← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

التابعون بروايتها الاعتناء الذي يرفع كل واحد منها إلى مرتبة التواتر المفيد للقطع؛ لعلمهم أن في القرآن الكريم، وحكمة الشريعة، والسيرة النبوية آياتٍ بينات، ودلائل تكفي الناظر، فلا يحتاج إلى غيرها من الآيات التي كانت قد وقعت وشهدها قوم آخرون. ويدخل في هذا الباب: إخباره ﵊ بأمور غيبية واقعة؛ كنعيه للنجاشي يوم موته، وقوله للصحابة: "مات اليوم رجل صالح، فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة (١)، وإخباره عن أمور مستقبلة؛ كقوله لعدي بن حاتم: "إن طالت بك الحياة، لترين الظعينة ترحل من الحيرة (٢) حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله"، وقوله له: "لئن طالت بك حياة، لمفتحن كنوز كسرى"، قال عدي: قلت: كسرى هرمز؟! قال: "كسرى هرمزدا، قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى (٣). وهذا النوع من المعجزات قد ينفع في هداية الذين يؤخذون بالدلائل المحسوسة أكثر مما يؤخذون بالدلائل المعقولة. وقد يجري بمحضر المؤمنين؛ ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم، أو يجري حيث يكون في المعجرة دفع حاجة لا تدفع إلا بها؛ كتكثير المال القليل في بعض الغزوات ليكفي حاجات الجماعات الكثيرة.

стр. 1017

* عموم بعثته ﵊ -: كان العالم قبل البعثة المحمدية في ظلمات من الزيغ عن الحق، والجهل بطريق السعادة، يستوي في هذه الظلمات الأمة العربية وغير العربية. وقد قصصنا عليك من حال الأمة العربية ما قصصناه آنفاً. وأما الأمم غير العربية، فمنها من كانوا على المجوسية , كالفرس، والبربر، ومنها من كانوا على البراهمية، أو البوذية؛ كالهنود والصينيين، ومنها من كانوا على نصرانية خرجوا بها عن وجهها الصحيح؛ كالروم. هذه حال معظم الأمم قبل البعثة، فهي إما مغموسة في الوثنية القذرة، أو منتمية إلى شريعة سماوية محرَّفة، ولا تبنى الأعمال الصالحة والمدنية الفاضلة إلا على أساس العقيدة القيمة: وإذا كان في الأنابيب حيف ... وقع الطيش في صدور الصِّعاد (١) وإذا نظرت إلى هذه الأمم من الوجهة الاجتماعية والخلقية، وجدتها في تمزق وفساد، حتى الأمتين اللتين كانتا على أثارة من العلم أو المدنية، وهما: الفرس، والروم. فالأمم إذاً في حاجة شديدة إلى دعوة دينية صحيحة تنقذها مما هي فيه من شقاء، وتهديها الصراط السوي الذي يكفل لها السعادة في الآخرة والأولى، فكان من مقتضى الحكمة دعوة الناس- على اختلاف شعوبهم وقبائلهم- إلى الدخول في دين واحد، والسير على أصول شرع ثابتة، وذلك الدين هو الإسلام، وتلك الأصول هي أصول شريعته المحكمة، فكان من

стр. 1018

مزايا الرسالة المحمدية: أن جاءت لهداية أمم الأرض قاطبة. ولعموم رسالته ﷺ دعا العرب، وبث فيهم هداة، ثم بعث رسلاً من أصحابه إلى ملوك من غير العرب، وكتب معهم كتباً يدعوهم فيها إلى الإسلام، فبعث دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر (ملك الروم)، وبعث عبدالله بن حذافة السهمي إلى كسرى (ملك الفرس)، وبعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي (١) (ملك الحبشة)، وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس (ملك الإسكندرية). ولعموم رسالته ﷺ ، وعدم اختصاصها بقوم دون قوم، جاءت شريعته حافظة بنصوصها وأصولها لصالح كل الأوطان، متقاربة أو متباعدة. يعرف هذا حق اليقين من درس الشريعة، وألم بجانب من تاريخ القضاء والفتوى في الإسلام. * دوام شريعته وختمه للنبوة: عرفت أن الإسلام دين عام، لا تختص هدايته بأمة دون أمة. وهو - بعد هذا- دين خالد، لا يخلفه دين، ولا يطرأ على شريعته نسخ. ولخلود هذا الدين، وتوجه دعوته إلى الناس جيلاً بعد جيل، جعل الله فيها آيات صدق المبعوث به آية قائمة ما قامت السماوات والأرض، تعيها الأسماع، وتجول فيها الأنظار، وتستضيء بها الأبصار، وهي: القرآن الحكيم. ولبقاء شريعته إلى يوم البعث كانت نصوصها وأصولها موافقة لما يقتضيه حال كل عصر. وكيف لا تكون كذلك، وهي قائمة على قواعد، منها:

стр. 1019

"الضرر يزال"، و"المشقة تجلب التيسير"، و"الأعمال بمقاصدها"؟. وإذا كانت آية صدق النبي ﷺ باقية، ودينه قيماً، وشريعته كافلة لمصالح العصور ما تجددت، كان ختمه للنبوة على وفق الحكمة البالغة، قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. وقال ﷺ : "وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبوة" (١). وقال ﷺ : "إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي، ولا نبي (٢) "، إلى غير هذا من الأحاديث البالغة مبلغ التواتر المفيد للقطع. ومن قرأ التاريخ في الزمن البعيد أو القريب، ومرّ فيه على قصص الأشخاص الذين ادعوا النبوة من بعده ﵊، وجدهم أخف الناس عقولاً، وأسخفهم أقوالاً، وأبعدهم عن الفضل مكاناً، وسرعان ما تنكشف سرائرهم، ويظهر - حتى لغير النبهاء من الناس - زورهم، وتنتهي بالخيبة دعايتهم، ولا يبقى من آثارهم سوى نوادر يتفكه بها السّمار ترويحاً عن خواطرهم. * خلقه ﵊ وآدابه: أدلك على أخلاقه العظيمة، وآدابه السنية بكلمة: هي أن كل خلق عظيم، أو أدب سني ورد في القرآن الحكيم، قد تحلى به الرسول الاكرم، وصار مثاله الأكمل الذي يتأسى به مريدو الفضيلة، وبغاة الأدب النبيل.

стр. 1020

ولعلك تعلم - كما أعلم - أن الذكر الحكيم لم يغادر خلقاً كريماً، ولا أدباً سامياً، إلا نبه على مكانه، وحث على التجمل به. فإذا قرأت في كتاب الله آية ترشد إلى خلق مثل الصبر، أو الحلم، أو الجود، أو الشجاعة، أو العدل، أو الصدق، أو الحياء، أو الزهد، أو الوفاء بالعهد، فاقطع بأن هذا الخلق قد أخذ من نفس سيدنا محمد ﵊ المكانة التي لم يأخذها في نفس من سبقه من العظماء، ومن جاء بعده. وإذا قرأت في كتاب الله آية ترشد إلى أدب جميل؛ مثل: استئذان الرجل عند دخول بيت مسكون غير بيته، أو جدال المخالفين بالتي هي أحسن، أو المشي على الأرض هوناً، أو غض الصوت ورفعه عند الخطاب بقدر الحاجة، فتيقن أن هذا الأدب داخل في آداب رسول الله ﷺ التي لم تكن تاخذه عنها غفلة. لا أقول هذا مستنداً إلى مجرد أنه المبلِّغ للقرآن، وشان المبلغ للقرآن أن يكون متحلياً بما فيه من مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، بل أستند إلى هذا، وأستند إلى ما يصفه به القرآن من مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. ثم أستند إلى كتب السنة الصحيحة؛ فإنك إذا جئتها، بهرت قلبك بما تقصه عليك من أخلاقه الكريمة، وآدابه الآخذة بالألباب. فتراه ﷺ يلقى الخطوب بعزم لا يهن، ويحتمل البلاء بصير لا يتزلزل. وحسبك شاهداً على هذا: ما كان يلاقيه قبل الهجرة من أذى المشركين، ثم ما كان يلاقيه في بعض غزواته من شدائد، فلا يكون من ذلك الأذى، ولا تلك الشدائد إلا أن تزيد عزمه صرامة، وصبره قوة. وتراه ﵊ متواضعاً في غير تصنع، فحاله مع

