عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم وفقه الله لما فيه رضاه آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بعده يا محب.
كتابكم الكريم وصل وصلكم الله بهداه، وما تضمنه من السؤال حول موضوع حكم رفع اليدين في الدعاء بعد التسليم من صلاة الفريضة وغيرها.
إلخ. كان معلوما وعليه نفيدكم بأن رفع اليدين في الدعاء سنة، ومن أسباب الإجابة لقول النبي ﷺ : «إن ربكم حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا». (١)
والأحاديث كثيرة صحت في ذلك عن النبي ﷺ ، وإنما رفع اليدين في المواضع التي لم يرفع فيها النبي ﷺ كالرفع بعد صلاة الفريضة للإمام والمأموم والمنفرد، فلا يشرع لأحد منهم أن يرفع يديه بعد الفريضة؛ لأن النبي ﷺ لم يرفعهما بعد سلامه من الفريضة.
أما النوافل فلا بأس بالرفع في الدعاء بعده بين وقت وآخر، لا بصفة دائمة، وهكذا لا يشرع رفع اليدين في خطبة الجمعة وخطبة العيدين، ولا بين السجدتين ولا بعد قراءة التحيات قبل أن يسلم، ونحو ذلك من المواضع التي لم يرفع فيها النبي ﷺ ، ويشرع الرفع في خطبة الاستسقاء؛ لأن النبي ﷺ رفع يديه في خطبة صلاة الاستسقاء، وهكذا رفع يديه لما استسقى في خطبة الجمعة ورفع الناس أيديهم، وبما ذكرنا تجتمع الأحاديث الواردة في ذلك وقد نص جمع من أهل العلم على ما ذكرنا.
ونسأل الله أن يوفقنا وإياكم للفقه في دينه والثبات عليه إنه
стр. 212
سبحانه خير مسئول. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس العام لإدارات البحوث ا. هـ.
فائدة: السنة في التشهد في الصلاة الإشارة بالسبابة دون تحريك وأصل المسألة ما رواه أحمد في مسنده (١) وغيره: (٢) من طريق زائدة، حدثنا عاصم بن كليب، أخبرني أبي، أن وائل بن حجر الحضرمي (٣)، أخبره قال: قلت: لأنظرن إلى رسول الله ﷺ ، كيف يصلي؟ قال: فنظرت إليه قام فكبر، ورفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، والرسغ والساعد، ثم قال: لما أراد أن يركع، رفع يديه مثلها ووضع يديه على ركبتيه، ثم رفع رأسه، فرفع يديه مثلها، ثم ساد، فاعل كفيه بحذاء أذنيه، ثم قعد فافترش رجله اليسرى، فوضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى، وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض بين أصابعه فحلق حلقة، ثم رفع إصبعه، فرأيته يحركها يدعو بها.
والحديث ثابت دون قوله: فرأيته يحركها يدعو بها. فهي
стр. 213
زيادة شاذة انفرد بها زائدة- وهو ابن قدامة- من بين أصحاب عاصم بن كليب. وقد خالفه كل من: عبد الواحد بن زياد، وشعبة، وسفيان الثوري، وزهير بن معاوية، وسفيان بن عيينة، وسلام بن سليم أبو الأحوص، وبشر بن المفضل، وعبد الله بن إدريس، وقيس بن الربيع، وأبو عوانة، وخالد بن عبد الله الواسطي والمحفوظ في الأحاديث الإشارة حسب، ولما أخرجه ابن خزيمة (١) قال: ليس في شيء من الأخبار يحركها إلا في هذا الخبر زائد ذكره. ا. هـ.
وقد جاء نفي التحريك عند أبي داود (٢)، والنسائي (٣)، وأبو عوانة (٤)، والبيهقي (٥): من طريق محمد بن عجلان، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير (٦) ﵁: أن النبي ﷺ كان يشير بإصبعه إذا دعا، ولا يحركها. وقد ذكر أبو عوانة في مسنده هذا الحديث تحت قوله: بيان الإشارة بالسبابة إلى القبلة ورمي البصر إليها وترك تحريكها في الإشارة.
стр. 214
وقال البيهقي (١) في الجمع بين لفظة (يحركها) وحديث ابن الزبير ما نصه: فيحتمل أن يكون المراد بالتحريك الإشارة بها لا تكرير تحريكها، فيكون موافقا لرواية ابن الزبير، والله تعالى أعلم. ا. هـ.
قال أبو محمد: وفيه نظر: أولًا: أن تأويله في التحريك بعيد. وثانيًا: أنها شاذة كما تقدم.
وثالثًا: أن زيادة «ولا يحركها» تفرد بها ابن عجلان، وقد خولف فيه لما أخرجه أبو داود: (٢) من طريق محمد بن عجلان، عن عامر بن عبد الله، عن عبد الله بن الزبير، أنه ذكر: أن النبي ﷺ كان يشير بأصبعه إذا دعا، ولا يحركها- زاد- قال ابن جريج: وزاد عمرو بن دينار، قال: أخبرني عامر، عن أبيه، أنه رأى النبي ﷺ يدعو كذلك، ويتحامل النبي ﷺ بيده اليسرى على فخذه اليسرى. وعمرو أثبت وسياقه هو المحفوظ.
فائدة: أخرج أبو داود والنسائي (٣) وغيرهما: (٤) من طريق عصام بن قدامة- من بني بجيلة- عن مالك بن نمير الخزاعى، عن أبيه قال: رأيت النبى ﷺ واضعا ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى رافعًا أصبعه السبابة قد حناها شيئًا. وهذا إسناد مقارب. قال أبو بكر البرقاني كما في سؤلاته للدارقطني (٥) عن الدارقطني: لا يحدث عن أبيه إلا هو، يعتبر به، ولا بأس بأبيه ..
стр. 215
وتعقبه في تهذيب التهذيب (١) بقوله: قلت: هذا الكلام فيه نظر فإن أباه ذكر أنه رأى النبي ﷺ قاعدًا في الصلاة. الحديث، فإن ثبت إسناده فهو صحابي. وقال ابن القطان: لا يعرف حال مالك ولا روى عن أبيه غيره. وقال الذهبي لا يعرف.
قال أبو محمد: يحتمل مثل هذا فإنه لا نكارة في المتن مع أن نميرًا لم تثبت صحبته إلا من طريق ابنه. وقوله: حناها شيئا. هو بمقتضى العادة لا التكلف. فلا يجعلها كالرمح السمهري في الاستقامة ولا المحجن في الانحناء بل على العادة.
تنبيه: أحاديث مسح الوجه بعد الدعاء لا يصح منها شيء.
فائدة: أخرج البخاري في الأدب المفرد (٢)، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا محمد بن فليح قال: أخبرني أبي، عن أبي نعيم وهو وهب قال: رأيت ابن عمر وابن الزبير يدعوان، يديران بالراحتين على الوجه.
