← Сира

Сира · id 14572

التعليق على الرحيق المختوم

محمود الملاح

Полный текст (345 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قدميه، قال: فدعاهم إلى الإسلام، قال: فلم يجيبوه، قال: فانصرف، فأتى ظل شجرة، فصلى ركعتين ثم قال: فذكره. وقال ابن عدي: (هذا حديث أبي صالح الراسبي، لم نسمع أن أحداً حدث بهذا الحديث غيره، ولم نكتبه إلا عنه). قلت: كذا في نسختنا من ابن عدي (الراسبي)، وفي (التاريخ) (الراسني)، وفي (التهذيب) وغيره (الرسعني، وكذا في الطبراني) ولعله الصواب. ومن طريق القاسم هذا رواه -بل روى بعضه- ابن منده في (التوحيد) (٧٩/ ١) وقال: محمد بن عثمان ابن أبي صفوان. قلت: وهذا إسناد ضعيف رجاله ثقات، وعلته عنعنة ابن إسحاق عند الجميع؛ وهو مدلس، ولم يسق إسناده في (السيرة) وإنما قال (٢/ ٦١): (فلما اطمأن رسول الله ﷺ قال- فيما ذكر لي-: اللهم إليك أشكو … ). والحديث قال في (المجمع) (٦/ ٣٥): (رواه الطبراني، وفيه ابن إسحاق وهو مدلس ثقة، وبقية رجاله ثقات). من طريق ابن إسحاق معنعناً أخرجه أيضاً الأصبهاني في (الحجة) (ق ١٦٦/ ٢)، والرافعي في (تاريخ قزوين) (٢/ ٨٢). ا. هـ وضعفه الألباني أيضاً في تخريجه فقه السيرة للغزالي ص (١٢٦)، وضعيف الجامع حديث رقم (١١٨٢). وضعفه شعيب وعبدالقادر الأرناؤوط في تخريجهما لزاد المعاد (١/ ٩٩). وضعفه العمري وقال (١): (وأما دعاؤه على ثقيف بقوله: (اللهم إليك أشكو … ) ولقاؤه بعداس لم يثبت من طريق صحيحة فقد ساقها ابن إسحاق بدون إسناد.

стр. 142

أسانيد قصة عداس: البيهقي : الزهري (مرسلاً) : موسى بن عقبة (مرسلاً) : محمد بن إسحق (مرسلاً) وهذه المراسيل لا تقوى ببعضها إذ الظاهر أن مخرجها واحد لأن ابن اسحاق وموسى بن عقبة تلميذان للزهري). الرسول ﷺ في الطائف قوله: (وخلال إقامته ﷺ هناك بعث الله إليه نفرًا من الجن ذكرهم الله في موضعين من القرآن: في سورة الأحقاف: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩: ٣١]. وفي سورة الجن: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ إلى تمام الآية الخامسة عشرة [الجن: ١: ١٥]. ومن سياق هذه الآيات -وكذا من سياق الروايات التي وردت في تفسير هذا الحادث- يتبين أن النبي ﷺ -لم يعلم حضور ذلك النفر من الجن حين حضروا وسمعوا، وإنما علم بعد ذلك حين أطلعه الله عليه بهذه الآيات، وأن حضورهم هذا كان لأول مرة، ويقتضى سياق الروايات أنهم وفدوا بعد ذلك مرارًا). التعليق: استماع الجن للقرآن الكريم بعد رجوع الرسول ﷺ من الطائف لم يكن أول مرة كما ذهب إليه المؤلف، وإنما سبقه استماع الجن للقرآن الكريم في بدء الوحي ونزول القرآن الكريم كما يتضح من مطلع

стр. 143

سورة الجن، وهو ما ذهب إليه الحافظان: ابن كثير، وابن حجر -رحمهما الله- كما يتضح من النقول الآتية: قال الحافظ ابن كثير (١): ( … قال: فلما انصرف عنهم بات بنخلة فقرأ تلك الليلة من القرآن فاستمعه الجن من أهل نصيبين، وهذا صحيح، ولكن قوله: إن الجن كان استماعهم تلك الليلة فيه نظر، فإن الجن كان استماعهم في ابتداء الإيحاء كما دل عليه حديث ابن عباس ﵄ المذكور، وخروجه ﷺ إلى الطائف كان بعد موت عمه، وذلك قبل الهجرة بسنة، أو سنتين كما قرره ابن إسحاق وغيره، والله أعلم … فهذه الطرق كلها تدل على أنه ﷺ ذهب إلى الجن قصداً فتلا عليهم القرآن ودعاهم إلى الله وشرع الله -تعالى- لهم على لسانه ما هم محتاجون إليه في ذلك الوقت وقد يحتمل أن أول مرة سمعوه يقرأ القرآن لم يشعر بهم، كما قال ابن عباس ﵄. ثم بعد ذلك وفدوا إليه كما رواه ابن مسعود ﵁، وأما ابن مسعود ﵁ فإنه لم يكن مع رسول الله ﷺ حال مخاطبته للجن ودعائه إياهم، وإنما كان بعيداً منه ولم يخرج مع النبي ﷺ أحد سواه ومع هذا لم يشهد حال المخاطبة، هذه طريقة البيهقي، وقد يحتمل أن يكون أول مرة خرج إليهم لم يكن معه ﷺ ابن مسعود ﵁ ولا غيره، كما هو ظاهر سياق الرواية الأولى من طريق الإِمام أحمد، وهي عند مسلم، ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى، والله أعلم، كما روى ابن أبي حاتم في تفسير ﴿قل أوحي إِلي﴾ من حديث ابن جريج قال: قال عبد العزيز بن عمر: أما الجن الذي لقوه بنخلة فجن نينوى، وأما الجن الذين لقوه بمكة فجن نصيبين، وتأوله البيهقي على أنه يقول: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم على غير ابن مسعود ﵁ ممن لم يعلم بخروجه ﷺ إلى الجن، وهو محتمل على بعد، والله أعلم). قال الحافظ ابن حجر ﵀ (٢): (وذكر ابن إسحاق أن استماع الجن

стр. 144

كان بعد رجوع النبي ﷺ من الطائف لما خرج إليها يدعو ثقيفاً إلى نصره، وذلك بعد موت أبي طالب، وكان ذلك في سنة عشر من المبعث، كما جزم ابن سعد بأن خروجه إلى الطائف كان في شوال، وسوق عكاظ التي أشار إليها ابن عباس كانت تقام في ذي القعدة. وقول ابن عباس في حديثه "وهو يصلي بأصحابه" لم يضبط ممن كان معه في تلك السفرة غير زيد بن حارثة، فلعل بعض الصحابة تلقاه لما رجع، والله أعلم. وقول من قال: إن وفود الجن كان بعد رجوعه ﷺ من الطائف ليس صريحاً في أولية قدوم بعضهم. والذي يظهر من سياق الحديث الذي فيه المبالغة في رمي الشهب لحراسة السماء من استراق الجن السمع دال على أن ذلك كان قبل المبعث النبوي وإنزال الوحي إلى الأرض، فكشفوا ذلك إلى أن وقفوا على السبب، ولذلك لم يقيد الترجمة بقدوم ولا وفادة، ثم لما انتشرت الدعوة وأسلم من أسلم قدموا فسمعوا فأسلموا وكان ذلك بين الهجرتين، ثم تعدد مجيئهم حتى في المدينة). قال شعيب وعبدالقادر الأرناؤوط (١): (تابع ابن القيم ابن إسحق في كون استماع الجن للقرآن كان تلك الليلة، مرجعه من الطائف، وفيه نظر، فإن استماعهم كان في ابتداء المبعث قبل خروجه ﷺ إلى الطائف بسنتين، نبه على ذلك الحافظ ابن كثير في تفسيره (٤/ ١٦٢)، وقد روى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس ما يؤيد ذلك). القبائل التي عرض عليها الإسلام قوله: (قال الزهرى: وكان ممن يسمى لنا من القبائل الذين أتاهم رسول الله ﷺ ، ودعاهم وعرض نفسه عليهم: بنو عامر بن صَعْصَعَة، ومُحَارِب بن خَصَفَة، وفزارة، وغسان، ومرة، وحنيفة، وسليم، وعَبْس، وبنو نصر، وبنو البَكَّاء، وكندة، وكلب، والحارث بن كعب، وعُذْرَة، والحضارمة، فلم يستجب منهم أحد).

стр. 145

قال في الهامش: ابن سعد ١/ ٢١٦. التعليق: ضعيف. قال الأرناؤوط (١): (أخرجه ابن سعد في الطبقات من طريق الواقدي وهو مجمع على ضعفه)، وهذا مما يتساهل في ذكره. سويد بن الصامت قوله: (كان شاعرًا لبيبًا، من سكان يثرب، يسميه قومه [الكامل] لجلده وشعره وشرفه ونسبه، جاء مكة حاجًا أو معتمرًا، فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام، فقال: لعل الذي معك مثل الذي معي. فقال له رسول الله- ﷺ : (وما الذي معك؟) قال: حكمة لقمان. قال: (اعرضها عليَّ). فعرضها، فقال له رسول الله ﷺ : (إن هذا لكلام حسن، والذي معي أفضل من هذا؛ قرآن أنزله الله -تعالى- عليّ، هو هدى ونور)، فتلا عليه رسول الله ﷺ القرآن، ودعاه إلى الإسلام، فأسلم، وقال: إن هذا لقول حسن. فلما قدم المدينة لم يلبث أن قتل في وقعة بين الأوس والخزرج قبل يوم بعاث. والأغلب أنه أسلم في أوائل السنة الحادية عشرة من النبوة). التعليق: يوجد خلاف في صحبة سويد. رواه ابن هشام في السيرة (١/ ٤٢٥) قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ، ثُمَّ الظَّفَرِيُّ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ، قَالُوا: فذكره.، ورواه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٤١٩) بإسناده عن ابن إسحق أيضاً، وقال الدكتور العمري (٢): (إسناد حسن من رواية عاصم بن عمر بن قتادة ثقة (ت ١٢٠ هـ) يرويه عن أشياخ من قومه الأنصار).