стр. 1021

المستضعفين يوم كان يدعو الله وحيداً، وسفهاء الأحلام بمكة يسومونه الأذى، هو حاله بعد هجرته، وانتصاره على أعدائه، ودخول الناس في دين القيمة أفواجاً. ومن المعروف في سيرته: أنه كان يجلس حيث ينتهي به المجلس، ويعطي كل واحد من جلسائه نصيبه، حتى لا يحسب جليسه أن أحداً كرم عليه منه، ولا يقطع عن أحد حديثه حتى يتجوزه (١)، فيقطعه بانتهاء أو قيام. وإذا استقبله الرجل فصافحه، لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده، ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون الرجل هو الذي يصرف وجهه. وقال أنس بن مالك: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقاً، وإن كان ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: "يا أبا عمير! ما فعل النغير (٢)؟ ". وتراه ﷺ زاهداً في متاع هذه الحياة، غير حافل بزينتها وملاذها. أقبلت عليه الدنيا، ولا سيما بعد فتح مكة، فلم يتحول عن سيرته في المأكل والملبس وأثاث المنزل مثقال ذرة، فهذه عائشة أم المؤمنين- ﵂ تقول: "ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدم المدينة من طعام بر ثلاثة ليال تباعاً حتى قبض (٣) "، وقالت: "ما أكل آل محمد ﷺ أكلتين في يوم واحد إلا إحداهما تمر (٤) "، وقالت: "كان فراش النبي ﷺ من أدم، حشوه ليف".

стр. 1022

ويروي لنا الإمام البخاري في "جامعه الصحيح": أن عمر بن الخطاب دخل على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على رمال (١) حصير، ليس بينه وبينه فراش، قد أثر الرمال في جنبه، متكئاً على وسادة من أدم حشوها ليف، ثم قال له عمر: "يا رسول الله! ادع الله لنا فليوسع على أمتك؛ فإن فارس والروم قد وسع عليهم، وأعطوا الدنيا، وهم لا يعبدون الله"، فجلس النبي ﷺ ، وكان متكئاً، فقال: "أو في هذا أنت يا بن الخطاب؟! إن أولئك قوم قد عجلوا طيباتهم في الحياة الدنيا". وتراه يك ﷺ رحيم القلب، محباً للرفق، طلق المحيا. ومن المعروف في سيرته: أنه ما ضرب أحداً قط بيده، ولا امرأة، ولا خادما، إلا أن يجاهد في سبيل الله. وممن روى لنا مثلاً من رحمته: مالك بن الحويرث، قال: أتينا رسول الله ﷺ ونحن شببة (٢) متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، فظن أننا اشتقنا أهلنا، وسألنا عمن تركناه وراءنا من أهلنا، فاخبرناه- وكان رفيقاً رحيماً -,فقال: "ارجعوا إلى أهليكم، فعلموهم، ومروهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي (٣) ". فقوله: "وكان رفيقاً رحيماً" كلمة لا يقولها قائلها في مثل هذا المقام إلا بعد أن تقوم له شواهد على رفق رسول الله ﷺ ورحمته من غير هذه الواقعة. ومن شواهد ملاقاته للناس ببشر وطلاقة محيا: ما نقرؤه في جامع

стр. 1023

الترمذي" من حديث عبدالله بن جزء، إذ قال: "ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله ﷺ ". وقال جرير بن عبدالله البجلي: "ما حجبني (١) رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا ابتسم". وكان ﷺ مطبوعاً على خلق الحلم، والعفو مع القدرة على الانتقام. وفي" صحيح الإمام البخاري ": "وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء قط، إلا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله". والحوادث التي شملها عفوه الكريم، ودلت على حلمه المنقطع المثيل، مبثوثة في كتب الحديث والسيرة. وأسوق لك منها قصة رواها الإمام مسلم وغيره من كبار المحدثين، وهي: أنه هبط على رسول الله ﷺ وأصحابه ثمانون رجلاً من أهل مكة في السلاح من قبل جبل التنعيم يريدون غِرَّة رسول الله ﷺ ، وما كان إلا أن أُخذوا في الأسر، ثم عفا عنهم. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه القصة بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤]. ومن المعروف في السيرة: أنه كان يصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، قال أنس: "كنت أمشي (٢) مع النبي ﷺ ، وعليه بُرد نجراني، غليظُ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه بردائه جبذة شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي ﷺ وقد أثرت فيها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال الأعرابي: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك،

стр. 1024

ثم أمر له بعطاء". وكانت يداه ﷺ مبسوطتين بالبذل في وجوه الخير، ينفق ما يؤتيه الله من مال في إعلاء كلمة الله، ويؤثر به ذوي الحاجات من الفقراء وأبناء السبيل، قال ابن عباس ﵁ "كان النبي ﷺ أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، ورسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة" (١). وكان ﷺ يجمع إلى الجود والسخاء: شجاعة، ورباطة جأش، قال علي- كزم الله وجهه-: "وانا كنا إذا حمي الباس، واحمرت الحدق، اتقينا برسول الله ﷺ ، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه (٢). وكذلك الداعي إلى الحق، ولا سيما المعهود إليه بابلاغه وتنفيذه: لابد من أن يكون شجاعاً رابط الجأش، على قدر شدة المدعوين، وصعوبة مراسهم، وعلى قدر عظم الحق ومخالمفته لمللهم وعاداتهم وأهوائهم، فإذا أودع الله تعالى قلب محمد ﷺ وشجاعة وسكينة في مواضع الخطوب، فلا جرم أن يكون نصيبه من هذه المزية أعظم نصيب؛ إذ لا أشد من مراس الأمة التي ابتدأ بإنذارها، وهي الأمة العربية، وفي دعوة الإسلام قضاء على مللهم، وذم لمعبوداتهم، وإبطال كثير من عاداتهم، وصرف لهم عن أهوائهم. وكان ﷺ مطبوعاً على خلق الحياء الذي علمنا أنه من خلق الإسلام، بقوله: "لكل دين خلق، وخلق الإسلام الحياء" (٣).

стр. 1025

ومن أثر هذا الخلق الكريم: أنه كان لا يواجه أحداً في وجهه بشيء يكره (١)، وإذا بلغه عن أحد شيء يستحق الزجر، لم يذكر اسمه، وإنما يورد الزجر في خطاب عام؛ كما قال: "ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله؟! ". وكان ﷺ مع تواضعه ورفقه ورحمته وحلمه وحيائه-، يملأ القلوب مهابة وإكباراً، فقد ورد في وصف مجلسه: أنه كان إذا تكلم، أطرق جلساؤه كانما على رؤوسهم الطير، وإذا سكت، تكلموا، ولا يتنازعون عنده الحديث، ومن تكلم عنده، أنصتوا له حتى يفرغ حديثه. * اجتهاده ﵊ في عبادة ربه: قد رأيت من الفصل السابق كيف كانت صلته ﵊ بالخليقة، وعرفت أنها كانت عامرة بالرفق والرحمة والإحسان. ونريد أن نحدثك في هذا الفصل عن صلته بربه، وصرفه الجهد في حسن طاعته: تحدثنا الروايات الصحيحة: أنه كان ﷺ مسلِّماً وجهه إلى الله تعالى، مملوء القلب بخشيته، وموصول الهمة بعبادته، فكان ﵊ يقوم بالدعوة، ويضيف إلى هذا العمل العظيم: التقرب إلى الله تعالى بالذكر والصلاة والصيام وتلاوة القرآن. وكان يتهجد بالليل على وفق قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. روى الإمام البخاري في "جامعه الصحيح" عن المغيرة بن شعبة: أنه

