← Сира

Сира · id 14572

التعليق على الرحيق المختوم

محمود الملاح

Полный текст (345 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

في "الاستيعاب" أيضاً في ترجمة بريدة بن الحصيب ﵁ من رواية قاسم بن أصبغ قال: أخبرنا أحمد بن زهير: قال: أخبرنا حسين بن حريث، عن الحسين بن واقد به، وزاد في أوله: كان رسول الله ﷺ لا يتطير، ولكن يتفاءل، فركب بريدة في سبعين راكباً … وهكذا أورده ابن القيم أيضاً في "مفتاح دار السعادة" - من رواية "الاستذكار" -: "الحسين بن حريث عن الحسين بن واقد"؛ ليس بينهما (أوس بن عبد الله) المتروك! وكأنه سقط من بعض النساخ، بدليل أنه زاد فيه- أعني: "الاستذكار"- عقب الحديث: "قال أحمد بن زهير: قال لنا أبو عمار [قلت: هو الحسين بن حريث]: سمعت أوساً يحدث هذا الحديث بعد ذلك عن أخيه سهل بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن بريدة، فأعدت ثلاثاً: من حدثك؟ قال: سهل أخي". قلت: فهذا صريح في أن ابن حريث سمع الحديث أولاً من أوس يحدث به عن ابن واقد، ثم سمعه بعد منه عن أخيه سهل بن عبد الله، وهو متروك أيضاً. فهذا يدلنا على أمرين: الأول: أن مدار الحديث عند ابن عبدالبر في كتابيه على أوس. والآخر: أن أوساً كان يضطرب في إسناده: فمرة يرويه عن ابن واقد - وهو صدوق -، وأخرى عن أخيه سهل المتروك. ويؤيد الأول: أن السيوطي أورد الزيادة التي عند ابن عبدالبر في كتابه "الجامع الصغير" من رواية الحكيم، والبغوي عن بريدة. فقال المناوي في "شرحه" عليه: "ورواه عنه قاسم بن أصبغ، وسكت عليه عبدالحق مصححاً له.

стр. 177

قال ابن القطان: وما مثله يصحح؛ فإن فيه أوس بن عبد الله بن بريدة، منكر الحديث". وقد عرفت أن الحديث عند ابن عبد البر من طريق قاسم بن أصبغ؛ ففيه إذن أوس بن عبد الله؛ وهو متروك … ثم إن مما يؤكد ضعف هذا الحديث: أن أوس بن عبد الله قد خالفه في متنه قتادة - الإمام الثقة - فرواه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه مرفوعاً بلفظ آخر، تراه مخرجاً في الكتاب الآخر: "الصحيحة" (٧٦٢)، فليراجعه من شاء). (١) الدخول في المدينة قوله: (ثم سار النبي ﷺ بعد الجمعة حتى دخل المدينة - ومن ذلك اليوم سميت بلدة يثرب بمدينة الرسول ﷺ ، ويعبر عنها بالمدينة مختصرًا - وكان يومًا مشهودًا أغر، فقد ارتجت البيوت والسكك بأصوات الحمد والتسبيح، وتغنت بنات الأنصار بغاية الفرح والسرور: طلع البدر علينا … من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا … ما دعا لله داع أيها المبعوث فينا … جئت بالأمر المطاع) التعليق: ضعيف.

стр. 178

قال الألباني ﵀ (١): (ضعيف. رواه أبو الحسن الخلعي في " الفوائد " (٥٩/ ٢) وكذا البيهقي في " دلائل النبوة " (٢/ ٢٣٣ - ط) عن الفضل بن الحباب قال: سمعت عبد الله (٢) بن محمد بن عائشة يقول فذكره. وهذا إسناد ضعيف رجاله ثقات، لكنه معضل سقط من إسناده ثلاثة رواة أو أكثر، فإن ابن عائشة هذا من شيوخ أحمد وقد أرسله. وبذلك أعله الحافظ العراقي في " تخريج الإحياء " (٢/ ٢٤٤). ثم قال البيهقي كما في تاريخ ابن كثير (٥/ ٢٣): " وهذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينة من مكة لا أنه لما قدم المدينة من ثنيات الوداع عند مقدمه من تبوك ". وهذا الذي حكاه البيهقي عن العلماء جزم به ابن الجوزي في " تلبيس إبليس " (ص ٢٥١ تحقيق صاحبي الأستاذ خير الدين وانلي)، لكن رده المحقق ابن القيم فقال في " الزاد " (٣/ ١٣): وهو وهم ظاهر لأن " ثنيات الوداع " إنما هي ناحية الشام لا يراها القادم من مكة إلى المدينة ولا يمر بها إلا إذا توجه إلى الشام ". ومع هذا فلا يزال الناس يرون خلاف هذا التحقيق، على أن القصة برمتها غير ثابتة كما رأيت! (تنبيه): أورد الغزالي هذه القصة بزيادة: " بالدف والألحان " ولا أصل لها كما أشار لذلك الحافظ العراقي بقوله: " وليس فيه ذكر للدف والألحان ". وقد اغتر بهذه الزيادة بعضهم فأورد القصة بها، مستدلاً على جواز الأناشيد النبوية المعروفة اليوم! فيقال له: " أثبت العرش ثم انقش! " على أنه لو صحت القصة لما كان فيها حجة على ما ذهبوا إليه كما سبقت الإشارة لهذا عند الحديث (٥٧٩) فأغنى عن الإعادة).

стр. 179

قال الألباني ﵀ (١): (فلما قدم المدينة، جاءت الأنصار برجالها ونسائها، فقالوا: إلينا يا رسول الله! فقال: دعوا الناقة؛ فإنها مأمورة، فبركت على باب أبي أيوب، قال: فخرجت جوار من بني النجار يضربن بالدفوف وهن يقلن: نحن جوار من بني النجار … يا حبذا محمد من جار فخرج إليهم رسول الله ﷺ فقال: أتحبوني؟ فقالوا: إي والله يا رسول الله قال: وأنا والله أحبكم، وأنا والله أحبكم، وأنا والله أحبكم) منكر بهذا التمام. أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (٢/ ٥٠٨) من طريق أبي عبد الله الحاكم بسنده عن محمد بن سليمان بن إسماعيل بن أبي الورد قال: حدثنا إبراهيم بن صِرمة قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال: … فذكره. قلت: وهذا إسناد واهٍ، آفته إبراهيم بن صِرمة - وهو: الأنصاري -، قال ابن عدي في "الكامل" (١/ ٢٥٢ - ٢٥٣): "حدث عن يحيى بن سعيد الأنصاري بنسخ لا يحدّث بها غيره، ولا يتابعه على حديث منها". ثم قال: "وعامة أحاديثه، إما أن تكون مناكير المتن، أو تنقلب عليه الأسانيد، وبيّن على أحاديثه ضَعفُه". وفي "اللسان": "وقال ابن معين: كذاب خبيث" والرواي عنه محمد بن سليمان بن إسماعيل بن أبي الورد، لم أجد له ترجمة. وفي "الجرح والتعديل" (٣/ ٢٦٩) ما نصه: "محمد بن سليمان الأنصاري، روى عن … (كذا الأصل، يشير إلى أنه لا يُقرأ) سمعت أبي يقول: وهو مجهول". فيحتمل أن يكون هو هذا. والله أعلم. ولقصة الجواري، والضرب بالدف شاهد من حديث أنس، ولكن

стр. 180

ليس فيه أن ذلك كان عند قدومه ﷺ المدينة، بل في رواية أن ذلك كان في عرس، -وهو الراجح- كما تقدم بيانه في تخريج حديث أنس برقم (٣١٥٤)، من المجلد السابع من "الصحيحة"-. والله أعلم. وأما ما ذكره الغزالي في "الإحياء" (٢/ ٢٧٧) من إنشاد النساء على السطوح بالدف والألحان، عند قدوم النبي ﷺ : طلع البدر علينا من ثنيات الوداع * * * وجب الشكر علينا مادعا لله داع فهو مما لا أصل له، وإنما رواه البيهقي وغيره من طريق ابن عائشة، قال … فذكره مختصراً، دون ذكر السطوح والدف والألحان، ثم هو تضعيف معضل - كما تقدم بيانه في المجلد الثاني برقم (٥٩٨) -، وأزيد هنا فأقول: قال الحافظ في "الفتح" (٤/ ٢٦٢): "وهو سند معضل، ولعل ذلك كان في قدومه من غزوة تبوك". وإن مما يؤكد نكارة ذكر الدفوف في قصة استقباله ﷺ قول البراء بن عازب ﵁: ثم قدم النبي ﷺ المدينة، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ ، حتى جعل الإماء يقُلن: قدم رسول الله ﷺ . رواه البخاري (٣٩٢٥) وغيره، وهو مخرج في "تخريج فقه السيرة" (ص ١٦٩ - دار القلم). ومثله حديث أنس بن مالك ﵁ قال: إِنِّي لَأَسْعَى فِي الْغِلْمَانِ يَقُولُون: جَاءَ مُحَمَّدٌ فَأَسْعَى فَلَا أَرَى شَيْئًا ثُمَّ يَقُولُونَ: جَاءَ مُحَمَّدٌ فَأَسْعَى فَلَا أَرَى شَيْئًا قَالَ: حَتَّى جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ فَكُنَّا فِي بَعْضِ حِرَارِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ بَعَثَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لِيُؤْذِنَ بِهِمَا الْأَنْصَارَ فَاسْتَقْبَلَهُمَا زُهَاءَ خَمْسِ مئة مِنْ الْأَنْصَارِ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَيْهِمَا فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ: انْطَلِقَا آمِنَيْنِ مُطَاعَيْنِ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبُهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ فَخَرَجَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ حَتَّى إِنَّ الْعَوَاتِقَ لَفَوْقَ الْبُيُوتِ يَتَرَاءَيْنَهُ يَقُلْنَ:

