والذكر دون الصوم المضعف عن ذلك.
والأفضل في أيام عشر ذي الحجة الإكثار من التعبد، لاسيما التكبير والتهليل والتحميد، فهو أفضل من الجهاد غير المتعين.
والأفضل في العشر الأخير من رمضان لزوم المسجد فيه والخلوة والاعتكاف دون التصدي لمخالطة الناس والاشتغال بهم، حتى إنه أفضل من الإقبال على تعليمهم العلم، وإقرائهم القرآن، عند كثير من العلماء.
والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم أو موته عيادته، وحضور جنازته وتشييعه، وتقديم ذلك على خلوتك وجمعيتك.
والأفضل في وقت نزول النوازل وأذاة الناس لك أداء واجب الصبر مع خلطتك بهم، دون الهرب منهم، فإن المؤمن الذي يخالط الناس ليصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يؤذونه.
والأفضل خلطتهم في الخير، فهي خير من اعتزالهم فيه، واعتزالهم في الشر، فهو أفضل من خلطتهم فيه، فإن علم أنه إذا خالطهم أزاله أو قلله فخلطتهم حينئذ أفضل من اعتزالهم.
فالأفضل في كل وقت وحال إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه. ا. هـ.
стр. 142
الحكم الثامن عشر
الذكر في الزمان الفاضل والمكان الفاضل أفضل منه في المكان والزمان المفضول، وتقرير ذلك أن الزمان والمكان الفاضلين مما تضاعف فيه الحسنات، هذا هو الأصل والذكر من أحسن الحسنات فهو يضاعف في الحرمين ورمضان.
قال ابن رجب في اللطائف ما نصه: (١) واعلم أن مضاعفة الأجر للأعمال تكون بأسباب منها: شرف المكان المعمول فيه ذلك العمل؛ كالحرم، ولذلك تضاعف الصلاة في مسجدي مكة والمدينة؛ كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام».
وفي رواية: «فإنه أفضل» (٢) وكذلك روي: أن الصيام يضاعف بالحرم.
стр. 143
وفي سنن ابن ماجة (١) بإسناد ضعيف (٢) عن ابن عباس مرفوعًا: «من أدرك رمضان بمكة فصامه وقام منه ما تيسر، كتب الله له مائة ألف شهر رمضان فيما سواه» وذكر له ثوابًا كثيرًا، ومنها: شرف الزمان؛ كشهر رمضان وعشر ذي الحجة، وفي حديث سلمان الفارسي (٣) المرفوع الذي أشرنا إليه في فضل شهر رمضان: «من تطوع فيه بخصلة من خصال الخير، كان كمن أدى فريضة فيما سواه ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه».
وفي الترمذي (٤) عن أنس: سئل النبي ﷺ أي الصدقة أفضل؟ قال: «صدقة في رمضان» وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: «عمرة في رمضان تعدل بحجة» (٥) أو قال: «حجة معي ..... الخ» (٦) ما ذكره، وقال أيضا:
وفي تضاعف جوده ﷺ في شهر رمضان بخصوصه فوائد كثيرة:
стр. 144
منها: شرف الزمان ومضاعفة أجر العمل فيه وفي الترمذي (١) عن أنس مرفوعا: «أفضل الصدقة صدقة رمضان».ا. هـ.
وقال ابن عثيمين في شرح الأربعين ما نصه: ومضاعفة ثواب الحسنات تكون بأمور، منها:
الأول: الزمان، مثاله: قول النبي ﷺ في العشر الأول من ذي الحجة «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله، قال: ولا الجهاد في سبيل الله» (٢) هذا عظم ثواب العمل بالزمن.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣].
الثاني: باعتبار المكان، ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة». (٣) الخ ما ذكره.
وقال عطية سالم في شرح الأربعين ما نصه: (٤) وتتضاعف
стр. 145
الحسنات أيضًا بحسب المكان والزمان، ومضاعفة الحسنات في الزمان والمكان جاءت فيه النصوص الكثيرة، فمن حيث الزمان نعلم أن الرسول ﷺ فضل بعض أوقات الزمن من ساعة ومن يوم ومن ليلة ومن شهر على بعض، وكل ذلك جاءت فيه النصوص .. الخ ما ذكره.
стр. 146
الحكم التاسع عشر
أن جهة القبلة أشرف الجهات، فاستقبال الذاكر لها أفضل؛ ما لم يعارضه ما هو أرجح، هكذا قال جماعة من أهل العلم، قالوا: ولذا جاء الأمر باستقبالها في الصلاة، وشرع استقبالها في الدعاء والأذان والذبح، كل ذلك متواتر عنه ﵊.
ونِهي عن استقبالها حال قضاء الحاجة في الفضاء، واختلف في ذلك في البنيان، ونِهي عن البصاق تجاه القبلة؛ كما أخرجه أبو داود من طريق عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش، عن حذيفة (١)، أظنه عن رسول الله ﷺ قال:
«من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة تفله بين
стр. 147
عينيه، ومن أكل من هذه البقلة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا» (١) ثلاثًا. وإسناده صحيح.
والنهي عن البصاق في الصلاة أمام المصلي ثابت في الصحيحين، وحمل كثير منهم حديث حذيفة عليه من باب تقييد المطلق.
وفي سنن أبي داود (٢) عن أبي سعيد الخدري: (٣) أن النبي ﷺ كان يحب العراجين ولا يزال في يده منها، فدخل المسجد فرأى نخامة في قبلة المسجد فحكها، ثم أقبل على الناس مغضبا، فقال: «أيسر أحدكم أن يبصق في وجهه؟ إن أحدكم إذا استقبل القبلة فإنما يستقبل ربه ...».
ومن الأدلة ما أخرجه أبو داود (٤) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عبد الحميد بن سنان، عن عبيد بن عمير، عن أبيه أنه حدثه، وكانت له صحبة أن رجلا سأله، فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ فقال: «هن تسع»، فذكر معناه زاد: «وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتًا» إسناده مقارب.
стр. 148
ومن الأدلة ما رواه البخاري (١) من طريق عن ابن شهاب قال أخبرني عروة أن عائشة أخبرته: أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهي بينه وبين القبلة على فراش أهله اعتراض الجنازة.
