تُرد هذه الفرية من وجوه عدّة (١):
الوجه الأول: أن هذه القصة لا تصحّ؛ لأن سندها منقطع، وأحسن ما ورد فيها:
ما أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٤/ ٥١) من طريق يونس بن بكير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن صفية بنت عبد المطلب، قال: عروة وسمعتها تقول: فذكرت القصة …
والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٤/ ٣١٩/ ٨٠٤): حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثنا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ،
وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (١٠/ ٤١): أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، …
هذه الطرق تدور على "عروة بن الزبير"، وقال الذهبي (٢): (عروة لم يدرك صفية)، فالإسناد منقطع، وأيضاً وقع الاضطراب في تحديد الغزوة أهي غزوة أحد أم الخندق.
وقال ابن إسحاق (٣): (وحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبّادٍ، قَالَ: … وهذا إسناد ضعيف، للانقطاع بين "عباد" وبين أحداث القصة.
يقول الإمام السهيلي ﵀ (٤): (محمل هذا الحديث عند الناس على أن حسّاناً كان جباناً شديد الجبن، وقد دفع هذا بعض العلماء وأنكره، وذلك أنّه حديث منقطع الإسناد).
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ (٥): (كرهت ذكرها لنكارتها).
стр. 247
الوجه الثاني:
أنه لو صحّ ذلك عن هذا التقيّ لما قوي شعره وجهاده ضد كفار العرب وذلكم أن الشعراء لا تجد واحداً منهم يُغفل مثل هذه الخصال المذمومة حتى يهجو من كان خصماً له وخصوصاً من شعراء الإسلام.
يقول الحافظ ابن عبد البر ﵀ (١) ناقلاً عن بعض من أنكر ذلك: (وقالوا: لو كان حقاً لهجي به، فإنه قد هجا قوماً فلم يهجه أحد منهم بالجبن، ولو كان ذلك لهجي به).
يقول الإمام السهيلي ﵀ (٢) ناقلاً عن بعض الأئمة: (وقال: لو صحّ هذا لهجي به حسّان، فإنّه كان يهاجي الشعراء كضرار وابن الزبعريّ وغيرهما، وكان يناقضونه ويردون عليه، فما عيّره أحد منهم بجبن، ولا وسمه به، فدلّ هذا على ضعف حديث ابن إسحاق).
وأدق من ذلك أن تلكم الفرية -لو صح خبرها- لهجي حتى ابنه عبد الرحمن فقد كان معروفاً بالشعر أيضاً.
يقول الإمام ابن عبد البر ﵀ (٣): (و لو صحّ ذلك لهُجي بذلك ابنه عبد الرحمن، فإنه كان كثيراً ما يهاجي الناس من شعراء العرب مثل النجاشي وغيره).
الوجه الثالث:
ولو سلمنا جدلاً وقلنا بصحة هذا الخبر تنزلاً: لما جاز لأحد أن يصف هذا الصحابي الشجاع والتقيّ المقدام بهذه الصفة المشينة التي تردها الطباع الحسنة.
стр. 248
ولقد قرر أئمة السنة وانعقد على ذلك إجماعهم أن منزلة الصحابة رفيعة لا تمسّ بحال:
قال الإمام ابن عبد البر ﵀ (١): (والكف عن ذكر أصحاب رسول الله ﷺ إلا بخير ما يُذكرون به، فإنهم أحق الناس أن تُنشر محاسنهم ويُلتمس لهم أفضل المخارج ويُظن بهم أحسن المذاهب).
فدونك يا عبد الله! حبل السلامة فاعقد نفسك به لعلك تنجو من أمواج فتن أهل الجهل، الذين لا يرفعون رأساً بكلام الأئمة الجهابذة.
وإذا مثّلنا بقضية حسان ﵁ على هذه القاعدة النيّرة التي قررها ابن عبد البر ﵀ نخلص إلى أن هذه الفرية لو ثبتت لما جاز لنا نشرها لأن ذلك حتماً يعد من نشر مساوئ الصحابة وقد نهينا عن ذلك.
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة (٢٦/ ٤٤) السؤال الثالث من الفتوى رقم (٦٥٨١)
س ٣: (يقول البعض: بأن حساناً بن ثابت ﵁ (جبان) ويستشهدون بقول ابن حجر ذلك في الإصابة. ما رأيكم في ذلك؟
ج ٣: الذي ينبغي للمسلم نحو الصحابة ﵃ أن يذكر محاسنهم، ويثني عليهم بما هم أهل له، ويكف عن مساوئهم، وما ذكر عن حسان بن ثابت في كتب التاريخ والتراجم من أنه كان جبانًا فعلى تقدير صحته يكون ذكره بذلك غيبة، ولا خير يستفاد من ذكره بذلك، وإن كان كذبًا كان وصفه بذلك غيبة وزورًا، وكان الكف عن ذلك أوجب، وصيانة اللسان عنه ألزم).
الوجه الرابع:
بناء على تلكم القاعدة الزكية السالفة الذكر، يقال: إن حساناً من
стр. 249
أحق الناس أن يلتمس له أحسن المخارج لو صح ذلك، ومن المخارج التي التمست ما ذكره الإمام السهيلي ﵀ حيث قال (١): (وإن صحّ فلعلّ حسّاناً أن يكون معتلاّ في ذلك اليوم بعلّة من شهود القتال، وهذا أولى ما تأول).
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀ (٢): (وقيل: إنما أصابه ذلك الجبن منذ ضربه صفوان بن المعطل بالسيف).
لو نازع أحدٌ في إثبات القصة فإنها تدلّ على امتناع حسان مِن قتل اليهودي فقط، وليس فيها بيان سبب امتناعه، فلا يصح أنْ نحملَ ذلك على الجبن.
ولقد كفانا الله عناء التكلف في البحث لمخارج لهذا الصحابي الجليل- ﵁ و ذلك لعدم صحة الخبر والحمد لله أولاً وآخراً.
الوجه الخامس:
أن حساناً ﵁ قد كان من المجاهدين مع رسول الله ﷺ بيده وليس بلسانه فقط وبرهانه:
أن ابن عباس ﵄ -قال (٣): (قد جاهد مع رسول الله ﷺ بنفسه ولسانه).
فعقب الإمام الذهبي ﵀ بعد هذا الأثر (٤): (قلت: هذا دال على أنه غزا).
وقالت عائشة أم المؤمنين ﵂ (٥): (لا تسبوا حساناً فإنه قد أعان نبي الله ﷺ بلسانه ويده).
стр. 250
الثانية: قول المؤلف إن هذه القصة رواها الإمام أحمد تبعاً للحافظ ابن حجر كما نقل عنه قوله: (إن أحمد رواه بإسناد قوي عن عبد الله بن الزبير، فتح الباري (٦/ ٢٨٥) شرح كتاب الخمس، باب ١٨ من صحيح البخاري).
والصحيح أن الإمام أحمد لم يخرج القصة في مسنده وإنما أخرج حديث رقم (١٤٢٣) من طريق عبد الله بن الزبير، قَالَ: كُنْتُ يَوْمَ الْأَحْزَابِ جُعِلْتُ أَنَا وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ مَعَ النِّسَاءِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِالزُّبَيْرِ عَلَى فَرَسِهِ، يَخْتَلِفُ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثَةً، فَلَمَّا رَجَعَ قُلْتُ: يَا أَبَتِ رَأَيْتُكَ تَخْتَلِفُ. قَالَ: وَهَلْ رَأَيْتَنِي يَا بُنَيَّ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ يَأْتِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَيَأْتِيَنِي بِخَبَرِهِمْ؟ " فَانْطَلَقْتُ فَلَمَّا رَجَعْتُ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَوَيْهِ فَقَالَ: " فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ". وإسناد أحمد صحيح ويوافق ما في البخاري حديث رقم (٣٧٢٠) ولا يوجد فيه ذكر لقصة حسان-﵁.
والغريب أن المؤلف صفي الرحمن المباركفوري ﵀ قد أشار إلى ضعف القصة في الطبعة القديمة بقوله: (يحمل هذا الحديث على أن حساناً كان جباناً، وقد دفع هذا بعض العلماء وأنكره، وذلك أن الحديث منقطع الإسناد، ولو صح لهجي به حسان، - وإن صح الحديث- فربما كان حسان معتلاً في ذلك اليوم، وهذا أولى ما تأول).
ثم حذف هذا التعليق، وكتب ما نقله عن الحافظ ابن حجر في الطبعة الجديدة.
