← Сира

Сира · id 14572

التعليق على الرحيق المختوم

محمود الملاح

Полный текст (345 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قال: فإن انطلق معك لم أمنعه. قال زيد: يا رسول الله! والله لا أختار عليك أحداً. قال: فرأيت رأي أخي أفضل من رأيي. قال أبو عيسى: (هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن الرومي، عن علي بن مسهر). وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ورواه الحاكم في المستدرك حديث (٥٠١٤) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وصححه الذهبي. الثالث: تبني الرسول ﷺ لزيد بن حارثة فهذه ثابتة في القرآن الكريم وصحيح السنة. قال تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما) (الأحزاب: ٤٠) روى البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله)، حديث (٤٧٨٢) عن ابن عمر ﵁ أن زيد بن حارثة مولى رسول الله- ﷺ ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله). ورواه مسلم (٢٤٢٥). الصلاة ١ - قوله: (وروى الحارث بن أبي أسامة من طريق ابن لَهِيعَة موصولًا عن زيد بن حارثة: أن رسول الله ﷺ في أول ما أوحي إليه أتاه جبريل، فعلمه الوضوء، فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة من ماء فنضح بها فرجه، وقد رواه ابن ماجه بمعناه، وروي نحوه عن البراء بن عازب وابن عباس، وفي حديث ابن عباس: وكان ذلك من أول الفريضة). التعليق: الحديث ضعيف. رواه الإمام أحمد في مسنده، مسند الشاميين، حديث زيد بن حارثة ﵁، حديث رقم (١٧٥١٥)، وقال شعيب الأرناؤوط ومعاونوه في تحقيق المسند: (حديث ضعيف، في إسناده ابن لهيعة وهو سيئ الحفظ

стр. 107

وقد اضطرِب في إسناده ومتنه. قال ابن أبي حاتم في "علله" (١/ ٤٦) قال أبي: هذا حديث كذبٌ باطل. وأخرجه عبد بن حميد (٢٨٣) عن الحسن بن موسى، بهذا الإسناد. وأخرجه ابن أبي عاصم (٢٥٨)، وابن عدي في "الكامل" (٤/ ١٤٦٨)، والدار قطني (١/ ١١١) من طرق عن كامل بن طلحة الجحدري، عن ابن لهيعة، به. وأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٦٨)، وعنه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢٥٩) عن الحسن بن موسى، عن ابن لهيعة، عن عقيل، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد، عن أبيه: أن النبي ﷺ توضأ، ثم أخذ كفًّا من ماء فنضح به فرجه. وأخرجه ابن ماجه (٤٦٢) من طريق حسان بن عبد الله، حدثنا ابن لهيعة به بلفظ: "علّمني جبرائيل الوضوء، وأمرني أن أنضح تحت ثوبي لما يخرج من البول بعد الوضوء". وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٤٦٥٧) عن عبد الله بن أحمد، عن كامل ابن طلحة، عن ابن لهيعة، عن عقيل، عن الزهري، عن أسامة بن زيد، عن أبيه: أن جبريل ﵇ نزل … فذكر الحديث هكذا مرسلاً. وأخرجه يعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" (١/ ٣٠٠)، وأبو الحسن القطان في زياداته على "سنن ابن ماجه" عقب الحديث (٤٦٢)، والطبراني (٤٦٥٧)، والبيهقي (١/ ١٦١) من طريق عبد الله بن يوسف التنِّيسي، عن ابن لهيعة، مرسلاً، إلا أن أبا الحسن القطان لم يسق إسناد الحديث ومتنه. (١)

стр. 108

وقد رواه رِشْدِين بن سعد- وهو ضعيف سيئ الحفظ- عن عقْيل، فجعله من حديث أسامة بن زيد، لا من حديث أبيه، ورواه عن رشدين الهيثم بن خارجة، فاختُلف عليه: فأخرجه الإمام أحمد وابنه عبد الله كما سيأتي (٥/ ٢٠٣) عن الهيثم بن خارجة، عن رشدين بن سعد، عن عقيل، عن الزهري، عن أسامة بن زيد، عن النبي ﷺ : أن جبريل ﵇ لما نزل على النبي ﷺ فعلّمه الوضوء، فلما فرغ من وضوئه أخذ حفنةً من ماء، فرشَّ بها نحو الفرج، قال: فكان النبي ﷺ يرشُ بعد وضوئه. وأخرجه الدار قطني (١/ ١١١) من طريق حمدان بن علي، عن هيثم بن خارجة، عن رشدين، عن عقيل وقرة، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد: أن جبريل … فذكره هكذا مرسلاً. وفي الباب من حديث الحكم بن سفيان، قال: رأيت رسولَ الله ﷺ بالَ، ثم توضأَ، ونضح فرجه. وقد سلف برقم (١٥٣٨٤)، وهو حديث ضعيف أيضاً). * * * * ٢ - قوله: (وقد ذكر ابن هشام أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا إذا حضرت الصلاة ذهبوا في الشعاب فاستخفوا بصلاتهم من قومهم، وقد رأي أبو طالب النبي ﷺ وعليّا يصليان مرة، فكلمهما في ذلك، ولما عرف جلية الأمر أمرهما بالثبات). التعليق: ضعيف. قال محقق سيرة ابن هشام (١/ ٣١٧): (ضعيف. أورده تعليقاً، وأخرجه الطبري (٢/ ٣١٣) بسنده عن ابن إسحق). الدعوة في الأقربين قوله: (ودعا رسول الله ﷺ عشيرته بني هاشم بعد نزول هذه الآية، فجاءوا ومعهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف، فكانوا نحو

стр. 109

خمسة وأربعين رجلًا. فلما أراد أن يتكلم رسول الله ﷺ بادره أبو لهب وقال: هؤلاء عمومتك وبنو عمك فتكلم، ودع الصباة، واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة، وأنا أحق من أخذك، فحسبك بنو أبيك، وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش، وتمدهم العرب، فما رأيت أحدًا جاء على بني أبيه بشر مما جئت به، فسكت رسول الله ﷺ ، ولم يتكلم في ذلك المجلس. ثم دعاهم ثانية وقال: (الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأومن به، وأتوكل عليه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له). ثم قال: (إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو، إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها الجنة أبدًا أو النار أبدًا). فقال أبو طالب: ما أحب إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقًا لحديثك. وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم، غير أني أسرعهم إلى ما تحب، فامض لما أمرت به. فوالله، لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب. فقال أبو لهب: هذه والله السوأة، خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم، فقال أبو طالب: والله لنمنعه ما بقينا). التعليق: مرسل ضعيف. قال العلامة الألباني-﵀ (١): (لم أجد في الرواة هذا الراوي (أي: جعفر بن أبي الحكم)، وإنما فيهم (جعفر بن عبدالله بن الحكم)، وهو أنصاري أوسي تابعي صغير، يروي عن أنس والتابعين فإذا كان هو هذا، فالإسناد مرسل ضعيف، ولم أقف على إسناده إليه، وإن كان غيره فلم أعرفه). وضعفه الدكتور أكرم العمري في السيرة الصحيحة (١/ ١٤٢).

стр. 110

المجلس الاستشاري لكف الحجاج عن استماع الدعوة قوله: ( … وتفيد بعض الروايات أن الوليد لما رد عليهم كل ما عرضوا له، قالوا: أرنا رأيك الذي لا غضاضة فيه، فقال لهم: أمهلوني حتى أفكر في ذلك، فظل الوليد يفكر ويفكر حتى أبدى لهم رأيه الذي ذكر آنفًا. وفي الوليد أنزل الله تعالى ست عشرة آية من سورة المدثر (من ١١ إلى ٢٦) وفي خلالها صور كيفية تفكيره، فقال: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ١٨: ٢٥] التعليق: الحديث ضعيف. هذا الحديث رواه الحاكم في المستدرك، كتاب التفسير، تفسير سورة المدثر حديث (٣٩١٤) بإسناده عن أبي عبدالله محمد بن علي الصنعاني بمكة، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب السختياني، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن الوليد بن المغيرة -فذكر القصة- وقال: صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، وأقره الذهبي. ورواه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ١٩٩): (هكذا حدثناه موصولا، ورواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة … وقال: وهذا فيما رواه يوسف بن يعقوب القاضي، عن سليمان بن حرب، عن حماد، هكذا مرسلاً، وكذلك رواه معمر، عن عباد بن منصور، عن عكرمة، مرسلاً. وأيضاً معتمر بن سليمان عن أبيه .... فذكره أتم من ذلك مرسلاً وكل ذلك يؤكد بعضه بعضاً). قال العلامة مقبل بن هادي الوادعي-﵀ (١): (هكذا رواه البيهقي