стр. 181

أَيُّهُمْ هُوَ؟ أَيُّهُمْ هُوَ؟ قَالَ: فَمَا رَأَيْنَا مَنْظَرًا مُشْبِهًا بِهِ يَوْمَئِذٍ. قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَوْمَ دَخَلَ عَلَيْنَا وَيَوْمَ قُبِضَ فَلَمْ أَرَ يَوْمَيْنِ شبيهاً بِهِمَا. أخرجه البخاري في "التاريخ الصغير" (ص ٦ - هندية)، والبيهقي في "الدلائل" (٢/ ٥٠٧)، وأحمد (٣/ ٢٢٢) من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس. وأخرجه أحمد (٣/ ١٢٢) من طريق آخر عن ثابت مختصراً. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وسكت عنه الحافظ في "الفتح" (٧/ ٢٥١) رضى به -كما في قاعدته -. وتابعه عبد العزيز بن صهيب عن أنس به نحوه مطولاً. أخرجه البخاري (٣٩١١)، وأحمد (٣/ ٢١١). والمقصود أن هذه الأحاديث الصحيحة تؤكد نكارة ذكر الدفوف والغناء في حديث الترجمة ونحوه. ويمكن أن يقال مثل ذلك في قصة الناقة، وبخاصة في بروكها على باب أبي أيوب، فإن المعروف في كتب السيرة، أنها بركت حين أتت دار بني مالك بن النجار على باب مسجده ﷺ ، وهو يومئذ مربد لغلامين يتيمين من بني النجار، هكذا ساقه ابن هشام في "السيرة" (٢/ ١١٢ - ١١٣) عن ابن اسحاق معضلاً بدون إسناد مطولاً، وفيها تكرار جملة: "خلوا سبيلها، فإنها مأمورة" كلما مر ﷺ بدارٍ من دور الأنصار، وقالوا له: أقم عندنا في العدد والعُدّة والمنعة. ومن رواية ابن إسحاق هذه ساقها بطولها ابن كثير في "البداية" (٣/ ١٩٨ - ١٩٩) ولم يسندها. (تنبيه): عزا الحافظ في "الفتح" حديث الترجمة في موضعين منه (٧/ ٢٤٥، ٢٦١) إلى الحاكم، وسبقه إلى ذلك الحافظ ابن كثير، ولكنه قرنه بتحفظ غريب غير معتاد، فقال بعدما ساقه من رواية البيهقي بإسناده (٣/ ٢٠٠): "هذا حديث غريب من هذا الوجه، لم يروه أحد من أصحاب "السنن" وقد أخرجه الحاكم - كما يروى -"!

стр. 182

فقوله: "كما يروى" لعله يعني رواية البيهقي عنه، وحينئذ فلا فائدة تذكر منه. وعلى كل حال، فهذا القول-أو القيد- منه خير من إطلاق الحافظ عزوه للحاكم، لأنه يوهم أنه في "مستدركه" وليس فيه، ثم إنه سكت عنه، فأوهم حسنه على الأقل عنده، وليس كذلك -كما تقدم-. ولقد كان هذا من الدواعي على إخراجه، والكشف عن علته، واقترن مع ذلك الاستطراد لذكر أحاديث صحيحة تدل على نكارته. والله ولي التوفيق). (١) سكان المدينة وأحوالهم عند الهجرة قوله: (وكان أصحابه (عبدالله بن أبي بن سلول) - من الرؤساء الذين حرموا المناصب المرجوة في ملكه- يساهمونه ويدعمونه في تنفيذ خططه، وربما كانوا يتخذون بعض الأحداث، وضعاف العقول من المسلمين عملاء لهم؛ لتنفيذ خططهم.) ص (٢١١) التعديل: قال: (وكان أصحابه- من الرؤساء الذين حرموا المناصب المرجوة في ملكه -يساهمونه ويدعمونه في تنفيذ خططه، وربما كانوا يتخذون بعض الشباب وسذجة المسلمين عميلًا لتنفيذ خطتهم من حيث لا يشعر.) ص (١٩٧) قلت: لم يوفق المؤلف- ﵀ في التعبير عن وصف الصحابة ﵃ في الطبعتين: القديمة (بعض الأحداث، وضعاف العقول من المسلمين)، وكذلك في الجديدة (بعض الشباب وسذجة المسلمين)، ومن الأدب مع الصحابة ﵃ ألا نصفهم بأوصاف لا تليق بهم، وهذا من أعظم حقوقهم علينا، فقد قال رسول الله ﷺ : "لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ) ". (٢)

стр. 183

سكان المدينة وأحوالهم عند الهجرة قوله: (ويظهر ذلك جليًا بما رواه ابن إسحاق عن أم المؤمنين صفية ﵂ قال ابن إسحاق: حدثت عن صفية بنت حيي بن أخطب أنها قالت: كنت أحَبَّ ولد أبي إليه، وإلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه. قالت: فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة ونزل قباء في بني عمرو بن عوف غدا عليه أبي؛ حيى بن أخطب، وعمي أبو ياسر بن أخطب مُغَلِّسِين، قالت: فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس، قالت: فأتيا كَالَّيْن كسلانين ساقطين يمشيان الهُوَيْنَى. قالت: فهششت إليهما كما كنت أصنع، فو الله ما التفت إلي واحد منهما، مع ما بهما من الغم. قالت: وسمعت عمي أبا ياسر، وهو يقول لأبي حيي بن أخطب: أهو هو؟ قال: نعم والله، قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم، قال: فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيت). قال في الهامش: ابن هشام ١/ ٥١٨، ٥١٩ التعليق: منقطع رواه ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٥٢) ومن طريقه رواه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٥٣٣) قال: وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَدِّثٌ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ أَنَّهَا قَالَتْ: فذكره. والحديث بهذا الإسناد منقطع؛ لأن عبد الله بن أبي بكر بن حزم روى عن مجهول وهو الواسطة بينه وبين صفية، حيث قال: حدثني محدث. قال الحافظ العراقي (١): (وهو منقطع). قال أبو عمر محمد بن حمد الصوياني (٢): (وقد ورد اسم هذا الشيخ عند أبي نعيم، وهو جد عبد الله بن أبي بكر … واسمه محمَّد بن عمرو بن

стр. 184

حزم قال الحافظ في (التقريب ٢/ ١٩٥): له رؤية وليس له سماع إلا من الصحابة، وحفيده تابعي صغير وثقة من رجال الشيخين (١/ ٤٠٥ التقريب)، وله شاهد عن الزهري عند البيهقي (٢/ ٥٣٢)؛ لذا يرى أن الحديث سنده قوي). وقال الدكتور/ إبراهيم بن محمد المدخلي (١): (فالآيات والواقع الملموس من هذه الطائفة تؤيده وقد دل كتاب الله على معنى هذا الحديث في أكثر من آية منها علي سبيل المثال قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (آل عمران: ١٨٧/ ١٨٨) قال الحافظ ابن كثير (٢): (هَذَا تَوْبِيخٌ مِنَ اللَّهِ وَتَهْدِيدٌ لِأَهْلِ الْكِتَابِ، الَّذِينَ أخَذ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْأَنْبِيَاءِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَأَنْ يُنَوِّهُوا بِذِكْرِهِ فِي النَّاسِ لِيَكُونُوا عَلَى أهْبَة مِنْ أَمْرِهِ، فَإِذَا أَرْسَلَهُ اللَّهُ تابعوه، فَكَتَمُوا ذَلِكَ وَتَعَوَّضُوا عَمَّا وَعَدُوا عَلَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِالدُّونِ الطَّفِيفِ، وَالْحَظِّ الدُّنْيَوِيِّ السَّخِيفِ، فَبِئْسَتِ الصَّفْقَةُ صَفْقَتُهُمْ، وَبِئْسَتِ الْبَيْعَةُ بَيْعَتُهُمْ). أثر المعنويات في المجتمع قوله: (ويقول: (أيما مسلم كسا مسلماً ثوباً على عُري كساه الله من خُضر الجنة، وأيما مسلم أطعم مسلماً على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى مسلماً على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم).

стр. 185

قال في الهامش: سنن أبي داود، مشكاة المصابيح ١/ ١٦٩، وجامع الترمذي ٤/ ٥٤٦ ح (٢٤٤٩). التعليق: إسناده ضعيف. قال العلامة الألباني-﵀ (١): (إسناده ضعيف؛ أبو خالد الدالاني صدوق يخطئ كثيراً ويدلس. واستغربه الترمذي من طريق أخرى). إسناده: حدثنا علي بن الحسين [بن إبراهيم بن إشْكاب] (٢): ثنا أبو بدر: ثنا أبو خالد- الذي … قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ وعلته أبو خالد هذا- واسمه: يزيد بن عبد الرحمن الدّالاني-، وهو مختلف فيه، والراجح ما قاله الحافظ؛ وهو الذي ذكرته آنفاً. ولكونه مدلساً لا يتقوى برواية عطية العوفي عن أبي سعيد … به. أخرجه أحمد (٣/ ١٣ - ١٤)، والترمذي (٢٤٥١) وقال: " حديث غريب، وقد روي عن عطية عن أبي سعيد موقوفاً؛ وهو أصح ". قلت: والعوفي أيضاً ضعيف ومدلس، وأبو بدر: هو شجاع بن الوليد السكوني الكوفي). وضعفه الألباني أيضاً في السلسلة الضعيفة حديث رقم (٤٥٥٤)، وضعيف الترغيب حديث رقم (١٢٧٩). معاهدة مع اليهود قوله: (بنود المعاهدة ١ - إن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم، وكذلك لغير بني عوف من اليهود.