стр. 146

قال الحافظ ابن حجر-﵀ (١): (سويد بن الصامت بن خالد بن عقبة الأوسي ذكره ابن شاهين وقال: شك في إسلامه. وقال أبو عمر: أنا أشك فيه كما شك غيري. ذكره بعضهم معتمداً على ما روى ابن إسحاق … قلت: فإن صح ما قالوا لم يعد في الصحابة؛ لأنه لم يلق النبي ﷺ مؤمناً). طُفَيْل بن عمرو الدَّوْسي قوله: (كان رجلًا شريفًا، شاعرًا لبيبًا، رئيس قبيلة دوس، وكانت لقبيلته إمارة، أو شبه إمارة في بعض نواحي اليمن، قدم مكة في عام ١١ من النبوة، فاستقبله أهلها قبل وصوله إليها، وبذلوا له أجل تحية وأكرم تقدير، وقالوا له: يا طفيل، إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا، وقد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر، يفرق بين الرجل وأبيه، وبين الرجل وأخيه، وبين الرجل وزوجه، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمه ولا تسمعن منه شيئًا. حشوت أذني حين غدوت إلى المسجد كُرْسُفًا؛ فرقًا من أن يبلغني شيء من قوله، قال: فغدوت إلى المسجد فإذا هو قائم يصلى عند الكعبة، فقمت قريبًا منه، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، فسمعت كلامًا حسنًا، فقلت في نفسي: واثكل أمي، والله إني رجل لبيب شاعر؛ ما يخفى عليّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان حسنًا قبلته، وإن كان قبيحًا تركته، فمكثت حتى انصرف إلى بيته فاتبعته، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه، فعرضت عليه قصة مقدمي، وتخويف الناس إياي، وسد الأذن بالكرسف، ثم سماع بعض كلامه، وقلت له: اعرض عليّ أمرك، فعرض عليّ الإسلام، وتلا عليّ

стр. 147

القرآن. فوالله ما سمعت قولًا قط أحسن منه، ولا أمرًا أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت له: إني مطاع في قومي، وراجع إليهم، وداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية، فدعا. وكانت آيته أنه لما دنا من قومه جعل الله نورًا في وجهه مثل المصباح، فقال: اللهم في غير وجهي. أخشى أن يقولوا: هذه مثلة، فتحول النور إلى سوطه، فدعا أباه وزوجته إلى الإسلام فأسلما، وأبطأ عليه قومه في الإسلام، لكن لم يزل بهم حتى هاجر بعد الخندق، ومعه سبعون أو ثمانون بيتًا من قومه، وقد أبلى في الإسلام بلاء حسنًا، وقتل شهيدًا يوم اليمامة). التعليق: ضعيف. رواه ابن هشام في السيرة (١/ ٣٨٢) قال ابن إسحاق: -فساق القصة هكذا بدون إسناد-. قال الحافظ ابن كثير (١): ( … هكذا ذكر محمد بن إسحاق قصة الطفيل بن عمرو مرسلة بلا إسناد، ولخبره شاهد في الحديث الصحيح). وقال الحافظ ابن حجر (٢): ( … وذكرها ابن إسحاق في سائر النسخ بلا إسناد، وأخرجه ابن سعد أيضاً مطولاً من وجه آخر، وكذلك الأموي عن ابن الكلبي بإسناد آخر … ). وضعفها الألباني. (٣) الإسراء والمعراج قوله: (ثم عرج به إلى الجبّار ﷻ ، فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، وفرض عليه خمسين صلاة، فرجع حتى مرّ على موسى فقال له: بم أمرك ربك؟ قال:

стр. 148

(بخمسين صلاة). قال: إن أمتك لا تطيق ذلك، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فالتفت إلى جبريل، كأنه يستشيره في ذلك، فأشار أن نعم إن شئت، فعلا به جبريل حتى أتى به الجبار ﵎، وهو في مكانه -هذا لفظ البخاري في بعض الطرق - فوضع عنه عشرًا، ثم أنزل حتى مر بموسى، فأخبره، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله- ، حتى جعلها خمسًا، فأمره موسى بالرجوع وسؤال التخفيف، فقال: (قد استحييت من ربي، ولكني أرضى وأسلم)، فلما بعد نادى مناد: قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي. انتهى. ثم ذكر ابن القيم خلافًا في رؤيته ﷺ ربه ﵎، ثم ذكر كلامًا لابن تيمية بهذا الصدد، وحاصل البحث أن الرؤية بالعين لم تثبت أصلًا، وهو قول لم يقله أحد من الصحابة. وما نقل عن ابن عباس من رؤيته مطلقًا ورؤيته بالفؤاد فالأول لا ينافي الثاني. ثم قال: وأما قوله تعالى في سورة النجم: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم: ٨] فهو غير الدنو الذي في قصة الإسراء، فإن الذي في سورة النجم هو دنو جبريل وتدليه، كما قالت عائشة وابن مسعود، والسياق يدل عليه، وأما الدنو والتدلي في حديث الإسراء فذلك صريح في أنه دنو الرب ﵎ وتدليه، ولا تعرض في سورة النجم لذلك، بل فيه أنه رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى. وهذا هو جبريل، رآه محمد ﷺ على صورته مرتين: مرة في الأرض، ومرة عند سدرة المنتهى، والله أعلم). التعليق: نسبة الدنو والتدلي لله من أغلاط شريك بن عبدالله وأوهامه قال الأرناؤوط (١): (هذه الجملة، التي أخرجها البخاري في صحيحه (١٣/ ٣٩٩، ٤٠٦) من طريق شريك بن عبدالله وهي من أوهامه التي تفرد بها فكان على المؤلف-﵀ أن ينبه على ذلك.

стр. 149

فقد قال الخطابي: (إن الذي وقع في هذه الرواية بالنسبة للتدلي للجبار- مخالف لعامة السلف والعلماء وأهل التفسير من تقدم منهم ومن تأخر، وقد روي هذا الحديث عن أنس من غير طريق شريك فلم يذكر فيه هذه الألفاظ الشنيعة، وذلك مما يقوي الظن أنها صادرة من جهة شريك. وقال عبدالحق الإشبيلي في الجمع بين الصحيحين: (زاد فيه شريك زيادة مجهولة وأتى فيه بألفاظ غير معروفة، وقد روى الإسراء جماعة من الحفاظ فلم يأت أحد منهم بما أتى به شريك وهو ليس بالحافظ). وقال الحافظ ابن كثير (١): (هكذا ساقه البخاري في كتاب التوحيد، ورواه في صفة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه أبي بكر عبد الحميد، عن سليمان بن بلال. ورواه مسلم عن هارون بن سعيد، عن ابن وهب، عن سليمان قال: فزاد ونقص وقدم وأخر، وهو كما قال مسلم فإن شريك بن عبد الله بن أبي نمر اضطرب في هذا الحديث وساء حفظه ولم يضبطه كما سيأتي بيانه -إن شاء الله- في الأحاديث الأخر، ومنهم من يجعل هذا مناماً توطئة لما وقع بعد ذلك، والله أعلم. وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي: في حديث شريك زيادة تفرد بها، على مذهب من زعم أنه- ﷺ رأى الله يعني قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا﴾ الجبار رب العزة ﴿فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾. قال: وقول عائشة، وابن مسعود، وأبي هريرة في حملهم هذه الآيات على رؤيته جبريل أصح. وهذا الذي قاله البيهقي ﵀ في هذه المسألة هو الحق، فإن أبا ذر قال: يا رسول الله هل رأيت ربك؟ قال: (نور أنى أراه) وفي رواية: (رأيت نوراً) أخرجه مسلم، وقوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ إنما هو جبريل ﵇، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين، وعن ابن مسعود، وكذلك هو في صحيح مسلم

стр. 150

عن أبي هريرة، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة في تفسير هذه الآية بهذا). قال الحافظ ابن رجب (١): (قد تفرد به شريك بهذه الألفاظ في هذا الحديث، وهي مما أنكرت عليه فيه). وكذلك ضعفه شيخنا ابن باز ﵀. (٢) انظر: - تفسير ابن كثير في مطلع سورة الإسراء فإنه قد أجاد وأفاد بما لا يوجد في مكان آخر. - الإسراء والمعراج وذكر أحاديثهما وتخريجها وبيان صحيحها من سقيمها للألباني. اثنا عشر نقيبًا قوله: (ولما تم اختيار هؤلاء النقباء أخذ عليهم النبي ﷺ ميثاقًا آخر بصفتهم رؤساء مسؤولين. قال لهم: (أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء، ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي) - يعنى المسلمين - قالوا: نعم). التعليق: مرسل ضعيف. قال الألباني (٣): ( … وأما قوله في آخر القصة: (فقال لهم الرسول: أنتم على … ) فأخرجه ابن إسحاق (١/ ٢٧٧) عن عبدالله بن أبي بكر مرسلاً؛ فهو ضعيف، ورواه ابن جرير (٢/ ٩٣) من طريق ابن إسحاق).

