← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14561

نتاج الفكر في أحكام الذكر

عبد الله بن مانع الروقي

Полный текст (344 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

مجلس فسبح أو صلى على النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه إعلاما بقدومه حتى ينفرج له الناس أو يقوموا له يأثم. ا. هـ. قلت: وهذا لا يمنع أن يكون لبعض الأذكار أغراض صحيحة؛ كالتسبيح في الصلاة لتنبيه الإمام على سهوه أو خارج الصلاة تعجبًا أو التكبير كذلك عند التعجب، فهذا لون وما تقدم التنبيه عليه لون. لطيفة: قال في سير النبلاء (١) في ترجمة ابن أبي داود- ابن صاحب السنن- ما نصه: قال محمد بن عبد الله القطان: كنت عند ابن جرير، فقيل: ابن أبي داود يقرأ على الناس فضائل الإمام علي. فقال ابن جرير: تكبيرة من حارس. قلت «الذهبي»: لا يسمع هذا من ابن جرير للعداوة الواقعة بين الشيخين. ا. هـ. وفي موضع آخر: (٢) قيل لابن جرير: إن أبا بكر بن أبي داود يملي في مناقب علي. فقال: تكبيرة من حارس. وقد وقع بين ابن جرير وبين ابن أبي داود، وكان كل منهما لا ينصف الآخر، وكانت الحنابلة حزب أبي بكر بن أبي داود، فكثروا وشغبوا على ابن جرير، وناله أذى، ولزم بيته، نعوذ بالله من الهوى. وكان ابن جرير من رجال الكمال، وشنع عليه بيسير تشيع، وما رأينا إلا الخير منه وبعضهم ينقل عنه أنه كان يجيز مسح الرجلين في الوضوء، ولم نر ذلك في كتبه. ا. هـ. أعدته لما فيه من زيادة الفائدة. وفي الإنصاف للمرداوي ما نصه: (٣) وقال الشيخ تقي الدين

стр. 177

- ﵀: وقوله «الله أكبر عليك» كالدعاء عليه وشتمه بغير فرية. ا. هـ. وهذه فتوى للجنة الدائمة (١) مهمة تتعلق بما نحن فيه. السؤال: ونصه: أنه يتوفر للمستشفى التخصصي وسائل اتصالات داخلية جيدة، تسمح للمخاطب بمقاطعة المكالمة القادمة، والانتقال إلى مكالمة أخرى مدة تطول أو تقصر، حسبما تدعو الحاجة، ثم العودة إلى المكالمة الموقوفة، وخلال فترة الانقطاع المذكورة يمكن للمتكلم أن يستمع إلى مادة مسجلة مناسبة، ولقد رغبنا أن نملأ فترة الانقطاع هذه بمادة دينية، سواء مقاطع من القرآن الكريم أو من الأحاديث الشريفة. وحيث إنه قد يتخلل الانقطاعات أمور دنيوية يدخل فيها الجد والهزل حسب مكانة وظرف المتحدثين، فقد رأينا الاستئناس برأي سماحتكم قبل إدخال مثل هذه المواد الدينية. ومما جاء في الإجابة ما نصه: القرآن الكريم كلام الله تعالى، فيجب احترامه وصيانته عما لا يليق به من خلطه بهزل أو مزاح يسبق تلاوته أو يتبعها، ومن اتخاذه تسلية أو ملء فراغ مثل ما ذكرت، بل ينبغي القصد إلى تلاوته قصدًا أوليًا؛ عبادة لله وتقربا إليه، مع تدبر معانيه والاعتبار بمواعظه، لا لمجرد التسلية والتفكه وملء الفراغ، وكذلك أحاديث النبي ﷺ لا يجوز خلطها بالهزل والدعابات، بل تجب العناية بها، وصيانتها عما لا يليق، والقصد إليها لفهم أحكام الشرع منها والعمل بمقتضاها. ا. هـ. المراد من الفتوى. فائدة: انتشر في عصرنا السؤال عن قراءة القرءان أو بعضه لأجل حصول الزواج، أو النجاح أو الوظيفة، وكل هذا من طلب الدنيا بعمل الآخرة، والعياذ بالله. فيجب الحذر من ذلك.

стр. 178

وأما الأغراض المذكورة فتدرك بالتوكل على الله وبذل الأسباب العادية، وكثرة السؤال ودعاء مالك الأمور ومدبرها جل وعلا، والله المستعان.

стр. 179

الحكم السادس والعشرون الأصل في الذكر أن يكون سرًا، وإنما يشرع الجهر في مواضع، لأغراض صحيحة، قال الله جل وعلا: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] قال في زاد المسير (١) ما نصه: في هذا الذكر أربعة أقوال: أحدها: أنه القراءة في الصلاة، قاله ابن عباس فعلى هذا، أمر أن يقرأ في نفسه في صلاة الإسرار. والثاني: أنه القراءة خلف الإمام سرًا في نفسه، قاله قتادة. والثالث: أنه ذكر الله باللسان. والرابع: أنه ذكر الله باستدامة الفكر، لا يغفل عن الله تعالى، ذكر القولين الماوردي. ا. هـ. قال النسفي في تفسيره: (٢) هو عام في الأذكار من قراءة القرآن والدعاء والتسبيح والتهليل وغير ذلك. ا. هـ.

стр. 180

وقال ابن كثير في تفسيره ما نصه: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ وهكذا يستحب أن يكون الذكر لا يكون نداء ولا جهرًا بليغًا؛ ولهذا لما سألوا رسول الله ﷺ فقالوا: أقريبِ ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]. (١) وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري، قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء في بعض الأسفار، فقال لهم النبي ﷺ : «أيها الناس، اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا؛ إن الذي تدعونه سميع قريب» (٢).ا. هـ. وقال شيخ الإسلام في كتاب الاستقامة ما نصه: (٣) الوجه السادس: أن رفع الأصوات في الذكر المشروع لا يجوز؛ إلا حيث جاءت به السنة؛ كالأذان والتلبية ونحو ذلك، فالسنة للذاكرين والداعين ألا يرفعوا أصواتهم رفعًا شديدًا؛ كما ثبت في الصحيح: (٤) عن أبي موسى أنه قال كنا مع رسول الله ﷺ فكنا إذا علونا على شرف كبرنا فارتفعت أصواتنا، فقال: «يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا قريبًا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته». وقد قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥].

