القرآن يتحدث حول موضوع المعركة
قوله: (وحول موضوع هذه المعركة نزلت سورة الأنفال، وهذه السورة تعليق إلهي- إن صح هذا التعبير- على هذه المعركة، يختلف كثيراً عن التعاليق التي ينطق بها الملوك والقواد بعد الفتح).
التعليق: وصف المؤلف-﵀ سورة الأنفال أنها تعليق إلهي تعبير- إن صح هذا التعبير- فيه تجوز الأولى أن يصان كلام الله عنه.
النشاط العسكري بين بدر وأحد
قوله: (وقد لعب المسلمون دوراً هاماً للقضاء على هذه الأخطار، تظهر فيه عبقرية قيادة النبي ﷺ ، وما كان عليه من غاية التيقظ حول هذه الأخطار، وما كان عليه من حسن التخطيط للقضاء عليها).
التعليق: من ناحيتين:
الأولى: قوله: (وقد لعب المسلمون دوراً .. )
لو استخدم المؤلف كلمة أخرى بدلاً من (لعب المسلمون دوراً) لكان أولى فهي غير لائقة لمكانة النبي ﷺ والمسلمين وما فعلوه كما ذكر.
وهذه الكلمة كثر استعمالها الآن وبخاصة من قبل أهل الفساد من الممثلين في أعمالهم الساقطة كالمسرحيات وغيرها، وبالرجوع إلى معاجم اللغة تجد أن اللعب ضد الجد، قال ابن منظور (١): (لعب: اللَّعِبُ واللَّعْبُ ضدُّ الجِدِّ، … ويقال: لكل من عَمِلَ عملاً لا يُجْدي عليه نَفْعاً إِنما أَنتَ لاعِبٌ … ).
стр. 212
وهذا لا يتناسب مع ما قام به المسلمون من الجهاد في سبيل الله؛ فالأولى أن يقول:
(ولقد جاهد المسلمون جهاداً كبيراً … ).
الثانية: وصف الرسول ﷺ بالعبقرية. قد تكرر من قبل المؤلف أكثر من مرة: هنا في هذا المثال، وقوله ص (٣٧٨) تحت عنوان (نظرة على الغزوات):
(وأشدهم وأعمقهم فراسة وتيقظاً، إنه صاحب عبقرية فذة في هذا الوصف … وقد تجلت عبقريته ﷺ في هاتين الغزوتين (أحد وحنين) عند هزيمة المسلمين … )
التعليق: العبقري والعبقرية نسبة إلى "عبقر"، وقال الزبيدي "تاج العروس" (١٢/ ٥١٤): ( … نَسَبُوا إليه كلَّ شيْءٍ تَعَجَّبُوا من حِذْقِه أَو جَوْدَةِ صَنْعَتِه وقُوَّتِه).
وقد ورد الوصف بالعبقرية في السنة النبوية؛ روى البخاري في صحيحه (٣٦٧٦، وغيره)، ومسلم (٢٣٩٣) من حديث عبد اللَّهِ بن عُمَرَ ﵄ أَنَّ النبي ﷺ قال: أُرِيتُ في الْمَنَامِ أَنِّي أَنْزِعُ بِدَلْوِ بَكْرَةٍ على قَلِيبٍ فَجَاءَ أبو بَكْرٍ فَنَزَعَ ذَنُوبًا أو ذَنُوبَيْنِ نَزْعًا ضَعِيفًا وَاللَّهُ يَغْفِرُ له، ثُمَّ جاء عُمَرُ بن الْخَطَّابِ فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا، فلم أَرَ عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرِيَّهُ حتى رَوِيَ الناسُ وَضَرَبُوا بِعَطَنٍ. والحديث مروي عن غير ابن عمر في الصحيحين وغيرهما.
قال ابن الأثير (١): (عبقري القوم سيدهم وكبيرهم وقويهم، والأصل في العبقري - فيما قيل - أن عبقر قرية يسكنها الجن، فيما يزعمون، فكلما رأوا شيئًا فائقًا غريبًا مما يصعب عمله ويدق، أو شيئًا عظيمًا في نفسه نسبوه إليها فقالوا: عبقريٌّ).
стр. 213
وعلى ذلك فاستعمال وصف العبقريِّ، بمعنى كبير القوم وسيدهم وقويهم في حق النبي ﷺ ، لا شيء فيه، ولم يرد في الشرع ما يمنع من وصف النبي ﷺ به.
لكن هناك أمر مهم ولطيف أشار إليه شيخنا الأستاذ الدكتور: ناصر بن عبد الكريم العقل-حفظه الله- (١) في فصل مزاعم المدرسة العقلية في نبينا محمد ﷺ وإن كان المؤلف هنا لا يقصد ذلك، وإنما نبهت عليه لانتشار استعمال هذا اللفظ من قبلهم-: (وأكثر ما اهتمت به المدرسة العقلية من شخص النبي ﷺ ، جانب العبقرية، فهي تريد أن تضيف كل ما قاله، أو فعله ﷺ إلى عبقريته الفردية الفذة، بدعوى أن جانب الوحي والنبوة والرسالة أمور غيبية روحية، لا تثبت أمام البحث العلمي، والموضوعية، ولا قيمة لها في نظر العلم الحديث الذي قذف بها في عالم الأساطير والخرافات.
أما العبقرية -على حد زعمهم- فهي صفة إنسانية يقرها العلم ويحترمها ويقدسها ويمكن للمسلمين أن يثبتوها علميًا حسب مقررات العلم الحديث (كذا يزعمون). وكل ذلك انهزامية وضعف إيمان بالله ورسالاته، وجهل بكتاب الله وسنة رسوله.
وأكبر دليل على ذلك أن غالب مؤلفات العقلية الحديثة تحمل في عناوينها اسم الرسول (محمد) مجردة دون اعتبار للنبوة والرسالة ويحيدون عن وصفه بالنبوة والرسالة التي هي أهم خصائصه ﷺ (بأبي هو وأمي).
وذلك مثل: "عبقرية محمد" للعقاد، و"إنسانيات محمد" لخالد محمد خالد، و"حياة محمد" لهيكل، و"محمد والقوى المضادة" لمحمد أحمد خلف الله، و"محمد" لمصطفى محمود، و"محمد" لتوفيق الحكيم، وهم يفعلون ذلك باسم العلمية ومسايرة الرقي العقلي الذي وصلت إليه
стр. 214
الإنسانية، ذلك الرقي الذي يكبر العبقرية ويعظمها، أما النبوة فلم تعد تهمه بل وصل ببعضهم الانهزام الفكري والعقدي إلى أن جعل العبقرية مساوية للنبوة ولها نفس الخصائص التي في النبوة).
وعلى ذلك فلابد من النظر إلى الوصف بالعبقرية في سياقه، ومراعاة ممن صدر، وما هدفه من ذلك؟
مؤامرة لاغتيال النبي ﷺ -
قوله: (جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية في الحِجْر بعد وقعة بدر بيسير - وكان عمير من شياطين قريش ممن كان يؤذي النبي ﷺ وأصحابه وهم بمكة - وكان ابنه وهب بن عمير في أساري بدر، فذكر أصحاب القَلِيب ومصابهم، فقال صفوان: والله إن في العيش بعدهم خير.
قال له عمير: صدقت واللّه، أما واللّه لولا دَيْن على ليس له عندي قضاء، وعيال أخشي عليهم الضَّيْعةَ بعدي لركبتُ إلى محمد حتى أقتله، فإن لي قِبَلَهُمْ عِلَّةً، ابني أسير في أيديهم.
فاغتنمها صفوان وقال: علي دينك، أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي، أواسيهم ما بقوا، لا يسعني شيء ويعجز عنهم.
فقال له عمير: فاكتم عني شأني وشأنك. قال: أفعل.
ثم أمر عمير بسيفه فشُحِذَ له وسُمَّ، ثم انطلق حتى قدم به المدينة، فبينما هو على باب المسجد ينيخ راحلته رآه عمر بن الخطاب -وهو في نفر من المسلمين يتحدثون ما أكرمهم الله به يوم بدر- فقال عمر: هذا الكلب عدو الله عمير ما جاء إلا لشر. ثم دخل على النبي ﷺ ، فقال: يا نبي الله، هذا عدو الله عمير قد جاء متوشحاً سيفه، قال: (فأدخله علي)، فأقبل إلى عمير فلَبَّبَهُ بحَمَالة سيفه، وقال لرجال من الأنصار: ادخلوا على رسول الله ﷺ ، فاجلسوا عنده واحذروا عليه من هذا
стр. 215
الخبيث، فإنه غير مأمون، ثم دخل به، فلما رآه رسول الله ﷺ وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه - قال: (أرسله يا عمر، ادن يا عمير)، فدنا وقال: أنْعِمُوا صباحاً، فقال النبي- ﷺ : (قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام تحية أهل الجنة).
ثم قال: (ما جاء بك يا عمير؟) قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم، فأحسنوا فيه.
قال: (فما بال السيف في عنقك؟) قال: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئاً؟
قال: (اصدقني، ما الذي جئت له؟) قال: ما جئت إلا لذلك.
قال: (بل قعدتَ أنت وصفوان بن أمية في الحِجْر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمداً، فتحمل صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني، والله حائل بينك وبين ذلك).
