وهي شجرة عظيمة في جوار مكة، كانت الجاهلية تأتيها كل سنة، فتعلق عليها أسلحتها، وتذبح عندها.
* عبادتهم بعض الحيوان:
من العرب من كانوا يعبدون بعض الحيوان؛ فقد جاء في قصة وفد طيء: أن النبي ﷺ نظر إليهم، وقال: "إني خير لكم من العزى ولاتها، ومن الجمل الأسود الذي تعبدونه من دون الله" (١).
وجاء في قصة عمرو بن حبيب الملقب بذي الكيود: أنه أغار على بني بكر، فأصاب سقباً (٢) كانوا يعبدونه، فنحره وأكله، إلى هذا يشير الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في "عمود النسب " (٣) بقوله:
وانسب (٤) حبيبهم وذا الكيود ... آكل سقب بكر المعبود
* عبادتهم الكواكب:
كان بعض كنانة يعبدون القمر والدبران، وبنو لخم وجرهم كانوا يعبدون "المشتري"، وبعض بني طيء عبدوا "سهيلاً"، وبعضهم عبدوا "الثريا"، وبعض قبائل ربيعة عبدوا "المرزم"، وطائفة من تميم عبدوا "الدبران"، وبعض القبائل لخم وخزاعة عبدوا "الشعرى العبور".
стр. 982
* عبادتهم للملائكة:
من العرب من كانوا يعبدون الملائكة، ويزعمون أنهم بنات الله يشفعن لهم عنده (١) وقد أنكر الله تعالى عليهم ذلك، فقال تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾ [الإسراء: ٤٠]. وورد في القرآن الكريم أن الله يسأل الملائكة يوم القيامة عن عبادة الإنس لهم، فيتبرؤون منهم ومن ولايتهم، جاء هذا في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤١].
وسؤال الله تعالى للملائكة يدل على أن من الإنس من كانوا يتوجهون بعبادتهم إلى الملائكة، وقول الملائكة: [بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ] ظاهر في نفي أن يكون من الإنس من يتوجه إليهم بالعبادة، وأن المشركين إنما كانوا يقصدون بعبادتهم الجن.
ومن وجوه تفسير الآية التي يكون بها جواب الملائكة موافقاً للسؤال: أن أولئك الإنس كانوا يتوجهون بالعبادة إلى الملائكة، ولكنهم كانوا يتخيلون للملائكة صوراً، وهذه الصور إنما تطابق حال الجن، فيصح أن يقال: إن هؤلاء الإنس إنما يعبدون أصحاب تلك الصور، وهم الجن.
ومن الوجوه التي تجعل الجواب موافقاً للسؤال: أن الملائكة جعلوا عبادة الإنس لهم عبادة للجن؛ لأن الجن - وهم الشياطين - وسوسوا لهم بهذه العبادة، فنسبة عبادة الإنس للجن من جهة أنهم وسوسوا بها.
стр. 983
* عبادتهم الجنَّ:
من العرب من كانوا يعبدون الجن، قال أبو المنذر في كتاب "الأصنام": كانت بنو مليح من خزاعة يعبدون الجن، وهم المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤١]
وقال ابن عطية في تفسير هذه الآية: "يجوز أن يكون في الأمم الكافرة من عبد الجن، وفي القرآن آيات يظهر منها أن الجن عُبدت، في سورة الأنعام، وغيرها، ومن آيات الأنعام الظاهرة في هذا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٠]، وجاء في سورة الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦]؛ أي: زاد الرجال العائذون الجن رهقاً؛ أي: تكبراً، أو عتواً، ذلك أن الرجل منهم إذا أمسى في وادٍ قفر، وخاف على نفسه، نادى بأعلى صوته: يا عزيز هذا الوادي! أعوذ بك من السفهاء الذين في طاعتك.