стр. 186

٢ - وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم. ٣ - وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة. ٤ - وإن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم. ٥ - وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه. ٦ - وإن النصر للمظلوم. ٧ - وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. ٨ - وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة. ٩ - وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله ، وإلى محمد رسول الله ﷺ . ١٠ - وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها. ١١ - وإن بينهم النصر على من دَهَم يثرب … على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم. ١٢ - وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم). التعليق: ليس لها إسناد قال الألباني (١): (روى هذه الوثيقة ابن إسحاق (٢/ ١٦ - ١٨) بدون إسناد). وقال العمري (٢): (المعاهدة مع يهود المدينة تصلح للدراسة التأريخية، لكنها لا تصلح دليلاً شرعياً لعدم ثبوتها حديثياً. فليس كل ما في الوثيقة على درجة واحدة من الصحة، لأن بعضها ورد بشكل أحاديث متفرقة في المصادر الحديثية مثل البخاري ومسلم، وبعضها أوردته كتب السيرة والتأريخ دون أسانيد أو بأسانيد معلولة).

стр. 187

وقال أيضاً (١): (الحكم بوضع الوثيقة مجازفة، ولكن الوثيقة لا ترقى بمجموعها إلى مرتبة الأحاديث الصحيحة، فابن إسحق في سيرته رواها دون إسناد مما يجعل روايته ضعيفة وأوردها البيهقي من طريق ابن إسحق أيضاً بإسناد فيه سعد بن المنذر -وهو مقبول فقط-، وابن أبي خيثمة أوردها من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو المزني - وهو يروي الموضوعات - وأبو عبيد القاسم بن سلام رواها بإسناد منقطع يقف عند الزهري - وهو من صغار التابعين فلا يحتج بمراسيله -. ولكن نصوصاً من الوثيقة وردت في كتب الأحاديث بأسانيد متصلة، وبعضها أوردها البخاري ومسلم، فهذه النصوص هي أحاديث صحيحة، وقد احتج بها الفقهاء وبنوا عليها أحكامهم. كما أن بعضها ورد في مسند أحمد وسنن أبي داوود وابن ماجة والترمذي. وهذه النصوص جاءت من طرق مستقلة عن الطرق التي وردت منها الوثيقة، وإذا كانت الوثيقة بمجموعها لا تصلح للاحتجاج بها في أحكام الشريعة سوى ما ورد منها في كتب الحديث الصحيحة - فإنها تصلح أساساً للدراسة التاريخية التي لا تتطلب درجة الصحة التي تقتضيها الأحكام الشرعية خاصة أن الوثيقة وردت من طرق عديدة تتضافر في إكسابها القوة، كما أن الزهري علم كبير من الرواد الأوائل في كتابة السيرة النبوية. ثم إن أهم كتب السيرة ومصادر التاريخ ذكرت موادعة النبي ﷺ لليهود وكتابته بينه وبينهم كتاباً (٢). كما ذكرت كتابته كتاباً بين المهاجرين والأنصار أيضاً. كذلك فإن أسلوب الوثيقة ينم عن أصالتها "فنصوصها مكونة من

стр. 188

جمل قصيرة بسيطة وغير معقدة التركيب، ويكثر فيها التكرار، وتستعمل كلمات وتعابير كانت مألوفة في عصر الرسول ﷺ ثم قل استعمالها فيما بعد حتى أصبحت مغلقة على غير المتعمقين في دراسة تلك الفترة. وليس في هذه الوثيقة نصوص تمدح أو تقدح فرداً أو جماعة، أو تخص أحداً بالإطراء أو الذم لذلك يمكن القول بأنها وثيقة أصلية وغير مزورة" (١). ثم إن التشابه الكبير بين أسلوب الوثيقة وأساليب كتب النبي ﷺ الأخرى يعطيها توثيقاً آخر (٢). انظر وجهة نظر أخرى ترى عدم صحة المعاهدة مع اليهود: - كتاب ما شاع ولم يثبت للعوشن ص (٩١ - ٩٩). - بيان الحقيقة في الحكم على الوثيقة، ضيدان اليامي، مكتبة المعارف الرياض، ط الأولى، ١٤٠٨ هـ. مبلغ قوة الجيش الإسلامي وتوزيع القيادات قوله: (وكان معهم سبعون بعيراً يعتقب الرجلان والثلاثة على بعير واحد، وكان رسول الله ﷺ ، وعلي، ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيراً واحداً). التعليق: أخطأ المؤلف في اسم الصحابي. الصحابي الذي كان يتعاقب على بعير واحد مع رسول الله ﷺ وعلي بن أبي طالب- ﵁ هو أبو لبابة بن عبد المنذر ﵁ وليس مرثد بن أبي مرثد الغنوي ﵁-كما ذكر المؤلف-﵀ ويتضح ذلك بمراجعة ما ورد في أصول كتب السنة مثل: مسند أحمد حديث (٣٩٠١)، وصحيح ابن حبان حديث (٤٧٣٣)،

стр. 189

وأخرجه الحاكم (٣/ ٢٣) حديث (٤٢٩٩)، والبيهقي (٥/ ٢٨٥) من طريق أبي الوليد الطيالسي، بهذا الإسناد. وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ﵁ قال: كنا يومَ بدرٍ ثلاثةً على بعيرٍ كان أبو لبابةَ، وعليُّ بنُ أبي طالبٍ زميلَي رسولِ اللهِ ﷺ قال: وكانت عقبةُ (١) رسولِ اللهِ ﷺ قال: فقالا: نحن نمْشي عنكَ. فقال: "ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجرِ منْكما ". وحسنه الألباني (٢)، وشعيب الأرناؤوط (٣). مشكلة قبائل بني بكر قوله: (ولما أجمع هذا الجيش على المسير ذكرت قريش ما كان بينها وبين بني بكر من العداوة والحرب، فخافوا أن تضربهم هذه القبائل من الخلف، فيكونوا بين نارين، فكاد ذلك يثنيهم، ولكن حينئذ تبدى لهم إبليس في صورة سُرَاقة بن مالك بن جُعْشُم المدلجي- سيد بني كنانة - فقال لهم: أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه. إبليس ينسحب عن ميدان القتال ولما رأى إبليس -وكان قد جاء في صورة سراقة بن مالك بن جُعْشُم المدلجي كما ذكرنا، ولم يكن فارقهم منذ ذلك الوقت- فلما رأى ما يفعل الملائكة بالمشركين فر ونكص على عقبيه، وتشبث به الحارث بن هشام -وهو يظنه سراقة- فوكز في صدر الحارث فألقاه، ثم خرج هاربًا، وقال له المشركون: إلى أين يا سراقة؟ ألم تكن قلت: إنك جار لنا،

стр. 190

لا تفارقنا؟ فقال: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨]، ثم فر حتى ألقى نفسه في البحر). التعليق: (اشتهر في كتب التفسير والسيرة أن الشيطان كان حاضراً معركة "بدر"، وأنه تشكَّل على صورة "سراقة بن مالك"، ويُذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الأنفال/ ٤٨). ولكن ذلك لم يثبت بإسنادٍ صحيح إلى النبي ﷺ ، بل روي ذلك عن ابن عباس ﵄، وفي إسناده نظر؛ فهو من رواية علي بن أبي طلحة عنه. روى الطبري في تفسيره (١٣/ ٧) قال: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ إِبْلِيسُ يَوْمَ بَدْرٍ فِي جُنْدٍ مِنَ الشَّيَاطِينِ مَعَهُ رَأَيْتُهُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، فَقَالَ الشَّيْطَانُ لِلْمُشْرِكِينَ: لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ، فَلَمَّا اصْطَفَّ النَّاسُ، أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْضَةً مِنَ التُّرَابِ، فَرَمَى بِهَا فِي وُجُوهِ الْمُشْرِكِينَ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ. وَأَقْبَلَ جِبْرِيلُ إِلَى إِبْلِيسَ، فَلَمَّا رَآهُ، وَكَانَتْ يَدُهُ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، انْتَزَعَ إِبْلِيسُ يَدَهُ، فَوَلَّى مُدْبِرًا هُوَ وَشِيعَتُهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا سُرَاقَةُ تَزْعُمُ أَنَّكَ لَنَا جَارٌ؟ قَالَ: (إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) وَذَلِكَ حِينَ رَأَى الْمَلَائِكَةَ. وقد روى الطبراني في "المعجم الكبير" (٥/ ٤٧) عن رفاعة بن رافع الأنصاري نحو رواية ابن عباس، وإسناده ضعيف؛ فيه "عبد العزيز بن عمران"، وهو ضعيف، وقد ضعفه الهيثمي بسببه في "مجمع الزوائد" (٦/ ٨٢).