стр. 111

عن الحاكم أبي عبد الله (١) عن محمد بن علي الصنعاني بمكة عن إسحاق به وقد رواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة مرسلا) وقال أيضاً: (والظاهر ترجيح المرسل؛ لأن حماد بن زيد أثبت الناس في أيوب، وأيضاً معمر قد اختلف عليه في كما في دلائل النبوة للبيهقي ج ٢ ص ١٩٩ فالحديث ضعيف، والله أعلم). وذكره الوادعي أيضاً في الأحاديث المعلة (١٩٠). وحكم عليه أنه مرسل كل من: الذهبي في تاريخ الإسلام (١/ ١٥٤)، والشوكاني في فتح القدير (٥/ ٤٦٧). الحيلولة بين الناس وبين سماعهم القرآن قوله: (وكان النضر بن الحارث، أحد شياطين قريش قد قدم الحيرة، وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم واسفنديار، فكان إذا جلس رسول الله ﷺ مجلسًا للتذكير بالله والتحذير من نقمته خلفه النضر ويقول: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثًا منه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسفنديار، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثًا مني. وفي رواية عن ابن عباس أن النضر كان قد اشترى قَيْنَةً، فكان لا يسمع بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته، فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه، هذا خير مما يدعوك إليه محمد، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾ [لقمان: ٦]. التعليق: ضعيف جداً. قال الألباني ﵀ (٢): (ما أخرجه جويبر عن ابن عباس: أنها نزلت في النضر بن الحارث؛ أنه اشترى قينة فكان لا يسمع أحداً يريد

стр. 112

الإسلام إلا انطلق به إلى قينته فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه هذا خير مما يدعوك إليه محمد من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه. كما في الدر ٥/ ١٥٩. فأقول: وهو ضعيف جداً؛ جويبر هذا قال الدار قطني وغيره: متروك. ومثله ما ذكره الواحدي في أسباب النزول ص (٢٥٩): قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث، وذلك أنه كان يخرج تاجراً إلى بلاد فارس فيشتري أخبار الأعاجم فيرويها ويحدث بها قريشاً ويقول لهم: إن محمداً يحدثكم بحديث عاد وثمود وأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة فيستملحون حديثه ويتركون سماع القرآن، فنزلت فيهم هذه الآية. قلت: والكلبي، ومقاتل متروكان أيضاً متهمان بالكذب مع ما في روايتهم من المخالفة لرواية جويبر، وعزاه السيوطي للبيهقي عن ابن عباس بنحو روايتهما في شعب الإيمان، ولم يتيسر لي الوقوف عليه فيه لأنظر في إسناده، وما أراه يصح، ولعله لذلك لم يذكره: ابن جرير، وابن كثير، وغيرهما من الحفاظ المحققين، بل أشار القرطبي إلى تضعيفه بقوله (١٤/ ٥٢)، وقيل: نزلت في النضر بن الحارث … وكذلك قال الزمخشري من قبل (٣/ ٢١٠) ولم يتعقبه الحافظ ولا تعرض له بتخريج، وكذلك فعل سلفه الزيلعي في تخريج الكشاف). قريش يهددون أبا طالب قوله: (وجاءت سادات قريش إلى أبي طالب فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سنًا وشرفًا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين. عَظُم على أبي طالب هذا الوعيد والتهديد الشديد، فبعث إلى رسول الله ﷺ وقال له: يا ابن أخي، إن قومك قد جاءوني فقالوا لي

стр. 113

كذا وكذا، فأبق عليَّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، فظن رسول الله ﷺ أن عمه خاذله، وأنه ضعُف عن نصرته، فقال: (يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر -حتى يظهره الله أو أهلك فيه- ما تركته)، ثم استعبر وبكى، وقام، فلما ولى ناداه أبو طالب، فلما أقبل قال له: اذهب يا ابن أخي، فقل ما أحببت، فو الله لا أُسْلِمُك لشيء أبدًا وأنشد: والله لن يصلوا إليك بجَمْعِهِم … حتى أُوَسَّدَ في التراب دفينًا فاصدع بأمرك ما عليك غَضَاضَة … وابْشِرْ وقَرَّ بذاك منك عيونًا وذلك في أبيات). التعليق: إسناده ضعيف. قال الألباني ﵀ (١): (وهذا إسناد ضعيف معضل، يعقوب بن عتبة هذا من ثقات أتباع التابعين، مات سنة ثمان وعشرين ومائة. وقد وجدت للحديث طريقاً أخرى بسند حسن لكن بلفظ: (ما أنا بأقدر على أن أدع لكم ذلك، على أن تستشعلوا لي منها شعلة يعني: الشمس). وقد خرجته في (الأحاديث الصحيحة) رقم (٩٢). قريش بين يدي أبي طالب مرة أخرى قوله: (ولما رأت قريش أن رسول الله ﷺ ماض في عمله عرفت أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله ﷺ ، وأنه مجمع لفراقهم وعداوتهم في ذلك، فذهبوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة وقالوا له: يا أبا طالب!، إن هذا الفتى أنْهَدَ فتى في قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصره، واتخذه ولدًا فهو لك، وأسْلِمْ إلينا ابن أخيك هذا الذي خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك، وسفه أحلامهم، فنقتله، فإنما هو

стр. 114

رجل برجل، فقال: والله لبئس ما تسومونني، أتعطوني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه؟ هذا والله ما لا يكون أبدًا. فقال المطعم بن عدى بن نوفل ابن عبد مناف: والله يا أبا طالب! لقد أنصفك قومك، وجهدوا على التخلص مما تكره، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئًا، فقال: والله ما أنصفتموني، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علىّ، فاصنع ما بدا لك). التعليق: مرسل بلا إسناد. (هذا مرسل ساقه ابن إسحاق بدون إسناد. ورواه ابن سعد في الطبقات عن شيخه محمد بن عمر الواقدي. ذكرها الذهبي في السيرة عن ابن إسحاق). (١) اعتداءات على رسول الله ﷺ قوله: (قال ابن إسحاق: كان النفر الذين يؤذون رسول الله ﷺ في بيته أبا لهب، والحكم بن أبي العاص بن أمية، وعقبة بن أبي معيط، وعدي بن حمراء الثقفي، وابن الأصداء الهذلي -وكانوا جيرانه- لم يسلم منهم أحد إلا الحكم بن أبي العاص، فكان أحدهم يطرح عليه ﷺ رحم الشاة وهو يصلي، وكان أحدهم يطرحها في برمته إذا نصبت له، حتى اتخذ رسول الله ﷺ -حجرًا ليستتر به منهم إذا صلى فكان رسول الله ﷺ إذا طرحوا عليه ذلك الأذى يخرج به على العود، فيقف به على بابه، ثم يقول: (يا بني عبد مناف، أي جوار هذا؟)، ثم يلقيه في الطريق). التعليق: الحديث موضوع. قال الألباني ﵀ (٢): (كنت بين شر جارين، بين أبي لهب وعقبة بن

стр. 115

أبي معيط، إن كانا ليأتيان بالفروث فيطرحانها على بابي؛ حتى إنهم ليأتون ببعض ما يطرحونه من الأذى فيطرحونه على بابي). موضوع: أخرجه ابن سعد في (الطبقات) (١/ ٢٠١) قال: أخبرنا محمد بن عمر: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعاً، وزاد: (فيخرج به رسول الله ﷺ فيقول: يا بني عبد مناف! أي جوار هذا! ثم يلقيه بالطريق). قلت: وهذا إسناد موضوع؛ آفته محمد بن عمر -وهو الواقدي-؛ كذبه الإمام أحمد وغيره). الهجرة الأولى إلى الحبشة ١ - قوله: (وفي رجب سنة خمس من النبوة هاجر أول فوج من الصحابة إلى الحبشة. كان مكونًا من اثني عشر رجلًا وأربع نسوة، رئيسهم عثمان بن عفان، ومعه زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ ، وقد قال النبي ﷺ فيهما: (إنهما أول بيت هاجر في سبيل الله بعد إبراهيم ولوط ﵉). التعليق: الحديث منكر. قال الشيخ أبو إسحاق الحويني - حفظه الله- (١): (إن عثمان أول من هاجر إلى الله بأهله بعد لوط). منكر. أخرجه يعقوب بن سفيان في (المعرفة) (٣/ ٢٥٥)، وابن أبي عاصم في (السنة) (٢/ ٥٩٦)، وفي (الأوائل) (ق ١٥/ ١)، والطبراني في (الكبير) (١٤٣/ ١/ ٤٧)، والبيهقي في (الدلائل) - كما في (البداية والنهاية) (٣/ ٦٦) - وكذا أبو يعلى في (مسنده)، وابن مردويه - كما في (الدر المنثور) (٥/ ١٤٤) - من طريق بشار بن موسى الحفاف، ثنا الحسن بن زياد، إمام مسجد محمد بن واسع، قال: سمعت قتادة يقول: ثنا النضر بن أنس، عن أنس قال: خرج