стр. 1026

قال: "أن كان النبي ﷺ ليقوم ليصلي حتى ترم (١) قدماه، فيقال له، فيقول: "أفلا كون عبداً شكوراً؟ ". وكان يخص رمضان من العبادة بما لا يخص غيره من الشهور: فيكثر فيه من تلاوة القرآن، والصلاة، والذكر، والاعتكاف. وما كان يخرج عنه شهر حتى يصوم منه، وربما صام أياما متتابعة، حتى يقال: لا يفطر. وكان يواصل (٢) الصوم في رمضان؛ ليوفر ساعات ليله ونهاره على العبادة. وكان ينهى أصحابه عن الوصال، فيقولون له: إنك تواصل، فيقول: "لست كهيئتكم: إني أبيت عند ربي فيطعمني ويسقيني"، والمراد من إطعام الله وسقيه: ما يغذيه به من المعارف، وما يفيضه على قلبه من لذة المناجاة. وورد في السيرة: أنه كان لا يجلس ولا يقوم إلا عن ذكر الله. وكان روح عبادته الإخلاص، يصلي في حجرته نافلة كما يصلي في المسجد، ويذكر الله خاليا كما يذكره في جماعة، ويعمل له في السر كما يعمل في العلانية. وقد اعترف كثير من علماء أوروبا في مؤلفاتهم ببلوغه ﵊ أقصى درجة في الاستقامة وكمال الأخلاق، وعني كثير من الكتاب بنقل هذه الشهادات المملوءة بإكبارهم له ﵊، وشدة إعجابهم بما أفاضه على العالم من إصلاح. * أثر دعوته في إصلاح العالم: ظهرت دعوة الإسلام في الأمة العربية، فكان لدعوته أثر كبير في تقويم

стр. 1027

عقائدها، وتهذيب أخلاقها، وتوثيق عرا وحدتها، وإصلاح حال اجتماعها، فأصبحت رشيدة بعد غواية، ومتحدة بعد تفرق، وعالمة بعد جهالة، وعاملة بعد بطالة، وعزيزة الجانب بعد أن كان الفرس والروم يسيطرون على بعض أطرافها. رفعت دعوة الإسلام الأمة العربية من حضيض الشقاء إلى أوج السعادة في سنين معدودة، ثم ارتفع صوت هذه الدعوة المباركة حتى وصل إلى أقصى الغرب، ثم إلى أقصى الشرق، وكانت هذه الدعوة تجد أينما جاءت عقائد فاسدة، ومزاعم ملفقة، وعادات ممقوته، وأهواء طاغية، فتزيح كل هذه الأرجاس من طريقها، فإذا القرآن يتلى، والسنّة النبوية تروى، وأولئك الدعاة يقيمون من إيمانهم الصادق، وعملهم الصالح، وخلقهم العظيم، مثلاً كاملة، فلا تلبث تلك الشعوب أن تعمل على طرق الهداية التي قرر أصولها القرآن، وفصلتها السنة النبوية، وسار عليها أولئك الدعاة المصلحون. وإذا كان بعض تلك الشعوب؛ كالفرس والروم على شيء من علم أو مدنية، فإن حالتهم النفسية كانت في هبوط، وشؤونهم الاجتماعية كانت في اختلال، ودعوة الإسلام هي التي سمت بهم كما سمت بغيرهم من الشعوب إلى التوحيد الخالص. وطهرت نفوسهم من المزاعم الملقية في زراية، وجعلتهم يعبدون الله تعالى كما أمر، ويتقربون إليه بما يرضى. ولو عمدنا إلى هذه الشعوب التي صارت إلى الاسلام، وأخذنا نقيس حياتها غير الإسلامية بحياتها الإسلامية، لوجدنا الفرق بين الحياتين كالفرق بين الظلمات والنور، أو الظل والحرور. وإذا شئت أن تقف على شاهد لما استفاده العقل والعلم من دعوة

стр. 1028

الإسلام، فانظر إليها كيف رفعت مقام العقل، وحثت على إعماله في النظر والبحث، والوثوق بما يدركه من نتائج، وما يجنيه من ثمرات، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥]. وانظر إلى الدعوة كيف تنوه بشأن العلم، وترشد إلى الاعتماد على آراء العلماء فيما تناله عقولهم، ويدخل في دائرة بحثهم، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]. وعدّ علماؤنا فيما يجب أن تقوم به طائفة من الأمة كلَّ علم يتوسل به إلى معرفة حق، أو إقامة مصلحة؛ كالهندسة والحساب، والميقات والجغرافية. نهض الإسلام بالعقول من وهدة الخمول، وأذن لها أن تبحث في كل علم، وتذهب في البحث كل مذهب، فوجدت الأمم من العرب وغير العرب في هذه السماحة ما أثار نشاطهم للبحث في كل ناحية من نواحي العلم، فلم يلبثوا أن جمعوا القرآن الكريم في مصحف، ودونوا الحديث النبوي بعد أن كان محفوظاً في الصدور، وكتبوا في تفسير القرآن، وشرح السنّة النبوية، وحققوا النظر في تقرير أصول الفقه، وحرروا وجوه استنباط الأحكام العملية، ووضعوا إزاءها العلوم العربية؛ من: النحو، والصرف، والبيان، وفقه اللغة. ودرسوا العلوم النظرية المعربة عن الكتب اليونانية وغيرها، فاصبحت بلاد الإسلام- ولاسيما عواصم الممالك؛ كبغداد، وقرطبة، ومصر، ودمشق، وتونس - موارد العلوم الإسلامية والأدبية والكونية. ومن هذه الموراد استمدت الأمم الأوروبية معارفها وفنونها. وقد اعترف بهذا كثير من علماء أوروبا المنصفين، قال الأستاذ (بريفولت الإنجليزي) في

стр. 1029

كتابه "تكوين الإنسانية" في القرن التاسع: "تعلم كثير من المسيحيين عند علماء الإسلام". وقال: "إن رئيس دير كلوتي تأسف على أن رأى أثناء إقامته في الأندلس الطلبة من فرنسا وألمانيا وإنكلتر يردون أفواجاً إلى المراكز العلمية العربية". وقال: "فالعلم هبة عظيمة الشأن جادت بها الحضارة العربية على العالم الحاضر". ولم يكن فضل الإسلام على أوروبا من ناحية العلم فقط، بل كان له الفضل في نهضتها المدنية، قال الأستاذ (بريفولت) في الكتاب المذكور: "لم تكن إيطاليا مهداً لحياة أوروبا الجديدة، بل إسبانيا (الأندلس)؛ لأن أوروبا كانت بلغت أشد أعماق الجهل والفساد ظلمة، بينما العالم العربي: بغداد، والقا هرة، وقرطبة، وطليطلة، كانت مراكز الحضارة والنشاط العقلي، ومن ثم ظهرت الحياة الجديدة التي نمت في شكل ارتقاء إنساني جديد". وخلاصة الفصل: أن دعوة خاتم النبيين ﷺ قد أتت العالم بضروب خطيرة من الإصلاح لم تأته بها دعوة سبقتها أو تأخرت عنها؛ فما يوجد في العالم من هداية صادقة، أو علوم نافعة، أو مدنية فاضلة، فإنما يرجع الفضل فيه لدعوة هذا الدين القويم. فليرفع الفتى المسلم رأسه معتزاً بدين رفع الإنسانية من حضيض الجهل إلى أوج العلم، وهداها سبل السعادة الباقية، والمدنية المهذبة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣].

стр. 1030

صبر محمد ﵇ ومتانة عزمه (١) نحمدك اللهم على أن هديتنا صراطاً سويا، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد الذي أنزلت عليه قرآنا عربياً، ورفعته في سماء السيادة والعظمة مكاناً عَلِيّا، وعلى آله وصحبه وكل من دعا إلى سبيلك مخلصاً تقياً، أما من زاغ عن الهدى، أو اتخذ من المضلين عضداً، فإليك إيابه، وعليك حسابه. أيها السادة! نحتفل بذكرى مولد أكمل الخليقة، وانما نحتفل بمطلع الهداية التي أخرجت العالم من الظلمات إلى النور، وعلمت البشر من وجوه الحكمة مالم يكونوا يعلمون. وخير الاحتفال بذكرى مولد المصطفى: أن نلقي على حضراتكم كلمات نقتبسها من سيرته السنية، وخلقه العظيم، وقد اخترت أن أجعل تذكرة بسعة صبره، ومتانة عزمه؛ فإنهما من أسمى الخصال التي بلغ بها الغاية من الدعوة، وما كان محمد ﷺ يدعو إلا إلى سعادةٍ وإصلاحٍ ونظام. أوحى الله إلى محمد ﷺ ما أوحى، فكان نور اليقين يسعى بين يديه، ويسيربه في سبيل الدعوة، فلا يسأم ولا ييئس، ولا يرهب سطوة غير سطوة