стр. 191

ولعله مما يقوِّي معنى ما في الأثرين: حديثٌ مرسل، رواه مالك في "الموطأ" (٩٤٤) عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا رُئِيَ إِبْلِيسُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَذَلِكَ مِمَّا يَرَى مِنْ تَنْزِيلِ الرَّحْمَةِ وَالْعَفْوِ عَنِ الذُّنُوبِ، إِلاَّ مَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ. قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ. (١) وقوله: (يزع الملائكة) أي: يرتبهم، ويسويهم، ويصفهم للحرب. فهذه القصة -لتعدد طرق ورودها- يحتمل أن تكون صحيحة مقبولة). (٢) الرسول ﷺ يقوم بعملية الاستكشاف قوله: (وهناك قام ﷺ بنفسه بعملية الاستكشاف مع رفيقه في الغار أبي بكر الصديق ﵁ وبينما هما يتجولان حول معسكر مكة إذا هما بشيخ من العرب، فسأله رسول الله ﷺ عن قريش وعن محمد وأصحابه -سأل عن الجيشين زيادة في التكتم - ولكن الشيخ قال: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟ فقال له رسول الله ﷺ : (إذا أخبرتنا أخبرناك)، قال: أو ذاك بذاك؟ قال: (نعم). قال الشيخ: فإنه بلغني أن محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا - للمكان الذي به جيش المدينة. وبلغني أن قريشًا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا - للمكان الذي به جيش مكة. ولما فرغ من خبره قال: ممن أنتما؟ فقال له رسول الله ﷺ :

стр. 192

(نحن من ماء)، ثم انصرف عنه، وبقي الشيخ يتفوه: ما من ماء؟ أمن ماء العراق؟). التعليق: القصة فيها انقطاع. القصة فيها انقطاع؛ لأن الراوي لها هو محمد بن يحيى بن حَبان، وقد توفي (١٢١) هـ وهو ابن أربع وسبعين سنة، فبين مولده والقصة قرابة خمس وأربعين سنة. (١) (القصة المذكورة أخرجها ابن إسحاق، كما في "سيرة ابن هشام" (٢/ ١٩٤ - ١٩٥): حدثني محمد بن يحيى بن حَبان به، وهي معضلة، وعنه ابن كثير في "البداية والنهاية" (٣/ ٢٦٣)، وابن الجوزي في الأذكياء (١٤٠ - ١٤١)، وذكرها ابن القيم في "الطرق الحكمية" (ص ٤١)). (٢) الحصول على أهم المعلومات عن الجيش المكي قوله: ( … فأقبل رسول الله ﷺ على الناس فقال: (هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها). التعليق: إسناد صحيح لكنه مرسل. قال العلامة الألباني (٣): (أخرجه ابن هشام (٢/ ٦٥) عن ابن إسحاق قال: حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير بهذه القصة. وهذا إسناد صحيح لكنه مرسل. وقد رواه أحمد رقم (٩٤٨) من حديث علي بن أبي طالب دون قوله: (ثم قال لهما … ) وسنده صحيح، ورواه مسلم (٥/ ١٧٠) مختصراً من حديث أنس).

стр. 193

-عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَصَبْنَا مِنْ ثِمَارِهَا، فَاجْتَوَيْنَاهَا وَأَصَابَنَا بِهَا وَعْكٌ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَبَّرُ عَنْ بَدْرٍ، فَلَمَّا بَلَغَنَا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَقْبَلُوا، سَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى بَدْرٍ، وَبَدْرٌ بِئْرٌ، فَسَبَقْنَا الْمُشْرِكِينَ إِلَيْهَا، فَوَجَدْنَا فِيهَا رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ، رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ، وَمَوْلًى لِعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، فَأَمَّا الْقُرَشِيُّ فَانْفَلَتَ، وَأَمَّا مَوْلَى عُقْبَةَ فَأَخَذْنَاهُ، فَجَعَلْنَا نَقُولُ لَهُ: كَمِ الْقَوْمُ؟ فَيَقُولُ: هُمْ وَاللهِ كَثِيرٌ عَدَدُهُمْ، شَدِيدٌ بَأْسُهُمْ. فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ إِذْ قَالَ ذَلِكَ ضَرَبُوهُ، حَتَّى انْتَهَوْا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: " كَمِ الْقَوْمُ؟ " قَالَ: هُمْ وَاللهِ كَثِيرٌ عَدَدُهُمْ، شَدِيدٌ بَأْسُهُمْ فَجَهَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُخْبِرَهُ كَمْ هُمْ، فَأَبَى ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَهُ: " كَمْ يَنْحَرُونَ مِنَ الْجُزُرِ؟ " فَقَالَ: عَشْرًا كُلَّ يَوْمٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الْقَوْمُ أَلْفٌ، كُلُّ جَزُورٍ لِمِائَةٍ وَتَبِعَهَا ". رواه أحمد حديث (٩٤٨) وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. -عن أنس بن مالك ﵁ قال: فندَب رسولُ الله ﷺ الناسَ فانطلقوا، حتى نزلوا بدراً، وورَدتْ عليهم رَوَايا قريش، وفيهم غلام أسودُ لبني الحجَّاجِ، فأخذوه، فكان أصحابُ النبيِّ ﷺ يسألونه عن أبي سفيان، وأصحابه؟ فيقول: مالي علم بأبي سفيان، ولكنْ هذا أبو جهل، وعُتبةُ، وشَيْبَةُ، وأُميَّةُ بنُ خَلف في الناس، فإذا قال ذلك ضربوه، فقال: نعم أنا أُخبركم، هذا أبو سفيان، فإذا تركوه فسألوه قال: ما لي بأبي سفيان عِلْم، ولكنْ هذا أبو جهل، وعتبةُ، وشيبةُ، وأُمَيَّةُ بنُ خلف في الناس، فإِذا قال هذا أيضاً ضربوه، ورسولُ الله ﷺ قائم يُصلِّي، فلما رأى ذلك انصرف، وقال: والذي نفسي بيده، لَتَضْرِبونه إذا صَدَقَكم، وتتركونَهُ إذا كذبكم، قال: فقال رسولُ الله ﷺ : هذا مَصْرَعُ فلان -ويضع يده على الأَرض هاهنا، وهاهنا - قال: فما مَاطَ أحدُهم عن موضع يدِ رسولِ الله ﷺ . أخرجه مسلم (١٧٧٩)، وأخرجه أبو داود (٢٦٨١). * * * *

стр. 194

الجيش الإسلامي يسبق إلى أهم المراكز العسكرية قوله: (وتحرك رسول الله ﷺ بجيشه ليسبق المشركين إلى ماء بدر، ويحول بينهم وبين الاستيلاء عليه، فنزل عشاء أدنى ماء من مياه بدر، وهنا قام الحُبَاب بن المنذر كخبير عسكري وقال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: (بل هو الرأي والحرب والمكيدة). قال: يا رسول الله، إن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم - قريش -فننزله ونغوّر-أي نُخَرِّب- ما وراءه من القُلُب، ثم نبني عليه حوضًا، فنملأه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله ﷺ : (لقد أشرت بالرأي). التعليق: ضعيف على شهرته في كتب المغازي. وقال الحافظ ابن حجر (١): ( … وروى ابن شاهين بإسناد ضعيف من طريق أبي الطفيل قال: أخبرني الحباب بن المنذر قال: - فذكر القصة -). قال العلامة الألباني (٢): (رواه ابن هشام (٢/ ٦٦) عن ابن إسحاق قال: (فحدثت عن رجال من بني سلمة؛ أنهم ذكروا أن الحباب … )، وهذا سند ضعيف؛ لجهالة الواسطة بين ابن إسحاق والرجال من بني سلمة. وقد وصله الحاكم (٣/ ١٢٦ - ١٢٧) من حديث الحباب، وفي سنده من لم أعرفه. وقال الذهبي في تلخيصه: (قلت: حديث منكر وسنده) كذا بالأصل، ولعله سقط منه (واه) أو نحوه، ورواه الأموي من حديث ابن عباس كما في البداية (٣/ ٢٦٧)، وفيه الكلبي وهو كذاب). وقال الألباني أيضاً: (ضعيف على شهرته في كتب المغازي). (٣)

стр. 195

الهجوم المضاد قوله: (وكذلك سأله عوف بن الحارث وهو ابنُ عفراءَ قال: يا رسولَ اللهِ، ما يُضحِكُ الربَّ من عبدِهِ؟ قال: غَمْسُهُ يدَهُ في العدوِّ حاسرًا، فنزعَ درعًا كانت عليه فقَذَفَهَا، ثم أخذَ سيفَهُ فقاتلَ حتى قُتِلَ). التعليق: منكر قال العلامة الألباني ﵀ (١): (أخرجه ابن إسحاق في " السيرة " (٢/ ٢٦٨): حدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن عوف بن الحارث - وهو: ابن عفراء - قال: يا رسول الله! ما يضحك .. إلخ، فنزع درعاً كانت عليه فقذفها، ثم أخذ سيفه فقاتل حتى قتل، ﵀. ورواه ابن أبي شيبة في " المصنف " (٥/ ٣٣٨): حدثنا يزيد بن هارون: أنا محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: قال معاذ بن عفراء .. كذا قال (معاذ بن عفراء)، وهو خطأ، والظاهر أنه سقط منه: " الحارث، وهو أخو .. ". وأخرجه أبو نعيم في " المعرفة " (٢/ ١٢٩/ ١) من طريق إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق به معنعناً مثل رواية " السيرة ". قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله ثقات، وفيه علتان، إحداهما ظاهرة: وهي الإرسال؛ فإن (عاصم بن عمر) تابعي لم يدرك القصة، فالله أعلم بمن أخبره بها. والأخرى ظاهرة أيضاً: في رواية (يزيد بن هارون) و (إبراهيم بن سعد)، وهي عنعنة ابن إسحاق؛ فقد كان مدلساً معروفاً بذلك، إلا أنه قد صرح بالتحديث في رواية "السيرة "، لكنها من رواية (زياد بن عبد الله

стр. 196

البكائي) عنه، وهو مختلف فيه، وثبته بعضهم في روايته عن ابن إسحاق في (المغازي)، وهذه منها، فهو حجة فيها لولا المخالفة للثقتين المذكورين، فإن سلمت من التدليس؛ فما هي بسالمة من الإرسال. والله أعلم. وإذا ثبت ضعف إسناد الحديث، فقد جاء دور بيان نكارة متنه، فإن قوله: " حاسراً " يعني: ليس على بدنه درع ولا مغفر - كما في " النهاية "-، فمن المستبعد جداً أن يأمر النبي ﷺ من كان عليه درع أن ينزعها؛ وأن يقاتل العدو حاسراً، فإن هذا ينافي كل المنافاة مبدأ الأخذ بأسباب الوقاية الممكنة، والإعداد المأمور به في الآية الكريمة: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ (الأنفال: ٦٠)، كما ينافي سنة النبي ﷺ وسيرته العملية في الجهاد، وقتاله للأعداء، مع كونه أشد الناس شجاعة وتوكلاً على الله، فقد صح عنه أنه كان يضع البيضة (الخوذة) على رأسه. (البخاري: ٢٩٠٢) وأنه هشمت على رأسه يوم أحد. (البخاري: ٢٩١١)، كما صح (فيه: ٢٩٠١) أنه تترس بالترس، وأنه تدرع بالدرع يوم أحد. (٢٩١٥) بل ثبت في " السنن" أنه تظاهر فيه بين درعين. (صحيح أبي داود: ٢٣٣٢)، ودخل مكة يوم الفتح وعليه مغفر. متفق عليه (مختصر الشمائل: رقم ٩١). وليس هذا فقط؛ بل صح عنه ﷺ أنه استعار من صفوان بن أمية مئة درع وما يصلحها من عدتها. (الإرواء: ٥/ ٣٤٥). وهذا من اهتمامه بالأخذ بالأسباب، والمحافظة على حياة المجاهدين معه ﷺ . فليس من المعقول -إذن- أن يصدر منه ﷺ الحض على مخالفة هديه ﷺ ، وهو القائل: "وخير الهدي هدي محمد ". رواه مسلم. فثبت بما تقدم أن متن الحديث منكر، وهو ظاهر جداً. وفي القصة نكارة أخرى، وهي قذف عوف ﵁ للدرع؛ فإنه يدخل في باب إضاعة المال المنهي عنه في حديث المغيرة ﵁ في " الصحيحين " وغيرهما، وما كان للنبي- ﷺ ، ولا أن يقر ذلك؛ بله أن يحض على ما ينتج، أو يكون سبباً لذلك.