стр. 181

وقالِ عن زكريا ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣]. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. وفي هذه الآثار عن سلف الأمة وأئمتها ما ليس هذا موضعه؛ كما قال الحسن البصري: رفع الصوت بالدعاء بدعة، وكذلك نص عليه أحمد بن حنبل وغيره، وقال قيس بن عباد: وهو من كبار التابعين من أصحاب علي ﵁ روى عنه الحسن البصري، قال: كانوا يستحبون خفض الصوت عند الذكر وعند الجنائز وعند القتال. ا. هـ. وقال في الفتاوي الكبرى: (١) وهذا لأن الذكر قد تكون السنة المخافتة به، ويجهر به لمصلحة راجحة مثل تعليم المأمومين، فإنه قد ثبت في الصحيح: أن ابن عباس قد جهر بالفاتحة على الجنازة، ليعلمهم أنها سنة. (٢) ... إلى قوله: واتفق العلماء على أن الجهر بذلك ليس بسنة راتبة: لكن جهر به للتعليم، ولذلك نقل عن بعض الصحابة أنه كان يجهر أحيانًا بالتعوذ، فإذا كان من الصحابة من جهر بالاستفتاح والاستعاذة مع إقرار الصحابة له على ذلك، فالجهر بالبسملة أولى أن يكون كذلك. وأن يشرع الجهر بها أحيانا لمصلحة راجحة. وقال: (٣) بل السنة في الذكر كله ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا

стр. 182

تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾. [الأعراف: ٢٠٥] وفي الصحيحين: (١) أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا معه في سفر. فجعلوا يرفعون أصواتهم فقال النبي ﷺ : «أيها الناس أربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم، ولا غائبا، وإنما تدعون سميعًا قريبًا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» وهذا الذي ذكرناه في الصلاة عليه والدعاء، مما اتفق عليه العلماء، فكلهم يأمرون العبد إذا دعا أن يصلي على النبي ﷺ كما يدعو، لا يرفع صوته بالصلاة عليه أكثر من الدعاء، سواء كان في صلاة، كالصلاة التامة، وصلاة الجنازة، أو كان خارج الصلاة، حتى عقيب التلبية فإنه يرفع صوته بالتلبية، ثم عقيب ذلك يصلي على النبي ﷺ ويدعو سرًا، وكذلك بين تكبيرات العيد إذا ذكر الله، وصلى على النبي ﷺ فإنه وإن جهر بالتكبير لا يجهر بذلك. ا. هـ. وقال ابن القيم في كتابه الكلام على مسالة السماع (٢) ما نصه: الوجه العاشر: أن رفع الأصوات بالذكر المشروع مكروه؛ إلا حيث جاءت به السنة ... الخ. وقال السرخسي في المبسوط (٣) ما نصه: والمستحب عندنا في الأذكار والدعاء الخفية إلا فيما تعلق بإعلانه مقصود كالأذان للإعلام، والخطبة للوعظ، وتكبيرات الصلوات لإعلام التحرم والانتقال والقراءة لإسماع المؤتم. ا. هـ.

стр. 183

وقال في بدائع الصنائع: (١) لأن المخافتة أصل في الأذكار والجهر بها بدعة. ا. هـ. فائدة: أخرج البخاري (٢) في باب: قراءة فاتحة الكتاب في صلاة الجنازة، من طريق سعد بن إبراهيم عن طلحة بن عبد الله بن عوف، قال: صليت خلف ابن عباس ﵁ على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب، فقال: ليعلموا أنها سنة. فائدة أخرى: سئل شيخنا ابن باز (٣) ﵀ عن جهره ﵊ بالقراءة في ركعتي الطواف مع أنها بالنهار: فقال لتعليم الصحابة مثل ما جهر ابن عباس بالفاتحة. ا. هـ. ومما يجلي الأمر من السنة تشبيه الجهر بالقرآن؛ كالجهر بالصدقة فقد أخرج أحمد (٤) وغيره (٥): من طريق بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن كثير بن مرة، عن عقبة بن عامر ﵁ (٦)، قال:

стр. 184

قال رسول الله ﷺ : «الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة». قال في المرقاة (١) ما نصه: قوله: «الجاهر بالقرآن» أي بقراءته «كالجاهر بالصدقة» أي: كالمعلن بإعطاءها «والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة» وقد قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. فالظاهر من الحديث إن السر أفضل من الجهر؛ كما أشار إليه النسائي، حيث عقد على هذا الحديث باب فضل السر على الجهر؛ لكن الذي يقتضيه أمره ﷺ لأبي بكر: «ارفع من صوتك» (٢) إن الاعتدال في القراءة أفضل، فإما أن يحمل الجهر في الحديث على المبالغة والسر على الاعتدال، أو على أن هذا الحديث محمول على ما إذا كان الحال تقتضي السر، وإلا فالاعتدال في ذاته أفضل قاله السندي. وقال الترمذي: معنى هذا الحديث إن الذي يسر بالقراءة القرآن أفضل من الذي يجهر بقراءة القرآن؛ لأن صدقة السر أفضل عند أهل العلم من صدقة العلانية، وإنما معنى هذا عند أهل العلم لكي يأمن الرجل من العجب؛ لأن الذي يسرُّ بالعمل لا يخاف عليه بالعجب ما يخاف عليه في العلانية. انتهى. قلت: وردت أحاديث تقتضي استحباب رفع الصوت بالقراءة، وأحاديث تقتضي الأسرار وخفض الصوت، فمن الأول ما تقدم من حديث أبي هريرة ﵁ عند الشيخين: (٣) «ما أذن الله لشي ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن يجهر به» ومن الثاني حديث عقبة هذا وحديث

стр. 185

معاذ بن جبل أخرجه الحاكم. (١) بلفظ: حديث عقبة وصححه على شرط البخاري ووافقه الذهبي. قال النووي في الأذكار: (٢) والجمع بينهما إن الإسرار أبعد من الرياء فهو أفضل في حق من يخاف ذلك، فإن لم يخف الرياء فالجهر أفضل بشرط أن لا يؤذي غيره من مصل أو نائم أو غيرهما يعني إن الإخفاء أفضل حيث خاف الرياء أو تأذى مصلون أو نيام بجهره، والجهر أفضل في غير ذلك لأن العمل فيه أكبر ولأنه يتعدى نفعه إلى غيره أي من استماع أو تعلم أو إقتداء أو انزجار أو كونه شعارًا للدين، ولأنه يوقظ قلب القاريء ويجمع همه إلى الفكر ويصرف سمعه إليه ولأنه يطرد النوم عنه ويزيد في النشاط ويوقظ غيره من نائم وغافل وينشطه فمتى حضره شيء من هذه النيات فالجهر أفضل- انتهى. قال السيوطي: ويدل لهذا الجمع حديث أبي داود (٣) بسند صحيح عن أبي سعيد ﵁: اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر. وقال: «ألا أن كلكم مناج لربه فلا يؤذين بعضكم بعضًا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة» قلت: ويدل له أيضًا ما روى الديلمي (٤) في مسند الفردوس عن ابن عمر ﵁ مرفوعًا: «السر أفضل من العلانية، والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء به» ذكره الذهبي في ترجمة عبد الملك بن مهران عن عثمان بن زائدة عن

стр. 186

نافع عن ابن عمر. قال السيوطي: (١) وقال بعضهم يستحب الجهر ببعض القراءة والأسرار ببعضها لأن المسر قد يميل فيأنس بالجهر والجاهر قد يكل فيستريح بالإسرار ا. هـ.