стр. 1031

الخالق، ولا يخشى. يتجلى صبر محمد ﷺ في استقامته كما أمره الله، ومواصلته العبادة آناء الليل وأطراف النهار، فقد كان- صلوات الله عليه- يقوم الليل ناسكاً متهجداً. وكان هذا القيام في حقه أمراً مفترضاً عليه. يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٤]. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]،. وفي حديث المغيرة المروي في "صحيح البخاري": "إن كان النبي ﷺ ليقوم ليصلي حتى ترم قدماه، فيقال له، فيقول: أفلا كون عبداً شكوراً؟ ". وسئلت أم المؤمنين عائشة عن عمل رسول الله ﷺ ، فقالت: كان عمله ديمة، وأيكم يطيق ما كان رسول الله ﷺ يطيق؟. ولو لم يكن محمد - صلوات الله عليه - مخلصاً فيما يفعل، صادقاً فيما يبلغ، لما استطاع أن يملأ الليل والنهار بعبادات يأخذ بها نفسه في الحضر والسفر، ويقوم بها في العلانية كما في حجرته وأهلُ الحجرة نائمون. وقد خطر على أذهان بعض الصحابة أنهم في حاجة إلى أن يُجهدوا أنفسهم في العمل الصالح أكثر مما يجهد رسول الله نفسه؛ بحجة أن الله اصطفاه برسالته، وخلع عليه من حلل رضوانه، فهو مغفور له، ومحمود المقام عند الله على أي حال، ذكروا هذا الخاطر في حضرة الرسول، فقابله بالغضب، وأرشدهم إلى أن العبادة والتقوى على قدر المعرفة بالله، وأنه أتقاهم لله، وأعلمهم به، وفي "صحيح البخاري": "كان إذا أمرهم، أمرهم من الأعمال بما يطيقون، قالوا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله؛ إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك

стр. 1032

وما تأخر، فيغضب حتى يُعرف الغضب في وجهه، ثم يقول: "إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا". ولو لم يكن محمد ﷺ مخلصاً فيما يفعل، صادقاً فيما يبلغ، لكان شأنه أن يرتاح لخاطر كهذا، ويتكئ عليه في الإقلال من العبادة، فيخفف عن نفسه شيئاً من حملها الكبير. يُعلِّم محمد ﷺ بسيرته عظماء الرجال: أن القيام على العبادة الخالصة لا يبطئ بالرجل أن يكون فاتحاً مظفراً، أو سياسياً راشداً، أو طامحاً إلى همم تطلع وتغرب من تحتها كواكب الجوزاء، بل إن تقوى الله بحق هي أساس كل عزة وعظمة. يتجلى صبر محمد ﷺ ، وشدة عزمه في احتمال ما تجري به صروف الأقدار من الشدائد والخطوب؛ فإنه كان يتلقاها بقلب لا يخضع للنوائب، وعزم تزول الراسيات ولا يزول، وأقرب مثل نسوقه على هذا الخلق الجليل: واقعة أحد التي قضى الله بأن يبلو فيها المسلمين، ويميز بها المنافقين من المؤمنين، فقد لقي فيها رسول الله بأساً شديداً، وكسرت فيها ربَاعيته، وجرحت وجنته وشفته، وجشت ركبته، حتى اضطر أن يؤدي الصلاة في ذلك اليوم جالساً، وقتل عمه حمزة بن عبد المطلب، ومُثل فيه أفظع تمثيل، ولكنه حذر ﵊ أن يظن المشركون به وبأصحابه وهناً، وتدور نشوة الانتصار في رؤوسهم، فيهموا بالعودة إلى المدينة، ويطمعوا في استئصال من فيها من المسلمين، فقصد إلى أن يريهم قوة وعزماً، فبعث في الغد من ينادي في الناس بطلب العدو، ويؤذنهم أن لا يخرج معه إلا من شهد الوقعة بالأمس، فانتدب منهم سبعين رجلاً، فخرج بهم يقفو أثر القوم حتى بلغ القوم

стр. 1033

مكاناً يقال له: "حمراء الأسد"، فألقى الله الرعب في قلوب المشركين، فانصرفوا إلى ديارهم، وانقلب رسول الله والذين معه إلى المدينة وقد أمنوا ما كانوا يحذرون. يُعلِّم محمد ﷺ بسيرته المجاهدَ في سبيل الحق أن يثبت في وجه أشياع الباطل ولا يَهن في دفاعهم وتقويم عوجهم، ولا يهوله أن تقبل عليهم الأيام، فيشتد بأسهم، ويجلبوا بخيلهم ورجالهم، فقد يكون للباطل جولة، ولأشياعه صولة، أما العاقبة، فإنما هي للذين صبروا والذين هم مصلحون. يتجلى صبر محمد ﷺ وقوة عزمه ساعة يعتدي عليه السفهاء من خصوم هدايته، فإنه كان ﷺ يقابل أذاهم بالتجلد، والمضي في الدعوة كيف يشاء، ولشدَّما لقي من الأذى، فلم يحجم به يوماً عن أن يصدع بما أمره الله، ولم يحجم به يوماً عن أن يضرب بالدعوة في وجوه أولئك الجبابرة، وهذه السيرة تعلِّم الناهضين بالأمم إلى مراقي الفلاح كيف يؤثرون الحق على أنفسهم ومن في الأرض جميعاً. ولا أدل على عظمة الرجل من أن يستبين سبيل الرشد، فيسلكها في سكينة وقرارة جأش، ثم لا يبالي عبث المستهزئين، وما يعترضه من أذى المبطلين. يتجلى صبر محمد ﷺ وقوة عزمه في إقدامه على همم لا تدرك إلا بمعاناة مصاعب واقتحام أخطار. له همم لا منتهى لكبارها ... وهممته الصغرى أجلُّ من الدهر بلغه ﷺ أن الروم ومن يظاهرهم من قبائل العرب المتنصرة أخذوا يتأهبون للزحف عليه بالمدينة، فنادى بالنفير العام، وانبعث في سفر بعيد

стр. 1034

الشقة إلى أن وطئ أرض الروم، فخالط قلوبهم رعب، وجنحوا للسلم، فجنح لها، ووادعهم إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً. يُعلّم محمد ﷺ بمثل هذه الغزوة رؤساء الشعوب أن لا يقعد بهم حب الراحة والنعيم العاجل، ويغيبوا عما وراء بلادهم حتى يطل عليهم العدو بخيله ورجله، ويصب عليهم من سيطرته عذاباً مهيناً. يتجلى صبر محمد ﷺ وقوة عزمه في أقوال يتبرأ من أن يصرفه عن الدعوة إلى الدين الحنيف صارف، وهو الذي يقول: "والله! لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته". بمثل هذا الكلم النوابغ يعلم محمد ﷺ دعاة الإصلاح من بعده أن يكونوا من العزم الصامت بحيث يمضون في سبيلهم مضي الشهاب الثاقب، ولا يتردد بهم في هذا السبيل أن يصانعهم الذين لا يحبون الناصحين، ولو ملؤوا ما بين أيديهم لجيناً وعسجداً. وإذا كان الرفق والأناة شعبة من شعب الصبر، فكان محمد - صلوات الله عليه - يقابل الإساءة بالرفق والأناة. نقرأ في "صحيح البخاري": أن رجلاً أتى النبي ﷺ يتقاضاه، فأغلظ له في القول، فهّم به أصحابه، فقال: "دعوه؛ فإن لصاحب الحق مقالا". ونقرأ في "صحيح البخاري": أن رهطاً من اليهود دخلوا عليه، وقالوا: " السام عليكم" محرفين كلمة "السلام" إلى "السام"، والسام: الموت، فلم يزد رسول الله على أن قال: "وعليكم"، ولما ردت عليهم أم المؤمنين عائشة بقولها: "وعليكم السام واللعنة"، قال لها: "مهلاً يا عائشة، إن الله يحب