وروي من غير وجه عن عائشة؛ ووجه الاستدلال أن استقبال القبلة حال النوم لشرفها وقبل النوم تشرع أذكار عديدة. وعند البخاري (٢) وغيره عن عبد الله بن زيد (٣) ﵁ قال: خرج النبي ﷺ إلى هذا المصلى يستسقي فدعا واستسقى ثم استقبل القبلة وقلب رداءه».
وروى البيهقي في الكبرى: (٤) من طريق القاسم بن عروة عن محمد بن كعب القرظى حدثنى عبد الله بن عباس يرفع الحديث إلى النبي ﷺ قال:
«إن لكل شيء شرفًا وأشرف المجالس ما استقبل به القبلة لا تصلوا خلف نائم ولا متحدث واقتلوا الحية والعقرب وإن كنتم في صلاتكم ولا تستروا الجدر بالثياب». وذكر الحديث. وروى ذلك أيضًا عن هشام بن زياد أبى المقدام عن محمد بن كعب وروى من وجه آخر منقطع عن محمد بن كعب ولم يثبت في ذلك إسناد. ا. هـ. كلامه.
стр. 149
وقال ابن أبي شيبة في مصنفه: باب الجلوس قبالة القبلة. وأسند عن ابن مسعود وجماعة من التابعين وغيرهم تفضيل استقبال القبلة إما مطلقًا أو في مجالس خاصة.
وقال ابن عبد البر في الاستذكار ما نصه: (١) وجائز إشعار الهدي قبل تقليده، وتقليده قبل إشعاره، وكل ذلك قد روي عن النبي ﷺ ، وأما توجهه إلى القبلة في حين التقليد، فإن القبلة على كل حال يستحب استقبالها بالأعمال التي يراد بها الله تبركًا بذلك، واتباعًا للسنة، قال رسول الله ﷺ : «من أكل ذبيحتنا واستقبل قبلتنا الحديث» (٢).ا. هـ.
وقال في التيسير شرح الجامع الصغير (٣) ما نصه: «أن لكل شيء شرفًا» أي: رفعة «وأن أشرف المجالس ما استقبل به القبلة» فيندب المحافظة على استقبالها في غير قضاء الحاجة ونحوه ما أمكن سيما عند الأذكار ووظائف الطاعات. ا. هـ.
قال في فيض القدير: (٤) قال الحليمي: وإذا ندب استقبال القبلة في كل مجلس فاستقبالها حال الدعاء أحق وآكد. قال العراقي: الجهات الأربع قد خص منها جهة القبلة بالتشريف فالعدل أن يستقبل في الذكر والعبادة والوضوء وأن ينحرف عنها حال قضاء الحاجة وكشف العورة إظهارًا لفضل ما ظهر فضله. ا. هـ.
وقال في الفروع: (٥) وظاهر ما ذكره بعضهم يستقبل القبلة، ولا
стр. 150
تصريح بخلافه، وهو متجه في كل طاعة إلا لدليل. ا. هـ.
تنبيه: حديث: «أشرف المجالس ما استقبل به القبلة» لا يثبت كما تقدم النقل عن البيهقي، ولذا قال العقيلي في الضعفاء (١) ما نصه: وليس لهذا الحديث طريق يثبت. ا. هـ.
وقال شيخ الإسلام في شرح العمدة (٢) ما نصه: ويستحب إذا جلس لانتظار الصلاة أن يجلس مستقبلا القبلة؛ لأن خير المجالس ما استقبل به القبلة؛ ولأن العبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة، ومن سنة المصلي أن يكون مستقبل القبلة، قال القاضي: ويكره الاستناد إلى القبلة، وقد نص أحمد على أنه مكروه قبل صلاة الغداة، قال أحمد بن أحرم: رأيت أبا عبد الله، دخل المسجد لصلاة الصبح، فإذا رجل مسند ظهره إلى القبلة، ووجه إلى غير القبلة قبل صلاة الغداة، فأمره أن يتحول إلى القبلة، وقال: هذا مكروه. وذلك لما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁: أنه رأى رجالًا قد أسندوا ظهورهم بين أذان الفجر والإقامة إلى القبلة، فقال عبد الله: «لا تحولوا بين الملائكة وبين صلاتهم». وفي لفظ: «تحولوا عن القبلة لا تحولوا بين الملائكة وبينها فإن هذه الركعتين تطوع». وقال إبراهيم: «كانوا يكرهون أن يتساندوا إلى القبلة قبل صلاة الفجر». رواهن النجاد وعن عمر بن عبد العزيز ﵀: «نهي أن تستدبر القبلة في مواقيت الصلاة». رواه أبو حفص .. الخ ما ذكره. وانظر مسند أحمد (١٦٩٧٢) وكتابي اللباب شرح فصول الآداب ص ١٧٩ ... ففيه الإشارة لما جاء في كلام ابن مسعود والنخعي.
стр. 151
وقال صاحب المرقاة: (١) وفيه أن كثيرا من مواضع الدعاء وقع استقباله ﷺ لغير القبلة منها ما نحن فيه، ومنها حالة الطواف والسعي، ودخول المسجد، وخروجه، وحال الأكل والشرب، وعيادة المريض، وأمثال ذلك، فيتعين أن يقتصر الاستقبال وعدمه على المورد إن وجد وإلا فخير المجالس ما استقبل القبلة كما ورد به الخبر. ا. هـ.
والمسألة فيما يظهر لي اجتهادية محتملة.
стр. 152
الحكم العشرون
يشرع عند تدارس القرآن ودروس العلم التحلق وعدم التفرق، وأيضا الدنوُّ من المعلم وسد الفرج.
أخرج مسلم في صحيحه (١) وغيره: (٢) من طريق الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن تميم بن طَرَفة، عن جابر بن سمرة، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمسِ؟ اسكنوا في الصلاة» قال: ثم خرج علينا فرآنا حلقا فقال: «مالي أراكم عزين» قال: ثم خرج علينا فقال: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟» فقلنا يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: «يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف».
قال الخطابي في معالم السنن ما نصه: (٣) قال الشيخ: قوله عزين يريد فرقًا
стр. 153
مختلفين لا يجمعكم مجلس واحد.
وواحد العزين عزة يقال عزة وعزون كما قالوا ثبة وثبون، ويقال أيضًا ثبات وهي الجماعات المتميزة بعضها عن بعض ا. هـ.
قال النووي في شرح مسلم ما نصه: (١) «ما لي أراكم عزين» أي متفرقين جماعة جماعة.
