أن أحدهم طبع منشوراً يرد فيه على صديقنا الفاضل الأستاذ علي الطنطاوي طلبه من الإذاعة أن تمتنع من إذاعة ما يسمونه بالأناشيد النبوية، لما فيها من وصف جمال النبي ﷺ بعبارات لا تليق بمقامه ﷺ ، بل فيها ما هو أفظع من ذلك من مثل الاستغاثة به ﷺ من دون الله ﵎، فكتب المشار إليه في نشرته ما نصه بالحرف (ص ٤): " وها هي (!) الصحابة الكرام ﵃ كانوا يستصحبون بعض نسائهم لخدمة أنفسهم في الغزوات والحروب، وكانوا يضمدون (!) الجرحى ويهيئون (!) لهم الطعام، وكانوا يوم ذي قار عند اشتداد وطيس الحرب بين الإسلام والفرس كانت النساء تهزج أهازيج وتبعث الحماس في النفوس بقولها: إن تقبلوا نعانق ونفرش النمارق. أو تدبروا نفارق فراق غير وامق. فانظر إلى هذا الجهل ما أبعد مداه!.
فقد جعل المعركة بين الإسلام والفرس، وإنما هي بين المشركين والفرس، ونسب النشيد المذكور لنساء المسلمين في تلك المعركة! وإنما هو لنساء المشركين في غزوة أحد! كن يحمسن المشركين على المسلمين كما هو مروي في كتب السيرة! فقد خلط بين حادثتين متباينتين، وركب منهما ما لا أصل له ألبتة بجهله، أو تجاهله ليتخذ من ذلك دليلاً على جواز الأناشيد المزعومة، ولا دليل في ذلك - لو ثبت - مطلقاً إذ أن الخلاف بين الطنطاوي ومخالفيه ليس هو مجرد مدح النبي ﷺ بل إنما هو فيما يقترن بمدحه مما لا يليق شرعاً- كما سبقت الإشارة إليه- وغير ذلك مما لا مجال الآن لبيانه، ولكن صدق من قال: " حبك الشيء يعمي ويصم " فهؤلاء أحبوا الأناشيد النبوية وقد يكون بعضهم مخلصاً في ذلك غير مغرض فأعماهم ذلك عما اقترن بها من المخالفات الشرعية).
الصابئية
قوله: (أما الصابئية - وهي ديانة تمتاز بعبادة الكواكب وبالاعتقاد في أنواء المنازل وتأثير النجوم وأنها هي المدبرة للكون - فقد دلت الحفريات
стр. 72
والتنقيبات في بلاد العراق وغيرها أنها كانت ديانة قوم إبراهيم الكلدانيين، وقد دان بها كثير من أهل الشام وأهل اليمن في غابر الزمان، وبعد تتابع الديانات الجديدة من اليهودية والنصرانية، تضعضع بنيان الصابئية وخمد نشاطها، ولكن لم يزل في الناس بقايا من أهل هذه الديانة مختلطين مع المجوس أو مجاورين لهم في عراق العرب وعلى شواطئ الخليج العربي.)
التعليق: حقيقة الصابئة
قال الحافظ ابن كثير-﵀ (١) - بعد أن ذكر الخلاف الوارد في حقيقة الصابئة-: ( … وأظهر الأقوال- والله أعلم- قول مجاهد ومتابعيه، ووهب بن منبه:
أنهم قوم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين، وإنما هم قوم باقون على فطرتهم ولا دين مقرر لهم يتبعونه ويقتفونه؛ ولهذا كان المشركون ينبزون من أسلم بالصابئي، أي: أنه قد خرج عن سائر أديان أهل الأرض إذ ذاك. وقال بعض العلماء: الصابئون الذين لم تبلغهم دعوة نبي، والله أعلم).
قال القرطبي-﵀ (٢) في تفسير سورة البقرة الآية (٦٢): (وَاخْتُلِفَ فِي الصَّابِئِينَ، فَقَالَ السُّدِّيُّ: هُمْ فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَالَهُ إِسْحَاقُ بن رَاهْوَيْهِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ إِسْحَاقُ: لَا بَأْسَ بِذَبَائِحِ الصَّابِئِينَ لِأَنَّهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا بَأْسَ بِذَبَائِحِهِمْ وَمُنَاكَحَةِ نِسَائِهِمْ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: هُمْ قَوْمٌ يُشْبِهُ دِينُهُمْ دِينَ النَّصَارَى، إِلَّا أَنَّ قِبْلَتَهُمْ نَحْوُ مَهَبِّ الْجَنُوبِ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ عَلَى دِينِ نُوحٍ ﵇. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَابْنُ أَبِي نَجِيحٍ: هُمْ قَوْمٌ تَرَكَّبَ دِينُهُمْ بَيْنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ،
стр. 73
لَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ. ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ. وَقَالَ الْحَسَنُ أَيْضًا وَقَتَادَةُ هُمْ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ وَيُصَلُّونَ إِلَى الْقِبْلَةِ وَيَقْرَءُونَ الزبور ويصلون الخمس، رآهم زياد بن أَبِي سُفْيَانَ فَأَرَادَ وَضْعَ الْجِزْيَةِ عَنْهُمْ حِينَ عَرَفَ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ. وَالَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ مَذْهَبِهِمْ- فِيمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا- أَنَّهُمْ مُوَحِّدُونَ مُعْتَقِدُونَ تَأْثِيرَ النُّجُومِ وَأَنَّهَا فَعَّالَةٌ، وَلِهَذَا أَفْتَى أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ الْقَادِرُ بِاللَّهِ بِكُفْرِهِمْ حِينَ سَأَلَهُ عَنْهُمْ).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (١): (الصابئة الحنفاء الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ويعملون صالحاً، فأولئك هم سعداء في الآخرة.
كما قال تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ (البقرة: ٦٢)
وأما الصابئة المشركون، الذين يعبدون الكواكب والأوثان، ونحوهم من الفلاسفة المشركين، فهؤلاء كفار كسائر المشركين).
قال ابن القيم (٢): (الصابئة أمة كبيرة فيهم السعيد والشقي وهي إحدى الأمم المنقسمة إلى مؤمن وكافر فإن الأمم قبل مبعث النبي ﷺ نوعان:
نوع كفار أشقياء كلهم ليس فيهم سعيد كعبدة الأوثان والمجوس،
ونوع منقسمون إلى سعيد وشقي وهم اليهود والنصارى والصابئة. وقد ذكر الله سبحانه النوعين في كتابه فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: ٦٢) وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
стр. 74
آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (المائدة: ٦٩).
وقال في سورة الحج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (الحج: ١٧) فلم يقل ها هنا: من آمن منهم بالله واليوم الآخر لأنه ذكر معهم المجوس والذين أشركوا فذكر ست أمم منهم: اثنتان شقيتان، وأربع منهم منقسمة: إلى شقي وسعيد، وحيث وعد أهل الإيمان والعمل الصالح منهم بالأجر ذكرهم أربع أمم ليس إلا. ففي آية الفصل بين الأمم أدخل معهم الأمتين وفي آية الوعد بالجزاء لم يدخلها معهم فعلم أن الصابئين فيهم: المؤمن، والكافر، والشقي، والسعيد وهذه أمة قديمة قبل اليهود والنصارى وهم أنواع: صابئة حنفاء، وصابئة مشركون.
وكانت حران دار مملكة هؤلاء قبل المسيح، ولهم كتب وتآليف وعلوم، وكان في بغداد منهم طائفة كبيرة منهم: إبراهيم بن هلال الصابئ صاحب الرسائل وكان على دينهم ويصوم رمضان مع المسلمين وأكثرهم فلاسفة ولهم مقالات مشهورة ذكرها أصحاب المقالات .... )
وبهذا يتحصل عندنا أن الصابئة نوعان: صابئة موحدة من الحنفاء مدحهم الله في كتابه، وصابئة مشركون وهم الموجودون الآن.
وفي الموسوعة الميسرة (١): (أن طائفة الصابئة الوحيدة الباقية إلى اليوم، والتي تعتبر يحيى نبياً لها هي طائفة المندائية، ويقدسون الكواكب والنجوم.
ومن معالم دينهم الاتجاه نحو القطب الشمالي، وكذلك التعميد في المياه الجارية …
стр. 75
الجذور الفكرية والعقائدية:
- تأثر الصابئة بكثير من الديانات والمعتقدات التي احتكوا بها.
- أشهر فرق الصابئة قديماً أربعة هي: أصحاب الروحانيات، وأصحاب الهياكل، وأصحاب الأشخاص، والحلولية.
- لقد ورد ذكرهم في القرآن مقترناً باليهود والنصارى والمجوس والمشركين (انظر الآيات ٦٢/ البقرة - ٦٩/ المائدة، ١٧/ الحج)، ولهم أحكام خاصة بهم من حيث جواز أخذ الجزية منهم أو عدمها أسوة بالكتابيين من اليهود والنصارى.
- عرف منهم الصابئة الحرانيون الذين انقرضوا والذين تختلف معتقداتهم بعض الشيء عن الصابئة المندائيين الحاليين.
- لم يبق من الصابئة اليوم إلا صابئة البطائح المنتشرون على ضفاف الأنهر الكبيرة في جنوب العراق وإيران).
حفر بئر زمزم ووقعة الفيل
قوله: (وخلاصة الأول: أنه أمر في المنام بحفر زمزم ووصف له موضعها، فقام يحفر، فوجد فيه الأشياء التي دفنها الجراهمة حين لجأوا إلى الجلاء، أي: السيوف، والدروع، والغزالين من الذهب، فضرب الأسياف بابًا للكعبة، وضرب في الباب الغزالين صفائح من ذهب، وأقام سقاية زمزم للحجاج).