стр. 187

الحكم السابع والعشرون الأذكار الشرعية الأصل أن تكون باللغة العربية عند لفظها وكتابتها. قال شيخ الإسلام في الاقتضاء (١) ما نصه: وقد اختلف الفقهاء في أذكار الصلوات هل تقال بغير العربية؟ وهي ثلاث درجات: أعلاها القرآن، ثم الذكر الواجب غير القرآن، كالتحريمة بالإجماع وكالتحليل والتشهد عند من أوجبهما ثم الذكر غير الواجب، من دعاء أو تسبيح أو تكبير أو غير ذلك. فأما القرآن: فلا يقرؤه بغير العربية، سواء قدر عليها أو لم يقدر عند الجمهور، وهو الصواب الذي لا ريب فيه، بل قد قال غير واحد: إنه يمتنع أن يترجم سورة، أو ما يقوم به الإعجاز. واختلف أبو حنيفة وأصحابه في القادر على العربية. وأما الأذكار الواجبة: فاختلف في منع ترجمة القرآن هل يترجمها العاجز عن العربية، وعن تعلمها؟ وفيه لأصحاب أحمد وجهان، أشبهها بكلام أحمد: أنه لا يترجم، وهو قول مالك وإسحاق، والثاني: يترجم، وهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي.

стр. 188

وأما سائر الأذكار فالمنصوص من الوجهين، أنه لا يترجمها ومتى فعل بطلت صلاته، وهو قول مالك وإسحاق وبعض أصحاب الشافعي. والمنصوص عن الشافعي: أنه يكره ذلك بغير العربية ولا تبطل، ومن أصحابنا من قال: له ذلك، إذا لم يحسن العربية. وحكم النطق بالعامية في العبادات: من الصلاة والقراءة والذكر، كالتلبية والتسمية على الذبيحة، وفي العقود والفسوخ كالنكاح واللعان وغير ذلك: معروف في كتب الفقه ا. هـ. قال ابن رجب في القواعد (١) ما نصه: (القاعدة العاشرة): الألفاظ المعتبرة في العبادات والمعاملات. (منها) ما يعتبر لفظه ومعناه وهو القرآن لإعجازه بلفظه ومعناه، فلا تجوز الترجمة عنه بلغة أخرى. (ومنها) ما يعتبر معناه دون لفظه كألفاظ عقد البيع وغيره من العقود وألفاظ الطلاق. (ومنها) ما يعتبر لفظه مع القدرة عليه دون العجز عنه ويدخل تحت ذلك صور: (منها) التكبير والتسبيح والدعاء في الصلاة لا تجوز الترجمة عنه مع القدرة عليه، ومع العجز عنه هل يلحق بالقسم الأول فيسقط أو بالثاني فيأتي به بلغته،؟ على وجهين. (ومنها) خطبة الجمعة لا تصح مع القدرة بغير العربية على الصحيح وتصح مع العجز.

стр. 189

(ومنها) لفظ النكاح ينعقد مع العجز بغير العربية ومع القدرة على التعلم فيه وجهان. (ومنها) لفظ اللعان وحكمه حكم لفظ النكاح. ا. هـ. وفي فتاوى اللجنة الدائمة: (١) السؤال الأول من الفتوى: س١: هل تجوز الصلاة بلغة غير العربية؟ ج١: لا تجوز الصلاة بغير اللغة العربية مع القدرة عليها، فيلزم المسلم أن يتعلم باللغة العربية من الدين ما لا يسعه جهله، ومنه تعلم سورة الفاتحة والتشهد والتسميع والتحميد والتسبيح في الركوع والسجود، ورب اغفر لي بين السجدتين والتسليم؛ أما العاجز عن اللغة العربية فعليه أن يأتي بما ذكر بلغته؛ إلا الفاتحة فإنِا لا تصح قراءتها بغير العربية، وهكذا غيرها من القرآن، وعليه أن يأتي بمكانها بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، لحديث عبد الله بن أبي أوفى (٢) ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا فعلمني ما يجزئني منه، فقال: «قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» الحديث

стр. 190

رواه أحمد (١)، وأبو داود (٢)، والنسائي (٣)، والدارقطني (٤)، وصححه ابن حبان (٥) والحاكم (٦)، لقول الله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وقول النبي ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٧) إلى أن يتعلم اللغة العربية، وعليه أن يبادر بذلك. ا. هـ. فرع: الذكر عند الإتيان به لا يُمطط ولا يلحن ولا يخرج عن صفته المعروفة في العربية، ولا يتغنى به على أوزان أهل الألحان، ولذا كره العلماء تلحين الأذان، فقد قال ابن أبي شيبة: (٨) حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين المكي، أن مؤذنا أذن فطرب في أذانه، فقال له عمر بن عبد العزيز: «أذن أذانًا سمحًا وإلا فاعتزلنا». علقه البخاري (٩) في باب: رفع الصوت بالنداء: باب رفع الصوت بالنداء وقال عمر بن عبد العزيز: أذن أذانًا سمحًا وإلا فاعتزلنا. ا. هـ. قال في كشاف القناع (١٠) ما نصه: ويصح أذان ملحن وهو الذي

стр. 191

فيه تطريب، يقال: لحن في قراءته إذا طرب به وغرد، لحصول المقصود به. ويصح أذان ملحون إن لم يحل لحنه المعنى؛ كما لو رفع الصلاة أو نصبه؛ لأن ذلك لا يمنع إجزاء القراءة في الصلاة فهنا أولى مع الكراهة فيهما، أي: في الملحن والملحون قال أحمد كل شيء محدث أكرهه مثل التطريب، فإن أحال اللحن المعنى كقوله والله أكبر، أي: بهمزة مع الواو بدليل رسم الألف بعدها، وأما لو قلب الهمزة واو الوقف لم يكن لحنا؛ لأنه لغة وقرئ به، كما يعلم من كتب القراءات لم يعتد به؛ كالقراءة في الصلاة. ا. هـ. وقال في مجمع الأبحر: (١) ويكره التلحين والمراد به التطريب يقال: لحن في قراءته إذا طرب بها أي يكره تغيير الكلمة عن وضعها بزيادة حرف أو حركة أو مد أو غيرها سواء في الأوائل أو في الأواخر وكذلك في قراءة القرآن ولا يحل الاستماع ولا بد أن يقوم من المجلس إذا قرئ باللحن، وأما تحسين الصوت لا بأس به إذا كان من غير تغن قيل لا يحل سماع المؤذن إذا لحن. وقال شمس الأئمة الحلواني: إنما يكره ذلك فيما كان من الأذكار، أما في قوله حي على الصلاة حي على الفلاح لا بأس فيه بإدخال مد ونحوه. ا. هـ. قال أبو محمد: ما نفى عنه البأس لا ينتفي عنه فما دليل الاستثناء؟

стр. 192

الحكم الثامن والعشرون الأذكار الشرعية لا تكون إلا كلاما تامًا مفيدًا، وهذا شأنها كلها، ومن هنا علم فساد الذكر بالاسم المفرد أو المضمر، قال شيخ الإسلام في كتاب العبودية (١) ما نصه: ومن زعم أن هذا ذكر العامة، وأن ذكر الخاصة هو الاسم المفرد، وذكر خاصة الخاصة هو الاسم المضمر، فهم ضالون غالطون، واحتجاج بعضهم على ذلك بقوله ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١]. من أبين غلط هؤلاء فإن الاسم الله مذكور في الأمر بجواب الاستفهام في الآية قبله، وهو قوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩١] أي: الله هو الذي أنزل الكتاب الذي جاء به موسى فالاسم الله، مبتدأ وخبره قد دل عليه الاستفهام كما في نظائر ذلك؛ تقول: من جاره؟ فيقول: زيد. وأما الاسم المفرد مظهرًا أو مضمرًا فليس بكلام تام، ولا جملة