وهو بتخفيف الزاي الواحدة عزة معناه النهي عن التفرق والأمر بالاجتماع. ا. هـ.
وأما ما يتعلق بسد فجوات الحلقات، فقد أخرج البخاري في باب الحلق والجلوس في المسجد: (٢) عن أبي واقد الليثي قال: بينما رسول الله ﷺ في المسجد، فأقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ وذهب واحد، فأما أحدهما فرأى فرجة فجلس، وأما الآخر فجلس خلفهم، فلما فرغ رسول الله ﷺ ، قال: «ألا أخبركم عن الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض الله عنه» وأخرجه أيضا مسلم. (٣)
وفي شرح ابن بطال ما نصه: (٤) وفيه سد الفرج في حلق الذكر، وقد جاء في سدِّها في صفوف الصلاة وفى الصف في سبيل الله، ترغيب وآثار، ومعلوم أن حلق الذكر من سبيل الله. وفيه: أن التزاحم
стр. 154
بين يدي العالم من أفضل أعمال البر، ألا ترى قول لقمان لابنه: «يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتك، فإن الله يحيى القلوب بنور الحكمة، كما يحيى الأرض بوابل السماء. ا. هـ.
وقال في الاستذكار ما نصه: (١) وفي هذا الحديث معان من آداب مجالسة العالم والتحلق إليه والتخطي في حلقته إلى فرجة إن كانت فيها أو الجلوس حيث انتهى بالطلب المجلس وغير ذلك. ا. هـ.
فائدة في الاجتماع للقراءة: قال ابن القيم في الكلام على مسألة السماع ص٤٤٣ ما نصه: وهذه مسألة اختلف فيها أهل العلم، وهي قراءة الجماعة بصوت واحد فكرهها طائفة واستحبوا قراءة الإدارة وهي يقرأ هذا، ثم يسكت فيقرأ الآخر حتى ينتهوا، واستحبتها طائفة، وقالوا: تعاون الأصوات يكسو القراءة طيبا، وتجلالة وتأثيرا في القلوب، وتأمل هذا في تعاون الحركات بالآلات المطربة كيف يحدث لها كيفية أخرى؟ فإن الهيئة الاجتماعية لها من الحكم ما ليس لإفرادها وفصلت طائفة وقالوا: كان أصحاب النبي ﷺ إذا اجتمعوا أمروا واحدًا منهم يقرأ والباقون يستمعون، فلم يكونوا يقرأون جملة، ولم يكونوا يديرون القراءة بل القارىء واحد، والباقون مستمعون، ولا ريب أن هذا أكمل الثلاثة، والله أعلم. ا. هـ.
стр. 155
الحكم الواحد والعشرون
الذكر الجماعي وصورته ما ذكره العلماء ومنهم شيخنا ابن باز بقوله:
أما التكبير الجماعي المبتدع، فهو أن يرفع جماعة - اثنان فأكثر- الصوت بالتكبير جميعا يبدأونه جميعا، وينهونه جميعا بصوت واحد وبصفة خاصة.
وهذا العمل لا أصل له ولا دليل عليه، فهو بدعة في صفة التكبير ما أنزل الله بها من سلطان، فمن أنكر التكبير بهذه الصفة فهو محق؛ وذلك لقوله ﷺ : «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١) أي مردود غير مشروع. ا. هـ.
قلت: كتب عامل لعمر ﵁: إن ها هنا قومًا يجتمعون، فيدعون للمسلمين وللأمير.
فكتب إليه عمر ﵁: أقبل بهم معك، فأقبل، وقال عمر ﵁ للبواب:
أعد سوطًا، فلما دخلوا على عمر ﵁، علا أميرهم ضربًا بالسوط. (٢)
стр. 156
وقال شيخ الإسلام في الفتاوى الكبرى: (١) وأما دعاء الإمام والمأمومين جميعا عقيب الصلاة فلم ينقل هذا أحد عن النبي ﷺ ، ولكن نقل عنه: أنه أمر معاذا أن يقول دبر كل صلاة: «اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك» (٢) ونحو ذلك. ولفظ دبر الصلاة قد يراد به آخر جزء من الصلاة. كما يراد بدبر الشيء مؤخره، وقد يراد به ما بعد انقضائها، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠]. وقد يراد به مجموع الأمرين، وبعض الأحاديث يفسر بعضًا لمن تتبع ذلك وتدبره. وبالجملة فهنا شيئان:
أحدهما: دعاء المصلي المنفرد، كدعاء المصلي صلاة الاستخارة، وغيرها من الصلوات، ودعاء المصلي وحده، إماما كان أو مأموما.
والثاني: دعاء الإمام والمأمومين جميعا، فهذا الثاني لا ريب أن النبي ﷺ لم يفعله في أعقاب المكتوبات، كما كان يفعل الأذكار المأثورة عنه، إذ لو فعل ذلك لنقله عنه أصحابه، ثم التابعون، ثم العلماء، كما نقلوا ما هو دون ذلك. ا. هـ.
وقال أيضا في المسائل والأجوبة: (٣) وأما دعاء الإمام والمأمومين بعد الصلاة - رافعي أصواتهم وغير رافعيها - فهذا ليس في سنة الصلاة الراتبة، لم يكن يفعله النبي ﷺ ، وقد استحبت طائفة من العلماء من أصحاب الشافعي وأحمد في وقت الصلاة صلاة الفجر وصلاة العصر؛
стр. 157
لأنه لا صلاة بعدها، وبعض الناس يستحبه في أدبار الخمس.
والذي عليه الأئمة الكبار أن ذلك ليس من سنة الصلاة، ولا يستحب الدوام عليه؛ فإن النبي ﷺ لم يكن يفعله هو ولا خلفاؤه الراشدون، ولكن كان يذكر الله عقب كل صلاة، ويرغب في ذلك، ويجهر بالذكر عقيب الصلاة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة - حديث المغيرة بن شعبة وعبد الله بن الزبير. ا. هـ.