стр. 151

في دار الندوة [برلمان (١) قريش] قوله: (ولما جاءوا إلى دار الندوة حسب الميعاد، اعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل، عليه بتلة (٢)، ووقف على الباب، فقالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى ألا يعدمكم منه رأيًا ونصحًا. قالوا: أجل، فادخل، فدخل معهم. وبعد أن تكامل الاجتماع بدأ عرض الاقتراحات والحلول، ودار النقاش طويلًا. قال أبو الأسود: نخرجه من بين أظهرنا وننفيه من بلادنا، ولا نبالي أين ذهب، ولا حيث وقع، فقد أصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت. قال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به؟ والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من العرب، ثم يسير بهم إليكم ـ بعد أن يتابعوه ـ حتى يطأكم بهم في بلادكم، ثم يفعل بكم ما أراد، دبروا فيه رأيًا غير هذا. قال أبو البختري: احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابًا، ثم تربصوا به ما أصاب أمثاله من الشعراء الذين كانوا قبله ـ زهيرًا والنابغة ـ ومن مضى منهم، من هذا الموت، حتى يصيبه ما أصابهم. قال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه -كما تقولون- ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم، فينزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي، فانظروا في غيره.

стр. 152

وبعد أن رفض البرلمان هذين الاقتراحين، قدم إليه اقتراح آثم وافق عليه جميع أعضائه، تقدم به كبير مجرمي مكة أبو جهل بن هشام. قال أبو جهل: والله إن لي فيه رأيًا ما أراكم وقعتم عليه بعد. قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابًا جليدًا نَسِيبا وَسِيطًا فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفًا صارمًا، ثم يعمدوا إليه، فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه، فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعًا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا، فرضوا منا بالعَقْل، فعقلناه لهم. قال الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأي الذي لا رأي غيره. ووافق برلمان مكة على هذا الاقتراح الآثم بالإجماع، ورجع النواب إلى بيوتهم وقد صمموا على تنفيذ هذا القرار فورًا. التعليق: القصة واهية، وأسانيدها لا تصح. قال الشيخ: علي بن إبراهيم حشيش- حفظه الله - (١): (الحديث الذي جاءت به هذه القصة أخرجه أبو نعيم في (دلائل النبوة) (ص ٦٣ - ٦٤)، والطبري في (تفسيره) (٦/ ٢٥١، ٢٥٢ ح: ١٥٩٧٩)، والبيهقي في (دلائل النبوة) (٢/ ٤٦٦ - ٤٦٨)، وابن أبي حاتم في (التفسير) (٥/ ١٦٨٦) (ح ١٩٩٤)، وابن سعد في (الطبقات) (١/ ١٠٩). التحقيق: القصة واهية، وأسانيدها لا تصح، تزداد بها وهنًا على وهن. ١ - قال ابن سعد في (الطبقات): أخبرنا محمد بن عمر. أ- قال: حدثني معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.

стр. 153

ب- قال: وحدثني ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين بن أبي غطفان، عن ابن عباس. جـ- قال: وحدثني قدامة بن موسى، عن عائشة بنت قدامة. د- قال: وحدثني عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي. هـ- قال: وحدثني معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن مالك بن جُعْشم، عن سراقة بن جعشم. قلت: بهذا يتبين أن ابن سعد أخرج القصة في طبقاته عن: عائشة، وابن عباس، وعائشة بنت قدامة، وعلي، وسراقه بن جعشم، ولكن من رواية محمد بن عمر وهو الواقدي. قال الإمام ابن حبان في (المجروحين) (٢/ ٢٩٠): (محمد بن عمر بن واقد الواقدي الأسلمي المدني، كان ممن يحفظ أيام الناس وسيرهم، وكان يروي عن الثقات المقلوبات وعن الأثبات المعضلات حتى ربما سبق إلى القلب أنه كان المتعمد لذلك، كان أحمد بن حنبل يكذبه. ثم قال: سمعت محمد بن المنذر، سمعت عباس بن محمد: سمعت يحيى بن معين يقول: الواقدي ليس بشيء. ثم قال: أخبرني محمد بن عبد الرحمن: سمعت أبا غالب بن بنت معاوية بن عمرو: سمعت علي بن المديني يقول: الواقدي يضع الحديث. ا. هـ. قلت: وأورده (١) الإمام البخاري في (الضعفاء الصغير) ترجمة (٣٣٤) وقال: (محمد بن عمر الواقدي متروك الحديث). اهـ. وأورده الإمام النسائي في (الضعفاء والمتروكين) ترجمة (٥٣١) وقال: (محمد بن عمر الواقدي، متروك الحديث).

стр. 154

قلت: وهذا المصطلح عند النسائي له معناه حيث قال الحافظ ابن حجر في (شرح النخبة) باب (٦٨) مراتب الجرح: (كان مذهب النسائي أن لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على تركه). ٢ - قال أبو نعيم في (دلائل النبوة): حدثنا حبيب بن الحسن، قال: حدثنا محمد بن يحيى المروزي، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عمن لا يتهم من أصحابنا، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد أبي الحجاج، عن ابن عباس ﵄. وحدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن البراء، قال: حدثنا الفضل بن غانم، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جبر المكي، عن عبد الله بن عباس ﵄. قال: وحدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄. قلت: بهذا يتبين أن أبا نعيم أخرج القصة في (دلائل النبوة) من ثلاثة طرق عن ابن عباس ﵄. الطريق الأول: فيه علتان: الأولى: تدليس محمد بن إسحاق. فقد أورده الحافظ ابن حجر في (طبقات المدلسين) في الطبقة الرابعة رقم (٩) وقال: (محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي المدني، صاحب المغازي، مشهور بالتدليس عن الضعفاء والمجهولين وعن شر منهم، وصفه بالتدليس ابن حبان). ا. هـ. قلت: حكم رواية أصحاب هذه الطبقة: قال الحافظ ابن حجر في مقدمة كتاب (طبقات المدلسين): (الرابعة: من اتفق على أنه لا يُحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع لكثرة تدليسهم على الضعفاء والمجاهيل).

стр. 155

قلت: وابن إسحاق في هذا الطريق عنعن ولم يصرح بالسماع. الثانية: جهالة شيخ ابن إسحاق. يتبين ذلك من السند: (عن محمد بن إسحاق عن من لا يتهم من أصحابنا)، وهذا النوع من أنواع المجهول يسمى (المبهم) وهو من لم يصرح باسمه (ومبهم ما فيه راوٍ لم يُسم)، ومن أبهم اسمه، جهلت عينه وجهلت عدالته من باب أولى، فلا تقبل روايته. وكما بينا آنفًا من أقوال أئمة الجرح والتعديل: أن ابن إسحاق مشهور بالتدليس عن الضعفاء والمجهولين وعن شر منهم. قلت: ولذلك نقل الحافظ ابن حجر في (التهذيب) (٩/ ٣٦) عن يعقوب بن شيبة قال: سمعت ابن نمير يقول: (إنما أُتِيَ- يعني ابن إسحاق- من أنه يحدث عن المجهولين أحاديث باطلة). ا. هـ. قلت: وهذه القصة منها حيث حَدَّثَ فيها عن مجهولين فهي باطلة كما بينا آنفًا. الطريق الثاني: وفيه علتان أيضًا: العلة الأولى: سلمة بن الفضل: أ- قال الإمام البخاري في كتاب (الضعفاء الصغير) رقم (١٤٩): (سلمة بن الفضل بن الأبرش سمع ابن إسحاق، عنده مناكير وفيه نظر). ا. هـ. قلت: وهذا المصطلح عند البخاري له معناه، يظهر هذا من قول السيوطي في «تدريب الراوي» (١/ ٣٤٩): (البخاري يطلق: فيه نظر، وسكتوا عنه فيمن تركوا حديثه، ويطلق منكر الحديث على من لا تحل الرواية عنه) (١).

стр. 156

قلت: وبهذا يتبين أن سلمة بن الفضل متروك الحديث فلا يصلح حديثه للاحتجاج ولا المتابعات ولا الشواهد. ب- قال الإمام النسائي في (الضعفاء والمتروكين) رقم (٢٤١): (سلمة بن الفضل بن الأبرش: أبو عبد الله ضعيف، يروي عن ابن إسحاق المغازي). جـ- أورده الحافظ ابن حجر في (التهذيب) (٤/ ١٣٥) وقال: (سلمة بن الفضل بن الأبرش الأنصاري مولاهم أبو عبد الله الأزرق، قال البخاري: عنده مناكير وهَّنه علي بن المديني قال علي: ما خرجنا من الري حتى رمينا بحديثه، قال البرذعي عن أبي زرعة: كان أهل الري لا يرغبون فيه لمعان فيه من سوء رأيه وظلم فيه، وأما إبراهيم بن موسى فسمعته غير مرة وأشار أبو زرعة إلى لسانه يريد الكذب). ا. هـ. قلت: ولذلك أشار الحافظ ابن حجر إلى سوء حفظه في (التقريب) (١/ ٣١٨): فقال: (كثير الخطأ). ا. هـ. قلت: لذلك قال الحافظ العراقي في (فتح المغيث) (ص ٧): (من كثر الخطأ في حديثه وفحش استحق الترك وإن كان عدلاً). فانظر إلى الترابط الشديد بين قول الإمام البخاري: «فيه نظر» ومعناه وبين قول الحافظ العراقي وتلميذه ابن حجر. العلة الثانية: الفضل بن غانم: أورده الإمام الذهبي في «الميزان» (٣/ ٣٥٧) وقال: (الفضل بن غانم الخزاعي قال يحيى: ليس بشيء، وقال الدارقطني: ليس بالقوي، وقال الخطيب: ضعيف). قلت: ومصطلح (ليس بشيء) يقوله يحيى بن معين في الكذابين والمتروكين، كذلك في أهل الغفلة والاضطراب الذين يُرد حديثهم، وفي المبتدعة والمقلين. كذا في (التهذيب) (١/ ٥٠٩).