стр. 1035

الرفق بالأمر كله". ونقرأ في "صحيح البخاري": أن عائشة بنت الصديق تصف رسول الله، فتقول: "والله! ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط، حتى تنتهك حرمات الله، فينتقم له". ونحن إذا تقصينا سيرته بحثاً وتنقيباً، وجدناها مصدقة لما وصفته به أم المؤمنين من الرفق والحلم، فما عاقب ﵊ أحداً مسه بأذى، ولا اضطغن على أحد أغلظ له في القول، بل كان يلاقي الإساءة بالحسنى، والغلظة بالرفق، إلا أن يتعدى الشر، فيلقي في سبيل الدعوة حجراً، أو يحدث في نظام الأمة خللاً. فلمحمد ﷺ يومئذ شأنه الذي يقول فيه: "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمد يدها". فهذه السيرة ترشد رئيس القوم إلى أن يوسع صدره لمن يناقشه ويجادله، ولو صاغ أقواله في غلظ وجفاء، فسيرة رسول الله هي التي علمت معاوية ابن أبي سفيان أن يقول: والله! لا أحمل السيف على من لا سيف له، فإن لم يكن من أحدكم سوى حكمة يقولها ليشتفي بها، فإني أجعل له ذلك دُبْرَ أذني، وتحت قدمي. فمحمد ﷺ الذي قرر الحرية في الأموال والأنفس والأعراض، قد قرر الحرية في نقد أعمال الرعاة المسؤولين، فحقيق على عشاق الحرية الفاضلة أن يحتفلوا بذكرى مولد النبي الذي جامل من أغلظ له في القول، وقال لأصحابه: "دعوه؛ فإن لصاحب الحقِّ مقالاً".

стр. 1036

الهجرة النبوية (١) تنفس الإسلام في بطاح مكة، فاعتنقه فريق من ذوي العقول السليمة، وما لبث عبّاد الأوثان أن قاموا يؤذونهم في أنفسهم، ويأبون لهم أن يقيموا شعائر دينهم، ولقد كان هؤلاء المسلمون على إيمان أجلى من القمر يتلألأ في سماء صاحية، فاحتملوا ذلك الأذى بصبر وأناة، وكانت مظاهر أولئك الطغاة حقيرة في أعينهم، منبوذة وراء ظهورهم. وكذلك الإيمان تخالط بشاشته القلوب، فيخلق من الضعف عزماً، ومن الخمول نهوضا، ومن الجزع صبراً، ومن الياس أملاً، ومن الجبن شجاعة، ومن الذلة عزّاً. فإذا رأيتم الرجل يتضاءل أمام المترفين صَغاراً، أو يحثو في آذان المضلين إطراء وملقاً، فاعلموا أنه في حاجة إلى الإيمان يطبعه على متانة وصدق ووقار. يجهل الجاحدون على المؤمنين، ويمكرون بالمصطفى ﷺ ما استطاعوا إلى المكر به سبيلاً، حتى إن قريشاً وبني كنانة اجتمعوا في خَيْف بني كنانة،

стр. 1037

وتحالفوا على بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، حتى يسلموا إليهم النبي ﷺ ، ويرفعوا أيديهم عن جماعته. وهذا ما يشير إليه رسول الله في قوله عند فتح مكة: "غداً منزلنا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر". قضى ﵊ في سبيل الدعوة بمكة ثلاثة عشر حولاً وهو يلاقي نفوساً طاغية، وألسنة ساخرة، وربما لقي أيدياً باطشة، وكان هيناً على الله أن يصرف عنه الأذى جملة، ولكنها سنّة الابتلاء يؤخذ بها الرسول الاكرم؛ ليستبين للناس صبره، ويعظم عند الله أجره، وليتعلم دعاة الإصلاح بحق كيف يقتحمون الشدائد، ويستهينون بما يعترضهم من الأذى، صغيراً كان أم كبيراً. وما كان محمد - صلوات الله عليه - خاملاً، فيطلب بهذه الدعوة نباهة شأن ووجاهة؛ فإن في شرف أسرته وبلاغة منطقه وكرم خلقه ما يكفيه لأن يحرز في قومه الزعامة لو يشاء، وما كان محمد - صلوات الله عليه - مقلاً حريصاً على بسطة العيش، فيبغي بهذه الدعوة ثراء؛ فإن عيشه يوم كان الذهب يُصب في مسجده ركاماً لا يختلف عن عيشه، فيلاقي في سبيل الدعوة أذى كثيراً. وكان من تدبير الله الحكيم أن قدم مكة قوم من الأوس والخزرج، فشرح الله صدورهم للإسلام، وبايعوا الرسول ﵊ على أن يكونوا أنصاره إلى الله؛ كما قال قائلهم: نحن الذين بايعوامحمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا فكفى الله رسولَه والمؤمنين بأس خصومهم الألداء، وهيأ لهم من أمر

стр. 1038

الهجرة سبباً. أحسّ زعماء قريش بهذه المبايعة ذات الأثر الخالد العظيم، وانتهى بهم الحال أن ائتمروا برسول الله ﷺ ليعتقلوه، أو يقتلوه، أو يخرجوه، وقد جاء نبأ هذه المؤامرة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠]. أخرج كل ما في كنانته من رأي، وأجمعوا على أن يطلقوا سيوفهم تخوض في دمه الطاهر انتقاماً لأحجار ينحتونها بأيديهم، ويظلون لها من دون الله عابدين. وأوحى الله إلى رسوله ما أوحى، فبارح مكة من حيث لا تراه أعينهم، وحل بالمدينةِ حلول القمر الزاهر في كبد السماء. حل رسول الله بالمدينة حلول الغيث بالبلد الطيب، فإذا الحكمة تدني قطوفها، وإذا الخطب تأخذ المسامع بروعتها، وإذا صيحة الأذان تشق الجو حتى تبلغ غايتها. وكذلك تكون عاقبة الحق حينما يشتد أعوان الباطل في إطفاء نوره، وقطع سبيله. فإذا كان اليوم الذي خرج فيه رسول الله من مكة يوماً عابساً كثيباً، فإن اليوم الذي قدم فيه المدينة يوم مشرق الطلعة، باسم الثغر، واضح الجبين. * لماذا جعلت الهجرة النبوية مبدأ التاريخ في الإسلام ؟ شعر الناس في عهد الفاروق ﵁ بالحاجة إلى تأريخ الرسائل وما يكتبون، فاستطلع عمر آراء ذوي الرأي منهم، فأشار بعضهم بأن يقام التاريخ على

стр. 1039

عام البعثة؛ لأنه الحين الذي بزغ فيه كوكب الهداية والعلم. وأشار آخرون بأن يكون مبدأ التاريخ (١) عام الهجرة، فوقع اختيار عمر على هذا الرأي، وقال: "الهجرة فرقت بين الحق والباطل، فأرخوا بها". اختار الفاروق أن يقام التاريخ على الهجرة الشريفة، وذكر في وجه هذا الاختيار: أنها فرقت بين الحق والباطل، وهذه كلمة تومئ إلى فضل الهجرة، وما كان لها من الأثر في ظهور الإسلام، وإقبال الناس عليه جهرة لا يخشون إلا رب العالمين. كان الحق بمكة مغموراً بشغب الباطل، وكان أهل الحق في بلاء من أهل الباطل شديد، والهجرة هي التي رفعت صوت الحق على صخب الباطل، وخلصت أهل الحق من ذلك البلاء الجائر، وأوردتهم حياة عزيزة ومقاماً كريماً. وإذا كانت البعثة مبدأ الدعوة إلى الحق، فإن الهجرة مبدأ ظهوره، والعمل به في حالتي السر والعلانية، ولا يبلغ قول الحق غايته، ويأتي بفائدته كاملة إلا أن يصبح عملاً قائماً، وسيرة متبعة، انظروا إلى عمر بن الخطاب كيف يقول لأبي موسى الأشعري في رسالة القضاء: "وإذا تبين لك الحق، فانفذ؛ فإنه لاينفع تكلم بحق لا نفاذ له". فالهجرة راشت جناح الإسلام، فذهب يحلِّق في الآفاق ليمحو آية الضلالة، ويجعل آية الهداية مبصرة، اقرؤوا إن شئتم قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ

стр. 1040

سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠]. فإنكم تجدون الآية الكريمة تذكر شيئاً من أمر الهجرة النبوية، وتعد في النعم الجليلة المترتبة عليها: جعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا. علت كلمة الله حقاً، وإنما علت على كاهل تلك الدولة التي قامت بين لابتي (١) المدينة، وبسطت سلطاناً لا تستطيع يد المخالفين أن تمسه من قريب ولا من بعيد. ومن حسنات الهجرة: تلك الأحكام المدنية، والنظم القضائية، والأصول السياسية؛ فإنها كانت تنزل بالمدينة حيث أصبح المسلمون في كثرة، وصاروا من المنعة بحيث يأخذونها بقوة، ويقومون على إجرائها يوم تنزل والناس يشهدون، ولو كان آخر عهد الوحي يشبه أوله، لم يزد الإسلام على أن يكون دعوة إلى عقائد وأخلاق، وشيء من العبادات. فالهجرة النبوية كانت مبدأ عظمة الإسلام، ومطلع حرية الأمة الإسلامية، فإذا أقمنا لذكرها هذه الحفلة السنية، فإنما نحتفل بذكرى اليوم الذي فرق الله فيه بين الحق والباطل، واليوم الذي استقل فيه المسلمون بأمرهم، ونالوا به الحرية في عبادة ربهم، وسعادة الأمة أن تسلم من كيد خصومها، وتقيم واجبات دينها، ولا تُغلب على حق من حقوقها.