وجاء في هذا من الشعر قول بعضهم:
قد استعذنا بعظيم الوادي .... من شر ما فيه من الأعادي
فلم يجرنا من هزبر عاد
والاستدلال على أن في العرب من كانوا يعبدون الجن بآية: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤١]؛ غير ظاهرة فإن سؤال الله تعالى للملائكة عن عبادة الإنس لهم يشعر بأن هناك جماعة من الإنس يتوجهون بعبادتهم إلى الملائكة، فيكون جواب الملائكة بأن هؤلاء إنما كانوا يعبدون الجن، غير مناسب السؤال إلا على أحد الوجوه التي أوردناها في بحث عبادتهم للملائكة.
стр. 984
وقد يلوح للناظر وجه في تاويل الآية يمكن أن تدل به على أن من الإنس من كان يعبد الملائكة، ومنهم من كان يعبد الجن، وهو أن يقال: لما حضر المشركون من عباد الملائكة والجن والأصنام، وأراد الله تعالى إقامة الحجة على أن غيره لا يستحق أن يعبد، وجَّه الخطاب إلى أشرف من توجه المشركون إليه بالعبادة، وهم الملالكة، حتى إذا تبرؤوا، وتبين بإقرارهم أنهم غير أهل لأن يعبدوا، كان قصور غيرهم عن مرتبة العبادة أولى، وكان جواب الملائكة أن تبرؤوا من الإنس الذين كانوا يعبدونهم، فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ [سبأ-٤١]. وبعد هذه البراءة انتقلوا إلى الإخبار بأن أولئك المشركين كانوا يعبدون الجن.
فاسم الإشارة في قوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠]، مشار به إلى جملة المشركين بالنظر إلى أن فريقاً من هذا المجموع كانوا يعبدون الملائكة، والضمير في قوله تعالى: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سبأ: ٤١] يعود إلى مجموع المشركين بالنظر إلى الفريق الذين كانوا يعبدون الجن، وكلمة ﴿بَلْ﴾ تستعمل في عطف الجمل لمجرد الانتقال من خبر إلى آخر، فهي هنا للانتقال من التبرؤ من الإنس إلى وصفهم بعبادة الجن، ولا غرابة في إطلاق اسم يتناول جماعة، ثم يخبر عنه بأمر صدر من بعضهم لأمر يقتضيه المقام، والأمر الذي اقتضى في السؤال تخصيص عبادتهم للملائكة بالذكر: هو ما أشرنا إليه من أن الملائكة أشرف معبوداتهم، والذي اقتضى في جواب الملائكة ذكر عبادتهم للجن: هو أنه كان شأن أكثر المشركين؛ فإن الذين كانوا يعبدون الأصنام يتعلقون مع ذلك باعتقاد أن من ورائها أرواحأ خفية تتصرف في شؤونهم، وكثرهم يسمون هذه الأرواح بالجن.
стр. 985
* عبادتهم للكواكب:
كان بنو لخم وجرهم يعبدون المشتري، وبعض كنانة عبدوا القمر والدبران، وبعض قبائل ربيعة عبدوا سهيلاً، وبعضهم عبدوا الثريا، وبعض قبائل ربيعة عبدوا المرزم، وطائفة من تميم عبدوا الدبران، وبعض قبائل لخم وخزاعة عبدوا الشعرى العبور.
قال ابن قتيبة: "كان قوم الجاهلية عبدوا الشعرى العبور، وفتنوا بها، وكان أبو كبشة الذي كان المشركون ينسبون إليه النبي ﷺ أول من عبدها، وخالف قريشاً، فلما بعث النبي ﷺ ، ودعا إلى عبادة الله، وترك عبادة الأوثان، قالوا: هذا ابن أبي كبشة (١)؛ أي: يشبهه".
ومن العرب من عبدوا الشمس، ومن أثر هذا تسميتهم لها بالإلهة، قال عتبة بن الحارث اليربوعي:
تروحنا من اللهباء (٢) عصرا ... وأعجلنا الإلهة أن تؤوبا
وذكر صاحب "تاج العروس": أن الشمس اسم لصنم قديم، وقال: قد سمت العرب: عبد شمس، وهو بطن من قريش، قيل: سموا بذلك الصنم، وأول من تسمى به: سبأ بن يشجب.