* * * *
قوله: (ثم إن الله وله الحمد - صنع أمراً من عنده خذل به العدو وهزم جموعهم، وفَلَّ حدهم، فكان مما هيأ من ذلك أن رجلاً من غطفان يقال له: نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي ﵁ جاء رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني ما شئت، فقال رسول الله ﷺ : " إنما أنت رجل
стр. 251
واحد، فَخذِّلْ عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة "، فذهب من فوره إلى بني قريظة - وكان عشيراً لهم في الجاهلية - فدخل عليهم وقال: قد عرفتم ودي إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت. قال: فإن قريشاً ليسوا مثلكم، البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشاً وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فإن أصابوا فرصة انتهزوها، وإلا لحقوا ببلادهم وتركوكم ومحمداً فانتقم منكم، قالوا: فما العمل يا نعيم؟ قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن. قالوا: لقد أشرت بالرأي.
ثم مضى نعيم على وجهه إلى قريش وقال لهم: تعلمون ودي لكم ونصحي لكم؟ قالوا: نعم، قال: إن يهود قد ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمد وأصحابه، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه، ثم يوالونه عليكم، فإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم، ثم ذهب إلى غطفان، فقال لهم مثل ذلك).
التعليق: ضعيف جداً.
قال العلامة الألباني (١): (ذكر هذه القصة ابن إسحاق بدون إسناد، وعنه ابن هشام: (٢/ ١٩٣ - ١٩٤)، لكن قوله ﷺ : (الحرب خدعة)، صحيح متواتر عنه ﷺ ، رواه الشيخان من حديث جابر وأبي هريرة وغيرهما، انظر: الجامع الصغير مع شرحه (فيض القدير)، للمناوي).
وقال أيضاً (٢): (ضعيف جداً. أخرجه الطبري في "تهذيب الآثار" (١/ ١٠٩/ ٢٢٦)، وأبو عوانة (٤/ ٨٢)، والديلمي (٢/ ١١١ - ١١٢) عن يعقوب بن محمد: حدثنا عبد العزيز بن عمران: حدثنا إبراهيم بن صابر الأشجعي، عن أبيه، عن أمه بنت نعيم بن مسعود الأشجعي، عن أبيها قال: قال رسول الله ﷺ : …
стр. 252
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ عبد العزيز بن عمران هو المعروف بابن أبي ثابت الزهري المدني، وهو متروك.
ومن فوقه لم أعرفهم، وبنت نعيم اسمها زينب، ونعيم صحابي مشهور قالوا: وهو الذي أوقع الخلاف بين الحيين (قريظة وغطفان) في وقعة الخندق، فخالف بعضهم بعضاً ورحلوا عن المدينة، والقصة رواها ابن إسحاق بغير إسناد؛ وفيها أن النبي ﷺ -قال له: "فخذل عنا إن استطعت؛ فإن الحرب خدعة".
انظر: "تاريخ ابن كثير" (٤/ ١١١)، ورواها الطبري (١/ ١١٤/ ٢٣٦) عن الزهري مرسلاً؛ دون حديث الترجمة.
(تنبيه): "إبراهيم بن صابر" هكذا وقع في "تهذيب الطبري"، ووقع في "مسند أبي عوانة": " .. هانئ" مكان "صابر"، وفي "الديلمي": "جابر". وهذا تحريف شديد، أضاع علينا معرفة هوية إبراهيم هذا، وقد ذكر الحافظ المزي في شيوخ عبد العزيز بن عمران ثلاثة باسم إبراهيم:
الأول: إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة.
الثاني: إبراهيم بن حويصة.
الثالث: إبراهيم بن أبي الصقر.
ولم أعرف من هؤلاء إلا الأول؛ وهو أشهلي أنصاري مولاهم، ولم يذكروا له رواية عن أبيه، ثم هو ضعيف. والله أعلم.
واعلم أنني إنما خرجت الحديث هنا من أجل طرفه الأول: "خذل عنا"، وإلا؛ فبقيته صحيح، بل متواتر، أخرجه ابن جرير عن عشرة من الصحابة، وبعضها في "الصحيحين"، وخرجه السيوطي في "الجامع الصغير" عن أربعة عشر صحابياً، ليس فيهم أبو الطفيل وأسماء بنت يزيد، وقد أخرجهما الطبري، فيصير العدد (١٦). وقد أخرجته عن بعضهم في "الروض النضير" (٧٧٠)، وغيره، فانظر "صحيح الجامع الصغير" (٣١٧١).
стр. 253
ثم وقفت على الكتاب الذي سماه مؤلفه الشيخ عبد الله الدويش ﵀: "تنبيه القاري على تقوية ما ضعفه الألباني"! ومما قواه هذا الحديث! فقد ساقه من رواية البيهقي في "دلائل النبوة" (٣/ ٤٤٥ - ٤٤٦) من طريق أحمد بن عبد الجبار: حدثنا يونس، عن ابن إسحاق قال: فحدثني رجل، عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: جاء نعيم بن مسعود الأشجعي إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إني قد أسلمت؛ ولم يعلم بي أحد من قومي، فمرني أمرك … إلخ.
قلت: كذا صورة الأصل، وهي بخطه؛ كما أخبرني من أهداه إلي، وهذا من أوهامه ﵀! لأنه كان عليه أن يذكر جواب النبي ﷺ لنعيم بن مسعود؛ لأن موضع استشهاده أو انتقاده علي إنما هو فيه، وهو:
فقال له رسول الله ﷺ : "إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا ما استطعت؛ فإنما الحرب خدعة". فانطلق نعيم بن مسعود … الحديث.
قلت: فهنا محل تلك اللفظة: "إلخ" كما هو ظاهر.
ثم ساقه من رواية البيهقي أيضاً من الطريق ذاتها، عن ابن إسحاق قال: حدثنا يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة قالت: كان نعيم بن مسعود رجلاً نموماً، فدعاه رسول الله ﷺ ، فقال: … ، فذكر القصة مختصرة جداً، وفيه:
فلما ولى نعيم قال رسول الله ﷺ : "إنما الحرب خدعة".
وقال الدويش عقبه: "وهذا إسناد حسن، وقد أشار إليه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (٧/ ٤٠٣) بأطول من هذا، وسكت عليه. والله أعلم". كذا قال! غفر الله له، وفيه أوهام عجيبة!
أولاً: قوله: "وقد أشار إليه الحافظ .. " إلى قوله: "وسكت عنه".
فأقول: الذي سكت عنه الحافظ ليس هذا الذي ساقه الدويش من رواية البيهقي عن عبد الله بن كعب المرسلة، ورواية عروة عن عائشة المسندة، وإنما سكت عن رواية ابن إسحاق في "السيرة" (٣/ ٢٤٧ - ٢٥٠)
стр. 254
مطولة جداً، ساقها الحافظ ملخصة، وسبب سكوته واضح؛ لأن ابن إسحاق لم يسندها، فهي ظاهرة الإعضال، ككثير من روايات سيرته؛ كما هو معروف عند أهل العلم.
ثانياً: قوله: "وهذا إسناد حسن"! خطأ واضح؛ لأنه إن أراد به الطريق الأول الذي فيه موضع الشاهد: "خذل عنا"؛ ففيه ثلاث علل:
الأولى: الإرسال؛ لأن عبد الله بن كعب بن مالك تابعي لم يدرك القصة.
والثانية: فيه الرجل الذي لم يسم!
والثالثة: أحمد بن عبد الجبار -وهو العطاردي -؛ قال الحافظ في "التقريب": "ضعيف".
وإن أراد به الطريق الآخر؛ فليس فيه موضع الشاهد أولاً، ثم هو من طريق أحمد بن عبد الجبار الضعيف ثانياً. وإذا كان مدار الطريقين عليه؛ فعدم ذكره في الطريق الآخر موضع الشاهد إن كان قد حفظه؛ فهو يدل على ضعف الشاهد، وإن كان لم يحفظه؛ فهو يدل على ضعفه هو؛ لأنه مرة ذكره، ومرة لم يذكره.
وبالجملة؛ فانتقاد الرجل تضعيفي للحديث برواية البيهقي هذه على ما فيها من الاضطراب والضعف؛ لهو من الأدلة الكثيرة على أنه لا يحسن هذه الصناعة الحديثية، ولا الكتابة فيها).
وقال الدكتور العمري (١): (قصة نعيم بن مسعود الأشجعي لا تثبت من الناحية الحديثية، ولكنها اشتهرت في كتب السيرة).
قال إبراهيم بن محمد المدخلي (٢): (إن دور نعيم ﵁ في هذه الغزوة عظيم، خاصة إذا عرفنا أنه في أول أيام دخوله في الإسلام. وقد
стр. 255
اشتهر هذا الدور عند المؤرخين. بيد أني رغم ذلك لم أجد سنداً يؤكده ويؤيده، ولكنه مستفيض عند المؤرخين).