стр. 116

عثمان مهاجراً إلى أرض الحبشة ومعه ابنة النبي ﷺ ، فلما احتبس عن النبي ﷺ خبرهم فكان يخرج فيتوكف عنهم الخبر، فجاءته امرأة فأخبرته، فقال النبي ﷺ : (صحبهما الله، إن عثمان … فذكره. قلت: وسنده ضعيف جداً. فأما بشار بن موسى فضعفه الأكثرون. قال ابن معين، والنسائي: (ليس بثقة). وزاد ابن معين (من الدجالين)! وضعفه أبو زرعة، وأبو داود، وابن المديني، وعمرو بن علي وقال البخاري: (منكر الحديث، قد رأيته، وكتبت عنه، وتركت حديثه). وأما أحمد فكان حسن الرأي فيهِ، هذا لا يقدم إِلى قول الجارحين وإن جنح إليه ابن عدي. والحسن بن زياد ليس هو اللؤلؤي الكذاب، صاحب أبي حنيفة، وإنما هو البرجمي، قال الهيثمي في (المجمع) (٩/ ٨١): (لم أعرفه). وله شاهد من حديث أسماء بنت أبي بكر، قالت: (كنت أحمل الطعام إلى أبي وهو مع رسول الله ﷺ بالغار، فاستأذنه عثمان في الهجرة، فأذن له في الهجرة إلى الحبشة، فحملت الطعام فقال لي: ما فعل عثمان ورقية؟ قلْتُ: قدْ سارا، فالتفت إلى أبي بكر وقال: (والذي نفسي بيده، إنه أول من هاجر بعد إبراهيم ولوط). (أخرجه ابن منده في (الصحابة) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنها قالَ الحافظ في (الإصابة) (٧/ ٦٤٩ - ٦٥٠): (سنده واه، وفي هذا السياق من النكارة أن هجرة عثمان إِلى الحبشة كانت حين هجرة النبي ﷺ ؛ وهذا باطل؛ إلا أن كان المراد بالغار غير الذي كانا فيه لما هاجرا إلى المدينة!!، والذي عليه أهل السير أن عثمان رجع إلى مكة من الحبشة مع من رجع، ثم هاجر بأهله إلى المدينة، ومرضت بالمدينة لما خرج النبي ﵌ إلى بدر، فتخلف عثمان عليها عن بدر، فماتت يوم وصول زيد بن حارثة مبشراً بوقعة بدر … ). أ. هـ. قلت: وهذا تحقيق بديع من الحافظ ﵀، غير قوله: (إلا أن كان المراد بالغار … ) فهذا احتمال فيه تعسف وتكلف، لأنه يخالف الحقائق الثابتة في السيرة. والله أعلم.

стр. 117

وبالجملة: فالحديث منكر. ولا يغتر بإيراد الحافظ له في (الفتح) (٧/ ١٨٨) ساكتاً عليه، بل كأنه احتج به!! فإنه خلاف التحقيق. والذي تحرر عندي أنه ليس كل حديث يسكت عليه الحافظ في (الفتح) يكون حسناً أو نحوه كما صرح هو بذلك، فقد أخل بشرطه هذا في مواضع كثيرة … وعذره: أن الشارح قد يشترط على نفسه شرطاً فيوفى به زمناً، ثم لا ينشط لتحقيق كل حديث لاسيما في مثل (فتح الباري) فإن فيه جمهرة كثيرة من الأحاديث، وتحري إيراد الثابت منها أمر لعله يصعب حتى على مثل الحافظ ابن حجر مع سعة دائرة حفظه، وجودة علمه، والإحاطة لله -تعالى- وحده. ولعله يكون عذراً مقبولاً. والله تعالى أعلم). وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة حديث (٣١٨١). سجود المشركين مع المسلمين وعودة المهاجرين قوله: (وسَقَطَ في أيديهم لما أحسوا أن جلال كلام الله لَوَّى زمامهم، فارتكبوا عين ما كانوا يبذلون قصارى جهدهم في محوه وإفنائه، وقد توالى عليهم اللوم والعتاب من كل جانب، ممن لم يحضر هذا المشهد من المشركين، وعند ذلك كذبوا على رسول الله ﷺ وافتروا عليه أنه عطف على أصنامهم بكلمة تقدير، وأنه قال عنها ما كانوا يرددونه هم دائماً من قولهم: (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهم لترتجى)، جاءوا بهذا الإفك المبين ليعتذروا عن سجودهم مع النبي ﷺ ، وليس يستغرب هذا من قوم كانوا يألفون الكذب، ويطيلون الدس والافتراء. وبلغ هذا الخبر إلى مهاجري الحبشة، ولكن في صورة تختلف تمامًا عن صورته الحقيقية، بلغهم أن قريشًا أسلمت، فرجعوا إلى مكة في شوال من نفس السنة، فلما كانوا دون مكة ساعة من نهار وعرفوا جلية الأمر رجع منهم من رجع إلى الحبشة، ولم يدخل في مكة من سائرهم أحد إلا مستخفيًا، أو في جوار رجل من قريش). التعليق: قصة الغرانيق لا تصح.

стр. 118

قال العلامة المفسر محمد الأمين الشنقيطي ﵀ (١): (اعلم: أن مسألة الغرانيق مع استحالتها شرعاً، ودلالة القرآن على بطلانها لم تثبت من طريق صالح للاحتجاج، وصرح بعدم ثبوتها خلق كثير من علماء الحديث كما هو الصواب، والمفسرون يروون هذه القصة عن ابن عباس من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. ومعلوم أن الكلبي متروك، وقد بين البزار-﵀: أنها لا تعرف من طريق يجوز ذكره إلا طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير، مع الشك الذي وقع في وصله، وقد اعترف الحافظ ابن حجر مع انتصاره لثبوت هذه القصة بأن طرقها كلها: إما منقطعة، أو ضعيفة إلا طريق سعيد بن جبير. وإذا علمت ذلك فاعلم أن طريق سعيد بن جبير، لم يروها بها أحد متصلة إلا أمية بن خالد، وهو -وإن كان ثقة- فقد شك في وصلها. فقد أخرج البزار وابن مردويه من طريق أمية بن خالد عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -فيما أحسب-، ثم ساق حديث القصة المذكورة، وقال البزار: لا يروى متصلاً إلا بهذا الإسناد، تفرد بوصله أمية بن خالد، وهو ثقة مشهور، وقال البزار: وإنما يروى من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. والكلبي متروك. فتحصل أن قصة الغرانيق، لم ترد متصلة إلا من هذا الوجه الذي شك راويه في الوصل، ومعلوم أن ما كان كذلك لا يحتج به لظهور ضعفه، ولذا قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: إنه لم يرها مسندة من وجه صحيح. وقال الشوكاني في هذه القصة: ولم يصح شيء من هذا، ولا يثبت بوجه من الوجوه، ومع عدم صحته، بل بطلانه فقد دفعه المحققون بكتاب الله كقوله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤]، وقوله:

стр. 119

﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣]، وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٤] فنفي المقاربة للركون فضلاً عن الركون، ثم ذكر الشوكاني عن البزار: أنها لا تروى بإسناد متصل، وعن البيهقي أنه قال: هي غير ثابتة من جهة النقل، وذكر عن إمام الأئمة ابن خزيمة: أن هذه القصة من وضع الزنادقة، وأبطلها ابن العربي المالكي، والفخر الرازي، وجماعات كثيرة، وقراءته ﷺ سورة النجم وسجود المشركين ثابت في الصحيح، ولم يذكر فيه شيء من قصة الغرانيق. وعلى هذا القول الصحيح وهو أنها باطلة فلا إشكال. وأما على ثبوت القصة كما هو رأي الحافظ ابن حجر فإنه قال في فتح الباري: (إن هذه القصة ثابتة بثلاثة أسانيد كلها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذلك من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض، لأن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها، دل ذلك على أن لها أصلاً.) فللعلماء عن ذلك أجوبة كثيرة أحسنها، وأقربها: أن النَّبي ﷺ كان يرتل السورة ترتيلاً تتخلله سكتات، فلما قرأ ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم: ٢٠] قال الشيطان- لعنه الله- محاكياً لصوته: تلك الغرانيق العلى … إلخ فظن المشركون أن الصوت صوته ﷺ ، وهو بريء من ذلك براءة الشمس من اللمس، وقد أوضحنا هذه المسألة في رحلتنا إيضاحاً وافياً، واختصرناها هنا، وفي كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب. والحاصل: أن القرآن دل على بطلانها، ولم تثبت من جهة النقل، مع استحالة الإلقاء على لسانه ﷺ لما ذكر شرعاً، ومن أثبتها نسب التلفظ بذلك الكفر للشيطان. فتبين أن نطق النَّبي ﷺ بذلك الكفر، ولو سهواً مستحيل شرعاً، وقد دل القرآن على بطلانه، وهو باطل قطعاً على كل حال، والغرانيق: الطير البيض المعروفة واحدها: غرنوق كزنبور وفردوس، وفيه لغات غير ذلك، يزعمون أن الأصنام ترتفع إلى الله كالطير البيض، فتشفع عنده لعابديها قبحهم الله ما أكفرهم).

