبد؛ كالتعليم والإمامة فهذا في الاستئجار عليه نزاع بين العلماء والله أعلم. ا. هـ. وقال المجد في المنتقى: (١) باب جواز عقد التسبيح باليد وعده بالنوى ونحوه. وعن يُسيرة وكانت من المهاجرات قالت: قال لنا رسول الله ﷺ :

стр. 118

«عليكن بالتهليل والتسبيح والتقديس، ولا تغفلن فتنسين الرحمة واعقدن بالأنامل فإنهن مسئولات مستنطقات» (١) رواه أحمد والترمذي وأبو داود. وعن سعد بن أبي وقاص (٢) ﵁: أنه دخل مع رسول الله ﷺ على امرأة وبين يديها نوى أو حصى تسبح به، فقال: «أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل. سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك». (٣) رواه أبو داود والترمذي. قال الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار على الحديثين السابقين ما نصه: (٤) أما الحديث الأول فأخرجه أيضًا الحاكم وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث هانئ بن عثمان، وقد صحح السيوطي إسناد هذا الحديث. وأما الحديث الثاني فأخرجه أيضا

стр. 119

النسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم، وصححه وحسنه الترمذي. وأما الحديث الثالث فأخرجه أيضا الحاكم وصححه السيوطي. والحديث الأول يدل على مشروعية عقد الأنامل بالتسبيح. وقد أخرج أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والحاكم وصححه عن ابن عمرو أنه قال: «رأيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح» زاد في رواية لأبي داود وغيره «بيمينه» (١) وقد علل رسول الله ﷺ ذلك في حديث الباب بأن الأنامل مسئولات مستنطقات، يعني أنهن يشهدن بذلك فكان عقدهن بالتسبيح من هذه الحيثية أولى من السبحة والحصى. والحديثان الآخران يدلان على جواز عد التسبيح بالنوى والحصى وكذا بالسبحة لعدم الفارق لتقريره ﷺ للمرأتين على ذلك. وعدم إنكاره والإرشاد إلى ما هو أفضل لا ينافي الجواز. قد وردت بذلك آثار ففي جزء هلال الحفار من طريق معتمر بن سليمان عن أبي صفية مولى النبي ﷺ : أنه كان يوضع له نطع ويجاء بزنبيل فيه حصى فيسبح به إلى نصف النهار ثم يرفع فإذا صلى أتى به فيسبح حتى يمسي. وأخرجه الإمام أحمد في الزهد قال: حدثنا عفان حدثنا عبد الواحد بن زياد عن يونس بن عبيد عن أمه قالت: رأيت أبا صفية رجلًا من أصحاب النبي ﷺ وكان خازنًا قالت: فكان يسبح بالحصى. (٢) وأخرج ابن سعد عن حكيم بن الديلم: أن سعد بن أبي وقاص

стр. 120

كان يسبح بالحصى. (١) وقال ابن سعد في الطبقات: أخبرنا عبد الله بن موسى أخبرنا إسرائيل عن جابر عن امرأة خدمته عن فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب: أنها كانت تسبح بخيط معقود فيه. (٢). وأخرج عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد الزهد عن أبي هريرة ﵁: أنه كان له خيط فيه ألف عقدة فلا ينام حتى يسبح. (٣) وأخرج أحمد في الزهد عن القاسم بن عبد الرحمن قال: كان لأبي الدرداء نوى من العجوة في كيس فكان إذا صلى الغداة أخرجها واحدة واحدة يسبح بهن حتى ينفذهن. (٤) وأخرج ابن سعد عن أبي هريرة ﵁: أنه كان يسبح بالنوى المجموع. (٥) وأخرج الديلمي في مسند الفردوس من طريق زينب بنت سليمان بن علي عن أم الحسن بنت جعفر عن أبيها عن جدها عن علي ﵁ مرفوعا: «نعم المذكر السبحة» (٦).

