← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14561

نتاج الفكر في أحكام الذكر

عبد الله بن مانع الروقي

Полный текст (344 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الحكم الخامس والثلاثون الذكر يتفاضل فيه أهله تفاضلًا عظيمًا، لما يقوم بقلوبهم من الإخلاص والخشية والمتابعة، وهذا التفاضل حاصل في أحوالهم في الدنيا، وحاصل عند الموت في ختم العمر بأفضل الذكر، وكلمة التوحيد «لا إله إلا الله» وهذا تقسيم لقائليها عند الموت: أولاً: مِن يقولها عند الغرغِرة فهذه لا تنفعهِ، قاِل تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٧، ١٨]. ثانيًا: من يقولها عند معاينة عذاب الاستئصال الذي وعد الله به الكفار على ألسنة الرسل، فحكمه كالذي سبق؛ لأنه إيمان اضطرار لا إيمان اختيار ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ﴾ [غافر: ٨٥]. وقال عن فرعون ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ [يونس: ٩٠]. ومثل ذلك من أخبر الله عنه بدخول النار لتكذيبه

стр. 247

كأبي لهب. قال شيخ الإسلام في مجموع فتاويه: (١) كمن يزعم أن أبا لهب كلف بأن يؤمن بأنه لا يؤمن فهو مبطل في ذلك عند عامة أهل القبلة من جميع الطوائف. بل إذا قدر أنه أخبر بصلية النار المستلزم لموته على الكفر وأنه أسمع هذا الخطاب، ففي هذا الحال انقطع تكليفه، ولم ينفعه الإيمان حينئذ كإيمان من يؤمن بعد معاينة العذاب قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥]. وقال تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١]. وقال: (٢) فإنه من أخبر الله أنه لا يؤمن وأنه يصلى النار بعد دعاء النبي ﷺ له إلى الإيمان فقد حقت عليه كلمة العذاب: كالذي يعاين الملائكة وقت الموت لم يبق بعد هذا مخاطبًا من جهة الرسول. ا. هـ. ثالثًا: أن يقولها قبل ذلك وهم أحوال: ١ - من يقولها تائبًا من جميع ذنوبه خالصًا من قلبه فهذا أسعد الناس بها. ٢ - من يقولها خالصًا من قلبه غير مستحضر للتوبة من ذنوبه التي لا تخرجه من الملة فهي حسنة عظيمة، قد تربو على سيئاته فتزيلها، وقد تقصر عن ذلك فيحاسب عليها، وكل ذلك بحسب ما يقوم بقلب قائلها من الإخلاص. وفيه حديث البطاقة. ٣ - من يقولها وله أعمال كفرية مقيم عليها كاستحلال ما

стр. 248

حرم الله، وشركيات كدعاء أهل القبور. فهذه لا تنفعه فإن أعماله تضادها ولم يتب منها. لطيفة: قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل: (١) حدثنا عبد الرحمن، قال: سمعت محمد بن مسلم، يقول: رأيت أبا زرعه ﵀ في المنام، فقلت: ما فعل بك ربك؟ فقال: قربني وأدناني، وقربني وأدناني، حتى هكذا، وأومأ بيده، ثم قال لي: يا عبيد الله تدرعت بالكلام؟ قلت: لأنهم حاولوا دينك، قال: ألحقوه بأبي عبد الله، وأبي عبد الله، وأبي عبد الله. لطيفة: قال في الجرح والتعديل (١/ ٣٤٥): باب ما ظهر لأبي زرعه من سيد عمله عند وفاته حدثنا عبد الرحمن قال سمعت أبي يقول: مات أبو زرعه مطعونًا مبطونًا يعرق جبينه في الَنَزّعِ فقلتُ لمحَمد بن مُسلمٍ: ما تحفظ في تلقين الموتى لا إلهَ إلا الله؟ فقال محمد بن مُسلم: يُروى عن معاذ بن جَبلٍ - فمن قبل أن يستتمَّ رفع أبو زرعه رأسه وهو في النَّزع فقال: روى عبد الحميد بن جعفر عن صالح بن أبي عَريبٍ عن كثير بن مُرة عن معاذ عن النبي ﷺ : من كان آخِرُ كلامه لا إلهَ إلا الله دخل الجنة. فصار البيتُ ضجة ببُكاء من حضر.

стр. 249

الحكم السادس والثلاثون الأصل أن يقوم العبد بالذكر من تِلقاء نفسه ولا يقوم به غيرُه، فالذكر عبادة لا تدخلها النيابة كالصلاة فلا يصلي أحد عن أحد. وهذا لا يمنع الإعانة بالتلقين للجاهل والتعويذ للصبية، وقد أخرج البخاري في صحيحة (١) من طريق: سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: كان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين، ويقول: «إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق، أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة». ولفظه عند ابن ماجة: (٢) «أعيذكما بكلمات الله التامة». ورواه أبو داود: (٣) من طريق محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم من الفزع كلمات: «أعوذ بكلمات الله التامة، من غضبه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون». وكان عبد الله بن عمرو يعلمهن من عقل من بنيه، ومن لم يعقل كتبه فأعلقه عليه ا. هـ. ولفظه عند أحمد في مسنده: (٤) من طريق ابن إسحاق به، قال:

стр. 250

كان رسول الله ﷺ يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم من الفزع: «بسم الله، أعوذ بكلمات الله التامة، من غضبه وعقابه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون» قال: فكان عبد الله بن عمرو: يعلمها من بلغ من ولده أن يقولها عند نومه، ومن كان منهم صغيرًا لا يعقل أن يحفظها كتبها له فعلقها في عنقه. ومداره على ابن إسحاق، ويخشى من تدليسه، ولم يصرح بالسماع، فهذا الخبر الموقوف على ابن عمرو فيه نظر، والمحفوظ في الأحاديث التعويذ للصبية لا التعليق عليهم. فائدة أخرج البخاري: (١) تحت باب: ما يتعوذ من الجبن. من طريق عمرو بن ميمون الأودي، قال: كان سعد يعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة ويقول: إن رسول الله ﷺ كان يتعوذ منهن دبر الصلاة: «اللهم إني أعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر»، فحدثت به مصعبًا فصدقه. ا. هـ. وأما تعليق التعاويذ ولو كانت بكلام الله أو الأدعية النبوية فلا يجوز، وقد روى أحمد: (٢) من طريق الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن ابن أخي زينب، عن زينب، امرأة عبد الله، قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب، تنحنح وبزق، كراهية أن يهجم منا على شيء يكرهه، قالت: وإنه جاء ذات يوم، فتنحنح، قالت: وعندي عجوز ترقيني من الحمرة، فأدخلتها تحت السرير، فدخل، فجلس إلى جنبي، فرأى في عنقي خيطًا، قال: ما

стр. 251

هذا الخيط؟ قالت: قلت خيط أرقي لي فيه، قالت: فأخذه فقطعه، ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرقى، والتمائم، والتولة شرك». إسناده حسن. والحديث عام في كل ما يعلق من التمائم. وثانيًا: ما يفضي إلى تعلق قلب العبد بهذه التميمة وضعف توكله. والغالب ميل قلبه إليها ميلًا تامًا والعياذ بالله. وثالثًا: أن من تعلق مثل هذه لا تسلم من الامتهان والتدنيس لكثرة تنقله بها. وأما التعليم للجاهل والتذكير للناسي فلا بأس بذلك؛ كما لو عطس شخص فلم يحمد الله لجهله بالسنة فيعلم ويشمت. وأما المعرض فلا يذكّر بالحمد وضابط المعرض أن يكون مثله لا يجهل فيدع الحمد، فيعزر بترك تشميته. وقد أخرج الشيخان في صحيحيهما: (١) من طريق سليمان التيمي، عن أنس بن مالك ﵁، قال: عطس عند النبي ﷺ رجلان، فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر، فقال الذي لم يشمته: عطس فلان فشمته، وعطست أنا فلم تشمتني، قال: «إن هذا حمد الله، وإنك لم تحمد الله» لفظ مسلم. ومن اللطائف ما أخرجه البيهقي: (٢) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، سمعت الحسن بن محمد بن حليم، سمعت أبا العباس بن سعيد، يذكر عن مشايخه فقالوا: شُكي سوار بن عبد الله القاضي إلى أبي

стр. 252

جعفر المنصور، وأُثني عليه عنده شرّا، قال: فاستقدمه، فلما أن قدم دخل عليه فعطس المنصور، فلم يشمته سوّار، فقال: ما يمنعك من التشميت؟ قال: لأنك لم تحمد الله، قال: قد حمدته في نفسي. قال فقد شمتك في نفسي، فقال: ارجع إلى عملك فإنك إن لم تحابني؛ لا تحابي غيري. قال ابن القيم في الزاد: (١) وقد اختلف الناس في مسألتين: الثانية: إذا ترك الحمد فهل يستحب لمن حضره أن يذكره الحمد؟ قال ابن العربي: لا يذكره، قال: وهذا جهل من فاعله. وقال النووي: أخطأ من زعم ذلك، بل يذكره، وهو مروي عن إبراهيم النخعي، قال: وهو من باب النصيحة، والأمر بالمعروف، والتعاون على البر والتقوى، وظاهر السنة يقوي قول ابن العربي؛ لأن النبي ﷺ لم يشمت الذي عطس، ولم يحمد الله، ولم يذكره وهذا تعزير له وحرمان لبركة الدعاء لما حرم نفسه بركة الحمد، فنسي الله، فصرف قلوب المؤمنين وألسنتهم عن تشميته والدعاء له، ولو كان تذكيره سنة، لكان النبي ﷺ أولى بفعلها وتعليمها، والإعانة عليها. ا. هـ ... وتقدم تحرير المسألة. تنبيه: لا تسقط الفاتحة عن كل مصل قادر على الإتيان بها، ولا يتحملها الإمام عمن خلفه، وإنما تسقط عن المأموم في حالة واحدة: إذا جاء والإمام راكع. لأن الاقتداء لا أثر له في إسقاط الأذكار بالإجماع. قاله في بدائع الصنائع. (٢) وقال في البناية شرح الهداية: (٣) ويستوي عندهم في استحباب الأذكار الإمام والمأموم والمنفرد ا. هـ.

стр. 253

وقال أيضًا: (١) وقال الشافعي: إذا قرأ الإمام آية الرحمة فيستحب له أن يسأل الله تعالى، أو آية العذاب يستحب له أن يستعيذ، أو آية تنزيه يستحب له أن يسبح؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه ما مر بآية رحمة إلا سألها، أو آية عذاب إلا استعاذ منها. ويستحب للمقتدي أن يتابعه على ذلك نقله المزني في «المختصر»؛ لأن كل ذكر يسن للإمام فيسن للمقتدي كسائر الأذكار. ا. هـ. وقال في الشرح الممتع: (٢) وله التعوذ عند آية وعيد، والسؤال عند آية رحمة، ولو في فرض. قوله: «وله التعوذ» أي: للمصلِّي أن يتعوَّذ بالله. والتعوُّذ هو الاعتصام بالله تعالى من كل مكروه. قوله: «عند آية وعيد» أي: إذا مَرَّ بآية وعيد، فله أن يقول: أعوذ بالله من ذلك، وظاهر كلام المؤلف أنه لا فَرْقَ بين الإمام والمأموم والمنفرد. أما المنفرد والإمام فمُسلم أن لهما أن يتعوذا عند آية الوعيد، ويسألا عند آية الرحمة. وأما المأموم فغير مُسلَّم على الإطلاق، بل في ذلك تفصيل وهو: إن أدَّى ذلك إلى عدم الإنصات للإِمام فإنه ينهى عنه، وإن لم يؤدِّ إلى عدم الإنصات فإن له ذلك. مثال الأول: لو كانت آيةُ الوعيد في أثناء قراءة الإمام، فإن المأموم إذا تعوَّذ في هذه الحال والإمام لم يسكت انشغل بتعوُّذه عن

стр. 254

الإنصات للإِمام، وقد نِهى النبيُّ ﷺ المأمومَ أن يقرأ والإمامُ يقرأ؛ إلاَّ بأمِّ القرآن. (١) ولهذا لو دخلت في صلاة جهرية والإمام يقرأ فلا تستفتح، بل كبر، واستعذْ بالله من الشيطان الرجيم، واقرأ الفاتحة، فصار ظاهر كلام المؤلف فيه تفصيل بالنسبة للمأموم. وقوله: «عند آية وعيد» أي: كل ما يدل على الوعيد، سواء كان بذكْرِ النار، أم بذكْرِ شيء من أنواع العذاب فيها، أم بذكْرِ أحوال المجرمين، وما أشبه ذلك. قوله: «والسؤال عند آية رحمة» أي: وللمصلِّي أن يسأل الرحمة إذا مرَّ بآية رحمة. مثاله: مرَّ ذكر الجنة يقول: اللهم إنِّي أسألك الجنة، وله أن يسأله من فضله، ولو مرَّ ثناء على الأنبياء أو الأولياء أو ما أشبه ذلك فله أن يقول: أسأل الله من فضله، أو أسأل الله أن يلحقني بهم، أو ما أشبه ذلك. قوله: «ولو في فرض» هذا إشارة خلاف: هل له ذلك في الفرض، أو ليس له ذلك؟ والصحيح: ما قاله المؤلف أنَّ له ذلك: لأن هذا لا يعدو أن يكون دعاء، والصَّلاةُ لا بأس بالدُّعاء فيها فله أن يتعوَّذ عند آية الوعيد، ويسأل عند آية الرحمة، ولو كان في الفرض. والدليل: حديث (٢) حذيفة بن اليمان ﵁: أنه صَلَّى مع النبي صلّى ﷺ ذات ليلة فقرأ النبي ﷺ بالبقرة، والنساء، وآل عمران، لا يمرّ بآية

стр. 255

رحمة إلا سأل، ولا بآية وعيد إلا تعوَّذ. وهذا فعل الرسول ﷺ ، والأصل أنه أسوة لنا، وأن ما فعله فلنا أن نتأسَّى به، إلا ما دَلَّ عليه الدليل، فإذا قال قائل: هذا في النَّفْلِ فما دليلكم على جوازه في الفرض؟. فالجواب: أن ما ثبت في النَّفْل ثبت في الفرض إلا بدليل، وهنا لا دليل على الفرق بين الفرض وبين النفل. والراجح في حكم هذه المسألة أن نقول: أما في النفل، ولا سيما في صلاة الليل، فإنه يُسنّ له أن يتعوّذ عند آية الوعيد، ويسأل عند آية الرحمة؛ اقتداءً برسول الله ﷺ ، ولأن ذلك أحضرُ للقلب وأبلغُ في التدبر، وصلاة الليل يُسَنّ فيها التطويل، وكثرة القراءة والركوع والسجود، وما أشبه ذلك. وأما في صلاة الفرض فليس بسُنة وإنْ كان جائزًا. فإن قال قائل: ما دليلك على هذا التفريق، وأنت تقول: إنَّ ما ثبت في النَّفْلِ ثبت في الفرض، فليكن سُنة في الفرض كما هو في النفل. فالجواب: الدليل على هذا أن الرسول ﷺ كان يصلي في كل يوم وليلة ثلاث صلوات، كلَّها جهر فيها بالقراءة، ويقرأ آيات فيها وعيد وآيات فيها رحمة، ولم ينقل الصَّحابةُ الذين نقلوا صفة صلاة الرسول ﷺ أنه كان يفعل ذلك في الفَرْض، ولو كان سُنة لفعله ولو فعله لنقل، فلمَّا لم ينقل علمنا أنه لم يفعله، ولما لم يفعله علمنا أنه ليس بسُنة، والصَّحابةُ ﵃ حريصون على تتُّبع حركات النبيِّ ﷺ وسكناته حتى إنِهم كانوا يستدلُّون على قراءته في السرِّية باضطراب لحيته، ولمَّا سكت بين التكبير والقراءة سأله أبو هريرة ﵁ ماذا يقول؟

стр. 256

ولو كان يسكت عند آية الوعيد مِن أجل أن يتعوَّذ، أو آية الرحمة من أجل أن يسأل لنقلوا ذلك بلا شكّ. فإذا قال قائل: إذا كان الأمر كذلك؛ فلماذا لا تمنعونه في صلاة الفرض كما مَنَعَهُ بعضُ أهل العلم؛ لأن النبي ﷺ ، قال: «صَلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» (١)؟ فالجواب على هذه أن نقول: ترك النبي ﷺ له لا يدلُّ على تحريمه؛ لأنه أعطانا ﵊، قاعدة: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء مِن كلام الناس، إنَّما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» (٢) والدعاء ليس من كلام الناس، فلا يبطل الصَّلاة، فيكون الأصل فيه الجواز، لكننا لا نندب الإنسان أن يفعل ذلك في صلاة الفريضة لما تقدم تقريره. مسألة: لو قرأ القارئ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠]؟ فهذه ليست آية وعيد ولا آية رحمة فله أن يقول: بلى، أو سبحانك فبلى؛ لأنه ورد في حديث عن النبي ﵊، ونص الإمام أحمد عليه، قال الإمام أحمد: (٣) إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠] في الصلاة وغير الصلاة، قال: سبحانك فبلى، في فَرْضٍ ونفْلٍ. وإذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] فيقول: «سبحانك فبلى».

стр. 257

ولو قرأ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]. فهنا لا يقول: يأتي به الله؛ لأن هذا إنما جاء في سياق التهديد والوعيد، فالله أمرِ الرسوِل ﷺ أن يقول لهؤلاء المكذبين: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠] والعامَّة نسمعهم يقولون: يأتي به اللهُ، وهذا لا يصلح. وفيه آيات كثيرة؛ كقوله في سورة النمل: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦٠]؟ فهل يصحُّ أن يقول: لا؟ الجواب: نعم، يصحُّ أن يقول: لا إله مع الله. ا. هـ كلام الشيخ ﵀ وعلى كلام الشيخ تنبيهات: الأول: قوله عن المأموم غير مسلّم إن أدى ذلك إلى عدم الإنصات. قلت: هذا غير مسلّم، فسبب تعوذه إنصاته لإمامه، وهذا شيء يسير لا ينافي الإنصات. الثاني: قوله وأما في صلاة الفرض فليس بسنة. فالجواب قال الشافعي في الأم: (١) قال: أخبرنا ابن مهدي، عن سفيان، عن السدي، عن عَبْدِ خَيْرٍ: أن عليًا ﵁ قرأ في الصبح بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ فقال: سبحان ربي الأعلى، وهم

стр. 258

يكرهون هذا ونحن نستحبه وروي عن رسول الله ﷺ شيء يشبهه. ا. هـ. قلت: وهذا إسناد حسن من أجل السدي، وهو الكبير إسماعيل بن عبد الرحمن. وهذا فعل خليفة راشد. وأخرجه ابن أبي شيبة: (١) عن عبده ووكيع، كلاهما عن الثوري، به تحت باب: من كان إذا قرأ سبح أسم ربك الأعلى قال: سبحان ربي الأعلى. وأخرج أيضًا: (٢) من طريقين: عن مسعر، عن عمير بن سعيد، قال: سمعت أبا موسى قرأ في الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى، فقال: سبحان ربي الأعلى. ولهذا قال النووي في المجموع (٣) ما نصه: قال الشافعي وأصحابنا: يسنّ للقاري في الصلاة وخارجها إذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى الرحمة، أو بآية عذاب أن يستعيذ به من العذاب، أو بآية تسبيح أن يسبح، أو بآية مثل أن يتدبر، قال أصحابنا: ويستحب ذلك للإمام والمأموم والمنفرد، وإذا قرأ ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠]. قال بلى وأنا على ذلك من الشاهدين وإذا قرأ ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥]. قال آمنا بالله وكل هذا يستحب لكل قارئ في صلاته أو غيرها، وسواء صلاة الفرض والنفل والمأموم والإمام والمنفرد - إلى أن قال - وقال بمذهبنا جمهور العلماء من السلف ممن بعدهم ا. هـ.

стр. 259

الثالث: قوله إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٢]. قال: سبحانك فبلى. فإن كانت عمدته ما ورد هنا فلا يثبت. مع أن سياقه مختلف، وإن أراد أن الموضع هنا آية تسبيح في المعنى فنعم. وهنا أنقل كلامًا للموفق أبي محمد من المغني (١) حيث قال ما نصه: وعن علي، أنه قال له رجل من الخوارج، وهو في صلاة الغداة، فناداه: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] قال: فأنصت له حتى فهم، ثم أجابه وهو في الصلاة: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠]. احتج به أحمد، ورواه أبو بكر النجاد، بإسناده. ولأن ما لا يبطل الصلاة ابتداء لا يبطلها إذا أتى به عقيب سبب، كالتسبيح لتنبيه إمامه. قال الخلال: اتفق الجميع، عن أبي عبد الله، على أنه - لا يرفع صوته - يعني: العاطس لا يرفع صوته - بالحمد، وإن رفع فلا بأس؛ بدليل حديث الأنصاري. وقال أحمد، في الإمام يقول: «لا إله إلا الله». فيقول من خلفه: «لا إله إلا الله» يرفعون بها أصواتهم، قال: يقولون، ولكن يخفون ذلك في أنفسهم. وإنما لم يكره أحمد ذلك، كما كره القراءة خلف الإمام؛ لأنه يسير لا يمنع الإنصات، فجرى مجرى التأمين. قيل لأحمد: فإن رفعوا أصواتهم بهذا؟ قال: أكرهه. قيل: فينهاهم الإمام؟ قال: لا ينهاهم. قال القاضي: إنما لم ينههم؛ لأنه قد روي عن

стр. 260

النبي ﷺ الجهر بمثل ذلك في صلاة الإخفاء، فإنه كان يسمعهم الآية أحيانًا. فصل: قيل لأحمد ﵀: إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠]. هل يقول: «سبحان ربي الأعلى». قال: إن شاء قاله فيما بينه وبين نفسه، ولا يجهر به في المكتوبة وغيرها. وقد روي عن علي ﵁ أنه قرأ في الصلاة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]. فقال: سبحان ربي الأعلى،. وعن ابن عباس، أنه قرأ في الصلاة: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠]، فقال: سبحانك، وبلى. وعن موسى بن أبي عائشة، قال: «كان رجل يصلي فوق بيته، فكان إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠]، قال: سبحانك فبكى، فسألوه عن ذلك، فقال: سمعته عن رسول الله ﷺ . رواه أبو داود. (١) ولأنه ذكر ورد الشرع به، فجاز التسبيح في موضعه.

стр. 261

الحكم السابع والثلاثون الصلاة شُرعت لذكر الله فهي مبنية عليه ولا سكوت فيها، وإنما هي إتيان بذكر أو سكوت لسماع ذكر قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. قال ابن كثير: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. قيل: معناه صلّ لتذكرني، وقيل: معناه وأقم الصلاة عند ذكرك لي، ويشهد لهذا الثاني ما رواه الإمام أحمد: (١) حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا المثنى بن سعيد عن قتادة، عن أنس، عن رسول الله ﷺ ، قال: «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها، فليصلها إذا ذكرها، فإن الله تعالى قال: وأقم الصلاة لذكري»، وفي الصحيحين (٢) عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من نام عن صلاة أو نسيها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك». ا. هـ. وقال القرطبي في تفسيره: (٣) اختلف في تأويل قوله: «لذكْري». فقيل: يحتمل أن يريد لتذكرني فيها، أو يريد لأذكرك بالمدح في عليين بها، فالمصدر على هذا يحتمل الإضافة إلى الفاعل وإلى المفعول.

стр. 262

وقيل: المعنى، أي حافظ بعد التوحيد على الصلاة. وهذا تنبيه على عظم قدر الصلاة إذ هي تضرع إلى الله تعالى، وقيام بين يديه، وعلى هذا فالصلاة هي الذكر. وقد سمى الله تعالى الصلاة ذكرًا في قوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. وقيل: المراد إذا نسيت فتذكرت فصل كما في الخبر «فليصلها إذا ذكرها». أي لا تسقط الصلاة بالنسيان. ا. هـ. وقال ابن سعدي ما نصه: (١) وقوله: ﴿لِذِكْرِي﴾ اللام للتعليل أي: أقم الصلاة لأجل ذكرك إياي، لأن ذكره تعالى أجل المقاصد، وهو عبودية القلب، وبه سعادته، فالقلب المعطل عن ذكر الله، معطل عن كل خير، وقد خرب كل الخراب، فشرع الله للعباد أنواع العبادات، التي المقصود منها إقامة ذكره، وخصوصا الصلاة. ا. هـ. قال في المغني (٢) في حق الإمام في صلاة الخوف حينما ينتظر الطائفة الأخرى: ولنا، أن الصلاة ليس فيها حال سكوت، والقيام محل للقراءة، فينبغي أن يأتي بها فيه، كما في التشهد إذا انتظرهم فإنه يتشهد ولا يسكت، كذلك هاهنا. ا. هـ. وقال في الشرح الممتع (٣) على كلامه في الدعاء بعد التكبيرة الرابعة في صلاة الجنازة: والقول بأنه يدعو بما تيسر أولى من السكوت؛ لأن الصلاة عبادة ليس فيها سكوت أبدًا إلا لسبب كالاستماع لقراءة الإمام، ونحو ذلك. وقال أيضًا: (٤) وإذا لم يسمعه لبعد لا لطرش، ويستفتح ويستعيذ فيما يجهر فيه إمامه.

стр. 263

قوله: «وإذا لم يسمعه لبعد» أي: ويستحب أن يقرأ إذا لم يسمع الإمام لبعد مثل: أن يكون المسجد كبيرًا، وليس هنا، مكبر صوت فيقرأ المأموم إذا لم يسمع قراءة الإمام حتى غير الفاتحة، ولا يسكت؛ لأنه ليس في الصلاة سكوت. وقال في المجموع شرح المهذب (١) ما نصه: ويستحب أن يدعو في هذه السكتة بما ذكرناه في حديث أبي هريرة ﵁ في دعاء الاستفتاح: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي إلى آخره» (٢) قلت: ومختار الذكر والدعاء والقراءة سرًا، ويستدل له بأن الصلاة ليس فيها سكوت حقيقي في حق الإمام، بالقياس على قراءته في انتظاره في صلاة الخوف، ولا تمنع تسميته سكوتًا مع الذكر فيه كما في السكتة بعد تكبيرة الإحرام؛ ولأنه سكوت بالنسبة إلى الجهر قبله وبعده. ا. هـ. وقال أيضًا: (٣) ولأن الصلاة مبنية على أن لا يفتر عن الذكر في شيء منها. ا. هـ. وفي حاشية الجمل (٤) ما نصه: ولا يكرر التشهد فلو لم يحفظ إلا دعاء قصيرًا كرره؛ لأن الصلاة لا سكوت فيها، وإنما لم يكرر التشهد خروجًا من خلاف من أبطل بتكرير الركن القولي. اهـ. وقال في إعانة الطالبين: (٥) قوله: «ودعاء»: أي حتى عقب التشهد والصلاة على النبي ﷺ ؛ لأن الصلاة لا سكوت فيها. ا. هـ.

стр. 264

وقال في نهِاية الزين في إرشاد المبتدئين (١) ما نصه: وخرج بهذا ما لو أدركه في سجدة التلاوة فيكبر لأنه كإدراك الإمام في الركوع وهو محسوب له ويوافق المسبوق إمامه استحبابًا في أذكار ما أدركه معه وإن لم يحسب له كالتحميد والدعاء حتى عقب التشهد والصلاة على النبي ﷺ لأن الصلاة لا سكوت فيها. ا. هـ. وإذا تقرر أنه ليس في الصلاة سكوت، كان القول الراجح أن المأموم إذا أطال الإمام التشهد الأول أن يصلي على النبي ﵊، ويدعو أيضًا خلافًا للمذهب، حيث قالوا: إنه يكرر التشهد، وهذا بناء على أن الصلاة على النبي ﵊ إنما تشرع في التشهد الذي يعقبه سلام. وهذا وإن كان هو الراجح؛ لكن الكلام إذا أطال الإمام الجلسة، وخالف السنة. قال ابن خزيمة في صحيحة: (٢) باب الاقتصار في الجلسة الأولى على التشهد وترك الدعاء بعد التشهد الأول، ثم روى من طريق: عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي، عن أبيه قال: وكنا نحفظه عن عبد الله بن مسعود ﵁ كما نحفظ حروف القرآن حين أخبرنا أن رسول الله ﷺ علمه إياه، قال: فكان يقول إذا جلس في وسط الصلاة، وفي آخرها على وركه اليسرى: «التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله» قال: ثم إن كان في وسط الصلاة نهِض حين يفرغ من تشهده، وإن كان في آخرها دعا بعد تشهده بما شاء الله أن يدعو، ثم يسلم. ا. هـ.

стр. 265

وله شاهد قوي أخرجه أحمد (١) والترمذي (٢): من طريق شعبة، قال: حدثني سعد بن إبراهيم، عن أبي عبيدة، عن أبيه: كان رسول الله ﷺ إذا جلس في الركعتين الأوليين كأنه على الرضف. قال شعبة: ثم حرك سعد شفتيه بشيء، فأقول: حتى يقوم؟ فيقول: حتى يقوم. هذا حديث حسن، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه. والعمل على هذا عند أهل العلم: يختارون أن لا يطيل الرجل القعود في الركعتين الأوليين، ولا يزيد على التشهد شيئًا في الركعتين الأوليين، وقالوا: إن زاد على التشهد فعليه سجدتا السهو. هكذا روي عن الشعبي وغيره. ا. هـ. قال ابن رجب في شرح علل الترمذي: (٣) قال ابن المديني في حديث يرويه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه هو منقطع، وهو حديث ثبت، وقال يعقوب بن شيبة: إنما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث أبي عبيدة عن أبيه في المسند، يعني في الحديث المتصل، لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديث منكر. ا. هـ. وروى الدارقطني في سننه: (٤) من طريق خِشْفِ بن مالك، عن عبد الله بن مسعود، قال: «قضى رسول الله ﷺ في دية الخطأ مائة من الإبل، منها عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات لبون، وعشرون بنات مخاض، وعشرون بني مخاض». - ثم قال - هذا حديث ضعيف غير ثابت عند أهل المعرفة بالحديث، من وجوه عدة

стр. 266

أحدها أنه مخالف لما رواه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، بالسند الصحيح عنه الذي لا مطعن فيه، ولا تأويل عليه، وأبو عبيدة أعلم بحديث أبيه وبمذهبه وفتياه من خشف بن مالك ونظرائه. ا. هـ. محل الغرض من النقل. وله شاهد آخر موقوف أخرجه ابن أبي شيبة: (١) من طريق تميم بن سلمه: كان أبو بكر إذا جلس في الركعتين كأنه على الرضف. يعني: حتى يقوم. وإسناده صحيح. وأما ما أخرجه النسائي في سننه: (٢) من طريق سعيد، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، أن عائشة، قالت: كنا نعد لرسول الله ﷺ سواكه وطهوره فيبعثه الله لما شاء أن يبعثه من الليل، فيستاك ويتوضأ ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيهن؛ إلا عند الثامنة، ويحمد الله ويصلي على نبيه ﷺ ويدعو بينهن ولا يسلم تسليمًا، ثم يصلي التاسعة ويقعد، وذكر كلمة نحوها ويحمد الله، ويصلي على نبيه ﷺ ويدعو ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلي ركعتين وهو قاعد» مما يفهم منه الصلاة على النبي ﵊ في التشهد الأول فهذه الزيادة غير محفوظة. فقد أخرجه مسلم: (٣) من طريق سعيد بن أبي عروبة مطولًا، وليس فيه الصلاة على النبي ﵊. وكذا عند أبي داود (٤) بنحو سياق مسلم من طريق همام عن

стр. 267

قتادة، وكذا أخرجه النسائي (١) من طريق هشام الدستوائي ومعمر كلاهما عن قتادة وليس في شيء من ذلك الصلاة على النبي، وإذا تقرر أنه ليس في التشهد الأول زيادة على تشهد ابن مسعود، وكان الإمام يطيل القعدة فالأفضل أن يكمل المأموم، ويأتي بما يسمى التشهد الأخير؛ لأنه لا سكوت في الصلاة ولا يكرر التشهد؛ كما نص عليه أحمد؛ لأنه لا دليل على ذلك، وعلى هذا لا يسكت ولا يكرر. تنبيه: وبهذا يعلم خطأ النسائي حيث، قال: باب الرخصة في ترك الذكر في الركوع. (٢) ثم أسند: (٣) من طريق ابن عجلان، عن علي بن يحيى الزرقي، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع وكان بدريا، قال: كنا مع رسول الله ﷺ إذ دخل رجل المسجد فصلى ورسول الله ﷺ يرمقه ولا يشعر، ثم انصر فأتى رسول الله ﷺ فسلم عليه فرد ﵇، ثم قال: «ارجع فصل فإنك لم تصل «قال: لا أدري في الثانية أو في الثالثة، قال: «والذي أنزل عليك الكتاب لقد جهدت فعلمني وأرني. قال: «إذا أردت الصلاة فتوضأ فأحسن الوضوء، ثم قم فاستقبل القبلة، ثم كبر، ثم اقرأ، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع رأسك حتى تطمئن قاعدًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، فإذا صنعت ذلك فقد قضيت صلاتك، وما انتقصت من ذلك فإنما تنقصه من صلاتك». ولا حجة فيه على دعواه، وكّرره في السجود. وقد أخرج مسلم: (٤) من طريق إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن

стр. 268

أبيه، عن ابن عباس ﵄، قال: كشف رسول الله ﷺ الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: «أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم» فهذا النبي ﵊ يأمر بتعظيم الله. فكيف نقول الرخصة في ترك ذلك. اللهم غفرًا. فجنس التعظيم في الركوع واجب وصيغة (سبحان ربي العظيم) مستحبة. قال أبو العباس ما نصه: (١) وأما قراءة القرآن فيهما فقد ثبت عنه أنه، قال: «إني نِيت أن أقرأ القرآن راكعًا وساجدًا» رواه مسلم. (٢) من حديث علي ومن حديث ابن عباس. وذلك أن القرآن كلام الله فلا يتلى إلا في حال الارتفاع والتكبير أيضًا محله حال الارتفاع. وجمهور العلماء على أنه يشرع التسبيح في الركوع والسجود، وروي عن مالك أنه كره المداومة على ذلك لئلا يظن وجوبه، ثم اختلفوا في وجوبه، فالمشهور عن أحمد وإسحاق وداود وغيرهم وجوبه، وعن أبي حنيفة والشافعي استحبابه، والقائلون بالوجوب منهم من يقول: يتعين «سبحان ربي العظيم» و «سبحان ربي الأعلى» للأمر بهما، وهو قول كثير من أصحاب أحمد: ومنهم من يقول: بل يذكر بعض الأذكار المأثورة، والأقوى أنه يتعين التسبيح إما بلفظ «سبحان» وإما بلفظ «سبحانك» ونحو ذلك. وذلك أن القرآن سماها «تسبيحًا»، فدل على وجوب التسبيح فيها، وقد بينت السنة أن محل ذلك الركوع والسجود كما سماها الله «قرآنا»، وقد بينت السنة أن محل ذلك القيام، وسماها «قيامًا» و «سجودًا» و «ركوعًا»، وبينت السنة علّة ذلك ومحله، وكذلك التسبيح يسبح في الركوع والسجود، وقد نقل عن

стр. 269

النبي ﷺ أنه كان يقول سبحان ربي العظيم وسبحان ربي الأعلى؛ وأنه كان يقول: «سبحانك اللهم وبحمد، اللهم اغفر لي؛ وسبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت» (١). وفي بعض روايات أبي داود: (٢) «سبحان ربي العظيم وبحمده». وفي استحباب هذه الزيادة عن أحمد روايتان. وفي صحيح مسلم عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: «سبوح قدوس رب الملائكة والروح» وفي السنن أنه كان يقول: «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة». (٣) فهذه كلها تسبيحات. وقال بعد ذلك: وأيضا فقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]. و ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] أمر بتسبيح ربه ليس أمرًا بصيغة معينة. فإذا قال «سبحان الله وبحمده» «سبحانك اللهم وبحمدك» فقد سبح ربه الأعلى والعظيم. فإن الله هو الأعلى وهو العظيم واسمه «الله» يتناول معاني سائر الأسماء بطريق التضَمُّن. وقال: (٤) ما نصه: فأمر النبي ﷺ بجعل هذين التسبيحين في الركوع والسجود وأمره على الوجوب، وذلك يقتضي وجوب ركوع وسجود تبعًا لهذا التسبيح، وذلك هو الطمأنينة، ثم إن من الفقهاء من قد يقول: التسبيح ليس بواجب، وهذا القول يخالف ظاهر الكتاب والسنة، فإن ظاهرهما يدل على وجوب الفعل والقول جميعًا. ا. هـ.

стр. 270

الحكم الثامن والثلاثون لا بأس بإهداء الذكر للأموات؛ لأن الراجح جواز إهداء جميع الأعمال الصالحة، وهو مذهب المحققين كالإمام أحمد وشيخ الإسلام وابن القيم وجماعة. قال ابن القيم في الروح (١) ما نصه: وهي هل تنتفع أرواح الموتى بشيء من سعى الأحياء أم لا. فالجواب: أنِا تنتفع من سعى الأحياء بأمرين مجمع عليهما بين أهل السنة من الفقهاء وأهل الحديث والتفسير. أحدهما: ما تسبب إليه الميت في حياته. والثاني: دعاء المسلمين له واستغفارهم له والصدقة والحج على نزاع ما الذي يصل من ثوابه، هل ثواب الإنفاق أو ثواب العمل، فعند الجمهور يصل ثواب العمل نفسه، وعند بعض الحنفية إنما يصل ثواب الإنفاق. واختلفوا في العبادة البدنية؛ كالصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر، فمذهب الإمام أحمد وجمهور السلف وصولها، وهو قول

стр. 271

بعض أصحاب أبي حنيفة نص على هذا الإمام أحمد في رواية محمد بن يحيى الكحال، قال: قيل لأبي عبد الله الرجل يعمل الشيء من الخير من صلاة أو صدقة أو غير ذلك، فيجعل نصفه لأبيه أو لأمه، قال: أرجو أو قال الميت يصل إليه كل شيء من صدقة أو غيرها. وقال أيضًا: اقرأ آية الكرسي ثلاث مرات، وقل هو الله أحد، وقل اللهم إن فضله لأهل المقابر. والمشهور من مذهب الشافعي ومالك أن ذلك لا يصل. وذهب بعض أهل البدع من أهل الكلام أنه لا يصل إلى الميت شيء البتة لادعاء ولا غيره. ا. هـ. إلى أن قال: (١) وبالجملة فأفضل ما يهدى إلى الميت العتق والصدقة والاستغفار له والدعاء له والحج عنه، وأما قراءة القرآن وإهداؤها له تطوعًا بغير أجرة فهذا يصل إليه كما يصل ثواب الصوم والخ. ا. هـ. وقال في تبيين الحقائق: (٢) الأصل في هذا الباب أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره عند أهل السنة والجماعة صلاة كان أو صومًا أو حجا أو صدقة أو قراءة قرآن أو الأذكار إلى غير ذلك من جميع أنواع البر، ويصل ذلك إلى الميت وينفعه. ا. هـ .. وسئل الشيخ محمد الصالح كما في فتاويه: (٣) سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم الصلاة عن الميت والصوم له؟

стр. 272

فأجاب فضيلته بقوله: هنا، أربعة أنواع من العبادات تصل إلى الميت بالإجماع، وهي: الأول: الدعاء. الثاني: الواجب الذي تدخله النيابة. الثالث: الصدقة. الرابع: العتق. وما عدا ذلك فإنه موضع خلاف بين أهل العلم: فمن العلماء من يقول: إن الميت لا ينتفع بثواب الأعمال الصالحة إذا أهدي له في غير هذه الأمور الأربعة. ولكن الصواب: أن الميت ينتفع بكل عمل صالح جعل له إذا كان الميت مؤمنًا. ا. هـ. وله فتاوى كثيرة اخترت منها ما تقدم، وإذا تقرر هذا جاز إهداء ثواب الذكر لمن شاء من الأموات. تنبيه: فرّق كثير من العلماء بين ابتداء العمل لنفسه، ثم إهداء الثواب، وقالوا هذا محض تفضل من العامل فيهديه لمن يشاء، ولا إشكال في ذلك، بخلاف النيابة عن الغير من أول العمل، فقالوا الأصل الاقتصار على ما ورد مما جاءت النيابة فيه، وكثير ممن تكلم في المسألة لم يفرّق. قال ابن القيم في الروح: (١) وسر المسألة أن الثواب ملك العامل

стр. 273

فإذا تبرع به وأهداه إلى أخيه المسلم أوصله الله إليه فما الذي خص من هذا ثواب قراءة القرآن وحار على العبد أن يوصله إلى أخيه وهذا عمل سائر الناس حتى المنكرين في سائر الإعصار والأمصار من غير نكير من العلماء. ا. هـ. وهو أكثر من بسط الكلام على أصل المسألة في كتابه هذا.

стр. 274

الحكم التاسع والثلاثون الذكر عبادة من أجلّ العبادات، وهي روح العبادات كلها، فلا حرج علي العابد أن يكثر منه، فلا جد لأكثره، فقد قال الله جلّ وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١]. وعيرّ المنافقين بقوله: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]. وأخرج الترمذي وابن ماجه (١) بسند لا بأس به: عن عبد الله بن بُسر (٢) ﵁، أن رجلًا قال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ، فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: «لا يزال لسانك رطبًا من

стр. 275

ذكر الله». وقال الترمذي عقبه: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. فلو استوعب دهره بالقراءة والتسبيح وسائر أنواع الذكر، ما كان عليه من جناح، بل كان محمودًا، ما لم يشق على نفسه أو يقصر في أداء حق لله أو واجب للخلق، ولذا نهى ﵊ عن الوصال، وأخبر أن خير الصيام صيام يوم وإفطار يوم، وفي الصحيحين: (١) عن عائشة ﵂، قالت: كانت عندي امرأة من بني أسد، فدخل علي رسول الله ﷺ ، فقال: «من هذه؟» قلت: فلانة لا تنام بالليل، فذكر من صلاتها، فقال: «مه عليكم ما تطيقون من الأعمال، فإن الله لا يمل حتى تملوا». وأخرج البخاري: (٢) من طريق عون بن أبي جحيفة، عن أبيه (٣)، قال: آخى النبي ﷺ بين سلمان، وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا، فقال: كل؟ قال: فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم، فلما كان من آخر الليل، قال: سلمان قم الآن، فصليا فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ : «صدق سلمان».

стр. 276

وقال البخاري في صحيحة: باب: في كم يقرأ القرآن. (١) ثم روى: (٢) من طريق مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال: أنكحني أبي امرأة ذات حسب، فكان يتعاهد كنته، فيسألها عن بعلها، فتقول: نعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فراشًا، ولم يفتش لنا كنفا منذ أتيناه، فلما طال ذلك عليه ذكر للنبي ﷺ ، فقال: «القني به»، فلقيته بعد، فقال: «كيف تصوم؟» قال: كل يوم، قال: «وكيف تختم؟»، قال: كل ليلة، قال: «صم في كل شهر ثلاثة، واقرإ القرآن في كل شهر»، قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: «صم ثلاثة أيام في الجمعة»، قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: «أفطر يومين وصم يومًا» قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: «صم أفضل الصوم صوم داود صيام يوم وإفطار يوم، واقرأ في كل سبع ليال مرة» فليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ ، وذاك أني كبرت وضعفت، فكان يقرأ على بعض أهله السبع من القرآن بالنهار، والذي يقرؤه يعرضه من النهار، ليكون أخف عليه بالليل، وإذا أراد أن يتقوى أفطر أيامًا وأحصى، وصام مثلهن كراهية أن يترك شيئًا، فارق النبي ﷺ عليه، قال أبو عبد الله: وقال بعضهم: في ثلاث وفي خمس وأكثرهم على سبع. قلت: رواية «ثلاثة أيام» وقعت للبخاري أيضًا في باب: صوم يوم وإفطار يوم. (٣) من طريق شعبة، عن مغيرة، قال: سمعت مجاهدًا، عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي ﷺ ، قال: «صم من الشهر ثلاثة أيام»، قال: أطيق أكثر من ذلك، فما زال حتى قال: «صم يومًا وأفطر

стр. 277

يومًا» فقال: «اقرأ القرآن في كل شهر»، قال: إني أطيق أكثر فما زال، حتى قال: «في ثلاث». وعند أبي داود: (١) من طريق همام وسعيد كلاهما عن قتادة، عن يزيد بن عبد الله، عن عبد الله بن عمرو، أنه قال: يا رسول الله، في كم أقرأ القرآن؟ قال: «في شهر»، قال: إني أقوى من ذلك، يردد الكلام أبو موسى، وتناقصه حتى قال: «اقرأه في سبع»، قال: إني أقوى من ذلك، قال: «لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث» وأخرجه الترمذي في سننه: (٢) طريق أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن عبد الله بن عمرو، قال: قلت: يا رسول الله في كم أقرأ القرآن؟ قال: «اختمه في شهر». قلت: إني أطيق أفضل من ذلك. قال: «اختمه في عشرين» قلت: إني أطيق أفضل من ذلك. قال: «اختمه في خمسة عشر» قلت: إني أطيق أفضل من ذلك. قال: «اختمه في عشر». قلت: إني أطيق أفضل من ذلك. قال: «اختمه في خمس». قلت: إني أطيق أفضل من ذلك. قال: فما رخص لي. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب، يستغرب من حديث أبي بردة عن عبد الله بن عمرو. وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن عبد الله بن عمرو. وروي عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ ، قال: «لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث». وروي عن عبد الله بن عمرو، أن النبي ﷺ قال له: «اقرأ القرآن في أربعين».

стр. 278

وقال إسحاق بن إبراهيم: ولا نحب للرجل أن يأتي عليه أكثر من أربعين يوما، ولم يقرأ القرآن لهذا الحديث. وقال: بعض أهل العلم لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث للحديث الذي روي عن النبي ﷺ ، ورخص فيه بعض أهل العلم. وروي عن عثمان بن عفان ﵁: أنه كان يقرأ القرآن في ركعة يوتر بها. وروي عن سعيد بن جبير أنه قرأ القرآن في ركعة في الكعبة. والترتيل في القراءة أحب إلى أهل العلم» ا. هـ. وقال في شرح السنة: (١) وقال عبد الله بن مسعود: من قرأ القرآن في أقل من ثلاث، فهو راجز. ورخص بعض أهل العلم فيه، روي عن عثمان، أنه كان يقرأ القرآن في ركعة يوتر بها. وعن سعيد بن جبير، أنه قرأ القرآن في ركعة في الكعبة. وعن تميم الداري، أنه كان يقرأ القرآن في ركعة. ا. هـ. والمقصود من هذا وغيره من النقول أن الشريعة متسعة التكاليف، متنوعة الواجبات، فلا بد من الفقه في هذا الأمر. ولذا قال الذهبي في سيره (٢) ما نصه: وصح: أن رسول الله ﷺ نازله إلى ثلاث ليال، ونهاه أن يقرأه في أقل من ثلاث (٣)، وهذا كان

стр. 279

في الذي نزل من القرآن، ثم بعد هذا القول نزل ما بقي من القرآن. فأقل مراتب النهي أن تكره تلاوة القرآن كله في أقل من ثلاث، فما فقه ولا تدبر من تلا في أقل من ذلك. ولو تلا ورتل في أسبوع، ولازم ذلك، لكان عملا فاضلا، فالدين يسر، فو الله إن ترتيل سبع القرآن في تهجد قيام الليل مع المحافظة على النوافل الراتبة، والضحى، وتحية المسجد، مع الأذكار المأثورة الثابتة، والقول عند النوم واليقظة، ودبر المكتوبة والسحر، مع النظر في العلم النافع والاشتغال به مخلصا لله، مع الأمر بالمعرف، وإرشاد الجاهل وتفهيمه، وزجر الفاسق، ونحو ذلك، مع أداء الفرائض في جماعة بخشوع وطمأنينة وانكسار وإيمان، مع أداء الواجب، واجتناب الكبائر، وكثرة الدعاء والاستغفار، والصدقة وصلة الرحم، والتواضع، والإخلاص في جميع ذلك، لشغل عظيم جسيم، ولمقام أصحاب اليمين وأولياء الله المتقين، فإن سائر ذلك مطلوب. فمتى تشاغل العابد بختمة في كل يوم، فقد خالف الحنيفية السمحة، ولم ينهض بأكثر ما ذكرناه، ولا تدبر ما يتلوه. هذا السيد العابد الصاحب كان يقول لما شاخ: ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ . (١) وكذلك قال له ﷺ في الصوم، وما زال يناقصه حتى قال له: «صم يوما، وأفطر يوما، صوم أخي داود ﵇». (٢) وثبت أنه قال: «أفضل الصيام صيام داود». (٣)

стр. 280

ونهى ﵊ عن صيام الدهر. (١) وأمر ﵊ بنوم قسط من الليل، وقال: «لكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني». (٢) وكل من لم يزمّ نفسه في تعبده وأوراده بالسنة النبوية، يندم ويترهب ويسوء مزاجه، ويفوته خير كثير من متابعة سنة نبيه الرؤوف الرحيم بالمؤمنين، الحريص على نفعهم، وما زال ﷺ معلما للأمة أفضل الأعمال، وآمرا بهجر التبتل والرهبانية التي لم يبعث بها، فنهى عن سرد الصوم، ونهِى عن الوصال، وعن قيام أكثر الليل إلا في العشر الأخير، ونهى عن العزبة للمستطيع، ونهى عن ترك اللحم، إلى غير ذلك من الأوامر والنواهي. فالعابد بلا معرفة لكثير من ذلك معذور مأجور، والعابد العالم بالآثار المحمدية، المتجاوز لها مفضول مغرور، وأحب الأعمال إلى الله - تعالى - أدومها وإن قل. ألهمنا الله وإياكم حسن المتابعة، وجنبنا الهوى والمخالفة .. ا. هـ. وهو كلام شاف كاف. فائدة: أخرج في شعب الإيمان: (٣) الحسن بن محمد الزعفراني، حدثنا أسباط بن محمد القرشي، عن الأعمش، عن شقيق، قال: قيل لابن مسعود: إنك تقلّ الصوم، قال: إني إذا صمت ضعفت عن القرآن، وقراءة القرآن أحب إلي. قال: وحدثنا الزعفراني، حدثنا أبو

стр. 281

معاوية الضرير، حدثنا الأعمش، عن شقيق قال: قيل لعبد الله: إنك تقلّ الصوم. بمثل ذلك. وأخرجه الطبراني في الكبير: (١) من طريق حماد بن سلمه، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن ابن مسعود (ولفظه) أنه قيل له: إنك تقلّ الصوم، فقال: أجل، إني إذا صمت ضعفت عن الصلاة، والصلاة أحب إلي من الصوم. وأخرجه ابن أبي شيبة: قال: أبو معاوية، عن الأعمش، عن سفيان، قال: قيل لعبد الله: إنك تقل الصوم، فقال: إني أخاف أن يمنعني من قراءة القرآن، فإن قراءة القرآن أحب إلي من الصوم. هكذا وفيه انقطاع، والخبر محفوظ عن ابن مسعود، وفيه الفقه المتين لهذا الصحابي الجليل. فائدة أخرى: قال في فتح الباري (٢) ما نصه: في كتاب محمد بن نصر وغيره بإسناد صحيح عن السائب بن يزيد: أن عثمان قرأ القرآن ليلة في ركعة لم يصل غيرها .. ا. هـ. وهنا مسألة: كيف يتفق هذا مع كراهة قراءة القرآن في أقل من ثلاث. والجواب: يتبرع به ابن رجب في اللطائف (٣) حيث قال ما نصه: وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان خصوصا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر، أو في الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من

стр. 282

غير أهلها، فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناما للزمان والمكان، وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة، وعليه يدل عمل غيرهم كما سبق ذكره. ا. هـ. كذا قال ابن رجب ﵀ وهو يدل على الإباحة بالشرط المتقدم. ولكنّ خير الهدي هدي النبي ﵊. تنبيه: يوجد في أذكار المتصوفة التسبيحات بالألوف بل بمئات الألوف، وهذا من البدع بل عندهم قراءة سور بأمثال هذه الأعداد، وأوراد بنحو هذه الأعداد، وأكثر ما ورد في السنة المطهرة من التسبيح أو التهليل، هو التسبيح المئوي، أعني ما رتّب عليه فضل خاص.

стр. 283

الحكم الأربعون الأصل استواء الرجال والنساء في أصل هذه العبادة ووصفها ما لم تدل الأدلة على التفريق، وهذا نظام الشريعة طرّا. ومما جاء في الأدلة إثبات الفرق بين الجنسين في هذه العبادة أن النساء لا أذان عليهن ولا إقامة وقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه: (١) قال: نا معتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: كنا نسأل أنسا، هل على النساء أذان وإقامة؟ قال: «لا، وإن فعلن فهو ذكر» إسناده صحيح. ولا يجهرن بالتلبية ولا يسبحن بل يصفقن خلف الإمام الساهي. قال في المغني (٢) ما نصه: مسألة: قال: «ولا ترفع المرأة صوتها بالتلبية، إلا بمقدار ما تسمع رفيقتها». قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن السنة في المرأة أن لا ترفع صوتها، وإنما عليها أن تسمع نفسها. وبهذا قال عطاء، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي. وروي عن سليمان بن يسار أنه قال: السنة عندهم أن المرأة لا ترفع صوتها بالإهلال. وإنما كره لها رفع الصوت مخافة الفتنة بها،

стр. 284

ولهذا لا يسن لها أذان ولا إقامة، والمسنون لها في التنبيه في الصلاة التصفيق دون التسبيح. ا. هـ. وقال في مجموع الفتاوى (١) ما نصه: و «أيضًا» يأمرون المرأة في الصلاة أن تجمع ولا تجافي بين أعضائها وتتربع ولا تفترش وفي الإحرام لا ترفع صوتها إلا بقدر ما تسمع رفيقتها وأن لا ترقى فوق الصفا والمروة. كل ذلك لتحقيق سترها وصيانتها ونُهيت أن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم؛ لحاجتها في حفظها إلى الرجال مع كبرها ومعرفتها .. الخ كلامه. وسئل: (٢) عن امرأة سمعت في الحديث «اللهم إني عبدك وابن عبدك ناصيتي بيدك» إلى آخره فداومت على هذا اللفظ فقيل لها: قولي: اللهم إني أمتك بنت أمتك إلى آخره. فأبت إلا المداومة على اللفظ فهل هي مصيبة أم لا؟ فأجاب: بل ينبغي لها أن تقول: اللهم إني أمتك بنت عبدك ابن أمتك فهو أولى وأحسن. وإن كان قولها: عبدك ابن عبدك له مخرج في العربية كلفظ الزوج والله أعلم. ا. هـ. وقال ابن عثيمين في لقاء الباب المفتوح (٣) ما نصه: أليس نقول في دعاء الجنازة: «اللهم أبدلها زوجًا خيرًا من زوجها»، وهذا الدعاء مُشْكِل؛ لأنها إن كانت متزوجة فكيف نقول: «اللهم أبدلها زوجًا خيرًا من زوجها»، وإن كانت غير متزوجة فأين زوجها؟ الجواب عن هذا أنْ نقول: إنَّ قولنا: «أبدِلْها زوجًا خيرًا من

стр. 285

زوجها» فيما إذا كانت غير متزوجة، فالمراد: خيرًا من زوجها المقدّر لها لو بقيت، وأما إذا كانت متزوجة فالمراد بكونه خيرًا من زوجها أي: خيرًا منه في الصفات في الدنيا؛ لأن التبديل يكون: ١ - بتبديل الأعيان كما لو بعت شاة ببعير مثلًا. ٢ - ويكون بتبديل الأوصاف كما لو قلت: بدل الله كفر هذا الرجل بإيمان، وكما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]. والأرض هي الأرض؛ لكنها مدت، والسماء هي السماء؛ لكنها انشقت. ا. هـ.
следующие страницы →