стр. 120

قال العلامة المفسر محمد الطاهر بن عاشور التونسي (١): (وكذلك تركيب تلك القصة على آية سورة الحج. وكم بين نزول سورة النجم التي هي من أوائل السور النازلة بمكة وبين نزول سورة الحج التي بعضها من أول ما نزل بالمدينة وبعضها من آخر ما نزل بمكة. وكذلك ربط تلك القصة بقصة رجوع من رَجع من مهاجرة الحبشة. وكم بين مدّة نزول سورة النجم وبين سنة رجوع من رجع من مهاجرة الحبشة. فالوجه: أن هذه الشائعة التي أشيعت بين المشركين في أول الإسلام، إنما هي من اختلاقات المستهزئين من سفهاء الأحلام بمكة مثل: ابن الزبعرى، وأنهم عمدوا إلى آية ذُكرت فيها اللات والعُزّى ومناةَ فركّبوا عليها كلمات أخرى لإلقاء الفتنة في الناس وإنما خَصُّوا سورة النجم بهذه المرجَفة لأنهم حَضروا قراءتها في المسجد الحرام وتعلقت بأذهانهم وتطلباً لإيجاد المعذرة لهم بين قومهم على سجودهم فيها الذي جعله الله معجزة النبي ﷺ وقد سرى هذا التعسف إلى إثبات معنى في اللغة … ) قال الحافظ ابن كثير ﵀ (٢): (قد ذكر كثير من المفسرين ههنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة ظناً منهم أن مشركي قريش قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم). قال العلامة الألباني ﵀ بعد أن ساق روايات قصة الغرانيق كاملة وبين ضعفها (٣): (بيان بطلان القصة متنًا: تلك هي روايات القصة، وهي كلها كما رأيت مُعَلَّة بالإرسال

стр. 121

والضّعف والجَهالة، فليس فيها ما يصلُح للاحتجاج به، لاسيّما في مثل هذا الأمر الخطير. ثم إن مما يؤكد ضَعفها بل بطلانها، ما فيها من الاختلاف والنّكارة مما لا يليق بمقام النبوة والرسالة، وإليك البيان: أولًا: في الروايات كلها، أو جُلها، أن الشيطان تكلم على لسان النبي ﷺ بتلك الجملة الباطلة التي تمدح أصنام المشركين، "تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى". ثانيًا: وفي بعضها كالرواية الرابعة: "والمؤمنون مصدقون نبيهم فيما جاء به عن ربهم ولا يتهمونه على خطأ " ففي هذا أن المؤمنين سمعوا ذلك منه ﷺ ، ولم يشعروا بأنه من إلقاء الشيطان، بل اعتقدوا أنه من وحي الرحمن!! بينما تقول الرواية السادسة: "ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان" فهذه خلاف تلك. ثالثًا: وفي بعضها كالرواية "١ و ٤ و ٧ و ٩": أن النبي ﷺ بقي مدة لا يدري أن ذلك من الشيطان، حتى قال له جبريل: "معاذ الله! لم آتك بهذا، هذا من الشيطان!! ". رابعًا: وفي الرواية الثانية أنه ﷺ سها حتى قال ذلك! فلو كان كذلك، أفلا ينتبه من سهوه؟! خامسًا: في الرواية العاشرة الطريق الرابع: أن ذلك ألقيَ عليه وهو يصلي!! سادسًا: وفي الرواية "٤ و ٥ و ٩" أنه ﷺ تمنّى أن لا ينزل عليه شيء من الوحي يَعيبُ آلهة المشركين، لئلا ينفروا عنه!! سابعًا: وفي الرواية "٤ و ٦ و ٩" أنه ﷺ قال عندما أنكر جبريل ذلك عليه: " أفتريتُ على الله، وقلتُ على الله ما لم يقل، وشركني الشيطان في أمر الله!! ". فهذه طامّات يجب تنزيه الرسول منها لاسيّما هذا الأخير منها فإنه لو كان

стр. 122

صحيحًا لصدق فيه ﵇ -وحاشاه- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]. فثبت مما تقدم بطلان هذه القصة سندًا ومتنًا. والحمد لله على توفيقه وهدايته). إسلام حمزة ﵁ - قوله: (خلال هذا الجو الملبد بغيوم الظلم والعدوان ظهر برق أضاء الطريق، وهو إسلام حمزة بن عبد المطلب ﵁ أسلم في أواخر السنة السادسة من النبوة، والأغلب أنه أسلم في شهر ذي الحجة. وسبب إسلامه: أن أبا جهل مر برسول الله ﷺ يومًا عند الصفا فآذاه ونال منه، ورسول الله ﷺ ساكت لا يكلمه، ثم ضربه أبو جهل بحجر في رأسه فَشَجَّهُ حتى نزف منه الدم، ثم انصرف عنه إلى نادي قريش عند الكعبة، فجلس معهم، وكانت مولاة لعبد الله بن جُدْعَان في مسكن لها على الصفا ترى ذلك، وأقبل حمزة من القَنَص مُتَوَشِّحًا قوسه، فأخبرته المولاة بما رأت من أبي جهل، فغضب حمزة - وكان أعز فتى في قريش وأشده شكيمة - فخرج يسعى، لم يقف لأحد؛ معدًا لأبي جهل إذا لقيه أن يوقع به، فلما دخل المسجد قام على رأسه، وقال له: يا مُصَفِّرَ اسْتَه، تشتم ابن أخي وأنا على دينه؟ ثم ضربه بالقوس فشجه شجة منكرة، فثار رجال من بني مخزوم - حي أبي جهل -وثار بنو هاشم- حي حمزة - فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإني سببت ابن أخيه سبًا قبيحًا. وكان إسلام حمزة أول الأمر أنفة رجل، أبى أن يهان مولاه، ثم شرح الله صدره فاستمسك بالعروة الوثقى، واعتز به المسلمون أيما اعتزاز). التعليق: مرسل. قال الحافظ الهيثمي-﵀ (١): عن محمد بن كعب القرظي

стр. 123

فذكره … (رواه الطبراني مرسلاً ورجاله رجال الصحيح)، وذكر بعده حديث رقم (١٥٤٦١) عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة فذكره … (رواه الطبراني مرسلاً ورجاله ثقات). قصة إسلام حمزة مرسلة؛ والمرسل من أقسام الضعيف؛ لذا قال الدكتور العمري -حفظه الله- (١): ( … ولكن تفصيل قصة إسلامه لم تثبت من طريق صحيحة). إسلام عمر بن الخطاب ﵁ - ١ - قوله: (وخلاصة الروايات - مع الجمع بينها - في إسلامه ﵁: أنه التجأ ليلة إلى المبيت خارج بيته، فجاء إلى الحرم، ودخل في ستر الكعبة، والنبي ﷺ قائم يصلي، وقد استفتح سورة ﴿الْحَاقَّةُ﴾، فجعل عمر يستمع إلى القرآن، ويعجب من تأليفه، قال: فقلت- أي في نفسي-: هذا والله شاعر، كما قالت قريش، قال: فقرأ ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤٠، ٤١] قال: قلت: كاهن. قال: ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى آخر السورة [الحاقة: ٤٢، ٤٣]. قال: فوقع الإسلام في قلبي. التعليق: ضعيف. أخرجه الإمام أحمد (١/ ١٧) حديث رقم (١٠٧)، وضعفه العلامة أحمد شاكر ﵀. وقال الهيثمي ﵀ (٢): (رواه أحمد ورجاله ثقات إلا أن شريح بن عبيد لم يدرك عمر). وكذلك قال الدكتور أكرم العمري - حفظه الله - (٣).

стр. 124

وضعفه الألباني ﵀ (١) فقال: (وذكر في إسلام عمر ﵁ عدة روايات لا يصح شيء من أسانيدها -مع وضوح التعارض بينها-، ومن أحسنها إسناداً مع الاختصار ما أخرجه أحمد (١/ ١٧)، ومن طريقه ابن الأثير في " أسد الغابة" (٣/ ٦٤٤) من طريق شريح بن عبيد قال: قال عمر ﵁: فذكره … ورجال إسناده ثقات، فالإسناد صحيح، لولا أن شريح بن عبيد لم يدرك عمر بن الخطاب). .. ٢ - قوله: (كان من حدة طبعه وفرط عداوته لرسول الله ﷺ أنه خرج يومًا متوشحًا سيفه يريد القضاء على النبي ﷺ ، فلقيه نعيم بن عبد الله النحام العدوي، أو رجل من بني زهرة، أو رجل من بني مخزوم فقال: أين تعمد يا عمر؟ قال: أريد أن أقتل محمدًا. قال: كيف تأمن من بني هاشم ومن بني زهرة وقد قتلت محمدًا؟ فقال له عمر: ما أراك إلا قد صبوت، وتركت دينك الذي كنت عليه، قال: أفلا أدلك على العجب يا عمر! إن أختك وخَتَنَكَ قد صبوا، وتركا دينك الذي أنت عليه، فمشى عمر دامرًا حتى أتاهما، وعندهما خباب بن الأرت، معه صحيفة فيها: [طه] يقرئهما إياها- وكان يختلف إليهما ويقرئهما القرآن- فلما سمع خباب حس عمر توارى في البيت، وسترت فاطمة -أخت عمر- الصحيفة. وكان قد سمع عمر حين دنا من البيت قراءة خباب إليهما، فلما دخل عليهما قال: ما هذه الهينمة التي سمعتها عندكم؟ فقالا: ما عدا حديثًا تحدثناه بيننا. قال: فلعلكما قد صبوتما. فقال له ختنه: يا عمر، أرأيت إن كان الحق في غير دينك؟ فوثب عمر على ختنه فوطئه وطأً شديدًا. فجاءت أخته فرفعته عن زوجها، فنفحها نفحة بيده، فدمى وجهها - وفي رواية ابن إسحاق أنه ضربها فشجها- فقالت، وهي غضبى: يا عمر، إن كان الحق في غير دينك، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.