стр. 193

مفيدة ولا يتعلق به إيمان ولا كفر ولا أمر ولا نهي. ولم يذكر ذلك أحد من سلف الأمة، ولا شرع ذلك رسول الله ﷺ ولا يعطي القلب بنفسه معرفة مفيدة، ولا حالًا نافعا، وإنما يعطيه تصورًا مطلقًا، ولا يحكم عليه بنفي ولا إثبات، فإن لم يقترن به من معرفة القلب، وحاله ما يفيد بنفسه، وإلا لم يكن فيه فائدة، والشريعة إنما تشرع من الأذكار ما يفيد بنفسه، لا ما تكون الفائدة حاصلة بغيره. وقد وقع بعض من واظب على هذا الذكر في فنون من الإلحاد، وأنواع من الاتحاد كما قد بسط في غير هذا الموضوع. وما يذكر عن بعض الشيوخ من أنه قال: أخاف أن أموت بين النفي والإثبات، حال لا يقتدى فيها بصاحبها، فإن في ذلك من الغلط ما لا خفاء به، إذ لو مات العبد في هذه الحال لم يمت إلا على ما قصده ونواه، إذ الأعمال بالنيات، وقد ثبت أن النبي ﷺ أمر يتلقين الميت: لا إله إلا الله. وقال: «من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة» (١) ولو كان ما ذكره محذورًا لم يلقن الميت كلمة يخاف أن يموت في أثنائهًا موتًا غير محمود، بل كان يلقن ما اختاره من ذكر الاسم المفرد. والذكر بالاسم المضمر المفرد أبعد عن السنة، وأدخل في البدعة وأقرب إلى ضلال الشيطان، فإن من قال: يا هو يا هو أو هو هو، ونحو ذلك لم يكن الضمير عائدًا إلا إلى ما يصوره قلبه، والقلب قد يهتدي وقد يضل. وقد صنف صاحب «الفصوص» كتابا سماه كتاب «الهو» وزعم

стр. 194

بعضهم أن قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]. معناه: وما يعلم تأويل هذا الاسم الذي هو الهو، وإن كان هذا مما اتفق المسلمون بل العقلاء على أنه من أبين الباطل فقد يظن ذلك من يظنه من هؤلاء، حتى قلت مرة لبعض من قال شيئا من ذلك: لو كان هذا ما قلته لكتبت الآية: وما يعلم تأويل «هو» منفصلة. ثم كثيرا ما يذكر بعض الشيوخ أنه يحتج على قول القائل: «الله» بقوله ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ [الأنعام: ٩١]. ويظن أن الله أمر نبيه بأن يقول الاسم المفرد وهذا غلط باتفاق أهل العلم فإن قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ معناه: الله الذي أنزل الكتاب الذي جاء به موسى وهو جواب لقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩١] أي: الله الذي أنزل الكتاب الذي جاء به موسى، رد بذلك قول من قال: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]. فقال: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ ثم قال: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أنزله ثم ذر هؤلاء المكذبين ﴿فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ - إلى أن قال- والله تعالى لا يأمر أحدًا بذكر اسم مفرد ولا شرع للمسلمين. والاسم المجرد لا يفيد شيئا من الإيمان باتفاق أهل الإسلام، ولا يؤمر به في شيء من العبادات ولا في شيء من المخاطبات. ونظير من اقتصر على الاسم المفرد ما يذكر: أن بعض الأعراب مر بمؤذن يقول: «أشهد أن محمدا رسول الله» بالنصب فقال: ماذا

стр. 195

يقول هذا؟ هذا الاسم، فأين الخبر عنه الذي يتم به الكلام؟ - إلى أن قال- وكذلك ما شرع للمسلمين في صلاتهم وأذانهم وحجهم وأعيادهم من ذكر الله تعالى إنما هو بالجملة التامة كقول المؤذن: «الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله». وقول المصلي: «الله أكبر، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى، سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، التحيات لله». وقول الملبي: «لبيك اللهم لبيك». وأمثال ذلك. فجميع ما شرعه الله من الذكر، إنما هو كلام تام لا اسم مفرد، ولا مظهر ولا مضمر- إلى أن قال- والمقصود هنا أن المشروع في ذكر الله سبحانه هو ذكره بجملة تامة، وهو المسمى بالكلام، والواحد منه بالكلمة، وهو الذي ينفع القلوب، ويحصل به الثواب والأجر، ويجذب القلوب إلى الله، ومعرفته ومحبته وخشيته، وغير ذلك من المطالب العالية والمقاصد السامية. وأما الاقتصار على الاسم المفرد مظهرًا أو مضمرًا فلا أصل له، فضلا عن أن يكون من ذكر الخاصة والعارفين. بل هو وسيلة إلى أنواع من البدع والضلالات، وذريعة إلى تصورات وأحوال فاسدة من أحوال أهل الإلحاد وأهل الاتحاد؛ كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع. ا. هـ. ﵀. وفيه الشفاء والكفاية ..

стр. 196

الحكم التاسع والعشرون الأصل أن الأذكار الشرعية لا يُصاحبها عند القيام بها شيءٌ من عمل البدن من الاضطراب أو الإغماء أو الصعق أو الاهتزاز أو الرقص أو التمايل أو التصفيق، أو الإشارة باليد أو الأصابع أو بالأبصار أو مسح الوجوه، هذا هو الأصل. وهكذا كان حال أكمل الذاكرين ﵊ وصحبه، فلم يكن فيهم من يصعق أو يغشى عليه أو يصيبه جنون، وذلك لكمال أحوالهم، وثبات قلوبهم وصدق خشوعهم. قال شيخ الإسلام في فتاويه (١) ما نصه: وأما «الرقص» فلم يأمر الله به ولا رسوله ولا أحد من الأئمة، بل قد قال الله في كتابه: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان: ١٩]. وقال في كتابه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. أي: بسكينة ووقار. وإنما عبادة المسلمين الركوع والسجود؛ بل الدف والرقص في الطابق لم يأمر الله به ولا رسوله ولا أحد من سلف الأمة؛ بل أمروا بالقرآن في الصلاة والسكينة. ا. هـ.