قال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام، وساقني هذا المساق، ثم تشهد شهادة الحق. فقال رسول الله ﷺ : (فقهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره).
وأما صفوان فكان يقول: أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر. وكان يسأل الركبان عن عمير، حتى أخبره راكب عن إسلامه فحلف صفوان ألا يكلمه أبدًا، ولا ينفعه بنفع أبداً.
ورجع عمير إلى مكة وأقام بها يدعو إلى الإسلام، فأسلم على يديه ناس كثير).
التعليق: مرسل جيد عن عروة.
стр. 216
رواه ابن هشام في السيرة (١/ ٦٦١): (قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْر - فذكرهِ-).
ورواه الطبراني في الكبير حديث رقم (١٣٥٨٧) عن عروة بن الزبير.
قال الهيثمي (١): (رواه الطبراني مرسلاً وإسناده جيد).
وقال الدكتور العمري (٢): (ابن حجر: الإصابة (٣/ ٣٦) من مرسل عروة بن الزبير والزهري، وفي الغالب فإن الزهري يرويها عن عروة فيتحد المخرج ولا يقوي المرسل).
نموذج من مكيدة اليهود
قوله: (قال ابن إسحاق: مر شاس بن قيس - وكان شيخاً [يهودياً] قد عسا، عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم - على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم، يتحدثون فيه، فغاظه ما رأي من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال: قد اجتمع ملأ بني قَيْلَةَ بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار، فأمر فتى شاباً من يهود كان معه، فقال: اعمد إليهم، فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بُعَاث وما كان من قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، ففعل، فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددناها الآن جَذَعَة - يعني الاستعداد لإحياء الحرب الأهلية التي كانت بينهم - وغضب الفريقان جميعاً، وقالوا: قد فعلنا، موعدكم الظاهرة - والظاهرة: الحَرَّة -السلاح السلاح، فخرجوا إليها [وكادت تنشب الحرب]. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه
стр. 217
المهاجرين حتى جاءهم فقال: (يا معشر المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر وألف بين قلوبكم)
فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فبكوا، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضاً، ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس).
التعليق: ضعيف.
رواه الطبري من طريق ابن إسحاق عن شيخ مبهم لم يسمه، والواحدي من مرسل عكرمة.
وروى القصة الطبراني عن ابن عباس- ﵄ من طريق إبراهيم بن أبي الليث؛ قال عنه الهيثمي: (متروك).
ولكن صحَّ قوله ﷺ : (ما بال دعوى الجاهلية؟ دعوها؛ فإنها منتنة)، لما ضرب رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار! وقال المهاجري: يا للمهاجرين!) وذلك من حديث جابر-﵁ المتفق عليه.
انظر: (تفسير الطبري) (٧/ ٥٥ - شاكر)، (مجمع الزوائد) (٦/ ٣٢٦)، (أسباب النزول) للواحدي (ص ١٤٩)، (الفتح السماوي) (١/ ٣٩٠)، (اللؤلؤ والمرجان) (٣/ ١٩٤) (تخريج الكشاف) (٢٩/ ٢٤٣). (١)
بنو قَينُقَاع ينقضون العهد
قوله: (روي أبو داود وغيره، عن ابن عباس ﵄ قال: لما أصاب رسول الله ﷺ قريشاً يوم بدر، وقدم المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع. فقال: (يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب
стр. 218
قريشاً). قالوا: يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [آل عمران ١٢، ١٣].
التعليق: إسناده ضعيف.
رواه أبوداود، كتاب الخراج والإمارة والفيْءِ، باب كيف كان إخراج اليهود من المدينة؟ حديث رقم (٣٠٠١) عن ابن عباس ﵄.
قال العلامة الألباني (١): (إسناده ضعيف؛ محمد بن أبي محمد مجهول لا يعرف).
إسناده: حدثنا مصرف بن عمرو الإيامي: ثنا يونس- يعني: ابن بكير- قال: ثنا محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت …
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ محمد بن أبي محمد مجهول؛ كما قال الحافظ.
وفي " الميزان ": " لا يعرف ". ومع ذلك ذكره ابن حبان في "الثقات " (٧/ ٣٩٢)! وأشار الذهبي في "الكاشف " إلى تليين توثيقه.
وأعله المنذري بمحمد بن إسحاق! فما أصاب؛ لأنه قد صرح بالتحديث. وشيخه مجهول- كما عرفت-، فالعجب من الحافظ كيف حسن إسناده في "الفتح " (٧/ ٣٣٢)!
والحديث أخرجه ابن جرير في "تفسيره " (٣/ ١٢٨)، والبيهقي فى "السنن " (٩/ ١٨٣) من طريقين آخرين عن يونس بن بكير … به .. ).
стр. 219
قوله: (روى ابن هشام عن أبي عون: أن امرأة من العرب قدمت بجَلَبٍ لها، فباعته في سوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فَعَمَد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها - وهي غافلة - فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله - وكان يهودياً - فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع).
التعليق: إسناده ضعيف.
قال العلامة الألباني (١): (إسناده مرسل معلق فإن ابن هشام قال (٣/ ٥١): (وذكر عبد الله بن جعفر بن المسور بن مخرمة عن أبي عون قال … ) فذكره.
وأبوعون اسمه: محمد بن عبد الله الثقفي الكوفي الأعور، مات سنة (١١٦ هـ) فهو تابعي صغير فلم يدرك الحادثة، وعبد الله بن جعفر المخرمي من شيوخ الإمام أحمد، مات سنة (١٧٠ هـ) فبينه وبين ابن هشام مفاوز، فهو إسناد ضعيف ظاهر الضعف … ).
وضعفه أيضاً في تخريج فقه السيرة ص (٢٤١)، وضعفه العمري. (٢)
* * * *
تكتيب الجيش الإسلامي وخروجه إلى ساحة القتال
قوله: (وقسم النبي ﷺ جيشه إلى ثلاث كتائب:
١. كتيبة المهاجرين، وأعطي لواءها مصعب بن عمير العبدري.
٢. كتيبة الأوس من الأنصار، وأعطي لواءها أسيد بن حضير.
٣. كتيبة الخزرج من الأنصار، وأعطي لواءها الحُبَاب بن المنذر).
стр. 220
التعليق: لم تصح رواية في موضوع الألوية.
انظر: مغازي الواقدي (١/ ٣٣)، الاستيعاب لابن عبدالبر (٣/ ٤٥٠)، السيرة النبوية الصحيحة للعمري (٢/ ٣٨١).
* * * *
الرسول ﷺ ينفث روح البسالة في الجيش
قوله: (وأخذ ينفث روح الحماسة والبسالة في أصحابه حتى جرد سيفاً باتراً ونادى أصحابه: (من يأخذ هذا السيف بحقه؟)، فقام إليه رجال ليأخذوه -منهم علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وعمر بن الخطاب - حتى قام إليه أبو دُجَانة سِمَاك بن خَرَشَة، فقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال: (أن تضرب به وجوه العدو حتى ينحني). قال: أنا آخذه بحقه يا رسول الله، فأعطاه إياه.
وكان أبو دجانة رجلاً شجاعاً يختال عند الحرب، وكانت له عصابة حمراء إذا اعتصب بها علم الناس أنه سيقاتل حتى الموت. فلما أخذ السيف عصب رأسه بتلك العصابة، وجعل يتبختر بين الصفين، وحينئذ قال رسول الله ﷺ : (إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن).
التعليق: إسناده فيه جهالة وانقطاع.
(رواه محمد بن إسحاق (انظر مختصر السيرة لابن هشام: ٣/ ١٦)، ومن طريقه: الطبري في التاريخ (٢/ ٥١١)، والبيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٢٣٣) بسندٍ فيه جهالة وانقطاع.
وله شاهد رواه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٥٤). والطبراني في المعجم الكبير (٧/ رقم ٦٥٠٨) عن خالد بن سليمان بن عبد الله بن خالد بن سماك، عن أبيه، عن جده: أن سماك فذكره … قال الهيثمي في المجمع (٦/ ١٠٩): (فيه مَنْ لم أعرفه). (١)
стр. 221
أما عرض السيف على الصحابة فقد ثبت في صحيح مسلم حديث رقم (٢٤٧٠) ولكن دون قوله: (إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن).
وإن كان يصح مثل ذلك في الحرب لإغاظة الكفار كما ورد في الحديث: ( … وأما الخيلاء التي يحبها الله فاختيال الرجل في القتال، واختياله عند الصدقة، وأما الخيلاء التي يبغض الله فاختيال الرجل في البغي والفخر). رواه أبو داوود (٢٦٥٩) وغيره. وحسنه الألباني في صحيح الجامع حديث رقم (٢٢٢١). (١)
* * * *
تبدد المسلمين في الموقف
قوله: (ومر رجل من المهاجرين برجل من الأنصار، وهو يتَشَحَّطُ في دمه، فقال: يا فلان، أشعرت أن محمداً قد قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بَلَّغ، فقاتلوا عن دينكم).
التعليق: مرسل.
