← Сира

Сира · id 14572

التعليق على الرحيق المختوم

محمود الملاح

Полный текст (345 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وقال: يخطئ وضعفه آخرون). (١) وضعفه ابن عدي (٢)، وابن القيسراني (٣)، والذهبي. (٤) فائدة: قال الحافظ ابن كثير (٥) في تفسير الآية ٥٨ من سورة النساء: (وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، واسم أبي طلحة، عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب القرشي العبدري، حاجب الكعبة المعظمة، وهو ابن عم شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، الذي صارت الحجابة في نسله إلى اليوم، أسلم عثمان هذا في الهدنة بين صلح الحديبية وفتح مكة، هو وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وأما عمه عثمان بن أبي طلحة، فكان معه لواء المشركين يوم أحد، وقتل يومئذ كافراً. وإنما نبهنا على هذا النسب؛ لأن كثيراً من المفسرين قد يشتبه عليهم هذا بهذا، وسبب نزولها فيه لما أخذ منه رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة يوم الفتح، ثم رده عليه). * * * * إسلام صفوان بن أمية، وفضالة بن عمير قوله: (وكان فضالة رجلاً جريئاً جاء إلى رسول الله ﷺ ، وهو في الطواف؛ ليقتله، فأخبر الرسول ﷺ بما في نفسه فأسلم). التعليق: حديث ضعيف قال الألباني (٦): (حديث ضعيف؛ رواه ابن هشام (٢/ ٢٧٦) بإسناد معضل).

стр. 282

وقال أيضاً (١): (روى ابن هشام أن فضالة بن عمير الليثي أراد قتل النبي ﷺ وهو يطوف بالبيت عام الفتح … ولم أجد ترجمة لفضالة هذا في (الإصابة) ولا في (الاستيعاب). قلت: فيه أولاً: أن هذا الحديث كالأحاديث السابقة لا يصح لأن ابن هشام لم يذكر له إسناداً متصلاً لينظر في رجاله فإنه قال (٤/ ٥٩): (وحدثني (يعني من يثق به من أهل الرواية في إسناد له كما في حديث قبله) أن فضالة بن عمير بن الملوح الليثي أراد … ) وثانياً: أن فضالة هذا قد ترجم له في (الإصابة) (ج ٣ ص ٢٠١ - ٢٠٢ رقم الترجمة ٦٩٩٦ طبعة مصطفى محمد بمصر) وهي الطبعة التي يحيل الدكتور عليها فلا أدري كيف لم يجدها فيه لعله لا يحسن حتى المراجعة أو كلف بها بعض طلابه الذين لا يحسنونها أو هم على الأقل لا ينشطون لها وقد ترجمه مصدر آخر أقدم منه وهو ابن أبي حاتم فقال في (الجرح والتعديل) (٢٣/ ٧٧/ ٢٣٤) وسبقه البخاري في (التاريخ الكبير) (٤/ ١/ ١٢٤): (فضالة الليثي أدرك الجاهلية روى عنه ابنه عبد الله بن فضالة) وساق له البخاري حديثاً يدل على صحبته لكنه من رواية ابنه عبد الله ابن فضالة ولم يوثقه غير ابن حبان (١/ ١٣٧)، وقيل: له صحبة). * * * * أخذ البيعة قوله: (وحين فتح الله مكة على رسول الله ﷺ والمسلمين، تبين لأهل مكة الحق، وعلموا أن لا سبيل إلى النجاح إلا الإسلام، فأذعنوا له، واجتمعوا للبيعة، فجلس رسول الله ﷺ على الصفا يبايع الناس، وعمر بن الخطاب أسفل منه، يأخذ على الناس فبايعوه على السمع والطاعة فيما استطاعوا).

стр. 283

التعليق: البيعة على الإسلام رواها الإمام أحمد بإسناد حسن، مسند المكيين، حديث الأسود بن خلف ﵁، حديث (١٥٠٠٥) أنه رأى النبي ﷺ يبايع الناس يوم الفتح. قال: جلس عند قرن مسقلة فبايع الناس على الإسلام والشهادة. قال: قلت: وما الشهادة؟ قال: أخبرني محمد بن الأسود بن خلف أنه بايعهم على الإيمان بالله وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ﷺ . أما البيعة على السمع والطاعة فيما استطاعوا رواها ابن جرير (٢/ ٣٢٧) بدون إسناد، أو من حديث قتادة مرسلاً والطريق إليه ضعيف. (١) أخذ البيعة قوله: (وفي المدارك: روى أن النبي ﷺ لما فرغ من بيعة الرجال أخذ في بيعة النساء، وهو على الصفا، وعمر قاعد أسفل منه، يبايعهن بأمره، ويبلغهن عنه، فجاءت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متنكرة، خوفاً من رسول الله ﷺ أن يعرفها؛ لما صنعت بحمزة، فقال رسول الله ﷺ : (أبايعكن على ألا تشركن بالله شيئاً)، فبايع عمر النساء على ألا يشركن بالله شيئاً، فقال رسول الله ﷺ : (ولا تسرقن) فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح، فإن أنا أصبت من ماله هنات؟ فقال أبو سفيان: وما أصبت فهو لك حلال، فضحك رسول الله ﷺ وعرفها، فقال: (وإنك لهند؟) قالت: نعم، فاعف عما سلف يا نبي الله، عفا الله عنك. فقال: (ولا يزنين). فقالت: أو تزني الحرة؟ فقال: (ولا يقتلن أولادهن). فقالت: ربيناهم صغاراً، وقتلتموهم

стр. 284

كباراً، فأنتم وهم أعلم ـ وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدرـ فضحك عمر حتى استلقى فتبسم رسول الله ﷺ . قال: (ولا يأتين ببهتان) فقالت: والله إن البهتان لأمر قبيح، وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق. فقال: (ولا يعصينك في معروف) فقالت: والله ما جلسنا مجلسناً هذا وفي أنفسنا أن نعصيك. ولما رجعت جعلت تكسر صنمها وتقول: كنا منك في غرور). التعليق: غريب بهذا اللفظ لكن أصل مبايعة النساء للرسول ﷺ ثابتة في الصحيح بغير هذا اللفظ. قال الزيلعي (١): (غريب بهذا اللفظ). وقال الحافظ ابن حجر (٢): (لم أره بسياقه). ومما يدل على ضعفها قوله: (فجاءت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متنكرة، خوفاً من رسول الله ﷺ أن يعرفها؛ لما صنعت بحمزة). وقد مر معنا عدم صحة ذلك. السرايا والبعوث قوله: (ولما اطمأن رسول الله ﷺ بعد الفتح بعث خالد بن الوليد إلى العزى لخمس ليال بقين من شهر رمضان - سنة ٨ هـ - ليهدمها وكانت بنخلة، وكانت لقريش وجميع بني كنانة وهي أعظم أصنامهم. وكان سدنتها بني شيبان، فخرج إليها خالد في ثلاثين فارسًا حتى انتهى إليها، فهدمها. ولما رجع إليها سأله رسول الله ﷺ (هل رأيت شيئاً؟) قال:

стр. 285

لا. قال: (فإنك لم تهدمها فارجع إليها فاهدمها) فرجع خالد متغيظًا قد جرد سيفه فخرجت إليه امرأة عريانة سوداء ناشرة الرأس فجعل السادن يصيح بها، فضربها خالد فجزلها باثنتين، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: (نعم، تلك العزى، وقد أيست أن تعبد في بلادكم أبداً). التعليق: رواه النسائي في السنن الكبرى رقم (١١٤٨٣)، وأبو يعلى في مسنده رقم (٩٠٢)، والبيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٧٧) كلهم عن أبي الطفيل، وأورده ابن سعد في الطبقات (٢/ ١١١)، ورواه الواقدي في مغازيه (٣/ ٨٧٣)، والأزرقي في أخبار مكة (١/ ١٢٧) عن سعيد بن عمرو الهذلي، والطبري في تاريخه (٣/ ٦٥)، قال الزيلعي (١): (وهذا مرسل). وقال الهيثمي (٢): (رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ يَحْيَى بْنُ الْمُنْذِرِ وَهُوَ ضَعِيفٌ). قلت: وهذا خطأ، والصواب كما في رواية النسائي فيه علي بن المنذر وهو ثقة، وثقه النسائي، وابن أبي حاتم، وليس يحيى بن المنذر كما ذكر الهيثمي ﵀. وقال الهيثمي أيضاً عن حديث (١٠٢٥٦) من رواية أبي عبد الرحمن السلمي: (رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ إِلَّا أَنَّهُ مُرْسَلٌ). وقد ضعف محسن الدوم هذه الروايات وغيرها وبعضها يتقوى بمثله. (٣) لكن يرى إبراهيم قريبي أن الحديث حسن فيقول (٤): ( … والحديث

стр. 286

بهذا يكون حسناً لغيره، وهو نص في أن الذي تولى هدم العزى هو خالد بن الوليد ﵁. وقد ذكره ابن إسحاق معضلاً، وابن أبي شيبة عن عبد الله بن أبي الهذيل مرسلاً، وأطبق على ذلك علماء المغازي والتفسير). وصححه حسين سليم أسد محقق مسند أبي يعلى (٢/ ١٩٦) حديث رقم (٩٠٢). الغنائم قوله: (كانت في السبي الشيماء بنت الحارث السعدية، أخت رسول الله ﷺ من الرضاعة، فلما جيء بها إلى رسول الله ﷺ عرفت له نفسها فعرفها بعلامة فأكرمها، وبسط لها رداءه، وأجلسها عليه، ثم منّ عليها، وردّها إلى قومها). التعليق: مرسل قال الشيخ العوشن (١): (رواه ابن إسحاق … وشيخ ابن إسحاق (يزيد بن عبيد) ثقة لكنه تابعي لم يدرك القصة فالخبر مرسل. ورواه البيهقي في الدلائل (٥/ ١٩٩) من طريق الحكم بن عبد الملك عن قتادة قال: … وذكر الخبر بنحوه. وأورده الذهبي في المغازي ص (٦١٠) ثم قال: " الحكم ضعّفه ابن معين " وقتادة ولد عام ٦٠ هـ فهو مرسل). وكذلك ما جاء أن أمه من الرضاعة حليمة السعدية قدمت عليه أيضاً ضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (٤٢)، وضعيف الأدب المفرد (٤٣)، وضعيف موارد الظمآن (٤٤). وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٣٦٤): (وقد ورد حديث مرسل فيه أن أبويه من الرضاعة قدما عليه، والله أعلم بصحته).