стр. 157

الطريق الثالث: وفيه أيضًا علتان: العلة الأولى: الكلبي: أورده الإمام الذهبي في (الميزان) ترجمة (٧٥٧٤) وقال: (محمد بن السائب الكلبي، أبو النضر الكوفي المفسر النَّسَّابَة الإخباري، قال ابن معين: (الكلبي ليس بثقة)، وقال الجوزجاني وغيره: كذاب. وقال الدارقطني وجماعة: متروك). قال النسائي في (الضعفاء والمتروكين) ترجمة (٥١٤): (أبو النضر الكلبي: متروك الحديث). وقال البخاري في (الضعفاء الصغير) ترجمة (٣٢٢): (أبو النضر الكلبي تركه يحيى بن سعيد). العلة الثانية: أبو صالح. قال الإمام ابن حبان في (المجروحين) (٢/ ٢٥٥): (محمد بن السائب الكلبي يروي عن أبي صالح عن ابن عباس التفسير، وأبو صالح لم ير ابن عباس ولا سمع منه شيئًا، ولا سمع الكلبي من أبي صالح، لا يحل ذكره في الكتب فكيف الاحتجاج به؟). ا. هـ. قلت: بهذا يتبين أن الطرق الثلاثة التي أخرجها أبو نعيم تزيد القصة وهنًا على وهن لما فيها من: كذابين، ومتروكين، ومجهولين، ومدلسين. ٣ ـ ابن جرير الطبري في (التاريخ) (١/ ٥٦٦) أخرج القصة من ثلاثة طرق: الأول: نفس طريق سلمة بن الفضل بن الأبرش الذي أخرجه أبو نعيم وبينا أنه طريق تالف. والثاني: من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. قلت: ولقد بينا آنفًا أن هذا الطريق أوهى من سابقه. والثالث: من طريق سلمة عن محمد بن إسحاق قال: حدثني الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس. قلت: وهذا الطريق تالف فيه سلمة بن الفضل وهو متروك كما بينا آنفًا، والحكم بن عتيبة مدلس كما في (التقريب) (١/ ١٩٢) وقد عنعن.

стр. 158

٤ ـ وأخرج القصة ابن جرير الطبري في (التفسير) (٦/ ٢٥١ - ٢٥٢ ح ١٥٩٧٩) من طريقين: الأول: هو نفس الطريق الأول الذي أخرجه أبو نعيم والذي بينا ضعفه آنفًا. الثاني: من طريق الكلبي عن باذام مولى أم هانئ عن ابن عباس. قلت: وباذام مولى أم هانئ هو أبو صالح كما في (التقريب) (١/ ٩٣). وهذا هو الطريق الثالث الذي أخرجه أبو نعيم وهو طريق تالف كما بينا آنفًا. ملحوظة: وقع تصحيف في السند في تفسير ابن جرير حيث جاء اسم أبي صالح (زاذان مولى أم هانئ)، ويجب أن يصحح إلى (باذام مولى أم هانئ) كما في (التقريب) (١/ ٩٣) وقال الحافظ ابن حجر: (ضعيف مدلس)، وقد عنعن فيزداد الطريق ضعفًا على ضعفه. ٥ ـ وأخرج القصة ابن أبي حاتم في (التفسير) (٥/ ١٦٨٦) (ح ١٩٩٤) من نفس الطريق الواهي (١) الذي أخرجه أبو نعيم من طريق ابن إسحاق من حديث مجاهد عن ابن عباس ويظهر فيه التدليس والاضطراب. ٦ ـ وأخرجه البيهقي في (الدلائل) عن محمد بن إسحاق من نفس الطرق التي بينا ضعفها من: مدلسين، ومجهولين، وكذابين، ومتروكين … ). انتهى كلام الشيخ علي حشيش - حفظه الله- وحرصت على نقله كاملاً؛ لأهميته ونفاسته. قال الشيخ محمد بن عبدالله العوشن (٢): (وهذه القصة لم أرَ -حسب علمي- من صحّح أسانيدها من أهل العلم، على أنها مشهورة في كتب

стр. 159

السيرة، لكن الشهرة لا تغني عن صحة الإسناد. ومال الدكتور سليمان السعود (١) إلى تقوية القصة بأمور ثلاثة: ١ - أن لها أصلًا في كتاب الله في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] وبهذه القصة فسرها الطبري. ٢ - أنها وردت من عدة طرق يشد بعضها بعضًا. ٣ - شهرة هذه القصة واستفاضتها عند أئمة السير). وقال الشيخ محمَّد الصادق عرجون ﵀ (٢) عن هذه القصة ومشاركة إبليس إنه ضرب من الخيال المجنون: "لأنه لم يثبت فيه خبر صحيح عن رسول الله ﷺ وكان ما جاء فيه رواية مرسلة عن ابن عباس لم يثبت لها سند يمكن التشبث به والاعتماد عليه .. ". وتعقبه الدكتور مهدي رزق الله بقوله: "قلت: جاءت القصة بطريق صحيح عند ابن إسحاق والطبري إضافة إلى أن ابن إسحاق والزهري والواقدي وابن سعد والأموي من أئمة المغازي والسير، واتفقوا على ذكر القصة مما يدل أن لها أصلًا، خاصة حديثهم -إذا استثنينا قصة النجدي- ورد مضمونه في أحاديث صحيحة، مثل الأحاديث التي وردت في تفسير الآية: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا … ﴾ ". (٣) وهذا التعقب يحتاج إلى تعقب، فالقول بأن هذه القصة جاءت من طريق صحيح، غير صحيح وقد سبق أن الرواية لهذه القصة إما من طريق الواقدي وهو متروك، أو من طريق ابن إسحاق وفيه جهالة شيخه، وما ذكر

стр. 160

من أن ابن إسحاق قد صرح بالسماع في رواية الطبري لا يفيد لأن شيخ الطبري كما سبق كذّبه العلماء وهو -والله أعلم- المتّهم بتسوية السند، وكل ذلك قد مرّ قريبًا). تطويق منزل الرسول ﷺ - قوله: (أما أكابر مجرمي قريش فقضوا نهارهم في الإعداد لتنفيذ الخطة المرسومة التي أبرمها برلمان مكة (دار الندوة) صباحاً، واختير لذلك أحد عشر رئيساً من هؤلاء الأكابر، وهم: ١ - أبو جهل بن هشام. ٢ - الحكم بن أبي العاص. ٣ - عقبة بن أبي معيط. ٤ - النضر بن الحارث. ٥ - أمية بن خلف. ٦ - زمعة بن الأسود. ٧ - طعيمة بن عدي. ٨ - أبو لهب. ٩ - أبيّ بن خلف. ١٠ - نبيه بن الحجاج. ١١ - أخوه منبه بن الحجاج. قال ابن إسحاق: فلما كانت عتمة الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى نام، فيثبون عليه. وكانوا على ثقة ويقين جازم من نجاح هذه المؤامرة الدنية، حتى وقف أبو جهل وقفة الزهو والخيلاء، وقال مخاطباً لأصحابه المطوفين في

стр. 161

سخرية واستهزاء: إن محمداً يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم، ثم جعلت لكم نارا تحرقون فيها. وقد كان ميعاد تنفيذ تلك المؤامرة بعد منتصف الليل، فباتوا متيقظين ينتظرون ساعة الصفر، ولكن الله غالب على أمره، بيده ملكوت السماوات والأرض، يفعل ما يشاء، وهو يجير ولا يجار عليه، فقد فعل ما خاطب به الرسول ﷺ فيما بعد: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ، وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ) [الأنفال: ٣٠]. الرسول ﷺ يغادر بيته ومع غاية استعداد قريش لتنفيذ خطتهم فقد فشلوا فشلاً فاحشاً. ففي هذه الساعة الحرجة قال رسول الله ﷺ لعلي بن أبي طالب: «نم على فراشي، وتسج ببردي هذا الحضرمي الأخضر، فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم» وكان رسول الله ﷺ ينام في برده ذلك إذا نام. ثم خرج رسول الله ﷺ ، واخترق صفوفهم، وأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذره على رؤوسهم، وقد آخذ الله أبصارهم عنه فلا يرونه، وهو يتلو: (وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) [يس: ٩] فلم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه تراباً، ومضى إلى بيت أبي بكر، فخرجا من خوخة في دار أبي بكر ليلا حتى لحقا بغار ثور في اتجاه اليمن. وبقي المحاصرون ينتظرون حلول ساعة الصفر، وقبيل حلولها تجلت لهم الخيبة والفشل، فقد جاءهم رجل ممن لم يكن معهم، ورآهم ببابه فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: محمداً. قال: خبتم وخسرتم، قد والله مر بكم، وذر على رؤوسكم التراب، وانطلق لحاجته، قالوا: والله ما أبصرناه، وقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم.