وقال في الفتاوى الكبرى: (١) ما لم يُسن له الاجتماع المعتاد الدائم:
كالتعريف في الأمصار، والدعاء المجتمع عليه عقب الفجر، والعصر، والصلاة، والتطوع المطلق في جماعة، والاجتماع لسماع القرآن وتلاوته، أو سماع العلم، والحديث، ونحو ذلك، فهذه الأمور لا يكره الاجتماع لها مطلقا، ولم يسن مطلقا، بل المداومة عليها بدعة فيستحب أحيانا، ويباح أحيانا وتكره المداومة عليها، وهذا هو الذي نص عليه أحمد في الاجتماع على الدعاء، والقراءة، والذكر، ونحو ذلك، والتفريق بين السنة والبدعة في المداومة أمر عظيم ينبغي التفطن له. ا. هـ.
وفي المجموع: (٢) وسئل ﵀: عن عوام فقراء يجتمعون في مسجد يذكرون ويقرءون شيئًا من القرآن ثم يدعون ويكشفون رءوسهم ويبكون ويتضرعون وليس قصدهم من ذلك رياء ولا سمعة بل يفعلونه على وجه التقرب إلى الله تعالى فهل يجوز ذلك أم لا؟
فأجاب: الحمد لله، الاجتماع على القراءة والذكر والدعاء حسن مستحب إذا لم يتخذ ذلك عادة راتبة - كالاجتماعات المشروعة - ولا
стр. 158
اقترن به بدعة منكرة وأما كشف الرأس مع ذلك فمكروه لا سيما إذا اتخذ على أنه عبادة فإنه حينئذ يكون منكرا ولا يجوز التعبد بذلك والله أعلم. ا. هـ.
وقال الشاطبي في الاعتصام ما نصه: (١) وإلا فأين في الكتاب أو في السنة الاجتماع للذكر على صوت واحد جهرًا عاليًا؟ وقد قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]. والمعتدون في التفسير: هم الرافعون أصواتهم بالدعاء.
وعن أبي موسى قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال النبي ﷺ : «أيها الناس أربعوا على أنفسكم، إنكم ليس تدعون أصم ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا، وهو معكم». (٢) وهذا الحديث من تمام تفسير الآية. ولم يكونوا يكبرون على صوت واحد، ولكنه نهاهم عن رفع الصوت ليكونوا ممتثلين للآية. وقد جاء عن السلف أيضا النهي عن الاجتماع على الذكر والدعاء بالهيئة التي يجتمع عليها هؤلاء المبتدعون، وجاء عنهم النهي عن المساجد المتخذة لذلك، وهي الربط التي يشبهونها بالصُفة. ذكر من ذلك ابن وهب وابن وضاح (٣) وغيرهما ما فيه كفاية لمن وفقه الله. ا. هـ.
وقال سماحة الشيخ ابن باز في فتاويه: (٤) والسنة للإمام والمنفرد والمأموم الجهر بهذه الأذكار بعد كل صلاة فريضة، جهرًا متوسطًا ليس
стр. 159
فيه تكلف، وقد ثبت في الصحيحين (١) عن ابن عباس ﵁: أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي ﷺ قال ابن عباس ﵁: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته.
ولا يجوز أن يجهروا بصوت جماعي بل كل واحد يذكر بنفسه من دون مراعاة لصوت غيره؛ لأن الذكر الجماعي بدعة لا أصل لها في الشرع المطهر. ا. هـ.
وقال شيخنا أيضًا في فتاويه ما نصه: (٢) والتكبير الجماعي محدث فهو بدعة، وعمل الناس إذا خالف الشرع المطهر وجب منعه وإنكاره؛ لأن العبادات توقيفية لا يشرع فيها إلا ما دل عليه الكتاب والسنة، أما أقوال الناس وآراؤهم فلا حجة فيها إذا خالفت الأدلة الشرعية، وهكذا المصالح المرسلة لا تثبت بها العبادات، وإنما تثبت العبادة بنص من الكتاب أو السنة أو إجماع قطعي.
والمشروع أن يكبر المسلم على الصفة المشروعة الثابتة بالأدلة الشرعية وهي التكبير فرادى.
وقد أنكر التكبير الجماعي ومنع منه سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية ﵀ وأصدر في ذلك فتوى، وصدر مني في منعه أكثر من فتوى، وصدر في منعه أيضا فتوى من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
وألف فضيلة الشيخ حمود بن عبد الله التويجري ﵀ رسالة قيمة
стр. 160
في إنكاره والمنع منه، وهي مطبوعة ومتداولة ا. هـ. وفتاوي شيخنا ابن باز ﵀ في هذا البحث كثيرة .... وسئل ابن عثيمين ﵀ في الباب المفتوح:
فضيلةَ الشيخ: توجد ظاهرة، وهي: أن التكبير يوم العيد قبل الصلاة يكون جماعيًا، ويكون في ميكرفون، وكذلك في أيام التشريق يكون جماعيًا في أدبار الصلوات، ويقولون: هذا قياسًا على الأذان، فما حكم هذا؟
الجواب: التكبير في عشر ذي الحجة ليس مقيدًا بأدبار الصلوات، وكذلك في ليلة العيد -عيد الفطر- ليس مقيدًا بأدبار الصلوات، فكونهم يقيدونه بأدبار الصلوات فيه نظر، ثم كونهم يجعلونه جماعيًا فيه نظر أيضًا؛ لأنه خلاف عادة السلف، وكونهم يذكرونه على المآذن فيه نظر، فهذه ثلاثة أمور كلها فيها نظر.
والمشروع في أدبار الصلوات أن تأتي بالأذكار المعروفة المعهودة، ثم إذا فرغت كَبِّر، وكذلك المشروع ألا يُكَبِّر الناس جميعًا، بل كلٌّ يكبر وحده، هذا هو المشروع كما في حديث أنس ﵁: كانوا مع النبي ﷺ فمنهم المهلل ومنهم المكبر. (١) ولم يكونوا على حال واحد. ا. هـ.
وسئل أيضًا: فضيلةَ الشيخ! قلتم: إنه يجوز أن يرفع الصوت بالذكر بعد الصلاة، ولكن إن أدى هذا إلى أن يكون الذكر جماعيًا بين المصلين فهل يجوز؟
الجواب: أنا في الواقع لم أقل: يجوز! بل قلت: إنه من السنة، يعني: الأفضل، فإنه من السنة ولا شك.
وأما أداء هذا الذكر جماعة فهذا بدعة؛ لأن الرسول ﵊ وأصحابه لم يكونوا يفعلون ذلك، كلُّ يذكر على نفسه لكنهم يجهرون. ا. هـ.