стр. 197

وقال أيضا في الفتاوى الكبرى: (١) وما يحصل عند السماع والذكر المشروع من وجل القلب، ودمع العين، واقشعرار الجسوم، فهذا أفضل الأحوال التي نطق بها الكتاب والسنة، وأما الاضطراب الشديد والغشي والموت والصيحات، فهذا إن كان صاحبه مغلوبًا عليه لم يلم عليه، كما قد كان يكون في التابعين ومن بعدهم، فإن منشأه قوة الوارد على القلب مع ضعف القلب، والقوة والتمكن أفضل كما هو حال النبي ﷺ والصحابة. وأما السكون قسوة وجفاء فهذا مذموم لا خير فيه. ا. هـ. وقال في مجموع الفتاوي (٢) ما نصه: وهذا «السماع» له آثار إيمانية من المعارف القدسية والأحوال الزكية يطول شرحها ووصفها، وله في الجسد آثار محمودة من خشوع القلب ودموع العين واقشعرار الجلد، وهذا مذكور في القرآن. وهذه الصفات موجودة في الصحابة ووجدت بعدهم آثار ثلاثة: الاضطراب والصراخ والإغماء والموت في التابعين. وقال أيضًا: (٣) ووجد بعدهم في التابعين آثار ثلاثة: الاضطراب والاختلاج والإغماء- أو الموت والهيام؛ فأنكر بعض السلف ذلك - إما لبدعتهم وإما لحبهم. وأما جمهور الأئمة والسلف فلا ينكرون ذلك؛ فإن السبب إذا لم يكن محظورا كان صاحبه فيما تولد عنه معذورا. لكن سبب ذلك قوة الوارد على قلوبهم وضعف قلوبهم عن حمله فلو لم يؤثر السماع لقسوتهم كانوا مذمومين كما ذم الله الذين قال فيهم: ﴿ثُمَّ

стр. 198

قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٧٤]. وقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦]. ولو أثر فيهم آثارًا محمودة لم يجذبهم عن حد العقل. لكانوا كمن أخرجهم إلى حد الغلبة كانوا محمودين أيضًا ومعذورين. فأما سماع القاصدين لصلاح القلوب في الاجتماع على ذلك: إما نشيد مجرد نظير الغبار. وإما بالتصفيق ونحو ذلك. فهو السماع المحدث في الإسلام فإنه أحدث بعد ذهاب القرون الثلاثة الذين أثنى عليهم النبي ﷺ حيث قال: «خير القرون: القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» (١) وقد كرهه أعيان الأمة ولم يحضره أكابر المشايخ. الخ كلامه. وقال أيضا في منهاج السنة: (٢) ونبينا ﷺ والسابقون الأولون هم أفضل وما أصاب أحدًا منهم هذا الفناء ولا صعق ولا موت عند سماع القرآن وإنما تجد هذا الصعق في التابعين لا سيما في عُباد البصريين. ا. هـ. وقال في مختصر الفتاوى المصرية: (٣) وأما سماع القرآن والتماوت أو الموت عنده والغشي ونحوه؛ كما نقل عن زُرارة بن أوفى قاضي البصرة، أنه سمع قارئًا يقرأ فإذا نقر في الناقور فمات، وكذا

стр. 199

جرى لأبي جهير، فأنكر ذلك طائفة من الصحابة والتابعين، وظن ذلك تكلفًا وتصنعًا؛ كما قال ابن سيرين: بيننا وبين الذين يصعقون عن سماع القرآن أن يقرأ واحد منهم على رأس الحائط، فإن خر فهو صادق، ومنهم من أنكره؛ لأنه رآه بدعة مخالفة لما عرف من هدى الصحابة ﵃، والذي عليه الجمهور من هؤلاء أنه إذا كان مغلوبًا لم ينكر عليه، وإن كان حال الثبات أكمل منه ولهذا لما سئل أحمد عن هذا، قال: قرىء القرآن على يحيى بن سعيد فغشي عليه، وأخذ أن يدفع عن نفسه، ولو قدر لدفعه، فما رأيت أعقل منه. ونقل عن الشافعي: أنه أصابه ذلك، وكذلك عن الفضيل بن عياض. وبالجملة فهذا كثير ممن لا يستراب في صدقه؛ لكن أحوال الصحابة ? هي التي ذكرت في القرآن من وجل القلوب ودمع العيون واقشعرار الجلود، وقد ينكر أحوال هؤلاء من عنده قسوة قلب لا يلين عند تلاوة القرآن، ويغلو فيهم من يظن أن حالهم أكمل الأحوال، فكل من الطرفين مذموم، بل المراتب ثلاثة، ظالم لنفسه الذي هو قاس القلب لا يلين للقرآن، ولا للذكر ففيه شبه من اليهود لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٧٤]. الآية. والثاني: حال الذي فيه ضعف عن حمل ما يرد على قلبه، فهذا يصعق صعق موت، أو يشي لقوة الوارد، وليس هذا بعلامة على الإيمان أو التقوى، فإنه قد يحصل لمن يفرح أو يحزن أو يخاف أو يحب، ففي عشاق أهل الصور من أمرضه العشق أو قتله أو جننه وكذلك في غيرهم. والحاصل أنه إذا لم يكن ثم تفريط ولا عدوان ولا ذنب له فيما

стр. 200

أصابه، وجعل له ضعف، فليس بملوم، كمن سمع القرآن سماعًا شرعيًا، ولم يفرط بترك ما وجب له من ذلك. ا. هـ. وقال ابن القيم في المدارج (١) ما نصه: وليس أيضا هذه الحال بلازمة لجميع السالكين، بل هي عارضة لبعضهم، منهم من يبتلى بها، كأبي يزيد وأمثاله، ومنهم من لا يبتلى بها، وهم أكمل وأقوى، فإن الصحابة ﵃، وهم سادات العارفين، وأئمة الواصلين المقربين، وقدوة السالكين، لم يكن منهم من ابتلي بذلك، مع قوة إرادتهم، وكثرة منازلاتهم، ومعاينة ما لم يعاينه غيرهم، ولا شم له رائحة، ولم يخطر على قلبه، فلو كان هذا الفناء كمالًا لكانوا هم أحق به وأهله، وكان لهم منه ما لم يكن لغيرهم. ولا كان هذا أيضًا لنبينا ﷺ ، ولا حالًا من أحواله، ﷺ ، ولهذا في ليلة المعراج لما أسري به، وعاين ما عاين مما أراه الله إياه من آياته الكبرى، لم تعرض له هذه الحال، بل كان كما وصفه الله بقوله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٧، ١٨]. وقال ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]. وقال ابن عباس: هي رؤيا عين، أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به، ومع هذا فأصبح بينهم لم يتغير عليه حاله، ولم يعرض له صعق ولا غشي، يخبرهم عن تفصيل ما رأى، غير فانٍ عن نفسه، ولا عن شهوده، ولهذا كانت حاله أكمل من حال موسى بن عمران ﵁ لما خر صعقا حين تجلى ربه للجبل وجعله دكًا. ا. هـ.