وهذا إسناد ضعيف فليح متكلم فيه. مع عدم صراحة الخبر في المسح فيحتمل يرفعان أيديهما بحذاء الوجه. وهذا ظاهر ترجمة البخاري حيث قال: باب رفع الأيدي في الدعاء.
стр. 216
الحكم الثلاثون
عند الجمع بين الأذكار التي يسوغ الجمع بينها لا يشترط ترتيب معين؛ إلا أن يدل الدليل على تقديم وتأخير؛ كما في حديث البراء ﵁، وقد تقدم ذكره وفيه: «واجعلهن آخر ما تقول» (١) فهذا في التأخير، ومن التقديم الاستغفار دبر الصلاة، فعن ثوبان (٢) ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ ، إذا انصر من صلاته استغفر ثلاثا، وقال: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام» أخرجه مسلم (٣) وغيره (٤)، ثم بعد ذلك يأتي بالأذكار دبر الصلاة.
стр. 217
قال في الشرح الممتع: (١) والتَّرتيب بعد الاستغفار، وقوله: «اللَّهمَّ أنت السَّلام، ومنك السَّلام» لا أعلم فيه سُنة، فإذا قدَّم شيئًا على شيء فلا حَرج. ا. هـ.
والأمر هنا واضح جلي؛ فلا داعي للتطويل، والحمد لله.
стр. 218
الحكم الواحد والثلاثون
يجب صون محال الذكر ومجالسه من القواطع والمفسدات والمشوشات، حتى تتم الفائدة، ولذا روى مسلم عن هريرة ﵁، يقول: قال رسول الله ﷺ : «من سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فليقل لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا» ولفظه عند الترمذي (١) وغيره (٢) عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ ، قال: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة، فقولوا: لا رد الله عليك».
وفي صحيح مسلم: (٣) عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ليلني منكم، أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم ثلاثا، وإياكم وهيشات الأسواق»
стр. 219
فائدة: أخرج أحمد في مسنده: (١) قال: حدثنا خلف، حدثنا خالد، عن مطر، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁: أن رسول ﷺ نهى أن يرفع الرجل صوته بالقراءة قبل العشاء وبعدها، يغلط أصحابه وهم يصلون. والحارث ضعيف، وله شاهد عند أحمد: (٢) من طريق معمر، عن صدقة المكي، عن عبد الله بن عمر، أن النبي ﷺ اعتكف وخطب الناس فقال: «أما إن أحدكم إذا قام في الصلاة، فإنه يناجي ربه، فليعلم أحدكم ما يناجي ربه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة في الصلاة».
وأخرج أحمد وأبو داود: (٣) من طريق معمر، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة وهو في قبة له، فكشف الستور، وقال: «إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضًا، ولا يرفعن بعضكم على بعض في القراءة»، أو قال: «في الصلاة» وهو خبر ثابت.
وخرج مالك في موطئه: (٤) عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي حازم التمار، عن البياضي: أن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون، وقد علت أصواتهم بالقراءة، وقال: إن المصلي يناجي ربه فلينظر ما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن.
وأخرجه أحمد من طريق مالك. (٥)
стр. 220
فائدة: قال في التمهيد (١) ما نصه: وقال ابن عيينة: إنما رد رسول الله ﷺ الخميصة إلى أبي جهم؛ لأنه كرهها إذ كانت سبب غفلة، وشغل عن ذكر الله كما فعل في الموضع الذي نام فيه عن الصلاة، لما نال فيه الشيطان منهم من الغفلة، قال: ولم يكن رسول الله ﷺ ليبعث إلى أبي جهم بشيء يكرهه لنفسه، ألم تسمع قوله لعائشة: «لا تتصدقي بما لا تأكلين» (٢) وكان رسول الله ﷺ أقوى خلق الله على أمر الله على أمر الله، وعلى رد كل وسوسة، ولكنه كرهها وأبغضها إذ كانت سبب الغفلة عن الذكر. ا. هـ.
فائدة: أخرج أحمد في مسنده: (٣) من طريق شريك، وزائدة فرقه في موضعين؛ كلاهما عن عبد الملك بن عمير، عن أبي روح الكلاعي، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة، فقرأ فيها سورة الروم، فلب س بعضها، قال: «إنما لبس علينا الشيطان، القراءة من أجل أقوام يأتون الصلاة بغير وضوء، فإذا أتيتم الصلاة فأحسنوا الوضوء».
وهذا مرسل فإن أبا روح تابعي، ورواه أحمد: (٤) من طريق شعبة، والثوري فرقه في موضعين كلاهما عن عبد الملك بن عمير، قال: سمعت شبيبًا أبا روح يحدث، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ أنه: صلى الصبح فقرأ فيها الروم فأوهم، فذكره هكذا موصولًا وهو أصح ..
стр. 221
وكذا أخرجه النسائي (١) من طريق الثوري، وأبو روح يقال اسمه شبيب، وقد روى عنه حريز بن عثمان، وقد قال أبو داود شيوخ حريز بن عثمان كلهم ثقات.
قال في الوهم والإيهام: (٢) قال ابن الجارود، عن محمد بن يحيى الذهلي: هذا شعبة، وعبد الملك بن عمير في جلالتهما يرويان عن شبيب أبي روح، وروى عنه أيضا حريز بن عثمان. هذا كله غير كافي المبتغى من عدالته فاعلمه. ا. هـ.
والخبر أعله ابن عبد البر في التمهيد بالاضطراب.
قلت: ويخشى أيضا من تخاليط عبد الملك بن عمير، وغلطه فقد وصفه أحمد بكثرة ذلك، مع ما في المتن من الغرابة، فأنى له الثبوت؟ والخبر ذكره ابن كثير في تفسيره (٣)، وقال: وهذا إسناد حسن، ومتن حسن، وفيه سر عجيب، ونبأ غريب، وهو أنه ﷺ تأثر بنقصان وضوء من ائتم به، فدل ذلك على أن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام ... قال أبو محمد: وقوله إسناد حسن ليس بحسن.
وقال في موضع آخر: (٤) فدل هذا على أن إكمال الطهارة يسهل القيام في العبادة، ويعين على إتمامها وإكمالها والقيام بمشروعاتها.
وقال السندي في حاشيته على المسند ما نصه: قوله: «فلبس» بالتخفيف أو التشديد، أي: خلط.
стр. 222
«بغير وضوء» أي: حسن، بقرينة: فأحسنوا الوضوء، ويحتمل أن بعض المنافقين ما كانوا يتوضؤون من الأصل. وبالجملة، فهذا من صفاء قلبه صلى الله عليه حيث ظهر له أثر قلة مراعاتهم آداب الطهارة، كالمرآة المجلوة، والله أعلم. ا. هـ.
فائدة: قال ابن القيم في المدارج (١) ما نصه: فإن قيل: ما تقولون في صلاة من عدم خشوع هل يعتد بها أم لا؟
قيل: أما الاعتداد بها في الثواب فلا يعتد له فيها إلا بما عقل فيه منها، وخشع فيه لربه.