стр. 161
وسئل أيضا: بعض الناس يجتمعون على حديث ذكر، وفي النهاية يقومون بدعاء جماعي واحد يدعو والبقية يقولون: آمين، هل هذا صحيح؟
الجواب: هذا صحيح إذا لم يتخذ عادة، فإن اتخذ عادة صار سنة، وهو ليس بسنة، فإذا كان هذا عادة كلما جلسوا ختموا بالدعاء، فهذا بدعة لا نعلمها عن النبي ﵊، وأما إذا كان أحيانًا كأن يمر بهم وعيد أو ترغيب ثم يدعون الله فلا بأس، لأنه فرق بين الشيء الراتب والعارض، العارض قد يفعله الإنسان أحيانًا ولا يداوم عليه، كما كان الرسول ﵊ أحيانًا يصلي معه بعض الصحابة في صلاة الليل جماعة، ومع ذلك ليس بسنة أن يصلي الإنسان جماعة في صلاة الليل إلا أحيانًا. ا. هـ.
وفتاوي الشيخ في هذا الموضوع كثيرة، وقال ﵀ في لقاءات الباب المفتوح: (١) أما قراءة القرءان بصوت واحد من أجل التحفظ أو التعلم فلا بأس بها، وأما إذا كانت من أجل التعبد فلا ... الخ كلامه.
فائدة قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوي: (٢) في جواب لسؤال ما نصه: الحمد لله رب العالمين، صلاة التطوع في جماعة نوعان: أحدهما: ما تسن له الجماعة الراتبة كالكسوف والاستسقاء وقيام رمضان فهذا يفعل في الجماعة دائما كما مضت به السنة. الثاني: ما لا تسن له الجماعة الراتبة: كقيام الليل والسنن الرواتب وصلاة الضحى وتحية المسجد ونحو ذلك، فهذا إذا فعل جماعة أحيانًا جاز. وأما الجماعة الراتبة في ذلك فغير مشروعة بل بدعة مكروهة. الخ كلامه ﵀.
قلت: صلاة الضحى جماعة كما في حديث عتبان متفق عليه، وصلاة تحية المسجد جماعة كما في حديث سعد عند مسلم (٢٨٩٠)
стр. 162
الحكم الثاني والعشرون
كل ذكر جاء مطلقًا في الكتاب والسنة فلا يجوز تقيده بزمان أو مكان أو حال؛ إلا بدليل، بل يعمل به بإطلاق؛ كما جاء بإطلاق والتقييد له موقوف على ثبوت الخبر، وإلا كان ضربًا من ضروب البدع.
مثاله: الأمر بالصلاة على النبي ﷺ في قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] فلو ذهب ذاهب إلى تقييد ذلك عند وضوئه، أو عند أكله لكان ذلك ممنوعًا، ولو التزمه عند دخول المسجد وخروجه منه لكان ذلك مشروعًا لثبوت الخبر وقس على ذلك سائر الأذكار.
قال الشاطبي في الاعتصام (١) ما نصه: وبيان ذلك أن الدليل الشرعي إذا اقتضى أمرا في الجملة مما يتعلق بالعبادات مثلًا، فأتى به المكلف في الجملة أيضًا؛ كذكر الله والدعاء والنوافل المستحبات وما أشبهها مما يعلم من الشارع فيها التوسعة؛ كان الدليل عاضدًا لعلمه من جهتين: من جهة معناه، ومن جهة عمل السلف الصالح به.
стр. 163
فإن أتى المكلف في ذلك الأمر بكيفية مخصوصة، أو زمان مخصوص أو مكان مخصوص أو مقارنًا لعبادة مخصوصة، والتزم ذلك بحيث صار متخيلا أن الكيفية، أو الزمان أو المكان مقصود شرعًا من غير أن يدل الدليل عليه؛ كان الدليل بمعزل عن ذلك المعنى المستدل عليه.
فإذا ندب الشرع مثلًا إلى ذكر الله، فالتزم قوم الاجتماع عليه على لسان واحد وبصوت، أو في وقت معلوم مخصوص عن سائر الأوقات؛ لم يكن في ندب الشرع ما يدل على هذا التخصيص الملتزم، بل فيه ما يدل على خلافه؛ لأن التزام الأمور غير اللازمة شرعًا شأنها أن تفهم التشريع، وخصوصا مع من يقتدى به في مجامع الناس كالمساجد؛ فإنها إذا ظهرت هذا الإظهار ووضعت في المساجد كسائر الشعائر التي وضعها رسول الله ﷺ في المساجد وما أشبهها كالأذان وصلاة العيدين والاستسقاء والكسوف؛ فهم منها بلا شك أنها سنن، إذا لم تُفهم منها الفرضية، فأحرى أن لا يتناولها الدليل المستدل به، فصارت من هذه الجهة بدعًا محدثة بذلك - إلى أن قال - ومثل هذا الدعاء؛ فإنه ذكر الله، ومع ذلك؛ فلم يلتزموا فيه كيفيات، ولا قيدوه بأوقات مخصوصة. بحيث تشعر باختصاص التعبد بتلك الأوقات، إلا ما عينه الدليل؛ كالغداة والعشي. ولا أظهروا منه إلا ما نص الشارع على إظهاره؛ كالذكر في العيدين وشبهه، وما سوى ذلك؛ فكانوا مثابرين على إخفائه وسره، ولذلك قال لهم النبي ﷺ حين رفعوا أصواتهم: «أربعوا على أنفسكم؛ إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا» (١) وأشباهه، ولم يظهروه في الجماعات.
فكل من خالف هذا الأصل؛ فقد خالف إطلاق الدليل أولًا؛ لأنه
стр. 164
قيد فيه بالرأي، وخالف من كان أعرف منه بالشريعة. وهم السلف الصالح ﵃، بل كان رسول الله ﷺ يترك العمل وهو يحب أن يعمل به خوفًا أن يعمل به الناس فيفرض عليهم - إلى أن قال - فقد يتوهم أن إطلاق اللفظ يشعر بجواز كل ما يمكن في مدلوله وقوعًا، وليس كذلك؛ خصوصًا في العبادات؛ فإنها محمولة على التعبد على حسب ما تلقى النبي ﷺ والسلف الصالح؛ كالصلوات حين وضعت بعيدة عن مدارك العقول في أركانها وترتيبها وأزمانها وكيفياتها ومقاديرها، وسائر ما كان مثلها.- إلى أن قال- فالمخصص كالمخالف لمفهوم التوسعة.- إلى أن قال- ومن أمثلة هذا الأصل التزام الدعاء بعد الصلوات بالهيئة الاجتماعية معلنًا بها في الجماعات. الخ كلامه.