стр. 162

ولكنهم تطلعوا من صير الباب فرأوا علياً، فقالوا: والله إن هذا لمحمد نائماً، عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا. وقام عليّ عن الفراش، فسقط في أيديهم، وسألوه عن رسول الله ﷺ ، فقال: لا علم لي به). التعليق: مرسل روى ابن إسحاق تفاصيل حصار بيت الرسول ﷺ قبيل الهجرة على نحو ما ذكره المؤلف، فقال: فحدثني يزيد بن زياد عن محمَّد بن كعب القُرظي قال: فذكره. قال الدكتور العمري: (وقد بينت رواية ضعيفة - بسبب الإرسال - قصة اجتماع المشركين على باب الرسول ﷺ وذره التراب على رؤوسهم. (١) كما بيَّنَ ابن عباس حصار المشركين لبيته ابتغاء قتله، ومبيت علي على فراشه، ولحاقه ﷺ بالغار، ولما علم المشركون ذلك في الصباح اقتصوا أثره إلى الغار فرأوا على بابه نسيج العنكبوت فتركوه. ولكن هذه الرواية لا تصح للاحتجاج بها وهي "أجود ما روي في قصة نسيج العنكبوت على فم الغار" … وقال أيضاً: وعلى أية حال فإن ائتمار المشركين لقتله ثابت بنص الآية فلا يبعد أن يحاصروا بيته). (٢) روى الإمام أحمد في مسنده حديث (٣٢٥١) قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عُثْمَانُ الْجَزَرِيُّ، أَنَّ مِقْسَمًا، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي قَوْلِهِ ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠]، قَالَ: " تَشَاوَرَتْ قُرَيْشٌ لَيْلَةً بِمَكَّةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا أَصْبَحَ، فَأَثْبِتُوهُ بِالْوَثَاقِ، يُرِيدُونَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلِ اقْتُلُوهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ أَخْرِجُوهُ، فَأَطْلَعَ اللهُ نَبِيَّهُ عَلَى ذَلِكَ، فَبَاتَ عَلِيٌّ عَلَى فِرَاشِ النَّبِيِّ ﷺ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى

стр. 163

لَحِقَ بِالْغَارِ، وَبَاتَ الْمُشْرِكُونَ يَحْرُسُونَ عَلِيًّا، يَحْسَبُونَهُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا ثَارُوا إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَوْا عَلِيًّا، رَدَّ اللهُ مَكْرَهُمْ، فَقَالُوا: أَيْنَ صَاحِبُكَ هَذَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، فَاقْتَصُّوا أَثَرَهُ، فَلَمَّا بَلَغُوا الْجَبَلَ خُلِّطَ عَلَيْهِمْ، فَصَعِدُوا فِي الْجَبَلِ، فَمَرُّوا بِالْغَارِ، فَرَأَوْا عَلَى بَابِهِ نَسْجَ الْعَنْكَبُوتِ، فَقَالُوا: لَوْ دَخَلَ هَاهُنَا، لَمْ يَكُنْ نَسْجُ الْعَنْكَبُوتِ عَلَى بَابِهِ، فَمَكَثَ فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ " وقال أحمد شاكر: (في إسناده نظر، من أجل عثمان الجزري). وضعفها محققو المسند طبعة الرسالة (٥/ ٣٠١) وقالوا: (إسناده ضعيف). وقال الحافظ ابن كثير (١): (وَهَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ، وَهُوَ مِنْ أَجْوَدِ مَا رُوِيَ فِي قِصَّةِ نَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ عَلَى فَمِ الْغَارِ، وَذَلِكَ مِنْ حِمَايَةِ اللَّهِ رَسُولَهُ ﷺ ). وتعقبه العلامة الألباني في الضعيفة (٣/ ٢٦٢) حديث (١١٢٩) فقال: (كذا قال، وليس بحسن في نقدي، لأن عثمان الجزري إن كان هو عثمان بن عمرو بن ساج الجزري فقد قال ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٣/ ١/ ١٦٢) عن أبيه: " لا يحتج به ". وأورده الذهبي في " الضعفاء " وقال: " تكلم فيه ". وإن كان هو عثمان بن ساج الجزري ليس بينهما عمرو، فقد جنح الحافظ في " التهذيب " إلى أنه غير الأول، ولا يعرف حاله، ولم يفرق بينهما في " التقريب "، وقال: " فيه ضعف ". وابن عمرو لم يوثقه أحد غير ابن حبان، ومن المعروف تساهله في التوثيق، ولذلك فهو ضعيف لا يحتج به كما قال أبو حاتم. وقال الهيثمي في " المجمع " (٧/ ٢٧): " رواه أحمد والطبراني، وفيه عثمان بن عمرو الجزري، وثقه ابن حبان وضعفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح ".

стр. 164

ولذلك قال المحقق أحمد شاكر في تعليقه على " المسند ": " في إسناده نظر ". ثم إن الآية المتقدمة (وأيده بجنود لم تروها) (التوبة: ٤٠) فيها ما يؤكد ضعف الحديث، لأنها صريحة بأن النصر والتأييد إنما كان بجنود لا ترى، والحديث يثبت أن نصره ﷺ كان بالعنكبوت، وهو مما يرى، فتأمل. والأشبه بالآية أن الجنود فيها إنما هم الملائكة، وليس العنكبوت ولا الحمامتين، ولذلك قال البغوي في " تفسيره " (٤/ ١٧٤) للآية: " وهم الملائكة نزلوا يصرفون وجوه الكفار وأبصارهم عن رؤيته "). قال الشيخ محمد بن عبدالله العوشن (١): (ولهذا لم يعرِّج أكثر أئمة التفسير إلى ذكر هذه الأحاديث عند تفسيرهم للآيات السابقة من سورة يّس، مع عنايتهم بذكر سبب النزول، كالطبري، والقرطبي، وابن الجوزي، والزمخشري، وأوردها ابن كثير نقلًا عن ابن إسحاق، بل ذكر أكثرهم سببًا آخر للنزول لم يثبت هو الآخر. واعلم أن في قصة الهجرة تساؤلات كثيرة، ففي صحيح البخاري في حديث الهجرة عن عائشة ﵂: "أن رسول الله ﷺ جاء إلى بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، وهي ساعة لم يكن يأتيه فيها، وأخبره بأنه قد أُذن له في الخروج، قالت: فجهزناهما أحثَّ الجهاز وصنعنا لهما سفرة في جراب … ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغارٍ في جبل ثور، فكمنا فيه ثلاث ليال " (٢). فمتى حاصر المشركون بيته؟ -على القول بصحة القصة- هل كان قبل ذهابه إلى بيت أبى بكر؟ فأين قضى- ﷺ هذا الوقت الذي استغرق ليلة ونصف نهار قبل أن يذهب إلى بيت صاحبه الصديق ﵁؟ أو كان بعد عودته من بيت أبي بكر وإخباره له بالهجرة؟ وهذا لا يستقيم مع رواية البخاري، فإن ظاهرها أن التوجه إلى الغار كان من بيت أبي بكر … ).

стр. 165

فائدة (١): أخرج البيهقي في سننه (٦/ ٢٨٩) من طريق ابن إسحاق: "وأقام علي بن أبي طالب ﵁ ثلاث ليالٍ وأيامها- يعني: بعد هجرة رسول الله ﷺ وصاحبه- حتى أدى عن رسول الله ﷺ الودائع التي كانت عنده للناس، حتى إذا فرغ منها لحق رسولَ الله ﷺ ". قال ابن حجر: رواه ابن إسحاق بسند قوي (التلخيص ٣/ ١١٢)، وحسنه الألباني في (إرواء الغليل ٥/ ٣٨٤ رقم ١٥٤٦). فائدة: قصة العنكبوت والحمامتين عند الغار قد حكم عليها بالضعف كل من: - العلامة أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (حديث ٣٢٥١) قال: (في إسناده نظر، من أجل عثمان الجزري). - العلامة الألباني في الضعيفة تحت الأحاديث رقم: (١١٢٨، ١١٢٩، ٦٣٣٤). - العلامة ابن عثيمين في شرح رياض الصالحين (٢/ ٥٢٥). - الدكتور أكرم العمري في " السيرة النبوية الصحيحة " (١/ ٢٠٨). - الشيخ علي حشيش في تحذير الداعية ص (٧٠ - ٧٧). إذ هما في الغار قوله: (ولما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: والله لا تدخله حتى أدخل قبلك، فإن كان فيه شيء أصابني دونك، فدخل فكسحه، ووجد في جانبه ثقبًا فشق إزاره وسدها به، وبقي منها اثنان فألقمهما رجليه، ثم قال لرسول الله ﷺ : ادخل، فدخل رسول الله ﷺ ، ووضع رأسه في

стр. 166

حجره ونام، فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر، ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله ﷺ ، فسقطت دموعه على وجه رسول الله ﷺ ، فقال: (ما لك يا أبا بكر؟) قال: لدغت، فداك أبي وأمي، فتفل رسول الله ﷺ ، فذهب ما يجده). التعليق: موضوع. قال الشيخ علي بن إبراهيم حشيش-حفظه الله- (١): (وقد أورد هذه القصة التبريزى فى (مشكاة المصابيح) (٣/ ١٧٠٠) ح (٦٠٣٤) مناقب أبى بكر ح (١٦) تحقيق الشيخ الألبانى ﵀. قلت: بالنظر إلى حاشية الكتاب لم نجد لهذه القصة تخريجاً ولا تحقيقاً. المسالة الثانية: تخريج القصة. الحديث أورده البيهقي في (دلائل النبوة) (٢/ ٤٧٦، ٤٧٧) قال: " أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران العدل ببغداد، قال: حدثنا أحمد بن سلمان النجار الفقيه إملاء قال: قرئ على يحيى بن جعفر وأنا أسمع، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم الراسبي، قال: حدثني فرات بن السائب، عن ميمون بن مهران، عن ضبة بن محصن العنزي، عن عمر بن الخطاب-﵁ فذكر القصة. المسألة الثالثة: تحقيق القصة: القصة (موضوعة)، والموضوع هو الكذب المختلق المصنوع المنسوب إلى رسول الله ﷺ ، وأجمع العلماء على أنه لا تحل روايته لأحد علم حاله في أي معنى كان إلا مع بيان سبب وضعه (كذا في التدريب) (١/ ٢٧٤).