стр. 1041

رفقه وحكمته البالغة في السياسة (١) كان أمراء الإسلام في الأندلس وغيرها من بلاد المغرب يقيمون بليلة الميلاد النبوي احتفالاً باهراً، ونجد في وصف احتفالاتهم: أن طائفة من العلماء الشعراء كانوا يلقون قصائد تحتوي جانباً من مكارم رسول الله ﷺ ، ويسلكون فيها آيات من آيات نبوته الصادقة. ومن هؤلاء الشعراء البلغاء: الوزير لسان الدين بن الخطيب، والوزير أبو عبدالله بن زمرك، والفيلسوف ولي الدين بن خلدون. ومن هذه القصائد: قصيدة لسان الدين بن الخطيب التي يقول في طالعها: ما على القلب بعدكم من جُناح ... أن يُرى طائراً بغير جناح ومنها قصيدة ابن زمرك التي يقول في طالعها: تأملَ أطلال الهوى فتألما ... وسيما الجوى والسقم منها تعلما ومنها قصيدة ابن خلدون التي يقول في طالعها:

стр. 1042

أسرفن في هجري وفي تعذيبي ... وأطلن موقف عَبرتي ونحيبي وأبينَ يوم البين وقفة ساعة .... لوداع مشغول الفؤاد كئيب وما برح أهل العلم يشهدون هذا الصنيع باستحسان، وينظرون إليه بعين راضية؛ إذ لا يزيد على إسماع الحاضرين كلماً طيباً من سيرة رسول الله ﷺ ، وتذكيرهم بشيء من دلائل نبوته الساطعة. فإذا احتفلنا في هذه الليلة بذكرى المولد النبوي، فإنما نأتي إلى سيرة الرسول الأكرم، ونقدم منها إلى هذه الحفلة مُثلاً عالية. السيرة النبوية بعيدة ما بين البداية والنهاية، فلا نحيط بآثارها ذكراً، ولا نستطيع لمواقع العبرة منها جمعاً، وإنما أقتبس منها كلمة أدلُّ بها على ما كان للمصطفى - صلوات الله عليه - من الرفق بالمستضعفين من الرجال والنساء، وكلمة أخرى أدل بها على ما كان له من الحكمة البالغة في السياسة. * رفقه بمن يسيئون إليه على جهالة: العربي في جاهليته سريع الغضب، حريص على الانتقام ممن يمسه بأذى، وهذه إحدى الخصال التي جعلت العرب قبل أن يستضيئوا بحكمة الإسلام في معزل عن السياسة- كما يقول ابن خلدون-، أما رسول الله، فقد نشا مطبوعاً على فضيلة الحلم والإغضاء، إلا أن تنتهك حرمات الله. نقرأ في الصحيح: أنه لما قفل ﵊ راجعاً من غزوة حنين، جاءه الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى شجرة، فخطفت رداءه، فوقف فقال: "أعطوني ردائي، فلو كان عدد هذه العضاه (١) نعماً، لقسمته

стр. 1043

بينكم، ثم لا تجدوني بخيلاً، ولا كذاباً، ولا جباناً". فهذا الأثر يدلنا على أنه - صلوات الله عليه - لم يكن ليقيم أعواناً يمنعون أمثال هؤلاء الأعراب من الوصول إليه، أو يفرقون جمعهم إذا أحاطوا به، وألحفوا في سؤاله، وتدلنا كلمة رسول الله على أنه لا يغضب غضب من تأخذه العزة بالإثم حين يتهافت عليه جماعة من الأعراب حتى يضطروه إلى شجرة تخطف رداءه. ونقرأ في الصحيح: أن أنس بن مالك يقول: "كنت أمشي مع النبي ﷺ ، وعليه رداء نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه جبذه شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي ﷺ قد أثرت فيها حاشية الرداء، ثم قال: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك. فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء". يبتسم لقوة أعرابي بسط يده إليه بجفاء، أما الطغاة أو البلغاء الذين يعثون في الأرض فساداً، فإنه يأخذ فيهم بسنة العزم، ويدع المجاملة والتبسم لهم في ناحية. كان الرئيس العربي يسرف في مصانعة ذوي الزعامة والنفوذ في قومه، ولا يؤاخذهم بما يجرمون؛ مخافة أن يشقوا عصا طاعته، ويزلزلوا أركان رياسته، ثم لا يبالي أن يذيق الضعيف الذي لا يؤبه له عذابا مهيناً. ولكن محمداً - صلوات الله عليه - يضع الأقوياء والضعفاء عند تقاضي الحقوق مكاناً سواء. * رفقه بالمرأة: كان الرجال من قريش يعاشرون أزواجهم في شيء من الغلظة، حتى

стр. 1044

إنهم لا يرون للزوجة حقاً في أن تراجع الرجل إذا خاطبها في غيظ، فجاء رسول الله ﷺ يقلب هذه الغلظة إلى رفق، ويفسح للمرأة أن تعمل على إرادتها، وتتمتع بحريتها في دائرة الأدب والصيانة. نقرأ في الصحيح: أن عمر بن الخطاب يقول: "كنا - معشر قريش - نغلب نساعنا، فلما قدمنا الأنصار، إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن بأدب نساء الأنصار، فصخبتُ على امرأتي، فراجعتني، فانكرتُ أن تراجعني، قالت: ولم تنكر أن أراجعك؟ فوالله! إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم إلى الليل". ضرب رسول الله عن عادة قريش جانباً، وكان يتلقى مراجعة الزوجة له بأناة، وهجرَها له اليوم كله باحتمال، يفعل ذلك رفقاً بها، وإرشاداً إلى الأوفق بسنة الاجتماع في معاشرتها، ولتعليم الناس فضيلة العطف على المرأة يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يؤذ جاره، واستوصوا بالنساء خيراً؛ فإنهن خلقن من ضلع أعوج، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه، كسرته، وإن تركته، لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً". وإذا تقصينا أثر ما يقرره الإسلام للمرأة من حقوق، وما ألقاه عليها من احترام، ازددنا علماً بأنه الدين الذي يسير بحال الاجتماع البشري إلى أقصى ما يرام من السعادة. فالنساء شطر البشر، وتأثيرهن على الشطر الآخر من حيث التربية الأولى لا يتنازع فيه اثنان، فالإحسان إليهن، ومسايرتهن فيما لا يخرجن به عن حدود الصيانة والعفاف مما يرفع هممهن، ويرقي آدابهن، فإذا نشأ الولد في حجورهن، خرج للناس رفيع الهمة، راقي الآداب.