стр. 165
الحكم الثالث والعشرون
أن ألفاظ التهليل الواردة في الأذكار صفتها الصحيحة والمحفوظة هي:
«لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» (١) وما يتخللها من زيادات مثل:
١ - يحيى ويميت. أو.
٢ - بيده الخير أو.
٣ - وهو حي لا يموت.
لا يصح منها شيء.
والأحاديث الصحيحة التي جاء فيها هذا الذكر تنقسم إلى قسمين.
قسم لم يقع في شيء من طرقه أيٌّ من هذه الزيادات. وذلك كحديث عبد الله بن عمر ﵁، في الصحيح (٢) ولفظه أنه قال: أن رسول الله ﷺ كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ثم يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير آيبون تائبون
стр. 166
عابدون ساجدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده».
وكذا حديث ابن الزبير عند مسلم (١) ولفظه قال أبو الزبير - محمد مسلم بن تَدرُس -، قال: كان ابن الزبير ﵁، يقول: في دبر كل صلاة حين يسلم «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون» وقال: كان رسول الله ﷺ يهلل بهن دبر كل صلاة.
وكذلك حديث ابن مسعود ﵁ عند مسلم (٢) ولفظه قال: كان نبي الله ﷺ إذا أمسى قال: «أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله لا إله إلا الله، وحده لا شريك له» قال: أراه قال فيهن: «له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، رب أسألك خير ما في هذه الليلة وخير ما بعدها، وأعوذ بك من شر ما في هذه الليلة وشر ما بعدها، رب أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر، رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر» وإذا أصبح قال ذلك أيضا: «أصبحنا وأصبح الملك لله».
وكذلك حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيحين (٣) ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال: من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على شيء قدير. في يوم مائة مرة كانت له عدل
стр. 167
عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك».
وقسم وقعت فيه بعض هذه الزيادات لكنها غير محفوظة.
مثل ما أخرجه صاحبا الصحيح (١) من طريق وراد كاتب المغيرة بن شعبة قال أملى علي المغيرة بن شعبة في كتاب إلى معاوية: أن النبي ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة «لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد» وقال شعبة عن الملك بهذا عن الحكم عن القاسم بن مخيمرة عن وراد بهذا. وقال الحسن: الجد غنى.
وإنما وقعت زيادة «وهو حي لا يموت» وزيادة «بيده الخير» عند الطبراني: (٢) من طريق المسيب بن رافع عن مولى المغيرة بن شعبة عن المغيرة بن شعبة كتب إلى معاوية ﵁: كان رسول الله ﷺ إذا سلم من الصلاة يقول: لا اله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد».
ووقعت «بيده الخير» أيضًا في حديث المغيرة عند ابن السني (٣) وكل هذه الزيادات لا تثبت.
ومما وقع فيه زيادة حديث عبادة بن الصامت: أن رسولَ الله ﷺ
стр. 168
قال:
«مَن تَعَارَّ من الليل، فقال: لا إلهَ إلا الله وحده لا شريك له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قدير، والحمد لله، وسبحان الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهمَّ اغفر لي - أو قال: ثم دعا - استجِيبَ له، فإن عزم فتوضأ وصلَّى، قبلتْ صلاته». أخرجه البخاري (١) وغيره. (٢)
فقد أخرجه أبو نعيم في الحلية: (٣) من طريق الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، ثنا عمير بن هانئ، قال: حدثني جنادة بن أبي أمية، حدثني عبادة بن الصامت ﵁ (٤)، أن رسول الله ﷺ قال: «من تعار من الليل فقال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: رب اغفر لي غفر له، أو قال: فدعا، استجيب له، فإن هو عزم فتوضأ وصلى قبلت صلاته» ثم قال أبو نعيم عقبه: صحيح متفق عليه، من حديث عمير بن هانئ والأوزاعي.
стр. 169
قلت: دون زيادة «يحيي ويميت» فهي شاذة في هذا الموضع.
ومما وقع فيه زيادة أيضًا: حديث أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ : «من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبر الله ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال: تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» (١) أخرجه مسلم. فقد أخرجه النسائي في الكبرى (٢)، وزاد فيه «يحيي ويميت» وهي زيادة شاذة.
ومما وقع فيه زيادة أيضًا حِديث جابر ﵁ في سياق حجة النبي ﷺ ، وفيه: فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]. «أبدأ بما بدأ الله به» فبدأ بالصفا، فرقي عليه، حتى رأى البيت فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» ثم دعا بين ذلك، قال: مثل هذا ثلاث مرات ...» الحديث. (٣)
فقد وقع عند أبي داود (٤) في الحديث ما نصه: فبدأ بالصفا فرقي عليه حتى رأى البيت فكبر الله ووحده وقال: «لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب
стр. 170
وحده» ثم دعا بين ذلك.
وقال: مثل هذا ثلاث مرات. وكذا عند النسائي (١) وابن ماجه (٢) والمحفوظ في الخبر بدونها كما أخرجه مسلم.
ومما جاء فيه زيادة حديث أبي أيوب ﵁ مرفوعًا من قال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل» أصل الحديث في صحيح مسلم (٣) ووقع عند الطبراني في الكبير (٤) «يحيي ويميت» ولا تصح.
ووقعت هذه الزيادات في أذكار أخرى، ولا تثبت، والمقام يطول وإنما نبهت على أصله، وانظر الحلل الإبريزية لي (١/ ٢٤٨ - ٢٤٩).
стр. 171
الحكم الرابع والعشرون
الأصل أن الأذكار لابد من الإتيان بها بألفاظها دون زيادة أو نقص أو تبديل؛ لأن ألفاظ الشارع مقصودة يتعبد له بها، وهذا يفوت بالمخالفة؛ لأن الذكر عبادة بابها التوقيف، والوقوف على الرسوم وهذا بخلاف الأدعية النبوية، وهي وإن كانت متلقاة من الشارع لكن للعبد فيها سعة، ولهذا في حديث جابر بن عبد الله ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن. الحديث. (١)
قال القسطلاني في إرشاد الساري (٢) ما نصه: «كما يعلمنا السورة من القرآن»، قال في البهجة: التشبيه في تحفظ حروفه وترتيب كلماته ومنع الزيادة والنقص منه والدرس له والمحافظة عليه. ا. هـ.