стр. 125

فلما يئس عمر، ورأى ما بأخته من الدم ندم واستحيا، وقال: أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرؤه، فقالت أخته: إنك رجس، ولا يمسه إلا المطهرون، فقم فاغتسل، فقام فاغتسل، ثم أخذ الكتاب، فقرأ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ فقال: أسماء طيبة طاهرة. ثم قرأ ﴿طه﴾ حتى انتهى إلى قوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] فقال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه؟ دلوني على محمد. فلما سمع خباب قول عمر خرج من البيت، فقال: أبشر يا عمر، فإني أرجو أن تكون دعوة الرسول ﷺ لك ليلة الخميس: (اللّهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام)، ورسول الله ﷺ في الدار التي في أصل الصفا. فأخذ عمر سيفه، فتوشحه، ثم انطلق حتى أتى الدار، فضرب الباب، فقام رجل ينظر من خلل الباب، فرآه متوشحًا السيف، فأخبر رسول الله ﷺ ، واستجمع القوم، فقال لهم حمزة: ما لكم؟ قالوا: عمر؟ فقال: وعمر؟ افتحوا له الباب، فإن كان جاء يريد خيرًا بذلناه له، وإن كان جاء يريد شرًا قتلناه بسيفه، ورسول الله ﷺ داخل يوحى إليه، فخرج إلى عمر حتى لقيه في الحجرة، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف، ثم جبذه جبذة شديدة فقال: (أما أنت منتهيًا يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما نزل بالوليد بن المغيرة؟ اللهم، هذا عمر بن الخطاب، اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب)، فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. وأسلم، فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد. كان عمر ﵁ ذا شكيمة لا يرام، وقد أثار إسلامه ضجة بين المشركين، وشعوراً لهم بالذلة والهوان، وكسا المسلمين عزة وشرفًا وسرورًا … فروى مجاهد عن ابن عباس قال: سألت عمر بن الخطاب لأي شيء سميت الفاروق؟ قال: أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيام - ثم قص عليه قصة إسلامه. وقال في آخره: قلت - أي حين أسلمت-: يا رسول الله،

стр. 126

ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ قال: (بلى، والذي نفسي بيده، إنكم على الحق وإن متم وإن حييتم)، قال: قلت: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لنخرجن، فأخرجناه في صفين، حمزة في أحدهما، وأنا في الآخر، له كديد ككديد الطحين، حتى دخلنا المسجد، قال: فنظرت إلي قريش وإلى حمزة، فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها، فسماني رسول الله- ﷺ (الفاروق) يومئذ. التعليق: قصة إسلام عمر بن الخطاب-﵁ ضعيفة، ومتنها منكر بالرغم من شهرتها. قال الألباني ﵀ (١): (منكر: أخرجه أبو نعيم في (الحلية) (١/ ٤٠) من طريق إسحاق بن عبد الله، عن أبان بن صالح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: سألت عمر ﵁: لأي شيء سميت (الفاروق)؟ (٢) قال: أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيام ثم شرح الله صدري للإسلام فقلت: الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى، فما في الأرض نسمة هي أحب إلي من نسمة رسول الله ﷺ ، قلت: أين رسول الله ﷺ ؟ قالت أختي: هو في دار الأرقم بن [أبي] (٣) الأرقم عند الصفا، فأتيت الدار وحمزة في أصحابه جلوس في الدار ورسول الله ﷺ في البيت فضربت الباب فاستجمع القوم، فقال لهم حمزة ما لكم؟ قالوا: عمر بن الخطاب، قال: فخرج رسول الله ﷺ فأخذ بمجامع ثيابه ثم نتره نترة فما تمالك أن وقع على ركبتيه، فقال: (ما أنت بمنته يا عمر؟) قال: قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنك محمداً عبده ورسوله. قال: فكبر أهل الدار

стр. 127

تكبيرة سمعها أهل المسجد، قال: فقلت: يا رسول الله! ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ قال: (بلى! والذي نفسي بيده إنكم على الحق إن متم وإن حييتم) قلت: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لتخرجن! فأخرجناه في صفين، حمزة في أحدهما، وأنا في الآخر ولي كديد (١) ككديد الطحين حتى دخلنا المسجد، قال فنظرت إلي قريش وإلى حمزة فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها، فسماني رسول الله ﷺ يومئذ (الفاروق)، وفرق الله بي بين الحق والباطل) (٢). قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً، إسحاق بن عبد الله - وهو: ابن أبي فروة -، قال البخاري: (تركوه). وقال أحمد: (لا تحل - عندي - الرواية عنه). وكذبه بعضهم. ثم أخرجه أبو نعيم، وكذا البزار (٣/ ١٦٩ - ١٧١) من طريق إسحاق بن إبراهيم الحنيني: ثنا أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن جده قال: قال لنا عمر ﵁: أتحبون أن أعلمكم أول إسلامي؟ قلنا: نعم. قال: … فذكر قصة إسلامه مطولة جداً، وليس فيها سبب تسميته بـ (الفاروق)، ولا ذكر لـ (الصفين)، واختصر منها أبو نعيم قصته قبل إسلامه مع أخته وزوجها، وقال البزار عقبه: (لا نعلم رواه بهذا السند إلا (الحنيني)، ولا نعلم في إسلام عمر أحسن من هذا الإسناد، على أن (الحنيني) خرج من المدينة، فكف واضطرب حديثه). قلت: هو نحو ابن أبي فروة -أو قريب منه-، قال البخاري: (في

стр. 128

حديثه نظر). وقال النسائي: (ليس بثقة). وقال ابن عدي: (ضعيف، ومع ضعفه يكتب حديثه). ومن طريقه أخرجه عبد الله بن أحمد في (فضائل الصحابة) (١/ ٢٨٥)، وذكر في إسلام عمر ﵁ عدة روايات لا يصح شيء من أسانيدها- مع وضوح التعارض بينها- … (تنبيه): عزا الحافظ حديث ابن عباس لأبي جعفر بن أبي شيبة، وحديث عمر للبزار، وسكت عنهما في "الفتح" (٧/ ٤٨) فما أحسن، لأنه يوهم - حسب اصطلاحه- أن كلاً منهما حسن، وليس كذلك -كما رأيت-، ولعل ذلك كان السبب أو من أسباب استدلال بعض إخواننا الدعاة على شرعية (المظاهرات) المعروفة اليوم، وأنها كانت من أساليب النبي ﷺ في الدعوة! ولا تزال بعض الجماعات الإسلامية تتظاهر بها، غافلين عن كونها من عادات الكفار وأساليبهم) (١). قال الذهبي ﵀ (٢) عن القاسم بن عثمان البصري: (حدث عن إسحاق الأزرق بمتن محفوظ، وبقصة إسلام عمر، وهي منكرة جداً). قال العمري-حفظه الله- (٣): (إسناد البيهقي، وابن سعد فيه: القاسم بن عثمان البصري ضعيف، ومتنه منكر جداً). وقال أيضاً: (أما قصة استماعه القرآن يتلوه الرسول ﷺ في صلاته قرب الكعبة وعمر مستخف بأستارها، وكذلك قصته مع أخته فاطمة حين لطمها لإسلامها وضرب زوجها سعيد بن زيد، ثم اطلاعه على صحيفة فيها آيات، وإسلامه، فلم يثبت شيء من هذه القصص من طريق صحيحة). (٤)

стр. 129

(وفضلا عن ضعف سند القصة، ففي المتن اضطراب: - مرة أن قريشاً بعثته. - وفي أخرى أنه خرج ابتداء. - وفي بعضها أنه قرأ وكان كاتباً (عن أنس عند ابن سعد، والدار قطني). -وفي أخرى (حتى دعا قارئاً فقرأ عليه وكان عمر لا يكتب) مرسل الزهري) (١) ومن النكارة في المتن: أن فاطمة أخت عمر بن الخطاب ﵄ رفضت إعطاءه الصحيفة التي فيها سورة (طه) حتى يغتسل؛ لأنه مشرك نجس، وهل إذا اغتسل المشرك قبل إسلامه يصير طاهراً، ويبيح إعطاءه الصحيفة؟؛ لأن نجاسة المشرك معنوية وليست حسية ولا تزول إلا بالإسلام. عزم أبي جهل على قتل رسول الله ﷺ - قوله: (ولما انصرف رسول الله ﷺ عنهم خاطبهم أبو جهل في كبريائه وقال: يا معشر قريش، إن محمدًا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وشتم آلهتنا، وإني أعاهد الله لأجلسن له بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم، قالوا: والله لا نسلمك لشيء أبدًا، فامض لما تريد. فلما أصبح أبو جهل، أخذ حجرًا كما وصف، ثم جلس لرسول الله ﷺ ينتظره، وغدا رسول الله ﷺ كما كان يغدو، فقام يصلي، وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل،