стр. 121

وقد ساق السيوطي آثارا في الجزء الذي سماه «المنحة في السبحة» وهو من جملة كتابه المجموع في الفتاوى، وقال في آخره: ولم ينقل عن أحد من السلف ولا من الخلف المنع من جواز عد الذكر بالسبحة بل كان أكثرهم يعدونه بها ولا يرون ذلك مكروها انتهى. وفي فتاوى ابن عثيمين (١) ﵀ ما نصه: سئل فضيلة الشيخ: ما حكم استعمال السبحة؟ فأجاب فضيلته بقوله: السبحة ليست بدعة دينية، وذلك لأن الإنسان لا يقصد التعبد لله بها، وإنما يقصد ضبط عدد التسبيح الذي يقوله، أو التهليل، أو التحميد، أو التكبير، فهي وسيلة وليس مقصودة، ولكن الأفضل منها أن يعقد الإنسان التسبيح بأنامله - أي بأصابعه -؛ «لإنهن مستنطقات» (٢)؛ كما أرشد ذلك النبي ﷺ ؛ ولأن عد التسبيح ونحوه بالمسبحة يؤدي إلى غفلة الإنسان، فإننا نشاهد كثيرًا من أولئك الذين يستعملون المسبحة، نجدهم يسبحون وأعينهم تدور هنا وهنا،؛ لأنهم قد جعلوا عدد الحبات على قدر ما يريدون تسبيحه، أو تهليله أو تحميده، أو تكبيره، فتجد الإنسان منهم يعد هذه الحبات بيده وهو غافل القلب، يتلفت يمينًا وشمالًا، بخلاف ما إذا كان يعدها بالأصابع، فإن ذلك أحضر لقلبه غالبًا، الشيء الثالث أن استعمال المسبحة قد يدخله الرياء، فإننا نجد كثيرًا من الناس الذين يحبون كثرة التسبيح يعلقون في أعناقهم مسابح طويلة كثيرة الخرزات، وكأن لسان

стр. 122

حالهم يقول: انظروا إلينا فإننا نسبح الله بقدر هذه الخرزات. وأنا أستغفر الله أن أتهمهم بهذا، لكنه يخشى منه، فهذه ثلاثة أمور كلها تقتضي بأن يتجنب الإنسان التسبيح بالمسبحة، وأن يسبح الله بأنامله. ثم إن الأولى أن يكون عقد التسبيح بالأنامل في اليد اليمنى؛ لأن النبي ﷺ كان يعقد التسبيح بيمينه واليمنى خير من اليسرى بلا شك، ولهذا كان الأيمن مفضلًا على الأيسر، ونهى النبي ﷺ أن يأكل الرجل بشماله، أو يشرب بشماله، وأمر أن يأكل الإنسان بيمينه، فقال النبي ﷺ : «يا غلام سم الله، وكل بيمينك وكل مما يليك». (١) وقال ﵊: «لا يأكلن أحدكم بشماله، ولا يشربن بشماله فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله». (٢) فاليد اليمنى أولى بالتسبيح من اليد اليسرى اتباعًا للسنة، وأخذًا باليمين فقد: «كان النبي ﵊ يعجبه التيامن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله». (٣) وعلى هذا فإن التسبيح بالمسبحة لا يعد بدعة في الدين؛ لأن المراد بالبدعة المنهي عنها هي البدع في الدين، والتسبيح بالمسبحة إنما هو وسيلة لضبط العدد، وهي وسيلة مرجوحة مفضولة، والأفضل منها أن يكون عد التسبيح بالأصابع. وسئل فضيلته أيضا ﵀: ما رأيكم في استخدام المسبحة في التسبيح؟ جزاكم الله خيرًا. فأجاب فضيلته بقوله: استخدام المسبحة جائز، لكن الأفضل أن

стр. 123

يسبح بالأنامل وبالأصابع؛ لأن النبي ﷺ قال: «اعقدن بالأصابع فإنهن مستنطقات» (١)؛ ولأن حمل السبحة قد يكون فيه شيء من الرياء؛ ولأن الذي يسبح بالسبحة غالبًا تجده لا يحضر قلبه فيسبح بالمسبحة وينظر يمينًا وشمالًا. فالأصابع هي الأفضل وهي الأولى. ا. هـ. لطيفة: كان عبد الملك بن هلال الهنائي، عنده زنبيل ملآن حصى، فكان يسبح بواحدة واحدة، فإذا مل شيئًا طرح ثنتين ثنتين، ثم ثلاثًا ثلاثًا، فإذا قبض قبضة وقال سبحان الله بعدد هذا، وإذا مل شيئا قبض قبضتين وقال سبحان الله بعدد هذا، فإذا ضجر أخذ بعروتي الزنبيل وقلبه، وقال الحمد لله بعدد هذا، وإذا بكّر لحاجة لحظ الزنبيل، وقال الحمد لله عدد ما فيه. (٢)

стр. 124

الحكم الخامس عشر الذكر على طهارة تامة أكمل وأفضل بالاتفاق، ولهذا اشترطت الطهارة للعبادات المبنية على الذكر اللساني؛ كالصلاة ومس المصحف، والطواف - على قول - ومنع الجنب من قراءة القرءان؛ كما تقدم تقريره، وأصل المسألة ما أخرجه البخاري (١) من طريق الأعرج: قال سمعت عميرًا مولى ابن عباس ﵁، قال: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، فقال أبو الجهيم: أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇. قال ابن رجب في شرح البخاري: (٢) وقال بعض أصحابنا: يجوز التيمم لرد السلام في الحضر، إذا خشي فوته؛ لأن الطهارة لرده مشروعة ندبًا لا وجوبًا؛ فإنه يجوز الرد مع الحدث لكن يفوت فعله بالطهارة؛ لأنه على الفور. ا. هـ.