التعليق: قال الدكتور أكرم ضياء العمري (١):
(وأما الآثار التي زعم أنه عثر عليها في البئر: كالغزال الذهبي، والسيوف القلعية فلم تصح بها الرواية (٢)، لأنها من طريق عبدالأعلى بن
стр. 76
أبي المساور وهو متروك (تهذيب التهذيب (٣٣٢))، ورغم ذلك فإن تعدد مخارج الخبر: (ابن المسيب، والزهري) ينهض لدعم الحدث التاريخي ما دام لا يتعلق بالعقيدة، أو الشريعة).
عبدالله والد رسول الله ﷺ -
قوله: (وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (أنا ابن الذبيحين) يعني إسماعيل، وأباه عبدالله).
التعليق: هذا الحديث لا أصل له بهذا اللفظ.
قال الألباني- ﵀ (١): (لا أصل له بهذا اللفظ. وفي (الكشف) (١/ ١٩٩): قال الزيلعي وابن حجر في (تخريج الكشاف): لم نجده بهذا اللفظ. قلت: الحديث في التخريج (٤/ ١٤١) ونص ابن حجر فيه. قلت: بيض له - يعني الزيلعي - وقد أخرجه.
قلت: كذا قال، والظاهر أنه ترك بياضاً في الأصل بعد قوله: أخرجه، لإملائه فيما بعد فلم يتمكن، وكأنه كان يظن أن له أصلاً فلم يجده، والله أعلم.
وقد وجدت الحاكم قد علق هذا الحديث مجزوماً بنسبته إلى النبي ﷺ فقال في (المستدرك) (٢/ ٥٥٩) بعد أن روى أثرين عن ابن عباس وابن مسعود أن الذبيح هو إسحاق: وقد كنت أرى مشايخ الحديث قبلنا وفي
стр. 77
سائر المدن التي طلبنا الحديث فيه وهم لا يختلفون أن الذبيح إسماعيل، وقاعدتهم فيه قول النبي ﷺ : (أنا ابن الذبيحين) إذ لا خلاف أنه من ولد إسماعيل وأن الذبيح الآخر أبوه الأدنى عبد الله بن عبد المطلب، والآن فإني أجد مصنفي هذه الأدلة يختارون قول من قال: إنه إسحاق.
قلت: فلعل الحاكم يشير بالحديث المذكور إلى ما أخرجه قبل صفحات (٢/ ٥٥١) من طريق عبد الله بن محمد العتبي، حدثنا عبد الله بن سعيد (عن) الصنابحي قال:
حضرنا مجلس معاوية بن أبي سفيان فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق ابني إبراهيم، فقال بعضهم: الذبيح إسماعيل، وقال بعضهم: بل إسحاق الذبيح، فقال معاوية:
سقطتم على الخبير، كنا عند رسول الله ﷺ فأتاه الأعرابي فقال: يا رسول الله! خلفت البلاد يابسة، والماء يابساً، هلك المال وضاع العيال، فعد علي بما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين، فتبسم رسول الله ﷺ ولم ينكر عليه، فقلنا: يا أمير المؤمنين وما الذبيحان؟ قال: إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم نذر لله إن سهل الله أمرها أن ينحر بعض ولده، فأخرجهم فأسهم بينهم فخرج السهم
لعبد الله، فأراد ذبحه، فمنعه أخواله من بني مخزوم وقالوا: أرض ربك وافد ابنك، قال: ففداه بمئة ناقة، قال: فهو الذبيح، وإسماعيل الثاني.
وسكت عليه الحاكم، لكن تعقبه الذهبي بقوله: قلت: إسناده واه.
وقال الحافظ ابن كثير في (تفسيره) (٤/ ١٨) بعد أن ذكره من هذا الوجه من رواية ابن جرير: وهذا حديث غريب جدا. (١)
وأما ما في (الكشف) نقلاً عن (شرح الزرقاني) على (المواهب): والحديث حسن بل صححه الحاكم والذهبي لتقويه بتعدد طرقه،
стр. 78
فوهم فاحش، فإنما قال الزرقاني: هذا في حديث (الذبيح إسحاق) وفيه مع ذلك نظر كما سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى-.
ثم إن صاحب (الكشف) عقب على ما سبق بقوله: وأقول: فحينئذ لا ينافيه ما نقله الحلبي في سيرته عن السيوطي أن هذا الحديث غريب، وفي إسناده من لا يعرف.
قلت: وقد عرفت أن الطرق المشار إليها في كلام الزرقاني ليست لهذا الحديث، فقد اتفق قول الذهبي والسيوطي على تضعيفه). (١)
المولد
قوله: (ولما ولدته أمه أرسلت إلى جده عبد المطلب تبشره بحفيده، فجاء مستبشرًا ودخل به الكعبة، ودعا الله وشكر له. واختار له اسم محمد - وهذا الاسم لم يكن معروفًا في العرب - وخَتَنَه يوم سابعه كما كان العرب يفعلون).
التعليق: ( … وخَتَنَه يوم سابعه كما كان العرب يفعلون).
قال الألباني-﵀ (٢): (من طريق يحيى بن أيوب العلاف قال: نا محمد بن أبي السري العسقلاني: نا الوليد بن مسلم، عن شعيب بن أبي حمزة، عن عطاء الخراساني، عن عكرمة، عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ:
أن عبدالمطلب ختن النبي ﷺ -يوم سابعه، وجعل له مأدبة، وسماه محمداً.
стр. 79
قال يحيى بن أيوب: ما وجدنا هذا الحديث عند أحد؛ إلا عند ابن أبي السري.
قلت: قال الحافظ في (التقريب): (صدوق عارف، له أوهام كثيرة).
وقال في (التهذيب): (أورد ابن عدي من مناكيره حديثه عن معتمر عن أبيه عن عطاء عن أبي هريرة مرفوعاً: من سئل عن علم … ).
وذكره الذهبي أيضاً في (الميزان) وقال هو والحافظ: (وقال ابن عدي: كثير الغلط).
وأقول: لقد سقطت ترجمة محمد بن أبي السري هذا وحديثه في العلم من النسخة المطبوعة من كتابه (الكامل)؛ فقد راجعت منه باب من اسمه (محمد)، وفهرسه في الأسماء والأحاديث؛ فلم أجد لذلك كله ذكراً. فلتراجع مخطوطاته.
ثم إن في إسناد الحديث علتين أخريين:
إحداهما: تدليس الوليد بن مسلم؛ فإنه كان يدلس تدليس التسوية.
والأخرى: عطاء الخراساني - وهو: ابن أبي مسلم - قال الحافظ:
(صدوق يهم كثيراً، ويرسل ويدلس)). ا. هـ
وقال ابن القيم ﵀ (١): (الفصل الثالث عشر: في ختان النبي ﷺ وقد اختلف فيه على أقوال:
أحدها: أنه ولد مختوناً.
والثاني: أن جبريل ختنه حين شق صدره.
الثالث: أن جده عبد المطلب ختنه على عادة العرب في ختان أولادهم.
стр. 80
ونحن نذكر قائلي هذه الأقوال وحججهم
فأما من قال: ولد مختوناً؛ فاحتجوا بأحاديث:
أحدها: ما رواه أبو عمر بن عبد البر فقال: وقد روي أن النبي ﷺ ولد مختوناً من حديث عبد الله بن عباس عن أبيه العباس بن عبد المطلب قال: ولد رسول الله- ﷺ مختوناً مسروراً -يعني مقطوع السرة- فأعجب ذلك جده عبد المطلب، وقال: ليكونن لابني هذا شأن عظيم.
ثم قال ابن عبد البر: ليس إسناد حديث العباس هذا بالقائم، قال: وقد روي موقوفاً على ابن عمر ولا يثبت أيضاً.
قلت: حديث ابن عمر رويناه من طريق أبي نعيم حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن خالد الخطيب، حدثنا محمد بن محمد بن سليمان، حدثنا عبد الرحمن بن أيوب الحمصي، حدثنا موسى بن أبي موسى المقدسي، حدثنا خالد بن سلمة، عن نافع، عن ابن عمر قال: ولد النبي مسروراً مختوناً. ولكن محمد بن سليمان هذا هو الباغندي وقد ضعفوه، وقال الدارقطني: كان كثير التدليس يحدث بما لم يسمع، وربما سرق الحديث.
ومنها: ما رواه الخطيب بإسناده من حديث سفيان بن محمد المصيصي حدثنا هشيم، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : (من كرامتي على الله أني ولدت مختوناً، ولم ير سوءتي أحد). (١)
قال الخطيب: لم يروه فيما يقال غير يونس عن هشيم، وتفرد به سفيان بن محمد المصيصي، وهو منكر الحديث.
قال الخطيب: أخبرني الأزهري قال: سئل الدارقطني عن سفيان بن
стр. 81
محمد المصيصي، وأخبرني أبو الطيب الطبري قال: قال لنا الدارقطني: شيخ لأهل المصيصة يقال له: سفيان بن محمد الفزاري كان ضعيفاً، سيء الحال. وقال صالح بن محمد الحافظ: سفيان بن محمد المصيصي لا شيء.
وقد رواه أبو القاسم بن عساكر من طريق الحسن بن عرفة حدثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن، عن أنس قال: قال رسول الله- ﷺ : (من كرامتي على ربي أني ولدت مختوناً لم ير أحد سوءتي). وفي إسناده إلى الحسن بن عرفة عدة مجاهيل.