وقال أيضاً ص (٣٨٤): (هكذا جاءت هذه القصة في كتب المغازي وهي مشهورة جداً ولكنها بدون إسناد يعتمد عليه إلا أن أهل المغازي والسير تناقلوها عن ابن إسحاق).
فائدة: قال النووي (١): (قَوْله ﷺ : (الْحَرْب خُدْعَة):
فِيهَا ثَلَاث لُغَات مَشْهُورَات اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَفْصَحهنَّ (خَدْعَة) بِفَتْحِ الْخَاء وَإِسْكَان الدَّال، قَالَ ثَعْلَب وَغَيْره: وَهِيَ لُغَة النَّبِيّ ﷺ .
الثَّانِيَة: بِضَمِّ الْخَاء وَإِسْكَان الدَّال.
وَالثَّالِثَة: بِضَمِّ الْخَاء وَفَتْح الدَّال).
انظر: تهذيب الآثار للطبري في ذكر روايات حديث (الحرب خدعة) فإنه أفاد وأجاد.
* * * *
غزوة بني قريظة
قوله: (فقال رسول الله ﷺ : (لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات).
التعليق: قوله: (من فوق سبع سموات) هذا ضعيف.
أما قصة تحكيم سعد بن معاذ-﵁ في يهود بني قريظة صحيحة أخرجها البخاري (٢/ ٢٥٨، ٣/ ١٠، ٩٩ و ٤/ ١٧٥ ـ ١٧٦)، ومسلم (٥/ ١٦٠)، والنسائي في " الكبرى " (٤٨/ ٢)، وأحمد (٣/ ٢٢، ٧٠) من طرق عن شعبة به، وليس فيه " فوق سبع سماوات ".
стр. 256
ولكن بلفظ: (لقد حكمت فيهم بحكم الله وربما قال: بحكم الملك). (١)
* * * *
قوله: (واستوهب ثابت بن قيس، الزَبير بن باطا وأهله وماله- وكانت للزَبير يد عند ثابت (٢) - فوهبهم له رسول الله ﷺ ، فقال له ثابت بن قيس: قد وهبك رسول الله ﷺ إلي، ووهب لي مالك وأهلك فهم لك. فقال الزَبير بعد أن علم بمقتل قومه: سألتك بيدي عندك يا ثابت إلا ألحقتني بالأحبة، فضرب عنقه، وألحقه بالأحبة من اليهود، واستحيا ثابت من ولد الزَبير بن باطا عبد الرحمن بن الزَبير (٣)، فأسلم وله صحبة).
التعليق: مرسل ضعيف.
قال الشيخ العوشن (٤): (وعن ابن إسحاق أخرجه البيهقي في الدلائل (٤/ ٢٣)، ومرسل الزهري لا يفرح به. وأخرجه في السنن الكبرى (٩/ ٦٦) من مرسل عروة، وفي سنده ابن لهيعة. وعزاه الهيثمي (٦/ ١٤١ - ١٤٢) إلى الطبراني في الأوسط وقال: (فيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف) ....
стр. 257
وسؤال الزبير أن يلحقه ثابت بمن قتل من زعماء يهود، يخالف ما عرف عنهم من حب الدنيا، وكراهية الموت، واستمع قول الله عنهم: (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون) (البقرة: ٩٦).
* * * *
غزوة بني المصطلق
قوله: (وذلك في ساعة لم يكن يرتحل فيها، فارتحل الناس، فلقيه أسيد بن حضير فحياه، وقال: لقد رحت في ساعة منكرة؟ فقال له: (أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟) يريد ابن أبي، فقال: وما قال؟ قال: (زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل)، قال: فأنت يا رسول الله، تخرجه منها إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز، ثم قال: يا رسول الله، ارفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك، وإن قومه لينظمون له الخَرَز ليتوجوه، فإنه يرى أنك استلبته ملكاً). ثم مشى بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصَدْر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مَسَّ الأرض فوقعوا نياماً. فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث).
التعليق: مرسل.
(رواه: ابن إسحاق مرسلاً، ومن طريقه الطبري، والبيهقي في (الدلائل). (١)
(الحديث رجاله ثقات، ولكنه مرسل. وأورده ابن جرير الطبري من هذه الطريق نفسها. (٢)
وله شاهد عند ابن أبي حاتم من مرسل عروة بن الزبير، وعمر بن ثابت الأنصاري.
стр. 258
وهو مرسل جيد كما قال ابن حجر. (١) وهو أيضا عند ابن أبي شيبة من مرسل عروة وحده. (٢)
وأصله في الصحيحين من حديث زيد بن أرقم، وجابر بن عبد الله. وبهذا يكون الحديث حسناً لغيره). (٣)
فوائد:
١ - قصة زيد بن أرقم مع عبدالله بن أبي صحيحة. وردت في البخاري ومسلم وغيرهما.
روى البخاري حديث (٤٩٠٠)، ومسلم حديث (٢٧٧٢) عن زيد بن أرقم، قال: كنت في غزاة فسمعت عبد الله بن أبي، يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، ولئن رجعنا من عنده ليخرجن الأعز منها الأذل، فذكرت ذلك لعمي أو لعمر، فذكره للنبي ﷺ ، فدعاني فحدثته، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فكذبني رسول الله ﷺ وصدقه، فأصابني هم لم يصبني مثله قط، فجلست في البيت، فقال لي عمي: ما أردت إلى أن كذبك رسول الله ﷺ ومقتك؟ فأنزل الله -تعالى-: ﴿إذا جاءك المنافقون﴾ [المنافقون: ١] فبعث إلي النبي ﷺ فقرأ فقال: (إن الله قد صدقك يا زيد).
٢ - صحة قصة عبد الله بن أبي بن سلول مع ابنه عبد الله حيث منعه من دخول المدينة حتى يقر أنه الذليل ورسول الله هو العزيز كما رواها الترمذي في سننه، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة المنافقين، حديث (٣٣١٥) وفيه: فقال له ابنه عبد الله بن عبد الله: (والله لا تنقلب حتى تقر أنك الذليل ورسول الله ﷺ العزيز ففعل). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني. (٤)
стр. 259
٣ - أما رواية ابن إسحاق التي فيها قوله: (يا رسول الله! إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت لابد فاعلاً؛ فمرني به؛ فأنا أحمل إليك رأسه؛ فوالله؛ لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس، فأقتله، فأقتل مؤمناً بكافر، فأدخل النار. فقال رسول الله ﷺ : (بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا). رواه الحاكم في مستدركه (٣/ ٦٧٩) ومن طريقه رواه البيهقي في دلائل النبوة (٤/ ٦٢) فقال: أَخْبَرَنَا أبو عبد الله الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ: -فذكره-
إسنادها ضعيف؛ لأن راويها عاصم بن عمر بن قتادة تابعي لم يدرك القصة فهو مرسل.
لكن ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-﵁ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ وَهُوَ فِي ظِلِّ أَجَمَةٍ فقَالَ: قَدْ غَبَّرَ عَلَيْنَا ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ. فقَالَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ وَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ لَئِنْ شِئْتَ لَآتِيَنَّكَ بِرَأْسِهِ. فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا، وَلَكِنْ بِرَّ أَبَاكَ وأحسِنْ صُحبته).
أخرجه ابن حبان في "صحيحه " (٢٠٢٩) -من طريق شبيب بن سعيد-، والبزار (٣/ ٢٦٠/ ٢٧٠٨) - من طريق عمرو بن خليفة- عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة. حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة حديث (٣٢٢٣).
* * * *
حديث الإفك
قوله: (فقال رسول الله ﷺ لعمر: (كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي: اقتله، لأرعدت له آنف، ولو أمرتها اليوم بقتله لقتلته).
стр. 260
قال عمر: قد والله علمتُ، لأمْر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمري).
التعليق: مرسل.
قال الدكتور إبراهيم بن إبراهيم قريبي (١): (الحديث رجاله ثقات، ولكنه مرسل. وأورده ابن جرير الطبري من هذه الطريق نفسها (٢).
وله شاهد عند ابن أبي حاتم من مرسل عروة بن الزبير، وعمر بن ثابت الأنصاري.
وهو مرسل جيد كما قال ابن حجر (٣). وهو أيضا عند ابن أبي شيبة من مرسل عروة وحده (٤).
وأصله في الصحيحين من حديث زيد بن أرقم وجابر بن عبد الله. وبهذا يكون الحديث حسناً لغيره). (٥)
* * * *
عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ٦ هـ
قوله: (عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ٦ هـ)
التعليق: الأفضل تسميتها بغزوة الحديبية.