أورد هذه القصة البيهقي في الدلائل (٣/ ٢٤٨) من مرسل أبي نجيح يسار المكي والد عبد الله، وهو تابعي ثقة. (٢)
* * * *
أحرج ساعة في حياة الرسول ﷺ -
قوله: ( … وجاء فارس عنيد هو عبد الله بن قَمِئَة (٣)، فضرب على عاتقه بالسيف ضربة عنيفة شكا لأجلها أكثر من شهر إلا أنه لم يتمكن من
стр. 222
هتك الدرعين، ثم ضرب على وجنته ﷺ ضربة أخرى عنيفة كالأولى حتى دخلت حلقتان من حلق المِغْفَر في وجْنَتِه، وقال: خذها وأنا ابن قمئة. فقال رسول الله ﷺ وهو يمسح الدم عن وجهه: (أقمأك الله).
قال في الهامش: وقد سمع الله دعاء رسوله ﷺ ، فعن ابن عائذ أن ابن قمئة (انصرف إلى أهله، فخرج إلى غنمه، فوافانا على ذروة جبل، فدخل فيها، فشد عليه تيسها فنطحه نطحة أرداه من شاهق الجبل فتقطع) فتح الباري (٧/ ٣٧٣) وعند الطبراني: فسلط الله عليه تيس جبل، فلم يزل ينطحه حتى قطعه قطعة قطعة. فتح الباري (٧/ ٣٦٦).
التعليق: ضعيف.
رواه الطبراني في المعجم الكبير حديث رقم (٧٥٩٦) عن أبي أمامة ﵁، وقال الهيثمي (١): (رواه الطبراني، وفيه حفص بن عمر العدني، وهو ضعيف).
قال الألباني (٢): ( … حفص بن عمر العدني، ضعيف جداً، قال ابن معين والنسائي: (ليس بثقة). وقال العقيلي: (يحدث بالأباطيل). وقال الدار قطني: (متروك).
قال الحافظ ابن حجر (٣): (وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث أبي أُمَامَة قَالَ: رَمَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَمِئَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ فَشَجَّ وَجْهَهُ وَكَسَرَ رَبَاعِيَتَهُ فَقَالَ: خُذْهَا وَأَنَا بن قَمِئَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يمسح الدَّم عَن وَجهه مَالك: "أَقَمْأَكَ اللَّهُ " فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ تَيْسَ جَبَلٍ فَلَمْ يَزَلْ يَنْطَحُهُ حَتَّى قَطَّعَهُ قِطْعَةً قِطْعَةً. وَأخرج ابن عَائِذٍ فِي الْمَغَازِي عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ عَنْ جَابِرٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ مُنْقَطِعًا).
стр. 223
قال الزرقاني (١): (وهو منقطع، كما قال الحافظ: فإن أردت الترجيح، فرواية الطبراني موصولة، فتقدم على المنقطع، ولذا اقتصر عليها المصنف، وإن أردت الجمع فيمكن أنه لما نطحه تيس غنمه، وقع من هاشق الجبل إلى أسفل، فسلط الله عليه تيس الجبل، فنطحه حتى قطعه قطعاً زيادة في نكاله وخزيه ووباله).
* * * *
بداية تجمع الصحابة حول الرسول ﷺ -
قوله: (روى ابن حبان في صحيحه عن عائشة قالت: قال أبو بكر الصديق: لما كان يوم أحد انصرف الناس كلهم عن النبي ﷺ ، فكنت أول من فاء إلى النبي ﷺ ، فرأيت بين يديه رجلاً يقاتل عنه ويحميه، قلت: كن طلحة، فداك أبي وأمي، كن طلحة، فداك أبي وأمي، [حيث فاتني ما فاتني، فقلت: يكون رجل من قومي أحب إلي] فلم أنشب أن أدركني أبو عبيدة بن الجراح، وإذا هو يشتد كأنه طير حتى لحقني، فدفعنا إلى النبي ﷺ ، فإذا طلحة بين يديه صريعاً، فقال النبي ﷺ : (دونكم أخاكم فقد أوجب)، وقد رمي النبي ﷺ في وَجْنَتِهِ حتى غابت حلقتان من حلق المِغْفَر في وجنته، فذهبت لأنزعهما عن النبي- ﷺ فقال أبو عبيدة: نشدتك بالله يا أبا بكر، إلا تركتني، قال: فأخذ بفيه فجعل ينَضِّضه كراهية أن يؤذي رسول الله ﷺ ، ثم استل السهم بفيه، فنَدَرَت ثنية أبي عبيدة، قال أبو بكر: ثم ذهبت لآخذ الآخر، فقال أبو عبيدة: نشدتك بالله يا أبا بكر، إلا تركتني، قال: فأخذه فجعل ينضضه حتى اسْتَلَّه، فندرت ثنية أبي عبيدة الأخرى، ثم قال رسول الله ﷺ : (دونكم أخاكم، فقد أوجب)، قال: فأقبلنا على طلحة نعالجه، وقد أصابته بضع عشرة ضربة. وفي تهذيب تاريخ دمشق: فأتيناه في بعض تلك الحفار فإذا به بضع وستون أو أقل أو أكثر، بين طعنة ورمية وضربة، وإذا قد قطعت إصبعه، فأصلحنا من شأنه).
стр. 224
التعليق: ضعيف.
رواه: ابن حبان في صحيحه حديث رقم (٦٩٨٠)، والحاكم حديث رقم (٥٦١٠)، والبزار في مسنده (٦٣)، وغيرهم من طريق إسحاق بن يحيى بن طلحة.
وقال البزار: (وهذا الحديث لا نعلم أن أحداً رواه عن النبي ﷺ إلا أبو بكر الصديق، ولا نعلم له إسناداً غير هذا الإسناد، وإسحاق بن يحيى قد روى عنه عبد الله بن المبارك وجماعة، واحتمل حديثه وإن كان فيه ولا نعلم شاركه في هذا الحديث غيره).
وقال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه)، وتعقبه الذهبي في التلخيص: (لا، والله). وعلق الذهبي في التلخيص متعقباً للحاكم في الحديث رقم (٣٥٥٧): (بل إسحاق بن يحيى بن طلحة متروك. قاله أحمد).
قال الهيثمي (١): (رواه البزار، وفيه إسحاق بن يحيى بن طلحة وهو متروك).
قال الحافظ ابن كثير-﵀ (٢): (وَرَوَاهُ الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيب، وَالطَّبَرَانِيُّ، مِنْ حَدِيثِ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بِهِ. وَعِنْدَ الْهَيْثَمِ: فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنْشُدُكَ يَا أَبَا بَكْرٍ إِلَّا تَرَكْتَنِي؟ فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ السَّهْمَ بِفِيهِ، فَجَعَلَ يُنَضْنِضَه كراهيةَ أَنْ يُؤْذِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ اسْتل السَّهْمَ بِفِيهِ فَبَدَرَتْ ثَنِيَّةُ أَبِي عُبَيْدَةَ.
وَذَكَرَ تَمَامَهُ، وَاخْتَارَهُ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ وَقَدْ ضَعّف عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ جِهَةِ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى هَذَا، فَإِنَّهُ تَكَلَّمَ
стр. 225
فِيهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَأَحْمَدُ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَالْبُخَارِيُّ، وَأَبُو زُرعة، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ). وضعفه الألباني (١)، والأرناؤوط (٢).
أما لفظ (أوجب طلحة) فقد صححها الألباني في الصحيحة حديث رقم (٩٤٥) عَنِ
الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ عَلَى النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ دِرْعَانِ فَنَهَضَ إِلَى الصَّخْرَةِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ فَقَعَدَ طَلْحَةُ تَحْتَهُ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى الصَّخْرَةِ فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أَوْجَبَ طَلْحَةُ".
رواه الترمذي (٣٧٣٨)، وفي " الشمائل " (ص ٨٥)، وابن حبان (٢٢١٢)،
والحاكم (٣/ ٣٧٤)، وأحمد (١/ ١٦٥)، وابن هشام في " السيرة " (٣/ ٩١ - ٩٢).
* * * *
البطولات النادرة
١ - قوله: (فعن قتادة بن النعمان: أن رسول الله رمي عن قوسه حتى اندقت سِيتُها (٣)، فأخذها قتادة بن النعمان، فكانت عنده، وأصيبت يومئذ عينه حتى وقعت على وَجْنَتِه، فردها رسول الله ﷺ بيده، فكانت أحسن عينيه وأحَدَّهُما).
التعليق: ضعيف.
قال الهيثمي (٤): (رواه الطبراني وأبو يعلى ولفظه: عن قتادة بن النعمان أنه أصيبت عينه يوم بدر، فسالت حدقته على وجنته، فأرادوا
стр. 226
أن يقطعوها، فسألوا رسول الله ﷺ فقال: "لا". فدعا به فغمز حدقته براحته، فكان لا يدري أي عينيه أصيبت.
وفي إسناد الطبراني من لم أعرفهم، وفي إسناد أبي يعلى يحيى بن عبد الحميد الحماني وهو ضعيف).
قال الحافظ العراقي (١): (ففي رواية البيهقي أنه كان ببدر، وفي رواية أبي نعيم أنه بأحد وفي إسناده اضطراب، وكذا رواه البيهقي من حديث أبي سعيد الخدري).