стр. 1045

ونحن إذا قسنا حال المرأة في الجاهلية بحالها بعد نزول الوحي، عرفنا أن ما بيّنه الرسول الأكرم من حقوقها مبدأ من المبادئ التي عني بها الإسلام، وأخرج بها العالم من همجية قاسية إلى مدنية راقية فاضلة. * حكمته البالغة في السياسة: لا يسعني المقام أن أطرق هذا الموضوع بشواهد كثيرة، وإنما أورد واقعة واحدة هي واقعة الحديبية؛ فإن في هذه الواقعة لآية على أن نظر محمد ابن عبد الله في السياسة لم يكن وليد أرض تهامة، إنما هو وليد تعاليم ينزل بها الروح الأمين من فوق سبع سماوات. خرج رسول الله ﷺ من المدينة في ألف وثلاث مئة مسلم من المسلمين، قاصداً زيارة البيت الحرام، لا يريد قتالاً، فبلغ المشركين بمكة خبره، فخرجوا ليصدوه عن الزيارة، فنزل بأقصى الحديبية، وسبقه المشركون، فنزلوا بأعداد مياهها (١)، ودارت الرسل بينه وبينهم، وانتهى الأمر على عقد صلح تمسكوا فيه بشروط لم يكن من رسول الله إلا أن قبلها. ومن أشد هذه الشروط على المسلمين: أن المشركين أبوا أن يخلُّوا بين النبي وبين البيت في ذلك العام، وإنما رضوا أن يأتيها في العام المقبل، وأخذوا عليه أن من جاءه من المشركين يرده عليهم، وهم إذا جاءهم أحد من المسلمين، لا يردونه عليه. نرى في هذه الواقعة أن المسلمين امتعضوا من عقد هذا الصلح، ورأوا في شروطه ما يمس كرامتهم، ويخدش عزتهم، حتى بلغ بعمر بن الخطاب أن قال لرسول الله: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: "بلى": قال:

стр. 1046

فلم نعطي الدنية في ديننا إذن؟! قال له: "إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري"، فزاد عمر أن قال: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: "بلى، أفأخبرتك أنّا نأتيه العام؟ "، قال عمر: لا، قال: "فإنك آتيه، ومطوِّف به". رأى المسلمون أن في استطاعتهم حرب المشركين، وفي أملهم أن يكونوا هم الغالبين، ولا سيما بعد أن سمعوا الوعد الصادق بأنهم سيدخلون المسجد الحرام، ويطوفوا بالبيت العتيق، ولكن رسول الله رأى أن احتمال هذه الشروط التي تمسك بها المشركون أخف من أن يناجزهم الحرب وفيهم شيء من القوة، فلا يدخلها إلا بعد أن تراق دماء طاهرة، ودماء يجوز أن تطهر بالإيمان في السنة القابلة. وقد دلت العاقبة على أن المسلمين كانوا ينظرون إلى قريب، وكان الرسول الله ينظر إلى أمد بعيدة إذ كان من عواقب هذا الصلح أن امتد الأمن بين مكة والمدينة، وجرى بين المسلمين والمشركين اتصال، وكثرة ملاقاة، فكان المسلمون يُسمعونهم القرآن، ويناظرونهم على الإسلام علانية، وكانوا قبل هذا الصلح لا يدعون إلى الإسلام بمكة إلا في خفاء، ودخل في الإسلام مدة الصلح كثير ممن كانوا مشركين، أو كن مشركات، فخسر المشركون من حيث أرادوا الفوز، ولم يجئ يوم الفتح الأكبر إلا وهم في ذلة، والمؤمنون في قوة، فدخل رسول الله مكة فاتحاً، وقد ألقوا إليه السلم، بل أقبلوا هم وزعماؤهم يدخلون في دين الله أفواجاً. فإذا وقفنا عند ظاهر أمر رسول الله، نجد في سيرته ما هو سبب نجاحه في الدعوة، وظهوره على أعدائه.

стр. 1047

أما نجاحه في الدعوة، فيرجع - بعد بلاغة القول وقوة الحجة - إلى كمال أخلاقه ﵊، وصدق عزيمته، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وأما ظهوره على أعدائه، فيرجع - بعد تأييد الله - إلى حكمة السياسة، والأخذ بسنة الحذر، وإعداد القوة, إذ لا تنجح الدعوة إلى الحق إلا بمتانة الأخلاق، وصدق العزم، ولا تظهر أمة على من يريد بها عسفاً وهواناً إلا بأن تحكم السياسة، وتُعِدَّ له ما استطاعت من قوة. أيها السادة! رغبت إليَّ القريحة أن تشارك حضرات السادة الشعراء في الحديث عن رسول الله بكلام موزون، فسمحت بهذه القطعة من القريض: حييّ ذاك البدر بالزَّهْرِ النظيمْ ... واملأ الجَفْنَ بمرآهُ الوسيم (١)

стр. 1048

نظرة في دلائل النبوة (١) جرت حكمة الله على أن يبعث في الناس رسلاً يعلمونهم واجبات ألوهيته اعتقاداً وعملاً، ويهدونهم السبيل إلى الفلاح عاجلاً وآجلاً، وقضت حكمته أن تكون دعوة هؤلاء الرسل مقرونة باَيات تشهد بأنهم لم يقولوا على الله إلا حقاً، حتى تقوم الحجة على الجاحد، فإما إيماناً بعد، وإما عناداً. والآيات القائمة على أن محمداً ﷺ رسول الله إلى الخليقة حقاً، تكاد تتجاوز حد ما يُستقصى، وقد تتبعها القاضي أبو بكر بن العربي عَدّاً، وأملى في تفسيره "أثوار الفجر" ألف معجزة، وهي- على كثرتها، واختلاف مظاهرها- ترجع إلى ثلاثة أصول: القرآن الكريم، والسيرة النبوية، والمعجزات المحسوسة التي تنقل إلينا على طرق ثابتة. ولا أقصد في هذا المقام إلى أن أتحدث عن هذه الأصول بتفصيل، بل آتي عليها بالقول الموجز، وأدع بسط القول فيها إلى كتب تأتي - إن شاء الله -. المحاضرة بعد الأخرى.

стр. 1049

* القرآن الكريم: نزل القرآن بلسان عربي مبين، وهو يحمل دعوة حكيمة، ومعجزة باهرة: أما الدعوة الحكيمة، فهي ما أرشد إليه من عقائد سليمة، وآداب جليلة، وأحكام عادلة، ونظم عمرانية راقية، وذلك ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]. وأما المعجزة، فهي ما يدركه أولو الألباب من بلوغه في حكمة المعاني، وسمو المقاصد، وفصاحة الكلم، وجودة النظم غايةً فوق ما تنتهي إليه طاقة البشر، وذلك ما يدل قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]. وكثير من حكماء العرب وبلغائهم يسمعون القرآن، فيدخل الإيمان في قلوبهم من غير حاجة إلى أقيسة منطقية: شرطية أو جملية؛ ذلك أنهم يتلقون الدعوة وهي محفوظة بدلائل الصدق من كل ناحية، وليس بينهم وبين الاهتداء بهذه الدلائل سوى التنبه لوجه دلالتها. ومن شواهد التاريخ على هذا قصة عمر بن الخطاب ﵁؛ إذ قرئت عليه سورة "طه"، فانشرح صدره للإسلام، وقال: أين رسول الله؟ فقيل له: في دار أرقم بن أبي الأرقم، فقصد إليه فوراً، وسرعان ما نطق بالشهادة بين يديه. وينبئكم أن القرآن الحجة الناطقة على صدق المبعوث به: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٢ - ٨٣].

стр. 1050

فالآية ظاهرة في أن هؤلاء القسيسين والرهبان لم يزيدوا على أن سمعوا قرآناً يتلى، فعرفوا فيه وجه الحق، فقالوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣]. وفي قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] ما هو صريح في أن القرآن آية كافية للدلالة على صدق الدعوة وصحة الرسالة. وانظروا إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ] [التوبة: ٦]. فالآية منبهة لما نقول من أن تلاوة القرآن على الضالين تكفي في هدايتهم، وإقامة الحجة عليهم متى كانوا يتدبرون، ومجادلتهم- بعد إسماعهم القرآن- إنما هي لازاحة الشبهة التي تخالظ أوهامهم، أو تكشف عما يلفقونه من زور وبهتان. والحقيقة أن دلالة القرآن على [صدق] محمد ﷺ لا تنحصر في ناحية واحدة، بل هي ذات وجوه مختلفة، يجتليها كل من يتلوه بيقظة، أو يلقي إليه أذناً واعية. * بلاغته: ومن هذه الوجوه: بلوغه في فصاحة الألفاظ، وبلاغة المعاني، وجودة النظم منزلة تقف دونها فطاحل البلغاء. ذلك أن البلاغة لعهد البعثة المحمدية قد وصلت إلى درجتها العليا، كان العرب يتنافسون في فنونها، ويطلقون الأعنة في مضمارها، حتى أتى محمد - صلوات الله عليه - بما عجز عن أن يأتي بمثله بلغاء العرب قاطبة.