إن المتأمل للأسماء التي أطلقها المؤلف-﵀ لهذه الحادثة يجد ما يلي: (وقعة الحديبية)، و (عمرة الحديبية)، و (صلح الحديبية)، و (هدنة الحديبية).
стр. 261
قال الدكتور حافظ بن محمد الحكمي (١): (بعد دراسة وتأمل لتلك العناوين رأيت أن العنوان المناسب لهذه الحادثة هو: (غزوة الحديبية) وذلك للأمور التالية:
أولاً: أنه موافق لاصطلاح أهل السير والمحدثين.
قال الزرقاني (٢): (وقد جرت عادة المحدثين وأهل السير واصطلاحهم غالباً أن يسموا كل عسكر حضره النبي ﷺ بنفسه الكريمة (غزوة)، وما لم يحضره بل أرسل بعضاً من أصحابه إلى العدو (سرية)، أو (بعثاً)).
ثانياً: ما يحمله لفظ (غزوة) من إيحاءات عميقة تعطي الحادثة اعتباراً خاصاً في شعور المسلم ولا توجد في مثل: لفظ (قصة) و (أمر)؛ ذلك لأن لفظ (غزوة) أصبح ملازماً لشخص رسول الله ﷺ فلا تكاد ترى أو تسمع هذه اللفظة حتى يسرح بك الخيال من وراء تلك الأجيال المتعاقبة لترى تحركات رسول الله ﷺ وأصحابه الأبرار يزلزلون الطغاة وأتباعهم.
ثالثاً: شمول هذا العنوان لجميع تحركات الرسول ﷺ في هذه الحادثة ابتداء من إحرامه بالعمرة ومروراً بالبيعة والصلح إلى رجوعه للمدينة.
رابعاً: ورود عدة أحاديث تصرح بأن الصحابة -رضوان الله عليهم -كانوا يسمونها (غزوة) ومن تلك الأحاديث ما يلي:
عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع- ﵁ قال: "غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات فذكر خيبر، والحديبية، ويوم حنين، ويوم القرد، قال يزيد: ونسيت بقيتهم". (٣)
стр. 262
عن عبد الله بن أبي قتادة أن أباه أخبره أنه غزا مع رسول الله ﷺ غزوة الحديبية، قال: فأهلوا بعمرة غيري … (الحديث). (١)
إشاعة مقتل عثمان وبيعة الرضوان
قوله: (واحتبسته قريش عندها -ولعلهم أرادوا أن يتشاوروا فيما بينهم في الوضع الراهن، ويبرموا أمرهم، ثم يردوا عثمان بجواب ما جاء به من الرسالة - وطال الاحتباس، فشاع بين المسلمين أن عثمان قتل، فقال رسول الله ﷺ لما بلغته الإشاعة: (لا نبرح حتى نناجز القوم)، ثم دعا أصحابه إلى البيعة … ).
التعليق: ضعيف.
قال الألباني (٢): (ضعيف. أخرجه ابن إسحاق؛ وعنه ابن هشام (٢/ ٢٢٩) عن عبدالله بن أبي بكر مرسلاً).
قال الدكتور حافظ بن محمد الحكمي (٣): (أما سبب هذه البيعة فما رواه ابن إسحاق قال: فحدثني عبد الله (٤) بن أبي بكر أن رسول الله ﷺ قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: "لا نبرح حتى نناجز القوم، فدعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة".
وأخرجه ابن جرير والبيهقي كلاهما من طريق ابن إسحاق: قال ابن جرير (٥): حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر فذكره.
стр. 263
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار قال: حدثنا يونس عن ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم: فذكر نحوه.
هذا الأثر مرسل وسنده إلى عبد الله بن أبي بكر حسن).
(فالخلاصة أنه لم يثبت -والله أعلم- أن سبب البيعة كان إشاعة مقتل عثمان ﵁). (١)
* * * *
مكاتبة الملوك والأمراء
قوله: (الكتاب إلى المقوقس ملك مصر.
الكتاب إلى كسرى ملك فارس.
الكتاب إلى المنذر بن سَاوِي.
الكتاب إلى هَوْذَة بن على صاحب اليمامة.
الكتاب إلى الحارث بن أبي شَمِر الغساني صاحب دمشق … ).
التعليق: نصوص الكتب من الرسول ﷺ إلى هؤلاء لم تثبت من الناحية الحديثية.
قال الدكتور العمري (٢): (نصوص الكتب من الرسول ﷺ إلى هؤلاء لم تثبت من الناحية الحديثية، أما مكاتبة الملوك وغيرهم فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس أن النبي ﷺ كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله -تعالى- وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي ﷺ ، بخلاف نص الكتاب الذي كتبه لهرقل عظيم الروم فقد ورد في البخاري ومسلم.
стр. 264
وقد أشار البخاري إلى إرسال كتاب النبي- ﷺ إلى كسرى دون أن يذكر نص الكتاب. لكنه بيّن أن الرسول ﷺ أرسل كتابه مع عبد الله بن حذافة السهمي، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين المنذر بن ساوي العبدي، وأن المنذر دفعه إلى كسرى الذي مزقه بعد أن قرأه وقد دعا عليهم الرسول ﷺ أن يمزقهم الله كل ممزق، وقد مَزَّق الله ملك كسرى فقتله ابنه واستولى على عرشه وتمزقت الإمبراطورية الفارسية ثم زالت من الوجود، وأما نص الكتاب إلى كسرى فلم يثبت من طريق صحيحة وإنما أورده الطبري وغيره بأسانيد ضعيفة. (١)
وقد ثبت في صحيح مسلم (٢) إرسال كتاب النبي- ﷺ إلى النجاشي، وبين الإمام مسلم أنه ليس بالنجاشي الذي أسلم، ولم يثبت نص الكتاب فقد أورده ابن إسحق بدون إسناد.
وأما نصوص الكتب التي وجهت إلى المقوقس حاكم مصر وهي كتابان وكذلك ردود المقوقس وهي كتابان أيضاً فلم تثبت من طريق صحيحة، وكذلك لم تثبت نصوص الكتب إلى الحارث بن أبي شمر الغساني حاكم دمشق (٣) وهوذة بن علي الحنفي حاكم اليمامة وجيفر وعباد ابني الجلندي حاكمي عمان والمنذر بن ساوي في البحرين (٤) من الناحية الحديثية، ولا يعني ذلك نفي إرسال الكتب إلى هؤلاء الملوك والحكام كما أنه لا يعني الطعن التاريخي
стр. 265
بالنصوص إذ يمكن أن تكون صحيحة من حيث الشكل والمضمون، ولكنها لا ترقى إلى مستوى الاحتجاج بها في السياسة الشرعية. ومن ثم يبقى نص كتاب النبي ﷺ إلى هرقل هو الوحيد الذي يصح حديثياً ويمكن اعتباره نموذجاً تقارن به بقية الكتب لغرض النقد التاريخي.
وإن هذا الحكم يسري على معظم وثائق العهد النبوي الأخرى إذ لا مجال لتصحيحها من الناحية الحديثية ولم تُعنَ الكتب الستة بتخريجها سوى كتاب هرقل في البخاري وكتاب عمير ذي مران في (سنن أبي داوود) (١)، رغم أن الكثير منها يمكن أن يكون صحيحاً من الناحية التاريخية، ولكنه يبقى دون الاحتجاج به في موضوعات العقيدة والشريعة).
* * * *
بدء المعركة وفتح حصن ناعم
قوله: (ثم خرج ياسر أخو مرحب، وهو يقول: من يبارز؟ فبرز إليه الزبير، فقالت صفية أمه: يا رسول الله، يقتل ابني، قال: (بل ابنك يقتله)، فقتله الزبير).
التعليق: ضعيف.
قال الألباني (٢): (أخرجه ابن هشام (٢/ ٢٣٩)، من طريق ابن إسحاق، عن هشام بن عروة معضلاً).
* * * *
قتل ابني أبي الحقيق لنقض العهد
قوله: (وعلى رغم هذه المعاهدة غيب ابنا أبي الحقيق مالاً كثيراً، غيبا مَسْكًا فيه مال وحُلي لحيي بن أخطب، كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير.