قال العوشن (٢): (وقد أسهب في تخريج هذا الخبر بما لا مزيد عليه، الشيخ مساعد الراشد الحميد -وفقه الله- في تحقيقه لكتاب: (دلائل النبوة للأصبهاني) (٣) وبَيّن ضَعْف الحديث).
وقد صححه الألباني (٤) بتعدد طرقه: (في إسناده يحيى بن عبد الحميد الحماني وهو ضعيف لكنه عند أبي نعيم من طريقين أخريين فهو يتقوى بهما).
* * * *
٢ - قوله: (وامتص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من وجنته ﷺ حتى أنقاه، فقال: (مُجَّه)، فقال: والله لا أمجه، ثم أدبر يقاتل، فقال النبي ﷺ : (من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا)، فقتل شهيداً).
التعليق: حَدِيثٌ مُرْسَلٌ.
رواه سعيد بن منصور في سننه حديث رقم (٢٥٧٣) قال: حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرنا عمرو بن الحارث أن عمر بن السائب حدثه: (أنه بلغه فذكره … ).
стр. 227
وقال الحافظ ابن حجر (١): (وَفِي الْبَابِ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ السَّائِبِ أَنَّهُ بَلَغَهُ … ).
وجاء في البدر المنير لابن الملقن (١/ ٤٨١): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه (بِسَنَد (الإِمام) أَحْمد بن حَنْبَل إِلَيْهِ)، قَالَ: " لمَّا أُصِيب وَجه رَسُول الله ﷺ يَوْم أُحد، استَقْبَلتُه، (فمصصت) جرحه، ثمَّ (ازدردته) (٢)، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : "من أحبَّ أَن ينظرَ إِلَى من خالطَ دمي دَمه، فَلْينْظر إِلَى مَالك بن سِنَان".
وَفِيه مَجَاهِيل لَا أعرفهم بعد الْكَشْف عَنْهُم.
وقال الذهبي: إسناده مظلم. انظر: تلخيصه على هامش (المستدرك) (٣/ ٥٦٣). (٣)
* * * *
٣ - قوله: (وقاتلت أم عمارة فاعترضت لابن قَمِئَة في أناس من المسلمين، فضربها ابن قمئة على عاتقها ضربة تركت جرحاً أجوف، وضربت هي ابن قمئة عدة ضربات بسيفها، لكن كانت عليه درعان فنجا، وبقيت أم عمارة تقاتل حتى أصابها اثنا عشر جرحاً).
التعليق: ضعيف جداً.
أوردها ابن سعد في الطبقات (٨/ ٤١٢) عن شيخه الواقدي، ورواها ابن هشام (٣/ ١١٨) بسند منقطع. وضعفه العمري. (٤)
* * * *
стр. 228
مقتل أبي بن خلف
قوله: (قال ابن إسحاق: فلما أسند رسول الله ﷺ في الشعب أدركه أبي بن خلف وهو يقول: أين محمد؟ لا نجوتُ إن نجا. فقال القوم:
يا رسول الله، أيعطف عليه رجل منا؟ فقال رسول الله ﷺ : (دعوه)، فلما دنا منه تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة، فلما أخذها منه انتفض انتفاضة تطايروا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله وأبصر تَرْقُوَتَه من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة، فطعنه فيها طعنة تدأدأ - تدحرج- منها عن فرسه مراراً. فلما رجع إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشاً غير كبير، فاحتقن الدم، قال: قتلني والله محمد، قالوا له: ذهب والله فؤادك، والله إن بك من بأس، قال: إنه قد كان قال لي بمكة: (أنا أقتلك)، فو الله لو بصق علي لقتلني. فمات عدو الله بسَرِف وهم قافلون به إلى مكة. وفي رواية أبي الأسود عن عروة، وكذا في رواية سعيد بن المسيب عن أبيه: أنه كان يخور خوار الثور، ويقول: والذي نفسي بيده، لو كان الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا جميعاً).
التعليق:
ورد في كتاب الاستيعاب في بيان الأسباب (١): (أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٣٢٧)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص ١٥٦) من طريق إبراهيم بن منذر الحزامي، ثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه (فذكره).
وعزاه في "الدر المنثور" (٤/ ٤١) لعبد بن حميد، والطبري عن سعيد.
وعزاه الحافظ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (٢/ ٣٠٨) للطبري، ولم نجده فيه بعد طول بحث، وهما كما ترى عزوا الحديث وجعلاه عن سعيد، والذي في "المستدرك" عن أبيه.
стр. 229
قلنا: وهذا إسناد حسن.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يُخرجاه"، ووافقه الذهبي.
قلنا: الحزامي وشيخه لم يخرج لهما مسلم شيئاً
وقال الحافظ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (٢/ ٣٠٨): "روى ابن جرير والحاكم في "مستدركه" بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب والزهري قالا … (فذكره) ".
ثم قال: "وهذا القول غريب جداً".
قلنا: الذي ذكره ابن كثير عن الزهري: أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢/ ٢٥٦، ٢٥٧) -وعنه الطبري في "جامع البيان" (٩/ ١٣٦، ١٣٧) -: نا معمر عن الزهري.
قلنا: وهذا ضعيف؛ لإرساله.
ومرسل سعيد: أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٧٣ رقم ٨٩١٠) من طريق ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن سعيد به.
وهذا مرسل صحيح الإسناد.
وذكر هذا المرسل السيوطي في "الدر المنثور" (٤/ ٤٠) وزاد نسبته لابن المنذر).
وقد حكم عليه بالإرسال كل من: العراقي (١)، وابن كثير (٢)، والألباني (٣)، والأرناؤوط (٤).
وروى ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَارِيخِهِ (٥) قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن الحسين حدثنا
стр. 230
أحمد بن الفضل حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ - فذكر القصة بطولها وفيها مقتل أبي بن خلف- … ) وعلق عليها الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (١): (وهذا غريب جدا، وفي بعضه نكارة).
وقد تلقى كثير من العلماء هذه القصة بالقبول منهم شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال (٢): (والنبي ﷺ كان أكمل الناس في هذه الشجاعة التي هي المقصودة في أئمة الحرب، ولم يقتل بيده إلا أبي بن خلف قتله يوم أحد ولم يقتل بيده أحداً لا قبلها ولا بعدها … ).
قال العمري (٣): (ووصله الواحدي في أسباب النزول ص (٥٦) والخبر تواردته كتب السيرة).
* * * *
تشويه الشهداء
قوله: (وكان هذا آخر هجوم قام به المشركون ضد النبي ﷺ ، ولما لم يكونوا يعرفون من مصيره شيئاً -بل كانوا على شبه اليقين من قتله- رجعوا إلى مقرهم، وأخذوا يتهيأون للرجوع إلى مكة، واشتغل من اشتغل منهم - وكذا اشتغلت نساؤهم - بقتلى المسلمين، يمثلون بهم، ويقطعون الآذان والأنوف والفروج، ويبقرون البطون. وبقرت هند بنت عتبة كبد حمزة فلاكتها، فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها، واتخذت من الآذان والأنوف خَدَماً - خلاخيل- وقلائد).
التعليق: قصة تمثيل هند بنت عتبة لجسد حمزة لا تصح.
قال الشيخ عبدالله بن خميس- حفظه الله - (٤): (ذكر المرويات الضعيفة في الموضوع:
١ - روى موسى بن عقبة، أن وحشياً بقر عن كبد حمزة وحملها إلى هند
стр. 231
بنت عتبة فلاكتها فلم تستطع أن تستسيغها. ذكره ابن كثير في البداية والنهاية (١٥٨) دون إسناد، فهو ضعيف.
٢ - وروى ابن إسحاق أن هنداً هي التي بقرت عن كبد حمزة، وزاد أن هنداً اتخذت من آذان الرجال وأنفهم خدماً (أي: خلاخل) وقلائد، وأعطت خدمها وقلائدها وقرطيها وحشياً. ابن هشام (١٥٩) بإسناد منقطع موقوف على شيخه ابن كيسان، فهي ضعيفة.
٣ - وروى الواقدي أن وحشياً عندما قتل حمزة حمل كبده إلى مكة ليراها سيده جبير بن مطعم. المغازي (١٦٠)، والواقدي متروك، فروايته ضعيفة جداً.
وذكر الشامي أن الواقدي والمقريزي -في الإمتاع - رويا أن وحشياً شق بطن حمزة وأخرج كبده وجاء بها إلى هند فمضغتها ثم لفظتها، ثم جاءت معه إلى حيث جثة حمزة، فقطعت من كبده وجدعت أنفه وقطعت أذنيه، ثم جعلت مَسَكَتين ومعضدين وخدمتين حتى قدمت بذلك مكة. سبل الهدى والرشاد (١٦١).
ولعل رواية الواقدي والمقريزي التي أشار إليها الشامي تفيد الجمع بين روايتي ابن عقبة وابن إسحاق، وتوافقهما في المضمون. وهي ضعيفة.
وختاماً نستطيع أن نقول: أنه من خلال الجمع بين الروايات الصحيحة والضعيفة، نخرج بملاحظتين: -
الأولى: أن التمثيل بجثة حمزة فقد ثبت بطرق صحيحة كما ذكرنا، مما يدل على أن قصة بقر بطن حمزة -التي ذكرها أهل المغازي والسير- لها أصل.