قال ابن عباس ﵁: ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها.
وفي المسند (٢) مرفوعا: «إن العبد ليصلي الصلاة، ولم يكتب له إلا نصفها، أو ثلثها، أو ربعها حتى بلغ عشرها».
وقد علق الله فلاح المصلين بالخشوع في صلاتهم، فدل على أن من لم يخشع فليس من أهل الفلاح، ولو اعتد له بها ثوابا لكان من المفلحين.
وأما الاعتداد بها في أحكام الدنيا، وسقوط القضاء فإن غلب عليها الخشوع وتعقلها اعتد بها إجماعًا، وكانت السنن، والأذكار عقيبها جوابر ومكملات لنقصها.
стр. 223
وإن غلب عليه عدم الخشوع فيها، وعدم تعقلها، فقد اختلف الفقهاء في وجوب إعادتها، فأوجبها أبو عبد الله بن حامد من أصحاب أحمد، وأبو حامد الغزالي في إحيائه، لا في وسيطه وبسيطه. واحتجوا بأنها صلاة لا يثاب عليها، ولم يضمن له فيها الفلاح، فلم تبرأ ذمته منها، ويسقط القضاء عنه كصلاة المرائي.
قالوا: ولأن الخشوع والعقل روح الصلاة ومقصودها ولُبُّها، فكيف يعتد بصلاة فقدت روحها ولبُّها، وبقيت صورتها وظاهرها؟.
قالوا: ولو ترك العبد واجبًا من واجباتها عمدا لأبطلها تركه. وغايته: أن يكون بعضا من أبعاضها بمنزلة فوات عضو من أعضاء العبد المعتق في الكفارة، فكيف إذا عدمت روحها، ولبها ومقصودها؟ وصارت بمنزلة العبد الميت، إذا لم يعتد بالعبد المقطوع اليد، يعتقه تقربًا إلى الله تعالى في كفارة واجبة، فكيف يعتد بالعبد الميت.
وقال بعض السلف: الصلاة كجارية تهدى إلى ملك من الملوك، فما الظن بمن يهدي إليه جارية شلاء، أو عوراء، أو عمياء، أو مقطوعة اليد والرجل، أو مريضة، أو دميمة، أو قبيحة، حتى يهدي إليه جارية ميتة بلا روح وجارية قبيحة، فكيف بالصلاة التي يهديها العبد، ويتقرب بها إلى ربه تعالى؟ والله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وليس من العمل الطيب صلاة لا روح فيها، كما أنه ليس من العتق الطيب عتق عبد لا روح فيه.
قالوا: وتعطيل القلب عن عبودية الحضور والخشوع: تعطيل لملك الأعضاء عن عبوديته، وعزل له عنها، فماذا تغني طاعة الرعية وعبوديتها، وقد عزل ملكها وتعطل؟.
قالوا: والأعضاء تابعة للقلب، تصلح بصلاحه، وتفسد بفساده،
стр. 224
فإذا لم يكن قائمًا بعبوديته، فالأعضاء أولى أن لا يعتد بعبوديتها، وإذا فسدت عبوديته بالغفلة والوسواس فأنى تصح عبودية رعيته وجنده ومادتهم منه، وعن أمره يصدرون، وبه يأتمرون؟.
قالوا: وفي الترمذي وغيره (١)، مرفوعًا إلى النبي ﷺ : «إن الله لا يستجيب الدعاء من قلب غافل» وهذا إما خاص بدعاء العبادة، وإما عام له ولدعاء المسألة، وإما خاص بدعاء المسألة الذي هو أبعد، فهو تنبيه على أنه لا يقبل دعاء العبادة الذي هو خاص حقه من قلب غافل.
قالوا: ولأن عبودية من غلبت عليه الغفلة والسهو في الغالب لا تكون مصاحبة للإخلاص، فإن الإخلاص قصد المعبود وحده بالتعبد. والغافل لا قصد له، فلا عبودية له.
قالوا: وقد قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤، ٥]. وليس السهو عنها تركها، وإلا لم يكونوا مصلين، وإنما هو السهو عن واجبها إما عن الوقت كما قال ابن مسعود وغيره، وإما عن الحضور والخشوع، والصواب أنه يعم النوعين، فإنه سبحانه أثبت لهم صلاة، ووصفهم بالسهو عنها فهو السهو عن وقتها الواجب، أو عن إخلاصها وحضورها الواجب، ولذلك وصفهم بالرياء، ولو كان السهو سهو ترك لما كان هناك رياء.
قالوا: ولو قدرنا أنه السهو عن واجب فقط، فهو تنبيه على
стр. 225
التوعد بالويل على سهو الإخلاص والحضور بطريق الأولى لوجوه:
أحدها: أن الوقت يسقط في حال العذر، وينتقل إلى بدله، والإخلاص والحضور لا يسقط بحال، ولا بدل له.
الثاني: أن واجب الوقت يسقط لتكميل مصلحة الحضور، فيجوز الجمع بين الصلاتين للشغل المانع من فعل إحداهما في وقتها بلا قلب ولا حضور، كالمسافر، والمريض، وذي الشغل الذي يحتاج معه إلى الجمع، كما نص عليه أحمد وغيره.
فبالجملة: مصلحة الإخلاص والحضور، وجمعية القلب على الله في الصلاة أرجح في نظر الشارع من مصلحة سائر واجباتها، فكيف يظن به أنه يبطلها بترك تكبيرة واحدة، أو اعتدال في ركن، أو ترك حرف، أو شدة من القرآن، أو ترك تسبيحة أو قول سمع الله لمن حمده أو قول ربنا ولك الحمد أو ذكر رسول الله ﷺ بالصلاة عليه، ثم يصححها مع فوت لُبها، ومقصودها الأعظم، وروحها وسرها.
فهذا ما احتجت به هذه الطائفة، وهي حجج كما تراها قوة وظهورًا.
قال أصحاب القول الآخر: قد ثبت عن النبي ﷺ في الصحيح (١) أنه قال: «إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان، وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي التأذين أقبل، فإذا ثوب بالصلاة أدبر، فإذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء وبين نفسه، فيذكره ما لم يكن يذكر، ويقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل
стр. 226
الرجل لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس».
قالوا: فأمره النبي ﷺ في هذه الصلاة التي قد أغفله الشيطان فيها، حتى لم يدر كم صلى بأن يسجد سجدتي السهو، ولم يأمره بإعادتها، ولو كانت باطلة كما زعمتم لأمره بإعادتها.
قالوا: وهذا هو السر في سجدتي السهو، ترغيما للشيطان في وسوسته للعبد، وكونه حال بينه وبين الحضور في الصلاة. ولهذا سماهما النبي ﷺ : «المرغمتين» (١)، وأمر من سها بهما ولم يفصل في سهوه الذي صدر عنه موجب السجود بين القليل والكثير، والغالب والمغلوب، وقال «لكل سهو سجدتان» (٢) ولم يستثن من ذلك السهو الغالب، مع أنه الغالب.