قال أبو القاسم بن عساكر: وقد سرقه ابن الجارود وهو كذاب. فرواه عن الحسن بن عرفة.
ومما احتج به أرباب هذا القول: ما ذكره محمد بن علي الترمذي في معجزات النبي- ﷺ فقال: ومنها أن صفية بنت عبد المطلب قالت: أردت أن أعرف أذكر هو أم أنثى؟ فرأيته مختوناً. وهذا الحديث لا يثبت، وليس له إسناد يعرف به ....
وما حكاه عن صفية بقولها: (فرأيته مختوناً) يناقض الأحاديث الأخرى وهو قوله: (لم ير سوءتي أحد) فكل حديث في هذا الباب يناقض الآخر، ولا يثبت واحد منها، ولو ولد مختوناً فليس من خصائصه فإن كثيراً من الناس يولد غير محتاج إلى الختان.
قال: وذكر أبو الغنائم النسابة الزيدي أن أباه القاضي أبا محمد الحسن بن محمد بن الحسن الزيدي ولد غير محتاج إلى الختان، قال: ولهذا لقب بالمطهر. قال: وقال فيما قرأته بخطه: خلق أبو محمد الحسن مطهراً لم يختن، وتوفي كما خلق ....
قال: وقد ورد في حديث رواه سيف بن محمد ابن أخت سفيان الثوري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي- ﷺ قال: (ابن صياد ولد مسروراً مختوناً). وسيف مطعون في حديثه …
стр. 82
وقيل: إن الختان من الكلمات التي ابتلى الله بها خليله فأتمهن وأكملهن، وأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، وقد عد النبي- ﷺ الختان من الفطرة، ومن المعلوم أن الابتلاء به مع الصبر مما يضاعف ثواب المبتلى به وأجره، والأليق بحال النبي ﷺ أن لا يسلب هذه الفضيلة، وأن يكرمه الله بها كما أكرم خليله؛ فإن خصائصه أعظم من خصائص غيره من النبيين وأعلى.
وختن الملك إياه -كما رويناه- أجدر من أن يكون من خصائصه، وأولى هذا كله كلام ابن العديم، ويريد بختن الملك ما رواه من طريق الخطيب عن أبي بكرة (أن جبريل ختن النبي حين طهر قلبه) وهو - مع كونه موقوفاً على أبي بكرة- لا يصح إسناده؛ فإن الخطيب قال فيه: أنبأنا أبو القاسم عبد الواحد بن عثمان بن محمد البجلي، أنبأنا جعفر بن محمد بن نصير، حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان، حدثنا عبد الرحمن بن عيينة البصري، حدثنا علي بن محمد المدائني، حدثنا مسلمة بن محارب بن سليم بن زياد، عن أبيه، عن أبي بكرة وليس هذا الإسناد مما يحتج به.
وحديث شق الملك قلبه قد روي من وجوه متعددة مرفوعاً إلى النبي- ﷺ ، وليس في شيء منها (أن جبريل ختنه) إلا في هذا الحديث فهو شاذ غريب.
قال ابن العديم: وقد جاء في بعض الروايات أن جده عبد المطلب ختنه في اليوم السابع.
قال: وهو على ما فيه أشبه بالصواب وأقرب إلى الواقع.
ثم ساق من طريق ابن عبد البر حدثنا أبو عمرو أحمد بن محمد بن أحمد- قراءة مني عليه- أن محمد بن عيسى حدثه قال: حدثنا يحيى بن أيوب بن زياد العلاف، حدثنا محمد بن أبي السري العسقلاني، حدثنا الوليد بن مسلم، عن شعيب بن أبي حمزة، عن عطاء الخراساني، عن عكرمة، عن ابن عباس (أن عبد المطلب ختن النبي يوم سابعه وجعل له
стр. 83
مأدبة وسماه محمداً). قال يحيى بن أيوب: ما وجدنا هذا الحديث عند أحد إلا عند ابن أبي السري، وهو محمد بن المتوكل بن أبي السري، والله أعلم).
وقال ابن القيم أيضاً (١): (وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَاضِلَيْنِ صَنَّفَ أَحَدُهُمَا مُصَنَّفًا فِي أَنَّهُ وُلِدَ مَخْتُونًا، وَأَجْلَبَ فِيهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَا خِطَامَ لَهَا وَلَا زِمَامَ، وَهُوَ كمال الدين بن طلحة، فَنَقَضَهُ عَلَيْهِ كمال الدين بن العديم، وَبَيَّنَ فِيهِ أَنَّهُ ﷺ خُتِنَ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبُ، وَكَانَ عُمُومُ هَذِهِ السُّنَّةِ لِلْعَرَبِ قَاطِبَةً مُغْنِيًا عَنْ نَقْلٍ مُعَيَّنٍ فِيهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.)
وقال الألباني ﵀ (٢): (وهذا الذي ذهب إليه الكمال بن العديم ﵀ هو الذي تطمئن إليه النفس، وينشرح له الصدر، وهو الذي يبدو أنه مال إليه ابن عبدالبر؛ فإنه قال عقب الحديث المشار إليه: (وفي حديث ابن عباس عن أبي سفيان في قصته مع هرقل - وهو حديث ثابت من جهة الإسناد - دليل على أن العرب كانت تختتن، وأظن ذلك من جهة مجاورتهم في الحجاز اليهود).
قلت: وحديث أبي سفيان في أول (صحيح البخاري) رقم (٧ - فتح)، وفيه أن هرقل سأل أبا سفيان عن العرب؟ فقال: (هم يختتنون)). (٣)
стр. 84
في بني سعد
قوله: (قال ابن إسحاق: كانت حليمة تحدث: أنها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها صغير ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر، تلتمس الرضعاء. قالت: وذلك في سنة شهباء لم تبق لنا شيئًا، قالت: فخرجت على أتان لي قمراء، ومعنا شارف لنا، والله ما تَبِضّ بقطرة، وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذي معنا، من بكائه من الجوع، ما في ثديي ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغذيه، ولكن كنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتاني تلك، فلقد أذَمَّتْ بالركب حتى شق ذلك عليهم، ضعفًا وعجفًا، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله- ﷺ فتأباه، إذا قيل لها: إنه يتيم، وذلك أنا كنا نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول: يتيم! وما عسى أن تصنع أمه وجده، فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعًا غيري، فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله، إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعًا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه. قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة. قالت: فذهبت إليه وأخذته، وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره، قالت: فلما أخذته رجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي، وشرب معه أخوه حتى روي، ثم ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا هي حافل، فحلب منها ما شرب وشربت معه حتى انتهينا رياً وشبعاً، فبتنا بخير ليلة، قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة!، لقد أخذت نسمة مباركة، قالت: فقلت: والله إني لأرجو ذلك. قالت: ثم خرجنا وركبت أنا أتاني، وحملته عليها معي، فوالله لقطعت بالركب ما لا يقدر عليه شئ من حمرهم، حتى إن صواحبي ليقلن لي: يا ابنة أبي ذؤيب، ويحك! أرْبِعي علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن: بلى والله، إنها لهي هي، فيقلن: والله إن لها شأنًا، قالت: ثم قدمنا
стр. 85
منازلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضًا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح علي حين قدمنا به معنا شباعًا لبنًا، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم، اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعًا ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعًا لبنًا.
فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته، وكان يشب شبابًا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلامًا جفرًا. قالت: فقدمنا به على أمه ونحن أحرص على مكثه فينا؛ لما كنا نرى من بركته، فكلمنا أمه، وقلت لها: لو تركت ابني عندي حتى يغلظ، فإني أخشى عليه وباء مكة، قالت: فلم نزل بها حتى ردته معنا.
التعليق: القصة ضعيفة وهي مما يتساهل في ذكرها.
قال الألباني- ﵀ (١): (إن القصة لم تأت بإسناد تقوم به الحجة، وأشهر طرقها ما رواه محمد بن إسحاق عن جهم بن أبي جهم، عن عبد الله بن جعفر، عن حليمة بنت الحارث السعدية
أخرجه أبو يعلى (ق ١٢٨/ ١)، وعنه ابن حبان (٢٠٩٤ - موارد)، وأبو نعيم في (دلائل النبوة) (١/ ٤٧)، عن ابن إسحاق به، وأخرجه البيهقي في (دلائل النبوة) (١/ ١٠٨) عنه أيضاً إلا أنه قال: حدثنا جهم بن أبي الجهم - مولى لامرأة من بني تميم كانت عند الحارث بن حاطب، وكان يقال: مولى الحارث بن حاطب - قال: حدثنا من سمع عبد الله بن جعفر بن أبي طالب يقول: حدثت عن حليمة بنت الحارث
قلت: وهذا إسناد ضعيف فيه علتان:
الأولى: الاضطراب في إسناده -كما هو ظاهر- ففي الرواية الأولى عنعنة ابن إسحاق من جميع رواته، وفي الأخرى تصريحه بالتحديث مع تصريح الجهم بأنه لم
стр. 86
يسمعه من عبد الله بن جعفر، وتصريح هذا بأنه لم يسمعه من حليمة فعلى الرواية الأولى فيه انقطاع بين ابن إسحاق والجهم؛ لأن الأول مشهور بالتدليس، وعلى الرواية الأخرى الانقطاع في موضعين منه، ومنه تعلم وهم الحافظ في (الإصابة) حيث قال (٤/ ٢٦٦): (وصرح ابن حبان في (صحيحه) بالتحديث بين عبد الله وحليمة) فإنه لا أصل لهذا التحديث عند ابن حبان ولا عند غيره ممن ذكرنا، ويستبعد جداً أن يدرك عبد الله بن جعفر حليمة مرضعة الرسول- ﷺ -فإنه لما توفي النبي ﷺ كان عبد الله ابن عشر سنين وهي -وإن لم يذكروا لها وفاة- فمن المفروض عادة أنها توفيت قبل رسول الله- ﷺ والله أعلم.