стр. 266
قال ابن إسحاق: وأتي رسول الله ﷺ بكِنَانة بن الربيع، وكان عنده كنز بني النضير، فسأله عنه، فجحد أن يكون يعرف مكانه، فأتي رجل من اليهود فقال: إني رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة، فقال رسول الله ﷺ لكنانة: (أرأيت إن وجدناه عندك أأقتلك؟) قال: نعم، فأمر بالخربة، فحفرت، فأخرج منها بعض كنزهم، ثم سأله عما بقي، فأبى أن يؤديه. فدفعه إلى الزبير، وقال: عذبه حتى نستأصل ما عنده، فكان الزبير يقدح بزند في صدره حتى أشرف على نفسه، ثم دفعه رسول الله ﷺ إلى محمد بن مسلمة، فضرب عنقه بمحمود بن مسلمة - وكان محمود قتل تحت جدار حصن ناعم، ألقي عليه الرحي، وهو يستظل بالجدار فمات-).
التعليق: ضعيف
قال الدكتور أكرم ضياء العمري (١): (ويذكر ابن إسحق دون إسناد أن الذي أخفى الكنز وسئل عنه هو كنانة بن الربيع (٢)، ويذكر ابن سعد كنانة وأخوه الربيع (٣)، وفي إسناد ابن سعد محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو صدوق سيئ الحفظ جداً (٤).
(فإن هذا الحديث غير صحيح، إذ لم نقف عليه في أي من الكتب التي تعنى بتصحيح الحديث، وإنما روي عن ابن إسحاق غير مسند، كما قال الدكتور أكرم ضياء العمري في كتابه السيرة النبوية الصحيحة.
ومن المعلوم أن جهالة السند تدل على ضعف الحديث، إضافة إلى أنه تضمن ما تقرر في الشريعة خلافه وهو الأمر بتعذيب الأسير، ومعروف أن الشارع أمر بالإحسان إلى الأسرى). (٥)
* * * *
стр. 267
عمرة القضاء
قوله: (قال الحاكم: تواترت الأخبار أنه ﷺ لما هَلَّ ذو القعدة أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء عمرتهم، وألا يتخلف منهم أحد شهد الحديبية، فخرجوا إلا من استشهد، وخرج معه آخرون معتمرين، فكانت عدتهم ألفين سوى النساء والصبيان).
التعليق: تسمية العمرة
ذكر المؤلف ﵀ أن عمرة القضاء سميت بذلك؛ لأن الرسول ﷺ أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء عمرتهم، وهذا أحد الأقوال في المسألة ولعل الصواب أن عمرة القضاء سميت بذلك؛ لأنها هي التي قاضى عليها قريشاً فإن من جملة الشروط التي وقعت بينهم في الصلح أن النبي ﷺ يعتمر من العام القادم، وقد فعل- ﵊ كما ذكر شيخنا ابن عثيمين ﵀ (١).
قال الحافظ ابن حجر (٢):
(واختلف في سبب تسميتها عمرة القضاء فقيل: المراد ما وقع من المقاضاة بين المسلمين والمشركين من الكتاب الذي كتب بينهم بالحديبية، فالمراد بالقضاء: الفصل الذي وقع عليه الصلح؛ ولذلك يقال لها: عمرة القضية، قال أهل اللغة: قاضى فلاناً عاهده، وقاضاه عاوضه، فيحتمل تسميتها بذلك لأمرين قاله عياض. ويرجح الثاني تسميتها قصاصاً قال الله -تعالى-: (الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص) قال السهيلي: تسميتها عمرة القصاص أولى؛ لأن هذه الآية نزلت فيها.
قلت: كذا رواه ابن جرير وعبد بن حميد بإسناد صحيح عن مجاهد، وبه جزم سليمان التيمي في مغازيه. وقال ابن إسحاق: بلغنا عن ابن عباس فذكره، ووصله الحاكم في الإكليل عن ابن عباس لكن في إسناده الواقدي.
стр. 268
وقال السهيلي: سميت عمرة القضاء؛ لأنه قاضى فيها قريشاً لا لأنها قضاء عن العمرة التي صد عنها؛ لأنها لم تكن فسدت حتى يجب قضاؤها، بل كانت عمرة تامة؛ ولهذا عدوا عمر النبي ﷺ أربعاً- كما تقدم تقريره في كتاب الحج -
وقال آخرون: بل كانت قضاء عن العمرة الأولى، وعدت عمرة الحديبية في العمر لثبوت الأجر فيها، لا لأنها كملت، وهذا الخلاف مبني على الاختلاف في وجوب القضاء على من اعتمر فصد عن البيت: فقال الجمهور: يجب عليه الهدي ولا قضاء عليه. وعن أبي حنيفة عكسه. وعن أحمد رواية: أنه لا يلزمه هدي ولا قضاء، وأخرى: يلزمه الهدي والقضاء.
فحجة الجمهور قوله تعالى: (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي)، وحجة أبي حنيفة: أن العمرة تلزم بالشروع فإذا أحصر جاز له تأخيرها، فإذا زال الحصر أتى بها، ولا يلزم من التحلل بين الإحرامين سقوط القضاء. وحجة من أوجبها: ما وقع للصحابة فإنهم نحروا الهدي حيث صدوا، واعتمروا من قابل وساقوا الهدي، وقد روى أبو داود من طريق أبي حاضر قال: (اعتمرت فأحصرت فنحرت الهدي وتحللت ثم رجعت العام المقبل) فقال لي ابن عباس: ابذل (١) الهدي؛ فإن النبي ﷺ أمر أصحابه بذلك (٢). وحجة من لم يوجبها: أن تحللهم بالحصر لم يتوقف
стр. 269
على نحر الهدي بل أمر من معه هدي أن ينحره ومن ليس معه هدي أن يحلق. واستدل الكل بظاهر أحاديث من أوجبهما، قال ابن إسحاق خرج النبي -صلى الله عليه و سلم- في ذي القعدة مثل الشهر الذي صد فيه المشركون معتمراً عمرة القضاء مكان عمرته التي صدوه عنها، وكذلك ذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب وأبو الأسود عن عروة وسليمان التيمي جميعاً في مغازيهم أنه ﷺ خرج إلى عمرة القضاء في ذي القعدة، وروى يعقوب بن سفيان في تاريخه بسند حسن عن ابن عمر قال: كانت عمرة القضية في ذي القعدة سنة سبع. وفي مغازي سليمان التيمي: لما رجع من خيبر بث سراياه وأقام بالمدينة حتى استهل ذو القعدة فنادى في الناس أن تجهزوا إلى العمرة.
وقال ابن إسحاق خرج معه من كان صد في تلك العمرة إلا من مات أو استشهد. وقال الحاكم في الإكليل: تواترت الأخبار أنه -صلى الله عليه و سلم- لما هل ذو القعدة أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء عمرتهم وأن لا يتخلف منهم أحد شهد الحديبية فخرجوا إلا من استشهد وخرج معه آخرون معتمرين فكانت عدتهم ألفين سوى النساء والصبيان (١). قال: وتسمى أيضا عمرة الصلح. قلت: فتحصل من أسمائها أربعة القضاء والقضية والقصاص والصلح).
قال الحافظ ابن كثير (٢): (عمْرَة الْقَضَاء، وَيُقَالُ الْقِصَاصِ. وَرَجَّحَهُ السُّهَيْلِيُّ.
وَيُقَالُ عُمْرَةُ الْقَضِيَّةِ، فالأولى: قَضَاءٌ عَمَّا كَانَ أُحْصِرَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ.
стр. 270
وَالثَّانِي: من قَوْله تَعَالَى: " والحرمات قصاص ".
وَالثَّالِثُ: مِنَ الْمُقَاضَاةِ الَّتِي كَانَ قَاضَاهُمْ عَلَيْهَا عَلَى أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُمْ عَامَهُ هَذَا ثُمَّ يَأْتِي فِي الْعَامِ الْقَابِلِ وَلَا يَدْخُلَ مَكَّةَ إِلَّا فِي جلبان (١) السِّلَاح وَألا يُقِيمَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
وَهَذِهِ الْعُمْرَةُ هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ -تَعَالَى- فِي سُورَةِ الْفَتْحِ الْمُبَارَكَةِ: " لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمين مُحَلِّقِينَ رءوسكم وَمُقَصِّرِينَ لَا تخافون " الْآيَة).
سبب المعركة (مؤتة)
قوله: (وسبب هذه المعركة أن رسول الله ﷺ بعث الحارث بن عمير الأزدي بكتابه إلى عظيم بُصْرَى. فعرض له شُرَحْبِيل بن عمرو الغساني- وكان عاملاً على البلقاء من أرض الشام من قبل قيصر- فأوثقه رباطاً، ثم قدمه، فضرب عنقه).
التعليق: لا يصح.