стр. 197

نعم؛ يمكن أن يقع نحوه من بعض المجاهدين باجتهاد منه مأجور أجراً واحداً، أو لغلبة حب الاستشهاد في سبيل الله، والنكاية في أعداء الله؛ كما جاء في قصة استشهاد جعفر بن أبي طالب ﵁ في غزوة (مؤتة)، حين اقتحم عن فرسه وعقرها، ثم قاتل حتى قتل ﵁. (صحيح أبي داود: ٢٣١٨)، فهذا مغتفر منه؛ لأنه كان عن اجتهاد منه؛ كما قال الحافظ في " الفتح " (٦/ ٩٧)، واستدل على ذلك بقوله: "والأصل عدم جواز إتلاف المال؛ لأنه يفعل شيئاً محققاً في أمر غير محقق ". قلت: وهذا هو العلم والفقه الصحيح، وقد أشار إلى ذلك الإمام البخاري بقوله في " صحيحه ": باب: من لم ير كسر السلاح عند الموت". وإن مما لا شك فيه أن القذف المذكور في القصة يدخل في هذا الباب وفي الأصل المتقدم عن الحافظ؛ كما هو جلي ظاهر. هذا؛ ولقد كان من البواعث على تخريج هذا الحديث أنني قرأت في " جريدة السبيل " (العدد ١٢١ - السنة الثالثة) مقالاً كتبه دكتور في الجامعة، ساق هذا الحديث مستدلاً به على بعضِ المسائل، قائلاً: "وإنما جعل النبي ﷺ الدخول في مواجهة العدو للقتل من أرفع أنواع الجهاد عندما قال ﷺ للرجل الذي سأله قائلاً: ما الذي يضحك الرب من عبده؟ فقال ﷺ : "أن يغمس يده في العدو حاسراً حافراً (كذا). أي: أن يتوجه إلى العدو من غير درع يقيه السهام والرماح ". قلت: لما قرأت هذا الحديث استغربته؛ لعدم وروده في دواوين السنة المشهورة، ولأن ظاهره مخالف للأدلة القاضية بوجوب الأخذ بوسائل القوة في الجهاد - كما تقدم -، ولكني لما كنت أرى أن هذا لا يكفي في رد الحديث وتضعيفه؛ لاحتمال أن يكون ثابتاً في بعض كتب الحديث، وأن يكون له وجه من المعنى غير ظاهر لنا، كما أنه لا يكفي أن يحكم على الحديث بالصحة لمجرد صحة معناه؛ بل لابد في كل من الحالتين من الرجوع إلى علم الحديث وقواعده، والبحث عن إسناده؛

стр. 198

خلافاً لبعض الكتاب المعاصرين العقلانيين الذين يصححون ويضعفون بعقولهم وأهوائهم؛ كما فعلوا بحديث البخاري: " ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحِرَ [والخمر] والحرير والمعازف .. " الحديث، وبغيره. ومنذ أيام قريبة قيض لي أن أرى في التلفاز والمذيع يعلن عن وفاة شيخ مصري مشهور، صورة ذاك الشيخ وهو يلقي كلمة في بعض المؤتمرات؛ يقول فيها: وقد صح - أو قال: ثبت - عندي أن النبي ﷺ قال: " أحِبُّوا الله لما يغذوكم من نعمه … ". ثم رأيته بكى واضطرب، فقطع البث. وكان هو قد بيَّن وجهة نظره في تصحيح الحديث في مقدمة كتاب له في " السيرة ": أنه يكفي عنده أن يكون معناه " متفقاً مع آية من كتاب الله، أو أثر من سنة صحيحة "! وقد كنت رددت عليه في بعض لقاءاتي معه: أن هذا لا يكفي عند أهل العلم في تصحيح المتن، ونسبته إلى النبي ﷺ ، خشية الوقوع في وعيد قوله ﷺ : " من قال عليَّ ما لم أقل؛ فليتبوأ مقعده من النار ". ورجوت منه أن يعيد النظر في موقفه هذا، فوعد خيراً، ولكنه لم يفعل؛ بل إنه استمر على ما عاش عليه. غفر الله له! من أجل ذلك بادرت إلى البحث عن الحديث، والنظر في سنده؛ لنكون على بينة من أمره، فكان ما رأيت من الضعف في سنده، والنكارة في متنه، ومخالفته لهدي النبي ﷺ . ويرى القراء أن الدكتور الفاضل لم يذكر جملة: " فنزع درعاً كانت عليه فقذفها "، فلا أدري أسقطت من قلمه أو حافظته، أو أنه لاحظ ما تقدم بيانه من النكارة؛ فلم يستجز روايتها، وفي جريدة سيّارةٍ. وعلى كل حال؛ فهنا سؤال يطرح نفسه - كما يقول بعضهم اليوم -: هل يجوز رواية مثل هذا الحديث المنكر سنداً ومتناً، ونشره على الناس

стр. 199

دون أي تنبيه على ضعفه، وعزوه لمصدر من كتب السنة التي تروي الأحاديث بأسانيدها ليتيسر لطالب العلم الرجوع إليها إذا أراد التثبت منها؛ لاسيما وفي آخره لفظ: "حافراً "، وليس له ذكر في شيء من المصادر الثلاثة المتقدمة، ولا فهمت له معنى مناسباً هنا. وأقول الآن: لعل أصل الحديث ما رواه الإمام أحمد في " مسنده " (٥/ ٢٨٧) بإسناد صحيح عن نُعَيْمِ بْنِ هَمَّارٍ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الشُّهَدَاءِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " الَّذِينَ إِنْ يُلْقَوْا فِي الصَّفِّ لَا يَلْفِتُونَ وُجُوهَهُمْ حَتَّى يُقْتَلُوا، أُولَئِكَ يَتَلَبَّطُونَ فِي الْغُرَفِ الْعُلَى مِنَ الْجَنَّةِ، وَيَضْحَكُ إِلَيْهِمْ رَبُّكَ، وَإِذَا ضَحِكَ رَبُّكَ إِلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا فَلَا حِسَابَ عَلَيْهِ ". وقد سبق تخريجه في " سلسلة الأحاديث الصحيحة " برقم (٢٥٥٨) من المجلد السادس، وهو تحت الطبع، وهو وشيك الصدور إن شاء الله تعالى (١). قلت: فهذا يغني عن حديث الترجمة الضعيف، ويقوم مقامه في الاستدلال لمواجهة الأعداء للقتل بنية الجهاد في سبيل الله، والنكاية بهم؛ دون أن يكون فيه نكارة ما. ونحوه قصة عمير بن الحُمام الأنصاري في غزوة بدر من حديث أنس بن مالك قال: … فدنا المشركون، فقال رسول الله ﷺ : " قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض ". قال عمير: يا رسول الله! جنة عرضها السماوات والأرض؛ قال: بخٍ بخٍ. فقال رسول الله ﷺ : " ما يحملك على قولك: بخٍ بخٍ؟ ". قال: لا والله يا رسول الله! إلا رجاء أن أكون من أهلها. فأخرج تمرات من قَرنه، فجعل جمل منهن، ثم قال: لئن أنا حَيِيتُ حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة! قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل ﵁. أخرجه مسلم (٦/ ٤٤).

стр. 200

فهذا ليس انتحاراً يأساً من الحياة، وإنما هو استشهاد في سبيل الله، وشوقاً إلى لقائه في جنة عرضها السماوات والأرض). مصرع أبي جهل قوله: (ولما انتهت المعركة قال رسول الله ﷺ : (من ينظر ما صنع أبو جهل؟) فتفرق الناس في طلبه، فوجده عبد الله بن مسعود ﵁ وبه آخر رمق، فوضع رجله على عنقه وأخذ لحيته ليحتز رأسه، وقال: هل أخزاك الله يا عدو الله؟ قال: وبماذا أخزاني؟ أأعمد من رجل قتلتموه؟ أو هل فوق رجل قتلتموه؟ وقال: فلو غير أكَّار قتلني، ثم قال: أخبرني لمن الدائرة اليوم؟ قال: لله ورسوله، ثم قال لابن مسعود - وكان قد وضع رجله على عنقه-: لقد ارتقيت مرتقى صعبًا يا رُوَيْعِي الغنم، وكان ابن مسعود من رعاة الغنم في مكة. وبعد أن دار بينهما هذا الكلام احتز ابن مسعود رأسه، وجاء به إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، هذا رأس عدو الله أبي جهل، فقال: (الله الذي لا إله إلا هو؟) فرددها ثلاثًا، ثم قال: (الله أكبر، الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، انطلق أرنيه)، فانطلقنا فأريته إياه، فقال: (هذا فرعون هذه الأمة). التعليق: سنده منقطع. قال الألباني (١): (رواه بنحوه ابن هشام (٢/ ٧٢) عن ابن إسحاق بدون إسناد، وبعضه في المسند (رقم ٤٢٤٦)، والبيهقي (٩/ ٦٢) عن ابن مسعود بسند منقطع، وقصة قتل ابن مسعود لأبي جهل صحيحة رواها: البخاري (٧/ ٢٣٥)، ومسلم (٥/ ١٨٣ - ١٨٤)، وأحمد من حديث أنس (٣/ ٢٣٦، ١٢٩، ١١٥)).