وسواء كان الراجح الرواية الأولى أو الأخرى فالإسناد منقطع لا محالة.
والعلة الأخرى: أن مداره على جهم بن أبي الجهم، وهو مجهول الحال، قال الذهبي في (الميزان): (لا يعرف، له قصة حليمة السعدية).
وأما ابن حبان فذكره في (الثقات) (١/ ٣١) على قاعدته في توثيق المجهولين وللقصة عند أبي نعيم طريقان آخران مدارهما على الواقدي وهو كذاب:
أحدهما: عن شيخه موسى بن شيبة وهو لين الحديث كما قال الحافظ في (التقريب). والأخرى: عن عبد الصمد بن محمد السعدي، عن أبيه، عن جده قال: حدثني بعض من كان يرعى غنم حليمة … وهؤلاء مجهولون).
وقال الدكتور/ أكرم ضياء العمري (١): (وقد تساهل النقاد في تحسين الخبر على الرغم من العلل في سنده فقال الذهبي: (هذا حديث جيد الإسناد) (السيرة النبوية: ٨)، وقال ابن كثير: هذا الحديث قد روي من طرق أخر!!، وهو من الأحاديث المشهورة المتداولة بين أهل السيرة والمغازي (السيرة ١/ ٢٢٨) وكان ابن عبد البر قد ذكر شهرته أيضًا (الاستيعاب مع الإصابة) ١٢/ ٢٦١.
стр. 87
وقد وردت له شواهد واهية من حديث ابن عباس كما في (دلائل البيهقي ١/ ١٣٩ - ١٤٥) وابن عساكر: السيرة: ١/ ٣٨٤ - ٣٨٨ والمتهم به محمد بن زكريا الغلابي وفي المسند مجاهيل أيضًا.
ويعقوب بن جعفر غير مشهور في الرواية، والمحفوظ من حديث حليمة ما تقدم قبل من رواية عبد الله بن جعفر. وله شاهد من حديث أسلم العدوي (ابن سعد: الطبقات ١/ ١٥١ - ١٥٢) لكنه من طريق الواقدي وهو متروك.
وابن عساكر قال: (هذا حديث غريب جداً، وفيه ألفاظ ركيكة لا تشبه الصواب).
وقد تعقب الشيخ عبدالله بن محمد الدويش الشيخ الألباني -رحمهما الله- في تضعيف الخبر فقال (١): (في تضعيفه نظر؛ فإن رواته ثقات، وأما قوله: ابن إسحاق مدلس وقد عنعنه فهو بالنظر إلى رواية البيهقي وقد صرح بالتحديث كما رواه عمر بن شبه في أخبار المدينة.
وأما قوله: وجهم بن أبي الجهم مجهول فإنما اعتمد في ذلك على كلام الذهبي الذي نقله. وقد تعقبه الحافظ ابن حجر في لسان الميزان فقال بعد قول الذهبي: روى عن محمد بن إسحاق لا يعرف، له قصة حليمة السعدية. انتهى.
وقد روى عنه أيضًا عبد الله العمري والوليد بن عبد الله بن جميع ذكره ابن أبي حاتم فقال: مولى الحارث بن حاطب القرشي ولم يذكر فيه جرحًا وذكره ابن حبان في الثقات، وأفاد أنه روى أيضًا عن المسور بن مخرمة ﵁.
فائدة:
بالرغم من الخلاف الواقع في قصة حليمة السعدية -كما مر معنا-
стр. 88
فإن من أهل العلم: كالذهبي، وابن كثير، وابن حبان، وابن حجر، والدويش قبل الخبر، وعلى القول بضعفه من: ابن عساكر، والألباني، والعمري فإنه مما لا يتعلق به أحكام، أو شرائع وهذا مما يتساهل في روايته وذكره، وبخاصة أنه قد ثبت أن النبي ﷺ كان مسترضعاً في بني سعد بن بكر من أحاديث أخرى منها:
روى ابن إسحاق عن نفر من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ أنهم قالوا له: أَخبِرْنا عن نفسِك؟ قال: نعم، أنا دعوةُ أبي إبراهيمَ، وبُشرى عيسى ﵉ (١) ورأَتْ أمي حين حملتْ بي أنه خرج منها نورٌ أضاءت له قصورُ الشام، واستُرضِعْتُ في بني سعدِ بنِ بكرٍ، فبينا أنا في بَهمٍ أتاني رجلان: عليهما ثيابٌ بِيضٌ معهما طَستٌ من ذهبٍ مملوءٍ ثلجًا فأضجعاني فشقَّا بطني، ثم استخرجا قلبي فشقَّاه، فأخرَجا منه علقةً سوداءَ، فألقَياها ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلجِ حتى إذا أَلقياه ردَّاه كما كان، ثم قال أحدُهما لصاحبه: زِنْه بعشرةٍ من أمَّتِه فوزنَني بعشرةٍ فوزنتُهم، ثم قال: زِنْه بمائةٍ من أمَّتِه فوزنني بمائةٍ فوزنتُهم، ثم قال: زِنْه بألفٍ من أمتِه فوزنني بألفٍ فوزنتُهم، فقال: دَعْه عنك فلو وزنتَه بأمَّتِه لوزنَهم.
أورده الحافظ ابن كثير في " البداية " (٢/ ٢٧٥) فقال: وقال ابن إسحاق:
حدثنا ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله ﷺ
أنهم قالوا له: أخبرنا عن نفسك. قال: نعم أنا .. إلخ. ثم قال: " وهذا إسناد جيد قوي ".
وأخرجه البيهقي في الدلائل ج ١/ ١٤٦، والطبري ج ١/ ١٢٨، والحاكم في المستدرك ٢/ ٦٠٠ وقال: صحيح الإسناد. وصححه العلامة الألباني في الصحيحة حديث رقم (١٥٤٥)، وانظر الصحيحة حديث رقم (٣٧٣)، والضعيفة حديث رقم (٢٠٨٥).
стр. 89
قال الحافظ ابن كثير (١): (وَالْمَقْصُودُ أَنَّ بَرَكَتَهُ ﵊ حَلَّتْ عَلَى حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ وَأَهْلِهَا وَهُوَ صَغِيرٌ، ثُمَّ عَادَتْ عَلَى هَوَازِنَ بِكَمَالِهِمْ فَوَاضِلُهُ حِينَ أَسَرَهُمْ بَعْدَ وَقْعَتِهِمْ وَذَلِكَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ بِشَهْرٍ فَمَتُّوا إِلَيْهِ بِرَضَاعِهِ فَأَعْتَقَهُمْ، وَتَحَنَنَّ عَلَيْهِمْ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ).
وقد نقله عنه الألباني بتمامه في صحيح السيرة ص (١٩)، ط. المكتبة الإسلامية، عمان، الطبعة الأولى.
قال العمري (٢): (وأما خبر إرضاع حليمة السعدية له في ديار بني سعد، وما ظهر عليه من البركة فهو خبر مستفيض في كتب السيرة قديمها وحديثها، وأقدم من أورده من كتاب السيرة ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) وإذا كان خبر حليمة الطويل المشتهر حول رضاعة لم يحظَ بتصحيح المحدثين لعلل إسنادية، فإن رضاعه ﷺ في بني سعد من قبل حليمة السعدية ثابت من طرق أخرى). (٣)
إلى أمه الحنون
١ - قوله: (وخشيت عليه حليمة بعد هذه الوقعة حتى ردته إلى أمه، فكان عند أمه إلى أن بلغ ست سنين).
التعليق:
روى أحمد في مسنده، مسند الشاميين حديث (١٧١٩٦) من طريق بقية حدثني بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن ابن عمرو السلمي عن عتبة بن عبد السلمي أنه حدثهم: أن رجلا سأل رسول الله ﷺ كيف كان أول شأنك يا رسول الله؟ قال: كانت حاضنتي من بني سعد بن
стр. 90
بكر ..... -وذكر حادثة شق الصدر- وفرقت فرقا شديدا ثم انطلقت إلى أمي فأخبرتها بالذي لقيت، فأشفقت أن يكون قد التبس بي، فقالت: أعيذك بالله، فرحلت بعيرا لها فجعلتني على الرحل وركبت خلفي حتى بلغنا إلى أمي فقالت: أديت أمانتي وذمتي، وحدثتها بالذي لقيت فلم يرعها ذلك وقالت: إني رأيت خرج مني نور أضاءت منه قصور الشام)، ورواه الحاكم في المستدرك من طريق بقية بن الوليد: حدثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن ابن عمرو السلمي، عن عتبة فذكره بتمامه. وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. ورواه الدارمي في مسنده في المقدمة باب كيف كان أول شأن النبي ﷺ حديث رقم (١٣) وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم (٣٧٣)، وقال البوصيري: هذا حديث حسن، وبقية ثقة وإن كان مدلسا، ورواه من هذا الوجه بالعنعنة فقد صرح بالتحديث فى بعض طرقه.
وعلى القول بضعف الرواية وأنه لم تثبت هذه الأخبار برواية صحيحة لكنه مما يتساهل فيه عادة. (١)
٢ - قوله: (ورأت آمنة - وفاء لذكرى زوجها الراحل- أن تزور قبره بيثرب، فخرجت من مكة قاطعة رحلة تبلغ نحو خمسمائة كيلو متر ومعها ولدها اليتيم محمد- ﷺ وخادمتها أم أيمن، وقيمها عبد المطلب، فمكثت شهرًا ثم قفلت، وبينما هي راجعة إذ لحقها المرض في أوائل الطريق، ثم اشتد حتى ماتت بالأبْوَاء بين مكة والمدينة).