стр. 201

وقال الشاطبي في الاعتصام (١) ما نصه: وحكي أن شابا كان يصحب الجنيد إمام الصوفية في وقته، فكان الشاب إذا سمع شيئا من الذكر يزعق، فقال له الجنيد يومًا: إن فعلت ذلك مرة أخرى لم تصحبني، فكان إذا سمع شيئًا يتغير ويضبط نفسه حتى كان يقطر العرق منه بكل شعرة من بدنه قطرة، فيومًا من الأيام صاح صيحة تلفت نفسه. فهذا الشاب قد ظهر فيه مصداق ما قاله السلف؛ لأنه لو كانت صيحته الأولى غلبته لم يقدر على ضبط نفسه، وإن كان بشدة، كما لم يقدر على ضبط نفسه الربيع بن خثيم، وعليه أدبه الشيخ حين أنكر عليه ووعده بالفرقة، إذ فهم منه أن تلك الزعقة من بقايا رعونة النفس، فلما خرج الأمر عن كسبه بدليل موته؛ كانت صيحته عفوًا لا حرج عليه فيها إن شاء الله. بخلاف هؤلاء القوم الذين لم يشموا من أوصاف الفضلاء رائحة، فأخذوا بالتشبه بهم، فأبرز لهم هواهم التشبه بالخوارج، ويا ليتهم وقفوا عند هذا الحد المذموم، ولكن زادوا على ذلك الرقص والزمر والدوران والضرب على الصدور، وبعضهم يضرب على رأسه، وما أشبه ذلك من العمل المضحك للحمقى؛ لكونه من أعمال الصبيان والمجانين، المبكي للعقلاء رحمة لهم، ولم يتخذ مثل هذا طريقًا إلى الله وتشبها بالصالحين. وقد صح من حديث العرباض بن سارية (٢) ﵁؛ قال: «وعظنا

стр. 202

رسول الله ﷺ موعظة بليغة؛ ذرفت منها العيون، وجلت منها القلوب» الحديث. (١) فقال الإمام الآجري العالم السني أبو بكر: ميزوا هذا الكلام؛ فإنه لم يقل: صرخنا من موعظة، ولا زعقنا، ولا طرقنا على رؤوسنا، ولا ضربنا على صدورنا، ولا زفنّا، ولا رقصنا. كما يفعل كثير من الجهال؛ يصرخون عند المواعظ ويزعقون ويتغاشون. قال: وهذا كله من الشيطان يلعب بهم، وهذا كله بدعة وضلالة، ويقال لمن فعل هذا: اعلم أن النبي ﷺ أصدق الناس موعظة، وأنصح الناس لأمته، وأرق الناس قلبًا، وخير الناس من جاء بعده، لا يشك في ذلك عاقل؛ ما صرخوا عند موعظته ولا زعقوا ولا رقصوا ولا زفنوا، ولو كان هذا صحيحا؛ لكانوا أحق الناس بهذا أن يفعلوه بين يدي رسول الله ﷺ ، ولكنه بدعة وباطل ومنكر، فاعلم ذلك. انتهى كلامه، وهو واضح فيما نحن فيه. ا. هـ. فائدة: أخرج أبو داود في سننه: (٢) من طريق معاوية بن صالح، يحدث عن أبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر (٣) ﵁،

стр. 203

قال: كنا مع رسول الله ﷺ خدام أنفسنا، نتناوب الرعاية - رعاية إبلنا - فكانت علي رعاية الإبل، فروحتها بالعشي، فأدركت رسول الله يخطب الناس، فسمعته يقول: «ما منكم من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يقوم فيركع ركعتين، يقبل عليهما بقلبه ووجهه، إلا قد أوجب»، فقلت: بخ بخ، ما أجود هذه، فقال رجل من بين يدي التي قبلها: يا عقبة، أجود منها، فنظرت فإذا هو عمر بن الخطاب، فقلت: ما هي يا أبا حفص؟ قال: إنه قال آنفًا قبل أن تجيء: «ما منكم من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يقول حين يفرغ من وضوئه: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء»، قال معاوية: وحدثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة بن عامر، .. ثم أعاده من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ، عن حيوة وهو ابن شريح، عن أبي عقيل، عن ابن عمه، عن عقبة بن عامر الجهني، عن النبي ﷺ نحوه، ولم يذكر أمر الرعاية، قال: عند قوله: «فأحسن الوضوء»، ثم رفع بصره إلى السماء، فقال: وساق الحديث، بمعنى حديث معاوية. وأصل الحديث عند مسلم. (١) لكن هذا السياق الذي فيه رفع البصر إلى السماء لا يثبت فيه جهاله. وأخرجه أيضا الدارمي (٢) وسياقه عنده: من طريق حيوة، أنبأنا أبو عقيل زهرة بن معبد، عن ابن عمه، عن عقبة بن عامر ﵁، أنه

стр. 204

خرج مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فجلس رسول الله ﷺ يوما يحدث أصحابه، فقال: «من قام إذا استقلت الشمس، فتوضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى ركعتين، خرج من ذنوبه، كيوم ولدته أمه» فقال عقبة: فقلت: الحمد لله الذي رزقني أن أسمع هذا من رسول الله ﷺ . فقال عمر بن الخطاب ﵁، وكان تجاهي جالسا: أتعجب من هذا؟ فقد قال رسول الله ﷺ أعجب من هذا قبل أن تأتي، فقلت: وما ذلك بأبي أنت وأمي؟ فقال عمر: قال رسول الله ﷺ : «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم رفع بصره إلى السماء - أو قال نظره إلى السماء - فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيهن شاء». فائدة أخرى: روى الطبراني في الدعاء (١)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٢): من طريق سلام الطويل، عن زيد العمي، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قضى صلاته يعني وسلم مسح جبهته بيده اليمنى، ثم يقول: «بسم الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الرحيم، اللهم أذهب عني الهم والحزن» ولا يصح سلام واهي وزيد ضعيف. وهذا الفعل - أعني مسح الجبهة - عند السلام من الصلاة يكثر في مسلمي شرق آسيا، والله المستعان. فائدة: أخرج البخاري ومسلم: (٣) من طريق مالك، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب، مولى ابن عباس: أنه أخبره، عن عبد الله بن

стр. 205

عباس ﵁: أنه بات عند ميمونة أم المؤمنين ﵂ وهي خالته - قال: فاضطجعت على عرض الوسادة، «واضطجع رسول الله ﷺ وأهله في طولها، فنام رسول الله ﷺ حتى انتصف الليل - أو قبله بقليل، أو بعده بقليل - ثم استيقظ رسول الله ﷺ ، فجلس، فمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر آيات خواتيم سورة آل عمران، ثم قام إلى شن معلقة، فتوضأ منها، فأحسن وضوءه، ثم قام يصلي» الحديث. فائدة: قال الباجي: (١) وقوله استيقظ رسول الله ﷺ فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده يحتمل أمرين: أحدهما: أنه أراد به إزالة النوم من الوجه. والثاني: إزالة الكسل بمسح الوجه. ا. هـ. وقال النووي في شرح مسلم: (٢) قوله فجعل يمسح النوم عن وجهه معناه أثر النوم وفيه استحباب هذا. ا. هـ. فائدة: استحب بعضهم السجود المفرد للدعاء، وإليك النقول قال في الباعث: (٣) واغتر بعض الجهال المتعلمين منهم بقوله: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]. وظن أن هذا يقتضي عموم السجود في جميع الأوقات، وأن كل سجود على الإطلاق يحصل به التقرب من الله تعالى، وهو قرب الكرامة، واتعضد بما جاء قبل ذلك من التعجب والإنكار في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩، ١٠]. وغفل عن السجود المقرب إلى الله تعالى هو السجود المأذون فيه، وهو المشروع لا كل