стр. 167

وآفات القصة: (١) عبد الرحمن بن إبراهيم الراسبي. أورده الإمام الذهبي في " الميزان " (٢/ ٥٤٥) ترجمة (٤٨٠٤) ثم قال: (عبد الرحمن بن إبراهيم الراسبي عن مالك أتى بخبر باطل طويل، وهو المتهم به، وأتى عن فرات بن السائب، عن ميمون بن مهران، عن ضبة بن محصن، عن أبي موسى بقصة الغار - و هو يشبه وضع الطرقية). قلت: وأقر الحافظ ابن حجر في (لسان الميزان) (٣/ ٤٩١) ترجمة (٦٠٢/ ٤٩٥٣) قول الإمام الحافظ الذهبي في قصة الغار بأنه شبه وضع الطرقية. (٢) فرات بن السائب أورده الإمام الذهبي في (الميزان) (٣/ ٣٤١) ترجمة (٦٦٨٩) ثم قال: (فرات بن السائب عن ميمون بن مهران). قال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال الدارقطنى وغيره: متروك. وقال أحمد بن حنبل: قريب من محمد بن زياد الطحان في ميمون يتهم بما يتهم به ذلك)، قلت: وأقر الحافظ ابن حجر في (لسان الميزان) (٤/ ٥٠٣، ٥٠٤) ترجمة (١١/ ٦٥٢٢) قول الإمام الذهبي ثم قال: (وقال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث، منكر الحديث. وقال الساجي: تركوه. وقال النسائي: متروك الحديث). قلت: وقول النسائي في فرات: (متروك الحديث) أورده في (الضعفاء والمتروكين) ترجمة (٤٨٨) وحسبك قول الحافظ ابن حجر في (شرح النخبة) ص (٦٩): (كان مذهب النسائي أن لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على تركه)

стр. 168

قلت: وما نقله الذهبي عن البخاري في فرات أنه منكر الحديث وإقرار الحافظ ابن حجر له في " اللسان " حققناه فوجدناه في التاريخ الكبير " (٧/ ١٣٠) حيث قال البخاري: "فرات بن السائب أبو سليمان عن ميمون بن مهران تركوه منكر الحديث". قلت: وهذا التحقيق يحسبه القارئ الكريم أنه هين، ولكنه عند علماء هذا الفن العظيم، خاصة في علم الحديث التطبيقي في مثل هذه المسائل. حيث يظهر هذا من تنبيهات السيوطي في " التدريب " (١/ ٣٤٩) حيث قال: " البخاري يطلق منكر الحديث على من لا تحل الرواية عنه ". قلت: وزيادة للفائدة لطالب هذا الفن نبين ما نقله الذهبي عن ابن معين في فرات أنه " ليس بشيء ". قال ابن أبى حاتم فى كتابه " الجرح والتعديل " (٣/ ٣٢١) ترجمة (١٤٣٩): " عن يحيى بن معين أنه قال: لا شيء. يعني: ليس بثقة ". قلت: بهذا التحقيق في فرات يتضح ما أورده الإمام ابن حبان فى" المجروحين " (٢/ ٢٠٧) حيث قال: " الفرات بن السائب الجزرى، يروي عن ميمون بن مهران، كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات، ويأتي بالمعضلات عن الثقات، لا يجوز الاحتجاج به، ولا الرواية عنه، ولا كتابة حديثه إلا على سبيل الاختبار ". قلت: وهذا التحقيق له فائدة عظيمة لطالب هذا الفن، وعندما يقارن بين قول ابن حبان الذي ذكرناه آنفاً في فرات بن السائب، وبين ما قاله الحافظ ابن حجر في: " التقريب " (١/ ٢٩٢) في ميمون بن مهران حيث قال: " ميمون بن مهران الجزرى، أبو أيوب - أصله كوفي، نزل الرقة، ثقة فقيه، ولي الجزيرة لعمر بن عبد العزيز ". ا. هـ

стр. 169

إذ هما في الغار قوله: (ولما لم يحصلوا من عليّ على جدوى جاءوا إلى بيت أبي بكر وقرعوا بابه، فخرجت إليهم أسماء بنت أبي بكر، فقالوا لها: أين أبوك؟ قالت: لا أدري والله أين أبي؟ فرفع أبو جهل يده ـ وكان فاحشًا خبيثًا ـ فلطم خدها لطمة طرح منها قرطها … وقال تحت عنوان في الطريق إلى المدينة: وأصبح صوت بمكة عاليًا يسمعونه ولا يرون القائل: جزى الله رب العرش خير جزائه … رفيقين حَلاَّ خيمتي أم مَعْبَدِ هما نزلا بالبِرِّ وارتحلا به … وأفلح من أمسى رفيق محمد فيا لقُصَي ما زَوَى الله عنكم … به من فعال لا يُحَاذى وسُؤْدُد لِيَهْنِ بني كعب مكان فَتاتِهم … ومقعدُها للمؤمنين بَمْرصَد سَلُوا أختكم عن شاتها وإنائها … فإنكم إن تسألوا الشاة تَشْهَد قالت أسماء: ما درينا أين توجه رسول الله ﷺ إذ أقبل رجل من الجن من أسفل مكة فأنشد هذه الأبيات، والناس يتبعونه ويسمعون صوته ولا يرونه حتى خرج من أعلاها. قالت: فلما سمعنا قوله عرفنا حيث توجه رسول الله ﷺ ، وأن وجهه إلى المدينة). التعليق: القصة ليست صحيحة. قال الشيخ علي بن إبراهيم حشيش-حفظه الله- (١): (القصة ليست صحيحة. رواها ابن إسحاق كما في "السيرة" (٢ - ١٠٩) لابن هشام. حيث أوردها في "سيرة النبي" (٢ - ١٠٩) (ح ٥١٣) فذكر أن ابن إسحاق قال: "فَحُدِّثْتُ عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: لما خرج رسول اللَّه ﷺ … " القصة.

стр. 170

قلت: فسند القصة منقطع، يشهد لذلك صيغة الرواية في قول ابن إسحاق: "فَحُدّثتُ" التي جاءت بصيغة المبني للمجهول، التي تدل على أن هناك سقطًا في الإسناد. ويشهد لانقطاع السند أيضًا قول الحافظ ابن حجر في "التقريب" (٢ - ١٤٤): "محمد بن إسحاق بن يسار، أبو بكر، المطلبي، مولاهم المدني، نزيل العراق، إمام المغازي صدوق يدلس". قلت: ورواية السند بصيغة المبني للمجهول فيها إسقاط في السند، وهذا أشد من تدليس الشيوخ، حيث يتسبب في تضييع المروي عنه، وتوعير طريق معرفته على السامع. قال الإمام الذهبي في "الميزان" (٣ - ٤٦٨ - ٧١٩٧): "محمد بن إسحاق بن يسار، أبو بكر، المخرمي، مولاهم المدني. ما له عندي ذنب إلا قد حشا في السيرة من الأشياء المنكرة المنقطعة والأشعار المكذوبة". قلت: وذكر الإمام المزي في "تهذيب الكمال" (١٦ - ٧٨ - ٥٦٤٤): أن يعقوب بن شيبة قال: سمعت محمد بن عبد الله بن نمير، وذكُر ابن إسحاق فقال: إذا حدث عمن سمع منه من المعروفين فهو حسن الحديث صدوق، وإنما أُتي من أنه يحدّث عن المجهولين أحاديث باطلة. قلت: وبهذا التحقيق تصبح هذه القصة باطلة؛ حيث يُحدّث فيها ابن إسحاق عن المجهولين. طريق آخر للقصة هذا الطريق ذُكر فيه الرجل من الجن الذي أقبل من أسفل مكة يتغنى بأبيات من شعر غناء العرب، ولم يُذكر فيه لطم أبي جهل لأسماء بنت أبي بكر. والقصة من هذا الطريق جاءت من حديث زيد بن أرقم، وأنس بن مالك، والمغيرة بن شعبة يتحدثون أن النبي ﷺ ليلة الغار أمر الله شجرة فنبتت في وجه النبي ﷺ فسترته، وأمر الله العنكبوت فنسجت على وجهه فسترته، وأمر الله حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار، وأقبل