التعليق: (لم تثبت هذه الأخبار برواية صحيحة، ولكنها مما يتساهل فيه عادة). (٢)
стр. 91
إلى جده العطوف
١ - قوله: (قال ابن هشام: كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالًا له، فكان رسول الله ﷺ يأتي وهو غلام جفر حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني هذا، فوالله إن له لشأنًا، ثم يجلس معه على فراشه، ويمسح ظهره بيده، ويسره ما يراه يصنع).
التعليق: سنده منقطع.
(روى ابن إسحاق قال: حدثني العباس بن عبدالله بن معبد عن بعض أهله قال: فذكره … )
والعباس بن عبدالله بن معبد بن العباس بن عبدالمطلب ثقة من السادسة كما في التقريب، وهو يروي الخبر عن بعض أهله ولا يمكن أن يكون هؤلاء- فضلاً عن جهالتهم - من الصحابة، فالسند فيه انقطاع. ومن طريق ابن إسحاق ذكرها البيهقي في الدلائل (٢/ ٢١)، ورواه ابن سعد في الطبقات (١/ ١١٧) بنحوه عن شيخه الواقدي، وهو متروك. وقال الذهبي في السيرة من تاريخ الإسلام ص (٥٣):
(وقال عبدالله بن شبيب - وهو ضعيف- ثنا أحمد بن محمد الأزرقي سمعت ابن عباس يقول: سمعت أبي يقول: … وذكر القصة).
وابن شبيب قال عنه الذهبي: (إخباري علامة لكنه واه). لسان الميزان (٣/ ٢٩٩) وكذا في السيرة (٦٤). وذكرها ابن كثير (البداية والنهاية (٢/ ٢٨١) عن ابن إسحاق، وسكت عنها). (١)
стр. 92
٢ - قوله: (ولثماني سنوات وشهرين وعشرة أيام من عمره ﷺ توفي جده عبد المطلب بمكة، ورأى قبل وفاته أن يعهد بكفالة حفيده إلى عمه أبي طالب شقيق أبيه).
التعليق: إسناد ضعيف.
(رواه ابن إسحق بسند منقطع، والسيرة للذهبي بإسناد ضعيف جداً، طبقات ابن سعد (١/ ١١٧ - ١١٩)، والواقدي متروك). (١)
وقال محقق سيرة ابن هشام (١/ ٢٢٠) طبعة دار الصحابة. طنطا: (إسناد ضعيف).
حرب الفِجَار
قوله: (وسميت بحرب الفِجَار؛ لانتهاك حرمة الشهر الحرام فيها، وقد حضر هذه الحرب رسول الله ﷺ ، وكان ينبل على عمومته؛ أي يجهز لهم النبل للرمي).
التعليق: إسناد ضعيف.
(وابن إسحاق ذكر القصة بدون إسناد. وذكرها الذهبي عنه كما في السيرة من (تاريخ الإِسلام) وابن كثير كما في (البداية والنهاية).
ورواه ابن سعد عن الواقدي وفيه: "قال رسول الله ﷺ وذكر الفجار- فقال: قد حضرته مع عمومتي ورميت فيه بأسهم، وما أحبُّ أني لم أكن فعلت ". والواقدي متروك.
وسكت عنها الشيخ الألباني-﵀ في تعليقه على (فقه السيرة) للغزالي- ﵀ لكنه لم يدرجها في (صحيح السيرة النبوية). ولم يذكرها الشيخ محمَّد بن رزق الطرهوني -حفظه الله تعالى- في (صحيح السيرة)
стр. 93
فدلّ على عدم صحتها عندهما. وقال الدكتور أكرم العمري -حفظه الله تعالى-: (ولم يثبت أن رسول الله ﷺ شهدها). (١)
زواجه بخديجة
قوله: ( … وكانت سنها إذ ذاك أربعين سنة … ).
وقوله: تحت عنوان: البيت النبوي
(كان البيت النبوي في مكة قبل الهجرة يتألف منه ﵊، ومن زوجته خديجة بنت خويلد، تزوجها وهو في خمس وعشرين من سنه، وهي في الأربعين).
التعليق: الخلاف في عمر خديجة ﵂
قال الشيخ محمد بن عبدالله العوشن-حفظه الله- (٢):
(وقال البيهقي في الدلائل (٢/ ٧٠): (قال أبو عبدالله - الحاكم- قرأت بخط أبي بكر بن أبي خيثمة، قال: حدثنا مصعب بن عبدالله الزبيري قال: … ثم بلغت خديجة خمساً وستين سنة، ويقال: خمسين سنة. وهو أصح).
وقال الحافظ ابن كثير-﵀ (٣): ( … وهكذا نقل البيهقي عن الحاكم أنه كان عمر رسول الله ﷺ حين تزوج خديجة خمساً وعشرين سنة، وكان عمرها إذ ذاك خمساً وثلاثين، وقيل: خمساً وعشرين).
وقال -أيضاً - عند الحديث عن زوجاته ﷺ في البداية والنهاية (٥/ ٢٩٣): (وعن حكيم بن حزام قال: كان عمرها أربعين سنة. وعن ابن عباس: كان عمرها ثماني وعشرين سنة. رواهما ابن عساكر).
стр. 94
قال الدكتور أكرم العمري- حفظه الله- (١): (وقد أنجبت خديجة ﵂ من رسول الله ﷺ ذكرين وأربع إناث مما يرجح رواية ابن إسحاق (أي أنها في الثامنة والعشرين)، فالغالب أن المرأة تبلغ سن اليأس من الإنجاب قبل الخمسين).
السيرة الإجمالية قبل النبوة
قوله: (قال رسول الله ﷺ : (ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون غير مرتين، كل ذلك يحول الله بيني وبينه، ثم ما هممت به حتى أكرمني برسالته، قلت ليلة للغلام الذي يرعى معي الغنم بأعلى مكة: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمر بها كما يسمر الشباب، فقال: أفعل، فخرجت حتى إذا كنت عند أول دار بمكة سمعت عزفًا، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: عرس فلان بفلانة، فجلست أسمع، فضرب الله على أذني فنمت، فما أيقظني إلا حر الشمس. فعدت إلى صاحبي فسألني، فأخبرته، ثم قلت ليلة أخرى مثل ذلك، ودخلت بمكة فأصابني مثل أول ليلة … ثم ما هممت بسوء).
اختلفوا في صحة هذا الحديث فصححه الحاكم والذهبي وضعفه ابن كثير في البداية والنهاية ٢/ ٢٨٧.
التعليق: ضعيف.
قال الألباني ﵀ (٢): (حديث ضعيف، أخرجه الحاكم: ٤/ ٢٤٥، من طريق ابن إسحاق: حدثني محمد بن عبد الله بن مخرمة، عن الحسن بن محمد بن علي، عن جده علي بن أبي طالب ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول … فذكره، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
стр. 95
قلت: وهو وهم منهما معاً لأمرين:
الأول: أن ابن إسحاق إنما يروي له مسلم مقروناً بغيره، كما ذكر ذلك الذهبي نفسه في الميزان، والحاكم لم يروه عنه مقروناً بغيره كما ترى، فليس هو على شرط مسلم.
الثاني: أن محمد بن عبد الله بن قيس ليس مشهور العدالة، فلم يوثّقه غير ابن حبان. وتوثيقه عندما ينفرد به لا يوثق به، لأن من قاعدته أن يوثق المجهولين، كما أفاده المحققون كالحافظ ابن حجر في (اللسان)؛ ولهذا لما أورد الحافظ ابن قيس هذا في (التقريب) لم يوثقه، بل قال فيه: مقبول: يعني: أنه لين الحديث، حيث لا يتابع كما نص على هذا في مقدمة الكتاب. ثم هو ليس من رجال مسلم خلافاً لمن وهم. وقد ضعف هذا الحديث الحافظ ابن كثير (١)، بعد أن ساقه بالسند المذكور من رواية البيهقي، حيث قال: (وهذا حديث غريب جداً، وقد يكون عن علي نفسه (يعني: موقوفاً عليه)، ويكون قول: "حتى أكرمني الله بنبوته" مقحماً، والله أعلم.
وشيخ ابن إسحاق هذا ذكره ابن حبان في الثقات، وزعم بعضهم أنه من رجال الصحيح، قال شيخنا في تهذيبه: (ولم أقف على ذلك. والله أعلم).
ثم وجدت الحديث في تاريخ مكة، ص (٧)، للفاكهي؛ وتاريخ ابن جرير: (٢/ ٣٤) من الطريق المذكور. ورواه الطبراني في المعجم الصغير ص (١٩٠)، من حديث عمار بن ياسر، وفي سنده جماعة لم أعرفهم، وذكر نحو هذا الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: (٨/ ٢٢٦).
فترة الوحي
١ - قوله: (أقول: فهذا يفيد أن الوحي الذي نزل عليه ﷺ بعد الفترة إنما نزل في أول يوم من شهر شوال بعد نهاية شهر رمضان الذي
стр. 96
تشرف فيه بالنبوة والوحي؛ لأنه كان آخر مجاورة له بحراء، وإذا ثبت أن أول نزول الوحي كان في ليلة الاثنين الحادية عشرة من شهر رمضان فإن هذا يعنى أن فترة الوحي كانت لعشرة أيام فقط. وأن الوحي نزل بعدها صبيحة يوم الخميس لأول شوال من السنة الأولى من النبوة. ولعل هذا هو السر في تخصيص العشر الأواخر من رمضان بالمجاورة والاعتكاف، وفي تخصيص أول شهر شوال بالعيد السعيد، والله أعلم).