стр. 206

سجود من حيث الصورة والإنكار، وقع في الآية ووقع على ما ينهي عن الصلاة المأذون فيها، وهي المشروعة، فتلك لا ينبغي لأحد أن ينهى عنها. وقال: (١) وقال صاحب التتمة: جرت عادة بعض الناس بالسجود بعد الفراغ من الصلاة، يدعو فيه، قال: وتلك سجدة لا يعرف لها أصل، ولا نقلت عن رسول الله ﷺ ، ولا عن أصحابه، والأولى أن يدعو بالصلاة لما روى من الأخبار فيه. والله أعلم. قلت- أبو شامة-: ولا يلزم من كون السجود قربة في الصلاة أن يكون قربه خارج الصلاة؛ كالركوع، قال الفقيه أبو محمد: لم ترد الشريعة بالتقرب إلى الله تعالى بسجدة منفردة لا سبب لها، فإن القرب لها أسباب وشرائط وأوقات وأركان لا تصلح بدونها، وكما لا يتقرب إلى الله تعالى بالوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة من غير نسك واقع في وقته بأسبابه وشرائطه، فكذلك لا يتقرب إلى الله تعالى بسجدة منفردة وإن كانت قربة. ا. هـ. وقال في كشاف القناع: (٢) قال الشيخ: ولو أراد الدعاء فعفر وجهه لله في التراب وسجد له ليدعوه فيه، فهذا سجود لأجل الدعاء، ولا شيء يمنعه، والمكروه: هو السجود بلا سبب. ويعني بالشيخ ابن تيمية، والصحيح أنه لا يشرع، فالعبادة موقوفة على مورد الخبر. تنبيه: لا تشرع الإشارة بالسبابة بين السجدتين، وأما ما رواه

стр. 207

أحمد: (١) قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: رأيت النبي ﷺ كبر فرفع يديه حين كبر، يعني استفتح الصلاة، ورفع يديه حين كبر، ورفع يديه حين ركع، ورفع يديه حين قال: سمع الله لمن حمده وسجد فوضع يديه حذو أذنيه، ثم جلس فافترش رجله اليسرى، ثم وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى، ثم أشار بسبابته، ووضع الإبهام على الوسطى، وقبض سائر أصابعه، ثم سجد، فكانت يداه حذاء أذنيه. وفيه إثبات الإشارة بين السجدتين، فخبر شاذ تفرد به عبد الرزاق، عن الثوري، وقد خالفه عبد الله بن الوليد العدني عند أحمد (٢) والحميدي (٣) في مسنده ومحمد بن يوسف الفريابي (ثلاثتهم) عن الثوري فلم يذكروا ما ذكر عبد الرزاق من الإشارة بين السجدتين. وأما أصل حديث وائل بطرقه، وكذا الأخبار في هذه الجلسة، فليس فيها ذكر الإشارة في هذا الموضع البتة، ولا أعلم أحدا قال بالإشارة في هذا الموضع؛ إلا الشيخ ابن عثيمين، ولم يسبقه أحد، ولم يوافقه أحد. وقد بحثت هذه المسألة بتوسع في نفح العبير فراجعه إن أحببت. تنبيه: رفع اليدين عند الدعاء مما تواترت به الأخبار، لكن ها هنا تقسيم فالأحوال ثلاثة:

стр. 208

١ - أن يثبت الدعاء مع رفع اليدين. ٢ - أن يثبت الدعاء مع ترك الرفع. ٣ - أن يثبت الدعاء ويسكت عن الرفع، فهنا لا يواظب على رفع اليدين، ويلزمه ملازمة الحال الأول، ولكن لا بأس بالرفع في الحين بعد الحين. وأما الحالة الثانية: فمن أمثلتها الرفع أدبار الصلوات المفروضة، فلم يجيء عنه ﵊ أنه كان يرفع يديه، فإن قيل قد أخرج الشيخان: (١) من طريق عمرو بن ميمون الأودي، عن ابن مسعود ﵁، قال: بينما رسول الله ﷺ يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان، فيأخذه فيضعه في كتفي محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه، فلما سجد النبي ﷺ وضعه بين كتفيه، قال: فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض وأنا قائم أنظر، لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله ﷺ ، والنبي ﷺ ساجد ما يرفع رأسه حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة، فجاءت وهي جويرية، فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تشتمهم، فلما قضى النبي ﷺ صلاته، رفع صوته، ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا، ثم قال: «اللهم، عليك بقريش» ثلاث مرات، فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته، ثم قال: «اللهم، عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عقبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط» - وذكر السابع ولم أحفظه- فوالذي بعث محمدًا ﷺ بالحق، لقد رأيت الذين سمى صرعى يوم بدر، ثم سحبوا

стр. 209

إلى القليب- قليب بدر- قال أبو إسحاق: «الوليد بن عقبة غلط في هذا الحديث» فالجواب أن هذا وقع لعارض كما هو صريح الحديث. وأما ما رواه البخاري: (١) من طريق حميد عن أنس ﵁: دخل النبي ﷺ على أم سليم فأتته بتمر وسمن، قال: «أعيدوا سمنكم في سقائه وتمركم في وعائه فإني صائم». ثم قام إلى ناحية من البيت فصلى غير المكتوبة فدعا لأم سليم وأهل بيتها، فقالت أم سليم: يا رسول الله إن لي خويصة، قال: «ما هي». قالت: خادمك أنس. فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلا دعا لي به، قال: «اللهم ارزقه مالًا وولدًا وبارك له». فإني لمن أكثر الأنصار مالًا. وحدثتني ابنتي أمينة أنه دفن لصلبي مقدم حجاج البصرة بضع وعشرون ومائة. فالجواب عنه كالجواب عما قبله، لكنه دعاء دعت له الحاجة حينئذ، وإلا لم يكن من هديه ﵊ الدعاء عقيب النافلة. مع أن الأمر في النافلة عمومًا أوسع منه في الفريضة. فتدبره. ولهذا الحافظ البخاري في صحيحه عقد بابًا: الدعاء بعد الصلاة. (٢) ولم يذكر فيه سوى الأذكار المعروفة من التسبيح والتهليل كما في حديث أبي هريرة (٣) وحديث المغيرة. (٤) تنبيه: المراد بترك الدعاء في هذا الموضع الدعاء الذي لم يرد في السنة بخلاف الاستغفار ونحوه من الأدعية الثابتة دبر الصلاة المكتوبة.