قال الدكتور العمري (٢): (انفرد به الواقدي وهو لا يعتمد عليه خاصة إذا انفرد بالخبر. (٣) والحق أن البحث عن الأسباب المباشرة لغزو القبائل العربية في أطراف الشام لا يؤثر على تفسير الأحداث كثيراً، لأن تشريع الجهاد يقتضي الاستمرار في إخضاع القبائل العربية وتوسيع رقعة الدولة الإسلامية بصرف النظر عن الأسباب المباشرة. فكان لابد من إخضاع الدويلات العربية النصرانية الموالية للروم، وبالتالي سبق الروم في التحرك في المنطقة قبل قيامهم بعمل ضد الدولة الإسلامية الفتية).
стр. 271
الراية إلى سيف من سيوف الله
قوله: (وحينئذ تقدم رجل من بني عَجْلان - اسمه ثابت بن أقرم - فأخذ الراية وقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية قاتل قتالاً مريراً).
التعليق: إسناد ضعيف.
قال الحافظ ابن حجر (١): (وقال ابن إسحاق في (المغازي): حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، قال: ثم أخذ الراية- يعني في غزاة مؤتة- ثابت بن أقرم بعد قتل ابن رواحة، فدفعها إلى خالد بن الوليد. الحادثة رواها ابن مندة من حديث أبي اليسر بإسناد ضعيف).
وقال الهيثمي (٢): (رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَفِيهِ أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ).
أما رواية (فَأَخَذَ الرَّايَةَ ثَابِتُ بْنُ أَقْرَمَ أَحَدُ بَلْعَجْلَانَ (٣)، وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اصْطَلِحُوا عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ، قَالُوا: أَنْتَ، قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ. فَاصْطَلَحَ النَّاسُ عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ .. )
وقال أيضاً (٤): (رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.)
ثابت بن أرقم ﵁ ممن شهد بدرًا كما عند الطبراني في الكبير (٢/ ٧٧) حديث (١٣٤٥) عن عروة: (فِي تَسْمِيَةِ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الْأَنْصَارِ، ثَابِتُ بْنُ أَقْرَمَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْعَجْلَانِ).
стр. 272
فائدة: رواية ابن إسحاق عن عروة أن الناس قد صاحوا في وجوههم لما عادوا إلى المدينة (يا فرار فررتم في سبيل الله فقال الرسول ﷺ : (ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله).
قال ابن كثير (١): (وهذا مرسل من هذا الوجه، وفيه غرابة … ).
قال الألباني (٢): (هذا منكر بل باطل ظاهر البطلان إذ كيف يعقل أن يقابل الجيش المنتصر مع قلة عَدده وعُدده على جيش الروم المتفوق عليهم في العَدد والعُدد أضعافاً مضاعفة كيف يعقل أن يقابل هؤلاء من الناس المؤمنين بحثو التراب في وجوههم ورميهم بالفرار من الجهاد وهم لم يفروا بل ثبتوا ثبوت الأبطال حتى نصرهم الله وفتح عليهم كما في حديث البخاري: ( … حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم)
ومن العجائب أن الدكتور بعد أن ذكر هذا الحديث الصحيح وأتبعه بقوله:
(وهذا الحديث يدل كما ترى أن الله أيد المسلمين بالنصر أخيراً). فإنه مع ذلك أورد هذه الزيادة المنكرة فقال (٢/ ١٨٠):
(وأما سبب قول الناس للمسلمين بعد رجوعهم إلى المدينة: يا فرار … فهو أنهم لم يتبعوا الروم ومن معهم في هزيمتهم … )
فنقول: إن هذا التأويل بعيد جداً ثم إن التأويل فرع التصحيح كما هو مقرر في (الأصول) فهلا أثبت هذه الرواية يا فضيلة الدكتور حتى يسوغ لك أن تتأولها لتقضي به على هذا المعنى المستنكر الظاهر منها؟ وإلا فالواقع أن الأمر كما تقول العامة: هذا الميت لا يستحق هذا العزاء … ). (٣)
стр. 273
سبب الغزوة (فتح مكة)
قوله: ( … وأسرع عمرو بن سالم الخزاعي، فخرج حتى قدم على رسول الله ﷺ المدينة، فوقف عليه، وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس فقال:
فقال رسول الله ﷺ : (نصرت يا عمرو بن سالم)، ثم عرضت له سحابة من السماء، فقال: (إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب) ....
التعليق: مرسل.
قال الهيثمي (١): (أخرجه ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٣٩٥) بدون إسناد، وابن سعد في الطبقات (٢/ ١٣٤) بدون إسناد، والطبري في تاريخه (٣/ ٤٥).
وأخرجه الطبراني في الكبير (٢٣/ ٤٣٣)، وفي الصغير (٢/ ٧٣ - ٧٥) من حديث ميمونة بنت الحارث نحوه، إلا أن فيه: يحيى بن سليمان بن نضلة وهو ضعيف).
قال الزيلعي (٢): (روي مرسلاً). وقال الألباني (٣): (ضعيف).
قال الحافظ ابن حجر (٤): (قَالَ ابن إِسْحَاقَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (نُصِرْتَ يَا عَمْرُو بْنَ سَالِمٍ). فَكَانَ ذَلِكَ مَا هَاجَ فَتْحَ مَكَّةَ. وَقَدْ رَوَى الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْضَ الْأَبْيَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَهُوَ إِسْنَادٌ حَسَنٌ مَوْصُولٌ، وَلَكِنْ رَوَاهُ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ مُرْسَلًا. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا مُطَوَّلًا).
стр. 274
وقد حسن القصة الدكتور العمري فقال (١): (ابن كثير: البداية والنهاية (٤/ ٢٧٨) من طريق ابن إسحق بإسناد حسن لذاته، وقد صرح ابن إسحق بالتحديث (٢)، وله شاهد ضعيف في الطبراني: المعجم الصغير (٢/ ٧٣)؛ لضعف يحيى بن سليمان الخزاعي، وشاهد آخر في مسند أبي يعلى الموصلي (٤/ ٤٠٠)، وفي سنده حزام بن هشام الخزاعي شيخ محله الصدق، وأبوه تابعي مجهول الحال، وقد وثقهما ابن حبان (الهيثمي: مجمع الزوائد ٦/ ١٦٢).
قال الدكتور حافظ بن محمد الحكمي (٣): (والحديث بهذا الإسناد حسن؛ لأن ابن إسحاق صرح فيه بالسماع وبقية رجاله رجال الصحيح. وللحديث شواهد يرتفع بها إلى درجة الصحة).
* * * *
أبو سفيان يخرج إلى المدينة ليجدد الصلح
قوله: (وقدم أبو سفيان المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه، فقال: يا بنية، أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله- ﷺ ، وأنت رجل مشرك نجس. فقال: والله لقد أصابك بعدي شر).
التعليق: ضعيف.
قال الألباني (٤): (ضعيف. رواه ابن إسحاق بدون إسناد، كما في سيرة ابن هشام (٢/ ٢٦٥)، وابن جرير (٢/ ٣٢٥ - ٣٢٦).
وأخرجه ابن سعد في الطبقات (٨/ ٧٩) قال: (أخبرنا محمد بن
стр. 275
عمر، حدثنا محمد بن عبد اللَّه، عن الزهري قال: لما قدم أبو سفيان بن حرب … القصة).
وفيه: الواقدي متروك، ومن مرسل الزهري، ويكفي هذا في رد القصة.
قال الشيخ علي بن إبراهيم حشيش (١): (قرائن تدل على عدم صحة القصة:
١ - إن أبا سفيان ما قدم المدينة إلا ليكلم رسول الله ﷺ أن يزيد في هدنة الحديبية، وقام فدخل على ابنته أم حبيبة زوج النبي ﷺ ، وقال اللَّه تعالى: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا) (لقمان: ١٥).
فهل من المعروف أن تمنع أم حبيبة أباها من الجلوس على فراش رسول الله ﷺ ، وتطوي الفراش وتنهر أباها وتقول لأبيها: هو فراش رسول الله ﷺ وأنت امرؤ نجس مشرك؟!
٢ - وفعل أم حبيبة (وهو طيها الفراش)، وقولها (أنت امرؤ نجس مشرك) يوهم من لا يعرف أن القصة واهية بأن النجاسة في المشرك نجاسة البدن، والصواب أن نجاسة المشركين معنوية.
قصة صحيحة تبين نكارة القصة:
عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: قدمت عَليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ فاستفتيت رسول الله ﷺ ، قلت: وهي راغبة أفأصل أمي؟ قال: «نعم صلي أمك).
قلت: وهذا اللفظ للبخاري، كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب الهدية للمشركين، ح (٢٤٧٧). (٢)
стр. 276
وبوَّب الإمام البخاري بابًا في كتاب «الأدب» سمَّاه باب «صلة الوالد المشرك»، ح (٥٦٣٤).
قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٥/ ٢٧٧): قوله: «في عهد رسول الله ﷺ » في رواية حاتم: «في عهد قريش إذا عاهدوا رسول الله ﷺ »، وأراد بذلك ما بين الحديبية والفتح. اهـ.
قلت: قول الحافظ: «في رواية حاتم» هو حاتم بن إسماعيل وهو الذي روى عنه شيخ البخاري قتيبة بن سعيد (ح ٣١٨٣)
مما سبق يتبين:
١ - أن قصة أم حبيبة وسب أبيها أبي سفيان قصة واهية منكرة.
٢ - وأن قصة أسماء بنت أبي بكر وصلتها لأمها المشركة اتباعًا لهدي النبي ﷺ في أعلى درجات الصحة.
٣ - ومما يدل على نكارة متن قصة أم حبيبة أن مقدمات القصتين واحدة فلابد وأن تكون النتيجة واحدة في اتباع هدي النبي ﷺ .
هذه القصة الواهية المنكرة تجعل بيت النبي ﷺ مخالفًا لهديه.
٤ - وبهذا يتبين للقارئ الكريم الأثر السيئ للقصص الواهية ومخالفتها للقرآن الكريم والسنة الصحيحة المطهرة.
٥ - ومن الآثار السيئة لهذه القصة الواهية نسف الاستفادة دعويًا وتربويًا من القصة الصحيحة والتي فيها:
أ- جواز صلة القريب المشرك. كذا قال النووي في شرح مسلم.
ب- وفيها موادعة أهل الحرب ومعاملتهم في زمن الهدنة.
جـ- وفيها السفر في زيارة القريب.
د- وفيها تحري أسماء في أمر دينها وكيف لا وهي بنت الصديق وزوج الزبير ﵄).
* * * *
стр. 277
التهيؤ للغزوة ومحاولة الإخفاء
قوله: (يؤخذ من رواية الطبراني أن رسول الله ﷺ أمر عائشة- قبل أن يأتي إليه خبر نقض الميثاق بثلاثة أيام- أن تجهزه، ولا يعلم أحد، فدخل عليها أبو بكر، فقال: يا بنية، ما هذا الجهاز؟ قالت: والله ما أدري. فقال: والله ما هذا زمان غزو بني الأصفر، فأين يريد رسول الله؟ قالت: والله لا علم لي، وفي صباح الثالثة جاء عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكباً، وارتجز: يا رب إني ناشد محمداً … الأبيات. فعلم الناس بنقض الميثاق، وبعد عمرو جاء بديل، ثم أبو سفيان، وتأكد عند الناس الخبر، فأمرهم رسول الله ﷺ بالجهاز، وأعلمهم أنه سائر إلى مكة، وقال: (اللّهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها).
التعليق: ضعيف
قال الألباني (١): (ضعيف. رواه ابن إسحاق بدون إسناد، ومعناه في حديث ميمونة المخرج آنفاً).
الجيش الإسلامي يتحرك نحو مكة
قوله: (ولعشر خلون من شهر رمضان المبارك ٨ هـ، غادر رسول الله ﷺ المدينة متجهاً إلى مكة، في عشرة آلاف من الصحابة ﵃، واستخلف على المدينة أبا رُهْم الغفاري.
ولما كان بالجُحْفَة -أو فوق ذلك- لقيه عمه العباس بن عبد المطلب، وكان قد خرج بأهله وعياله مسلماً مهاجراً).
التعليق: متى أسلم العباس ﵁؟
стр. 278
قال الدكتور العمري (١): (وفي الجحفة - قرب رابغ الآن- قدم العباس بن عبد الطلب على الرسول ﷺ مهاجرا (٢)، وكان العباس قد أسلم قبل فتح خيبر (٣)، وقد وردت روايات ضعيفة تبين إسلامه قبل بدر (٤). بل قبل الهجرة إلى المدينة (٥). ويردُّ ذلك أن النبي ﷺ طالبه بأن يفتدي عندما أسر ببدر ولا شك أن العباس قدم خدمات جليلة للإسلام قبل دخوله فيه فقد كان يوافي الرسول ﷺ بأخبار قريش، وكان ملاذاً للمسلمين المستضعفين بمكة).
أما استخلافه على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين الغفاري- ﵁ فقد ورد في (سيرة ابن هشام ٢/ ٣٩٩ من رواية ابن إسحاق بإسناد حسن لذاته، وقد صححه الحافظ ابن حجر (المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية ٤/ ٢٤٨). وصححه الحاكم وقال: إنه على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ٤٤) ولكن ابن إسحق ليس على شرطهما وقد أخرج له مسلم في المتابعات فقط). (٦)
* * * *
الجيش الإسلامي بذي طُوَى
قوله: (أما رسول الله ﷺ فمضي حتى انتهى إلى ذي طوى - وكان يضع رأسه تواضعاً لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى أن شعر لحيته ليكاد يمس واسطة الرحل).
стр. 279
التعليق: ضعيف.
قال الألباني (١): (ضعيف؛ رواه ابن هشام (٢/ ٢٦٩) عن ابن إسحاق: حدثني عبدالله بن أبي بكر مرسلاً. ووصله الحاكم (٣/ ٤٧) وكذا أبو يعلى من حديث أنس بنحوه. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وأقره الذهبي! وهو من أوهامهما؛ فإن في سنده عبدالله بن أبي بكر المقدمي وهو ضعيف كما قال ابن عدي ثم ساق له هذا الحديث كما في الميزان، وهذا المقدمي غير عبدالله بن أبي بكر شيخ ابن إسحاق؛ فإن هذا متأخر من طبقة الإمام أحمد؛ وذاك تابعي صغير يروي عن أنس ﵁ وهو ثقة).
* * * *
لا تثريب عليكم اليوم
قوله: (ثم قال: (يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟) قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: (فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: ﴿لَا تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ﴾ اذهبوا فأنتم الطلقاء)
مفتاح البيت إلى أهله
ثم جلس رسول الله ﷺ في المسجد، فقام إليه عليّ ﵁، ومفتاح الكعبة في يده، فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة مع السقاية، صلى الله عليك، وفي رواية:
أن الذي قال ذلك هو العباس، فقال رسول الله ﷺ : أين عثمان بن طلحة؟ فدعي له، فقال له: هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء، وفي رواية ابن سعد في الطبقات أنه قال حين دفع المفتاح إليه: خذوها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان، إن الله استأمنكم على بيته، فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف).
стр. 280
التعليق: هذا الحديث على شهرته ليس له إسناد ثابت.
قال الألباني (١): (ضعيف. رواه ابن إسحاق في " السيرة " (٤/ ٣١ - ٣٢)، وعنه الطبري في" التاريخ " (٣/ ١٢٠) قال: فحدثني بعض أهل العلم فذكره …
ونقله الحافظ ابن كثير (٢) ساكتاً عليه.
وهذا سند ضعيف مرسل؛ لأن شيخ ابن إسحاق فيه لم يسم، فهو مجهول. ثم هو ليس
صحابياً، لأن ابن إسحاق لم يدرك أحداً من الصحابة، بل هو يروي عن التابعين
وأقرانه، فهو مرسل أومعضل).
و قال أيضاً (٣): (ضعيف؛ رواه ابن إسحاق معضلاً كما في (ابن هشام) (٢/ ٢٧٤)؛ وقد ذكره الغزالي في (الإحياء) (٣/ ١٥٨) من حديث أبي هريرة دون قوله: (اذهبوا) وقال الحافظ العراقي في تخريجه: (رواه ابن الجوزي في (الوفاء) من طريق ابن أبي الدنيا وفيه ضعف) ثم ذكره الغزالي من حديث سهيل بن عمرو، فقال العراقي: لم أجده).
وقصة مفتاح الكعبة وقوله: خذوها خالدة تالدة … وردت بإسناد آخر (رواه الطبراني (١١/ ١٢٠) (١١٢٣٤)، وفي "الأوسط" (١/ ١٥٥ - ١٥٦) (٤٨٨)، وابن عدي في "الكامل" (٥/ ٢٢٤)، وذكره الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٢٨٥) وقال: رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، وفيه: عبد الله بن المؤمل، وثقه ابن حبان، وقال: يخطئ، ووثقه ابن معين في راوية، وضعفه جماعة، وقال السخاوي في "كشف الخفاء" ص (٣٧٤)(١١٩٧): رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" عن ابن عباس ﵄ رفعه بسند فيه: عبد الله بن المؤمل، وثقه ابن معين في رواية، وابن حبان
стр. 281
وقال: يخطئ وضعفه آخرون). (١) وضعفه ابن عدي (٢)، وابن القيسراني (٣)، والذهبي. (٤)
فائدة: قال الحافظ ابن كثير (٥) في تفسير الآية ٥٨ من سورة النساء:
(وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، واسم أبي طلحة، عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب القرشي العبدري، حاجب الكعبة المعظمة، وهو ابن عم شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، الذي صارت الحجابة في نسله إلى اليوم، أسلم عثمان هذا في الهدنة بين صلح الحديبية وفتح مكة، هو وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وأما عمه عثمان بن أبي طلحة، فكان معه لواء المشركين يوم أحد، وقتل يومئذ كافراً. وإنما نبهنا على هذا النسب؛ لأن كثيراً من المفسرين قد يشتبه عليهم هذا بهذا، وسبب نزولها فيه لما أخذ منه رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة يوم الفتح، ثم رده عليه).