стр. 125

وقال العيني في شرح الخبر ما نصه: (١) وفي رواية الطبراني في الأوسط: (٢) حتى إذا كان الرجل أن يتوارى في السكة ضرب بيديه على الحائط فمسح ذراعيه، ثم رد على الرجل السلام، وقال: «إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت على غير طهر». وعند أبي داود: (٣) من حديث حيوة عن ابن الهاد: أن نافعًا (٤) حدثه عن ابن عمر قال: أقبل رسول الله من الغائط، فلقيه رجل عند بئر جمل فسلم عليه فلم يرد عليه رسول الله، حتى أقبل على الحائط فوضع يده عليه، ثم مسح وجهه ويديه، ثم رد على الرجل السلام. وعند البزار (٥) بسند صحيح: (٦) عن نافع عنه أن رجلا مر على

стр. 126

النبي وهو يبول، فسلم عليه الرجل فرد ﵇ فلما جاوزه ناداه ﵇، فقال: «إنما حملني على الرد عليك خشية أن تذهب فتقول: إني سلمت على النبي فلم يرد علي، فإذا رأيتني على هذه الحالة فلا تسلم علي، فإنك إن تفعل لا أرد عليك». وعند الطبراني (١) من حديث البراء بن عازب ﵁: أنه سلم على النبي وهو يبول فلم يرد عليه حتى فرغ. وعنده أيضا: (٢) من حديث جابر بن سمرة بسند فيه ضعف، قال: سلمت على النبي وهو يبول فلم يرد علي، ثم دخل إلى بيته فتوضأ ثم خرج فقال: «وعليك السلام». وعند الحاكم (٣) من حديث المهاجر بن قُنفُذ (٤)، قال: أتيت النبي، وهو يتوضأ فسلمت عليه فلم يرد علي، فلما فرغ من وضوئه قال: «إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت على غير وضوء».

стр. 127

وأخرجه الطحاوي (١) أيضا، ولفظه: «إلا أني كرهت أن أذكر إلا على طهارة». (٢) وأخرجه أبو داود ولفظه: (٣) فلم يرد حتى توضأ ثم اعتذر إليه، قال: «إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر»، أو قال «على طهارة». وأخرجه النسائي (٤) وابن ماجه (٥)، وأحمد (٦)، والبيهقي (٧)، وابن حبان (٨) والطبراني، وزاد: فقمت مهموما، فدعا بوضوء فتوضأ ورد علي، وقال: «إني كرهت أن أذكر الله على غير وضوءه». (٩) وعند ابن ماجه (١٠) من حديث أبي هريرة ﵁: مر رجل على النبي ﷺ ، وهو يبول، فسلم فلم يرد عليه، فلما فرغ ضرب بكفيه الأرض فتيمم ثم رد ﵇.ا. هـ.

стр. 128

وقال في المغني (١) ما نصه: قال أحمد: يستحب له أن يشهد المناسك كلها على وضوء، كان عطاء يقول: لا يقضي شيئًا من المناسك إلا على وضوء. ا. هـ. وقال النووي في المجموع: (٢) وقوله ﷺ : «كرهت أن أذكر الله إلا على طهر» (٣) هذه الكراهة بمعنى ترك الأولى، لا كراهة تنزيه، واحتج غير المصنف بحديث ابن عمر ﵁، قال: مر رجل بالنبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه. رواه مسلم. (٤) وعن جابر ﵁: أن رجلًا مر على النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه، فقال له النبي ﷺ : «إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم علي، فإنك إن فعلت ذلك لم أرد عليك» [رواه ابن ماجه]. (٥) وهذا الذي ذكره المصنف من كراهة رد السلام وما بعده متفق عليه عندنا، وكذا التسبيح وسائر الأذكار، قال البغوي في شرح السنة: (٦) فإن عطس على الخلاء حمد الله تعالى في نفسه، قاله الحسن، والشعبي، والنخعي، وابن المبارك. قال البغوي يحمد الله تعالى في نفسه هنا، وفي حال الجماع، ثم هذه الكراهة التي ذكرها المصنف، والأصحاب كراهة تنزيه لا تحريم بالاتفاق وحكى ابن المنذر الكراهة عن ابن عباس وعطاء ومعبد الجهني وعكرمة: وعن النخعي