стр. 171

فتيان قريش، من كل بطن رجل، بأسيافهم وعصيهم وهراواتهم حتى إذا كانوا من النبي ﷺ قدر أربعين ذراعًا، نظر أولهم فرأى الحمامتين فرجع فقال له أصحابه: ما لك لم تنظر في الغار؟ قال: رأيت حمامتين وحشيتين بفم الغار فعرفت أن ليس فيه أحد. قال: فسمع النبي ﷺ قوله، فعرف أن الله قد درأ عنه بهما، ...... قالوا: وكانت لأبي بكر منيحة غنم يرعاها عامر بن فهيرة، وكان يأتيهم بها ليلاً فيحتلبون، فإذا كان سَحَر سرح مع الناس، قالت عائشة: وجهزناهما أحب الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فأوكت به الجراب، وقطعت أخرى فصيرته عصامًا لفم القربة، فبذلك سميت ذات النطاقين، ومكث رسول اللَّه ﷺ ، وأبو بكر في الغار ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، واستأجر أبو بكر رجلاً من بني الديل هاديًا خريتًا يقال له: عبد الله بن أريقط، وهو على دين الكفر، ولكنهما أمناه فارتحلا ومعهما عامر بن فهيرة، فأخذ بهم ابن أريقط يرتجز، فما شعرت قريش أين وجّه رسول اللَّه ﷺ ، حتى سمعوا صوتًا من جني من أسفل مكة ولا يرى شخصه يقول: جزى الله رب الناس خير جزائه … رفيقين حلا خيمتي أم معبد هما نزلا بالبر ثم تروَّحا … فأفلح من أمسى رفيق محمد التخريج القصة من هذا الطريق وبهذا اللفظ، أخرجها ابن سعد في "الطبقات" (١ - ١١٠)، حيث قال: "أخبرنا مسلم بن إبراهيم، أخبرنا عون بن عمرو القيسي أخو رياح القيسي، أخبرنا أبو مصعب المكي قال: أدركت زيد بن أرقم، وأنس بن مالك، والمغيرة بن شعبة فسمعتهم يتحدثون أن النبي ﷺ … " فذكر القصة. (١)

стр. 172

التحقيق القصة من هذا الطريق ليست صحيحة، وسندها لا يصلح للمتابعات والشواهد، وفي السند علتان: الأولى: عون بن عمرو القيسي. أورده الذهبي في "الميزان" (٣ - ٣٠٦ - ٦٥٣٥) حيث قال: "عون بن عمرو، أخو رياح بن عمرو، بصري، قال ابن معين: لا شيء، وقال البخاري: عون بن عمرو القيسي جليس لمعتمر، منكر الحديث مجهول". قلت: ١ - من أشد صيغ الجرح عند البخاري قوله: "فلان منكر الحديث". يظهر ذلك من قول السيوطي في "التدريب" (١ - ٣٤٩): "البخاري يطلق (فيه نظر)، و (سكتوا عنه) فيمن تركوا حديثه، ويطلق (منكر الحديث) على من لا تحل الرواية عنه". ٢ - قول ابن معين: (لا شيء)، فسره الإمام ابن أبي حاتم في كتابه "الجرح والتعديل" (٣ - ٣٢١) حيث قال: "معنى قول ابن معين: "لا شيء": ليس بثقة". قلت: ولقد أورد الإمام الذهبي في "الميزان" (٣ - ٣٠٧) هذه القصة وبهذا الطريق وجعلها من مناكير عون بن عمرو، حيث قال: "مسلم بن إبراهيم، حدثنا عون بن عمرو، سمعت أبا مصعب المكي يقول: أدركت زيد بن أرقم وأنسًا والمغيرة بن شعبة وسمعتهم يتحدثون أن النبي ﷺ ليلة الغار قال: أمر الله شجرة نبتت في وجه النبي ﷺ فسترته، وأمر الله حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار … " الحديث. وأبو مصعب لا يعرف.

стр. 173

قلت: وهذه هي العلة الثانية. فمتن القصة يدور حول ثلاث جمل: الأولى: لطم أبي جهل لأسماء، وقد أثبتنا أن هذه الجملة "واهية" كما بيّنا في التحقيق آنفًا. الثانية: عدم دراية بنت أبي بكر بمكان رسول اللَّه- ﷺ ، وقد أثبتنا أن هذه الجملة غير صحيحة، ومنكرة، كما هو مبيّن في التحقيق، وسنبين البديل الصحيح دراية بنت أبي بكر بمكان الرسول ﷺ ، وقيامهم بالإمداد والتمويه والإخبار. الثالثة: إقبال رجل من الجن من أسفل مكة يتغنى بأبيات من الشعر من غناء العرب. وهذه الجملة أثبتنا أنها باطلة، وأن الطريق الآخر الذي جاءت فيه باطل، لا يصلح للمتابعات والشواهد، لما فيه من متروكين ومجهولين. قلت: وهناك روايات أخرى يذكر فيها هذا الشعر دون ذكر لجملة لطم أبي جهل لأسماء، ودون ذكر للرجل من الجن أقبل والناس يتبعونه، كما في الرواية التي أخرجها الطبراني في "الكبير" (٤ - ٤٨) (ح ٣٦٠٥). وهذه أيضًا رواية (غير صحيحة)، حيث أوردها الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٥ - ٥٨) وقال: "وفي إسناده جماعة لم أعرفهم"). انتهى كلامه. فائدة: قصة مرور النبي ﷺ وأبي بكر الصديق ﵁ بأم معبد في طريق الهجرة. - قال الحافظ ابن كثير (١): (وقصتها مشهورة مروية من طرق يشد بعضها بعضاً). - قال الحافظ ابن حجر (٢): (أخرجها الطبراني من حديث قيس بن النعمان بسند صحيح وسياق أتم).

стр. 174

- قال الألباني (١): (ضعيف وقد يرتقي إلى درجة الحسن بتعدد طرقه). - وحسنه الأرناؤوط في تخريجهما لزاد المعاد (٣/ ٥٧). - وقال الدكتور العمري (٢): (وكذا لا يخلو من طريق من طرقها من العلل القادحة، وهي بمجموع طرقها لا تصلح للاحتجاج بها في موضوعات المعجزات، ولكن حديثي التابعي الكبير عبد الرحمن بن أبي ليلى، والصحابي جابر بن عبد الله هما أمثل طرق قصة أم معبد يعتضدان إلى الحسن لغيره، لكنهما لا يقويان على مناهضة حديث قيس بن النعمان من طريق الطيالسي؛ فإنه حسن لذاته، بل يرى ابن حجر أنه صحيح). في الطريق إلى المدينة قوله: (٥ - وعن عبد الله بن بريدة أن النبي- ﷺ كان يتفاءل ولا يتطير، فركب بريدة في سبعين راكبًا من أهل بيته من بني سهم، فلقي النبي- ﷺ ، فقال له: (ممن أنت؟) قال: من أسلم، فقال لأبي بكر: سلمنا، ثم قال: (مِنْ بني مَنْ؟) قال: من بني سهم. قال: (خرج سهمك). قال في الهامش: أسد الغابة ١/ ٢٠٩. التعليق: ضعيف جداً قال الألباني ﵀ (٣): (ضعيف جداً. رواه ابن أبي خيثمة في "التاريخ" (ص ٢١ - مصورة الجامعة الإسلامية) (٤)، وابن عبدالبر في "التمهيد" (٢٤/ ٧٣)، وابن عدي في "الكامل" (ق ٢٨/ ٢)، والخطابي في

стр. 175

"غريب الحديث" (ق ٣٣/ ١ - ظاهرية و ١/ ١٨٠ - ١٨١ - جامعة أم القرى) عن الحسين بن حريث: حدثنا أوس بن عبد الله بن بريدة: حدثني الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه: فذكره … قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ أوس هذا متروك؛ كما قال الدارقطني. ونحوه قول البخاري: "فيه نظر". وله طريق أخرى، ولكنها واهية أيضاً؛ لأنها من رواية عبد العزيز بن عمران: حدثنا أفلح بن سعيد عن سليمان بن فروة، عن أبيه، عن بريدة الأسلمي به مختصراً؛ أخرجه البزار في "مسنده" (٢/ ٣٠١ - ٣٠٢ - كشف الأستار)، وقال: "لا نعلم رواه إلا بريدة، ولا نعلم له إلا هذا الطريق"! كذا قال! والطريق الأولى ترد عليه. وقد أعل هذه الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٥٥) بقوله: "وعبد العزيز بن عمران الزهري متروك". (تنبيه): كان الداعي إلى تخريج الحديث: أنني شرعت قريباً في أواسط شهر الله المحرم سنة (١٤٠٤ هـ) في اختصار كتاب ابن قيم الجوزية: "تحفة المودود في أحكام المولود"، فمر بي هذا الحديث، وقد عزاه في موضع لابن أبي خيثمة، وفي آخر لأبي عمر بن عبدالبر في "الاستذكار"؛ ساكتاً عليه فيهما، فتذكرت أن شيخه ابن تيمية كان قد ذكر طرفاً منه في كتابه "الكلم الطيب" الذي كنت حققته وخرجت أحاديثه، ثم طبعته سنة (١٣٨٥ هـ) في المكتب الإسلامي، ذكره مع أحاديث أخرى (ص ١٢٥ - ١٢٧) قائلاً: "هذه الأحاديث في (الصحاح) ". فعلقت عليه يومئذ بأنني لم أعثر عليه، وأبديت شكي في كونه في "الصحاح"! والآن تأكدت من خطأ عزوه إليها، وتبينت أن إسناد الحديث ضعيف جداً: والله تعالى هو الموفق الهادي. واعلم أن ابن أبي خيثمة: هو الحافظ أحمد بن زهير بن حرب النسائي البغدادي صاحب "التاريخ الكبير"، فالظاهر أن ابن القيم منه نقله، ومن طريقه: أخرجه ابن عبدالبر في "الاستذكار"؛ فقد رأيته أخرجه