стр. 287

غزوة الطائف ١ - قوله: (ونصب النبي ﷺ المنجنيق على أهل الطائف، وقذف به القذائف، حتى وقعت شدخة في جدار الحصن). التعليق: مرسل (قال ابن حجر ﵀ في التلخيص الحبير (٤/ ١١٦): (روى أبو داود في المراسيل عن ثور عن مكحول: أن النبي ﷺ نصب على أهل الطائف المنجنيق. ورواه الترمذي فلم يذكر مكحولًا، ذكره معضلًا عن ثور. وروى أبو داود من مرسل يحيى بن أبي كثير قال: حاصرهم رسول الله ﷺ -شهرًا. قال الأوزاعي: فقلت ليحيى أَبَلغك أنه رماهم بالمجانيق؟ فأنكر ذلك، وقال: ما نعرف هذا" ثم قال ابن حجر: (ورواه ابن سعد عن قبيصة عن سفيان عن ثور عن مكحول مرسلًا، وأخرجه أبو داود أيضًا، ووصله العقيلي من وجه آخر عن علي). وروى البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٨٤) رميهم بالمنجنيق، وإنكار أبي قلابة ذلك. وقد أخرج مسلم في صحيحه عن أنس ﵀ منه قال: " .. ثم انطلقنا إلى الطائف فحاصرناهم أربعين ليلة، ثم رجعنا إلى مكة " وليس فيه رميهم بالمنجنيق.) (١) ٢ - قوله: (استشار رسول اللّه ﷺ نَوْفَل بن معاوية الدِّيلي فقال: هم ثعلب في جحر، إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك). التعليق: ضعيف جداً. قال الألباني (٢): (ضعيف جداً؛ رواه الواقدي كما في البداية (٤/ ٣٥٠) وهو متهم بالكذب).

стр. 288

٣ - قوله: (وقيل: يا رسول الله ادع على ثقيف، فقال: " اللهم اهد ثقيفاً وآت بهم"). التعليق: ضعيف. رواه الترمذي في سننه حديث رقم (٣٩٤٧)، كتاب المناقب، باب في ثقيف وبني حنيفة. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. قال الألباني (١): (أخرجه الترمذي: (٣/ ٣٧٩)، عن أبي الزبير عن جابر، وقال: "حديث حسن صحيح"؛ قلت: أبو الزبير مدلس، وقد عنعنه؛ وقد تابعه عبد الرحمن بن سابط عند أحمد: (٣/ ٣٤٣)، ولكنه لم يسمع من جابر: كما قال ابن معين.)، وضعفه في ضعيف الترمذي حديث (٣٩٤٢). وقال أيضاً (٢): (إسناده على شرط مسلم، لكن أبو الزبير مدلس وقد عنعنه). وقد أشار الحافظ ابن حجر (٣) إلى أنه مرسل. قال إبراهيم قريبي (٤): ( … والخلاصة أن الدعاء لثقيف رواه ابن سعد من مرسل الحسن البصري، وساقه مرة أخرى بدون إسناد، ورواه الترمذي وأحمد مسنداً من حديث أبي الزبير، ورواه عنه ابن أبي شيبة مرسلاً. وأبو الزبير مدلس وقد عنعن. وتابعه عبد الرحمن بن سابط عند أحمد، ولكن جزم ابن معين بأن عبد الرحمن لم يسمع من جابر، فيكون الحديث منقطعاً. وساقه ابن إسحاق بدون إسناد.

стр. 289

ورواه البيهقي من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة مرسلاً. وفيه أيضاً أبو علاثة. فالحديث له ثلاث طرق: طريق أبي الزبير وقد عنعن وهو مدلس. وابن إسحاق ساقه بدون إسناد، وهو من صغار التابعين فيكون الحديث معضلاً. وطريق البيهقي، وفيها الإرسال، وراو لم توجد ترجمته. وطريق ابن سعد من مرسل الحسن البصري، ومرسله ضعيف عند العلماء، فالحديث بجميع طرقه ضعيف). * * * * قسمة الغنائم بالجعرانة قوله: (أعطي أبا سفيان بن حرب أربعين أوقية ومائة من الإبل، فقال: ابني يزيد؟ فأعطاه مثلها، فقال: ابني معاوية؟ فأعطاه مثلها، … ) التعليق: لا يصح إعطاء معاوية بن أبي سفيان ﵄ قال الشيخ العوشن- حفظه الله- (١): (ومنها ما ذكره الواقدي أن رسول الله ﷺ أعطى معاوية بن أبي سفيان ﵁ مائة من الإبل، وأربعين أوقية. أي من غنائم حنين. قال الإِمام الذهبي ﵀ لما أورد ذلك في سير أعلام النبلاء (٣/ ١٢٢): (قلت: الواقدي لا يعي ما يقول: فإن كان معاوية كما نقل قديم الإِسلام (٢)، فلماذا يتألفه النبي ﷺ ؟ ولو كان أعطاه، لما قال عندما خطب فاطمة بنت قيس: "أما معاوية فصعلوك لا مال له").

стр. 290

بعض الوقائع المهمة في هذه السنة قوله: (وفي هذه السنة وقعت عدة وقائع لها أهمية في التاريخ: ٤ - توفيت أم كلثوم بنت النبي ﷺ ، فحزن عليها حزنا شديدا، وقال لعثمان: لو كانت عندي ثالثة لزوجتكها). التعليق: سنده ضعيف قال الهيثمي (١): (رواه الطبراني، وفيه الفضل بن المختار وهو ضعيف). ورواه أحمد في فضائل الصحابة (١/ ٤٨١) حديث رقم (٧٨٢) عن عبدالله بن الحسن. وعلق عليه الحافظ ابن حجر (٢): (قال أبو موسى: هذا مرسل أو معضل، وهو عبد اللَّه بن الحسن بن علي، وهو تابعي صغير). أي: لم يدرك النبي ﷺ . قال سعود بن عبدالعزيز الخلف (٣): (أخرجه الطبراني الكبير (١٧/ ١٨٤) عن عصمة بن مالك ﵁ ولفظه: "زوجوا عثمان لو كان لي ثالثة لزوجته … "، وهو ضعيف جداً؛ فإن في إسناده الفضل بن المختار أبو سهل البصري. قال أبو حاتم: " أحادثيه منكرة يحدث بالأباطيل"، وقال الأزدي: "منكر الحديث جداً ". ميزان الاعتدال (٣/ ٣٥٨)، وفي فضائل الصحابة للإمام أحمد (١/ ٤٨١) من حديث عبد الله بن الحسن قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: " ألا أبو أيم ألا أخو أيم يزوج عثمان لو كانت عندي ثالثة لزوجته … "، وهو منقطع. وفيه أيضاً (١/ ٥٠٨) من حديث

стр. 291

عبد الله بن الحر الأموي وهو منقطع أيضاً، وفيه أيضاً ١/ ١٥٩، وعند ابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٥٩٢) من كلام عثمان ﵁ لمحمد بن أبي بكر، وقال فيه: "يا ابن أخي أنشدك بالله هل تعلم أن رسول الله ﷺ زوجني ابنتيه. إحداهما بعد الأخرى ثم قال: فذكر نحو حديث عبد الله بن الحسن". وهذا أثر باطل فإنه من طريق عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه. قال الذهبي عن الدار قطني: "هما ضعيفان"، وقال أبو حاتم: "متروك"، وقال ابن حبان: "يضع الحديث" الميزان (٢/ ٦٦٦)) قدوم كعب بن زهير بن أبي سلمى قوله: (كان من بيت الشعراء، ومن أشعر العرب، وكان يهجو النبي ﷺ ، فلما انصرف رسول اللّه ﷺ من غزوة الطائف سنة ٨ هـ، كتب إلى كعب بن زهير أخوه بُجَيْر بن زهير أن رسول اللّه ﷺ قتل رجالاً بمكة ممن كانوا يهجونه ويؤذونه، ومن بقي من شعراء قريش هربوا في كل وجه، فإن كانت لك في نفسك حاجة فَطِرْ إلى رسول اللّه ﷺ ، فإنه لا يقتل أحداً جاء تائباً، وإلا فانج إلى نجاتك، ثم جرى بين الأخوين مراسلات ضاقت لأجلها الأرض على كعب، وأشفق على نفسه، فجاء المدينة، ونزل على رجل من جُهَيْنَةَ، وصلى معه الصبح، فلما انصرف أشار عليه الجهني، فقام إلى رسول اللّه ﷺ حتى جلس إليه، فوضع يده في يده، وكان رسول اللّه ﷺ لا يعرفه فقال: يا رسول اللّه، إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائباً مسلماً، فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ قال: (نعم). قال: أنا كعب بن زهير، فوثب عليه رجل من الأنصار يستأذن ضرب عنقه، فقال: (دعه عنك، فإنه قد جاء تائباً نازعاً عما كان عليه). وحينئذ أنشد كعب قصيدته المشهورة التي أولها: بانت سعاد فقلبي اليوم مَتْبُول … مُتَيَّمٌ إثْرَهَا، لم يُفْدَ مَكْبُول