قالوا: ولأن شرائع الإسلام على الأفعال الظاهرة، وأما حقائق الإيمان الباطنة فتلك عليها شرائع الثواب والعقاب، فلله تعالى حكمان: حكم في الدنيا على الشرائع الظاهرة وأعمال الجوارح، وحكم في الآخرة على الظواهر والبواطن، ولهذا كان النبي ﷺ يقبل علانية المنافقين، ويكل أسرارهم إلى الله فيناكحون، ويرثون ويورثون، ويعتد بصلاتهم في أحكام الدنيا، فلا يكون حكمهم حكم تارك الصلاة، إذ قد أتوا بصورتها الظاهرة، وأحكام الثواب والعقاب ليست إلى البشر، بل إلى الله، والله يتولاه في الدار الآخرة.
стр. 227
نعم لا يحصل مقصود هذه الصلاة من ثواب الله عاجلًا ولا آجلا، فإن للصلاة مزيد ثواب عاجل في القلب من قوة إيمانه، واستنارته، وانشراحه وانفساحه ووجود حلاوة العبادة، والفرح والسرور، واللذة التي تحصل لمن اجتمع همه وقلبه على الله، وحضر قلبه بين يديه، كما يحصل لمن قربه السلطان منه، وخصه بمناجاته والإقبال عليه والله أعلى وأجل.
وكذلك ما يحصل لهذا من الدرجات العلى في الآخرة، ومرافقة المقربين.
كل هذا يفوته بفوات الحضور والخضوع، وإن الرجلين ليكون مقامهما في الصف واحدا، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض، وليس كلامنا في هذا كله.
فإن أردتم وجوب الإعادة لتحصل هذه الثمرات والفوائد فذاك إليه إن شاء أن يحصلها وإن شاء أن يفوتها على نفسه، وإن أردتم بوجوبها أنا نلزمه بها ونعاقبه على تركها، ونرتب عليه أحكام تارك الصلاة فلا.
وهذا القول الثاني أرجح القولين، والله أعلم. ا. هـ.
стр. 228
الحكم الثاني والثلاثون
الأذكار عبادة فلا تثبت بالتجارب ولا بالاستحسان، ولا بالذوق، فإذا ثبت ذكر في محل فلا يثبت في شبيهه أو نظيره ما لم يدل دليل، ولهذا فلا يكون بعد صلاة النافلة من الأذكار مثل ما ثبت في الفريضة، وفي مجموع فتاوي أبي العباس: (١) وسئل ﵀: عمن يقول: أنا أعتقد أن من أحدث شيئا من الأذكار غير ما شرعه رسول الله ﷺ وصح عنه أنه قد أساء وأخطأ؛ إذ لو ارتضى أن يكون رسول الله ﷺ نبيه وإمامه ودليله، لاكتفى بما صح عنه من الأذكار، فعدوله إلى رأيه واختراعه جهل وتزيين من الشيطان وخلاف للسنة؛ إذ الرسول ﷺ لم يترك خيرا إلا دلنا عليه وشرعه لنا، ولم يدخر الله عنه خيرا؛ بدليل إعطائه خير الدنيا والآخرة؛ إذ هو أكرم الخلق على الله فهل الأمر كذلك أم لا؟.
فأجاب: الحمد لله، لا ريب أن الأذكار والدعوات من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على التوقيف والاتباع لا على الهوى والابتداع، فالأدعية والأذكار النبوية هي أفضل ما يتحراه المتحري من الذكر والدعاء، وسالكها على سبيل أمان وسلامة والفوائد والنتائج التي
стр. 229
تحصل لا يعبر عنه لسان ولا يحيط به إنسان، وما سواها من الأذكار قد يكون محرما وقد يكون مكروها، وقد يكون فيه شر، مما لا يهتدي إليه أكثر الناس، وهي جملة يطول تفصيلها. وليس لأحد أن يسن للناس نوعا من الأذكار والأدعية غير المسنون، ويجعلها عبادة راتبة يواظب الناس عليها، كما يواظبون على الصلوات الخمس؛ بل هذا ابتداع دين لم يأذن الله به؛ بخلاف ما يدعو به المرء أحيانًا من غير أن يجعله للناس سنة، فهذا إذا لم يعلم أنه يتضمن معنى محرمًا لم يجز الجزم بتحريمه؛ لكن قد يكون فيه ذلك والإنسان لا يشعر به.
وهذا كما أن الإنسان عند الضرورة يدعو بأدعية تفتح عليه ذلك الوقت فهذا وأمثاله قريب. وأما اتخاذ ورد غير شرعي واستنان ذكر غير شرعي: فهذا مما ينهى عنه ومع هذا ففي الأدعية الشرعية والأذكار الشرعية غاية المطالب الصحيحة ونهاية المقاصد العلية ولا يعدل عنها إلى غيرها من الأذكار المحدثة المبتدعة إلا جاهل أو مفرط أو متعد. ا. هـ. قال أبو محمد: وفي إحداث الأذكار واختراعها: استدراك على الشارع، وهجر للمشروع، وتغرير بالعامة ..
وهنا مسألة: إذا كان البدل له حكم المبدل فما المانع -إذا استوى معه في جميع الوجوه-؟ فإذا قلنا تشرع التسمية في الوضوء فكذا في الغسل من الحدث وقد صح عن عمر التسمية عنده، قال ابن المنذر في الأوسط: (١) حدثنا موسى بن هارون، ثنا أبي، ثنا محمد بن بكير، ثنا ابن جري، قال: أخبرني عطاء، قال: أخبرني صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه، قال: بينما عمر يغتسل إلى بعير وأنا أستر، عليه بثوب يعلى الساتر قال: بسم الله. ا. هـ. فكذا تشرع عند التيمم؛
стр. 230
قال البخاري في صحيحه: (١) باب: الصعيد الطيب وضوء المسلم، يكفيه من الماء. وروى أهل السنن خلا ابن ماجه: (٢) من طريق قلابة عن عمرو بن بجدان عن أبي ذر قال قال رسول الله ﷺ : «الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين» وهذا لفظ النسائي مختصر .. فسماه النبي ﵊ وضوءًا.
стр. 231
الحكم الثالث والثلاثون
الأصل فيما يشغل ويصد عن الذكر أنه مكروه، فإن أشغل عما يجب من الذكر والقراءة فهو حرام.
قال الله جل وعلا في تحريم الخمر وما يصد عن الطاعة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١].