стр. 130

فلما سجد رسول الله ﷺ احتمل أبو جهل الحجر، ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منهزمًا ممتقعًا لونه، مرعوبًا قد يبست يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يده، وقامت إليه رجال قريش فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لى دونه فَحْلٌ من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هَامَتِه، ولا مثل قَصَرَتِه ولا أنيابه لفحل قط، فَهَمَّ بى أن يأكلنى. قال ابن إسحاق: فذكر لي أن رسول الله ﷺ قال: (ذلك جبريل ﵇ لو دنا لأخذه). التعليق: منكر بهذا اللفظ. قال الشيخ: محمد بن عبدالله العوشن-حفظه الله- (١): (قال البيهقي-﵀: (ابن إسحاق إذا لم يذكر من حدث عنه لم يفرح به). ومن النكارة في هذه الرواية قول أبي جهل: (وإني أعاهد الله!) في حين تجد في رواية مسلم الآتية أنه أقسم باللات والعزى. وقد أخرج الحاكم نحواً من هذه القصة من طريق عبدالله بن صالح قال: حدثني الليث بن سعد عن إسحاق بن عبدالله بن أبي فروة، عن أبان بن صالح، عن علي بن عبدالله بن عباس، عن أبيه العباس بن عبدالمطلب، ثم قال الحاكم: صحيح. وتعقبه الذهبي بقوله: (قلت: فيه عبدالله بن صالح وليس بعمدة، وإسحاق بن عبدالله بن أبي فروة متروك). وقد روى مسلم ﵀ في صحيحه (٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرن وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله- ﷺ وهو يصلي زعم

стр. 131

ليطأ على رقبته قال: فما فجئهم منه إلا هو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: مالك؟ قال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً وأجنحة، فقال رسول الله ﷺ : (لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً). ورواه البخاري في صحيحه (١) مختصراً عن ابن عباس-﵁ قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمداً يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه، فبلغ النبي -صلى الله علبه وسلم- فقال: (لو فعل لأخذته الملائكة). … مساومات وتنازلات قوله: (روى ابن إسحاق بسنده، قال: اعترض رسول الله ﷺ وهو يطوف بالكعبة - الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل السهمي -وكانوا ذوي أسنان في قومهم- فقالوا: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن كان الذي تعبد خيرًا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرًا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه، فأنزل الله -تعالى- فيهم: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ السورة كلها. وأخرج عَبْدُ بن حُمَيْد، وغيره عن ابن عباس أن قريشًا قالت: لو استلمت آلهتنا لعبدنا إلهك. فأنزل الله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ السورة كلها. وأخرج ابن جرير وغيره عنه أن قريشًا قالوا لرسول الله ﷺ : تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، فأنزل الله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]. التعليق: لا يصح سبب نزول سورة الكافرون.

стр. 132

قال الدكتور: عبدالحكيم بن عبدالله القاسم (١): (وأورد ابن جرير في سبب نزول سورة الكافرون روايتين: الأولى: قال في تفسيره (٣٠/ ٣٣١) حدثني محمد بن موسى الحرشي قال: حدثنا أبو خلف قال: حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، ﵄: إن قريشًا وعدوا رسول الله ﷺ أن يعطوه مالاً فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوجوه ما أراد من النساء، ويطؤوا عقبه، فقالوا له: هذا لك عندنا يا محمد، وكف عن شتم آلهتنا فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل، فإنا نعرض عليك خصلة واحدة فهي لك ولنا فيها صلاح. قال ﷺ : "مَا هِيَ؟ " قالوا: تعبد آلهتنا سنة- اللات والعزى- ونعبد إلهك سنة. قال: "حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَأتي مِن عندِ رَبِّي". فجاء الوحي من اللوح المحفوظ: (قل يا أيها الكافرون) السورة. وأنزل الله: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ … ) إلى قوله: (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ) (الزمر ٦٤ - ٦٦) وضعف الطبراني في معجمه الصغير (ج: ٢ ص: ٤٤ ح ٧٥١) ما رواه بإسناد الطبري نفسه فقال: (لم يروه عن داود بن هند إلا عبد الله بن عيسى، تفرد به محمد بن موسى، وخالف ما عليه الثقات، وأحاديثه أفراد كلها)، وضعفه الحافظ في الفتح (٨/ ٧٣٣). (٢) والثانية: قال الطبري: حدثني يعقوب قال: حدثنا ابن علية عن محمد بن إسحاق قال: حدثني سعيد بن ميناء مولى البختري قال: لقي الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، وأمية بن خلف رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد

стр. 133

ونشركك في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيرًا مما بأيدينا كنا قد شركناك فيه وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرًا مما في يديك كنت قد شركتنا في أمرنا وأخذت منه بحظك. فأنزل الله: (قل يا أيها الكافرون) حتى انقضت السورة. قلت: سعيد بن ميناء تابعي ولم ينسب سبب النزول عن الصحابي-﵁ ولم يعتضد برواية أخرى عن تابعي مثله فيكون سبب النزول مرسلًا ضعيفًا. ولم أقف على سبب نزول صحيح في سورة الكافرون. فالله أعلم. (١) وأما أن حصار النبي ﷺ في الشعب كان بعده نزول سورة الكافرون فلم أقف عليه مطلقًا. والذي ينبغي على طالب العلم في التعامل مع أسباب النزول أن يكون بتوثق وتحرّ كبيرين؛ لأن سبب النزول له حكم الرفع، ولا يعتبر سبب النزول عن الصحابي إلا إذا كان بإسناد صحيح، وبصيغة صريحة، ولا يعتبر سبب النزول عن التابعي إلا بأربعة شروط: صحة الإسناد، والصراحة في السببية، وأن يعرف التابعي بالأخذ عن الصحابي، وأن يعتضد برواية تابعي آخر. وينظر في تقرير ذلك كتب علوم القرآن. والله أعلم). حيرة قريش وتفكيرهم الجاد واتصالهم باليهود قوله: (فقرروا أن يتصلوا باليهود حتى يتأكدوا من أمره ﷺ ، فلما نصحهم النضر بن الحارث بما سبق كلفوه مع آخر، أو آخرين ليذهب إلى يهود المدينة، فأتاهم، فقال أحبارهم: سلوه عن ثلاث، فإن أخبر فهو نبى مرسل، وإلا فهو متقول؛ سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، ما كان

стр. 134

أمرهم؟ فإن لهم حديثًا عجبًا، وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح، ما هي؟ فلما قدم مكة قال: جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، وأخبرهم بما قاله اليهود، فسألت قريش رسول الله ﷺ عن الأمور الثلاثة، فنزلت بعد أيام سورة الكهف، فيها قصة أولئك الفتية، وهم أصحاب الكهف، وقصة الرجل الطواف، وهو ذو القرنين، ونزل الجواب عن الروح في سورة الإسراء. وتبين لقريش أنه ﷺ على حق وصدق، ولكن أبى الظالمون إلا كفورًا). التعليق: سبب نزول سورة الكهف لا يصح. قال الأخ جودة محمد (١): (أخرجه ابن إسحاق كما في "السيرة" (٤/ ١٨٢، رقم ٢٥٧/ ت حميد الله) - ومن طريقه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٤٣)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٢/ ٢٦٩)، وابن حجر في "موافقة الخبر" (٢/ ٧٠ ـ ٧١) - قال ابن إسحاق: حدثني رجل من أهل مكة عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، … فذكر الخبر. إلا أنه وقع عند الطبري رجل من أهل مصر قدم مصر … وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" لابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وأبي نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن ابن عباس، به. وما أظن أن ابن المنذر، وأبا نعيم جاوزا طريق ابن إسحاق. قال البيهقي: كذا في هذه الرواية أنهم سألوه عن الروح أيضاً، وحديث ابن مسعود يدل على أن سؤال اليهود عن الروح ونزول الآية فيه كان بالمدينة، والله أعلم. قلت: وكأن البيهقي ﵀ بهذا يشير إلى نكارة الخبر، وقد أفصح

стр. 135

الحافظ ابن حجر العسقلاني عن هذا، فقال -كما في الموضع السابق من كتابه-: (هذا حديث غريب لولا هذا المبهم لكان سنده حسناً، لكن فيه ما ينكر وهو السؤال عن الروح ونزول الآية فيها وأن ذلك وقع بمكة، والثابت في الصحيحين أن ذلك كان بالمدينة وقع مصرحاً به في رواية ابن مسعود). قلت: يشير الحافظ ابن حجر العسقلاني إلى ما أخرجه البخاري (١٢٥ و ٤٧٢١ و ٧٢٩٧ و ٧٤٥٦ و ٧٤٦٢) ومسلم (٢٧٩٤) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، قال: بينا أنا مع النبي ﷺ في حرث، وهو متكئ على عسيب، إذ مر اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقال: ما رأيكم إليه؟ وقال بعضهم: لا يستقبلكم بشيء تكرهونه، فقالوا: سلوه، فسألوه عن الروح، فأمسك النبي ﷺ فلم يرد عليهم شيئاً، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامي فلما نزل الوحي، قال: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ [الإسراء: ٨٥] ويحتمل أن قريشاً سألت النبي ﷺ عن الروح في قصة أخرى مشابهة لما في الصحيحين فقد جاء في جامع الترمذي من طريق داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قالت قريش ليهود: أعطونا شيئاً نسأل هذا الرجل، فقال: سلوه عن الروح، فسألوه عن الروح، فأنزل الله -تعالى- ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ [الإسراء: ٨٥]، قالوا: أوتينا علماً كثيراً أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً، فأنزلت ﴿قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر﴾ [الكهف: ١٠٩] إلى آخر الآية. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. (١)