* * * *
إسلام صفوان بن أمية، وفضالة بن عمير
قوله: (وكان فضالة رجلاً جريئاً جاء إلى رسول الله ﷺ ، وهو في الطواف؛ ليقتله، فأخبر الرسول ﷺ بما في نفسه فأسلم).
التعليق: حديث ضعيف
قال الألباني (٦): (حديث ضعيف؛ رواه ابن هشام (٢/ ٢٧٦) بإسناد معضل).
стр. 282
وقال أيضاً (١): (روى ابن هشام أن فضالة بن عمير الليثي أراد قتل النبي ﷺ وهو يطوف بالبيت عام الفتح … ولم أجد ترجمة لفضالة هذا في (الإصابة) ولا في (الاستيعاب).
قلت: فيه أولاً: أن هذا الحديث كالأحاديث السابقة لا يصح لأن ابن هشام لم يذكر له إسناداً متصلاً لينظر في رجاله فإنه قال (٤/ ٥٩): (وحدثني (يعني من يثق به من أهل الرواية في إسناد له كما في حديث قبله) أن فضالة بن عمير بن الملوح الليثي أراد … )
وثانياً: أن فضالة هذا قد ترجم له في (الإصابة) (ج ٣ ص ٢٠١ - ٢٠٢ رقم الترجمة ٦٩٩٦ طبعة مصطفى محمد بمصر) وهي الطبعة التي يحيل الدكتور عليها فلا أدري كيف لم يجدها فيه لعله لا يحسن حتى المراجعة أو كلف بها بعض طلابه الذين لا يحسنونها أو هم على الأقل لا ينشطون لها وقد ترجمه مصدر آخر أقدم منه وهو ابن أبي حاتم فقال في (الجرح والتعديل) (٢٣/ ٧٧/ ٢٣٤) وسبقه البخاري في (التاريخ الكبير) (٤/ ١/ ١٢٤): (فضالة الليثي أدرك الجاهلية روى عنه ابنه عبد الله بن فضالة)
وساق له البخاري حديثاً يدل على صحبته لكنه من رواية ابنه عبد الله ابن فضالة ولم يوثقه غير ابن حبان (١/ ١٣٧)، وقيل: له صحبة).
* * * *
أخذ البيعة
قوله: (وحين فتح الله مكة على رسول الله ﷺ والمسلمين، تبين لأهل مكة الحق، وعلموا أن لا سبيل إلى النجاح إلا الإسلام، فأذعنوا له، واجتمعوا للبيعة، فجلس رسول الله ﷺ على الصفا يبايع الناس، وعمر بن الخطاب أسفل منه، يأخذ على الناس فبايعوه على السمع والطاعة فيما استطاعوا).
стр. 283
التعليق:
البيعة على الإسلام رواها الإمام أحمد بإسناد حسن، مسند المكيين، حديث الأسود بن خلف ﵁، حديث (١٥٠٠٥) أنه رأى النبي ﷺ يبايع الناس يوم الفتح. قال: جلس عند قرن مسقلة فبايع الناس على الإسلام والشهادة. قال: قلت: وما الشهادة؟ قال: أخبرني محمد بن الأسود بن خلف أنه بايعهم على الإيمان بالله وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ﷺ .
أما البيعة على السمع والطاعة فيما استطاعوا رواها ابن جرير (٢/ ٣٢٧) بدون إسناد، أو من حديث قتادة مرسلاً والطريق إليه ضعيف. (١)
أخذ البيعة
قوله: (وفي المدارك: روى أن النبي ﷺ لما فرغ من بيعة الرجال أخذ في بيعة النساء، وهو على الصفا، وعمر قاعد أسفل منه، يبايعهن بأمره، ويبلغهن عنه، فجاءت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متنكرة، خوفاً من رسول الله ﷺ أن يعرفها؛ لما صنعت بحمزة، فقال رسول الله ﷺ : (أبايعكن على ألا تشركن بالله شيئاً)، فبايع عمر النساء على ألا يشركن بالله شيئاً، فقال رسول الله ﷺ : (ولا تسرقن) فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح، فإن أنا أصبت من ماله هنات؟ فقال أبو سفيان: وما أصبت فهو لك حلال، فضحك رسول الله ﷺ وعرفها، فقال: (وإنك لهند؟) قالت: نعم، فاعف عما سلف يا نبي الله، عفا الله عنك.
فقال: (ولا يزنين). فقالت: أو تزني الحرة؟
فقال: (ولا يقتلن أولادهن). فقالت: ربيناهم صغاراً، وقتلتموهم
стр. 284
كباراً، فأنتم وهم أعلم ـ وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدرـ فضحك عمر حتى استلقى فتبسم رسول الله ﷺ .
قال: (ولا يأتين ببهتان) فقالت: والله إن البهتان لأمر قبيح، وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق.
فقال: (ولا يعصينك في معروف) فقالت: والله ما جلسنا مجلسناً هذا وفي أنفسنا أن نعصيك.
ولما رجعت جعلت تكسر صنمها وتقول: كنا منك في غرور).
التعليق: غريب بهذا اللفظ لكن أصل مبايعة النساء للرسول ﷺ ثابتة في الصحيح بغير هذا اللفظ.
قال الزيلعي (١): (غريب بهذا اللفظ). وقال الحافظ ابن حجر (٢): (لم أره بسياقه).
ومما يدل على ضعفها قوله: (فجاءت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متنكرة، خوفاً من رسول الله ﷺ أن يعرفها؛ لما صنعت بحمزة). وقد مر معنا عدم صحة ذلك.
السرايا والبعوث
قوله: (ولما اطمأن رسول الله ﷺ بعد الفتح بعث خالد بن الوليد إلى العزى لخمس ليال بقين من شهر رمضان - سنة ٨ هـ - ليهدمها وكانت بنخلة، وكانت لقريش وجميع بني كنانة وهي أعظم أصنامهم. وكان سدنتها بني شيبان، فخرج إليها خالد في ثلاثين فارسًا حتى انتهى إليها، فهدمها. ولما رجع إليها سأله رسول الله ﷺ (هل رأيت شيئاً؟) قال:
стр. 285
لا. قال: (فإنك لم تهدمها فارجع إليها فاهدمها) فرجع خالد متغيظًا قد جرد سيفه فخرجت إليه امرأة عريانة سوداء ناشرة الرأس فجعل السادن يصيح بها، فضربها خالد فجزلها باثنتين، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: (نعم، تلك العزى، وقد أيست أن تعبد في بلادكم أبداً).
التعليق:
رواه النسائي في السنن الكبرى رقم (١١٤٨٣)، وأبو يعلى في مسنده رقم (٩٠٢)، والبيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٧٧) كلهم عن أبي الطفيل، وأورده ابن سعد في الطبقات (٢/ ١١١)، ورواه الواقدي في مغازيه (٣/ ٨٧٣)، والأزرقي في أخبار مكة (١/ ١٢٧) عن سعيد بن عمرو الهذلي، والطبري في تاريخه (٣/ ٦٥)،
قال الزيلعي (١): (وهذا مرسل).
وقال الهيثمي (٢): (رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ يَحْيَى بْنُ الْمُنْذِرِ وَهُوَ ضَعِيفٌ).
قلت: وهذا خطأ، والصواب كما في رواية النسائي فيه علي بن المنذر وهو ثقة، وثقه النسائي، وابن أبي حاتم، وليس يحيى بن المنذر كما ذكر الهيثمي ﵀.
وقال الهيثمي أيضاً عن حديث (١٠٢٥٦) من رواية أبي عبد الرحمن السلمي: (رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ إِلَّا أَنَّهُ مُرْسَلٌ).
وقد ضعف محسن الدوم هذه الروايات وغيرها وبعضها يتقوى بمثله. (٣)
لكن يرى إبراهيم قريبي أن الحديث حسن فيقول (٤): ( … والحديث