قال السعدي في تفسيره (١) بعد كلام: ومنها: أن هذه الأشياء تصد القلب، ويتبعه البدن عن ذكر الله وعن الصلاة، اللذين خلق لهما العبد، وبهما سعادته، فالخمر والميسر، يصدانه عن ذلك أعظم صد، ويشتغل قلبه، ويذهل لُبّه في الاشتغال بهما، حتى يمضي عليه مدة طويلة وهو لا يدري أين هو، فأي معصية أعظم وأقبح من معصية تدنس صاحبها، وتجعله من أهل الخبث، وتوقعه في أعمال الشيطان وشباكه، فينقاد له كما تنقاد البهيمة الذليلة لراعيها، وتحول بين العبد وبين فلاحه، وتوقع العداوة والبغضاء بين المؤمنين، وتصد عن ذكر الله
стр. 232
وعن الصلاة؟ فهل فوق هذه المفاسد شيء أكبر منها؟
ولهذا عرض تعالى على العقول السليمة النهي عنها، عرضا بقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]. لأن العاقل- إذا نظر إلى بعض تلك المفاسد- انزجر عنها وكفت نفسه، ولم يحتج إلى وعظ كثير ولا زجر بليغ. ا. هـ.
وقال البخاري في صحيحه: باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر، حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن.
ثم أخرج: (١) من طريق سالم، عن ابن عمر ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لأن يمتلئ جو أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا».
قال في فتح الباري: (٢) وقال النووي: استدل به على كراهة الشعر مطلقًا، وإن قل، وإن سلم من الفحش، وتعلق بقوله في حديث أبي سعيد ﵁: «خذوا الشيطان» (٣) وأجيب باحتمال أن يكون كافرا، أو كان هو الغالب عليه، أو كان شعره الذي ينشده، إذ ذا، من المذموم، وبالجملة فهي واقعة عين يتطرق إليها الاحتمال، ولا عموم لها، فلا حجة فيها، وألحق بن أبي جمرة بامتلاء الجو بالشعر المذموم حتى يشغله عما عداه من الواجبات والمستحبات، الامتلاء من السجع مثلا، ومن كل علم مذموم؛ كالسحر وغير ذلك، من العلوم التي تقسي القلب وتشغله عن الله تعالى، وتحدث الشكوك في الاعتقاد، وتفضي به إلى التباغض والتنافس.
стр. 233
تنبيه مناسبة هذه المبالغة في ذم الشعر، أن الذين خوطبوا بذلك كانوا في غاية الإقبال عليه، والاشتغال به، فزجرهم عنه ليقبلوا على القرآن، وعلى ذكر الله تعالى وعبادته، فمن أخذ من ذلك ما أمر به لم يضره ما بقي عنده مما سوى ذلك والله أعلم. ا. هـ.
قال ابن عابدين (١) ما نصه: وفي الظهيرية: قيل معنى الكراهة في الشعر أن يشغل الإنسان عن الذكر والقراءة وإلا فلا بأس به ا. هـ.
وقال في تبيين المحارم: واعلم أن ما كان حراما من الشعر ما فيه فحش أو هجو مسلم أو كذب على الله تعالى أو رسوله ﷺ أو على الصحابة أو تزكية النفس أو الكذب أو التفاخر المذموم، أو القدح في الأنساب، وكذا ما فيه وصف أمرد أو امرأة بعينها إذا كانا حيين، فإنه لا يجوز وصف امرأة معينة حية ولا وصف أمرد معين حي حسن الوجه بين يدي الرجال ولا في نفسه، وأما وصف الميتة أو غير المعينة فلا بأس .. إلى قوله .. ولا وصف الخمر المهيج إليها والديريات والحانات والهجاء ولو لذمي كذا في ابن الهمام والزيلعي .... وقال في المعارف: لا يليق بأهل الديانات، وينبغي أن لا يجوز إنشاده عند من غلب عليه الهوى والشهوة لأنه يهيجه على إجالة فكره فيمن لا يحل، وما كان سببا لمحظور فهو محظور. ا. هـ.
لطيفة: في طبقات الحنابلة (٢) ما نصه: وأنبأنا المبارك، أخبرنا أبو الحسين المعدل، أخبرنا أحمد بن جعفر بن مالك، قال: سمعت أبا خليفة الفضل بن الحباب الجمحي بالبصرة، يقول: قدم علينا أحمد بن حنبل البصرة ليسمع من أبي الوليد الطيالسي سنة اثنتي عشرة إن
стр. 234
شاء الله، فاستشرف له أهل البصرة، فلقيه أبي، وكان بينهما صحبة قديمة، فسأله أن يضيفه، فأجابه، فأقام عندنا ثلاثة أيام، فكنت أذاكره بالليل كثيرا، فقلت: له يا أبا عبد الله سمعت شعبة بن الحاج، يقول: إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله، وعن الصلاة وعن صلة الرحم، فهل أنتم منتهون. قال: فأطرق ساعة، ثم قال: أما نحن فلا نعرف هذا من أنفسنا، فإن كان شعبة يعرف من نفسه شيئا فهو أعلم. ا. هـ.
стр. 235
الحكم الرابع والثلاثون
يتأكد ذكر الله بإطلاق في كل مجلس، أو ممشى أو مضطجع، وقد يقال بالوجوب، فإن الذكر من أجل الطاعات، وأعظم القربات، والإعراض عنه سبيل المحرومين، ومن احتوشتهم الشياطين، والنصوص في الأمر به وافرة وفي التأكيد عليه متكاثرة.
قال القرطبي في تفسيره: قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١]. أمره بألا يترك، الذكر في نفسه مع اعتقال لسانه، على القول الأول. وقد مضى في البقرة معنى الذكر. وقال محمد ابن كعب القرظي: لو رخص لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا بقول الله : ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ٤١]. ولرخص للرجل يكون في الحرب بقول الله : ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال: ٤٥].
وقال ابن كثير في تفسيره: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾.
[الأحزاب: ٤١ - ٤٤]
стр. 236
يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بكثرة ذكرهم لربهم ﵎ المنعم عليهم بأنواع النعم وصنوف المنن، لما لهم في ذلك من جزيل الثواب، وجميل المآب. قال الإمام أحمد: (١) حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن سعيد، حدثني مولى ابن عياش، عن أبي بحرية عن أبي الدرداء ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم» قالوا: وما هو يا رسول الله؟ قال ﷺ : «ذكر الله » وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن زياد مولى ابن عياش عن أبي بحرية واسمه عبد الله بن قيس الترايمي عن أبي الدرداء ﵁ به، قال الترمذي: رواه بعضهم عنه فأرسله. قلت وقد تقدم هذا الحديث عند قوله تعالى: والذاكرين الله كثيرا والذاكرات.
وقال أيضا: وقال الإمام أحمد: (٢) حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن عمرو بن قيس قال: سمعت عبد الله بن بُسر (٣)
стр. 237
يقول: جاء أعرابيان إلى رسول الله ﷺ فقال أحدهما: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال ﷺ : «من طال عمره وحسن عمله» وقال الآخر: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علينا، فمرني بأمر أتشبث به، قال ﷺ : «لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله تعالى» وروى الترمذي وابن ماجة الفصل الثاني من حديث معاوية بن صالح به، وقال الترمذي: حديث حسن يريب.