стр. 129

وابن سيرين قالا لا بأس به. قال ابن المنذر: وترك الذكر أحب إلي ولا أؤثم من ذكر والله اعلم. ا. هـ. وقال المجد في المنتقى: (١) باب كف المتخلي عن الكلام ... عن ابن عمر: أن رجلا مر ورسول الله ﷺ يبول فسلم عليه فلم يرد عليه. رواه الجماعة إلا البخاري (٢). قال الشوكاني في شرحه: (٣) الحديث زاد فيه أبو داود من طريق ابن عمر، وغيره: أن النبي ﷺ تيمم ثم رد على الرجل السلام (٤)، ورواه أيضًا من طريق المهاجر بن قُنفُذ بلفظ بأنه أتى النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه، فقال: «إني كرهت أن أذكر الله إلا على طُهر أو قال: على طهارة». (٥) وأخرج هذه الرواية النسائي وابن ماجه وهو يدل على كراهية ذكر الله حال قضاء الحاجة، ولو كان واجبًا كرد السلام، ولا يستحق المسلِّم في تلك الحال جوابًا، قال النووي: وهذا متفق عليه، وسيأتي بقية الكلام على الحديث في باب استحباب الطهارة لذكر الله، وفيه أنه ينبغي لمن سلم عليه في تلك الحال أن يدع الرد حتى يتوضأ أو يتيمم ثم يرد، وهذا إذا لم يخش فوت المسلِّم، أما إذا خشي فوته فالحديث لا يدل على المنع؛ لأن النبي ﷺ تمكن من الرد بعد أن توضأ أو تيمم على اختلاف الرواية، فيمكن أن يكون تركه لذلك طلبا للأشرف وهو الرد حال الطهارة، ويبقى الكلام في الحمد حال العطاس فالقياس على

стр. 130

التسليم المذكور في حديث الباب، وكذلك التعليل بكراهة الذكر إلا على طهر يشعران بالمنع من ذلك، وظاهر حديث: «إذا عطس أحدكم فليحمد الله» (١) يشعر بشرعيته في جميع الأوقات التي منها وقت قضاء الحاجة، فهل يخصص عموم كراهة الذكر المستفادة من المقام بحديث العطاس، أو يجعل الأمر بالعكس، أو يكون بينهما عموم وخصوص من وجه فيتعارضا؟ فيه تردد. وقد قيل: إنه يحمد بقلبه، وهو المناسب لتشريف مثل هذا الذكر وتعظيمه وتنزيهه. ا. هـ. فائدة: استحب العلماء عند الذكر أيضا طهارة المكان واللباس من النجاسات وهو متجه، بل استحبوا التسوك وتنظيف الفم، وهو صحيح بلا شك، وأحاديث مشروعية السواك تدل عليه. فائدة: وروي أن نافعا بن أبي نعيم أحد القراء كان إذا تكلم توجد من فيه ريح مسك، فسئل عنه قال: رأيت النبي ﷺ في النوم تفل في فيّ. ا. هـ. من ترجمته في سير النبلاء. (٢) فائدة قال النووي في الأذكار: (٣) وينبغي أن يكون الموضعُ الذي يذكرُ فيه خاليًا نظيفًا، فإنه أعظمُ في احترام الذكر والمذكور، ولهذا مُدح الذكرُ في المساجد والمواضع الشريفة. ا. هـ.

стр. 131

الحكم السادس عشر إذا تعارض ذِكران أحدهما يفوت، والآخر لا يفوت، قدم الذي يفوت، ولو كان مفضولًا بالنسبة لما لا يفوت، ووجه ذلك أن الذي يفوت لو لم يأت به لذهب دون الآخر، فتحصيلهما جميعًا أولى من تفويت أحدهما، وأيضًا الذي يفوت قد حضرت وظيفته، فالإتيان به أولى من ذكر وظيفته منتشرة على الزمان. مثاله: لو سمع الأذان وهو يقرأ القرآن، فينبغي إجابة المؤذن حينئذ حتى يفرغ الأذان، ثم يعود لقراءته. قال شيخ الإسلام ﵀ في الفتاوى الكبرى: (١) ومن قال من العلماء: إن طواف أهل الآفاق أفضل من الصلاة بالمسجد، فإنما ذلك لأن الصلاة تمكنهم في سائر الأمصار، بخلاف الطواف، فإنه لا يمكن إلا بمكة، والعمل المفضول في مكانه وزمانه يقدم على الفاضل، لا لأن جنسه أفضل كما يقدم الدعاء في آخر الصلاة على الذكر والقراءة، ويقدم الذكر في الركوع والسجود على القراءة؛ لأن النبي ﷺ قال: «نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا وساجدًا». (٢)