التعليق: من جهتين:
الأولى: خطأ في التاريخ.
لا يخفى الخطأ الموجود في كلام المؤلف، كيف ينزل القرآن في ليلة الاثنين الحادية عشرة من شهر رمضان ثم ينقطع لعشرة أيام، وينزل صبيحة يوم الخميس لأول شوال من السنة الأولى من النبوة؛ مما يدل أنه حصل خطأ في تاريخ نزول القرآن، و الصواب أنه في الحادي والعشرين من رمضان على حسب كلام المؤلف وحساباته.
فقد قال ﵀ في الهامش قبل ذلك تحت عنوان جبريل ينزل بالوحي:
(وإنما رجحنا أنه اليوم الحادي والعشرون مع أنا لم نر من قال به؛ لأن أهل السيرة -كلهم أو أكثرهم- متفقون على أن مبعثه ﷺ -كان يوم الاثنين، ويؤيدهم ما رواه أئمة الحديث عن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم يوم الاثنين، فقال: " فيه ولدت، فيه أنزل علي، وفي لفظ: ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت، أو أنزل عليّ فيه" (صحيح مسلم (١/ ٣٦٨)، أحمد (٥/ ٢٩٧، ٢٩٩)، البيهقي (٤/ ٢٨٦، ٣٠٠)، الحاكم (٢/ ٦٠٢) ويوم الاثنين في رمضان من تلك السنة لا يوافق إلا اليوم السابع، والرابع عشر، والحادي والعشرين، والثامن والعشرين، وقد دلت الروايات الصحيحة أن ليلة القدر لا تقع إلا في وتر من ليالي العشر الأواخر من رمضان وأنها تنتقل فيما بين هذه الليالي، فإذا قارنا بين قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) وبين رواية أبي قتادة أن مبعثه ﷺ كان
стр. 97
يوم الاثنين وبين حساب التقويم العلمي في وقوع يوم الاثنين في رمضان من تلك السنة تعين لنا أن مبعثه ﷺ -كان في اليوم الحادي والعشرين من رمضان ليلاً.)
ثم وجدت في كتاب روضة الأزهار في سيرة النبي المختار للمؤلف (١) أنه يقول: (وحيث إن ليلة القدر تقع في وتر من ليالي العشر الأواخر من رمضان، وقد ثبت علمياً أن يوم الاثنين في رمضان من تلك السنة إنما وقع في اليوم الحادي والعشرين من رمضان سنة إحدى وأربعين من مولده ﷺ ). وبهذا يتضح الخطأ الموجود في الرحيق المختوم (الاثنين الحادية عشرة من شهر رمضان)، وأن الصواب ما ذكره المؤلف في كتابه روضة الأزهار (الاثنين الحادي والعشرين من شهر رمضان)؛ فليصحح.
الثانية: قوله: ( … ولعل هذا هو السر في تخصيص العشر الأواخر من رمضان بالمجاورة والاعتكاف، وفي تخصيص أول شهر شوال بالعيد السعيد، والله أعلم).
أخطأ المؤلف في جعل نزول الوحي بعد فترته سبباً في تخصيص العشر الأواخر من رمضان بالمجاورة والاعتكاف، وفي تخصيص أول شهر شوال بالعيد السعيد؛ وإنما كان يعتكف ﷺ العشر الأواخر من رمضان تحرياً لليلة القدر كما في الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: " اعتكَف رسولُ اللهِ ﷺ عشرَ الأُوَلِ من رمضانَ، واعتكفْنا معَه، فأتاه جبريلُ فقال: إن الذي تطلُبُ أمامَك، فاعتكَف العشرَ الأوسَطَ فاعتكَفْنا معَه، فأتاه جبريلُ فقال: إن الذي تطلُبُ أمامَك، قام النبيُّ ﷺ طيبًا، صبيحةَ عِشرينَ من رمضانَ، فقال: مَن كان اعتكَف معَ النبيِّ ﷺ فليَرجِعْ، فإني أُريتُ ليلةَ القدْرِ وإني نُسِّيتُها وإنها في العشرِ الأواخِرِ، وفي وِترٍ، وإني رأيتُ كأني أسجدُ في طينٍ وماءٍ. وكان سقفُ المسجدِ جريدَ
стр. 98
النخلِ، وما نرى في السماءِ شيئًا، فجاءتْ قزَعةٌ فأُمطِرْنا، فصلَّى بنا النبيُّ ﷺ حتى رأيتُ أثرَ الطينِ والماءِ على جبهةِ رسولِ اللهِ ﷺ وأرنبتِه، تصديقَ رؤياه. (١)
وجعلَ الشرعُ أولَ شوال عيداً ليس بسبب عودة نزول الوحي على الرسول ﷺ بعد فترته كما ذكر المؤلف؛ وإنما بسبب إتمام نعمة الله على المسلمين بإكمال عدة شهر رمضان والفرح بالفطر منه كما صح في الحديث: " للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه ". (٢)
وعن عمر بن الخطاب-﵁-قال: نَهى عن صيامِ هذينِ اليومينِ، يومِ الفطرِ ويومِ الأضحى، أمَّا يومُ الفطرِ، فيومُ فطرِكم من صيامِكم، ويومُ الأضحى، تأْكلونَ فيهِ من لحمِ نسُككم. (٣)
وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَلِأَهْلِ الْمَدِينَةِ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ: " قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ وَلَكُمْ يَوْمَانِ تَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ يَوْمَيْنِ خَيْرًا مِنْهُمَا، يَوْمَ الْفِطْرِ، وَيَوْمَ النَّحْرِ ". (٤)
٢ - قوله: (وقد بقى رسول الله ﷺ في أيام الفترة كئيبًا محزونًا تعتريه الحيرة والدهشة، فقد روى البخاري في كتاب التعبير ما نصه:
وفتر الوحي فترة حزن النبي ﷺ فيما بلغنا- حزنًا عدا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوْفى بذِرْوَة جبل لكي يلقي
стр. 99
نفسه منه تَبدَّى له جبريل فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقًا، فيسكن لذلك جأشه، وتَقَرّ نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة الجبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك).
التعليق: لا تصح محاولة الرسول ﷺ التردي من رؤوس الجبال.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ (١):
(وقوله هنا: (فترة حتى حزن النبي ﷺ فيما بلغنا-) هذا وما بعده من زيادة معمر على رواية عقيل ويونس. وصنيع المؤلف يوهم أنه داخل في رواية عقيل، وقد جرى على ذلك الحميدي في جمعه فساق الحديث إلى قوله: "وفتر الوحي" ثم قال: انتهى حديث عقيل المفرد عن ابن شهاب إلى حيث ذكرنا، وزاد عنه البخاري في حديثه المقترن بمعمر عن الزهري فقال: (وفتر الوحي فترة حتى حزن) فساقه إلى آخره، والذي عندي أن هذه الزيادة خاصة برواية معمر، فقد أخرج طريق عقيل أبو نعيم في مستخرجه من طريق أبي زرعة الرازي عن يحيى بن بكير شيخ البخاري فيه في أول الكتاب بدونها، وأخرجه مقروناً هنا برواية معمر وبين أن اللفظ لمعمر وكذلك صرح الإسماعيلي أن الزيادة في رواية معمر، وأخرجه أحمد ومسلم والإسماعيلي وغيرهم وأبو نعيم أيضاً من طريق جمع من أصحاب الليث عن الليث بدونها، ثم إن القائل فيما بلغنا هو الزهري، ومعنى الكلام أن في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله ﷺ في هذه القصة وهو من بلاغات الزهري وليس موصولا.
وقال الكرماني: هذا هو الظاهر ويحتمل أن يكون بلغه بالإسناد المذكور، ووقع عند ابن مردويه في التفسير من طريق محمد بن كثير عن معمر بإسقاط قوله: (فيما بلغنا) ولفظه: (فترة حزن النبي ﷺ منها حزناً غدا منه) إلى آخره، فصار كله مدرجاً على رواية الزهري وعن عروة عن عائشة، والأول هو المعتمد … ).
стр. 100
قال الألباني ﵀ (١):
(هذا العزو للبخاري خطأ فاحش ذلك لأنه يوهم أن قصة التردي هذه صحيحة على شرط البخاري وليس كذلك وبيانه أن البخاري أخرجها في آخر حديث عائشة في بدء الوحي الذي ساقه الدكتور (١/ ٥١ - ٥٣) وهو عند البخاري في أول (التعبير) (١٢/ ٢٩٧ - ٣٠٤ فتح) من طريق معمر: قال الزهري: فأخبرني عروة عن عائشة … فساق الحديث إلى قوله: (وفتر الوحي) وزاد الزهري: (حتى حزن النبي ﷺ فيما بلغنا - حزناً غدا منه مرارا، كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل؛ لكي يلقى منه نفسه تبدى له جبريل فقال: يا محمد! إنك رسول الله حقاً؛ فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي، غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك)
وهكذا أخرجه بهذه الزيادة أحمد (٦/ ٢٣٢ - ٢٣٣)، وأبو نعيم في (الدلائل) (ص ٦٨ - ٦٩)، والبيهقي في (الدلائل) (١/ ٣٩٣ - ٣٩٥) من طريق عبد الرزاق عن معمر به.