الثانية: أن هنداً بريئة من هذا الفعل المشين، وذلك لضعف جميع الطرق التي جاءت تفيد بأن هنداً هي التي قامت ببقر كبد حمزة والتمثيل بجثته).
قال الشيخ عبد الله بن مانع - حفظه الله-: (وأيضاً عادة النساء الضعف والقصور عن مثل هذا، فلا السند صحيح، ولا القدرة صالحة،
стр. 232
ولم يكن من عادة العرب فعل هذا في التشفي، ولم يكن موتورهم يفعل ذلك فكيف بنسائهم؟). (١)
* * * *
التثبت من موقف المشركين
قوله: (ثم بعث رسول الله ﷺ -علي بن أبي طالب، فقال: (اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون؟ وما يريدون؟ فإن كانوا قد جَنَبُوا الخيل، وامْتَطُوا الإبل، فإنهم يريدون مكة، وإن كانوا قد ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة. والذي نفسي بيده، لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها، ثم لأناجزنهم).
قال علي: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل، ووَجَّهُوا إلى مكة). قال في الهامش: ابن هشام ٢/ ٩٤، وفي فتح الباري أن الذي خرج في آثار المشركين هو سعد بن أبي وقاص (٧/ ٣٤٧).
التعليق: بدون إسناد.
قال الألباني (٢): (رواه ابن هشام (٢/ ٤٠) عن ابن إسحاق بدون إسناد).
تفقد القتلى والجرحى
قوله: (وفرغ الناس لتفقد القتلى والجرحى بعد منصرف قريش. قال زيد بن ثابت: بعثني رسول الله ﷺ يوم أحد أطلب سعد بن الربيع، فقال لي: إن رأيته فأقرئه مني السلام، وقل له: يقول لك رسول الله ﷺ :
стр. 233
(كيف تجدك؟) قال: فجعلت أطوف بين القتلى، فأتيته وهو بآخر رمق، وفيه سبعون ضربة: ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم، فقلت: يا سعد، إن رسول الله ﷺ يقرأ عليك السلام، ويقول لك: (أخبرني كيف تجدك؟) فقال: وعلى رسول الله ﷺ السلام، قل له: يا رسول الله أجد ريح الجنة، وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله ﷺ وفيكم عين تطرف، وفاضت نفسه من وقته).
التعليق: ضعيف، وسنده معضل.
قال الألباني (١): (وهذا إسناد معضل وقد روي موصولا كما بينته في (تخريج فقه السيرة للغزالي) (٢٨٩ - ٢٩٠)
قال أيضاً (٢): (أخرجه (ابن إسحاق) من طريق محمد بن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي صعصعة المازني مصرحاً بسماعه منه مرفوعاً به، كما في سيرة ابن هشام (٢/ ١٤٠ - ١٤١) وهذا إسناد معضل، وقد رواه الحاكم (٣/ ٢٠١) من طريق محمد بن إسحاق أن عبدالله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة حدثه عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: فذكره. وأنا أخشى أن يكون سقط من السند (محمد) بن عبدالله بن عبدالرحمن بن إسحاق، وعبدالله بن عبدالرحمن، فإنهم لم يذكروا ابن إسحاق في الرواة عن عبدالله بن عبدالرحمن، وعليه يكون الحديث مرسلاً وبه أعله الذهبي؛ لأن عبدالله هذا تابعي، وأما أبوه عبدالرحمن بن أبي صعصعة فصحابي، فلو أن سند الحاكم سلم من السقط لكان الحديث متصلاً ولما أعله الذهبي بالإرسال، والله أعلم.
والحديث رواه مالك (٣) عن يحيى بن سعيد معضلاً، ونقل السيوطي
стр. 234
في (تنوير الحوالك) عن ابن عبد البر (١) قال: (هذا الحديث لا أحفظه ولا أعرفه إلا عند أهل السير، فهو عندهم مشهور معروف).
قلت: قد رواه الحاكم أيضاً من حديث زيد بن ثابت قال: بعثني رسول الله ﷺ يوم أحد لطلب سعد بن الربيع … وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي، وفي سنده: أبو صالح عبد الرحمن بن عبد الله الطويل، ولم أجد الآن ترجمته). (٢)
* * * *
تفقد القتلى والجرحى
١ - قوله: (ووجدوا في الجرحى قُزْمَان وكان قد قاتل قتال الأبطال؛ قتل وحده سبعة أو ثمانية من المشركين ـ وجدوه قد أثبتته الجراحة، فاحتملوه إلى دار بني ظَفَر، وبشره المسلمون فقال: والله إن قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلت، فلما اشتد به الجراح نحر نفسه. وكان رسول الله ﷺ يقول إذا ذكر له: (إنه من أهل النار) ـ وهذا هو مصير المقاتلين في سبيل الوطنية أو في أي سبيل سوى إعلاء كلمة الله، وإن قاتلوا تحت لواء الإسلام، بل وفي جيش الرسول والصحابة).
стр. 235
التعليق: الراجح أن القصة لم تكن بغزوة أحد.
حادثة قتل أحد المقاتلين نفسه بعد ما قاتل الكفار وأتعبهم وذلك في إحدى غزوات الرسول ﷺ صحيحة فقد ثبت في الصحيحين (١) عن سهل بن سعد ﵁ " أن رسولَ اللهِ ﷺ الْتَقَى هو والمشرِكون فاقْتَتَلوا، فلما مالَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى عَسكرِهِ ومالَ الآخرون إلى عسكرِهِم، وفي أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ رجلٌ لا يَدَعُ لهم شاذَّةً ولا فاذَّةً إلا اتَّبَعَها يَضربُها بسيْفِهِ، فقيل: ما أجْزَأَ منا اليومَ أحدٌ كما أجْزَأَ فلانٌ، فقال رسولُ اللهِ- ﷺ : (أمَا إنه مِن أهلِ النار)، فقال رجلٌ مِنَ القومِ: أنا صاحِبُه، قال: فخرَجَ معه كلما وقَفَ وقَفَ معه، وإذا أسرعَ أسرعَ معه، قال: فجُرِحَ الرجلُ جُرحًا شديدًا، فاستعجلَ الموتَ، فوضع سيفَهُ بالأرضِ وذِبابَهُ بين ثدْيَيْهِ، ثم تَحامَلَ على سيفهِ فقتَلَ نفسَه، فخرَج الرجلُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقال: أشْهدُ أنَّك رسولُ اللهِ، قال: (وما ذاكَ؟). قال: الرجلُ الذي ذَكَرتَ آنِفًا أنه مِن أهلِ النار، فأَعْظَمَ الناسُ ذلك، فقلتُ: أنا لكم به، فخرَجْتُ في طلَبِه، ثم جُرِحَ جُرحًا شديداً، فاستَعجلَ الموتَ، فوضعَ سيفَه في الأرضِ وذبابَه بين ثدييه، ثم تحاملَ عليه فقتَلَ نفسَه. فقال رسولُ اللهِ ﷺ عند ذلك: إن الرجلَ لَيعملُ عملَ أهلِ الجنةِ؛ فيما يبدو للناسِ، وهو مِن أهلِ النارِ، إن الرجلَ ليعملُ عملَ أهلِ النارِ، فيما يبدو للناسِ، وهو مِن أهلِ الجنةِ).
ورواية البخاري في الصحيح تبين أن القصة وقعت في غزوة خيبر، وكذلك الطبراني في الأوسط (٣/ ٣٦٥) صرح أنها في خيبر.
وروى ابن حبان في صحيحه (١٠/ ٣٧٨) حديث رقم (٤٥١٩) عن أبي هريرة أنها في حنين وكذلك الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢١٦) روى
стр. 236
عن كعب بن مالك أنها في غزوة حنين لكنه قال: فيه محمد بن خالد الواسطي ذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ ويخالف. وقال ابن معين: رجل سوء كذاب. ورواه بإسناد آخر وفيه جماعة لم أعرفهم.
قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، والمحفوط في هذا "خيبر"، وكأن الحامل للراوي على قوله "حنين" ما عرف من أن أبا هريرة لم يشهد خيبر، وإنما حضر بعدما فرغ القتال. وقال في الفتح (٧/ ٤٧٣): أراد جيشها من المسلمين، لأن الثابت أنه إنما جاء بعد أن فتحت خيبر.
والهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١١٩) عن سهل بن سعد أنها في غزوة أحد وقال: رجاله رجال الصحيح.
قال الحافظ ابن حجر (١): (جزم ابن الْجَوْزِيِّ فِي مُشْكِلِهِ بِأَنَّ الْقِصَّةَ الَّتِي حَكَاهَا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ وَقَعَتْ بِأُحُدٍ قَالَ: وَاسْمُ الرَّجُلِ قُزْمَانُ الظُّفُرِيُّ وَكَانَ قَدْ تَخَلَّفَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ فَعَيَّرَهُ النِّسَاءُ فَخَرَجَ حَتَّى صَارَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ ثُمَّ صَارَ إِلَى السَّيْفِ فَفَعَلَ الْعَجَائِبَ فَلَمَّا انْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ وَجَعَلَ يَقُولُ: الْمَوْتُ أَحْسَنُ مِنَ الْفِرَارِ. فَمَرَّ بِهِ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ فَقَالَ لَهُ هَنِيئًا لَك بِالشَّهَادَةِ. قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي مَا قَاتَلْتُ عَلَى دِينٍ وَإِنَّمَا قَاتَلْتُ عَلَى حَسَبِ قَوْمِي. ثُمَّ أَقْلَقَتْهُ الْجِرَاحَةُ فَقَتَلَ نَفْسَهُ.
قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ أَخَذَهُ مِنْ مَغَازِي الْوَاقِدِيِّ وَهُوَ لَا يَحْتَجُّ بِهِ إِذَا انْفَرَدَ، فَكَيْفَ إِذَا خَالَفَ، نَعَمْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَاضِي عَنْ أَبِي حَازِمٍ حَدِيثَ الْبَابِ وَأَوَّلُهُ أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا أَبْلَى فُلَانٌ لَقَدْ فَرَّ النَّاسُ وَمَا فَرَّ، وَمَا تَرَكَ لِلْمُشْرِكِينَ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً -الْحَدِيثَ بِطُولِهِ عَلَى نَحْوِ مَا فِي الصَّحِيحِ وَلَيْسَ فِيهِ تَسْمِيَتُهُ- وَسَعِيدٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَمَا أَظُنُّ رِوَايَتَهُ خَفِيَتْ عَلَى الْبُخَارِيِّ
стр. 237
وَأَظُنُّهُ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا لِأَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهَا غَيْرُ أُحُدٍ لِأَنَّ سَهْلًا مَا كَانَ حِينَئِذٍ مِمَّنْ يُطْلَقُ عَلَى نَفْسِهِ ذَلِكَ لِصِغَرِهِ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ مَوْلِدَهُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِخَمْسِ سِنِينَ فَيكون فِي أحد ابن عشرَة أَو إِحْدَى عشرَة على أَنه قد حَفِظَ أَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِ أُحُدٍ مِثْلَ غَسْلِ فَاطِمَةَ جِرَاحَةَ النَّبِيِّ ﷺ ).
* * * *
قوله: (هذا كان في القتلى رجل من يهود بني ثعلبة، قال لقومه: يا معشر يهود، والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم حق. قالوا: إن اليوم يوم السبت. قال: لا سبت لكم. فأخذ سيفه وعدته، وقال: إن أصبت فمالي لمحمد. يصنع فيه ما شاء، ثم غدا فقاتل حتى قتل. فقال رسول الله ﷺ : (مُخَيرِيق خير يهود).
التعليق: ضعيف
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي (١): (روى ابن سعد ذلك بأسانيد متعددة، وفيها ضعف، والله أعلم).
وقال العمري (٢): (ولم يصح في إسلامه حديث ولكن نص على ذلك ابن إسحاق والواقدي دون إسناد، ويؤيده أن ابن حجر ترجم له في الصحابة. الإصابة (٦/ ٥٧)).
لكن ذكر ابن حجر له في كتابه فليس فيه إثبات الصحبة فقد ذكره في القسم الأول وهو من وردت صحبته من طريق صحيحة، أو حسنة، أو ضعيفة، وسكوته كما لا يفيد الجزم بعدم إسلامه لا يفيد جزمه بصحبته.
(وعلى فرض صحة القصة فإن المراد بخير يهود أي: في تلك الغزوة، وإلا فإن خير من أسلم من يهود هو عبد الله بن سلام ﵁
стр. 238
وقد أخرج البخاري في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص-﵁ قال: "ما سمعتُ النبي ﷺ يقول لأحدٍ يمشي على الأرض: إنه من أهل الجنّة إلاَّ لعبد الله بن سلام). (١)
الرجوع إلى المدينة، ونوادر الحب والتفاني
قوله: (لقيته في الطريق حَمْنَة بنت جحش، فَنُعِي إليها أخوها عبد الله بن جحش فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعي لها خالها حمزة بن عبد المطلب، فاسترجعت واستغفرت، ثم نعي لها زوجها مصعب بن عمير، فصاحت وولوت، فقال رسول الله ﷺ : (إن زوج المرأة منها لبِمَكان).
التعليق: ضعيف.
رواه ابن ماجة في سننه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في البكاء على الميت، حديث رقم (١٥٩٠) قال: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا إسحاق بن محمد الفروي، حدثنا عبدالله بن عمر، عن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن جحش، عن أبيه، عن حمنة بنت جحش أنه قيل لها: قتل أخوك. فقالت: ﵀، وإنا لله وإنا إليه راجعون. قالوا: قتل زوجك. قالت: واحزناه. فقال رسول الله ﷺ : (إن للزوج من المرأة لشعبة (٢) ما هي لشيء)، ورواه الحاكم في المستدرك (٤/ ٦٨) حديث رقم (٦٩٠٦) وسكت عنه الذهبي في التلخيص، وكذا ابن سعد في الطبقات (٨/ ١٧٥)، وابن إسحاق في السيرة بلفظ: (إن زوج المرأة منها لبمكان)، وضعفه البوصيري (٣) وقال: (في إسناده عبد الله بن عمر العمري وهو ضعيف)، وضعفه الألباني (٤)، والعمري (٥).
стр. 239
* * * *
قوله: (وجاءت إليه أم سعد بن معاذ تعدو، وسعد آخذ بلجام فرسه، فقال: يا رسول الله أمي، فقال: مرحبا بها. ووقف لها. فلما دنت عزاها بابنها عمرو بن معاذ. فقالت: أما إذا رأيتك سالماً، فقد اشتويت المصيبة أي: استقللتها. ثم دعا لأهل من قتل بأحد وقال: يا أم سعد أبشري وبشري أهلهم أن قتلاهم ترافقوا في الجنة جميعاً، وقد شفعوا في أهلهم جميعا. قالت: رضينا يا رسول الله، ومن يبكي عليهم بعد هذا؟ ثم قالت: يا رسول الله، ادع لمن خلفوا منهم، فقال: "اللهم أذهب حزن قلوبهم، واجبر مصيبتهم، وأحسن الخلف على من خلفوا". السيرة الحلبية (٢/ ٤٧)
التعليق:
هذا الحديث لا يوجد في دواوين السنة المعروفة، ولم أعثر عليه إلا في مغازي الواقدي (١/ ٣١٦)، وهذا مما يدل على عدم صحته.
* * * *
غزوة حمراء الأسد
١ - قوله: (قال أهل المغازي ما حاصله: إن النبي ﷺ نادى في الناس، وندبهم إلى المسير إلى لقاء العدو -وذلك صباح الغد من معركة أحد، أي يوم الأحد الثامن من شهر شوال سنة ٣ هـ - وقال: (لا يخرج معنا إلا من شهد القتال)، فقال له عبد الله بن أبي: أركب معك؟ قال: (لا)، واستجاب له المسلمون على ما بهم من الجرح الشديد، والخوف المزيد، وقالوا: سمعاً وطاعة. واستأذنه جابر بن عبد الله، وقال: يا رسول الله، إني أحب ألا تشهد مشهداً إلا كنت معك، وإنما خلفني أبي على بناته فائذن لي أسير معك، فأذن له).
التعليق: مرسل.
قال الألباني (١): (رواه ابن لهيعة عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير مرسلاً كما في البداية، وذكره ابن هشام عن ابن إسحاق بدون سند).
стр. 240
* * * *
٢ - قوله: (أقام رسول الله ﷺ بحمراء الأسد- بعد مقدمه يوم الأحد- الاثنين والثلاثاء والأربعاء - ٩، ١٠، ١١ شوال سنة ٣ هـ - ثم رجع إلى المدينة، وأخذ رسول الله ﷺ قبل الرجوع إلى المدينة أبا عَزَّة الجمحي- وهو الذي كان قد منّ عليه من أساري بدر؛ لفقره وكثرة بناته، على ألا يظاهر عليه أحداً، ولكنه نكث وغدر فحرض الناس بشعره على النبي- ﷺ والمسلمين، كما أسلفنا، وخرج لمقاتلتهم في أحد- فلما أخذه رسول الله ﷺ قال: يا محمد، أقلني، وامنن علي، ودعني لبناتي، وأعطيك عهداً ألا أعود لمثل ما فعلت، فقال ﷺ : (لا تمسح عارضيك بمكة بعدها وتقول: خدعت محمداً مرتين، لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)، ثم أمر الزبير أو عاصم بن ثابت فضرب عنقه).
التعليق: ضعيف.
مغازي الواقدي (١/ ١١٠ - ١١١)، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٦٥) من طريق الواقدي، وأخرجه ابن إسحاق، ابن هشام (٢/ ٦٠)، عن شيوخه ومنهم الزهري.