وفي حديث ابن مسعود ﵁ يقول: علمني رسول الله ﷺ وكفي بين كفيه التشهد كما يعلمني السورة من القرآن. الحديث متفق عليه. (٣)
قال أبو الفضل في الفتح (٤) ما نصه: وفي رواية الأسود بن يزيد
стр. 172
عن ابن مسعود ﵁ أخذت التشهد من في رسول الله كلمة كلمة. أخرجها الطحاوي (١) وفي حديث سلمان نحوه وقال: حرفًا حرفًا. أخرجه الطبراني. (٢)
وعند ابن خزيمة (٣) من طريق عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ علمه التشهد في الصلاة، قال: كنا نحفظه عن عبد الله بن مسعود كما نحفظ حروف القرآن الواو والألف. الحديث.
ولذا في حديث البراء بن عازب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به» قال فرددتها على النبي ﷺ فلما بلغت اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت قلت ورسولك، قال: «لا ونبيك الذي أرسلت» متفق عليه. (٤)
وفي لفظ للترمذي: (٥) فقلت: وبرسولك الذي أرسلت، قال: فطعن بيده في صدري، ثم قال: «وبنبيك الذي أرسلت».
قال في فتح الباري (٦) ما نصه: وأولى ما قيل في الحكمة في رده ﵁ على من قال الرسول بدل النبي، أن ألفاظ الأذكار توقيفية،
стр. 173
ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس، فتجنب المحافظة على اللفظ الذي وردت به، وهذا اختيار المازري، قال: فيقتصر فيه على اللفظ الوارد بحروفه، وقد يتعلق الجزاء بتلك الحروف، ولعله أوحى إليه بهذه الكلمات فيتعين أداؤها بحروفها.
وهذا كلام متين غاية في التحرير، ولهذا جاء في فتاوي اللجنة: (١) ما نصه: سؤال: إذا قال المسلم بعد الأذان: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، إنك لا تخلف الميعاد. فهل قوله في ذلك: إنك لا تخلف الميعاد بدعة؟
الجواب: الأصل في الأذكار وسائر العبادات الوقوف عند ما ورد من عباراتها وكيفياتها في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لما رواه البخاري (٢) وغيره عن البراء بن عازب ﵁، قال: قال النبي ﷺ «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تقول، فقلت - أستذكرهن: وبرسولك الذي أرسلت، قال: لا، ونبيك الذي أرسلت». فأبى النبي ﷺ على البراء بن عازب أن يضع كلمة: ورسولك، مكان كلمة: ونبيك، في الذكر والدعاء عند النوم. الخ. ا. هـ.
стр. 174
الحكم الخامس والعشرون
الأذكار الشرعية شُرعت لأغراض صحيحة للتعبد بها، وطلب الثواب في الآخرة، والإتيان بها لغير ما شرعت له عدول عن الطريق السوي واحورا عن المنهج النبوي، ويعظم الأمر حينما تكون لأغراض دنيئة؛ كمن يهلل ويسبح من الباعة جهرًا لجلب الزبائن، أو من يفعل مثل ذلك ممن يسألون الناس من الشحاذين، أو يكبر من الحراس لتنبيه اللصوص على الفطنة حسب.
قال في البحر الرائق (١) ما نصه: ولو فتح التاجر السلعة فصلى على النبي ﷺ وأراد بذلك إعلام المشتري جودة ثوبه، فذلك مكروه، بخلا العالم إذا قال في علمه صلوا على النبي ﷺ ، أو قال قارئ القوم كبروا حيث يثاب، وفي الخلاصة: الفقيه هل يصلي صلاة التسبيح؟ قال: ذلك طاعة العامة، قيل له: فلان الفقيه يصليها قال هو عندي من العامة وفي الغياثية وردت الأخبار بتفضيل بعض السور والآيات على بعض؛ كآية الكرسي ونحوها، واختلفوا في معنى الأفضل، قال بعض: إن ثواب قراءتها أفضل، وقيل بأنها للقلب أيقظ، وهذا أقرب إلى الصواب، والأفضل أن لا يفضل بعض القرآن
стр. 175
على بعض، كره بعض المشايخ التصدق على الذي يقرأ القرآن في الأسواق زجرًا له، والتسبيح والتهليل من الذي يسأل في الأسواق نظير القرآن. ا. هـ.
وفي الفتاوي الهندية (١) ما نصه: الكلام منه ما يوجب أجرًا كالتسبيح والتحميد وقراءة القرآن والأحاديث النبوية وعلم الفقه، وقد يأثم به إذا فعله في مجلس الفسق وهو يعلمه لما فيه من الاستهزاء والمخالفة لموجبه، وإن سبح فيه للاعتبار والإنكار وليشتغلوا عما هم فيه من الفسق فحسن، وكذا من سبح في السوق بنية أن الناس غافلون مشتغلون بأمور الدنيا وهو مشتغل بالتسبيح وهو أفضل من تسبيحه وحده في غير السوق، كذا في الاختيار شرح المختار. من جاء إلى تاجر يشتري منه ثوبًا فلما فتح التاجر الثوب سبح الله تعالى وصلى على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أراد به إعلام المشتري جودة ثوبه فذلك مكروه هكذا في المحيط.
رجل شرب الخمر فقال: الحمد لله لا ينبغي له أن يقول في هذا الموضع الحمد لله، ولو أكل شيئا غصبه من إنسان فقال: الحمد لله، قال الشيخ الإمام إسماعيل الزاهد- رحمه الله تعالى-: لا بأس به كذا في فتاوى قاضي خان، حارس يقول: لا إله إلا الله أو يقول: صلى الله على محمد يأثم؛ لأنه يأخذ لذلك ثمنًا، بخلاف العالم إذا قال: في المجلس صلوا على النبي، أو الغازي يقول: كبروا حيث يثاب، كذا في الكبرى، وإن سبح الفقاعي أو صلى على النبي ﷺ عند فتح فقاعه على قصد ترويجه وتحسينه، أو القصاص إذا قصد بها. (كومئ هنكامه) أثم، وعن هذا يمنع إذا قدم واحد من العظماء إلى
стр. 176
مجلس فسبح أو صلى على النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه إعلاما بقدومه حتى ينفرج له الناس أو يقوموا له يأثم. ا. هـ.