ومن أثر اعتقادهم بتأثيرها في الكون: ما هو جار في بعض البلاد إلى الآن من أن الغلام إذا سقطت له سن، أمسكها بين السبابة والإبهام، واستقبل بها الشمس، ورماها نحوها طالباً منها أن تعوضه سناً أحسن
стр. 986
من السن الساقطة.
ومن أثر عبادتهم للكواكب: تسميتهم أبناءهم بأسماء مضافة إليها؛ نحو: عبد شمس، وعبد المشتري.
* البرهمية في العرب:
اشتهر دين البرهمية في سكان عمان (١)، والبرهمية منسوبة إلى برهم، وهو المعبود الأول أو الأكبر عند أصحاب هذا المذهب المنتشر في الهند، ويصفون هذا المعبود بأنه أصل كل الموجودات، واحد أزلي (٢).
وبرهما في الهند هيكل يعبده البراهمة (٣)، ويتوجهون إليه بالدعاء، وهم يعبدون مع ذلك الشمس؛ بدعوى أنها ينبوع النور والحرارة، فهي أول المعبودات في زعمهم، ويستدل بعضهم بهذا على أن البرهمية فرع للمجوسية قبل ظهور زرادشت.
* دين الصابئة في العرب:
من العرب من كانوا على دين الصابئة، ومذهب الصابئة يقوم على عبادة الملائكة، ذلك أنهم قالوا: إنا نحتاج في معرفة الله وأحكامه إلى متوسط روحاني، ولما لم يتيسر لهم مشاهدة الروحانيات، والتلقي منها، لجؤوا إلى الكواكب؛ بزعم أنها هياكل الروحانيات، وصاروا يعبدون الكواكب
стр. 987
تقرباً إلى الروحانيات التي تقربهم - فيما يزعمون - إلى الباري ﷻ ، والكواكب التي كانوا يعبدونها: السبع السيارات، أو بعض الكواكب الثابتة، فصابئة الروم تعبد السيارات، وصابئة الهند تعبد الثوابت (١).
ثم إن جماعة منهم قالوا: إن الهيكل السماوية لا ترى في كل الأوقات؛ لأن لها طلوعاً وغروباً، وظهوراً بالليل واحتجاباً بالنهار، فلا يمكن التقرب بها في كل وقت، وبدا لهم أن يقيموا أشخاصاً مبصرة لهم في كل وقت يتوسلون بها إلى الهياكل، فاتخذوا أصناماً على مثال الهياكل، ونصبوا كل صنم في مقابلة هيكل.
وقد بعث الله تعالى إبراهيم ﵇, فحاجَّ الفريقين: عباد الكو اكب، وعباد الأصنام.
ومن أثر ديانة الصابئة في بلاد العرب: اعتقادهم بالأنواء (٢)، وييان ذلك: أن للقمر ثماني وعشرين منزلة، وتسمى هذه المنازل بأسماء كواكب تظهر فيها، وكانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة، وطلوع ما يقابلها، يكون مطر، فيقولون: مُطرنا بنوء كذا، والنوء: الكوكب الطالع؛ لأنه إذا سقط الساقط بالمغرب، ناء الطالع؛ أي: نهض وطلع بالمشرق.
وقيل: النوء: اسم للكوكب الذي يغرب، وقد أشار الحديث الشريف إلى بطلان هذه العقيدة بقوله: "فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته،
стр. 988
فهو مؤمن بي، كافر بالكواكب".
ومما يروى عنهم في هذا الشأن: أنهم كانوا يكرهون نوء السماك، ويقولون: فيه داء الإبل، قال الشاعر:
ليت السماك ونوءه لم يخلقا ... ومشى الأفيرق في البلاد سليما
* المجوسية في العرب:
المجوسية قائمة على اعتقاد أن للعالم أصلين، هما: النور، والظلمة، وأهل هذه النحلة يعظمون النار بزعم أنها من أجناس الآلهة النورية. والمجوس فرق، وأشهر فرقهم: الزرادشتية: أصحاب زرادشت الذي ظهر في عهد كشتاسف، ودعا هذا الملك إلى دينه، فأجابه، وأصل عقيدة هؤلاء: أن النور والظلمة مبدأ العالم، وأن الله خلقهما وأبدعهما، وأن الخير والشر، والصلاح والفساد، حصلت من امتزاج النور بالظلمة، ولزرادشت كتاب يقولون: إنه صنفه، أو أنزل عليه، وهو "زندستا".