إلى أن قال ابن كثير: وقال الإمام أحمد: (١) حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا شداد أبو طلحة الراسبي، سمعت أبا الوازع جابر بن عمرو يحدث عن عبد الله بن عمرو ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من قوم جلسوا مجلسا لم يذكروا الله تعالى فيه إلا رأوه حسرة يوم القيامة». وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١]. إن الله تعالى لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدا معلومًا، ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر، فإن الله تعالى لم يجعل له حدًا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدًا في تركه إلا مغلوبًا على تركه، فقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]. بالليل والنهار في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال. وقال : ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٢]. فإذا فعلتم ذلك صلى عليكم هو وملائكته، والأحاديث والآيات والآثار في الحث على ذكر الله تعالى كثيرة جدا، وفي هذه الآية الكريمة الحث على الإكثار
стр. 238
من ذلك. وقد صنف الناس في الأذكار المتعلقة بآناء الليل والنهار كالنسائي والمعمري وغيرهما. ومن أحسن الكتب المؤلفة في ذلك كتاب الأذكار للشيخ محيي الدين النووي ﵀.ا. هـ.
وقال ابن حبان في صحيحه: (١) باب فيمن ترك الذكر والصلاة على النبي ﷺ في شيء من أحواله. وأسند من طريق: (٢) ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه إلا كان عليهم ترة، وما مشى أحد ممشى لم يذكر الله فيه إلا كان عليه ترة، وما أوى أحد إلى فراشه ولم يذكر الله فيه إلا كان عليه ترة».
ثم أخرج بعده من طريق: (٣) عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁: عن النبي ﷺ ، قال: «ما قعد قوم مقعدًا لا يذكرون الله فيه ويصلون على النبي ﷺ إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة وإن دخلوا الجنة للثواب».
وقال في موضع آخر: (٤) ذكر البيان بأن تف رق القوم عن المجلس عن غير ذكر الله والصلاة على النبي ﷺ يكون حسرة عليهم في القيامة. ثم أسند من طريق: (٥) سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال:، قال رسول الله ﷺ : «ما اجتمع قوم في مجلس، فتفرقوا من غير ذكر الله، والصلاة على النبي ﷺ ، إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة».
стр. 239
وأخرجه أحمد (١) من طريق سهيل به بلفظ: «ما اجتمع قوم فتفرقوا عن غير ذكر الله، إلا كأنما تفرقوا عن جيفة حمار، وكان ذلك المجلس عليهم حسرة» وهذا الحديث له طرق وألفاظ تدل على تأكّد الذكر ولزومه في كل الأحوال.
قال شيخ الإسلام في الفتاوى: (٢) لكن مما هو كالإجماع بين العلماء بالله وأمره: أن ملازمة ذكر الله دائمًا هو أفضل ما شغل العبد به نفسه في الجملة، وعلى ذلك دل حديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه مسلم: (٣) «سبق المفردون قالوا يا رسول الله ومن المفردون؟ قال: الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات» وفيما رواه أبو داود (٤) عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إعطاء الذهب والورق ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: ذكر الله».
والدلائل القرآنية والإيمانية بصرًا وخبرًا ونظرًا على ذلك كثيرة. وأقلّ ذلك أن يلازم العبد الأذكار المأثورة عن معلم الخير وإمام المتقين ﷺ ؛ كالأذكار المؤقتة في أول النهار وآخره، وعند أخذ المضجع وعند الاستيقاظ من المنام، وأدبار الصلوات والأذكار المقيدة،
стр. 240
مثل ما يقال عند الأكل والشرب واللباس والجماع ودخول المنزل والمسجد والخلاء والخروج من ذلك وعند المطر والرعد إلى غير ذلك، وقد صنفت له الكتب المسماة بعمل اليوم والليلة. ثم ملازمة الذكر مطلقًا وأفضله «لا إله إلا الله». وقد تعرض أحوال يكون بقية الذكر مثل: «سبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله» أفضل منه. ا. هـ.
وقال ابن القيم في الوابل: (١) أن أفضل أهل كل عمل أكثرهم فيه ذكرًا لله ، فأفضل الصوام أكثرهم ذكرًا لله في صومهم، وأفضل المتصدقين أكثرهم ذكرًا لله ، وأفضل الحاج أكثرهم ذكرًا لله ، وهكذا سائر الأحوال.
وقد ذكر ابن أبي الدنيا (٢) حديثًا مرسلًا في ذلك: أن النبي ﷺ سئل: أي أهل المسجد خير؟ قال: «أكثرهم ذكرًا لله «قيل: أي الجنازة خير؟ قال: «أكثرهم ذكرًا لله » قيل: فأي المجاهدين خير؟ قال: «أكثرهم ذكرًا لله «قيل: فأي الحجاج خير؟ قال: «أكثرهم ذكرًا لله » قيل: وأي العباد خير؟ قال: «أكثرهم ذكرًا لله » قال أبو بكر: ذهب الذاكرون بالخير كله. ا. هـ.
وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٣) ما نصه: وعن يحيى بن أبي كثير، قال: ركب رجل الحمار، فعثر به، فقال: تعس الحمار، فقال صاحب اليمين: ما هي حسنة أكتبها، وقال صاحب الشمال: ما هي سيئة فأكتبها، فأوحى الله إلى صاحب الشمال: ما ترك
стр. 241
صاحب اليمين من شيء، فاكتبه، فأثبت في السيئات «تعس الحمار». (١)
وظاهر هذا أن ما ليس بحسنة، فهو سيئة، وإن كان لا يعاقب عليها، فإن بعض السيئات قد لا يعاقب عليها، وقد تقع مكفرة باجتناب الكبائر، ولكن زمانِها قد خسره صاحبها حيث ذهبت باطلًا، فيحصل له بذلك حسرة في القيامة وأسف عليه، وهو نوع عقوبة.
وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي (٢) من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه، إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان لهم حسرة».
وخرجه الترمذي (٣) ولفظه: «ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم، إلا كان عليهم تِرة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم».
وفي رواية لأبي داود والنسائي: (٤) «من قعد مقعدًا لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله تِرة، ومن اضطجع مضطجعًا لم يذكر الله فيه، كانت عليه من الله تِرة» زاد النسائي: «ومن قام مقامًا لم يذكر الله فيه، كانت عليه من الله تِرة» وخرج أيضًا (٥) من حديث أبي سعيد ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ما من قوم يجلسون مجلسًا لا يذكرون الله فيه إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة، وإن دخلوا الجنة».
стр. 242
وقال مجاهد: ما جلس قوم مجلسًا، فتفرقوا قبل أن يذكروا الله، إلا تفرقوا عن أنتن من ريح الجيفة، وكان مجلسهم يشهد عليهم بغفلتهم، وما جلس قوم مجلسًا، فذكروا الله قبل أن يتفرقوا، إلا أن يتفرقوا عن أطيب من ريح المسك، وكان مجلسهم يشهد لهم بذكرهم.