قال العلامة الألباني (١):
(ضعيف. ذكره ابن إسحاق بدون إسناد قال: " وكان رسول الله ﷺ أسره ببدر ثم من عليه فقال: يا رسول الله أقلني. فقال رسول الله ﷺ : " والله لا تمسح عارضيك بمكة بعدها وتقول: خدعت محمدا مرتين، اضرب عنقه يا زبير فضرب عنقه " ذكره ابن هشام في " السيرة " (٣/ ١١٠) ثم قال: " وبلغني عن سعيد بن المسيب أنه قال: قال له رسول الله ﷺ : (إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين اضرب عنقه يا عاصم بن ثابت فضرب عنقه). قلت: وهذا مع بلاغه مرسل وقد وصله البيهقي (٩/ ٦٥) من طريق محمد بن عمر حدثني محمد بن عبد الله عن
стр. 241
الزهري عن سعيد بن المسيب به مطولاً. قلت: وإسناده واه جداً من أجل محمد بن عمر وهو الواقدي وهو متروك.
وأما حديث: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) فصحيح اتفق الشيخان على إخراجه وأما سببه المذكور فلا يصح وإن جزم به العسكري ونقله عنه المناوي في " فيض القدير " ساكتاً عليه غير مبين لعلة! وتبع العسكري آخرون كابن بطال والتوربشني كما نقله الحافظ في " الفتح " (١) (١٠/ ٤٤٠) وأشار إلى ضعفه فراجعه إن شئت).
قال الحافظ ابن حجر (٢): (وَفِي إسْنَادِهِ الْوَاقِدِيُّ).
* * * *
سرية أبي سلمة
قوله: (أول من قام ضد المسلمين بعد نكسة أحد هم بنو أسد بن خزيمة، فقد نقلت استخبارات المدينة أن طلحة وسلمة ابني خويلد قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعون بني أسد بن خزيمة إلى حرب رسول الله ﷺ فسارع رسول الله ﷺ إلى بعث سرية قوامها مائة وخمسون مقاتلاً من المهاجرين والأنصار، وأمر عليهم أبا سلمة، وعقد له لواء. وباغت أبو سلمة بني أسد بن خزيمة في ديارهم قبل أن يقوموا بغارتهم، فتشتتوا في الأمر، وأصاب المسلمون إبلاً وشاء لهم فاستاقوها، وعادوا إلى المدينة سالمين غانمين لم يلقوا حرباً.
كان مبعث هذه السرية حين استهل هلال المحرم سنة ٤ هـ. وعاد أبو سلمة وقد نفر عليه جرح كان قد أصابه في أحد، فلم يلبث حتى مات).
стр. 242
التعليق: ضعيف.
قال الألباني (١): (ذكر هذه السرية ابن كثير في البداية (٤/ ٦١ - ٦٢) من طريق الواقدي بإسناد له معضل، والواقدي متروك).
تعبير المؤلف عن غزوة أحد بقوله: (نكسة أحد) (٢) تعبير فيه تجوز، وكذلك قوله تحت عنوان مأساة بئر معونة: (تذكر نكبتهم الكبيرة بنكبة أحد).
وارجع إلى كلام المؤلف نفسه عن غزوة أحد، وهل تعد هزيمة أم لا؟ والدروس المستفادة منها فإنه قد أفاد و أجاد- ﵀ وذلك تحت عنوان (غزوة حمراء الأسد)، وما بعدها.
* * * *
غزوة الأحزاب
قوله: (وسارع رسول الله ﷺ إلى عقد مجلس استشاري أعلى، تناول فيه موضوع خطة الدفاع عن كيان المدينة، وبعد مناقشات جرت بين القادة وأهل الشورى اتفقوا على قرار قدمه الصحابي النبيل سلمان الفارسي-﵁.
قال سلمان: يا رسول الله، إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خَنْدَقْنَا علينا. وكانت خطة حكيمة لم تكن تعرفها العرب قبل ذلك).
التعليق: القصة بلا إسناد.
أقدم من أشار إلى ذلك أبو معشر السندي ت (١٧١) هـ بدون إسناد كما في فتح الباري (٧/ ٣٩٣)، وذكرها الواقدي بدون إسناد.
стр. 243
انظر: السيرة النبوية الصحيحة للعمري (٢/ ٤٢٠).
فائدة: قال الطبري والسهيلي: (أول من حفر الخنادق منوشهر بن أيرج بن أفريدون وكان في زمن موسى ﵇. البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٩٧).
* * * *
قوله: (وجاءت أخت النعمان بن بشير بحفنة من تمر إلى الخندق ليتغدى أبوه وخاله، فمرت برسول الله ﷺ فطلب منها التمر وبدده فوق ثوب، ثم دعا أهل الخندق فجعلوا يأكلون منه. وجعل التمر يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه، وإنه يسقط من أطراف الثوب).
التعليق: منقطع.
رواه ابن إسحاق وقال: "وحدثني سعيد بن مَيْنا أنه حُدّث: أن ابنة لبشير بن سعد، أخت النعمان بن بشير قالت: فذكرته ......
قال الحافظ ابن كثير (١): "هكذا رواه ابن إسحاق وفيه انقطاع، وهكذا رواه الحافظ البيهقي من طريقه ولم يزد ".
* * * *
قوله: (وكره فوارس من قريش أن يقفوا حول الخندق من غير جدوى في ترقب نتائج الحصار، فإن ذلك لم يكن من شيمهم، فخرجت منها جماعة فيها عمرو بن عبد وُد (٢) وعكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب وغيرهم، فتيمموا مكاناً ضيقاً من الخندق فاقتحموه، وجالت بهم خيلهم في السَّبْخة بين الخندق وسَلْع، وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي أقحموا منها خيلهم، ودعا عمرو إلى المبارزة، فانتدب له علي بن أبي طالب، وقال كلمة حمي لأجلها
стр. 244
- وكان من شجعان المشركين وأبطالهم- فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على علي، فتجاولا وتصاولا حتى قتله علي ﵁، وانهزم الباقون حتى اقتحموا الخندق هاربين، وقد بلغ بهم الرعب إلى أن ترك عكرمة رمحه وهو منهزم عن عمرو).
التعليق: قتل علي بن أبي طالب ﵁ لعمرو بن عبد وُد مشهورة لكن تفاصيلها وردت بأسانيد ضعيفة.
قال الدكتور أكرم العمري (١): (السيرة النبوية (٢/ ٢٢٤)، والطبقات الكبرى (٢/ ٦٨)، وأورد الطبري مبارزة علي لعمرو بن عبد ودّ من مرسل الزهري ومراسيله ضعيفة، ومن مرسل عكرمة بإسناد رجاله ثقات (تاريخ الأمم والملوك (٣/ ٤٨)، وكنز العمال (١٠/ ٤٥٥) ولكن لا يحتاج لإثبات صحة المبارزة إلى درجة الصحة الحديثية؛ لأن مثل هذه الأخبار تشتهر وتعرف بين الناس، وقد شاهد المعركة ألوف المقاتلين).
وقد سكت عنها العلامة الألباني ولم يتعقبها في تعليقه وتخريجه لأحاديث كتاب فقه السيرة للغزالي ص (٣٠١).
قال أبوعمر الصوياني (٢): (هذا الجزء من الحديث حسن وهو ما صح من قصة علي مع عمرو بن عبد ود .. رواه الحاكم (٣/ ٣٢) وسنده ضعيف لأن الحكم لم يسمع هذا الحديث من مقسم لكن هذا الجزء من الحديث له شاهدان مرسلان .. عند البيهقي (٣/ ٤٣٥) عن عروة .. وعن محمد بن كعب القرظي فقتل علي لعمرو ثابت بهذه الأسانيد .. أما تفاصيل المبارزة وما جرى من حديث فلم أجد سوى مراسيل وهي لا تتقوى ببعضها لاحتمال توحد المصدر). (٣)
стр. 245
* * * *
قوله: (قال ابن إسحاق: كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت، وكان حسان فيه مع النساء والصبيان، قالت صفية: فمر بنا رجل من يهود، فجعل يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله ﷺ ، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله ﷺ والمسلمون في غور عدوهم، لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إن أتانا آت، قالت: فقلت: يا حسان، إن هذا اليهودي كما تري يطيف بالحصن، وإني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا مَنْ وراءنا مِنْ يهود، وقد شغل عنا رسول الله ﷺ وأصحابه، فانزل إليه فاقتله.
قال: والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا، قالت: فاحتجزت ثم أخذت عموداً، ثم نزلت من الحصن إليه، فضربته بالعمود حتى قتلته، ثم رجعت إلى الحصن وقلت: يا حسان، انزل إليه فاسلبه، فإنه لم يمنعني من سبله إلا أنه رجل، قال: ما لي بسلبه من حاجة).
قال في الهامش: ابن هشام ٢/ ٢٢٨، وذكر الحافظ ابن حجر أن أحمد رواه بإسناد قوي عن عبدالله بن الزبير، فتح الباري (٦/ ٢٨٥) شرح كتاب فرض الخمس، باب ١٨ من صحيح البخاري.
التعليق: من ناحيتين:
الأولى: هذه الرواية لا تصح جاءت بخمسة أسانيد ذكرها الشيخ سليمان بن صالح الخراشي -حفظه الله- في كتابه: حسان بن ثابت ﵁ لم يكن جباناً بلغت صفحاته (١٤٥) من القطع الصغير واستوعب الكلام عليها وذكر ما فيها من العلل وأنها لا تصح فأفاد وأجاد بما لا تراه مجموعاً في مكان واحد ثم وجدت كتاباً آخراً تناول الموضوع يحسن الرجوع إليه أيضاً: نقض افتراءات المؤرخين والنقاد حول شخصية حسان بن ثابت لأحمد بن مسفر العتيبي وخصوصاً أن اتهام حسان بن ثابت ﵁ بالجبن منتشر بصورة كبيرة فيما يعرف بكتب الأدب ويحتاج إلى بيان وتوضيح لهذه التهمة الباطلة.