ومن هذه الطريق أخرجه مسلم (١/ ٩٨) لكنه لم يسق لفظه، وإنما أحال به على لفظ رواية يونس عن ابن شهاب، وليس فيه الزيادة، وكذلك أخرجه مسلم، وأحمد (٦/ ٢٢٣) من طريق عقيل بن خالد: قال ابن شهاب به دون الزيادة، وكذلك أخرجه البخاري في أول الصحيح عن عقيل به.
قلت: ونستنتج مما سبق أن لهذه الزيادة علتين:
الأولى: تفرد معمر بها دون يونس وعقيل؛ فهي شاذة.
الأخرى: أنها مرسلة معضلة؛ فإن القائل: (فيما بلغنا) إنما هو الزهري كما هو ظاهر من السياق وبذلك جزم الحافظ في (الفتح) (١٢/ ٣٠٢) وقال: (وهو من بلاغات الزهري وليس موصولا)
قلت: وهذا مما غفل عنه الدكتور، أو جهله فظن أن كل حرف في
стр. 101
(صحيح البخاري) هو على شرطه في الصحة، ولعله لا يفرق بين الحديث المسند فيه والمعلق، كما لم يفرق بين الحديث الموصول فيه والحديث المرسل الذي جاء فيه عرضا كحديث عائشة هذا الذي جاءت في آخره هذه الزيادة المرسلة، واعلم أن هذه الزيادة لم تأت من طريق موصولة يحتج بها).
قال الألباني ﵀ (١): (وخلاصة القول: أن هذا الحديث ضعيف لا يصح، لا عن ابن عباس، ولا عن عائشة، ولذلك نبهت في تعليقي على كتابي (مختصر صحيح البخاري) (١/ ٥) على أن بلاغ الزهري هذا ليس على شرط البخاري كي لا يغتر أحد من القراء بصحته لكونه في (الصحيح). والله الموفق).
قال الشيخ محمد أبو شهبة ﵀ (٢): (وهذه الرواية ليست على شرط الصحيح لأنها من البلاغات، وهي من قبيل المنقطع، والمنقطع من أنواع الضعيف، والبخاري لا يخرج إلا الأحاديث المسندة المتصلة برواية العدول الضابطين، ولعل البخاري ذكرها لينبهنا إلى مخالفتها لما صح عنده من حديث بدء الوحي، الذي لم تذكر فيه هذه الزيادة.
ولو أن هذه الرواية كانت صحيحة لأوّلناها تأويلاً مقبولاً، أما وهي على هذه الحالة فلا نكلف أنفسنا عناء البحث عن مخرج لها ...... وليس أدل على ضعف هذه الزيادة وتهافتها من أن جبريل كان يقول للنبي ﷺ -كلما أوفى بذروة جبل: "يا محمد! إنك رسول الله حقاً" وأنه كرر ذلك مراراً، ولو صح هذا لكانت مرة واحدة تكفي في تثبيت النبي ﷺ وصرفه عما حدّثته به نفسه كما زعموا، وقد نحا إلى ما نحوت بعض كتاب السيرة المحدثين المسلمين). (٣)
стр. 102
أقسام الوحي
قوله: (الثانية: ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه، كما قال النبي ﷺ : (إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته).
التعليق: المؤلف لم يخرج الحديث
(أخرجه رزين، وقد رواه أبو نعيم في " الحلية " (١٠/ ٢٧) من حديث أبي أمامة، وابن حبان، والحاكم، وابن ماجه من حديث جابر، والحاكم من حديث ابن مسعود، والبزار من حديث حذيفة، وابن حبان، والبزار، والطبراني عن أبي الدرداء، وأبو يعلى عن أبي هريرة، وابن ماجة عن أبي حميد الساعدي مطولاً ومختصراً، وهو حديث صحيح). (١)
وحسنه الألباني فقال (٢): (وبالجملة فالحديث حسن على أقل الأحوال).
الرعيل الأول
قوله: (جَمْعٌ عُرِفوا في التاريخ الإسلامي بالسابقين الأولين، وفي مقدمتهم زوجة النبي- ﷺ أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، ومولاه زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي (١) وابن عمه علي بن أبي طالب - وكان صبيًا يعيش في كفالة الرسول ﷺ وصديقه الحميم أبو بكر الصديق. أسلم هؤلاء في أول يوم الدعوة).
стр. 103
(١) قال في الهامش: كان قد أسر ورق، فملكته خديجة، ووهبته لرسول الله ﷺ ، وجاءه أبوه وعمه ليذهبا به إلى قومه وعشيرته، فاختار عليهما رسول الله ﷺ ، فتبناه حسب قواعد العرب، وكان لذلك يقال: زيد بن محمد، حتى جاء الإسلام فأبطل التبني. قتل شهيداً يوم مؤتة في جمادى الأولى سنة ٨ هـ، وهو أمير جيش المسلمين.
التعليق: ينقسم إلى ثلاثة أنواع:
الأول: تفاصيل قصة وقوع زيد بن حارثة في الأسر والرق لم تصح.
عن أسامة بن زيد ﵁ قال: كَانَ حَارِثَةُ بْنُ شَرَاحِيلَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي طَيِّئٍ مِنْ نَبْهَانَ فَأَوْلَدَهَا جَبَلَةَ وَأَسْمَاءَ وَزَيْدًا، فَتُوُفِّيَتْ وَأَخْلَفَتْ أَوْلَادَهَا فِي حِجْرِ جَدِّهِمْ لِأَبِيهِمْ، وَأَرَادَ حَارِثَةُ حَمْلَهُمْ، فَأَتَى جَدُّهُمْ فَقَالَ: مَا عِنْدَنَا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُمْ، فَتَرَاضَوْا إِلَى أَنْ حَمَلَ جَبَلَةَ وَأَسْمَاءَ وَخَلَّفِ زَيْدًا، وَجَاءَتْ خَيْلٌ مِنْ تِهَامَةَ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ فَأَغَارَتْ عَلَى طَيِّئٍ، فَسَبَتْ زَيْدًا فَصَيَّرُوهُ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، فَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ قَبْلِ أَنِ يُبْعَثَ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ ﵂: "يَا خَدِيجَةُ، رَأَيْتُ فِي السُّوقِ غُلَامًا مِنْ صِفَتِهِ كَيْتَ وَكَيْتَ"- يَصِفُ عَقْلًا وَأَدَبًا وَجَمَالًا- لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَاشْتَرَيْتُهُ" فَأَمَرَتْ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ فَاشْتَرَاهُ مِنْ مَالِهَا، فَقَالَ: "يَا خَدِيجَةُ، هَبِي لِي هَذَا الْغُلَامَ بِطِيبٍ مِنْ نَفْسِكِ" فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، أَرَى غُلَامًا وَضِيئًا وَأَخَافُ أَنْ تَبِيعَهُ أَوْ تَهِبَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا مُوَفَّقَةُ، مَا أَرَدْتُ إِلَّا لَأَتَبَنَّاهُ" فَقَالَتْ: نَعَمْ- يَا مُحَمَّدُ- فَرَبَّاهُ وَتَبَنَّاهُ، فَكَانَ يُقَالُ لَهُ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْحَيِّ فَنَظَرَ إِلَى زَيْدٍ فَعَرَفَهُ، فَقَالَ: أَنْتَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، قَالَ: لَا، أَنَا زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: لَا، بَلْ أَنْتَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ مِنْ صِفَةِ أَبِيكَ وَعُمُوَمَتِكَ وَأَخْوَالِكَ كَيْتَ وَكَيْتَ، قَدْ أَتْعَبُوا الْأَبْدَانَ وَأَنْفِقُوا الْأَمْوَالَ فِي سَبِيلِكَ، فَقَالَ زَيْدٌ:
أَحِنُّ إِلَى قَوْمِي وَإِنْ كُنْتُ نَائِيًا … فَإِنِّي قَطِينُ الْبَيْتِ عِنْدَ الْمَشَاعِرِ
هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ مَا أُرِيدُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدَلًا وَلَا أُؤْثِرُ عَلَيْهِ وَالِدًا وَلَا وَلَدًا، فَأَدَارُوهُ وَأَلَاصُوهُ وَاسْتَعْطَفُوهُ وَأَخْبَرُوهُ مِنْ وَرَائِهِ مِنْ وُجْدِهِمْ، فَأَبَى وَحَلَفَ أَنْ لَا يَلْحَقَهُمْ، قَالَ حَارِثَةُ: أَمَّا أَنَا فَأُوَاسِيكَ بِنَفْسِي أَنَا أَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَبَى الْبَاقُونَ "
رواه الحاكم في المستدرك، كتاب معرفة الصحابة ﵃، ذكر مناقب زيد، حديث (٥٠١٣، ٥٠١٢)، وحذفه الذهبي من التلخيص لضعفه،
فالحديث ضعيف كما قال الحافظ ابن حجر في التهذيب (١١/ ٧٩): (بعد أن عزاه إلى تمّام في فوائده: "حديث منكر جدًا، وقد أورده الحافظ أبو عبد الله بن مندة في معرفة الصحابة في ترجمته، وقال: إنه لا يُروى إلا بهذا الإسناد. ثم رأيته في المستدرك للحاكم لكنه لم يصرّح بتصحيحه)، ورواه ابن سعد في (الطبقات) بسنده عن هشام بن محمَّد بن السائب الكلبي عن أبيه … وهما متروكان، وذكر قصته ابن إسحاق في السيرة دون إسناد. وأخرجه ابن عبد البر في (الاستيعاب) من طريق أبي إسحاق السبيعي قال: قيل لجبلة بن حارثة أنت أكبر أم زيد؟ قال: زيد خير مني وأنا وُلدت قبله. ثم ذكر قصة وقوع زيد في الأسر مختصرةً، وليس فيها قدوم أبيه وعشيرته وما بعدها. قال أبو عمر بن عبد البر قبل ذكره للقصة: "وبعضهم يُدخل بين أبي إسحاق وجبلة بن حارثة فروة بن نوفل". وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في (التهذيب (٢/ ٦١)) في ترجمة جبلة: " الصحيح عن أبي إسحاق عن فروة عنه ". (١)
الثاني: أن الذي جاء لأخذ زيد أخوه جبلة بن حارثة ﵁، وليس كما ذكر المؤلف أنه أبوه وعمه، ويتضح ذلك بمراجعة سنن الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب زيد بن حارثة ﵁، حديث رقم (٣٨١٥) عن أبي عمرو الشيباني قال: أخبرني جبلة بن حارثة أخو زيد قال: قدمت على رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! ابعث معي أخي زيداً. قال: هو ذا.