стр. 136

فالمتأمل لتلك القصتين يستنكر ما جاء عن ابن إسحاق في سبب نزول سورة الكهف مع ضعف إسنادها أيضاً، وثمة خلاف آخر على ابن إسحاق -إن صح ذلك النقل عنه- فقد ذكر أبو القاسم الأصبهاني في "دلائل النبوة" (ص: ٢١٦) نقلاً عن ابن إسحاق سندين فقال: روى محمد بن إسحاق عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵁، … فذكر الخبر. وهذا ضعيف جداً؛ فقد عنعنه ابن إسحاق، والكلبي هو محمد بن السائب متهم بالكذب، وأبو صالح هو باذام مولى أم هانئ ضعيف الحديث، ولم يسمع من ابن عباس أيضاً. ثم أعقبه أبو القاسم الأصبهاني بسند آخر نقله عن ابن إسحاق فقال: قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس ﵁ … وذكر القصة قلت: ومحمد بن أبي محمد مجهول الحال، قال الذهبي: لا يعرف. هذا فيما وقفت عليه من طرق؛ فالخبر منكر متناً، ضعيف سنداً، والله أعلم). وقال الشيخ مصطفى العدوي: (إسناده ضعيف، فيه شيخ لم يسم) (١). تراكم الأحزان قوله: (قال ابن إسحاق: لما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله ﷺ من الأذى ما لم تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ترابًا، ودخل بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكى، ورسول الله ﷺ يقول لها: (لا تبكي يا بنية، فإن الله مانع أباك). قال: ويقول بين ذلك: (ما نالت مني قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب).

стр. 137

التعليق: مرسل عن عروة بن الزبير قال الذهبي: (غريب مرسل). (١) قال الألباني: (حديث ضعيف، أخرجه ابن إسحاق (١/ ٢٥٨) بسند صحيح عن عروة ابن الزبير مرسلاً). (٢) قيادة تهوى إليها الأفئدة قوله: (وكان أبو جهل يقول: يا محمد، إنا لا نكذبك، ولكن نكذب بما جئت به، فأنزل الله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] قال في الهامش: رواه الترمذي في تفسير سورة الأنعام ٥/ ٢٤٣ ح (٣٠٦٤). وقد كرر المؤلف ذلك مرة أخرى في آخر عنوان بالكتاب (كمال النفس ومكارم الأخلاق). التعليق: إسناده ضعيف. رواه الترمذي، كتاب تفسير القرآن عن رسول الله ﷺ ، باب (ومن سورة الأنعام) حديث رقم (٣٠٦٤) حدثنا أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي. وقال: (حدثنا إسحاق بن منصور أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبي إسحاق عن ناجية أن أبا جهل قال للنبي -صلى الله عليه و سلم-: فذكر نحوه ولم يذكر فيه عن علي وهذا أصح). وقال الترمذي: (سألت مُحمدًا-يعني: البخاري- عن هذا الحديث؟ فقال: الصحيح عن أبي إسحاق، عن ناجية، عن النبي -صلى الله عليه و سلم- مرسل). (٣)

стр. 138

قال الألباني: (حديث علي: ضعيف الإسناد، وحديث ناجية: ضعيف أيضاً). (١) ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣١٥) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه وتعقبه الذهبي بقوله: ناجية بن كعب لم يخرجا له شيئاً. قال العلامة المفسر محمد الطاهر بن عاشور (٢): ( … ولا أحسب هذا هو سبب نزول الآية؛ لأنّ أبا جهل إن كان قد قال ذلك فقد أراد الاستهزاء، كما قال ابن العربي في العارضة: ذلك أنّه التكذيب بما جاء به تكذيب له لا محالة، فقوله: لا نكذّبك، استهزاء بإطماع التصديق). البشارات بالنجاح قوله: (وكان رسول الله ﷺ نفسه يقوم بمثل هذه البشارات بين آونة وأخرى، فكان إذا وافى الموسم، وقام بين الناس في عُكاظ، ومَجَنَّة، وذي المَجَاز لتبليغ الرسالة، لم يكن يبشرهم بالجنة فحسب، بل يقول لهم بكل صراحة: (يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، وتملكوا بها العرب، وتدين لكم بها العجم، فإذا متم كنتم ملوكًا في الجنة). قال في الهامش: ابن سعد ١/ ٢١٦. التعليق: رواية ابن سعد ضعيفة، لكنه ورد بإسناد صحيح عند أحمد وغيره. قال الألباني ﵀ (٣): (إن الحديث عند ابن سعد من طريق شيخه محمد بن عمر فقال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أيوب بن النعمان … فذكر له عدة أسانيد وكلها مرسلة ومع إرسالها فشيخه المذكور

стр. 139

متهم بالكذب وهو الواقدي المشهور صاحب كتاب (المغازي) المطبوع في الهند، ثم في مصر. وظني أن الدكتور-البوطي- لا يعلم أن محمد بن عمر هذا هو الواقدي وإن كان يعلم ذلك فظني أنه لا يعرف شيئاً من ترجمته عند أهل الحديث؛ ولذلك أنقل شهادة حافظين من حفاظ المحدثين المشهورين، فقال الإمام الذهبي في كتابه (الضعفاء والمتروكين): (محمد بن عمر بن واقد الواقدي قال النسائي: يضع الحديث، وقال ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة والبلاء منه). وقال الحافظ ابن حجر في (التقريب): (متروك مع سعة علمه) يعني أنه شديد الضعف في الرواية (١). وإنما ظننت أن الدكتور لا يعلم ذلك للأمر بحسن الظن بالمسلم وإلا فهل يعقل أن يعرف الدكتور حال الواقدي هذه وسقوط روايته … ويشهد لما أقول: أن هذا الحديث قد أخرجه الإمام أحمد (٢) في (المسند) (٣/ ٤٩٢ و ٤/ ٦٣ و ٣٤١ و ٥/ ٣٧٦) والبيهقي بأسانيد عن غير واحد من الصحابة وأحدهما عند ابن إسحاق في (السيرة) (٢/ ٦٤ - ٦٥) بنحوه وأحد إسنادي أحمد صحيح وأخرجه البيهقي أيضاً كما في (البداية) (٣/ ١٣٩) وطرفه الأول له شاهد في (المستدرك) (٢/ ٦٢٤) من حديث جابر مطولاً وصححه ووافقه الذهبي. قلت: فلو أن الدكتور كان يعلم هذه الطرق ويعلم ذلك الضعف

стр. 140

الشديد الذي في طريق ابن سعد بسبب الواقدي المتهم أفتظن أيها القاريء أنه يؤثر هذا الطريق على تلك الطرق وهو يعلم؟ أما أنا فلا أظن إلا خيراً). الرسول ﷺ في الطائف قوله: ( … دعا بالدعاء المشهور الذي يدل على امتلاء قلبه كآبة وحزنًا مما لقي من الشدة، وأسفًا على أنه لم يؤمن به أحد، قال: (اللهم إليك أشكو ضَعْف قُوَّتِي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تَكِلُني؟ إلى بعيد يَتَجَهَّمُنِي؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سَخَطُك، لك العُتْبَى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك). فلما رآه ابنا ربيعة تحركت له رحمهما، فدعوا غلامًا لهما نصرانيًا يقال له: عَدَّاس، وقالا له: خذ قطفًا من هذا العنب، واذهب به إلى هذا الرجل. فلما وضعه بين يدى رسول الله- ﷺ مد يده إليه قائلًا: (باسم الله) ثم أكل … ). التعليق: ضعيف. قال الألباني ﵀ (١): (ضعيف. رواه الطبراني في (المعجم الكبير) (١٣/ ٧٣/ ١٨١)، وعنه الضياء في (المختارة) (٥٦/ ١٢٨/ ١ - ٢)، وابن عدي (٢٨٤/ ٢)، وعنه ابن عساكر (١٤/ ١٧٨/ ٢): حدثنا القاسم بن الليث الراسبي -أملاه علينا حفظاً- قال: أخبرنا محمد بن أبي صفوان الثقفي إملاء قال: حدثنا وهب بن جرير بن حازم قال: حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر قال: لما توفي أبو طالب خرج النبي ﷺ إلى الطائف ماشياً على

стр. 141

قدميه، قال: فدعاهم إلى الإسلام، قال: فلم يجيبوه، قال: فانصرف، فأتى ظل شجرة، فصلى ركعتين ثم قال: فذكره. وقال ابن عدي: (هذا حديث أبي صالح الراسبي، لم نسمع أن أحداً حدث بهذا الحديث غيره، ولم نكتبه إلا عنه). قلت: كذا في نسختنا من ابن عدي (الراسبي)، وفي (التاريخ) (الراسني)، وفي (التهذيب) وغيره (الرسعني، وكذا في الطبراني) ولعله الصواب. ومن طريق القاسم هذا رواه -بل روى بعضه- ابن منده في (التوحيد) (٧٩/ ١) وقال: محمد بن عثمان ابن أبي صفوان. قلت: وهذا إسناد ضعيف رجاله ثقات، وعلته عنعنة ابن إسحاق عند الجميع؛ وهو مدلس، ولم يسق إسناده في (السيرة) وإنما قال (٢/ ٦١): (فلما اطمأن رسول الله ﷺ قال- فيما ذكر لي-: اللهم إليك أشكو … ). والحديث قال في (المجمع) (٦/ ٣٥): (رواه الطبراني، وفيه ابن إسحاق وهو مدلس ثقة، وبقية رجاله ثقات). من طريق ابن إسحاق معنعناً أخرجه أيضاً الأصبهاني في (الحجة) (ق ١٦٦/ ٢)، والرافعي في (تاريخ قزوين) (٢/ ٨٢). ا. هـ وضعفه الألباني أيضاً في تخريجه فقه السيرة للغزالي ص (١٢٦)، وضعيف الجامع حديث رقم (١١٨٢). وضعفه شعيب وعبدالقادر الأرناؤوط في تخريجهما لزاد المعاد (١/ ٩٩). وضعفه العمري وقال (١): (وأما دعاؤه على ثقيف بقوله: (اللهم إليك أشكو … ) ولقاؤه بعداس لم يثبت من طريق صحيحة فقد ساقها ابن إسحاق بدون إسناد.