стр. 292

قال فيها - وهو يعتذر إلى رسول اللّه ﷺ ، ويمدحه: نبئت أن رسول الله أوعدني … والعفو عند رسول الله مأمول مهلا هداك الذي أعطاك نافلة الـ … قرآن فيها مواعيظ وتفصيل لا تأخذن بأقوال الوشاة ولم … أذنب، ولو كثرت فيَّ الأقاويل لقد أقوم مقاماً ما لو يقوم به … أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل لظل يرعد إلا أن يكون له … من الرسول بإذن الله تنويل حتى وضعت يميني ما أنازعه … في كف ذي نقمات قيله القيل فلهو أخوف عندي إذ أكلمه … وقيل: إنك منسوب ومسؤول من ضيغم بضراء الأرض مخدرة … في بطن عثر غيل دونه غيل إن الرسول لنور يستضاء به … مهند من سيوف الله مسلول ثم مدح المهاجرين من قريش؛ لأنهم لم يكن تكلم منهم رجل في كعب حين جاء إلا بخير، وعرض في أثناء مدحهم على الأنصار لاستئذان رجل منهم في ضرب عنقه، قال: يمشون مَشْي الجمال الزُّهْرِ يعصمهم … ضَرْبٌ إذا عَرَّد السُّودُ التَّنَابِيل فلما أسلم وحسن إسلامه مدح الأنصار في قصيدة له، وتدارك ما كان قد فرط منه في شأنهم، قال في تلك القصيدة: من سره كَرَمُ الحياة فلا يَزَلْ … في مِقْنَبٍ من صالحي الأنصار ورثوا المكارم كابراً عن كابر … إن الخيار هم بنو الأخيار) التعليق: لا تصح. (وهذه القصيدة وقصتها برغم شهرتها فليس لها إسناد يصح، ويبدو أن لإبراهيم بن المنذر الحزامي فيها مؤلفاً، فقد قال الحاكم في "المستدرك" (٣/ ٥٨٣): "هذا حديث له أسانيد قد جمعها إبراهيم بن المنذر الحزامي".

стр. 293

ومن أشهر طرقها: ما أخرجه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢٧٠٦)، والحاكم في "المستدرك" (٣/ ٥٧٩)، وعنه البيهقي في "سننه" (١٠/ ٢٤٣)، كلاهما من طريق إبراهيم بن المنذر الحزامي، عن الحجاج بن ذي الرقيبة بن عبد الرحمن بن كعب بن زهير، عن أبيه، عن جده. وصحح الحاكم هذا الطريق، وفيه الحجاج بن ذي الرقيبة بن عبد الرحمن بن كعب بن زهير، ولم أجد له ترجمة، ولا لأبيه وجده. وله طرق أخرى معضلة ومرسلة تجدها عند الحاكم والبيهقي في "السنن" و"دلائل النبوة" (٥/ ٢٠٧ ـ ٢١١)، وعند ابن حجر في "الإصابة" (٨/ ٢٨٩ ـ ٢٩٢).) (١) قال ابن كثير (٢): (هذا من الأمور المشهورة جدًّا، ولكن لم أر ذلك في شيء من هذه الكتب المشهورة بإسناد أرتضيه، فالله أعلم، وقد روي أن رسول الله -صلى الله عليه و سلم- قال له لما قال بانت سعاد: ومن سعاد؟ قال: زوجتي يا رسول الله. قال: لم تبن. ولكن لم يصح ذلك، وكأنه على ذلك توهم أن بإسلامه تبين امرأته، والظاهر أنه إنما أراد البينونة الحسية لا الحكمية، والله تعالى أعلم) قال الشوكاني (٣): (قال العراقي: وهذه القصيدة قد رويناها من طرق لا يصح منها شيء، وذكرها ابن إسحاق بسند منقطع وعلى تقدير ثبوت هذه القصيدة عن كعب وإنشادها بين يدي النبي ﵌ في المسجد أوغيره فليس فيها مدح الخمر وإنما فيها مدح ريقها وتشبيهه بالراح). قال الحافظ ابن حجر (٤): (غريب تفرد به إبراهيم بن المنذر بهذا الإسناد).

стр. 294

وقد ضعفها: ١ - الشيخ ناصر الفهد في رسالة خاصة بها. ٢ - الشيخ عبدالعزيز المانع، في مجلة مجمع العلمي العراقي، مجلد (٣٣) رجب ١٤٠٣ هـ. ٣ - الشيخ سعدي أبو جيب في مجلة الأديب البيروتية، عدد إبريل ١٩٧١ م. ٤ - الشيخ محمد بن عبدالله العوشن في كتاب ما شاع ولم يثبت في السيرة ص (١٠٩) وما بعدها. ٥ - الشيخ أبو محمد الألفي السكندري في الأجوبة المرضية عن الأسئلة الأدبية، منشور في ملتقى أهل الحديث. (١) ومع ذلك فقد صحَّح بعض أهل العلم هذه القصيدة منهم: ١ - الشيخ: إسماعيل الأنصاري ﵀ في رسالةٍ له مطبوعة بعنوان: القول المستجاد في صحة قصيدة بانت سعاد. ٢ - الشيخ: سعود النفيسان في رسالة أسماها: توثيق بانت سعاد في المتن والإسناد، ط. مكتبة الرشد، ١٤٢٠ هـ. * * * * وفد بني فَزَارَة قوله: (قدم هذا الوفد سنة ٩ هـ بعد مرجعه ﷺ من تبوك، قدم في بضعة عشر رجلاً جاءوا مقرين بالإسلام، وشكوا جدب بلادهم، فصعد رسول الله ﷺ المنبر، فرفع يديه واستسقي، وقال: (اللهم اسق بلادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحْي بلدك الميت، اللهم اسقنا غَيْثاً مُغِيثاً، مريئًا مَرِيعاً، طَبَقاً واسعاً، عاجلاً غير آجل، نافعاً غير ضار، اللّهم سقيا

стр. 295

رحمة، لا سقيا عذاب، ولاهَدْم ولا غَرَق ولا مَحْق، اللّهم اسقنا الغيث، وانصرنا على الأعداء). التعليق: مرسل. رواه البيهقي في دلائل النبوة، باب استسقاء النبي- ﷺ (٦/ ١٤٣) عَنْ أَبِي وَجْزَةَ يَزِيدَ بْنِ عُبَيْدٍ السُّلَمِيِّ. ورواه في السنن الكبرى حديث (٦٤٤٣) عن المطلب بن حنطب وقال: مرسل. وأشار الحافظ ابن حجر إلى إرساله في فتح الباري (٢/ ٥٨٦)، وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٦/ ٩٤) لبعضه شواهد. وأشار الألباني في تمام المنة ص (٢٦٦) إلى أن الدعاء: (اللّهم سقيا رحمة، لا سقيا عذاب، ولا هَدْم ولا غَرَق ولا مَحْق. غير صحيح). … * * * * وفد طيء قوله: (وقال رسول اللّه ﷺ عن زيد: (ما ذكر لي رجل من العرب بفضل، ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه، إلا زيد الخيل، فإنه لم يبلغ كل ما فيه)، وسماه زيد الخير). التعليق: لا يصح رواه البيهقي في دلائل النبوة، باب وفد طيء (٥/ ٣٣٧)، والحديث في كتب السير والتراجم في ترجمة زيد وهي رواية ضعيفة ذكرها ابن إسحاق بغير إسناد وذكرها هشام بن الكلبى بإسناد مجهول كما قال الحافظ فى الإصابة (١/ ٥٧٢) برقم (٢٩٤١)، وقال أيضاً في الكافي الشاف (٢٤١): روي بأسانيد مقطوعة. وقد حكم الألباني عليه بالوضع كما في السلسلة الضعيفة حديث (٤٤٤٣)، وضعيف الجامع حديث (٥٠٦٨). وقد روى ابن عدي في الكامل في الضعفاء (٢/ ١٨٣) في ترجمة رقم (٢٦٠) - بشير مولى بني هاشم قصة قدوم زيد الخيل على الرسول ﷺ وتسميته بزيد الخير وقال بعده: (وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ بِهَذَا الإِسْنَادِ

стр. 296

وَبَشِيرٌ هَذَا وَإِنْ لَمْ يُنْسَبْ فَإِنَّمَا أَخْرَجْتُهُ فِيمَنْ اسْمُهُ بَشِيرٌ؛ لأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ الذي رواه منكر عن الأَعْمَش.) * * * * حجة الوداع قوله: (وقد خطب في بعض أيام التشريق أيضاً، فقد روي أبو داود بإسناد حسن عن سَرَّاءِ بنت نَبْهَانَ قالت: خطبنا رسول الله ﷺ يوم الرؤوس، فقال: (أليس هذا أوسط أيام التشريق). وكانت خطبته في هذا اليوم مثل خطبته يوم النحر، ووقعت هذه الخطبة عقب نزول سورة النصر). قال في الهامش: أبو داود: باب أي يوم يخطب بمنى ١/ ٢٦٩. التعليق: ضعيف. رواه أبو داود، كتاب المناسك، باب أي يوم يخطب بمنى، حديث رقم (١٩٥٣) قال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو عاصم، حدثنا ربيعة بن عبد الرحمن بن حصين، حدثتني جدتي سراء بنت نبهان -وكانت ربة بيت في الجاهلية- قالت: خطبنا رسول الله ﷺ يوم الرؤوس فقال: أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم؟ قال: أليس أوسط أيام التشريق؟ قال أبو داود: وكذلك قال عم أبي حرة الرقاشي: إنه خطب أوسط أيام التشريق. قال الألباني (١): (وهذا إسناد ضعيف؛ ربيعة هذا- وهو: الغنوي- قال الذهبي في " الميزان ": " تابعي فيه جهالة، عن جدة له- اسمها: سراء بنت نبهان-، لا يعرفان إلا في حديث عند أبي عاصم، عنه في الخطبة يوم الرؤوس. نعم لسراء حديث [آخر] في قتل الحية، روته عنها مجهولة، اسمها ساكنة بنت الجعد ". والحديث أخرجه ابن سعد في "الطبقات " (٨/ ٣١٠): أخبرنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم … به.