стр. 210

فائدة: روى أحمد (١) وغيره: (٢) من طريق الليث بن سعد، عن عبد ربه بن سعيد، عن عمران، عن عبد الله، عن ربيعة بن الحارث، عن الفضل بن العباس (٣) ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «الصلاة مثنى مثنى، تشهد في كل ركعتين، وتضرع، وتخشع، وتساكن، ثم تقنع يديك- يقول: ترفعهما - إلى ربك مستقبلا ببطونهما وجهك، وتقول: يا رب، يا رب- ثلاثا- فمن لم يفعل ذلك فهي خداج» ولا يصح. عبد الله الراوي عن ربيعة هو ابن نافع بن العمياء قال البخاري: (٤) لا يصح حديثه. وفي معناه أخبار لا تثبت. قال في الهدي: (٥) وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة أو المأمومين، فلم يكن ذلك من هديه ﷺ أصلًا، ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن. فائدة: في فتاوي (٦) شيخنا ابن باز ﵀ ما نصه: من

стр. 211

عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم وفقه الله لما فيه رضاه آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بعده يا محب. كتابكم الكريم وصل وصلكم الله بهداه، وما تضمنه من السؤال حول موضوع حكم رفع اليدين في الدعاء بعد التسليم من صلاة الفريضة وغيرها. إلخ. كان معلوما وعليه نفيدكم بأن رفع اليدين في الدعاء سنة، ومن أسباب الإجابة لقول النبي ﷺ : «إن ربكم حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا». (١) والأحاديث كثيرة صحت في ذلك عن النبي ﷺ ، وإنما رفع اليدين في المواضع التي لم يرفع فيها النبي ﷺ كالرفع بعد صلاة الفريضة للإمام والمأموم والمنفرد، فلا يشرع لأحد منهم أن يرفع يديه بعد الفريضة؛ لأن النبي ﷺ لم يرفعهما بعد سلامه من الفريضة. أما النوافل فلا بأس بالرفع في الدعاء بعده بين وقت وآخر، لا بصفة دائمة، وهكذا لا يشرع رفع اليدين في خطبة الجمعة وخطبة العيدين، ولا بين السجدتين ولا بعد قراءة التحيات قبل أن يسلم، ونحو ذلك من المواضع التي لم يرفع فيها النبي ﷺ ، ويشرع الرفع في خطبة الاستسقاء؛ لأن النبي ﷺ رفع يديه في خطبة صلاة الاستسقاء، وهكذا رفع يديه لما استسقى في خطبة الجمعة ورفع الناس أيديهم، وبما ذكرنا تجتمع الأحاديث الواردة في ذلك وقد نص جمع من أهل العلم على ما ذكرنا. ونسأل الله أن يوفقنا وإياكم للفقه في دينه والثبات عليه إنه

стр. 212

سبحانه خير مسئول. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الرئيس العام لإدارات البحوث ا. هـ. فائدة: السنة في التشهد في الصلاة الإشارة بالسبابة دون تحريك وأصل المسألة ما رواه أحمد في مسنده (١) وغيره: (٢) من طريق زائدة، حدثنا عاصم بن كليب، أخبرني أبي، أن وائل بن حجر الحضرمي (٣)، أخبره قال: قلت: لأنظرن إلى رسول الله ﷺ ، كيف يصلي؟ قال: فنظرت إليه قام فكبر، ورفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، والرسغ والساعد، ثم قال: لما أراد أن يركع، رفع يديه مثلها ووضع يديه على ركبتيه، ثم رفع رأسه، فرفع يديه مثلها، ثم ساد، فاعل كفيه بحذاء أذنيه، ثم قعد فافترش رجله اليسرى، فوضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى، وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض بين أصابعه فحلق حلقة، ثم رفع إصبعه، فرأيته يحركها يدعو بها. والحديث ثابت دون قوله: فرأيته يحركها يدعو بها. فهي

стр. 213

زيادة شاذة انفرد بها زائدة- وهو ابن قدامة- من بين أصحاب عاصم بن كليب. وقد خالفه كل من: عبد الواحد بن زياد، وشعبة، وسفيان الثوري، وزهير بن معاوية، وسفيان بن عيينة، وسلام بن سليم أبو الأحوص، وبشر بن المفضل، وعبد الله بن إدريس، وقيس بن الربيع، وأبو عوانة، وخالد بن عبد الله الواسطي والمحفوظ في الأحاديث الإشارة حسب، ولما أخرجه ابن خزيمة (١) قال: ليس في شيء من الأخبار يحركها إلا في هذا الخبر زائد ذكره. ا. هـ. وقد جاء نفي التحريك عند أبي داود (٢)، والنسائي (٣)، وأبو عوانة (٤)، والبيهقي (٥): من طريق محمد بن عجلان، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير (٦) ﵁: أن النبي ﷺ كان يشير بإصبعه إذا دعا، ولا يحركها. وقد ذكر أبو عوانة في مسنده هذا الحديث تحت قوله: بيان الإشارة بالسبابة إلى القبلة ورمي البصر إليها وترك تحريكها في الإشارة.

стр. 214

وقال البيهقي (١) في الجمع بين لفظة (يحركها) وحديث ابن الزبير ما نصه: فيحتمل أن يكون المراد بالتحريك الإشارة بها لا تكرير تحريكها، فيكون موافقا لرواية ابن الزبير، والله تعالى أعلم. ا. هـ. قال أبو محمد: وفيه نظر: أولًا: أن تأويله في التحريك بعيد. وثانيًا: أنها شاذة كما تقدم. وثالثًا: أن زيادة «ولا يحركها» تفرد بها ابن عجلان، وقد خولف فيه لما أخرجه أبو داود: (٢) من طريق محمد بن عجلان، عن عامر بن عبد الله، عن عبد الله بن الزبير، أنه ذكر: أن النبي ﷺ كان يشير بأصبعه إذا دعا، ولا يحركها- زاد- قال ابن جريج: وزاد عمرو بن دينار، قال: أخبرني عامر، عن أبيه، أنه رأى النبي ﷺ يدعو كذلك، ويتحامل النبي ﷺ بيده اليسرى على فخذه اليسرى. وعمرو أثبت وسياقه هو المحفوظ. فائدة: أخرج أبو داود والنسائي (٣) وغيرهما: (٤) من طريق عصام بن قدامة- من بني بجيلة- عن مالك بن نمير الخزاعى، عن أبيه قال: رأيت النبى ﷺ واضعا ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى رافعًا أصبعه السبابة قد حناها شيئًا. وهذا إسناد مقارب. قال أبو بكر البرقاني كما في سؤلاته للدارقطني (٥) عن الدارقطني: لا يحدث عن أبيه إلا هو، يعتبر به، ولا بأس بأبيه ..

стр. 215

وتعقبه في تهذيب التهذيب (١) بقوله: قلت: هذا الكلام فيه نظر فإن أباه ذكر أنه رأى النبي ﷺ قاعدًا في الصلاة. الحديث، فإن ثبت إسناده فهو صحابي. وقال ابن القطان: لا يعرف حال مالك ولا روى عن أبيه غيره. وقال الذهبي لا يعرف. قال أبو محمد: يحتمل مثل هذا فإنه لا نكارة في المتن مع أن نميرًا لم تثبت صحبته إلا من طريق ابنه. وقوله: حناها شيئا. هو بمقتضى العادة لا التكلف. فلا يجعلها كالرمح السمهري في الاستقامة ولا المحجن في الانحناء بل على العادة. تنبيه: أحاديث مسح الوجه بعد الدعاء لا يصح منها شيء. فائدة: أخرج البخاري في الأدب المفرد (٢)، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا محمد بن فليح قال: أخبرني أبي، عن أبي نعيم وهو وهب قال: رأيت ابن عمر وابن الزبير يدعوان، يديران بالراحتين على الوجه. وهذا إسناد ضعيف فليح متكلم فيه. مع عدم صراحة الخبر في المسح فيحتمل يرفعان أيديهما بحذاء الوجه. وهذا ظاهر ترجمة البخاري حيث قال: باب رفع الأيدي في الدعاء.
следующие страницы →