ومن أشهر فرقهم: "الثنوية"، وهم أصحاب القول بأن النور والظلمة اللذين هما مبدأ العالم في زعمهم أزليان قديمان.
ومنها: "المانوية" وهم أصحاب ماني بن فاتك الذي ظهر في عهد شابور بن أزدشير، وقتله البهرام بن هرمز، وقتل الرؤساء من أصحابه (١).
стр. 989
ومنها: المزدكية، وهم أصحاب مزدك الذي ظهر أيام قبادو والد أنوشروان، ودعا قبادو إلى مذهبه، فأجابه، ولما تولى أنوشروان، اطلع على كذب مزدك هذا، فقتله. ومن مبادئ هذه النحلة: إباحة النساء والأموال، وجعلها شركة بين الناس.
وكانت المجوسية في نفر من تميم، منها: زرارة بن عدي، وابنه حاجب ابن زرارة، والأقرع بن حابس، وأبو الأسود جد وكيع بن حسان.
وكانت المجوسية بالبحرين (١)، جاء في كتاب المنذر بن ساوى رئيس البحرين إلى رسول الله ﷺ "قرأت كتابك على أهل البحرين، فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه، ودخل فيه، ومنهم من كرهه، وبأرضي مجوس ويهود، فأحدث إلي في ذلك أمرك"، فجاءه كتاب رسول الله ﷺ وفيه: "من أقام على يهودية أو مجوسية، فعليه الجزية".
وكانت المجوسية في نفر من قريش. قال ابن قتيبة في كتاب "المعارف": "وكانت الزندقة في قريش، أخذوها من الحيرة" ومراده من الزندقة: المجوسية، والظاهر: أن العرب المجوس كانوا على مذهب الثانوية؛ لأن الثانوية هي المعروفة باسم الزندقة.
ومن أثر المجوسية في العرب: حلفهم بالنار، وتعاقدهم عليها؛ فقد ورد في عاداتهم: أنهم كانوا يوقدون ناراً عند التحالف.
стр. 990
قال الجاحظ في كتاب "البيان والتبيين": وكانوا (أي: العرب) يتحالفون على النار، ويتعاقدون، ويأخذون العهد المؤكد، واليمين الغموس.
وقال في كتاب "الحيوان": "كانوا لا يعقدون حلفهم إلا عند نار، فيذكرون عند ذلك منافعها، ويدعون الله بالحرمان والمنع من منافعها على الذي ينقض الحلف، ويخيس بالعهد".
وجاء في قصيدة الأعشى التي مدح بها المحلق ما يشير إلى أنهم كانوا يتحالفون على الرماد، وهو قوله:
رضيعَي لبانِ ثدي أُمِّ تقاسما ... بأسحمَ داجٍ عَوْضُ لا نتفرق (١)
وأورد صاحب "العقد الفريد" هذا البيت، وقال: قوله "تقاسما بأسحم داج" يقول: تحالفا على الرماد، وهذا شيء تفعله الفرس؛ لئلا يتفرقوا أبداً.
ومن أثر المجوسية في العرب: زعمهم أن ابن المجوسي إذا كان من أخته، وخط على النملة (٢)، تبرأ وتنصلح، قال بعض شعرائهم:
ولا عيب فينا غير عرق لمعشر ... كريم وأنا لا نخط على النمل
يريد: أنا لسنا بمجوس ننكح الأخوات، وكانوا يكنُّون عن المجوسي
стр. 991
بقولهم: فلان يخط على النمل.
* الدهرية في العرب:
قص الله تعالى علينا أن قوماً من كفار العرب يقولون: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]، وهذه الآية تدل على أن هؤلاء القوم ينكرون البعث، ويسندون الإهلاك - أي: الإماتة - إلى الدهر.