стр. 1051

ثم إنك تجد القرآن لا يتناول فناً من فنون الكلام إلا أتى باللفظ الرائع، والأسلوب البديع، وقصارى الواحد من بلغاء البشر أن يبرع في بعض فنون القول، ويضيق باعه في فنونه الأخرى، فلا يدرك فيها سوى المنزلة المتوسطة أو السفلى. وإذا نظرت إلى الأفراد الذين يفوقون أقرانهم فصاحة وبلاغة، ويصبح كل واحد منهم علماً في عصره يشار إليه بالبنان، لم تجد منزلتهم بعيدة من منازل البارعين من غيرهم بعد أن يجعلها خارقة للعادة، كالبعد ما بين منزلة القرآن ومنازل غيره من منظوم الشعراء ومنثور الخطباء. وإذا بدا لنا أن في الإسلاميين أو المحدثين من يفوق بلغاء العرب يوم البعثة، فالفضل في هذا عائد إلى القرآن؛ إذ كانوا يهتمون بنور بيانه، ويجتهدون في أن ينسجوا على منواله، وهم على ما سنه القرآن من طرق الإبدل، وأدناه من قطوف البيان، لَمْ يستطيعوا أن يأتوا بما يداينه، فضلاً عما يقف بجانبه. وقد كان رسول الله ﷺ أفصح العرب منطقاً، ونجد الفرق بين حديثه والقرآن الكريم جلياً واضحاً، ومن عقد بينهما مقايسه، رأى حق اليقين أن أولئك الذين يقولون: إن القرآن من تاليف محمد، قوم لم يذوقوا للبلاغة طعماً، أو لم يهتدوا للإنصاف سبيلاً. ومن تلك الوجوه: ما احتواه من الأخبار عن أمور من قَبيل الغيب، وظهرت بعدُ كما أخبر. من شواهد هذا الوجه: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. فقد عاش رسول الله ﷺ وهو محاط بأعدائه الذين يتمنون له الموت العاجل، ويحرصون أشد الحرص على أن لا يتاخر في الحياة ساعة من زمان،

стр. 1052

وهم أصحاب جرأة واغتيال، ولم يكن ﵊ ممن يجعل بينه وبين الناس حجاباً، ولا يهتم بأن يتخذ منهم حراساً، وكان يضع نفسه عندما يحمى وطيس الحرب بالمكانة الأولى، ومع ما لأعدائه من التلهف على قتله، والتهالك على الفتك به، ومع ماله من الانفراد عن أصحابه في كل حين من الأحيان، وظهوره لأعدائه كلما رغبوا في الاجتماع به، وتقدمه لمواقع الجهاد ليس بينه وبينهم حامية، لم يأته أجله إلا وهو على فراشه، وذلك مصداق قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. ومن شواهد هذا: قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ١ - ٤]. وقد وقع ما أخبر به القرآن، فعاد الروم بعد غلبهم إلى محاربة الفرس، وظهروا عليهم في السنة السابعة من الهجرة، ويروي أن خبر هذه الواقعة كان السبب في إسلام أناس من الجاحدين غير قليل. ومن تلك الوجوه: قوة أدلته؛ فقد عرفنا أن محمداً - صلوات الله عليه - قد نبت في وادي جاهلية، ونشأ في أمية، ونجد مع هذا حجج القرآن العقلية القائمة نافذة، كقوله في الاستدلال على وجود الخالق: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥]. فإن المعنى: أوجدوا من غير موجد، أم هم الذين أوجدوا أنفسهم؟!. وكلا القضيتين غير صحيح، فوجب أن يكونوا صنع قادر حكيم. وكقوله في الاستدلال على وحدته: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].

стр. 1053

وقوله: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]. ففي الآيتين برهان قائم على وجوب وحدة الإله، وأن الألوهية تقضي الاستقلال بالتصرف في السماوات والأرض تغييراً وتبديلاً، إيجاداً وإعداماً. وكقوله يدفع شبهة منكري البعث، ويريهم أنه من قَبيل ما يدخل تحت سلطان قدرته: [قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩]. وهكذا نجده يأتي على شُبههم بما يزيحها، وينادي على غلطهم في إيرادها؛ كقوله تعالى في الرد على من ألحفوا في أن يكون الرسول مَلَكَاً: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] , يريد: أنهم لا يستطيعون الأخذ من المَلَك وهو في صورته الملكية، ولو بعثه إليهم في صورة بشر، لعادوا إلى هذا اللبس الذي يلبسون، وما كانوا مؤمنين. فجميع حجج القرآن واردة على قانون المنطق الصحيح، ومن لم ينتفع بها، ويستقم على طريقتها، فلأنه استكبر عليها، أو لم يوقع النظر على وجه دلالتها. قال الرازي: "وقد تأملت. الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن". قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأحسن الأدلة العقلية: الأدلة التي بينها القرآن، وأرشد إليها الرسول، فينبغي أن يعرف أن أجلَّ الأدلة العقلية وأكملها

стр. 1054

وأفضلها مأخوذ عن الرسول". ومن تلك الوجوه: غزارة حِكَمِهِ ونبوغها؛ بحيث جاءت آخذة بأسباب السعادة، آتية على الخصال التي تسمو بها الأفراد والجماعات إلى سماء السيادة، ومن أمثلة هذا قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]. فمن الطبائع الغالبة على البشر: التسرع إلى إذاية العدو بما أمكن. ومن مقاصد القرآن: تقويم الطباع التي تنزع إلى الأذى، وتبعث على التقاطع، فجاءت هذه الآية تامر الإنسان بأن يسللك في دفع خصمه الطريقة التي هي أجمل؛ رجاء أن يكون لهذه المجاملة أثر صالح، هو قلب العداوة ألفة وصداقة. ومن أمثلة هذا الوجه: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]. أمر بالتثبت فيما ينقله الفاسق؛ حذراً من أن يكون حديثاً مفترى، فيكون العمل عليه على الجهالة، وعاقبة عمل الجاهل ندامة وخسران، وكم من بلاء يلحق الأشخاص أو الجماعات من اندفاعهم إلى العمل على خبر الفاسق قبل أن يتبينوا!. وانظروا إن شسّم إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨]. فهذه الآية نصيحة للأمة بأن لا ينخدعوا لقول لين، ووعد مؤكد يبذله لهم العدو، فيركنوا إليه بقلوبهم، ولا يأخذوا منه حذرهم، فإذا هو يبسط عليهم

стр. 1055

سلطاناً طاغياً، ويريهم أنه ألانَ لهم القول خادعاً، وقطع لهم العهد غادراً، وإن هذه النصيحة لمن أبلغ النصائح التي تقوم عليها حياة الأمة وعظمتها، ولو حفظها المسلمون في سويداء قلوبهم، وجعلوها بمرأى من أبصارهم، لاستقاموا على عزتهم، ولم يفقدوا شيئاً من حريتهم. ويدخل من قبيل حِكَم القرآن ونصائحه: عنايته بمكارم الأخلاق، فهو مملوء بالحثِّ على نحو الصدق، والحلم، والصبر، والسخاء، والشجاعة، والعدل، والوفاء،. تلك الأخلاق التي تقوم عليها قواعد العمران، وتتأكد بها روابط التوادد والاتحاد، وبها تحرز الأمة قوة معنوية، وأخرى مادية، فلا يجد أعداؤها الطريق إلى أن يطؤوا موطئاً يغيظها. عني القرآن بأصول الفضائل التي هي مطلع السعادة، ومن أجلّ هذه الفضائل: ما يسمونه: الشجاعة الأدبية، وهي خلق الصراحة والإقدام على قول الحق؛ فقد جاء القرآن بها على كمل وجه، وفرضها على الناس في أبلغ خطاب، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]. فهذه الأية تأمر الرجل أن يؤثر الحق على الهوى، ولا يبالي عند إقامة الحق ما ينازعه من عاطفة القربى، وإن بلغت أشدها، وكانت عاطفته نحو والديه اللذين ربياه صغيراً. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]. فهذه الآية تذكر الذين يكتمون ما يعرفون من الحق، وتجعل جزاءهم اللعنة من الله، ومن يتأتى منه اللعنُ من الملائكة والمؤمنين، ومَنِ الذي يجهل
следующие страницы →