стр. 132

وكما يقدم القراءة والذكر والدعاء في أوقات النهي، وكما تقدم إجابة المؤذن على الصلاة والقراءة؛ لأن هذا يفوت وذلك لا يفوت الآفاقي إذا خرج فقدم ذلك لا لأن جنسه أفضل من جنس الصلاة، بل ولا مثلها فإن هذا لا يقوله أحد، والحج كله لا يقاس بالصلاة التي هي عمود الدين، فكيف يقاس بها بعض أفعاله، وإنما فرض الله الحج على كل مسلم مرة في العمر. ا. هـ. وهو في مجموع الفتاوى. (١) قال ابن القيم في الوابل الصيب (٢) ما نصه: الفصل الثالث في قراءة القرآن أفضل من الذكر، والذكر أفضل من الدعاء. هذا من حيث النظر لكل منهما مجردًا، وقد يعرض للمفضول ما يجعله أولى من الفاضل، بل يعينه فلا يجوز أن يعدل عنه إلى الفاضل، وهذا كالتسبيح في الركوع والسجود فإنه أفضل من قراءة القرآن فيهما، بل القراءة فيهما منهي عنها نهي تحريم أو كراهة، وكذلك التسميع والتحميد في محلهما أفضل من القراءة، وكذلك التشهد، وكذلك «رب اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني» (٣) بين السجدتين أفضل من القراءة، وكذلك الذكر عقيب السلام من الصلاة ذكر التهليل والتسبيح والتكبير والتحميد أفضل من الاشتغال عنه بالقراءة، وكذلك إجابة المؤذن والقول كما يقول أفضل من القراءة. وإن كان فضل القرآن على كل كلام كفضل الله تعالى على خلقه، لكن لكل مقام مقال، متى فات مقاله فيه وعدل عنه إلى غيره اختلت الحكمة وفقدت المصلحة المطلوبة منه. وهكذا الأذكار المقيدة

стр. 133

بمحال مخصوصة أفضل من القراءة المطلقة، والقراءة المطلقة أفضل من الأذكار المطلقة، اللهم إلا أن يعرض للعبد ما يجعل الذكر أو الدعاء أنفع له من قراءة القرآن. مثاله: أن يتفكر في ذنوبه فيحدث ذلك له توبة من استغفار، أو يعرض له ما يخاف أذاه من شياطين الإنس والجن، فيعدل إلى الأذكار والدعوات التي تحصنه وتحفظه. وكذلك أيضًا: قد يعرض للعبد حاجة ضرورية إذا اشتغل عن سؤالها أو ذكر لم يحضر قلبه فيهما، وإذا أقبل على سؤالها والدعاء إليها اجتمع قلبه كله على الله تعالى وأحدث له تضرعًا وخشوعًا وابتهالًا، فهذا يكون اشتغاله بالدعاء والحالة هذه أنفع، وإن كان كل من القراءة والذكر أفضل وأعظم أجرًا. وهذا باب نافع يحتاج إلى فقه نفس، وفرقان بين فضيلة الشيء في نفسه وبين فضيلته العارضة، فيعطي كل ذي حق حقه، ويوضع كل شيء موضعه، فللعين موضع وللرجل موضع، وللماء موضع وللحم موضع. وحفظ المراتب هو من تمام الحكمة التي هي نظام الأمر والنهي. والله تعالى الموفق. وهكذا الصابون والأشنان أنفع للثوب في وقت، والتجمير وماء الورد وكيه أنفع له في وقت، وقلت لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يومًا: سئل بعض أهل العلم أيهما أنفع للعبد التسبيح أو الاستغفار؟ فقال: إذا كان الثوب نقيًا فالبخور وماء الورد أنفع له، وإذا كان دنسًا فالصابون والماء الحار أنفع له. فقال لي رحمه الله تعالى: فكيف والثياب لا تزال دنسة؟ ومن هذا الباب أن سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ

стр. 134

أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن، ومع هذا فلا تقوم مقام آيات المواريث والطلاق والخلع والعدد ونحوها، بل هذه الآيات في وقتها وعند الحاجة إليها أنفع من تلاوة سورة الإخلاص. ا. هـ. فإن قلت: فهل يدخل في هذا إذا كان المرء يصلي فسمع الأذان فهل يجيبه في هذه الحال؟ والجواب: لا يجيبه لما أخرج البخاري في الصحيح (١) من طريق الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ﵁، قال: كنا نسلم على النبي ﷺ وهو يصلي فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا، فقلنا يا رسول الله إنا كنا نسلم عليك فترد علينا؟ قال: «إن في الصلاة شغلًا». وهذا معناه: أن إقباله على صلاته، وتحصيل خشوعه، وانجماع قلبه على أذكارها أولى من مراعاة ذكر خارج عنها، وأيضا الصلاة عبادة مؤقتة تفوت، فليس مراعاة ذكر أجنبي يفوت بأولى من مراعاتها. وهنا تنبيه: لا ينافي كل ما تقدم إذا أتى العبد بذكر - من جنس أذكار الصلاة - وجد سببه في الصلاة، وهو لا ينافي الإقبال عليها. وبيان ذلك: لو عطس وهو يصلي، فإنه يحمد الله، ومن الأدلة في ذلك: ما أخرجه الترمذي في جامعه (٢) قال: حدثنا قتيبة قال: حدثنا رفاعة بن يحيى بن عبد الله بن رفاعة بن رافع الزرقي، عن عم أبيه معاذ بن رفاعة، عن أبيه، قال: صليت خلف رسول الله ﷺ فعطست، فقلت: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، مباركًا عليه، كما يحب ربنا ويرضى، فلما صلى رسول الله ﷺ انصرف، فقال: «من