стр. 201

وقال شعيب الأرناؤوط (١): (إسناده ضعيف؛ لانقطاعه، أبو عبيدة - وهو ابن عبد الله ابن مسعود -لم يسمع من أبيه، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين). قلت: والانقطاع الذي أشارا إليه هو أن أبا عبيدة عامر بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه ﵁. وهذا أمر مشهور ومعلوم بين أهل العلم؛ فقد (قال جماعة من العلماء بأنه لم يسمع من أبيه، منهم: أبو حاتم الرازي، ابن سعد، قال: (ذكروا أنه لم يسمع من أبيه)، الترمذي، النسائي في (السنن) (٣/ ١٠٥)، البيهقي - كما في (نصب الراية) (١/ ١٤٦)، المنذري، العراقي، الحافظ ابن حجر، البوصيري في (الزوائد)، نور الدين الهيثمي في (المجمع) انظر مثلاً (٢/ ٦٠ و ٦/ ٧١ و ٧/ ١٩٣)، النووي في (المجموع) (٣/ ٦٩)، الشيخ أحمد شاكر في مواضع كثيرة من (المسند). وانظر (٦/ ٤، ٢٣، ٢٤، ٣٢، ٤٤، ٤٥، ٦٧، ٦٨، ٨١، ٨٩، ٩٥، ٩٩، ١١٩، ١٢٣، ١٢٤، ١٢٥، ١٥٦، ١٨١، ١٩٩، ٢٠١) وكذا في تعليقه على (الروضة الندية) (ص ١٧٣). شيخنا الألباني في مواضع، منها (الضعيفة) رقم (١٧٥، ٣٣٤، ٦١٥، ٩٦٥). (٢) بالرغم من ذلك ورد عن بعض أهل العلم قبول رواية أبي عبيدة عن أبيه مع إقرارهم بأنه لم يسمع منه، قال الحافظ ابن رجب (٣): (وخرَّج الإمام أحمد من رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، قال: لمَّا نزلت على رسول الله (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) [النصر: ١] كان يكثر إذا قرأها وركع أن يقول: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، إنك أنت التواب الرحيم) - ثلاثاً-. وأبو عبيدة، لم يسمع من أبيه، لكن رواياته عنه صحيحة). وقال أيضاً (٤): (وأبو عبيدة، لم يسمع من أبيه،

стр. 202

لكن رواياته عنه أخذها عن أهل بيته، فهي صحيحة عندهم). قال الشيخ عبد الله بن مانع -حفظه الله-: (وقرر الحافظ ابن رجب نحوه في شرح العلل، ونقل عن الأئمة ما يدل على ذلك، وقد قال الدار قطني في سننه في كتاب الديات (١): (لما رواه أبو عبيدة عن أبيه بالسند الصحيح الذي لا مطعن فيه ولا تأويل، وأبو عبيدة أعلم بحديث أبيه وبمذهبه من خُشَيف بن مالك ونظرائه). والأصل في رواية أبي عبيدة عن أبيه القبول إذا استقام الإسناد والمتن). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢): (ويقال: إن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه؛ لكن هو عالم بحال أبيه، متلق لآثاره من أكابر أصحاب أبيه، وهذه حال متكررة من عبد الله ﵁ فتكون مشهورة عند أصحابه، فيكثر المتحدث بها، ولم يكن في أصحاب عبد الله من يتهم عليه حتى يخاف أن يكون هو الواسطة؛ فلهذا صار الناس يحتجون برواية ابنه عنه، وإن قيل: إنه لم يسمع من أبيه). الخلاصة: أن قصة مقتل ابن مسعود لأبي جهل صحيحة فقد وردت في البخاري (رقم ٣١٤١، ٣٩٦٤، ٣٩٦٣، ٣٩٦٢، ٣٩٦١)، وصحيح مسلم (رقم ١٨٠٠). دون هذه اللفظة (هذا فرعون هذه الأمة)، وقد عرفت الخلاف الوارد فيها؛ لأنها من رواية أبي عبيدة عن أبيه ابن مسعود وهو لم يسمع منه. ولمزيد من البحث انظر: - النافلة في الأحاديث الضعيفة والباطلة للشيخ أبي إسحاق الحويني (١/ ٢٦ - ٣١) حديث رقم (٦).

стр. 203

- رسالة ماجستير نوقشت بجامعة أم القرى للباحث عبدالله بن عبد الرحيم البخاري عنوانها: (مرويات أبي عبيدة عن عبدالله بن مسعود جمع ودراسة وتخريج) طبعت في دار أضواء السلف المصرية. من روائع الإيمان في هذه المعركة قوله: ١ - روى ابن إسحاق عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال لأصحابه: (إني قد عرفت أن رجالًا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرهًا، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي أحدًا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البَخْتَرِيّ بن هشام فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فإنه إنما أخرج مستكرهًا)، فقال أبو حذيفة بن عتبة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العباس، والله لئن لقيته لألحمنه -أو لألجمنه- بالسيف، فبلغت رسول الله ﷺ ، فقال لعمر بن الخطاب: (يا أبا حفص، أيضرب وجه عم رسول الله ﷺ بالسيف)، فقال عمر: يا رسول الله، دعني فلأضرب عنقه بالسيف، فوالله لقد نافق. فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفًا إلا أن تكفرها عنى الشهادة. فقتل يوم اليمامة شهيدًا). التعليق: إسناده ضعيف. قال عبد السلام بن محسن آل عيسى (١): (رواه ابن إسحاق/ سيرة ابن هشام (١/ ٢٢٤)، قال: حدّثني العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله عن ابن عباس. وهذا السند رجاله ثقات، ولكن فيه إبهامُ بالبعض الذين يروي عنهم العباس بن عبد الله بن معبد، ورواه جميع من رواه من طريق العباس بن

стр. 204

عبد الله بن معبد وهم: ابن سعد/ الطبقات (٤/ ١١)، الطبري/ تاريخ الرسل والملوك (٢/ ٣٤)، البيهقي/ دلائل النبوة (٣/ ١٤٠، ١٤١). ورواه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٢٣) أيضاً من طريق محمّد بن إسحاق عن العباس بن معبد غير أنه قال فيه: عن أبيه عن ابن عباس فيكون السند متصلاً لكن الحاكم خالف في ذلك جميع من روى الخبر، ورجال سنده هم رجال السند عند البيهقي وغيره بل رواه البيهقي من طريق الحاكم وهو شيخه، فإن ثبت ما في سند الحاكم كان السند متصلاً والأثر حسناً (١)، وإلا فإن السند ضعيف لإبهام الراوي عن ابن عباس. وأمّا ما وقع في سند الحاكم من تسمية شيخ محمّد بن إسحاق بالعباس بن معبد فقد خالف فيه أيضاً جميع من روى الأثر، حيث إنهم قالوا: (العباس بن عبد الله بن معبد). والذي اتضح لدي بعد الرجوع إلى كتب التراجم وكتب المؤتلف والمختلف في الأسماء أنه رجلٌ واحدٌ وقد نسبه الحاكم لجده، لأن العباس بن عبد الله بن معبد يروي عن أبيه كما في رواية الحاكم، ويروي عن بعض أهله كما نصّ على ذلك المزي في تهذيب الكمال. والله أعلم). قوله: ٢ - (وقتل عمر بن الخطاب ﵁ يومئذ خاله العاص بن هشام بن المغيرة، ولم يلتفت إلى قرابته منه) التعليق: ضعيف قال الحافظ ابن كثير ﵀ (٢): (منقطع وهو كالمشهور). وقال علوي السقاف (٣): (ضعيف. رواه ابن إسحاق بإسناد منقطع. انظر: (السيرة النبوية) (٢/ ٣٣٦)). وما يجدر الإشارة إليه أن ما يشاع أن أبا عبيدة بن عامر بن الجراح ﵁

стр. 205

قتل أباه يوم بدر وفيه نزل قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ … ﴾ (المجادلة: ٢٢) غير صحيح. قال العوشن (١): (قال الحافظ ابن حجر (في الفتح) في مناقب أبي عبيدة بن الجراح ﵁: (وقُتل أبوه كافرًا يوم بدر، ويقال: إنه هو الذي قتله، ورواه الطبراني وغيره من طريق عبد الله بن شوذب مرسلًا). (٢) وقال ﵀ في (التلخيص): (روى الحاكم والبيهقي منقطعًا عن عبد الله بن شوذب قال: (جعل أبو عبيدة بن الجراح ينعت الآلهة لأبي عبيدة يوم بدر، وجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر قصده أبو عبيدة فقتله) وهذا معضل، وكان الواقدي ينكره ويقول: مات والد أبي عبيدة قبل الإِسلام). (٣) وقال في (الإصابة) في ترجمته: (ويقال: إنه قتل أباه يوم بدر ونزلت فيه ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ … ﴾ وهو فيما أخرجه الطبراني بسند جيد عن عبد الله بن شوذب قال: (جعل والد أبي عبيدة يتصدى لأبي عبيدة يوم بدر فيحيد عنه، فلما أكثر قصده فقتله فنزلت). (٤) وأقوال الحافظ الثلاثة في (الفتح)، وفي (التلخيص)، وفي (الإصابة) ووصفه للخبر بأنه مرسل، وفي الأخرى بأنه معضل، وفي الثالثة بأنّ سند جيد لا تعارض بينها عند التأمل. وعبد الله بن شَوْذب أكثر الأئمة على توثيقه، لكن الخبر منقطع، وابن شوذب وُلد سنة ٨٦ هـ، ومات سنة ١٤٤ هـ، وقيل: ١٥٦ هـ. (٥) ولذا قال ابن الملقِّن: (وهذا مرسل على قول الأكثر، وعلى قول من زعم أن المرسل