стр. 297

وأخرجه البخاري في " التاريخ " (٢/ ١/ ٢٨٧/ ٩٧٧)، والبيهقي (٥/ ١٥١) من طريق أخرى عن أبي عاصم … به. ٣٣٦ - قال أبو داود: " وكذلك قال عم أبي حرة الرقاشي: إنه خطب أوسط أيامِ التشريقِ ". (قلت: وصله الإمام أحمد بسند فيه علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف). قلت: وصله الإمام أحمد (٥/ ٧٢ - ٧٣) من طريق حماد بن سلمة: أنا علي بن زيد عن أبي حرة الرقاشي عن عمه قال: كنت آخذاً بزمام ناقة رسول الله ﷺ في أوسط أيام التشريق أذود الناس عنه، فقال: " أيها الناس … " فذكر خطبته ﷺ بطولها. وقد أخرج المصنف طرفاً يسيراً منها في "باب في ضرب النساء " من "النكاح " وعلي بن زيد- وهو ابن جدعان- ضعيف). وقال ابن القطان (١): (لم يصح عنها). * * * * طلائع التوديع قوله: (وخرج ليلة - في منتصفها - إلى البَقِيع، فاستغفر لهم، وقال: (السلام عليكم يا أهل المقابر، لِيَهْنَ لكم ما أصبحتم فيه بما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها، والآخرة شر من الأولي)، وبشرهم قائلاً: (إنا بكم للاحقون). التعليق: ضعيف. قال الألباني (٢): (ضعيف. أخرجه ابن إسحاق في "السيرة" (٤/ ٣٢٠)، ومن طريقه البخاري في (كنى التاريخ) (٧٣ - ٧٤)، والدارمي (١/ ٣٦ - ٣٧)،

стр. 298

والدولابي في "الكنى" (١/ ٥٧)، والحاكم (٣/ ٥٥)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٧/ ١٦٢ - ١٦٣)، وأحمد (٣/ ٣٨٩)، والبزار (١/ ٤٠٨/ ٨٦٣) - مختصراً-، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٢/ ٣٤٦ - ٣٤٧) - بتمامه-، كلهم من طريق ابن إسحاق قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعَبْلِيُّ عن عُبَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ- مَوْلَى الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَقَالَ: … فذكره، وزاد: ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ ثُمَّ انْصَرَفَ. فَبدأ برَسُول اللَّهِ ﷺ وَجَعه الَّذِي قبَضَهُ اللَّهُ فِيهِ. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، إلا أنه عجب بهذا الإسناد، فقد حدثناه … ". ثم ساق إسناده من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن ربيعة عن عبيد بن عبدالحكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص … نحوه. وسكت عنه الذهبي، وهو متعقب من وجوه: الأول: أن تصحيحه إياه على شرط مسلم وهم، لسببين: أحدهما: أنه وقع عنده شيخ ابن إسحاق: (عبيد الله بن عمر بن حفص) .. وهو العمري المصغر، وهو وهم منه أو من أحد رواته، لمخالفته لما في "السيرة"، ولكل المصادر المذكورة، فإنه فيها -كما رأيت -، (عبد الله بن عمر)، أي: المكبر، وهذا ضعيف، وذاك (الصغير) ثقة. وإن مما يؤكد الوهم عنده من طريق عمر بن عبد الوهاب الرياحي، وهي عند البيهقي أيضاً (٧/ ١٦٣) لكن قال: (عبد الله بن عمر) فوافق رواية الجماعة. والآخر: أن عبيد بن جبير، وقع عنده: (عبيد بن حنين) وكذلك وقع في بعض المصادر المذكورة كالبخاري وغيره، فتوهم الحاكم أنه: (عبيد بن حنين المدني أبو عبد الله) .. وليس به، فإن هذا مولى آل زيد بن الخطاب، وهو ثقة من رجال الشيخين، - هذا الذي أظن-، فإن كان غير ذلك، فهو وهم أيضاً، لأنه وثقه وجعله من رجال مسلم، وهو غير

стр. 299

معروف البتة إلا في هذه الرواية، وقد اضطربوا فيها على وجوه سأذكر بعضها، ومن ذلك اختلافهم في ضبط اسم والد (عبيد) هذا، فقيل: (جبير) -كما تقدم -، وقيل (حنين) - كما ذكرت قريباً-، وقيل: (عبدالحكم) - كما مضى آنفاً في رواية يونس بن بكير- عند الحاكم، وفي نقل الحافظ عنه في "الإصابة": (أبو الحكم)، وقال: "كذا فيه، والصواب: (عبيد مولى أبي الحكم) -كما تقدم - " (١). وبعضهم أطلقه ولم يسم أباه، وإنما نسبه لمولاه أبي الحكم. وكما أشار إلى ذلك الحافظ من قريب، وهي رواية الدارمي. وقد رجح الحافظ من هذه الأقوال القول الأول، وذكر أن من قال: (حنين)، فهو تصحيف، قال: "وإنما هو: (عبيد بن جبير) .. بجيم وموحدة، ونبَّه على ذلك ابن فتحون". قلت: فثبت يقيناً خطأ تصحيح الحاكم لهذا الحديث على شرط مسلم. الوجه الثاني: إذا عرفت مما تقدم أن الراجح في: (عبيد) هذا أنه: (ابن جبير)، فما حاله في الرواية؟ الجواب: أنه غير مشهور، إلى درجة أن ابن أبي حاتم لم يذكره في كتابه مطلقاً، وقد ذكره البخاري (١/ ١/ ٤٤٥) - وتبعه ابن حبان (٥/ ١٣٥) - برواية يعلى بن عطاء عنه - أعني: عبيد بن جبير- عن أبي مويهبة. وهذا يوصلنا إلى التحدث عن وجه آخر من وجوه التعقب لتصحيح الحاكم، وهو: الوجه الثالث: الاضطراب في إسناده، فقد رواه الحاكم بن فضيل: ثنا يعلى ابن عطاء عن عبيد بن جبير عن أبي مويهبة. أخرجه أحمد (٣/ ٤٨٨)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٢/ ٣٤٧ - ٣٤٨).

стр. 300

وهذا إسناد حسن إلى عبيد بن جبير، خير من الإسناد السابق لضعف عبد الله بن عمر العمري المكبر. وقد أشار إليه البخاري وابن حبان - كما نقلته عنه آنفاً -، وقد أسقط منه: (عبد الله بن عمرو بن العاص). ثم تنبهت لشيء كاد أن يفوتني، وهو أن تحديدي لهوية عبد الله بن عمر- أنه العمري المكبر- كان نتيجة تأثري برواية الحاكم التي وقع فيها مصغراً: (عبيد الله)، فتنبهت لكون: (عبد الله بن عمر) جاء في رواية الدارمي بزيادة في نسبه هكذا: (عبد الله بن عمر بن علي بن عدي)، كما جاء في "المسند" و"المعجم" منسوباً هكذا: (عبد الله بن عمر العَبَلي)، فتيقنت أنه ليس: (عبد الله بن عمر العمري). أقول هذا بياناً للحقيقة وتراجعاً عن الخطأ، وإلا، فليس هو بخير من (العمري)، بل هو مجهول العين، لا يعرف إلا برواية ابن إسحاق هذه -كما في كتابي البخاري وابن أبي حاتم و"ثقات ابن حبان" (٧/ ٣٦). وفي نسبه أقوال أخرى تجدها في تعليق الشيخ المعلمي ﵀ على هذه الترجمة في "الجرح والتعديل" (٢/ ٢/ ١٠٨ - ١٠٩). وثمة نوع آخر من الاضطراب على ابن إسحاق: فقال محمد بن سلمة عنه عن أبي مالك بن ثعلبة بن أبي مالك عن عمر بن الحكم بن ثوبان عن عبد الله ابن عمرو بن العاص … به. أخرجه الدولابي (١/ ٥٨)، وأبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٢٧). ورجاله ثقات، غير أبي مالك هذا: فلم يوثقه أحد حتى ولا ابن حبان، وذكره البخاري في "الكنى" وكذا ابن أبي حاتم، من رواية ابن إسحاق فقط، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً. وابن إسحاق: مدلس وقد عنعن. وقد وجدت للحديث طريقاً أخرى، ولكنها لا تساوي فلساً. فقال ابن سعد (٢/ ٢٠٤): أخبرنا محمد بن عمر: حدثني إسحاق بن يحيى بن طلحة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن أبي مويهبة مولى رسول الله ﷺ قال: … فذكره.

стр. 301

قلت: وإسحاق هذا ضعيف، ومحمد بن عمر - وهو: الواقدي -: متروك متهم بالكذب. ومن تخاليط (الدكتور) البوطي قوله في كتابه "فقه السيرة" (ص ٣٣٤ - دار الفكر) في الحاشية: "رواه ابن إسحاق وابن سعد وأحمد في مسنده، وروى نحوه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عائشة"! أقول: ليس عند هؤلاء الثلاثة ولا حرف واحد من حديث عائشة، بل هو حديث تفرد به أبو مويهبة من بين الصحابة، فعزوه لحديث عائشة خطأ فاضح واضح من أخطاء الدكتور الكثيرة، التي كنا قد كشفنا عن كثير منها في نقدي إياه (١)، ولكنه يأبى ويستكبر، ولا يرجع إلى الصواب! وها هو الآن يكتفي بسوقه لحديث أبي مويهبة موهماً القراء صحته بعزوه- أولاً - إياه في صلب الكتاب لابن إسحاق وابن سعد! وأعاده في التعليق مضيفاً إليه ذاك العزو الباطل!! (تنبيه): من تناقض الهيثمي في تخريج هذا الحديث أنه قال في "الجنائز" (٣/ ٥٩): "رواه أحمد مطولاً، ويأتي إن شاء الله في (الوفاة) في (علامات النبوة)، ولفظه عند البزار … ". فذكره، وهومختصر - كما سبقت الإشارة إلى ذلك -، وقال عقبه: "وإسناد أحمد والبزار ضعيف " فأصاب. وفي (الوفاة) قال (٩/ ٢٤): "رواه أحمد والطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات". وقد علمت: أن الإسناد عندهما واحد، مداره على (عبيد)، إلا أن الرواة اختلفوا في اسم أبيه. ولكنه مجهول، ولم يوثقه غير ابن حبان، وهو شديد الاعتماد والثقة بتوثيقه، خلافاً للمحققين من الحفاظ كالذهبي وابن عبد الهادي والعسقلاني وغيرهم).