стр. 135

المتكلم في الصلاة؟»، فلم يتكلم أحد، ثم قالها الثانية: «من المتكلم في الصلاة؟»، فلم يتكلم أحد، ثم قالها الثالثة: «من المتكلم في الصلاة؟» فقال رفاعة بن رافع ابن عفراء: أنا يا رسول الله، قال: «كيف قلت؟»، قال: قلت: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه مباركًا عليه، كما يحب ربنا ويرضى، فقال النبي ﷺ : «والذي نفسي بيده، لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكًا، أيهم يصعد بها» وفي الباب عن أنس، ووائل بن حجر، وعامر بن ربيعة: حديث رفاعة حديث حسن، وكأن هذا الحديث عند بعض أهل العلم أنه في التطوع لأن غير واحد من التابعين قالوا: إذا عطس الرجل في الصلاة المكتوبة إنما يحمد الله في نفسه ولم يوسعوا بأكثر من ذلك ا. هـ. وتخصيص الترمذي ذلك بالنافلة فيه نظر؛ فالحديث وارد في الفريضة إما نصًا أو ظاهرًا. قال في المغني (١) على أصل المسألة: ما لا يتعلق بتنبيه آدمي، إلا أنه لسبب من غير الصلاة، مثل أن يعطس فيحمد الله، أو تلسعه عقرب فيقول: بسم الله. أو يسمع، أو يرى ما يغمه فيقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]. أو يرى عجبًا، فيقول: سبحان الله. فهذا لا يستحب في الصلاة، ولا يبطلها، نص عليه أحمد في رواية الجماعة، في من عطس فحمد الله، لم تبطل صلاته وقال، في رواية مهنا، في من قيل له وهو يصلي: ولد لك غلام. فقال: الحمد لله أو قيل له: احترق دكانك، قال: لا إله إلا الله أو ذهب كيسك: فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقد مضت صلاته، ولو قيل: له مات أبوك. فقال

стр. 136

﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] فلا يعيد صلاته. وذكر حديث علي حين أجاب الخارجي. وهذا قول الشافعي، وأبي يوسف. ا. هـ. وقال في التمهيد: (١) واختلف الفقهاء في المصلي يسمع المؤذن، وهو في نافلة أو فريضة، فقال مالك: (٢) إذا أذن المؤذن وأنت في صلاة مكتوبة، فلا تقل مثل ما يقول، وإذا كنت في نافلة فقل مثل ما يقول. التكبير والتشهد، فإنه الذي يقع في نفسي أنه أريد بالحديث هذا رواية ابن القاسم ومذهبه. وقال ابن وهب: من رأيه يقول المصلي مثل ما يقول المؤذن في المكتوبة والنافلة، وقال سحنون: لا يقول ذلك في نافلة ولا مكتوبة، وقال الليث: مثل قول مالك؛ إلا أنه قال: ويقول في موضع حي على الصلاة حي على الفلاح، لا حول ولا قوة إلا بالله. وقال الشافعي: لا يقول المصلي في نافلة ولا مكتوبة مثل ما يقول المؤذن إذا سمعه وهو في الصلاة، ولكن إذا فرغ من الصلاة قاله. وذكر الطحاوي قال: لم أجد عن أصحابنا في هذا شيئًا منصوصًا. وقد حدثنا ابن أبي عمر، عن ابن سماعة، عن أبي يوسف: فيمن أذن في صلاته إلى قوله أشهد أن محمدًا رسول الله، ولم يقل حي على الصلاة، أن صلاته تفسد إن أراد الأذان، في قول أبي يوسف، وقول أبي حنيفة يعيد إذا أراد الأذان. قال أبو جعفر: وقول محمد؛ كقول أبي حنيفة؛ لأنه يقول فيمن يجيب إنسانًا وهو يصلي بلا إله إلا الله أن صلاته فاسدة. قال أبو جعفر: فهذا يدل على أن من قولهم أن من سمع الأذان في الصلاة لا يقوله. وذكر أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن خواز، بنداد البصري المالكي، عن مالك أنه قال: يجوز أن يقول