стр. 246
تُرد هذه الفرية من وجوه عدّة (١):
الوجه الأول: أن هذه القصة لا تصحّ؛ لأن سندها منقطع، وأحسن ما ورد فيها:
ما أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٤/ ٥١) من طريق يونس بن بكير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن صفية بنت عبد المطلب، قال: عروة وسمعتها تقول: فذكرت القصة …
والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٤/ ٣١٩/ ٨٠٤): حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثنا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ،
وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (١٠/ ٤١): أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، …
هذه الطرق تدور على "عروة بن الزبير"، وقال الذهبي (٢): (عروة لم يدرك صفية)، فالإسناد منقطع، وأيضاً وقع الاضطراب في تحديد الغزوة أهي غزوة أحد أم الخندق.
وقال ابن إسحاق (٣): (وحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبّادٍ، قَالَ: … وهذا إسناد ضعيف، للانقطاع بين "عباد" وبين أحداث القصة.
يقول الإمام السهيلي ﵀ (٤): (محمل هذا الحديث عند الناس على أن حسّاناً كان جباناً شديد الجبن، وقد دفع هذا بعض العلماء وأنكره، وذلك أنّه حديث منقطع الإسناد).
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ (٥): (كرهت ذكرها لنكارتها).
стр. 247
الوجه الثاني:
أنه لو صحّ ذلك عن هذا التقيّ لما قوي شعره وجهاده ضد كفار العرب وذلكم أن الشعراء لا تجد واحداً منهم يُغفل مثل هذه الخصال المذمومة حتى يهجو من كان خصماً له وخصوصاً من شعراء الإسلام.
يقول الحافظ ابن عبد البر ﵀ (١) ناقلاً عن بعض من أنكر ذلك: (وقالوا: لو كان حقاً لهجي به، فإنه قد هجا قوماً فلم يهجه أحد منهم بالجبن، ولو كان ذلك لهجي به).
يقول الإمام السهيلي ﵀ (٢) ناقلاً عن بعض الأئمة: (وقال: لو صحّ هذا لهجي به حسّان، فإنّه كان يهاجي الشعراء كضرار وابن الزبعريّ وغيرهما، وكان يناقضونه ويردون عليه، فما عيّره أحد منهم بجبن، ولا وسمه به، فدلّ هذا على ضعف حديث ابن إسحاق).
وأدق من ذلك أن تلكم الفرية -لو صح خبرها- لهجي حتى ابنه عبد الرحمن فقد كان معروفاً بالشعر أيضاً.
يقول الإمام ابن عبد البر ﵀ (٣): (و لو صحّ ذلك لهُجي بذلك ابنه عبد الرحمن، فإنه كان كثيراً ما يهاجي الناس من شعراء العرب مثل النجاشي وغيره).
الوجه الثالث:
ولو سلمنا جدلاً وقلنا بصحة هذا الخبر تنزلاً: لما جاز لأحد أن يصف هذا الصحابي الشجاع والتقيّ المقدام بهذه الصفة المشينة التي تردها الطباع الحسنة.
стр. 248
ولقد قرر أئمة السنة وانعقد على ذلك إجماعهم أن منزلة الصحابة رفيعة لا تمسّ بحال:
قال الإمام ابن عبد البر ﵀ (١): (والكف عن ذكر أصحاب رسول الله ﷺ إلا بخير ما يُذكرون به، فإنهم أحق الناس أن تُنشر محاسنهم ويُلتمس لهم أفضل المخارج ويُظن بهم أحسن المذاهب).
فدونك يا عبد الله! حبل السلامة فاعقد نفسك به لعلك تنجو من أمواج فتن أهل الجهل، الذين لا يرفعون رأساً بكلام الأئمة الجهابذة.
وإذا مثّلنا بقضية حسان ﵁ على هذه القاعدة النيّرة التي قررها ابن عبد البر ﵀ نخلص إلى أن هذه الفرية لو ثبتت لما جاز لنا نشرها لأن ذلك حتماً يعد من نشر مساوئ الصحابة وقد نهينا عن ذلك.
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة (٢٦/ ٤٤) السؤال الثالث من الفتوى رقم (٦٥٨١)
س ٣: (يقول البعض: بأن حساناً بن ثابت ﵁ (جبان) ويستشهدون بقول ابن حجر ذلك في الإصابة. ما رأيكم في ذلك؟
ج ٣: الذي ينبغي للمسلم نحو الصحابة ﵃ أن يذكر محاسنهم، ويثني عليهم بما هم أهل له، ويكف عن مساوئهم، وما ذكر عن حسان بن ثابت في كتب التاريخ والتراجم من أنه كان جبانًا فعلى تقدير صحته يكون ذكره بذلك غيبة، ولا خير يستفاد من ذكره بذلك، وإن كان كذبًا كان وصفه بذلك غيبة وزورًا، وكان الكف عن ذلك أوجب، وصيانة اللسان عنه ألزم).
الوجه الرابع:
بناء على تلكم القاعدة الزكية السالفة الذكر، يقال: إن حساناً من
стр. 249
أحق الناس أن يلتمس له أحسن المخارج لو صح ذلك، ومن المخارج التي التمست ما ذكره الإمام السهيلي ﵀ حيث قال (١): (وإن صحّ فلعلّ حسّاناً أن يكون معتلاّ في ذلك اليوم بعلّة من شهود القتال، وهذا أولى ما تأول).
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ (٢): (وقيل: إنما أصابه ذلك الجبن منذ ضربه صفوان بن المعطل بالسيف).
لو نازع أحدٌ في إثبات القصة فإنها تدلّ على امتناع حسان مِن قتل اليهودي فقط، وليس فيها بيان سبب امتناعه، فلا يصح أنْ نحملَ ذلك على الجبن.
ولقد كفانا الله عناء التكلف في البحث لمخارج لهذا الصحابي الجليل- ﵁ و ذلك لعدم صحة الخبر والحمد لله أولاً وآخراً.
الوجه الخامس:
أن حساناً ﵁ قد كان من المجاهدين مع رسول الله ﷺ بيده وليس بلسانه فقط وبرهانه:
أن ابن عباس ﵄ -قال (٣): (قد جاهد مع رسول الله ﷺ بنفسه ولسانه).
فعقب الإمام الذهبي ﵀ بعد هذا الأثر (٤): (قلت: هذا دال على أنه غزا).
وقالت عائشة أم المؤمنين ﵂ (٥): (لا تسبوا حساناً فإنه قد أعان نبي الله ﷺ بلسانه ويده).
стр. 250
الثانية: قول المؤلف إن هذه القصة رواها الإمام أحمد تبعاً للحافظ ابن حجر كما نقل عنه قوله: (إن أحمد رواه بإسناد قوي عن عبد الله بن الزبير، فتح الباري (٦/ ٢٨٥) شرح كتاب الخمس، باب ١٨ من صحيح البخاري).
والصحيح أن الإمام أحمد لم يخرج القصة في مسنده وإنما أخرج حديث رقم (١٤٢٣) من طريق عبد الله بن الزبير، قَالَ: كُنْتُ يَوْمَ الْأَحْزَابِ جُعِلْتُ أَنَا وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ مَعَ النِّسَاءِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِالزُّبَيْرِ عَلَى فَرَسِهِ، يَخْتَلِفُ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثَةً، فَلَمَّا رَجَعَ قُلْتُ: يَا أَبَتِ رَأَيْتُكَ تَخْتَلِفُ. قَالَ: وَهَلْ رَأَيْتَنِي يَا بُنَيَّ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ يَأْتِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَيَأْتِيَنِي بِخَبَرِهِمْ؟ " فَانْطَلَقْتُ فَلَمَّا رَجَعْتُ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَوَيْهِ فَقَالَ: " فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ". وإسناد أحمد صحيح ويوافق ما في البخاري حديث رقم (٣٧٢٠) ولا يوجد فيه ذكر لقصة حسان-﵁.
والغريب أن المؤلف صفي الرحمن المباركفوري ﵀ قد أشار إلى ضعف القصة في الطبعة القديمة بقوله: (يحمل هذا الحديث على أن حساناً كان جباناً، وقد دفع هذا بعض العلماء وأنكره، وذلك أن الحديث منقطع الإسناد، ولو صح لهجي به حسان، - وإن صح الحديث- فربما كان حسان معتلاً في ذلك اليوم، وهذا أولى ما تأول).
ثم حذف هذا التعليق، وكتب ما نقله عن الحافظ ابن حجر في الطبعة الجديدة.
* * * *
قوله: (ثم إن الله وله الحمد - صنع أمراً من عنده خذل به العدو وهزم جموعهم، وفَلَّ حدهم، فكان مما هيأ من ذلك أن رجلاً من غطفان يقال له: نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي ﵁ جاء رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني ما شئت، فقال رسول الله ﷺ : " إنما أنت رجل