وقال بعض السلف: يعرض على ابن آدم يوم القيامة ساعات عمره، فكل ساعة لم يذكر الله فيها تتقطع نفسه عليها حسرات.
وخرجه الطبراني: (١) من حديث عائشة مرفوعًا: «ما من ساعة تمر بابن آدم لم يذكر الله فيها بخير، إلا حسر عندها يوم القيامة». الخ كلامه.
وقال في سبل السلام (٢) ما نصه: والحديث دليل على وجوب الذكر والصلاة على النبي ﷺ في المجلس سيما مع تفسير الترة بالنار أو العذاب فقد فسرت بهما فإن التعذيب لا يكون إلا لترك واجب أو فعل محظور، وظاهره أن الواجب هو الذكر والصلاة عليه ﷺ معًا. ا. هـ.
وقال في فتح الباري: (٣) وقد أشرت إليه مستشكلًا في أوائل الجهاد مع ما ورد في فضل المجاهد، أنه كالصائم لا يفطر، وكالقائم لا يفتر، وغير ذلك مما يدل على أفضليته على غيره من الأعمال الصالحة، وطريق الجمع والله أعلم أن المراد بذكر الله في حديث أبي الدرداء الذكر الكامل، وهو ما يجتمع فيه ذكر اللسان والقلب بالتفكر في المعنى، واستحضار عظمة الله تعالى، وأن الذي يحصل له ذلك يكون أفضل ممن يقاتل الكفار مثلًا من غير استحضار لذلك وأن
стр. 243
أفضلية الجهاد إنما هي بالنسبة إلى ذكر اللسان المجرد، فمن اتفق له أنه جمع ذلك كمن يذكر الله بلسانه وقلبه واستحضاره، وكل ذلك حال صلاته أو في صيامه أو تصدقه أو قتاله الكفار مثلًا، فهو الذي بلغ الغاية القصوى والعلم عند الله تعالى، وأجاب القاضي أبو بكر بن العربي بأنه ما من عمل صالح إلا والذكر مشترط في تصحيحه، فمن لم يذكر الله بقلبه عند صدقته أو صيامه مثلًا، فليس عمله كاملًا، فصار الذكر أفضل الأعمال من هذه الحيثية ا. هـ.
وقال في دليل الفالحين (١) ما نصه: «فإن شاء عذبهم» جزاء قصروا في ذلك بتركها «وإن شاء غفر لهم» ذلك النقص، وهذا يقتضي وجوب وجود الذكر والصلاة على النبي في المجلس؛ لأنه ر تّب العذاب على تر، ذلك وهو آية الوجوب، ولم أر من ذكر عنه القول بوجوب ذلك في كل مجلس والحديث يقتضيه والله أعلم.
قال في المرعاة (٢) ما نصه: قال الطيبي: أي ما يقومون قيامًا، إلا هذا القيام، وضمن قاموا معي تجاوزوًا وبعدوا فعدي بعن يعني لا يوجد عنهم قيام عن مجلسهم؛ إلا كقيام المتفرقين عن أكل الجيفة التي هي غاية في القذر والنتن، والجيفة جثة الميت المنتنة. قال ابن الملك: وتخصيص جيفة الحمار بالذكر؛ لأنه أدون الجيف من بين الحيوانات التي تخالطنا، وفي هذا التشبيه غاية التنفير عن ترك ذكر الله تعالى في المجالس، وإنه مما ينبغي لكل أحد أن لا يجلس في مجلس الغفلة ولا يلابس أهله. وإن يفر عنه كما يفر عن جيفة الحمار، فإن كل عاقل يفر عنها ولا يقعد عندها «وكان» أي ذلك المجلس «عليهم حسرة» أي
стр. 244
ندامة يوم القيامة بسبب تفريطهم في ذكر الله في ذلك المجلس، وذلك لما يظهر لهم في موقف الحساب من أجور العامرين لمجالسهم بذكر الله تعالى، فيتحسرون على كل لحظة من أعمارهم لم يذكروا الله فيها. ا. هـ.
وقال في فيض القدير: (١) «ما اجتمع قوم فتفرقوا عن غير ذكر الله؛ إلا كأنما تفرقوا عن جيفة حمار». لأن ما يجري في ذلك المجلس من السقطات والهفوات إذا لم يجبر بذكر الله يكون كجيفة تعافها النفس، وتخصيص الحمار بالذكر يشعر ببلادة أهل ذلك المجلس.
وقال أيضًا: (٢) أي: مثلها في النتن والقذارة والبشاعة لما صدر منهم من رديء الكلام ومذمومه شرعًا إذ المجلس الخالي من ذكر الله إنما يعمر بما ذكر ونحوه. ا. هـ.
ومما يعزّز هذا التأكيد على الذكر أن هذه الشريعة جاءت بالنصوص الكثيرة التي توزع الذكر على المحالّ والأحوال - هذا سوى الأوامر المطلقة بالذكر - كل هذا لتبقى أحوال المكلف بالذكر عامرة، وفرحة قلبه بذكر مولاه يأمره. والله المستعان.
لطيفة: نقل أبو العباس في كتابه الاستقامة: (٣) عن الشبلي: أنه سُئل متى يستريح، قال: إذا لم أر له ذاكرًا. ا. هـ.
يعني إذا لم أر لله ذاكرًا. فعلق شيخنا ابن باز على قوله هذا: يحبون ألا يعبد الله غيرهم هذه غيرة خبيثة. ا. هـ.
تنبيه: فإن قال قائل ألم يجيء الثناء والتفخيم للعبادة في زمن
стр. 245
الفتن، وعند كثرة الغفلة، كم أخرج مسلم: (١) من طريق حماد بن زيد، عن معلّى بن زياد، عن معاوية بن قرة، عن معقل بن يسار: أن رسول الله ﷺ ، قال: «العبادة في الهرج كهجرة إلي».
وما جاء في معناه: (٢) عن عون، قال: الذاكر في الغافلين كالمقاتل عن الفارين.
فالجواب: أن يقال هذا مدح للعبادة في زمن الإعراض والغفلة والفتن لا محبة لانصراف الناس عنها.
فهذه الأخيرة غيرة الهلكى والمبتدعة، وأما حال الصالحين فانظر لما أخرجه الطبراني: (٣) قال: حدثنا بشر بن موسى، ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، عن كهمس بن الحسن، عن ابن بريدة الأسلمي قال: شتم رجل ابن عباس، فقال ابن عباس: «إنك لتشتمني وفيّ ثلاث خصال: إني لآتي على الآية من كتاب الله ، فلوددت أن جميع الناس يعلمون منها ما أعلم منها، وإني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأفرح به، ولعلي لا أقاضي إليه أبدًا، وإني لأسمع بالغيث قد أصاب البلد من بلاد المسلمين فأفرح، وما لي به من سائمة. إسناده صحيح. فهذا لون، وغيرة الشبلي وأمثاله لون وبينهما البون، ومن الله نستمد العون.