стр. 137

المصلي في صلاة النافلة مثل ما يقول المؤذن من التكبير والشهادتين، فإن قال حي على الصلاة، حي على الفلاح، الأذان كله كان مسيئًا، وصلاته تامة، وكره أن يقول في الفريضة مثل ما يقول المؤذن، فإن قال الأذان كله في الفريضة أيضًا، لم تبطل صلاته، ولكن الكراهية في الفريضة أشد. وذكر عن الشافعي أنه يقول: في النافلة الشهادتين، وإن قال حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، بطلت صلاته، نافلة كانت أو فريضة، قال أبو عمر: ما تقدم عن الشافعي من الجمع بين النافلة والمكتوبة أصح عنه، والقياس أن لا فرق بين المكتوبة والنافلة؛ إلا أن قوله حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد اضطربت في ذلك الآثار، وهو كلام فلا يجوز أن يقال في نافلة ولا فريضة، وأما سائر الأذان فمن الذكر الذي يصلح في الصلاة، ألا ترى إلى حديث معاوية بن الحكم (١)، عن النبي ﷺ أنه قال: «إن صلاتنا هذه لا يصح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتهليل والتكبير وتلاوة القرآن» (٢) وقد قال ﷺ : «قولوا مثل ما يقول المؤذن» ولم يخص صلاة من غير صلاة، فما كان من الذكر الذي مثله يصلح في الصلاة جاز فيها قياسا، ونظرًا واتباعا للأثر. وأما الشافعي ومن قال بقوله في كراهية قول من يقول بقول المؤذن إذا كان سامعه في صلاة نافلة أو مكتوبة، فإنهم شبهوه برد السلام وتشميت العاطس، وقد ورد الأمر في الكتاب والسنة بهما، وذلك مما يجب

стр. 138

على غير المصلي، ولا يجب على المصلي قالوا فكذلك الأذان. ا. هـ. وقال ابن عثيمين في الشرح الممتع ما نصه: وقوله: «يسن لسامعه متابعته سرًا»، ظاهره: أنه إذا رآه ولم يسمعه فلا تسن المتابعة؛ لأن الرسول ﵊ قال: «إذا سمعتم» فعلق الحكم بالسماع؛ ولأنه لا يمكن أن يتابع ما لم يسمعه؛ لأنه قد يتقدم عليه. وظاهر كلامه أيضا: أنه لو سمعه ولم يره؛ تابعه للحديث. وظاهر الحديث كما هو ظاهر كلام المؤلف أنه يتابعه على كل حال؛ إلا أن أهل العلم استثنوا من كان على قضاء حاجته (١)؛ لأن المقام ليس مقام ذكر، وكذا المصلي لقول النبي ﷺ : «إن في الصلاة شغلا» (٢)، فهو مشغول بأذكار الصلاة. وقال شيخ الإسلام: بل يتابع المصلي المؤذن؛ لعموم الأمر بالمتابعة (٣)، ولأنه ذكر وجد سببه في الصلاة، فكان مشروعًا، كما لو عطس المصلي فإنه يحمد الله كما جاءت به السنة. لكن قد يقال: إن بينهما فرقًا، فإن حمد العاطس لا يشغل كثيرًا عن أذكار الصلاة، بخلاف متابعة المؤذن، وربما يكون ذلك أثناء قراءة الفاتحة فتفوت الموالاة بينها، فالراجح أن المصلي لا يتابع المؤذن. ا. هـ.

стр. 139

الحكم السابع عشر ذكر المحل سواء كان زمانيًا أو مكانيًا مقدم على غيره، مهما كان فضل الذكر المقدم عليه، ولذا كان الذكر بالتعظيم في الركوع أفضل من قراءة القرءان، بل ينهى عن القراءة في هذه الحال، وكذا الدعاء في السجود أفضل من القراءة، بل ينهى عن القراءة فيه، ووجه ذلك أن مراعاة ما يصلح للوقت من العبادة حسب التقديم الشرعي هو المتعين، والفرق بين هذا الحكم والذي قبله أن، هذا على العموم دون النظر إلى حالة التعارض، قال شيخ الإسلام: (١) مع أن العمل المفضول في مكانه هو أفضل من الفاضل في غير مكانه؛ كفضيلة الذكر والدعاء والقراءة بعد الفجر والعصر على الصلاة المنهي عنها في هذا الوقت، وكفضيلة التسبيح في الركوع والسجود على القراءة لأنه نهى أن يقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، وكفضيلة الدعاء في آخر الصلاة على القراءة هنا، لأنه موطن الدعاء، ونظائره متعددة، وبسط هذا له موضع آخر. ا. هـ. وقال ابن القيم في المدارج ما نصه: (٢) إن أفضل العبادة العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته،

стр. 140

فأفضل العبادات في وقت الجهاد: الجهاد، وإن آل إلى ترك الأوراد، من صلاة الليل وصيام النهار، بل ومن ترك إتمام صلاة الفرض، كما في حالة الأمن. والأفضل في وقت حضور الضيف مثلا القيام بحقه، والاشتغال به عن الورد المستحب، وكذلك في أداء حق الزوجة والأهل. والأفضل في أوقات السحر الاشتغال بالصلاة والقرآن، والدعاء والذكر والاستغفار. والأفضل في وقت استرشاد الطالب، وتعليم الجاهل الإقبال على تعليمه والاشتغال به. والأفضل في أوقات الأذان ترك ما هو فيه من ورده، والاشتغال بإجابة المؤذن. والأفضل في أوقات الصلوات الخمس الجِد والنصح في إيقاعها على أكمل الوجوه، والمبادرة إليها في أول الوقت، والخروج إلى الجامع، وإن بعد كان أفضل. والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالجاه، أو البدن، أو المال الاشتغال بمساعدته، وإغاثة لهفته، وإيثار ذلك على أورادك وخلوتك. والأفضل في وقت قراءة القرآن جمعية القلب والهمة على تدبره وتفهمه، حتى كأن الله تعالى يخاطبك به، فتجمع قلبك على فهمه وتدبره، والعزم على تنفيذ أوامره أعظم من جمعية قلب من جاءه كتاب من السلطان على ذلك. والأفضل في وقت الوقوف بعرفة الاجتهاد في التضرع والدعاء