стр. 302

التجهيز وتوديع الجسد الشريف إلى الأرض أضاف المؤلف هذا في الطبعة الجديدة: (وقد غسل ثلاث غسلات بماء وسِدْر، وغسل من بئر يقال لها: الغَرْس لسعد بن خَيْثَمَة بقُبَاء وكان يشرب منها). التعليق: مرسل جيد قاله الحافظ ابن حجر- ﵀ (١). وبئر غرس في المدينة قريبة من مسجد قباء بنحو نصف ميل قال ابن النجار (المتوفى: ٦٤٣ هـ) (٢): (وهذه البئر بينها وبين مسجد قباء نحو نصف ميل، وهي في وسط الشجر، وقد خربها السيل وطمها، وفيها ماء أخضر إلا أنه عذب طيب، وريحه الغالب عليه الأجون، وذرعتها فكان طولها سبعة أذرع شاقة، منها ذراعان ماء، وعرضها عشرة أذرع). قال المناوي (المتوفى: ١٠٣١ هـ) (٣): (بئر بينها وبين مسجد قباء نحو نصف ميل شرقي المسجد إلى جهة الشمال بين النخيل وتعرف ناحيتها بها، وكانت خربت فجددت بعد السبعمئة، وماؤها غزير). أما وصية الرسول ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁ رواها ابن ماجة في سننه، كتاب الجنائز، بَابُ مَا جَاءَ فِي غُسْلِ النَّبِيِّ ﷺ حديث رقم (١٤٦٨) قال: حدثنا عباد بن يعقوب، حدثنا الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي، عن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر، عن أبيه، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَنَا مُتُّ فَاغْسِلُونِي بِسَبْعِ قِرَبٍ مِنْ بِئْرِي، بِئْرِ غَرْسٍ". قال الإمام البوصيري في الزوائد: (هذا إسناد ضعيف؛ لأن عباد بن يعقوب قال فيه ابن حبان: كان رافضياً داعياً، ومع ذلك كان يروي المناكير

стр. 303

عن المشاهير؛ فاستحق الترك. وقال ابن طاهر: هو من غلاة الروافض مستحق الترك؛ لأنه يروي المناكير في المشاهير. والبخاري - وإن روى عنه حديثاً واحداً- فقد أنكر الأئمة في عصره عليه روايته عنه. وترك الرواية عنه جماعة من الحفاظ. وقال الذهبي: روى عنه البخاري مقروناً بغيره. وشيخه مختلف فيه.). وضعفه العلامة الألباني (١). أما حديث: (نعمَ البئرُ بئرُ غَرْسٍ، هو من عيونِ الجنَّةِ، وماؤها أطيبُ المياه). أخرجه ابن سعد في " الطبقات " (١/ ٥٠٤) عن عمر بن الحكم مرسلاً. فقد حكم عليه الألباني أنه موضوع (٢)، والثابت هو كما في صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب الغسل والوضوء في المخضب والقدح والخشب والحجارة، حديث رقم (١٩٥): وكانتْ عائشةُ ﵂ تُحَدِّثُ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال بعدَ ما دخَل بيتَه واشتَدَّ وجعُه: هَريقوا عليَّ من سبعِ قِرَبٍ، لم تُحلَلْ أَوكِيَتُهنَّ، لعلِّي أعهَدُ إلى الناسِ. وأُجلِسُ في مِخضَبٍ لحَفصَةَ، زوجِ النبيِّ ﷺ ، ثم طَفِقْنا نَصُبُّ عليه تلك، حتى طَفِق يُشير إلينا: أن قد فَعَلتُنَّ. ثم خرَج إلى الناس). البيت النبوي قوله: (أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، كانت تحت عبيد الله بن جحش، فولدت له حبيبة فكنيت بها، وهاجرت معه إلى الحبشة، فارتد عبيد الله وتنصر، وتوفي هناك، وثبتت أم حبيبة على دينها وهجرتها … ) التعليق: تحقيق دعوى ردة عبيد الله بن جحش

стр. 304

قال الشيخ محمد بن عبد الله العوشن (١): (اشتهر في كتب السيرة أن عبيد الله بن جحش قد تنصّر في أرض الحبشة، وكان قد هاجر إليها مع زوجه أم حبيبة ﵂؛ فهل ثبتت ردّته بسند صحيح؟ قال ابن إسحاق ﵀ في ذكر بعض من اعتزل عبادة قريش للأصنام، وهم: ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان ابن الحويرث، وزيد بن عمرو بن نفيل، فقال بعضهم لبعض: «تعلمون والله! ما قومكم على شيء. لقد أخطؤوا دين أبيهم إبراهيم، ما حجر نطيف به؛ لا يسمع ولا يبصر، ولا يضرّ ولا ينفع؟! التمسوا لأنفسكم؛ فإنكم والله! ما أنتم على شيء. فتفرقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية، دين أبيهم إبراهيم، فأما ورقة بن نوفل فاستحكم في النصرانية … وأما عبيد الله بن جحش فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم، ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة، ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان مسلمة، فلما قدمها تنصّر وفارق الإسلام، حتى هلك هناك نصرانياً». ثم قال ابن إسحاق: «فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال: كان عبيد الله بن جحش - حين تنصَّر - يمر بأصحاب رسول الله ﷺ وهم هنالك من أرض الحبشة، فيقول: فقّحنا وصأصأتم؛ أي أبصرنا، وأنتم تلتمسون البصر ولم تبصروا بعد» (٢). وشيخ ابن إسحاق هنا محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، مات سنة بضع عشرة ومائة، من الطبقة السادسة، وهي طبقة لم يثبت لأحد منها لقاء أحد من الصحابة، فالخبر مرسل. ثم ذكره - ابن إسحاق - في قدوم جعفر بن أبي طالب من الحبشة فقال: «حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة قال: «خرج عبيد الله بن جحش مع المسلمين مسلماً، فلما قدم أرض الحبشة تنصَّر، قال: فكان إذا

стр. 305

مر بالمسلمين … » (١)، وذكر نحو ما سبق. وهذا سند صحيح لكنه مرسل، وهو أصحّ ما ورد في تنصُّر عبيد الله بن جحش. وذكره أيضاً في تزوج النبي ﷺ أم حبيبة ﵂ -فقال: «ثم تزوج رسول الله ﷺ بعد زينب، أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت قبله عند عبد الله [عبيد الله] بن جحش .. فمات عنها بأرض الحبشة، وقد تنصر بعد إسلامه» (٢)، والخبر هنا بدون إسناد. وروى القصة ابن سعد في (الطبقات) فقال: «أخبرنا محمد ابن عمر حدثنا عبد الله بن عمرو بن زهير عن إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: قالت أم حبيبة: رأيت في النوم عبيد الله بن جحش زوجي بأسوأ صورة وأشوهها، ففزعت، فقلت: تغيرتْ والله حاله! فإذا هو يقول حيث أصبح: يا أم حبيبة! إني نظرت في الدين فلم أرَ ديناً خيراً من النصرانية، وكنت قد دنت بها، ثم دخلت في دين محمد، ثم قد رجعت إلى النصرانية. فقلت: والله! ما خير لك. وأخبرتُه بالرؤيا التي رأيت له فلم يحفل بها، وأكبّ على الخمر حتى مات» (٣)، ورواه أيضاً في ذكر عدد أزواج النبي ﷺ ، فقال عند ذكر أم حبيبة ﵂: «وكانت قبل رسول الله ﷺ عند عبيد الله بن جحش، وكان قد أسلم وهاجر إلى أرض الحبشة، ثم ارتد، وتنصّر، فمات هناك على النصرانية» (٤)، وشيخ ابن سعد في الخبرين هو الواقدي، وهو متروك على سعة علمه. ورواه الحاكم في «المستدرك» عن الزهري مرسلاً، وفيه: «ثم افتتن وتنصّر فمات وهو نصراني، وأثبت الله الإسلام لأم حبيبة، وأبت أن تتنصّر» (٥)، ورواه موصولاً من طريق الواقدي، وفيه رؤيا أم حبيبة (٦)،