стр. 206

لا يكون إلا من التابعين يكون معضلًا؛ لأن عبد الله هذا إنما يروي عن التابعين). (١) قوله: ٦ - (ولما وضع القوم أيديهم يأسرون، ورسول الله ﷺ في العريش، وسعد بن معاذ قائم على بابه يحرسه متوشحًا سيفه، رأى رسول الله ﷺ في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس، فقال له: والله لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم؟ قال: أجل والله يا رسول الله، كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الإثخان في القتل بأهل الشرك أحب إلي من استبقاء الرجال). التعليق: إسناده ضعيف. قال علوي السقاف (٢): (إسناده ضعيف. رواه ابن إسحاق معلقاً، ومن طريقه الطبري. انظر: (تفسير الطبري) (١٤/ ٤٧١ ـ شاكر)، (السيرة النبوية) (٢/ ٣٢٤)). قوله: ٧ - (وانقطع يومئذ سيف عُكَّاشَة بن مِحْصَن الأسدي، فأتى رسول الله ﷺ فأعطاه جِذْلًا من حطب، فقال: (قاتل بهذا يا عكاشة)، فلما أخذه من رسول الله ﷺ هزه، فعاد سيفًا في يده طويل القامة، شديد المتن، أبيض الحديدة، فقاتل به حتى فتح الله تعالى للمسلمين، وكان ذلك السيف يسمى العَوْن، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد، حتى قتل في حروب الردة وهو عنده). التعليق: ليس له إسناد. قال الأرناؤوط (٣): (انظر سيرة ابن هشام بغير سند).

стр. 207

قال العوشن (١): (قال الإمام الذهبي-﵀: (هكذا رواه ابن إسحاق بلا سند، وقد رواه الواقدي قال: … ) (٢). والواقدي متروك. ومن طريقه أيضاً رواه البيهقي في (الدلائل) (٣). قوله: (٨ - وبعد انتهاء المعركة مر مصعب بن عمير العبدري بأخيه أبي عزيز بن عمير الذي خاض المعركة ضد المسلمين، مر به وأحد الأنصار يشد يده، فقال مصعب للأنصاري: شد يديك به، فإن أمه ذات متاع، لعلها تفديه منك، فقال أبو عزيز لأخيه مصعب: أهذه وصاتك بي؟ فقال مصعب: إنه -أي: الأنصاري- أخي دونك). التعليق: ضعيف. - قال علوي السقاف (٤): (رواه ابن إسحاق عن نبيه بن وهب عن أبي عَزِيز (٥) بن عمير، وهذا سند منقطع، نبيه لم يسمع من أبي عزيز. ومن هذا الطريق رواه الطبراني في (الكبير) و (الصغير). - تنبيه: أورد ابن حجر في (الإصابة) إسناد ابن إسحاق، وعنده الواسطة التي بين نُبيه وأبي عزيز مجهولة، فقال: (قال ابن إسحاق: فحدثني نبيه بن وهب؛ قال: سمعت من يذكر عن أبي عزيز … ). انظر: (السيرة النبوية) (٢/ ٣٤٩)، (المعجم الصغير) (١/ ٢٥٠)، (مجمع الزوائد) (٦/ ٨٦)، (الإصابة) (٤/ ١٣٣)، (ضعيف الجامع) (رقم ٨٣٢). قوله: (٩ - ولما أمر بإلقاء جيف المشركين في القَلِيب، وأخذ عتبة بن

стр. 208

ربيعة فسحب إلى القليب، نظر رسول الله ﷺ في وجه ابنه أبي حذيفة، فإذا هو كئيب قد تغير، فقال: (يا أبا حذيفة، لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء؟) فقال: لا والله، يا رسول الله، ما شككت في أبي ولا مصرعه، ولكنني كنت أعرف من أبي رأيًا وحلمًا وفضلًا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام، فلما رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له أحزنني ذلك. فدعا له رسول الله ﷺ بخير، وقال له خيرًا). التعليق: حديث ضعيف. قال العلامة الألباني (١): (حديث ضعيف. رواه ابن هشام (٢/ ٧٥) عن ابن إسحاق بلاغاً). قتلى الفريقين قوله: (ولما انقضت الحرب أقبل رسول الله ﷺ -حتى وقف على القتلى فقال: (بئس العشيرة كنتم لنبيكم؛ كذبتموني وصدقني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس). التعليق: ضعيف. قال العلامة الألباني (٢): (حديث ضعيف. رواه ابن هشام (٢/ ٧٤) عن ابن إسحاق قال: حدثني بعض أهل العلم. وهذا إسناد متصل وقد رواه أحمد (٦/ ١٧٠) (٣) من طريق إبراهيم عن عائشة مرفوعاً بلفظ: (جزاكم الله شراً

стр. 209

من قوم نبي، ما كان أسوأ الطرد، وأشد التكذيب) رجاله ثقات لكنه منقطع بين إبراهيم -وهو النخعي- وبين عائشة). قال الشيخ عبدالله بن مانع- حفظه الله-: (إبراهيم النخعي رأى عائشة ولم يسمع منها … قال أبو حاتم: لم يلق أحداً من الصحابة إلا عائشة ولم يسمع منها). الجيش النبوي يتحرك نحو المدينة قوله: (وعندما وصل إلى الصفراء أمر بقتل النضر بن الحارث- وكان هو حامل لواء المشركين يوم بدر، وكان من أكابر مجرمي قريش، ومن أشد الناس كيدا للإسلام، وإيذاء لرسول الله ﷺ فضرب عنقه علي بن أبي طالب. ولما وصل إلى عِرْق الظُّبْيَةِ أمر بقتل عُقْبَة بن أبي مُعَيْط- وقد أسلفنا بعض ما كان عليه من إيذاء رسول الله ﷺ ، فهو الذي كان ألقى سَلا جَزُور على ظهر رسول الله ﷺ وهو في الصلاة، وهو الذي خنقه بردائه وكاد يقتله، لولا اعتراض أبي بكر ﵁ فلما أمر بقتله قال: من للصِّبْيَةِ يا محمد؟ قال: (النار). فقتله عاصم بن ثابت الأنصاري، ويقال: علي بن أبي طالب). التعليق: ضعيف. قال العلامة الألباني (١): (ضعيف. رواه البيهقي (٩/ ٦٤) عن الشافعي: أنبأ عدد من أهل العلم من قريش وغيرهم من أهل العلم بالمغازي أن رسول الله- ﷺ أسر النضر بن الحارث العبدي يوم بدر وقتله بالبادية أو الأثيل صبراً، وأسر عقبة بن أبي معيط فقتله صبراً ". قلت: وهذا معضل كما ترى. وقال ابن إسحاق في سياق قصة بدر:

стр. 210

ثم أقبل رسول الله ﷺ قافلاً إلى المدينة ومعه الأسرى من المشركين وفيهم عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث … حتى إذا كان رسول الله ﷺ بالصفراء قتل النضر بن الحارث قتله علي بن أبي طالب كما أخبرني بعض أهل العلم من أهل مكة. ثم خرج حتى إذا كان عرق الظبية قتل عقبة بن أبي معيط. فقال عقبة حين أمر رسول الله ﷺ بقتله: فمن للصبية يا محمد! قال: النار. فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري أخو بني عمرو بن عوف كما حدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر. ذكره ابن هشام في " السيرة " (٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨) ثم قال: "ويقال قتله علي بن أبي طالب فيما ذكر لي ابن شهاب الزهري وغيره من أهل العلم ". وفي " البداية " للحافظ ابن كثير (٣/ ٣٠٥ - ٣٠٦): " وقال حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن الشعبي قال: " لما أمر النبي- ﷺ بقتل عقبة قال: أتقتلني يا محمد من بين قريش؟ قال: نعم. أتدرون ما صنع هذا بي؟ جاء وأنا ساجد خلف المقام فوضع رجله على عنقي وغمزها فما رفعها حتى ظننت أن عيني ستندران وجاء مرة أخرى بسلا شاة فألقاه على رأسي وأنا ساجد فجاءت فاطمة فغسلته عن رأسي ". قلت: وهذا مرسل. وجملة القول إني لم أجد لهذه القصة إسناداً تقوم به الحجة على شهرتها في كتب السيرة وما كل ما يذكر فيها ويساق مساق المسلمات يكون على نهج أهل الحديث من الأمور الثابتات. نعم قد وجدت لقصة عقبة خاصة أصلاً فيما رواه عمرو بن مرة عن إبراهيم قال: أراد الضحاك بن قيس أن يستعمل مسروقاً. فقال له عمارة بن عقبة: أتستعمل رجلاً من بقايا قتلة عثمان؟! فقال له مسروق: حدثنا عبد الله بن مسعود - وكان في أنفسنا موثوق الحديث- أن النبي ﷺ لما أراد قتل أبيك قال: من للصبية؟ قال: النار. فقد رضيت لك ما رضي لك رسول الله ﷺ . أخرجه أبو داود (٢٦٨٦) والبيهقي (٩/ ٦٥) من طريق عبد الله بن جعفر الرقي قال: أخبرني عبد الله بن عمرو بن زيد بن أبي أنيسة عن عمرو ابن مرة. قلت: وهذا إسناد جيد رجاله ثقات كلهم رجال الشيخين).