стр. 106
قال: فإن انطلق معك لم أمنعه. قال زيد: يا رسول الله! والله لا أختار عليك أحداً. قال: فرأيت رأي أخي أفضل من رأيي. قال أبو عيسى: (هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن الرومي، عن علي بن مسهر). وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ورواه الحاكم في المستدرك حديث (٥٠١٤) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وصححه الذهبي.
الثالث: تبني الرسول ﷺ لزيد بن حارثة فهذه ثابتة في القرآن الكريم وصحيح السنة.
قال تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما) (الأحزاب: ٤٠)
روى البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله)، حديث (٤٧٨٢) عن ابن عمر ﵁ أن زيد بن حارثة مولى رسول الله- ﷺ ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله). ورواه مسلم (٢٤٢٥).
الصلاة
١ - قوله: (وروى الحارث بن أبي أسامة من طريق ابن لَهِيعَة موصولًا عن زيد بن حارثة: أن رسول الله ﷺ في أول ما أوحي إليه أتاه جبريل، فعلمه الوضوء، فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة من ماء فنضح بها فرجه، وقد رواه ابن ماجه بمعناه، وروي نحوه عن البراء بن عازب وابن عباس، وفي حديث ابن عباس: وكان ذلك من أول الفريضة).
التعليق: الحديث ضعيف.
رواه الإمام أحمد في مسنده، مسند الشاميين، حديث زيد بن حارثة ﵁، حديث رقم (١٧٥١٥)، وقال شعيب الأرناؤوط ومعاونوه في تحقيق المسند: (حديث ضعيف، في إسناده ابن لهيعة وهو سيئ الحفظ
стр. 107
وقد اضطرِب في إسناده ومتنه. قال ابن أبي حاتم في "علله" (١/ ٤٦) قال أبي: هذا حديث كذبٌ باطل.
وأخرجه عبد بن حميد (٢٨٣) عن الحسن بن موسى، بهذا الإسناد.
وأخرجه ابن أبي عاصم (٢٥٨)، وابن عدي في "الكامل" (٤/ ١٤٦٨)، والدار قطني (١/ ١١١) من طرق عن كامل بن طلحة الجحدري، عن ابن لهيعة، به.
وأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٦٨)، وعنه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢٥٩) عن الحسن بن موسى، عن ابن لهيعة، عن عقيل، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد، عن أبيه: أن النبي ﷺ توضأ، ثم أخذ كفًّا من ماء فنضح به فرجه.
وأخرجه ابن ماجه (٤٦٢) من طريق حسان بن عبد الله، حدثنا ابن لهيعة به بلفظ: "علّمني جبرائيل الوضوء، وأمرني أن أنضح تحت ثوبي لما يخرج من البول بعد الوضوء".
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٤٦٥٧) عن عبد الله بن أحمد، عن كامل ابن طلحة، عن ابن لهيعة، عن عقيل، عن الزهري، عن أسامة بن زيد، عن أبيه: أن جبريل ﵇ نزل … فذكر الحديث هكذا مرسلاً.
وأخرجه يعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" (١/ ٣٠٠)، وأبو الحسن القطان في زياداته على "سنن ابن ماجه" عقب الحديث (٤٦٢)، والطبراني (٤٦٥٧)، والبيهقي (١/ ١٦١) من طريق عبد الله بن يوسف التنِّيسي، عن ابن لهيعة، مرسلاً، إلا أن أبا الحسن القطان لم يسق إسناد الحديث ومتنه. (١)
стр. 108
وقد رواه رِشْدِين بن سعد- وهو ضعيف سيئ الحفظ- عن عقْيل، فجعله من حديث أسامة بن زيد، لا من حديث أبيه، ورواه عن رشدين الهيثم بن خارجة، فاختُلف عليه: فأخرجه الإمام أحمد وابنه عبد الله كما سيأتي (٥/ ٢٠٣) عن الهيثم بن خارجة، عن رشدين بن سعد، عن عقيل، عن الزهري، عن أسامة بن زيد، عن النبي ﷺ : أن جبريل ﵇ لما نزل على النبي ﷺ فعلّمه الوضوء، فلما فرغ من وضوئه أخذ حفنةً من ماء، فرشَّ بها نحو الفرج، قال: فكان النبي ﷺ يرشُ بعد وضوئه.
وأخرجه الدار قطني (١/ ١١١) من طريق حمدان بن علي، عن هيثم بن خارجة، عن رشدين، عن عقيل وقرة، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد: أن جبريل … فذكره هكذا مرسلاً.
وفي الباب من حديث الحكم بن سفيان، قال: رأيت رسولَ الله ﷺ بالَ، ثم توضأَ، ونضح فرجه. وقد سلف برقم (١٥٣٨٤)، وهو حديث ضعيف أيضاً).
* * * *
٢ - قوله: (وقد ذكر ابن هشام أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا إذا حضرت الصلاة ذهبوا في الشعاب فاستخفوا بصلاتهم من قومهم، وقد رأي أبو طالب النبي ﷺ وعليّا يصليان مرة، فكلمهما في ذلك، ولما عرف جلية الأمر أمرهما بالثبات).
التعليق: ضعيف.
قال محقق سيرة ابن هشام (١/ ٣١٧): (ضعيف. أورده تعليقاً، وأخرجه الطبري (٢/ ٣١٣) بسنده عن ابن إسحق).
الدعوة في الأقربين
قوله: (ودعا رسول الله ﷺ عشيرته بني هاشم بعد نزول هذه الآية، فجاءوا ومعهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف، فكانوا نحو
стр. 109
خمسة وأربعين رجلًا. فلما أراد أن يتكلم رسول الله ﷺ بادره أبو لهب وقال: هؤلاء عمومتك وبنو عمك فتكلم، ودع الصباة، واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة، وأنا أحق من أخذك، فحسبك بنو أبيك، وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش، وتمدهم العرب، فما رأيت أحدًا جاء على بني أبيه بشر مما جئت به، فسكت رسول الله ﷺ ، ولم يتكلم في ذلك المجلس.
ثم دعاهم ثانية وقال: (الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأومن به، وأتوكل عليه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له).
ثم قال: (إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو، إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها الجنة أبدًا أو النار أبدًا).
فقال أبو طالب: ما أحب إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقًا لحديثك. وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم، غير أني أسرعهم إلى ما تحب، فامض لما أمرت به. فوالله، لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب.
فقال أبو لهب: هذه والله السوأة، خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم، فقال أبو طالب: والله لنمنعه ما بقينا).
التعليق: مرسل ضعيف.
قال العلامة الألباني-﵀ (١): (لم أجد في الرواة هذا الراوي (أي: جعفر بن أبي الحكم)، وإنما فيهم (جعفر بن عبدالله بن الحكم)، وهو أنصاري أوسي تابعي صغير، يروي عن أنس والتابعين فإذا كان هو هذا، فالإسناد مرسل ضعيف، ولم أقف على إسناده إليه، وإن كان غيره فلم أعرفه). وضعفه الدكتور أكرم العمري في السيرة الصحيحة (١/ ١٤٢).
стр. 110
المجلس الاستشاري لكف الحجاج عن استماع الدعوة
قوله: ( … وتفيد بعض الروايات أن الوليد لما رد عليهم كل ما عرضوا له، قالوا: أرنا رأيك الذي لا غضاضة فيه، فقال لهم: أمهلوني حتى أفكر في ذلك، فظل الوليد يفكر ويفكر حتى أبدى لهم رأيه الذي ذكر آنفًا.
وفي الوليد أنزل الله تعالى ست عشرة آية من سورة المدثر (من ١١ إلى ٢٦) وفي خلالها صور كيفية تفكيره، فقال: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ١٨: ٢٥]
التعليق: الحديث ضعيف.
هذا الحديث رواه الحاكم في المستدرك، كتاب التفسير، تفسير سورة المدثر حديث (٣٩١٤) بإسناده عن أبي عبدالله محمد بن علي الصنعاني بمكة، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب السختياني، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن الوليد بن المغيرة -فذكر القصة- وقال: صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، وأقره الذهبي. ورواه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ١٩٩): (هكذا حدثناه موصولا، ورواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة … وقال: وهذا فيما رواه يوسف بن يعقوب القاضي، عن سليمان بن حرب، عن حماد، هكذا مرسلاً، وكذلك رواه معمر، عن عباد بن منصور، عن عكرمة، مرسلاً. وأيضاً معتمر بن سليمان عن أبيه .... فذكره أتم من ذلك مرسلاً وكل ذلك يؤكد بعضه بعضاً).
قال العلامة مقبل بن هادي الوادعي-﵀ (١): (هكذا رواه البيهقي