стр. 246
الحكم الخامس والثلاثون
الذكر يتفاضل فيه أهله تفاضلًا عظيمًا، لما يقوم بقلوبهم من الإخلاص والخشية والمتابعة، وهذا التفاضل حاصل في أحوالهم في الدنيا، وحاصل عند الموت في ختم العمر بأفضل الذكر، وكلمة التوحيد «لا إله إلا الله» وهذا تقسيم لقائليها عند الموت:
أولاً: مِن يقولها عند الغرغِرة فهذه لا تنفعهِ، قاِل تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٧، ١٨].
ثانيًا: من يقولها عند معاينة عذاب الاستئصال الذي وعد الله به الكفار على ألسنة الرسل، فحكمه كالذي سبق؛ لأنه إيمان اضطرار لا إيمان اختيار ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ﴾ [غافر: ٨٥]. وقال عن فرعون ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ [يونس: ٩٠]. ومثل ذلك من أخبر الله عنه بدخول النار لتكذيبه
стр. 247
كأبي لهب.
قال شيخ الإسلام في مجموع فتاويه: (١) كمن يزعم أن أبا لهب كلف بأن يؤمن بأنه لا يؤمن فهو مبطل في ذلك عند عامة أهل القبلة من جميع الطوائف. بل إذا قدر أنه أخبر بصلية النار المستلزم لموته على الكفر وأنه أسمع هذا الخطاب، ففي هذا الحال انقطع تكليفه، ولم ينفعه الإيمان حينئذ كإيمان من يؤمن بعد معاينة العذاب قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥].
وقال تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١].
وقال: (٢) فإنه من أخبر الله أنه لا يؤمن وأنه يصلى النار بعد دعاء النبي ﷺ له إلى الإيمان فقد حقت عليه كلمة العذاب: كالذي يعاين الملائكة وقت الموت لم يبق بعد هذا مخاطبًا من جهة الرسول. ا. هـ.
ثالثًا: أن يقولها قبل ذلك وهم أحوال:
١ - من يقولها تائبًا من جميع ذنوبه خالصًا من قلبه فهذا أسعد الناس بها.
٢ - من يقولها خالصًا من قلبه غير مستحضر للتوبة من ذنوبه التي لا تخرجه من الملة فهي حسنة عظيمة، قد تربو على سيئاته فتزيلها، وقد تقصر عن ذلك فيحاسب عليها، وكل ذلك بحسب ما يقوم بقلب قائلها من الإخلاص. وفيه حديث البطاقة.
٣ - من يقولها وله أعمال كفرية مقيم عليها كاستحلال ما
стр. 248
حرم الله، وشركيات كدعاء أهل القبور. فهذه لا تنفعه فإن أعماله تضادها ولم يتب منها.
لطيفة: قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل: (١) حدثنا عبد الرحمن، قال: سمعت محمد بن مسلم، يقول: رأيت أبا زرعه ﵀ في المنام، فقلت: ما فعل بك ربك؟ فقال: قربني وأدناني، وقربني وأدناني، حتى هكذا، وأومأ بيده، ثم قال لي: يا عبيد الله تدرعت بالكلام؟ قلت: لأنهم حاولوا دينك، قال: ألحقوه بأبي عبد الله، وأبي عبد الله، وأبي عبد الله. لطيفة: قال في الجرح والتعديل (١/ ٣٤٥): باب ما ظهر لأبي زرعه من سيد عمله عند وفاته حدثنا عبد الرحمن قال سمعت أبي يقول: مات أبو زرعه مطعونًا مبطونًا يعرق جبينه في الَنَزّعِ فقلتُ لمحَمد بن مُسلمٍ: ما تحفظ في تلقين الموتى لا إلهَ إلا الله؟ فقال محمد بن مُسلم: يُروى عن معاذ بن جَبلٍ - فمن قبل أن يستتمَّ رفع أبو زرعه رأسه وهو في النَّزع فقال: روى عبد الحميد بن جعفر عن صالح بن أبي عَريبٍ عن كثير بن مُرة عن معاذ عن النبي ﷺ : من كان آخِرُ كلامه لا إلهَ إلا الله دخل الجنة.
فصار البيتُ ضجة ببُكاء من حضر.
стр. 249
الحكم السادس والثلاثون
الأصل أن يقوم العبد بالذكر من تِلقاء نفسه ولا يقوم به غيرُه، فالذكر عبادة لا تدخلها النيابة كالصلاة فلا يصلي أحد عن أحد. وهذا لا يمنع الإعانة بالتلقين للجاهل والتعويذ للصبية، وقد أخرج البخاري في صحيحة (١) من طريق: سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: كان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين، ويقول: «إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق، أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة». ولفظه عند ابن ماجة: (٢) «أعيذكما بكلمات الله التامة».
ورواه أبو داود: (٣) من طريق محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم من الفزع كلمات: «أعوذ بكلمات الله التامة، من غضبه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون». وكان عبد الله بن عمرو يعلمهن من عقل من بنيه، ومن لم يعقل كتبه فأعلقه عليه ا. هـ.
ولفظه عند أحمد في مسنده: (٤) من طريق ابن إسحاق به، قال:
стр. 250
كان رسول الله ﷺ يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم من الفزع: «بسم الله، أعوذ بكلمات الله التامة، من غضبه وعقابه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون» قال: فكان عبد الله بن عمرو: يعلمها من بلغ من ولده أن يقولها عند نومه، ومن كان منهم صغيرًا لا يعقل أن يحفظها كتبها له فعلقها في عنقه.
ومداره على ابن إسحاق، ويخشى من تدليسه، ولم يصرح بالسماع، فهذا الخبر الموقوف على ابن عمرو فيه نظر، والمحفوظ في الأحاديث التعويذ للصبية لا التعليق عليهم.
فائدة أخرج البخاري: (١) تحت باب: ما يتعوذ من الجبن. من طريق عمرو بن ميمون الأودي، قال: كان سعد يعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة ويقول: إن رسول الله ﷺ كان يتعوذ منهن دبر الصلاة: «اللهم إني أعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر»، فحدثت به مصعبًا فصدقه. ا. هـ.
وأما تعليق التعاويذ ولو كانت بكلام الله أو الأدعية النبوية فلا يجوز، وقد روى أحمد: (٢) من طريق الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن ابن أخي زينب، عن زينب، امرأة عبد الله، قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب، تنحنح وبزق، كراهية أن يهجم منا على شيء يكرهه، قالت: وإنه جاء ذات يوم، فتنحنح، قالت: وعندي عجوز ترقيني من الحمرة، فأدخلتها تحت السرير، فدخل، فجلس إلى جنبي، فرأى في عنقي خيطًا، قال: ما