стр. 141

والذكر دون الصوم المضعف عن ذلك. والأفضل في أيام عشر ذي الحجة الإكثار من التعبد، لاسيما التكبير والتهليل والتحميد، فهو أفضل من الجهاد غير المتعين. والأفضل في العشر الأخير من رمضان لزوم المسجد فيه والخلوة والاعتكاف دون التصدي لمخالطة الناس والاشتغال بهم، حتى إنه أفضل من الإقبال على تعليمهم العلم، وإقرائهم القرآن، عند كثير من العلماء. والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم أو موته عيادته، وحضور جنازته وتشييعه، وتقديم ذلك على خلوتك وجمعيتك. والأفضل في وقت نزول النوازل وأذاة الناس لك أداء واجب الصبر مع خلطتك بهم، دون الهرب منهم، فإن المؤمن الذي يخالط الناس ليصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يؤذونه. والأفضل خلطتهم في الخير، فهي خير من اعتزالهم فيه، واعتزالهم في الشر، فهو أفضل من خلطتهم فيه، فإن علم أنه إذا خالطهم أزاله أو قلله فخلطتهم حينئذ أفضل من اعتزالهم. فالأفضل في كل وقت وحال إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه. ا. هـ.

стр. 142

الحكم الثامن عشر الذكر في الزمان الفاضل والمكان الفاضل أفضل منه في المكان والزمان المفضول، وتقرير ذلك أن الزمان والمكان الفاضلين مما تضاعف فيه الحسنات، هذا هو الأصل والذكر من أحسن الحسنات فهو يضاعف في الحرمين ورمضان. قال ابن رجب في اللطائف ما نصه: (١) واعلم أن مضاعفة الأجر للأعمال تكون بأسباب منها: شرف المكان المعمول فيه ذلك العمل؛ كالحرم، ولذلك تضاعف الصلاة في مسجدي مكة والمدينة؛ كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام». وفي رواية: «فإنه أفضل» (٢) وكذلك روي: أن الصيام يضاعف بالحرم.

стр. 143

وفي سنن ابن ماجة (١) بإسناد ضعيف (٢) عن ابن عباس مرفوعًا: «من أدرك رمضان بمكة فصامه وقام منه ما تيسر، كتب الله له مائة ألف شهر رمضان فيما سواه» وذكر له ثوابًا كثيرًا، ومنها: شرف الزمان؛ كشهر رمضان وعشر ذي الحجة، وفي حديث سلمان الفارسي (٣) المرفوع الذي أشرنا إليه في فضل شهر رمضان: «من تطوع فيه بخصلة من خصال الخير، كان كمن أدى فريضة فيما سواه ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه». وفي الترمذي (٤) عن أنس: سئل النبي ﷺ أي الصدقة أفضل؟ قال: «صدقة في رمضان» وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: «عمرة في رمضان تعدل بحجة» (٥) أو قال: «حجة معي ..... الخ» (٦) ما ذكره، وقال أيضا: وفي تضاعف جوده ﷺ في شهر رمضان بخصوصه فوائد كثيرة:

стр. 144

منها: شرف الزمان ومضاعفة أجر العمل فيه وفي الترمذي (١) عن أنس مرفوعا: «أفضل الصدقة صدقة رمضان».ا. هـ. وقال ابن عثيمين في شرح الأربعين ما نصه: ومضاعفة ثواب الحسنات تكون بأمور، منها: الأول: الزمان، مثاله: قول النبي ﷺ في العشر الأول من ذي الحجة «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله، قال: ولا الجهاد في سبيل الله» (٢) هذا عظم ثواب العمل بالزمن. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣]. الثاني: باعتبار المكان، ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة». (٣) الخ ما ذكره. وقال عطية سالم في شرح الأربعين ما نصه: (٤) وتتضاعف

стр. 145

الحسنات أيضًا بحسب المكان والزمان، ومضاعفة الحسنات في الزمان والمكان جاءت فيه النصوص الكثيرة، فمن حيث الزمان نعلم أن الرسول ﷺ فضل بعض أوقات الزمن من ساعة ومن يوم ومن ليلة ومن شهر على بعض، وكل ذلك جاءت فيه النصوص .. الخ ما ذكره.
следующие страницы →