стр. 176

في "الاستيعاب" أيضاً في ترجمة بريدة بن الحصيب ﵁ من رواية قاسم بن أصبغ قال: أخبرنا أحمد بن زهير: قال: أخبرنا حسين بن حريث، عن الحسين بن واقد به، وزاد في أوله: كان رسول الله ﷺ لا يتطير، ولكن يتفاءل، فركب بريدة في سبعين راكباً … وهكذا أورده ابن القيم أيضاً في "مفتاح دار السعادة" - من رواية "الاستذكار" -: "الحسين بن حريث عن الحسين بن واقد"؛ ليس بينهما (أوس بن عبد الله) المتروك! وكأنه سقط من بعض النساخ، بدليل أنه زاد فيه- أعني: "الاستذكار"- عقب الحديث: "قال أحمد بن زهير: قال لنا أبو عمار [قلت: هو الحسين بن حريث]: سمعت أوساً يحدث هذا الحديث بعد ذلك عن أخيه سهل بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن بريدة، فأعدت ثلاثاً: من حدثك؟ قال: سهل أخي". قلت: فهذا صريح في أن ابن حريث سمع الحديث أولاً من أوس يحدث به عن ابن واقد، ثم سمعه بعد منه عن أخيه سهل بن عبد الله، وهو متروك أيضاً. فهذا يدلنا على أمرين: الأول: أن مدار الحديث عند ابن عبدالبر في كتابيه على أوس. والآخر: أن أوساً كان يضطرب في إسناده: فمرة يرويه عن ابن واقد - وهو صدوق -، وأخرى عن أخيه سهل المتروك. ويؤيد الأول: أن السيوطي أورد الزيادة التي عند ابن عبدالبر في كتابه "الجامع الصغير" من رواية الحكيم، والبغوي عن بريدة. فقال المناوي في "شرحه" عليه: "ورواه عنه قاسم بن أصبغ، وسكت عليه عبدالحق مصححاً له.

стр. 177

قال ابن القطان: وما مثله يصحح؛ فإن فيه أوس بن عبد الله بن بريدة، منكر الحديث". وقد عرفت أن الحديث عند ابن عبد البر من طريق قاسم بن أصبغ؛ ففيه إذن أوس بن عبد الله؛ وهو متروك … ثم إن مما يؤكد ضعف هذا الحديث: أن أوس بن عبد الله قد خالفه في متنه قتادة - الإمام الثقة - فرواه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه مرفوعاً بلفظ آخر، تراه مخرجاً في الكتاب الآخر: "الصحيحة" (٧٦٢)، فليراجعه من شاء). (١) الدخول في المدينة قوله: (ثم سار النبي ﷺ بعد الجمعة حتى دخل المدينة - ومن ذلك اليوم سميت بلدة يثرب بمدينة الرسول ﷺ ، ويعبر عنها بالمدينة مختصرًا - وكان يومًا مشهودًا أغر، فقد ارتجت البيوت والسكك بأصوات الحمد والتسبيح، وتغنت بنات الأنصار بغاية الفرح والسرور: طلع البدر علينا … من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا … ما دعا لله داع أيها المبعوث فينا … جئت بالأمر المطاع) التعليق: ضعيف.

стр. 178

قال الألباني ﵀ (١): (ضعيف. رواه أبو الحسن الخلعي في " الفوائد " (٥٩/ ٢) وكذا البيهقي في " دلائل النبوة " (٢/ ٢٣٣ - ط) عن الفضل بن الحباب قال: سمعت عبد الله (٢) بن محمد بن عائشة يقول فذكره. وهذا إسناد ضعيف رجاله ثقات، لكنه معضل سقط من إسناده ثلاثة رواة أو أكثر، فإن ابن عائشة هذا من شيوخ أحمد وقد أرسله. وبذلك أعله الحافظ العراقي في " تخريج الإحياء " (٢/ ٢٤٤). ثم قال البيهقي كما في تاريخ ابن كثير (٥/ ٢٣): " وهذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينة من مكة لا أنه لما قدم المدينة من ثنيات الوداع عند مقدمه من تبوك ". وهذا الذي حكاه البيهقي عن العلماء جزم به ابن الجوزي في " تلبيس إبليس " (ص ٢٥١ تحقيق صاحبي الأستاذ خير الدين وانلي)، لكن رده المحقق ابن القيم فقال في " الزاد " (٣/ ١٣): وهو وهم ظاهر لأن " ثنيات الوداع " إنما هي ناحية الشام لا يراها القادم من مكة إلى المدينة ولا يمر بها إلا إذا توجه إلى الشام ". ومع هذا فلا يزال الناس يرون خلاف هذا التحقيق، على أن القصة برمتها غير ثابتة كما رأيت! (تنبيه): أورد الغزالي هذه القصة بزيادة: " بالدف والألحان " ولا أصل لها كما أشار لذلك الحافظ العراقي بقوله: " وليس فيه ذكر للدف والألحان ". وقد اغتر بهذه الزيادة بعضهم فأورد القصة بها، مستدلاً على جواز الأناشيد النبوية المعروفة اليوم! فيقال له: " أثبت العرش ثم انقش! " على أنه لو صحت القصة لما كان فيها حجة على ما ذهبوا إليه كما سبقت الإشارة لهذا عند الحديث (٥٧٩) فأغنى عن الإعادة).

стр. 179

قال الألباني ﵀ (١): (فلما قدم المدينة، جاءت الأنصار برجالها ونسائها، فقالوا: إلينا يا رسول الله! فقال: دعوا الناقة؛ فإنها مأمورة، فبركت على باب أبي أيوب، قال: فخرجت جوار من بني النجار يضربن بالدفوف وهن يقلن: نحن جوار من بني النجار … يا حبذا محمد من جار فخرج إليهم رسول الله ﷺ فقال: أتحبوني؟ فقالوا: إي والله يا رسول الله قال: وأنا والله أحبكم، وأنا والله أحبكم، وأنا والله أحبكم) منكر بهذا التمام. أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (٢/ ٥٠٨) من طريق أبي عبد الله الحاكم بسنده عن محمد بن سليمان بن إسماعيل بن أبي الورد قال: حدثنا إبراهيم بن صِرمة قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال: … فذكره. قلت: وهذا إسناد واهٍ، آفته إبراهيم بن صِرمة - وهو: الأنصاري -، قال ابن عدي في "الكامل" (١/ ٢٥٢ - ٢٥٣): "حدث عن يحيى بن سعيد الأنصاري بنسخ لا يحدّث بها غيره، ولا يتابعه على حديث منها". ثم قال: "وعامة أحاديثه، إما أن تكون مناكير المتن، أو تنقلب عليه الأسانيد، وبيّن على أحاديثه ضَعفُه". وفي "اللسان": "وقال ابن معين: كذاب خبيث" والرواي عنه محمد بن سليمان بن إسماعيل بن أبي الورد، لم أجد له ترجمة. وفي "الجرح والتعديل" (٣/ ٢٦٩) ما نصه: "محمد بن سليمان الأنصاري، روى عن … (كذا الأصل، يشير إلى أنه لا يُقرأ) سمعت أبي يقول: وهو مجهول". فيحتمل أن يكون هو هذا. والله أعلم. ولقصة الجواري، والضرب بالدف شاهد من حديث أنس، ولكن

стр. 180

ليس فيه أن ذلك كان عند قدومه ﷺ المدينة، بل في رواية أن ذلك كان في عرس، -وهو الراجح- كما تقدم بيانه في تخريج حديث أنس برقم (٣١٥٤)، من المجلد السابع من "الصحيحة"-. والله أعلم. وأما ما ذكره الغزالي في "الإحياء" (٢/ ٢٧٧) من إنشاد النساء على السطوح بالدف والألحان، عند قدوم النبي ﷺ : طلع البدر علينا من ثنيات الوداع * * * وجب الشكر علينا مادعا لله داع فهو مما لا أصل له، وإنما رواه البيهقي وغيره من طريق ابن عائشة، قال … فذكره مختصراً، دون ذكر السطوح والدف والألحان، ثم هو تضعيف معضل - كما تقدم بيانه في المجلد الثاني برقم (٥٩٨) -، وأزيد هنا فأقول: قال الحافظ في "الفتح" (٤/ ٢٦٢): "وهو سند معضل، ولعل ذلك كان في قدومه من غزوة تبوك". وإن مما يؤكد نكارة ذكر الدفوف في قصة استقباله ﷺ قول البراء بن عازب ﵁: ثم قدم النبي ﷺ المدينة، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ ، حتى جعل الإماء يقُلن: قدم رسول الله ﷺ . رواه البخاري (٣٩٢٥) وغيره، وهو مخرج في "تخريج فقه السيرة" (ص ١٦٩ - دار القلم). ومثله حديث أنس بن مالك ﵁ قال: إِنِّي لَأَسْعَى فِي الْغِلْمَانِ يَقُولُون: جَاءَ مُحَمَّدٌ فَأَسْعَى فَلَا أَرَى شَيْئًا ثُمَّ يَقُولُونَ: جَاءَ مُحَمَّدٌ فَأَسْعَى فَلَا أَرَى شَيْئًا قَالَ: حَتَّى جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ فَكُنَّا فِي بَعْضِ حِرَارِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ بَعَثَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لِيُؤْذِنَ بِهِمَا الْأَنْصَارَ فَاسْتَقْبَلَهُمَا زُهَاءَ خَمْسِ مئة مِنْ الْأَنْصَارِ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَيْهِمَا فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ: انْطَلِقَا آمِنَيْنِ مُطَاعَيْنِ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبُهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ فَخَرَجَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ حَتَّى إِنَّ الْعَوَاتِقَ لَفَوْقَ الْبُيُوتِ يَتَرَاءَيْنَهُ يَقُلْنَ:
следующие страницы →