قلت: وهذا لا يمنع أن يكون لبعض الأذكار أغراض صحيحة؛ كالتسبيح في الصلاة لتنبيه الإمام على سهوه أو خارج الصلاة تعجبًا أو التكبير كذلك عند التعجب، فهذا لون وما تقدم التنبيه عليه لون.
لطيفة: قال في سير النبلاء (١) في ترجمة ابن أبي داود- ابن صاحب السنن- ما نصه: قال محمد بن عبد الله القطان: كنت عند ابن جرير، فقيل: ابن أبي داود يقرأ على الناس فضائل الإمام علي.
فقال ابن جرير: تكبيرة من حارس. قلت «الذهبي»: لا يسمع هذا من ابن جرير للعداوة الواقعة بين الشيخين. ا. هـ.
وفي موضع آخر: (٢) قيل لابن جرير: إن أبا بكر بن أبي داود يملي في مناقب علي. فقال: تكبيرة من حارس.
وقد وقع بين ابن جرير وبين ابن أبي داود، وكان كل منهما لا ينصف الآخر، وكانت الحنابلة حزب أبي بكر بن أبي داود، فكثروا وشغبوا على ابن جرير، وناله أذى، ولزم بيته، نعوذ بالله من الهوى.
وكان ابن جرير من رجال الكمال، وشنع عليه بيسير تشيع، وما رأينا إلا الخير منه وبعضهم ينقل عنه أنه كان يجيز مسح الرجلين في الوضوء، ولم نر ذلك في كتبه. ا. هـ. أعدته لما فيه من زيادة الفائدة.
وفي الإنصاف للمرداوي ما نصه: (٣) وقال الشيخ تقي الدين
стр. 177
- ﵀: وقوله «الله أكبر عليك» كالدعاء عليه وشتمه بغير فرية. ا. هـ.
وهذه فتوى للجنة الدائمة (١) مهمة تتعلق بما نحن فيه. السؤال: ونصه: أنه يتوفر للمستشفى التخصصي وسائل اتصالات داخلية جيدة، تسمح للمخاطب بمقاطعة المكالمة القادمة، والانتقال إلى مكالمة أخرى مدة تطول أو تقصر، حسبما تدعو الحاجة، ثم العودة إلى المكالمة الموقوفة، وخلال فترة الانقطاع المذكورة يمكن للمتكلم أن يستمع إلى مادة مسجلة مناسبة، ولقد رغبنا أن نملأ فترة الانقطاع هذه بمادة دينية، سواء مقاطع من القرآن الكريم أو من الأحاديث الشريفة. وحيث إنه قد يتخلل الانقطاعات أمور دنيوية يدخل فيها الجد والهزل حسب مكانة وظرف المتحدثين، فقد رأينا الاستئناس برأي سماحتكم قبل إدخال مثل هذه المواد الدينية.
ومما جاء في الإجابة ما نصه: القرآن الكريم كلام الله تعالى، فيجب احترامه وصيانته عما لا يليق به من خلطه بهزل أو مزاح يسبق تلاوته أو يتبعها، ومن اتخاذه تسلية أو ملء فراغ مثل ما ذكرت، بل ينبغي القصد إلى تلاوته قصدًا أوليًا؛ عبادة لله وتقربا إليه، مع تدبر معانيه والاعتبار بمواعظه، لا لمجرد التسلية والتفكه وملء الفراغ، وكذلك أحاديث النبي ﷺ لا يجوز خلطها بالهزل والدعابات، بل تجب العناية بها، وصيانتها عما لا يليق، والقصد إليها لفهم أحكام الشرع منها والعمل بمقتضاها. ا. هـ. المراد من الفتوى.
فائدة: انتشر في عصرنا السؤال عن قراءة القرءان أو بعضه لأجل حصول الزواج، أو النجاح أو الوظيفة، وكل هذا من طلب الدنيا بعمل الآخرة، والعياذ بالله. فيجب الحذر من ذلك.
стр. 178
وأما الأغراض المذكورة فتدرك بالتوكل على الله وبذل الأسباب العادية، وكثرة السؤال ودعاء مالك الأمور ومدبرها جل وعلا، والله المستعان.
стр. 179
الحكم السادس والعشرون
الأصل في الذكر أن يكون سرًا، وإنما يشرع الجهر في مواضع، لأغراض صحيحة، قال الله جل وعلا: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] قال في زاد المسير (١) ما نصه: في هذا الذكر أربعة أقوال:
أحدها: أنه القراءة في الصلاة، قاله ابن عباس فعلى هذا، أمر أن يقرأ في نفسه في صلاة الإسرار.
والثاني: أنه القراءة خلف الإمام سرًا في نفسه، قاله قتادة.
والثالث: أنه ذكر الله باللسان.
والرابع: أنه ذكر الله باستدامة الفكر، لا يغفل عن الله تعالى، ذكر القولين الماوردي. ا. هـ.
قال النسفي في تفسيره: (٢) هو عام في الأذكار من قراءة القرآن والدعاء والتسبيح والتهليل وغير ذلك. ا. هـ.
стр. 180
وقال ابن كثير في تفسيره ما نصه: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ وهكذا يستحب أن يكون الذكر لا يكون نداء ولا جهرًا بليغًا؛ ولهذا لما سألوا رسول الله ﷺ فقالوا: أقريبِ ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]. (١)
وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري، قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء في بعض الأسفار، فقال لهم النبي ﷺ : «أيها الناس، اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا؛ إن الذي تدعونه سميع قريب» (٢).ا. هـ.
وقال شيخ الإسلام في كتاب الاستقامة ما نصه: (٣) الوجه السادس: أن رفع الأصوات في الذكر المشروع لا يجوز؛ إلا حيث جاءت به السنة؛ كالأذان والتلبية ونحو ذلك، فالسنة للذاكرين والداعين ألا يرفعوا أصواتهم رفعًا شديدًا؛ كما ثبت في الصحيح: (٤) عن أبي موسى أنه قال كنا مع رسول الله ﷺ فكنا إذا علونا على شرف كبرنا فارتفعت أصواتنا، فقال: «يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا قريبًا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته».
وقد قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥].