معاوية الضرير، حدثنا الأعمش، عن شقيق قال: قيل لعبد الله: إنك تقلّ الصوم. بمثل ذلك.
وأخرجه الطبراني في الكبير: (١) من طريق حماد بن سلمه، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن ابن مسعود (ولفظه) أنه قيل له: إنك تقلّ الصوم، فقال: أجل، إني إذا صمت ضعفت عن الصلاة، والصلاة أحب إلي من الصوم.
وأخرجه ابن أبي شيبة: قال: أبو معاوية، عن الأعمش، عن سفيان، قال: قيل لعبد الله: إنك تقل الصوم، فقال: إني أخاف أن يمنعني من قراءة القرآن، فإن قراءة القرآن أحب إلي من الصوم.
هكذا وفيه انقطاع، والخبر محفوظ عن ابن مسعود، وفيه الفقه المتين لهذا الصحابي الجليل.
فائدة أخرى: قال في فتح الباري (٢) ما نصه: في كتاب محمد بن نصر وغيره بإسناد صحيح عن السائب بن يزيد: أن عثمان قرأ القرآن ليلة في ركعة لم يصل غيرها .. ا. هـ.
وهنا مسألة: كيف يتفق هذا مع كراهة قراءة القرآن في أقل من ثلاث.
والجواب: يتبرع به ابن رجب في اللطائف (٣) حيث قال ما نصه: وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان خصوصا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر، أو في الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من
стр. 282
غير أهلها، فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناما للزمان والمكان، وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة، وعليه يدل عمل غيرهم كما سبق ذكره. ا. هـ.
كذا قال ابن رجب ﵀ وهو يدل على الإباحة بالشرط المتقدم.
ولكنّ خير الهدي هدي النبي ﵊.
تنبيه: يوجد في أذكار المتصوفة التسبيحات بالألوف بل بمئات الألوف، وهذا من البدع بل عندهم قراءة سور بأمثال هذه الأعداد، وأوراد بنحو هذه الأعداد، وأكثر ما ورد في السنة المطهرة من التسبيح أو التهليل، هو التسبيح المئوي، أعني ما رتّب عليه فضل خاص.
стр. 283
الحكم الأربعون
الأصل استواء الرجال والنساء في أصل هذه العبادة ووصفها ما لم تدل الأدلة على التفريق، وهذا نظام الشريعة طرّا.
ومما جاء في الأدلة إثبات الفرق بين الجنسين في هذه العبادة أن النساء لا أذان عليهن ولا إقامة وقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه: (١) قال: نا معتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: كنا نسأل أنسا، هل على النساء أذان وإقامة؟ قال: «لا، وإن فعلن فهو ذكر» إسناده صحيح. ولا يجهرن بالتلبية ولا يسبحن بل يصفقن خلف الإمام الساهي.
قال في المغني (٢) ما نصه: مسألة: قال: «ولا ترفع المرأة صوتها بالتلبية، إلا بمقدار ما تسمع رفيقتها». قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن السنة في المرأة أن لا ترفع صوتها، وإنما عليها أن تسمع نفسها. وبهذا قال عطاء، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي. وروي عن سليمان بن يسار أنه قال: السنة عندهم أن المرأة لا ترفع صوتها بالإهلال. وإنما كره لها رفع الصوت مخافة الفتنة بها،
стр. 284
ولهذا لا يسن لها أذان ولا إقامة، والمسنون لها في التنبيه في الصلاة التصفيق دون التسبيح. ا. هـ.
وقال في مجموع الفتاوى (١) ما نصه: و «أيضًا» يأمرون المرأة في الصلاة أن تجمع ولا تجافي بين أعضائها وتتربع ولا تفترش وفي الإحرام لا ترفع صوتها إلا بقدر ما تسمع رفيقتها وأن لا ترقى فوق الصفا والمروة. كل ذلك لتحقيق سترها وصيانتها ونُهيت أن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم؛ لحاجتها في حفظها إلى الرجال مع كبرها ومعرفتها .. الخ كلامه.
وسئل: (٢) عن امرأة سمعت في الحديث «اللهم إني عبدك وابن عبدك ناصيتي بيدك» إلى آخره فداومت على هذا اللفظ فقيل لها: قولي: اللهم إني أمتك بنت أمتك إلى آخره. فأبت إلا المداومة على اللفظ فهل هي مصيبة أم لا؟
فأجاب: بل ينبغي لها أن تقول: اللهم إني أمتك بنت عبدك ابن أمتك فهو أولى وأحسن. وإن كان قولها: عبدك ابن عبدك له مخرج في العربية كلفظ الزوج والله أعلم. ا. هـ.
وقال ابن عثيمين في لقاء الباب المفتوح (٣) ما نصه: أليس نقول في دعاء الجنازة: «اللهم أبدلها زوجًا خيرًا من زوجها»، وهذا الدعاء مُشْكِل؛ لأنها إن كانت متزوجة فكيف نقول: «اللهم أبدلها زوجًا خيرًا من زوجها»، وإن كانت غير متزوجة فأين زوجها؟
الجواب عن هذا أنْ نقول: إنَّ قولنا: «أبدِلْها زوجًا خيرًا من
стр. 285
زوجها» فيما إذا كانت غير متزوجة، فالمراد: خيرًا من زوجها المقدّر لها لو بقيت، وأما إذا كانت متزوجة فالمراد بكونه خيرًا من زوجها أي: خيرًا منه في الصفات في الدنيا؛ لأن التبديل يكون:
١ - بتبديل الأعيان كما لو بعت شاة ببعير مثلًا.
٢ - ويكون بتبديل الأوصاف كما لو قلت: بدل الله كفر هذا الرجل بإيمان، وكما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]. والأرض هي الأرض؛ لكنها مدت، والسماء هي السماء؛ لكنها انشقت. ا. هـ.
стр. 286
الحكم الواحد والأربعون
الاستهزاء بالأذكار الشرعية أو الاستخفاف بها كفر مخرج من الملة قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦]. الآية. وأي صورة لإهانة الذكر مكتوبًا أو غير مكتوب داخلة في هذه الآية، ومن ذلك حرق المصاحف وكتب الحديث والذكر للإهانة لا للصيانة هي كفر وزندقة.
وأما حرقها لأجل الصيانة عن الامتهان لتمزقها. فليس كذلك فقد حرق عثمان ﵁ المصاحف في الأمصار درءا للاختلاف، وكذا حرم توسدها للإهانة، وأما توسدها خوفا من السرقة أو التنجيس أو من عدو يهينها فيتجه جوازه، وقد نص عليه جماعة، وأما كتابة القرءان أو أسماء الله أو الأذكار الشرعية بالنجاسات فكفر شنيع وردة إن فعله مسلم والعياذ بالله.
ومن صور الاستخفاف به الغناء به قال في كفاية الأخيار: (١) وأما الكفر بالفعل فكالسجود للصنم والشمس والقمر، وإلقاء المصحف في القاذورات، والسحر الذي فيه عبادة الشمس، وكذا الذبح للأصنام
стр. 287
والسخرياء باسم من أسماء الله تعالى أو بأمره أو وعيده أو قراءة القرآن على ضرب الدف، وكذا لو كان يتعاطى الخمر والزنا ويقدم اسم الله تعالى استخفافا به فإنه يكفر. ا. هـ.
وقال في مجمع الأنهر في ملتقى الأبحر: (١) «الثالث في القرآن والأذكار والصلاة ونحوها». إذا أنكر آية من القرآن واستخف بالقرآن أو بالمسجد أو بنحوه مما يعظم في الشرع أو عاب شيئا من القرآن أو خطئ أو سخر بآية منه كفر إلا المعوذتين ففي إنكارهما اختلاف والصحيح كفره وقيل إن كان عاميا يكفر وإن كان عالما لا لكن ذهب بعض الفقهاء إلى عدم إيجاب الكفر ويكفر باعتقاد أن القرآن مخلوق حقيقة وكذا بخلق الإيمان ويجب أكفار الذين يقولون إن القرآن جسم إذا كتب وعرض إذا قرئ.
وفي فصول العمادية إذا قرأ القرآن على دقّ الدفّ والقصب يكفر. ا. هـ.
تنبيه: من صور الاستخفاف بالذكر أن يفتتح به الاجتماعات الباطلة، والمؤتمرات الآثمة، والمهرجانات والألعاب وغيرها مما يكون القرآن، والحمد والصلاة على نبيه مقدمة لها، ثم بعد ذلك لا تسأل عن الكفر بالقرآن ونبذه خلف الظهور وانعقاد الخناصر على تنحيته، فو الله لو كان افتتاحهم بآلات الطرب لكان أهون من اتخاذ آيات الله هزوا.
فائدة: فيما وقع لبعض المستهزئين، ذكر أبو العباس في مجموع فتاويه: (٢) ذكره الطبراني في «كتاب السنة «عن زكريا بن يحي الساجي
стр. 288
قال: كنا نختلف إلى بعض الشيوخ لسماع حديث رسول الله ﷺ فاسترعنا في المشي ومعنا شاب ماجن. فقال: ارفعوا أرجلكم عن أجنحة الملائكة. لا تكسروها. قال: فما زال حتى جفته رجلاه ...
وقال قبل ذلك: (١) ذكر: أبو سعيد بن السمعاني عن الشيخ العارف يوسف الهمداني عن الشيخ الفقيه أبي إسحاق الشيرازي عن القاضي أبي الطيب الطبري قال: كنا جلوسا بالجامع ببغداد فجاء خراساني سألنا عن المصراة. فأجبناه فيها واحتججنا بحديث أبي هريرة فطعن في أبي هريرة فوقعت حية من السقف وجاءت حتى دخلت الحلقة وذهبت إلى ذلك الأعجمي فضربته فقتلته. ا. هـ.
قال الذهبي في سيره (٢) ما نصه: قال الحافظ أبو سعد السمعاني: سمعت أبا المعمر المبارك بن أحمد، سمعت أبا القاسم يوسف بن علي الزنجاني الفقيه، سمعت الفقيه أبا إسحاق الفيروزابادي، سمعت القاضي أبا الطيب يقول: كنا في مجلس النظر بجامع المنصور، فجاء شاب خراساني، فسأل عن مسألة المصراة، فطالب بالدليل، حتى استدل بحديث أبي هريرة الوارد فيها، فقال - وكان حنفيا -: أبو هريرة غير مقبول الحديث.
فما استتم كلامه حتى سقط عليه حية عظيمة من سقف الجامع، فوثب الناس من أجلها، وهرب الشاب منها وهي تتبعه.
فقيل له: تب تب. فقال: تبت. فغابت الحية، فلم ير لها أثر. إسنادها أئمة. ا. هـ وفي سياقها اختلاف، عمّا ذكر أبو العباس في فتاويه.
стр. 289
تنبيه: يكره كتابة ما فيه ذكر الله على العملات؛ لأن هذا سبب لامتهانها.
فائدة: سمعت شيخنا ابن عثيمين ﵀، يقول: قرأت زمن الطلب قصة امرأة لا تتكلم إلا بالقرآن خشية الزلل، وكل فعلها زلل، ثم علل ذلك بامتهان القرآن ووضعه في غير موضعه.
قلت: وهذا سياق القصة، قال: عبد الله بن المبارك،: خرجت حاجًا إلى بيت الله الحرام وزيارة قبر نبيه ﵊، فبينما أنا في بعض الطريق إذ أنا بسواد، فتميزت ذاك فإذا هي عجوز عليها درع من صوف وخمار من صوف، فقلت: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقالت: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]. قال: فقلت لها: يرحمك الله ما تصنعين في هذا المكان، قالت: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد: ٣٣]. فعلمت أنها ضالة عن الطريق، فقلت لها: أين تريدين، قالت: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]. فعلمت أنها قد قضت حجها، وهي تريد بيت المقدس، فقلت لها: أنت منذ كم في هذا الموضع قالت: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠]. فقلت: ما أرى معك طعامًا تأكلين، قال: ﴿هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩]. فقلت: فبأي شيء تتوضئين، قالت: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]. فقلت لها: أن معي طعامًا فهل لك في الأكل، قال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى
стр. 290
اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. فقلت: ليس هذا شهر رمضان، قالت: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]. فقلت: قد أبيح لنا الإفطار في السفر، قالت: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. فقلت: لم لا تكلميني كما أكلمك، قالت: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]. فقلت: فمن أي الناس أنت، قالت: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
فقلت: قد أخطأت فاجعليني في حل، قالت: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢]. فقلت: فهل لك أن أحملك على ناقتي هذه فتدركي القافلة، قالت: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧]. قال: فأنخت ناقتي، قالت: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩٧]. فغضضت بصري عنها، وقلت لها: اركبي، فلما أرادت أن تركب نفرت الناقة فمزقت ثيابها، فقالت: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]. فقلت: لها أبصري حتى أعلقها، قالت: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]. فعلقت الناقة، وقلت لها: اركبي، فلما ركبت، قالت: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣، ١٤]. قال:
стр. 291
فأخذت بزمام الناقة وجعلت أسرع وأصيح، فقالت: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩]. فجعلت أمشي رويدًا رويدًا وأترنم بالشعر، فقالت: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]. فقلت لها: لقد أوتيت خيرًا كثيرًا، قالت: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩]. فلما مشيت بها قليلًا، قلت: ألك زوج، قالت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. فسكت ولم أكملها حتى أدركت بها القافلة، فقلت لها: هذه القافلة فمن لك فيها، فقالت: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]. فعلمت أن لها أولادًا، فقلت: وما شأنهم في الحج، قالت: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦].
فعلمت أنهم أدلاء الركب فقصدت بها القباب والعمارات، فقلت: هذه القباب فمن لك فيها، قالت: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]. ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]. ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]. فناديت يا إبراهيم يا موسى يا يحيى، فإذا أنا بشبان كأنهم الأقمار قد أقبلوا، فلما استقر بهم الجلوس، قالت: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٩]. فمضى أحدهم فاشترى طعامًا فقدموه بين يدي، وقالت: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ
стр. 292
الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]. فقلت: الآن طعامكم علي حرام حتى تخبروني بأمرها، فقالوا: هذه أمّنا لها منذ أربعين سنة لم تتكلم إلا بالقرآن، مخافة أن تزل فيسخط عليها الرحمن، فسبحان القادر على ما يشاء، فقلت: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١] ا. هـ. (١)
ولا يشرع أيضا عند احترام كتب الذكر وأجله القرآن تقبيلها.
وأما ما أخرجه الدرامي في سننه: (٢) أخبرنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، أن عكرمة بن أبي جهل، كان يضع المصحف على وجهه ويقول: «كتاب ربي، كتاب ربي».
فلا يثبت بل هو منقطع فابن أبي مليكة لم يدرك، عكرمة وهو موقوف أيضا على عكرمة.
وسئل ابن تيمية في الفتاوى: (٣) عن القيام للمصحف وتقبيله؟ وهل يكره أيضا أن يفتح فيه الفأل؟.
فأجاب: الحمد لله، القيام للمصحف وتقبيله لا نعلم فيه شيئا مأثورا عن السلف، وقد سئل الإمام أحمد عن تقبيل المصحف. فقال: ما سمعت فيه شيئا. ولكن روي عن عكرمة بن أبي جهل: أنه كان يفتح المصحف ويضع وجهه عليه ويقول: «كلام ربي. كلام ربي».
стр. 293
ولكن السلف وإن لم يكن من عادتهم القيام له، فلم يكن من عادتهم قيام بعضهم لبعض اللهم إلا لمثل القادم من مغيبه ونحو ذلك. ولهذا قال أنس: لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهته لذلك. والأفضل للناس أن يتبعوا طريق السلف في كل شيء. ا. هـ.
стр. 294
الحكم الثاني والأربعون
الذكر سبب لشرح الصدور وشفاء أسقام الأرواح والأجساد، فما استشفى بمثل كلام الله وذكره وما استدفعت الأسقام بمثل ذلك، قال الله جل وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٧، ٥٨]. وقد فسر فضله بالإسلام، ورحمته بالقرآن. كذا قال جمهرة من المفسرين.
قال ابن كثير في تفسيره: (١) يقول تعالى ممتنا على خلقه بما أنزل إليهم من القرآن العظيم على رسوله الكريم: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: زاجر عن الفواحش، ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ أي: من الشبه والشكوك، وهو إزالة ما فيها من رجس ودنس، ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ أي: محصل لها الهداية والرحمة من الله تعالى. وإنما ذلك للمؤمنين به والمصدقين الموقنين بما فيه؛ كما قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]. وَقالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ
стр. 295
وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤]. ا. هـ.
وقال ابن القيم عن فاتحة الكتاب ما نصه: (١) فاتحة الكتاب: وأم القرآن، والسبع المثاني، والشفاء التام، والدواء النافع، والرقية التامة، ومفتاح الغنى والفلاح، وحافظة القوة، ودافعة الهم والغم والخوف والحزن لمن عرف مقدارها وأعطاها حقها، وأحسن تنزيلها على دائه، وعر وجه الاستشفاء والتداوي بها، والسر الذي لأجله كانت كذلك.
ولما وقع بعض الصحابة على ذلك، رقى بها اللديغ، فبرأ لوقته، فقال له النبي ﷺ : «وما أدراك أنِا رقية». (٢)
ومن ساعده التوفيق، وأعين بنور البصيرة حتى وقف على أسرار هذه السورة، وما اشتملت عليه من التوحيد، ومعرفة الذات والأسماء والصفات والأفعال، وإثبات الشرع والقدر والمعاد، وتجريد توحيد الربوبية والإلهية، وكمال التوكل والتفويض إلى من له الأمر كله، وله الحمد كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، والافتقار إليه في طلب الهداية التي هي أصل سعادة الدارين، وعلم ارتباط معانيها بجلب مصالحهما، ودفع مفاسدهما، وأن العاقبة المطلقة التامة، والنعمة الكاملة منوطة بها، موقوفة على التحقق بها، أغنته عن كثير من الأدوية والرقى، واستفتح بها من الخير أبوابه، ودفع بها من الشر أسبابه. ا. هـ. والأخبار في الاستشفاء بها كثيرة.
стр. 296
فائدة أخرج أحمد في مسنده (١) قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن سماك، قال:
قال محمد بن حاطب: (٢) انصبت على يدي من قدر، فذهبت بي أمي إلى رسول الله ﷺ ، وهو في مكان، قال: فقال كلامًا فيه: «أذهب البأس، رب الناس - وأحسبه قال - اشف أنت الشافي» قال: وكان يتفل.
وأعاده (٣) من طريق: حدثنا شريك، عن سما، بن حرب، عن محمد بن حاطب، قال: دببت إلى قدر، وهي تغلي فأدخلت يدي فيها، فاحترقت - أو قال: فورمت يدي - فذهبت بي أمي إلى رجل كان بالبطحاء، فقال: شيئًا، ونفث، فلما كان في إمرة عثمان، قلت لأمي من كان ذلك الرجل؟ قالت: رسول الله ﷺ . والحديث ثابت وشريك متابع.
فالاستشفاء يكون بكلام الله وبالأذكار النبوية.
قال ابن القيم: في غير موضع من كتبه في أنواع هجر القرآن: هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلب وأدوائها فيطلب شفاء دائه من غيره ويهار التداوي به وكل هذا داخل في قوله: ﴿وَقَالَ
стр. 297
الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ وإن كان بعض الهجر أهون من بعض. الخ كلامه.
فائدة: أخرج الشيخان: (١) من طريق عروة بن الزبير، قال أبو هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا، من خلق كذا، حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته» زاد مسلم: وليقل: «آمنت بالله ورسله».
وروى أبو داود: (٢) من طريق محمد - يعنى ابن إسحاق - قال حدثني عتبة بن مسلم مولى بني تيم عن أبى سلمه بن عبد الرحمن عن أبى هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يِقول فذكر نحوه، قال: «فإذا قالوا ذلك فقولوا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ثم ليتفل عن يساره ثلاثًا وليستعذ من الشيطان».
فائدة: الألفاظ قوالب للمعاني، فكل مرض ناسبه ألفاظ من القران والأدعية المشروعة، فهو من أسباب الشفاء بإذن الله لا يختلفون في ذلك.
قال ابن القيم: (٣) كتاب للرعاف: كان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يكتب على جبهته: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [هود: ٤٤]. وسمعته يقول: كتبتها لغير واحد فبرأ، فقال: ولا يجوز كتابتها بدم الراعف، كما يفعله الجهال، فإن الدم
стр. 298
نجس، فلا يجوز أن يكتب به كلام الله تعالى.
كتاب آخر له: خرج موسى ﵇ برداء، فوجد شعيبًا، فشده بردائه ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩].
كتاب آخر للحزاز: يكتب عليه: ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: ٢٦٦]. بحول الله وقوته.
وقال أيضًا: (١) كتاب لوجع الضرس: يكتب على الخد الذي يلي الوجع: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣]، وإن شاء كتب: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١٣].
كتاب للخراج: يكتب عليه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٧]. ا. هـ
وقال ابن القيم في المدارج: (٢) وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إذا اشتدت عليه الأمور: قرأ آيات السكينة.
وسمعته يقول في واقعة عظيمة جرت له في مرضه، تعجز العقول عن حملها - من محاربة أرواح شيطانية، ظهرت له إذ ذاك في حال ضعف القوة - قال: فلما اشتد علي الأمر، قلت لأقاربي ومن حولي:
стр. 299
اقرءوا آيات السكينة، قال: ثم أقلع عني ذلك الحال، وجلست وما بي قلبه. ا. هـ.
قال أبو محمد: والرقية بهذا وأمثاله مباحة فإنها ليست توقيفية لكن يشترط لها ما ذكره السيوطي بقوله: قد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي وبما يعرف معناه، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله تعالى ... ا. هـ. وقد نقله العلماء عنه.
فائدة: يشرع رقية الحيوانات التي ينتفع بها العبد ويحتاجها، وهي تنتفع بالرقية.
وقد أخرج أحمد في مسنده: (١) قال: حدثنا أبو سعيد، مولى بني هاشم، حدثنا ذَيّال بن عبيد بن حنظلة، قال: سمعت حنظلة بن حِذيم جدِّي، أن جده حنيفة، قال لحذيم: اجمع لي بني، فإني أريد أن أوصي، فجمعهم، فقال: إن أول ما أوصي أن ليتيمي هذا الذي في حجري مائة من الإبل، التي كنا نسميها في الجاهلية: المطيبة، فقال حذيم: يا أبت، إني سمعت بنيك يقولون: إنما نقر بهذا عند أبينا، فإذا مات رجعنا فيه، قال: فبيني وبينكم رسول الله ﷺ ، فقال حذيم: رضينا، فارتفع حذيم، وحنيفة، وحنظلة معهم غلام، وهو رديف لحذيم، فلما أتوا النبي ﷺ ، سلموا عليه، فقال النبي ﷺ : «ما رفعك يا أبا حذيم؟» قال: هذا، وضرب بيده على فخذ حذيم، فقال: إني خشيت أن يفجأني الكبر، أو الموت، فأردت أن أوصي، وإني قلت: إن أول ما أوصي أن ليتيمي هذا الذي في حجري مائة من الإبل، كنا نسميها في الجاهلية: المطيبة، فغضب رسول الله ﷺ ، حتى رأينا
стр. 300
الغضب في وجهه، وكان قاعدًا فجثا على ركبتيه، وقال: «لا، لا، لا الصدقة خمس، وإلا فعشر، وإلا فخمس عشرة، وإلا فعشرون، وإلا فخمس وعشرون، وإلا فثلاثون، وإلا فخمس وثلاثون، فإن كثرت فأربعون»، قال: فودعوه ومع اليتيم عصا، وهو يضرب جملًا، فقال النبي ﷺ : «عظمت هذه هراوة يتيم»، قال حنظلة: فدنا بي إلى النبي ﷺ ، فقال: إن لي بنين ذوي لحى، ودون ذلك، وإن ذا أصغرهم، فادع الله له، فمسح رأسه، وقال: «بارك الله فيك»، أو «بورك فيه»، قال ذيّال: فلقد رأيت حنظلة، يؤتى بالإنسان الوارِم وجهُه، أو بالبهيمة الوارمة الضرعُ، فيتفل على يديه، ويقول: بسم الله، ويضع يده على رأسه، ويقول على موضع كف رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -، فيمسحه عليه، وقال ذيال: «فيذهب الورم». وإسناده صحيح.
وقال ابن عبد البر في التمهيد: (١) أخبرنا عبد الوارث، حدثنا قاسم، حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، حدثنا حصين، عن هلال بن يساف، عن سحيم بن نوفل، قال: كنا عند عبد الله نعرض المصاحف، فجاءت جارية أعرابية إلى رجل منا، فقالت: إن فلانًا قد لقع مهرك بعينه وهو يدور في فلك لا يأكل ولا يشرب ولا يبول ولا يروث، فالتمس له راقيًا، فقال عبد الله: لا نلتمس له راقيًا، ولكن ائته فانفخ في منخره الأيمن أربعًا، وفي الأيسر ثلاثًا، وقل لا بأس أذهب الباس رب الناس، اشف أنت الشافي لا يكشف الضر إلا أنت. فقام الرجل فانطلق فما برحنا حتى رجع، فقال لعبد الله: فعلت الذي أمرتني به فما برحت حتى أكل وشرب وبال وارث. ا. هـ.
стр. 301
فائدة: قال في الإصابة (١) في ترجمة خلّاد بن رافع بن مالك الخزرجيّ أخو رفاعة، يكنى أبا يحيى، ذكرهما ابن إسحاق وغيره في البدريّين، وروى البّزار والباوردي وابن السّكن والطّبرانيّ، من طريق عبد العزيز بن عمران عن رفاعة بن يحيى عن معاذ بن رفاعة، عن أبيه رفاعة بن رافع، قال: خرجت أنا وأخي خلّاد مع رسول الله ﷺ إلى بدر على بعير أعجف؛ حتى إذا كنا خلف الرّوحاء برك بنا بعيرنا، فذكر الحديث. وفيه دعاء النبي ﷺ لهما، وتفله على البعير وغيره. ا. هـ.
стр. 302
الحكم الثالث والأربعون
إذا اجتمع للذكر الواحد أكثر من سبب فهل يأتي به مرة واحدة؟ فيحكم بالتداخل أم يأتي به مكررًا؛ فيه بحث.
قال ابن رجب في قواعده: القاعدة الثامنة عشر: إذا اجتمعت عبادتان من جنس في وقت واحد ليست إحداهما مفعولة على جهة القضاء ولا على طريق التبعية للأخرى في الوقت تداخلت أفعالهما، واكتفى فيهما بفعل واحد وهو على ضربين:
وقال في أمثلة الضرب الأول: ومنها: لو أدرك الإمام راكعًا فكبر تكبيرة ينوي بها تكبيرة الإحرام والركوع فهل يجزئه؟ على وجهين حكاهما أبو الخطاب وغيره، واختار القاضي عدم الأجزاء للتشريك بين الركن وغيره، وأخذه من نص أحمد ﵀ فيمن رفع رأسه من الركوع وعطس، فقال الحمد لله ربنا ولك الحمد ينوي به الواجب وسنة الحمد للعاطس أن لا يجزئه، واختار ابن شاقلا الأجزاء وشبهه بمن أخرج في الفطرة أكثر من صاع ولا يصح هذا التشبيه، ومن الأصحاب من قال إن قلنا تكبيرة الركوع سنة أجزأته وحصلت السنة بالنية تبعًا للواجب، وإن قلنا واجبة لم يصح التشريك وفيه ضعف.
وهذه المسألة تدل على أن تكبيرة الركوع تجزئ في حال القيام خلاف ما يقوله المتأخرون.
стр. 303
وقال في أمثلة الضرب الثاني: ومنها: إذا أدرك الإمام راكعًا فكبر للإحرام فهل تسقط عنه تكبيرة الركوع؟ على روايتين أيضًا والمنصوص عنه الأجزاء.
وهل يشترط أن ينوي بها تكبيرة الافتتاح أم لا؟ على روايتين نقلهما عنه ابن منصور إحداهما: لا يشترط بل يكفيه أن يكبر بنية الصلاة، وإن لم يستحضر بقلبه أنِا تكبيرة الإحرام؛ كما لو أدرك الإمام في القيام.
والثانية: لا بد أن ينوي بها الافتتاح؛ لأنه قد اجتمع ههنا تكبيرتان، فوقع الاشترا، فاحتاجت تكبيرة الإحرام إلى نية تميزها، بخلاف حال القيام فإنه لم يقع فيه اشترا. ا. هـ.
وقال شيخنا ابن باز في فتاوى نور على الدرب (١) ما نصه: أما إذا دعت الحاجة إلى الجمع فإنه يجمع، ثم يأتي بالأذكار الشرعية بعد الثانية. ا. هـ.
стр. 304
الحكم الرابع والأربعون
لا يجوز إحداث فضل للأذكار لم ينقل في الأخبار عن الله ورسوله.
وما جاء من فضل لم يصح فهو كالمعدوم فلا يجوز نشره أو ترويجه، فإنه كذب على الله ورسوله، وما أكثر ما ينقل في عصرنا من ذلك مما يصنعه الجهلة وأشباههم، فتبلغ كذبتهم الآفاق في فرية هي أعظم الفري، وهي الكذب على الله وإذا كان رسول الله ﷺ قال: «إن من أفرى الفري أن يرى عينيه ما لم تر» كما في البخاري (١) وغيره (٢) وهو كذب في المنام على الله في قدره، فكيف بمن يكذب على الله في شرعه ودينه جهارًا نهارًا، فتراهم يكذبون عليه في الترغيب والترهيب، ويزخرفون أفكهم أيضًا بالعقوبة العاجلة، وأن من لم يقل كذا حصل له كذا من ألوان العقوبات والآفات. فمثلًا في مجلة البحوث الإسلامية: (٣) وفيها تنبيه على نشرة مكذوبة. وجاء فيها أن تكتبها (١٣) مرة وتوزعها على المسلمين، وجاء أيضًا أن فقيرًا وزّعها فاغتنى. وغني رفضها ففقد كل ما يملك. الخ هذا الهراء والإفك، ومثل هذا ما يفعله
стр. 305
بعض جهلة الوعاظ أن من قرأ: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩] كذا مرة وهو عقيم رزق الذرية، فأين الدليل على ذلك؟
نعم فضل الله واسع، وهو سميع الدعاء سبحانه وبحمده؛ لكن الكلام في الجزم والتحديد.
стр. 306
الحكم الخامس والأربعون
متى يخرج العبد من حد الغفلة التي تردي صاحبها وتهلكه؟، وقبل هذا نذكر متى يكون من الذاكرين لله كثيرًا.
صح من طرق: (١) عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﵀ أنه، قال: لا يكون من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات حتى يذكر الله قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا.
وسئل أبو عمرو بن الصلاح ﵀ عن القدر الذي يصير به من الذاكرين كثيرًا والذاكرات، فقال: إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحًا ومساءً في الأوقات والأحوال المختلفة ليلًا ونهارًا، كان من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، والله أعلم. (٢)
وأما حد الغفلة ومتى ينجو منها العبد، فقد قال ابن القيم في الجواب الكافي (٣) ما نصه: وأصل هذا كله: أن القلب كلما كان أبعد
стр. 307
من الله كانت الآفات إليه أسرع، وكلما قرب من الله بعدت عنه الآفات.
والبعد من الله مراتب، بعضها أشد من بعض، فالغفلة تبعد القلب عن الله، وبعد المعصية أعظم من بعد الغفلة، وبعد البدعة أعظم من بعد المعصية، وبعد النفاق والشرك أعظم من ذلك كله .. ا. هـ.
وقال في الوابل الصيب (١) ما نصه: فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكبًا على قلبه، وصدأه بحسب غفلته، وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه فيرى الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل؛ لأنه لما تراكم عليه الصدأ أظلم فلم تظهر فيه صورة الحقائق كما هي عليه.
فإذا تراكم عليه الصدأ واسود وركبه الران فسد تصوره وإدراكه، فلا يقبل حقًا ولا ينكر باطلًا، وهذا أعظم عقوبات القلب. ا. هـ.
قال أبو محمد: ومن مكملات الجواب عن هذا السؤال أن نقول: أخرج مسلم في صحيحة: (٢) من طريق معاوية وهو ابن سلام، عن زيد - يعني أخاه - أنه سمع أبا سلام، قال: حدثني الحكم بن ميناء، أن عبد الله بن عمر، وأبا هريرة حدثاه، أنِما سمعا رسول الله ﷺ ، يقول على أعواد منبره: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين».
وبوب عليه ابن حبان: (٣) ذكر الأمر بالمواظبة على الجمعات للمرء مخافة من أن يكتب من الغافلين.
стр. 308
وأخرج أبو داود (١) بسند صحيح: من طريق ابن وهب، أخبرنا عمرو، أن أبا سوية، حدثه، أنه سمع ابن حجيرة، يخبر عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : «من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين» قال أبو داود: ابن حجيرة الأصغر عبد الله بن عبد الرحمن بن حجيرة».
وبوب عليه ابن حبان في صحيحة: (٢) ذكر نفي الغفلة عمن قام الليل بعشر آيات.
أخرج ابن خزيمة: (٣) من طريق علي بن الحسن بن شقيق، أخبرنا أبو حمزة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من حافظ على هؤلاء الصلوات المكتوبات لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ في ليلة مائة آية لم يكتب من الغافلين، أو كتب من القانتين» وأبو حمزة هو السكري محمد بن ميمون. والخبر يدل على خروج المحافظ على الصلوات الخمس عن كونه غافلًا.
ونظير ذلك أني سمعت شيخنا ابن باز، وقد سئل عن هجر القرآن، فقال: من يصلي الفرائض فليس بهاجر للقرآن فإنه يقرؤه فيها. ا. هـ. كلامه.
وقال الطبري في تفسيره: (٤) حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عمر أبو حفص الآبار، عن منصور بن المعتمر، قال: قال
стр. 309
مسروق: لا يحافظ أحد على الصلوات الخمس، فيكتب من الغافلين.
قال في مرعاة المفاتيح: (١) قوله: «من قام بعشر آيات» أي: أخذها بقوة وعزم من غير فتور ولا توانٍ، من قولهم قام بالأمر، فهو كناية عن حفظها والدوام على قراءتها والتفكر في معانيها والعمل بمقتضاها، وإليه الإشارة بقوله: لم يكتب من الغافلين، ولا شك أن قراءة القرآن في كل وقت لها مزايا وفضائل، وأعلاها أن يكون في الصلاة لاسيما في الليل قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦]. ومن ثم أورد محي السنة الحديث في باب صلاة الليل، قاله الطيبي: وحاصلة أن الحديث مطلق غير مقيد لا بصلاة ولا بليل، فينبغي أن يحمل على أدنى مراتبه، ويدل عليه قوله لم يكتب من الغافلين، وإنما ذكره البغوي في محل الأكمل. وقال ابن حجر: أي يقرأها في ركعتين أو أكثر، وظاهر السياق أن المراد غير الفاتحة- انتهى. قلت: تفسير قام يصلي أي بالقراءة في الصلاة بالليل في هذا المقام هو الظاهر بل هو المتعين، لما روى ابن خزيمة في صحيحة (٢) والحاكم (٣) عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا بلفظ: «من صلى في ليلة بمائة آية لم يكتب من الغافلين، ومن صلى في ليلة بمائتي آية فإنه يكتب من القانتين المخلصين». قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وأخرجه أيضًا البزار، لكن في سنده يوسف بن خالد السمتي، وهو ضعيف، قاله الهيثمي في مجمع
стр. 310
الزوائد: (١) «لم يكتب من الغافلين» أي: لم يثبت اسمه في صحيفة الغافلين. وقيل: أي خرج من زمرة الغفلة من العامة ودخل في زمرة ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧].ا. هـ.
فعلم من هذا أن الغفلة تدفع بالذكر قال في المدارج: (٢) تفصيل أوجه الذكر في القرآن.
فصل في تفصيل ذلك:
١ - أما الأول: فكقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣]. وَقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
وفيه قولان: أحدهما: في سرك وقلبك، والثاني: بلسانك بحيث تسمع نفسك.
٢ - وأما النهي عن ضده: فكقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. وَقَوْلهِ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩].
وقال أيضًا: (٣) قال: والذكر: هو التخلص من الغفلة والنسيان.
стр. 311
والفرق بين الغفلة والنسيان: أن الغفلة ترك باختيار الغافل، والنسيان ترك.
وقال: (١) والمقصود: أن الغفلة هي نوم القلب عن طلب هذه الحياة، وهي حجاب عليه، فإن كشف هذا الحجاب بالذكر وإلا تكاثف حتى يصير حجاب بطالة ولعب واشتغال بما لا يفيد، فإن بادر إلى كشفه وإلا تكاثف حتى يصير حجاب معاص وذنوب صغار تبعده عن الله، فإن بادر إلى كشفه وإلا تكاثف حتى يصير حجاب كبائر توجب مقت الرب تعالى له وغضبه ولعنته، فإن بادر إلى كشفه وإلا تكاثف حتى صار حجاب بدع عملية يعذب العامل فيها نفسه، ولا تجدي عليه شيئًا، فإن بادر إلى كشفه وإلا تكاثف حتى صار حجاب بدع قوليه اعتقاديه؛ تتضمن الكذب على الله ورسوله، والتكذيب بالحق الذي جاء به الرسول، فإن بادر إلى كشفه وإلا تكاثف حتى صار حجاب شك وتكذيب؛ يقدح في أصول الإيمان. الخ كلامه.
قلت: وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]. وقال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النجم: ٢٩]. فأمر بالإعراض عن أهل الغفلة وترك طاعتهم.
ويمكن تلخيص القول بأن من يشهد الفرائض خرج من الغفلة المذمومة، ولكن لا يكون من الذاكرين كثيرًا كما تقدم في ضبط من يكون كذلك والله المستعان.
стр. 312
الحكم السادس والأربعون
هل تشرع التسمية عند الشروع في كل أمر؟، وللجواب نقول أخرج أحمد في مسنده (١) وابن ماجه: (٢) من طريق الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمه، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «كل كلام، أو أمر ذي بال لا يفتح بذكر الله، فهو أبتر» أو قال: «أقطع».
وهو خبر ضعيف، لضعف قرة بن عبد الرحمن، وللاضطراب الذي وقع في إسناده ومتنه.
وروي عن الزهري مرسلًا، فقد أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة: (٣) من طريق الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، ومن طريق الليث، عن عقيل بن خالد، ومن طريق الحسن بن عمر، ثلاثتهم عن الزهري، قال: قال رسول الله ﷺ ، فذكره، وقال فيه: «بذكر الله».
ورجح الدارقطني في سننه (٤)، والعلل (٥) هذه الرواية المرسلة
стр. 313
على الرواية الموصولة، قلت: ومراسيل الزهري ضعيفة.
وأخرج عبد الرزاق في مصنفه: (١) عن معمر، قال: أخبرني رجل من الأنصار رفع الحديث، فذكره. وهذا مرسل أيضًا.
وفي بعض ألفاظه: «بسم الله» ولا يثبت. والتسمية شرعت في مواضع كثيرة. ومن ذلك: أن الله افتتح بها كتابه وجميع سور القرآن عدا سورة براءة، وشرعت عند الأكل والشرب ودخول المنزل والخروج منه، وعند الذبح وإرسال الصيد، وعند الوضوء والجماع، وعند الدفن، وعند بعث الجيوش، وعند النوم، وعند الاستيقاظ والرقية وفي صدور الكتب. وغير ذلك مما صحت به الأخبار، فهل تحصر التسمية فيما جاءت به الأخبار، أم يقال الشارع أراد التكثير، وإنما المواضع الواردة أمثلة؟ الظاهر الثاني فهي مشروعة للاستعانة أصالة، والعبد محتاج لعون الله كل لحظة، ما لم تدل الأدلة على ترك التسمية. فإن افتتاح صلاته بالتكبير لا بالتسمية، وعلى هذا تشرع عند قيامه لمهامه وشروعه لكل ذي بال من عمله وكسبه. هذا ما ظهر لي.
قال ابن كثير في مقدمة تفسيره (٢) ما نصه: ومن هاهنا ينكشف لك أن القولين عند النحاة في تقدير المتعلق بالباء في قولك: باسم الله، هل هو اسم أو فعل متقاربان وكل قد ورد به القرآن؛ أما من قدره باسم، تقديره:
باسم الله ابتدائي، فلقوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود: ٤١]. ومن قدره بالفعل: أمرًا وخبرًا، نحو: أبدأ ببسم الله أو ابتدأت ببسم الله. فلقوله:
стр. 314
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]. وكلاهما صحيح، فإن الفعل لا بد له من مصدر، فلك أن تقدر الفعل ومصدره، وذلك بحسب الفعل الذي سميت قبله، إن كان قيامًا أو قعودًا أو أكلًا أو شربًا أو قراءة أو وضوءًا أو صلاة، فالمشروع ذكر اسم الله في الشروع في ذلك كله، تبركًا وتيمنًا واستعانة على الإتمام والتقبل، والله أعلم. ا. هـ.
وقال على آية هود: (١) ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١] الآية. ولهذا تستحب التسمية في ابتداء الأمور: عند الركوب على السفينة وعلى الدابة، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٢، ١٣] الآية، وجاءت السنة بالحث على ذلك، والندب إليه. ا. هـ.
فائدة: التسمية عند الذبح؛ قيل سنة، وقيل واجب، وقيل شرط، وهو أصح الأقوال.
قال ابن حزم: (٢) أخبرنا حمام بن أحمد نا أبو محمد الباجي نا محمد بن عبد الملك بن أيمن نا أحمد بن مسلم نا أبو ثور نا معلى نا هشيم، عن يونس هو ابن عبيد - عن محمد بن زياد: قال: إن رجلًا نسي أن يسمي الله تعالى على شاة ذبحها فأمر ابن عمر غلامه فقال: إذا أراد أن يبيع منها لأحد؟ فقل له: إن ابن عمر يقول: إن هذا لم يذكر اسم الله عليها حين ذبحها - وهذا إسناد في غاية الصحة.
стр. 315
ومن طريق ابن أبي شيبة نا معتمر بن سليمان عن خالد هو الحذاء - عنِ ابن سيرين عن عبد الله بن يزيد (١) ﵁ قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.
[الأنعام: ١٢١]
ومن طريق ابن أبي شيبة، أخبرنا يزيد بن هارون، عن أشعث - هو الحمراني - عن ابن سيرين، عن عبد الله بن يزيد ﵁: سأله رجل عمن ذبحِ ونسي أن يسمي الله؟ فتلا عبد الله قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]. وعبد الله هذا هو صحيح الصحبة. ا. هـ.
قال أبو محمد: هذان أثران صحيحان عن صحابيين وروى عبد الرزاق: (٢) عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء قال: حدثنا عين يعني عكرمة، عن ابن عباس، قال: «إن في المسلم اسم الله، فإن ذبح، ونسي اسم الله فليأكل، وإن ذبح المجوسي، وذكر اسم الله فلا تأكله».
وهذا خلاف ما نقل عنهما فالجواب: أنِما أسعد بالنص منه
стр. 316
ففي الصحيحين: (١) عن رافع بن خديج، قال: قلت: يا رسول الله، إنا لاقو العدو غدًا، وليست معنا مُدى، فقال: «أعجل، أو أرن، ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل، ليس السن والظفر، وسأحدثك: أما السن فعظم، وأما الظفر فمُدى الحبشة».
فجعل أنهار الدم والتسمية بمنزلة واحدة، وكلهم يقول بشرطية أنهار الدم، والشروط لا تسقط بالنسيان، فكذا التسمية، وهذا أصح ما قيل في التسمية هنا، والحمد لله.
فائدة: افتتح البخاري صحيحة بالبسملة ولم يذكر الحمد ولم يتشهد.
قال ابن حار في شرحه (٢) ما نصه: ليس فيهما أن ذلك يتعين بالنطق والكتابة معًا فلعله حمد وتشهد نطقًا عند وضع الكتاب ولم يكتب ذلك اقتصارًا على البسملة لأن القدر الذي يجمع الأمور الثلاثة ذكر الله وقد حصل بها ويؤيده أن أول شيء نزل من القرآن أقرأ باسم ربك فطريق التأسي به الافتتاح بالبسملة والاقتصار عليها ا. هـ.
فائدة: قال السبكي في طبقاته: (٣) قلت: وقد قال الخطيب أبو بكر الحافظ ﵀ في جامعه: إنه رأى كثيرًا من خط الإمام أحمد ﵀ فيه ذكر النبي ﷺ ، وليست الصلاة على النبي ﷺ مكتوبة معه، قال: وبلغني أنه كان يصلي عليه لفظًا. ا. هـ.
فائدة: قال في بدائع الفوائد: (٤) قال إسحاق بن هانئ: تعشيت
стр. 317
مرة أنا وأبو عبد الله وقرابة لنا، فاعلنا نتكلم وهو يأكل، وجعل يمسح عند كل لقمة بيده بالمنديل، وجعل يقول عند كل لقمة: «الحمد لله وبسم الله» ثم قال لي: «أكل وحمد خير من أكل وصمت».
في آداب ابن مفلح: (١) وكذا قال خالد بن معدان التابعي الثقة الفقيه الصالح أكل وحمد خير من أكل وصمت ... وتعقبه بقوله: ولو كان مستحبًا لنقل عن النبي ﷺ قولًا أو فعلًا ولو في حديث واحد، بل ظاهر ما نقل من حاله أنه لم يفعله وهو ﷺ الغاية في فعل الفضائل، وكذلك المعروف، والمشهور من حال الصحابة، والتابعين فمن بعدهم ﵃ ا. هـ.
قال أبو محمد هذا باب واسع؛ أعني الأذكار المنقولة عن السلف - من الصحابة والتابعين - في الأحوال المقيدة؛ وأما في الإطلاق فلا بأس؛ وإنما وقع الخلاف في التقييد، وتقدمت الإشارة إلى ذلك في الحكم الثاني.
فائدة: قال أبو العباس في الفتاوى الكبرى: (٢) وإذا قال عند الأكل بسم الله الرحمن الرحيم كان حسنًا فإنه أكمل بخلاف الذبح فإنه قد قيل إن ذلك لا يناسب. ا. هـ.
стр. 318
الحكم السابع والأربعون
الأذكار الضعيفة أو الزيادات الضعيفة في الأذكار الثابتة كثيرة والذي يتأكد ملازمة الثابت، وإطراح الضعيف منها حتى لا تفشو بين الناس، وسأذكر ما تيسر منها لا على سبيل الحصر ففي ذلك عسر، فمنها:
١ - التهليل ثلاثًا دبر المكتوبة: قال النسائي في الذكر بعد الصلاة باب: باب كم مرة يقول ذلك؟ ثم قال: (١) أخبرنا الحسن بن إسماعيل المجالدي، قال: أنبأنا هشيم، قال: أنبأنا المغيرة، وذكر آخر، ح وأنبأنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، قال: أنبأنا غير واحد، منهم المغيرة، عن الشعبي، عن وراد، كاتب المغيرة: أن معاوية كتب إلى المغيرة، أن اكتب إلي بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ، فكتب إليه المغيرة: إني سمعته يقول عند انصرافه من الصلاة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»، ثلاث مرات. ا. هـ. وأخرجه أحمد (٢) وأخرجه ابن خزيمة (٣) وهذه الزيادة شاذة، والمحفوظ كما في الصحيح مرة واحدة.
стр. 319
تنبيه: وقعت في البخاري (١) هذه اللفظة وهي في نسخة الصغاني:
«ثلاث مرات». كما قال ابن حجر. (٢) وقال ابن رجب: (٣) وخرّجه الإمام أحمد والنسائي من طريق مغيرة، عن الشعبي، عن ورادٍ، أن المغيرة كتب إلى معاوية: سمعت رسول الله ﷺ يقول عند انصرافه من الصلاة: «لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» ثلاث مراتٍ، وهذه زيادةٌ غريبةٌ. ا. هـ. والخلاصة أنِا لا تثبت. والله أعلم.
٢ - زيادة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ عند الوسوسة؛ كما روي ابن أبي عاصم: (٤) من طريق عن ابن إسحاق حدثني عتبة بن مسلم مولى بني تميم عن أبي سلمه عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«يوشك الناس أن يسألوا نبيهم حتى يقول قائلهم: هذا الله خالق الخلق، فمن خلق الله؟ فإذا قالوا ذلك فقل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ثم ليتفل عن يساره وليستعذ بالله من الشيطان».
وأصل الحديث متفق عليه: (٥) من طريق من طريق عروة بن الزبير، قال أبو هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا، من خلق كذا، حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته» دون هذه الزيادة، وهي زيادة غريبة ..
стр. 320
٣ - زيادة: «بسم الله» في دعاء الخلاء .. قال ابن حجر في شرح البخاري: (١) روى المعمري هذا الحديث من طريق عبد العزيز بن المختار، عن عبد العزيز بن صهيب، بلفظ الأمر، قال: «إذا دخلتم الخلاء فقولوا بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث» وإسناده على شرط مسلم وفيه زيادة التسمية، ولم أرها في غير هذه الرواية، قلت: هي شاذة.
٤ - زيادة: «ولا راد لما قضيت» قال في فتح الباري: (٢) فائدة اشتهر على الألسنة في الذكر المذكور زيادة، ولا راد لما قضيت وهي في مسند عبد بن حميد، من رواية معمر عن عبد الملك بن عمير بهذا الإسناد.
وقال أيضًا: (٣) زاد فيه مسعر، عن عبد الملك بن عمير، عن وراد: «ولا راد لما قضيت» أخرجه الطبراني بسند صحيح عنه.
قلت أخرجها عبد الرزاق (٤) ومن طريقه عبد بن حميد: (٥) أنبأنا معمر، عن عبد الملك بن عمير، حدثني وراد كاتب المغيرة بن شعبة، قال: كتب معاوية، إلى المغيرة أن اكتب إلي بشيء من حديث رسول الله ﷺ . قال:
فكتب إليه: إني سمعت رسول الله ﷺ يتعوذ من ثلاثة: من عقوق الأمهات، ومن وأد البنات، ومن منع وهات، وسمعته ينهى عن ثلاث: عن قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال، قال: وسمعته يقول: «اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا راد