стр. 142

أسانيد قصة عداس: البيهقي : الزهري (مرسلاً) : موسى بن عقبة (مرسلاً) : محمد بن إسحق (مرسلاً) وهذه المراسيل لا تقوى ببعضها إذ الظاهر أن مخرجها واحد لأن ابن اسحاق وموسى بن عقبة تلميذان للزهري). الرسول ﷺ في الطائف قوله: (وخلال إقامته ﷺ هناك بعث الله إليه نفرًا من الجن ذكرهم الله في موضعين من القرآن: في سورة الأحقاف: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩: ٣١]. وفي سورة الجن: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ إلى تمام الآية الخامسة عشرة [الجن: ١: ١٥]. ومن سياق هذه الآيات -وكذا من سياق الروايات التي وردت في تفسير هذا الحادث- يتبين أن النبي ﷺ -لم يعلم حضور ذلك النفر من الجن حين حضروا وسمعوا، وإنما علم بعد ذلك حين أطلعه الله عليه بهذه الآيات، وأن حضورهم هذا كان لأول مرة، ويقتضى سياق الروايات أنهم وفدوا بعد ذلك مرارًا). التعليق: استماع الجن للقرآن الكريم بعد رجوع الرسول ﷺ من الطائف لم يكن أول مرة كما ذهب إليه المؤلف، وإنما سبقه استماع الجن للقرآن الكريم في بدء الوحي ونزول القرآن الكريم كما يتضح من مطلع

стр. 143

سورة الجن، وهو ما ذهب إليه الحافظان: ابن كثير، وابن حجر -رحمهما الله- كما يتضح من النقول الآتية: قال الحافظ ابن كثير (١): ( … قال: فلما انصرف عنهم بات بنخلة فقرأ تلك الليلة من القرآن فاستمعه الجن من أهل نصيبين، وهذا صحيح، ولكن قوله: إن الجن كان استماعهم تلك الليلة فيه نظر، فإن الجن كان استماعهم في ابتداء الإيحاء كما دل عليه حديث ابن عباس ﵄ المذكور، وخروجه ﷺ إلى الطائف كان بعد موت عمه، وذلك قبل الهجرة بسنة، أو سنتين كما قرره ابن إسحاق وغيره، والله أعلم … فهذه الطرق كلها تدل على أنه ﷺ ذهب إلى الجن قصداً فتلا عليهم القرآن ودعاهم إلى الله وشرع الله -تعالى- لهم على لسانه ما هم محتاجون إليه في ذلك الوقت وقد يحتمل أن أول مرة سمعوه يقرأ القرآن لم يشعر بهم، كما قال ابن عباس ﵄. ثم بعد ذلك وفدوا إليه كما رواه ابن مسعود ﵁، وأما ابن مسعود ﵁ فإنه لم يكن مع رسول الله ﷺ حال مخاطبته للجن ودعائه إياهم، وإنما كان بعيداً منه ولم يخرج مع النبي ﷺ أحد سواه ومع هذا لم يشهد حال المخاطبة، هذه طريقة البيهقي، وقد يحتمل أن يكون أول مرة خرج إليهم لم يكن معه ﷺ ابن مسعود ﵁ ولا غيره، كما هو ظاهر سياق الرواية الأولى من طريق الإِمام أحمد، وهي عند مسلم، ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى، والله أعلم، كما روى ابن أبي حاتم في تفسير ﴿قل أوحي إِلي﴾ من حديث ابن جريج قال: قال عبد العزيز بن عمر: أما الجن الذي لقوه بنخلة فجن نينوى، وأما الجن الذين لقوه بمكة فجن نصيبين، وتأوله البيهقي على أنه يقول: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم على غير ابن مسعود ﵁ ممن لم يعلم بخروجه ﷺ إلى الجن، وهو محتمل على بعد، والله أعلم). قال الحافظ ابن حجر ﵀ (٢): (وذكر ابن إسحاق أن استماع الجن

стр. 144

كان بعد رجوع النبي ﷺ من الطائف لما خرج إليها يدعو ثقيفاً إلى نصره، وذلك بعد موت أبي طالب، وكان ذلك في سنة عشر من المبعث، كما جزم ابن سعد بأن خروجه إلى الطائف كان في شوال، وسوق عكاظ التي أشار إليها ابن عباس كانت تقام في ذي القعدة. وقول ابن عباس في حديثه "وهو يصلي بأصحابه" لم يضبط ممن كان معه في تلك السفرة غير زيد بن حارثة، فلعل بعض الصحابة تلقاه لما رجع، والله أعلم. وقول من قال: إن وفود الجن كان بعد رجوعه ﷺ من الطائف ليس صريحاً في أولية قدوم بعضهم. والذي يظهر من سياق الحديث الذي فيه المبالغة في رمي الشهب لحراسة السماء من استراق الجن السمع دال على أن ذلك كان قبل المبعث النبوي وإنزال الوحي إلى الأرض، فكشفوا ذلك إلى أن وقفوا على السبب، ولذلك لم يقيد الترجمة بقدوم ولا وفادة، ثم لما انتشرت الدعوة وأسلم من أسلم قدموا فسمعوا فأسلموا وكان ذلك بين الهجرتين، ثم تعدد مجيئهم حتى في المدينة). قال شعيب وعبدالقادر الأرناؤوط (١): (تابع ابن القيم ابن إسحق في كون استماع الجن للقرآن كان تلك الليلة، مرجعه من الطائف، وفيه نظر، فإن استماعهم كان في ابتداء المبعث قبل خروجه ﷺ إلى الطائف بسنتين، نبه على ذلك الحافظ ابن كثير في تفسيره (٤/ ١٦٢)، وقد روى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس ما يؤيد ذلك). القبائل التي عرض عليها الإسلام قوله: (قال الزهرى: وكان ممن يسمى لنا من القبائل الذين أتاهم رسول الله ﷺ ، ودعاهم وعرض نفسه عليهم: بنو عامر بن صَعْصَعَة، ومُحَارِب بن خَصَفَة، وفزارة، وغسان، ومرة، وحنيفة، وسليم، وعَبْس، وبنو نصر، وبنو البَكَّاء، وكندة، وكلب، والحارث بن كعب، وعُذْرَة، والحضارمة، فلم يستجب منهم أحد).

стр. 145

قال في الهامش: ابن سعد ١/ ٢١٦. التعليق: ضعيف. قال الأرناؤوط (١): (أخرجه ابن سعد في الطبقات من طريق الواقدي وهو مجمع على ضعفه)، وهذا مما يتساهل في ذكره. سويد بن الصامت قوله: (كان شاعرًا لبيبًا، من سكان يثرب، يسميه قومه [الكامل] لجلده وشعره وشرفه ونسبه، جاء مكة حاجًا أو معتمرًا، فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام، فقال: لعل الذي معك مثل الذي معي. فقال له رسول الله- ﷺ : (وما الذي معك؟) قال: حكمة لقمان. قال: (اعرضها عليَّ). فعرضها، فقال له رسول الله ﷺ : (إن هذا لكلام حسن، والذي معي أفضل من هذا؛ قرآن أنزله الله -تعالى- عليّ، هو هدى ونور)، فتلا عليه رسول الله ﷺ القرآن، ودعاه إلى الإسلام، فأسلم، وقال: إن هذا لقول حسن. فلما قدم المدينة لم يلبث أن قتل في وقعة بين الأوس والخزرج قبل يوم بعاث. والأغلب أنه أسلم في أوائل السنة الحادية عشرة من النبوة). التعليق: يوجد خلاف في صحبة سويد. رواه ابن هشام في السيرة (١/ ٤٢٥) قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ، ثُمَّ الظَّفَرِيُّ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ، قَالُوا: فذكره.، ورواه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٤١٩) بإسناده عن ابن إسحق أيضاً، وقال الدكتور العمري (٢): (إسناد حسن من رواية عاصم بن عمر بن قتادة ثقة (ت ١٢٠ هـ) يرويه عن أشياخ من قومه الأنصار).
следующие страницы →