стр. 306

كرواية ابن سعد. «ومراسيل الزهري ضعيفة» (١)، قال الإمام الذهبي ﵀: «قال يحيى بن سعيد القطان: مرسل الزهري شرّ من مرسل غيره؛ لأنه حافظ، وكل ما قَدرَ أن يُسمّي سَمّى، وإنما يترك من لا يحب أن يسميه. قلت (الذهبي): مراسيل الزهري كالمعضل؛ لأنه يكون قد سقط منه اثنان، ولا يسوغ أن نظن به أنه أسقط الصحابي فقط، ولو كان عنده عن صحابي لأوضحه، ولما عجز عن وصله، ومن عدّ مرسل الزهري كمرسل سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير ونحوهما، فإنه لم يدر ما يقول، نعم كمرسل قتادة ونحوه» (٢). وروى الخبر الطبري في تاريخه، في: «ذكر الخبر عن أزواج رسول الله ﷺ » عن هشام بن محمد مرسلاً، وفيه عند ذكر أم حبيبة: «فتنصّر زوجها، وحاولها أن تتابعه فأبت، وصبرت على دينها، ومات زوجها على النصرانية» (٣)، والخبر فضلاً عن إرساله؛ فإنه عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي، وهو رافضي متروك، قال الإمام أحمد ﵀: «إنما كان صاحب سمر ونسب، ما ظننت أن أحداً يحدِّث عنه» (٤). ونقله ابن الأثير في تاريخه (٥) عن ابن الكلبي أيضاً. ورواه البيهقي في «الدلائل» من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة قال: «ومن بني أسد بن خزيمة: عبيد الله بن جحش، مات بأرض الحبشة نصرانياً، ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان، واسمها رملة، فخلف عليها رسول الله ﷺ ، أنكحه إياها عثمان بن عفان بأرض الحبشة» (٦)، والخبر فيه علتان: الإرسال، وضعف ابن لهيعة. والمتن هنا فيه غرابة. قال ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ: «وأما قول عروة إن عثمان زوّجها

стр. 307

منه فغريب؛ لأن عثمان كان قد رجع إلى مكة قبل ذلك ثم هاجر إلى المدينة، وصحبته زوجته رقية» (١). وعبيد الله بن جحش لم يترجم له ابن عبد البر في «الاستيعاب»، ولا ابن الأثير في «أُسد الغابة»، ولا ابن حجر في «الإصابة»، وفي ترجمة أخيه عبد الله ﵁ في «الإصابة» لم يذكر ابن حجر شيئاً، أما ابن عبد البر فقد قال في «الاستيعاب» في ترجمة عبد الله: «وكان هو وأخوه أبو أحمد عبد بن جحش من المهاجرين الأولين ممن هاجر الهجرتين، وأخوهما عبيد الله بن جحش تنصّر بأرض الحبشة، ومات بها نصرانياً، وبانت منه امرأته أم حبيبة» (٢)، وكذا ذكر ابن الأثير في ترجمة عبد الله. وفي ترجمة أم حبيبة ﵂ في «الإصابة» قال ابن حجر: «ولما تنصر زوجها عبيد الله، وارتد عن الإسلام فارقها، فأخرج ابن سعد من طريق إسماعيل بن عمرو بن سعيد الأموي قال … » (٣)، وذكر القصة التي رواها ابن سعد عن الواقدي، وسبقت. وفي ترجمتها في «التهذيب» لم يذكر الحافظ تنصّر عبيد الله بل قال: «هاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش هناك، ومات، فتزوجها رسول الله ﷺ وهي هناك، سنة ست، وقيل سنة سبع» (٤)، وقال الذهبي في «السير» في ترجمة أم حبيبة ﵂: «ابن سعد: أخبرنا الواقدي: أخبرنا .. »، وذكر رؤياها ﵂ وردّة زوجها، ثم قال (الذهبي): «وهي منكرة» (٥). ولم يبيّن ﵀ وجه النكارة. ومما يرجّح أن خبر ردته غير صحيح: أن الروايات الصحيحة في نكاحه ﷺ بأم حبيبة ﵂ لم تذكر شيئاً من ذلك؛ فقد روى

стр. 308

الإمام أحمد بسند صحيح من طريق الزهري عن عروة عن أم حبيبة ﵂: «أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش، وكان أتى النجاشي فمات، وأن رسول الله ﷺ تزوج أم حبيبة وهي بأرض الحبشة، زوّجها إياه النجاشي، وأمهرها أربعة آلاف» (١)، ورواه أيضاً أبو داود (٢)، والنسائي (٣). مما سبق يتبين - والله أعلم - أن قصة ردة عبيد الله بن جحش لم تثبت، لعدة أدلة منها: ١ - أنها لم تُروَ بسند صحيح متصل، فالموصول من طريق الواقدي. والمرسل جاء عن عروة بن الزبير، ولا يمكن أن نحتج بالمرسل (عند من يرى الاحتجاج به) في مسألة كهذه؛ فيها الحكم على أحد السابقين الأولين ﵃ بالردة. ٢ - أن الروايات الصحيحة في زواجه ﷺ بأم حبيبة لم تذكر ردة زوجها السابق، كما في الرواية السابقة عند أحمد، وأبي داود، والنسائي. ٣ - أنه يبعد أن يرتد أحد السابقين الأولين للإسلام عن دينه، وهو ممن هاجر فراراً بدينه مع زوجه، إلى أرض بعيدة غريبة. خاصة أن عبيد الله بن جحش ممن هجر ما عليه قريش من عبادة الأصنام، والتماسه مع ورقة وغيره الحنيفية- كما في رواية ابن إسحاق (بدون سند) الواردة أول هذا البحث - وفي رواية ابن سعد (عن الواقدي) أنه كان قد دان بالنصرانية قبل الإسلام. ومعلوم أن البشارة ببعثة الرسول ﷺ كانت معروفة عند أهل الكتاب من يهود، ونصارى؛ فكيف يُتصور من رجل يترقب الدين الجديد أن يعتنقه ثم يرتد عنه لدين منسوخ؟! كما أن زواج النبي ﷺ بأم حبيبة كان في

стр. 309

سنة ست، وقيل سبع، وردة عبيد الله المزعومة قبل ذلك بمدة، وهي مرحلة كان الإسلام قد علا فيها وظهر حتى خارج الجزيرة العربية، بل أصبح هناك من يُظهر الإسلام ويُبطن الكفر؛ كحال المنافقين. ٤ - في حوار هرقل مع أبي سفيان وكان إذ ذاك مشركاً أنه سأله - ضمن سؤالاته -: «هل يرتد أحدٌ منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فأجاب أبو سفيان: لا». ولو كان عبيد الله قد تنصّر لوجدها أبو سفيان فرصة للنيل من النبي ﷺ ودعوته، كما فعل لما سُئل: «فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها؟ قال: ولم تمكنِّي كلمة أُدخل فيها شيئاً غير هذه الكلمة» (١)، ولا يمكن القول بأن أبا سفيان لم يعلم بردّة عبيد الله - لو صحت - لأنه والد زوجه أم حبيبة. وبعد؛ فالمسألة متعلقة بأحد أصحاب رسول الله ﷺ ، بل ومن السابقين الأولين، فإن صحّ السند بخبر ردّته فلا كلام، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. أمَا والسند لم يثبت؛ فإن نصوص الشريعة حافلة بالذبّ عن عِرْض المسلم؛ فكيف إذا كان هذا المسلم صحابياً بل ومن السابقين؟! والله أعلم) (٢). انتهى بحروفه من كلام العوشن - حفظه الله-. قال الشيخ عبدالله بن مانع- حفظه الله-: (عدول الأئمة عن ترجمته في الصحابة كما تقدم يدل على الأقل التوقف في خاتمته، فمن مشى على الأصل جعله صحابياً- حتى يصح خلافه- ومن رأى الآثار في ذكر خاتمته تحدث قوة- أوجبت له التوقف في عده صحابياً، فالله أعلم بحاله-رضي الله عن أصحاب رسول الله ﷺ ).

стр. 310

الصفات والأخلاق قوله: (كان النبي ﷺ يمتاز من جمال خَلْقه وكمال خُلُقه بما لا يحيط بوصفه البيان، وكان من أثره أن القلوب فاضت بإجلاله، والرجال تفانوا في حياطته وإكباره، بما لا تعرف الدنيا لرجل غيره، فالذين عاشروه أحبوه إلى حد الهيام، ولم يبالوا أن تندق أعناقهم ولا يخدش له ظُفْر، وما أحبوه كذلك إلا لأن أنصبته من الكمال الذي يحبب عادة لم يرزق بمثلها بشر). التعليق: قول المؤلف (فالذين عاشروه أحبوه إلى حد الهيام) وصف غير لائق في التعبير عن حب الرسول ﷺ من قبل الصحابة؛ وذلك لأن الهيام نوع من الحب والعشق الذي قد يصيب صاحبه بالحيرة بل والجنون، وهذا ينزه عنه كل من أحب الرسول ﷺ . قال ابن منظور (١): (والهُيامُ: كَالْجُنُونِ، وَفِي التَّهْذِيبِ: كَالْجُنُونِ مِنَ الْعِشْقِ. ابْنُ شُمَيْلٍ: الهُيامُ نَحْوُ الدُّوارِ جنونٌ يأْخذ البعيرَ حَتَّى يَهْلِك، … والهَيمُ: داءٌ يأْخذ الإِبلَ فِي رؤوسها. والهَائِمُ: المتحيِّرُ … ؛ يُقَالُ: هَامَ فِي الأَمر يَهِيمُ إِذَا تَحَيَّرَ فِيهِ، وَهُوَ أَيضاً الذاهبُ عَلَى وَجْهِهِ عِشْقاً … وَالِاسْمُ الهُيامُ. وَرَجُلٌ هَيْمانُ: مُحِبٌّ شديدُ الوَجْدِ. ابْنُ السِّكِّيتِ: الهَيْمُ مصدرُ هَامَ يَهِيمُ هَيْماً وهَيَماناً إِذَا أَحَبَّ المرأَةَ. والهُيَّامُ: العُشّاقُ). ووصف حب الله أو حب الرسول ﷺ بالعشق أو الهيام من ألفاظ الصوفية وهي ألفاظ حادثة لا تعرف لدى السلف الصالح، وإنما يقال حب الله وحب الرسول وهذا ما ورد في القرآن والسنة وما تعبدنا الله به. قال ابن القيم ﵀ (٢): (فإن العبادة تتضمن غاية الحب بغاية الذل، ولا يصلح ذلك إلا لله وحده.