стр. 211

القرآن يتحدث حول موضوع المعركة قوله: (وحول موضوع هذه المعركة نزلت سورة الأنفال، وهذه السورة تعليق إلهي- إن صح هذا التعبير- على هذه المعركة، يختلف كثيراً عن التعاليق التي ينطق بها الملوك والقواد بعد الفتح). التعليق: وصف المؤلف-﵀ سورة الأنفال أنها تعليق إلهي تعبير- إن صح هذا التعبير- فيه تجوز الأولى أن يصان كلام الله عنه. النشاط العسكري بين بدر وأحد قوله: (وقد لعب المسلمون دوراً هاماً للقضاء على هذه الأخطار، تظهر فيه عبقرية قيادة النبي ﷺ ، وما كان عليه من غاية التيقظ حول هذه الأخطار، وما كان عليه من حسن التخطيط للقضاء عليها). التعليق: من ناحيتين: الأولى: قوله: (وقد لعب المسلمون دوراً .. ) لو استخدم المؤلف كلمة أخرى بدلاً من (لعب المسلمون دوراً) لكان أولى فهي غير لائقة لمكانة النبي ﷺ والمسلمين وما فعلوه كما ذكر. وهذه الكلمة كثر استعمالها الآن وبخاصة من قبل أهل الفساد من الممثلين في أعمالهم الساقطة كالمسرحيات وغيرها، وبالرجوع إلى معاجم اللغة تجد أن اللعب ضد الجد، قال ابن منظور (١): (لعب: اللَّعِبُ واللَّعْبُ ضدُّ الجِدِّ، … ويقال: لكل من عَمِلَ عملاً لا يُجْدي عليه نَفْعاً إِنما أَنتَ لاعِبٌ … ).

стр. 212

وهذا لا يتناسب مع ما قام به المسلمون من الجهاد في سبيل الله؛ فالأولى أن يقول: (ولقد جاهد المسلمون جهاداً كبيراً … ). الثانية: وصف الرسول ﷺ بالعبقرية. قد تكرر من قبل المؤلف أكثر من مرة: هنا في هذا المثال، وقوله ص (٣٧٨) تحت عنوان (نظرة على الغزوات): (وأشدهم وأعمقهم فراسة وتيقظاً، إنه صاحب عبقرية فذة في هذا الوصف … وقد تجلت عبقريته ﷺ في هاتين الغزوتين (أحد وحنين) عند هزيمة المسلمين … ) التعليق: العبقري والعبقرية نسبة إلى "عبقر"، وقال الزبيدي "تاج العروس" (١٢/ ٥١٤): ( … نَسَبُوا إليه كلَّ شيْءٍ تَعَجَّبُوا من حِذْقِه أَو جَوْدَةِ صَنْعَتِه وقُوَّتِه). وقد ورد الوصف بالعبقرية في السنة النبوية؛ روى البخاري في صحيحه (٣٦٧٦، وغيره)، ومسلم (٢٣٩٣) من حديث عبد اللَّهِ بن عُمَرَ ﵄ أَنَّ النبي ﷺ قال: أُرِيتُ في الْمَنَامِ أَنِّي أَنْزِعُ بِدَلْوِ بَكْرَةٍ على قَلِيبٍ فَجَاءَ أبو بَكْرٍ فَنَزَعَ ذَنُوبًا أو ذَنُوبَيْنِ نَزْعًا ضَعِيفًا وَاللَّهُ يَغْفِرُ له، ثُمَّ جاء عُمَرُ بن الْخَطَّابِ فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا، فلم أَرَ عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرِيَّهُ حتى رَوِيَ الناسُ وَضَرَبُوا بِعَطَنٍ. والحديث مروي عن غير ابن عمر في الصحيحين وغيرهما. قال ابن الأثير (١): (عبقري القوم سيدهم وكبيرهم وقويهم، والأصل في العبقري - فيما قيل - أن عبقر قرية يسكنها الجن، فيما يزعمون، فكلما رأوا شيئًا فائقًا غريبًا مما يصعب عمله ويدق، أو شيئًا عظيمًا في نفسه نسبوه إليها فقالوا: عبقريٌّ).

стр. 213

وعلى ذلك فاستعمال وصف العبقريِّ، بمعنى كبير القوم وسيدهم وقويهم في حق النبي ﷺ ، لا شيء فيه، ولم يرد في الشرع ما يمنع من وصف النبي ﷺ به. لكن هناك أمر مهم ولطيف أشار إليه شيخنا الأستاذ الدكتور: ناصر بن عبد الكريم العقل-حفظه الله- (١) في فصل مزاعم المدرسة العقلية في نبينا محمد ﷺ وإن كان المؤلف هنا لا يقصد ذلك، وإنما نبهت عليه لانتشار استعمال هذا اللفظ من قبلهم-: (وأكثر ما اهتمت به المدرسة العقلية من شخص النبي ﷺ ، جانب العبقرية، فهي تريد أن تضيف كل ما قاله، أو فعله ﷺ إلى عبقريته الفردية الفذة، بدعوى أن جانب الوحي والنبوة والرسالة أمور غيبية روحية، لا تثبت أمام البحث العلمي، والموضوعية، ولا قيمة لها في نظر العلم الحديث الذي قذف بها في عالم الأساطير والخرافات. أما العبقرية -على حد زعمهم- فهي صفة إنسانية يقرها العلم ويحترمها ويقدسها ويمكن للمسلمين أن يثبتوها علميًا حسب مقررات العلم الحديث (كذا يزعمون). وكل ذلك انهزامية وضعف إيمان بالله ورسالاته، وجهل بكتاب الله وسنة رسوله. وأكبر دليل على ذلك أن غالب مؤلفات العقلية الحديثة تحمل في عناوينها اسم الرسول (محمد) مجردة دون اعتبار للنبوة والرسالة ويحيدون عن وصفه بالنبوة والرسالة التي هي أهم خصائصه ﷺ (بأبي هو وأمي). وذلك مثل: "عبقرية محمد" للعقاد، و"إنسانيات محمد" لخالد محمد خالد، و"حياة محمد" لهيكل، و"محمد والقوى المضادة" لمحمد أحمد خلف الله، و"محمد" لمصطفى محمود، و"محمد" لتوفيق الحكيم، وهم يفعلون ذلك باسم العلمية ومسايرة الرقي العقلي الذي وصلت إليه

стр. 214

الإنسانية، ذلك الرقي الذي يكبر العبقرية ويعظمها، أما النبوة فلم تعد تهمه بل وصل ببعضهم الانهزام الفكري والعقدي إلى أن جعل العبقرية مساوية للنبوة ولها نفس الخصائص التي في النبوة). وعلى ذلك فلابد من النظر إلى الوصف بالعبقرية في سياقه، ومراعاة ممن صدر، وما هدفه من ذلك؟ مؤامرة لاغتيال النبي ﷺ - قوله: (جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية في الحِجْر بعد وقعة بدر بيسير - وكان عمير من شياطين قريش ممن كان يؤذي النبي ﷺ وأصحابه وهم بمكة - وكان ابنه وهب بن عمير في أساري بدر، فذكر أصحاب القَلِيب ومصابهم، فقال صفوان: والله إن في العيش بعدهم خير. قال له عمير: صدقت واللّه، أما واللّه لولا دَيْن على ليس له عندي قضاء، وعيال أخشي عليهم الضَّيْعةَ بعدي لركبتُ إلى محمد حتى أقتله، فإن لي قِبَلَهُمْ عِلَّةً، ابني أسير في أيديهم. فاغتنمها صفوان وقال: علي دينك، أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي، أواسيهم ما بقوا، لا يسعني شيء ويعجز عنهم. فقال له عمير: فاكتم عني شأني وشأنك. قال: أفعل. ثم أمر عمير بسيفه فشُحِذَ له وسُمَّ، ثم انطلق حتى قدم به المدينة، فبينما هو على باب المسجد ينيخ راحلته رآه عمر بن الخطاب -وهو في نفر من المسلمين يتحدثون ما أكرمهم الله به يوم بدر- فقال عمر: هذا الكلب عدو الله عمير ما جاء إلا لشر. ثم دخل على النبي ﷺ ، فقال: يا نبي الله، هذا عدو الله عمير قد جاء متوشحاً سيفه، قال: (فأدخله علي)، فأقبل إلى عمير فلَبَّبَهُ بحَمَالة سيفه، وقال لرجال من الأنصار: ادخلوا على رسول الله ﷺ ، فاجلسوا عنده واحذروا عليه من هذا

стр. 215

الخبيث، فإنه غير مأمون، ثم دخل به، فلما رآه رسول الله ﷺ وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه - قال: (أرسله يا عمر، ادن يا عمير)، فدنا وقال: أنْعِمُوا صباحاً، فقال النبي- ﷺ : (قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام تحية أهل الجنة). ثم قال: (ما جاء بك يا عمير؟) قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم، فأحسنوا فيه. قال: (فما بال السيف في عنقك؟) قال: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئاً؟ قال: (اصدقني، ما الذي جئت له؟) قال: ما جئت إلا لذلك. قال: (بل قعدتَ أنت وصفوان بن أمية في الحِجْر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمداً، فتحمل صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني، والله حائل بينك وبين ذلك). قال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام، وساقني هذا المساق، ثم تشهد شهادة الحق. فقال رسول الله ﷺ : (فقهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره). وأما صفوان فكان يقول: أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر. وكان يسأل الركبان عن عمير، حتى أخبره راكب عن إسلامه فحلف صفوان ألا يكلمه أبدًا، ولا ينفعه بنفع أبداً. ورجع عمير إلى مكة وأقام بها يدعو إلى الإسلام، فأسلم على يديه ناس كثير). التعليق: مرسل جيد عن عروة.
следующие страницы →