стр. 311

ولما كانت المحبة جنساً تندرج تحته أنواع متفاوتة فى القدر والوصف، كان أغلب ما يذكر فيها فى حق الله تعالى: ما يختص به ويليق به، كالعبادة والإنابة والإخبات، ولهذا لا يذكر فيها لفظ العشق والغرام، والصبابة، والشغف، والهوى، وقد يذكر لها لفظ المحبة، كقوله: ﴿يحُبُّهُمْ وَيحُبُّونِهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وقوله ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبْبِكْمْ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وقوله ﴿وَالّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبا للهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. ومدار كتب الله تعالى المنزلة من أولها إلى آخرها على الأمر بتلك المحبة ولوازمها والنهى عن محبة ما يضادها وملازمتها، وضرب الأمثال والمقاييس لأهل المحبتين، وذكر قصصهم ومآلهم، ومنازلهم، وثوابهم، وعقابهم، ولا يجد حلاوة الإيمان، بل لا يذوق طعمه، إلا من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما). وقالَ ابنُ القيمِ أيضاً (١) في فصلٍ لهُ عن جوازِ إطلاقِ الشوقِ على اللهِ: (والصوابُ أنهُ يقالُ: إطلاقهُ - أي الشوق - متوقفٌ على السمعِ، و لم يرد به؛ فلا ينبغي إطلاقهُ، وهذا كلفظِ العشقِ أيضاً، فإنهُ لم يرد به سمعٌ، فإنهُ يمتنعُ إطلاقهُ عليهِ سبحانهُ، واللفظُ الذي أطلقهُ سبحانهُ على نفسهِ وأخبر بهِ عنها أتمُ من هذا و أجلُ شأناً، هو لفظُ المحبةِ … وهكذا المحبةُ وصف نفسهُ منها بأعلاها وأشرفها فقال: " يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه [المائدة: ٥٤]، " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ " [البقرة: ٢٢٢]، " يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " [البقرة: ١٩٥]، و " يُحِبُّ الصَّابِرِينَ " [آل عمران: ١٤٦]، ولم يصف نفسهُ بغيرها من العلاقةِ والميلِ والصبابةِ والعشقِ والغرامِ ونحوها، فإن مسمى المحبةِ أشرفُ وأكملُ من هذه المسمياتِ، فجاء في حقهِ إطلاقه دونها). قال العلامة عبدالرحمن بن ناصر البراك - حفظه الله -: (وأما لفظ العشق فلم يرد في القرآن ولا في الحديث، وإنما يطلقه الجهلة بالله من الفلاسفة والصوفية فإن من عبارات الفلاسفة عن الله: "عشق، وعاشق،

стр. 312

ومعشوق"، ومن عبارات الصوفية أن يقول أحدهم: "إنه عاشق لله"، وهذا لفظ مبتدع لا يجوز التعبير به عن محبة الله: أولاً: أنه لم يرد في شيء من النصوص. والثاني: أنه يدل على الحب المفرط الذي دافعه الشهوة، إذاً العشق إنما يليق ويعبر به عن الحب الذي يكون بين بعض الناس وبعض، وأكثر ما يستعمل في الحب الذي بين الرجل والمرأة. إذاً فلا يجوز استعمال هذا اللفظ في حب العبد لربه، ولا في حب الرب لعبده، بل نقول: إن الله يُحَب ويُحِب، كما قال : (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [المائدة: ٥٤]. وذهب الدكتور بكر أبو زيد ﵀ إلى عدم جواز إطلاق العشق على الله أو على الرسول ﷺ راجع كتابه معجم المناهي اللفظية. جمال الخَلْق ١ - قوله: (وقال على بن أبي طالب- وهو ينعت رسول الله ﷺ : لم يكن بالطويل المُمَغَّطِ، ولا القصير المتردد، وكان رَبْعَة من القوم، ولم يكن بالجَعْد القَطِطِ، ولا بالسَّبْط، رَجِلاً، ولم يكن بالمُطَهَّم، ولا بالمُكَلْثَم، وكان في الوجه تدوير، وكان أبيض مُشْرَبًا، أدْعَج العينين، أهْدَب الأشْفَار، جَلِيل المُشَاش والكَتَدِ، دقيق المسْرُبَة، أجْرَد، شَثْنُ الكفين والقدمين، إذا مشي تَقَلّع كأنما يمشي في صَبَب، وإذا التفت التفت معاً، بين كتفيه خاتم النبوة، وهو خاتم النبيين، أجود الناس كفاً، وأجرأ الناس صدراً، وأصدق الناس لَهْجَة، وأوفى الناس ذمة، وألينهم عَريكَة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله، ﷺ . التعليق: ضعيف. رواه الترمذي في سننه، كتاب المناقب عن رسول الله -صلى الله عليه و سلم-،

стр. 313

باب ما جاء في صفة النبي -صلى الله عليه و سلم-، حديث رقم (٣٦٣٨) وقال أبو عيسى: (هذا حديث حسن غريب ليس إسناده بمتصل). ورواه أيضا في الشمائل المحمدية، حديث رقم (٧). ضعفه الألباني في مختصر الشمائل المحمدية ص (١٦)، والمشكاة حديث رقم (٥٧٩١). فائدة: قد صحح الألباني بعض الألفاظ الواردة في هذا الحديث في (صحيح سنن الترمذي) برقم (٢٨٧٧) عن علي ﵁. ٢ - قوله: (وقالت الرُبَيع بنت معوذ: لو رأيته رأيت الشمس طالعة). التعليق: ضعيف رواه الدارمي (١/ ٢٠٤) حديث رقم (٦١)، وقال محققه حسين سليم أسد: إسناده ضعيف لضعف عبد الله بن موسى الطلحي التيمي. ورواه الطبراني في المعجم الأوسط (٤/ ٣٦٩) حديث رقم (٤٤٥٨) وقال: لا يروى هذا الحديث عن الربيع إلا بهذا الإسناد تفرد به عبد الله بن موسى. ٣ - قوله: (وقال أبو هريرة: ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله ﷺ ، كأن الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحداً أسرع في مشيه من رسول الله ﷺ ، كأنما الأرض تُطْوَي له، وإنا لنجهد أنفسنا، وإنه لغير مكترث). التعليق: ضعيف. رواه الترمذي في سننه، كتاب المناقب عن رسول الله -صلى الله عليه و سلم-، باب ما جاء في صفة النبي -صلى الله عليه و سلم-، حديث رقم (٣٦٤٨) وقال أبو عيسى: (هذا حديث غريب). وضعفه الألباني في مختصر الشمائل حديث رقم (١٠٠)، وانظر السلسلة الضعيفة حديث رقم (٤٢١٣).

стр. 314

٤ - قوله: (وعرق مرة وهو عند عائشة، فجعلت تبرق أسارير وجهه، فتمثلت له بقول أبي كبير الهذلي: وإذا نظرت إلى أسرة وجهه … برقت كبرق العارض المتهلل). التعليق: لا يصح رواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٦٩٤) عن عائشة ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ قَاعِدَةً أَغْزِلُ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْصِفُ نَعْلَهُ، فَجَعَلَ جَبِينُهُ يَعْرَقُ، وَجَعَلَ عَرَقُهُ يَتَوَلَّدُ نُورًا، فَبُهِتُّ فَنَظَرَ إِلِيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: " مَالَكِ يَا عَائِشَةُ! بُهِتِّ؟ " قُلْتُ: جَعَلَ جَبِينُكَ يَعْرَقُ، وَجَعَلَ عَرَقُكَ يَتَوَلَّدُ نُورًا، وَلَوْ رَآكَ أَبُو كَبِيرٍ الْهُذَلِيُّ لَعَلِمَ أَنَّكَ أَحَقُّ بِشِعْرِهِ. قَالَ: " وَمَا يَقُولُ أَبُو كَبِيرٍ؟ " قَالَتْ: قُلْتُ يَقُولُ: وَمُبَرَّأٌ مِنْ كُلِّ غَيْرِ حَيْضَةٍ … وَفَسَادِ مُرْضِعَةٍ وَدَاءٍ مُغَيِّلِ فَإِذَا نَظَرْتَ إِلَى أَسِرَّةِ وَجْهِهِ … بَرَقَتْ كَبَرْقِ الْعَارِضِ الْمُتَهَلِّلِ قَالَتْ: فَقَامَ إِلِيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنِيَّ وَقَالَ: " جَزَاكِ اللهُ يَا عَائِشَةُ عَنِّي خَيْرًا مَا سُرِرْتِ مِنِّي كَسُرُورِي مِنْكِ". قال الحافظ الذهبي في المهذب (٦/ ٣٠٢٣): (منكر لا يعرف إلا بهذا الإسناد). وعده المزي من غرائب حديث معمر بن المثنى في تهذيب الكمال (١٨/ ٢٧٦)، وحكم عليه الألباني بالكذب والوضع في السلسلة الضعيفة، حديث (٤١٤٤). والصواب (تبرق) كما أثبته المؤلف في الطبعة الجديدة، وليس (تبرك) كما ذكر في الطبعة القديمة؛ لما جاء في البخاري حديث (٣٥٥٥)، ومسلم حديث (١٤٥٩) عن عائشة ﵂ أن رسولَ اللهِ ﷺ دخل عليها مَسْرورًا، تَبرُقُ أساريرُ وجْهِهِ. فقال: (ألم تسمعي ما قال المُدْلِجيُّ لزيدٍ وأسامَةَ، ورأى أقدامَهما: أن بعض هذه الأقدامِ مِن بعضٍ). قال محمد فؤاد عبدالباقي ﵀: (تبرق أسارير وجهه) قال أهل اللغة: تبرق أي: تضيء وتستنير من السرور والفرح، والأسارير هي الخطوط التي

стр. 315

في الجبهة، واحدها: سر وسرر، وجمعه أسرار، وجمع الجمع أسارير). ٥ - قوله: (كان أبو بكر إذا رآه يقول: أمين مصطفى بالخير يدعو … كضوء البدر زايله الظلام. وكان عمر ينشد قول زهير في هرم بن سنان: لو كنت من شيء سوى البشر … كنت المضيء لليلة البدر ثم يقل كذلك كان رسول الله ﷺ ). التعليق: لا يصح. رواه البيهقي في دلائل النبوة عن عائشة ﵂ (١/ ٢٩٨) وقال: ((فيه) صبيح بن عبد الله الفرغاني ليس بالمعروف). وقال السبكي في طبقات الشافعية الكبرى (٦/ ٣٢٩): (لم أجد له إسناداً)، وبالرغم من هذا فإن الموجود في الرواية وكان ابن عمر بن الخطاب ﵄ كثيرا ما ينشد قول زهير بن أبي سلمى حين يقول لهرم بن سنان: لو كنت من شيء سوى بشر كنت المضيء لليلة البدر، فيقول عمر ومن سمع ذلك: كان النبي ﷺ كذلك، ولم يكن كذلك غيره. ويلحق به ما ذكره المؤلف في وصف الرسول ﷺ فهو جزء من هذه الرواية: (وأما عنقه فكأنه جيد دمية في صفاء الفضة، وكان في أشفاره غطف، وفي لحيته كثافة، وكان واسع الجبين، أزج الحواجب في غير قرن بينهما، أقنى العرنين، سهل الخدين، من لبته إلى سرته شعر يجري كالقضيب، ليس في بطنه ولا صدره شعر غيره، أشعر الذراعين والمنكبين، سواء البطن والصدر، مسيح الصدر عريضه، طويل الزند، رحب الراحة، سبط القصب، خمصان الأخمصين، سائل الأطراف، إذا زال زال قلعا، يخطو تكفيا ويمشي هوناً).

стр. 316

٦ - قوله: (وقال جابر بن سَمُرَة: كان في ساقيه حُمُوشة، وكان لا يضحك إلا تَبَسُّماً. وكنت إذا نظرت إليه قلت: أكْحَل العينين، وليس بأكحل). التعليق: ضعيف. رواه الترمذي في سننه، كتاب المناقب عن رسول الله -صلى الله عليه و سلم-، باب ما جاء في صفة النبي ﷺ ، حديث رقم (٣٦٤٥) وقال أبو عيسى: (هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه). وضعفه الألباني في مختصر الشمائل حديث رقم (١٩٣)، ضعيف الجامع الصغير (٤٤٧٤)، وقال في تخريج مشكاة المصابيح حديث (٥٧٣٣): (فيه عنعنة الحجاج بن أرطأة وهو مدلس. لكن ضحكه تبسماً له شاهد مرسل صحيح فهو حسن). وضعفه الأرناؤوط في تحقيقه للمسند حديث رقم (٢٠٩٥٥). ٧ - قوله: (قال ابن عباس: كان أفْلَجَ الثنيتين، إذا تكلم رؤي كالنور يخرج من بين ثناياه). التعليق: ضعيف جداً. قال الألباني (١): (ضعيف جداً. أخرجه الترمذي في "الشمائل" (رقم ١٤)، والبيهقي في "الدلائل" (١/ ١٦٣)، والضياء المقدسي في "المختارة" (٦٧/ ١٠٧/ ١) عن عبد العزيز بن أبي ثابت الزهري: حدثني إسماعيل بن إبراهيم ابن أخي موسى بن عقبة، عن موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس مرفوعاً. قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً؛ عبد العزيز هذا؛ قال الحافظ: "متروك، احترقت كتبه؛ فحدث من حفظه فاشتد غلطه".

стр. 317

ومن طريقه أخرجه الطبراني في "الأوسط"؛ كما في "المجمع" (٨/ ٢٧٩)، و"مجمع البحرين" (ص ٣٢٢ - نسخة الحرم). وضعفه في مختصر الشمائل حديث رقم (١٣). وضعفه المناوي في التيسير بشرح الجامع الصغير (٢/ ٤٤٨)، ونقل عن الهيثمي قوله: (وفيه عبد العزيز بن أبي ثابت وهو ضعيف جداً) وذلك في فيض القدير حديث رقم (٦٤٨٢). ٨ - قوله: (وقال جابر: لم يسلك طريقاً فيتبعه أحد إلا عرف أنه قد سلكه من طيب عَرْفِه. أو قال: من ريح عرقه). التعليق: ضعيف. رواه الدارمي في سننه، باب في حسن النبي -صلى الله عليه و سلم-، حديث رقم (٦٦) أخبرنا مالك بن إسماعيل، ثنا إسحاق بن الفضل بن عبد الرحمن الهاشمي، أنا المغيرة بن عطية، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره … قال الألباني (١): (هذا إسناد ضعيف، أبو الزبير مدلس وقد عنعنه. والمغيرة بن عطية مجهول، أورده ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٤/ ١/ ٢٢٧) من هذه الرواية، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً. وإسحاق بن الفضل بن عبد الرحمن الهاشمي أورده الطوسي في " رجاله " (ص ١٤٩) في أصحاب جعفر الصادق رقم (١٣٤) ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً كغالب عادته! وزاد على ما في هذا الإسناد أنه مدني. ذكره في أصحاب الباقر (ص ١٠٤ رقم ١٧): " إسماعيل بن الفضل بن يعقوب بن الفضل بن عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب ثقة من أهل البصرة ". وذكر المعلق عليه أنه هو الأول المدني، وتبع في ذلك الحافظ ابن حجر في " اللسان " وهو بعيد عندي لاختلاف اسم جدهما، ونسبتهما. والله أعلم). فائدة: قد حسن الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم (٢١٣٧) وذلك بمجموع طرقه (كان رسول الله ﷺ يعرف بريح الطيب إذا أقبل).

стр. 318

كمال النفس ومكارم الأخلاق ١ - قوله: (وكان لا يثبت نظره في وجه أحد). التعليق: لم أجد له إسناداً. قاله ابن السبكي ﵀ في طبقات الشافعية الكبرى (٦/ ٣٢٢). ٢ - قوله: (خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة). التعليق: ضعيف. هذا جزء من حديث هند بن أبي هالة الآتي. ٤ - قوله: (روى الترمذي عن علي أن أبا جهل قال له: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب بما جئت به، فأنزل الله تعالى فيهم: " فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ، وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ " [الأنعام: ٣٣]). التعليق: ضعيف الإسناد. وقال الترمذي في العلل حديث رقم (٤٣٠): (سألت مُحمدًا (البخاري) عن هذا الحديث؟ فقال: الصحيح عن أبي إسحاق، عن ناجية، عن النبي -صلى الله عليه و سلم- مرسل). قال الألباني في ضعيف الترمذي حديث (٣٠٦٤): ضعيف الإسناد. ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣١٥) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه وتعقبه الذهبي بقوله: ناجية بن كعب لم يخرجا له شيئاً. وقد مر معنا سابقاً في الكتاب تحت عنوان قيادة تهوى إليها القلوب.

стр. 319

٣ - قوله: (ولنترك هند بن أبي هالة يصف لنا رسول الله- ﷺ ؛ قال هند فيما قال: كان رسول الله ﷺ متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه -لا بأطراف فمه- ويتكلم بجوامع الكلم، فصلاً، لا فضول فيه ولا تقصير، دمثاً ليس بالجافي ولا بالمهين، يعظم النعمة وإن دقت، لايذم شيئاً، ولم يكن يذم ذواقاً -ما يطعم- ولا يمدحه، ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له، لا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها -سماحة- وإذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام. وكان يخزن لسانه إلا عما يعنيه، يؤلف أصحابه ولا يفرقهم، يكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره. يتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويصوبه، ويقبح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر، غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق، ولا يجاوزه إلى غيره. الذين يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة. كان لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ولا يوطن الأماكن-لا يميز لنفسه مكاناً- إذا انتهى إلى القوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه، من جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، وقد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أباً، وصاروا عنده في الحق متقاربين، يتفاضلون عنده بالتقوى، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم-لا تخشى فلتاته-

стр. 320

يتعاطفون بالتقوى، يوقرون الكبير، ويرحمون الصغير، ويرفدون ذا الحاجة، ويؤنسون الغريب. كان دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صَخَّاب، ولا فحاش، ولا عتاب، ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يقنط منه. قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: لا يذم أحداً، ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رءوسهم الطير، وإذا سكت تكلموا. لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويعجب مما يعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق، يقول: إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فأرفدوه، ولا يطلب الثناء إلا من مكافئ). التعليق: ضعيف جداً. رواه الترمذي في الشمائل (١/ ١٣٥)، والبيهقي في دلائل النبوة (١/ ٢٨٦)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٥٥)، وضعفه الألباني في فقه السيرة ص (٢١٢) فقال: (حديث ضعيف، أخرجه بطوله الترمذي في (الشمائل): (١/ ٣٨)، من طريق جميع بن عمرو بن عبد الرحمن العجلي، قال: حدثني رجل من بني تميم من ولد أبي هالة زوج خديجة يكنى أبا عبد الله، عن ابن لأبي هالة، عن الحسن بن علي. وهذا سند ضعيف، وجميع بن عمرو هذا ضعيف، وقال أبو داود: «أخشى أن يكون كذّاباً». وأبو عبد الله التميمي مجهول، كما في (التقريب)، وابن أبي هالة اسمه هند بن أبي هالة، وهو مستور، ترجمه ابن أبي حاتم: (٤/ ٢/ ١١٧)، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً. ونقل الحافظ في ترجمة أبيه من (التهذيب) عن أبي داود: أنه قال في هذا الحديث: «أخشى أن يكون موضوعاً»، وأشار البخاريّ إلى أنّه لا يصح. راجع ترجمة هند بن أبي هالة في (الجرح والتعديل) مع التعليق عليه)، وضعفه جداً في مختصر الشمائل حديث رقم (٦)، وضعيف الجامع حديث (٤٤٧٠).
следующие страницы →