واختلف الكاتبون في التفسير والتاريخ في أن هؤلاء القوم يقرون بالخالق، أو يجحدون به، فقال بعضهم: إن هؤلاء القوم يعترفون بوجود الله تعالى، فهم غير الدهرية الذين يسندون الحوادث إلى الدهر، ولا يقولون بوجوده تعالى، وجرى على هذا المسعودي في "مروج الذهب"، فقال: ومن العرب من أقر بالخالق، وكذب بالرسل والبعث، ومال إلى قول أهل الدهر، وهؤلاء الذين حكى الله تعالى إلحادهم، وأخبر عن كفرهم بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤].
ومن المفسرين من حمل هذه الآية على قوم ينكرون وجود الخالق، وهذا ما سلكه القرطبي في "تفسيره"؛ إذ قال في تفسير هذه الآية: وكان المشركون أصنافاً، منهم هؤلاء، ومنهم من كان يثبت الصانع، وينكر البعث، وجرى على هذا أبو البقاء في "كلياته"، فقال: والدهري - بالفتح - هو: الذي يقول: العالم موجود أزلاً وأبداً، لا صانع له، ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤].
ومن المفسرين من جعل الآية محتملة لأن تكون في قوم لا يعرفون الله، ولا يقرون به، وهم الدهرية، وأن تكون في قوم يقرون بالخالق، وينكرون البعث، وينسبون الآفات إلى الدهر؛ لجهلهم أنها مقدَّرة من الله. وجرى على
стр. 992
هذا أبو حيان في تفسيره "البحر".
وليس في الآية ما يدل على أن هؤلاء القوم يقرون بالإله، أو يجحدون به، فمن ذهب إلى أن موردها قوم لا يقرون بالإله، فلأن إضافة الحوادث إلى الدهر مقترنة بإنكار البعث، شأن الدهريين الذين ينكرون وجود الخالق - جل شأنه -.
ومن أثر اعتقادهم أن الحوادث من الدهر: كثرة شكواهم من الدهر، ويظهر هذا كثيراً في أشعارهم، قال أبو عبيد: ومن شأن العرب أن يذموا الدهر عند المصائب والنوائب، حتى ذكروه في أشعارهم، ونسبوا الأحداث إليه، وقد أراد النبي ﷺ أن يقطع هذا الأثر الناشئ عن أصل عقيدة فاسدة، فقال كما جاء في "صحيح البخاري": "لا يقولون أحدكم: يا خيبة الدهر! فإن الله هو الدهر".
* اليهودية في جزيرة العرب:
لليهودية في جزيرة العرب على ما يقوله بعض الكاتبين في تاريخها طوران:
أولهما: كان لبطون من اليهود نزلوا بلاد العرب، وانتهى هذا الطور في القرن الخامس قبل ميلاد المسيح (١).
ثانيهما: ابتدأ في القرن الأول والثاني بعد ميلاد المسيح (٢)؛ ذلك أن جموعاً كثيرة من اليهود هاجروا من فلسطين إلى البلاد العربية، ولهذه
стр. 993
الهجرة أسباب:
منها: نمو عدد اليهود في فلسطين حتى ضاقت بهم البلاد.
ومنها: أن الدولة الرومانية كانت قد استولت على فلسطين حوالي القرن الأول قبل ميلاد المسيح، وانهالت تضطهد اليهود، وتسومهم الخسف، فلجأ طوائف منهم إلى الهجرة، وقصدوا البلاد العربية؛ مما عرفوه من حياة البداوة العربية من الحرية، فقبلهم العرب، وعاملوهم بإحسان.
ومنها: أن بلاد العرب كثيرة الرمال، فيتعسر على الجيوش الرومانية وهي على شيء من النظام أن تقطعها، فنزل اليهود في شمال الحجاز بيثرب (المدينة المنورة)، وأرض خيبر (١)، ووادي القرى (٢)، وتيماء (٣)، واتخذوا الحصون والآطام (٤) على رؤوس الجبال.
ومن دخل في اليهودية من العرب طوائف من بني كنانة، وبني كندة، وبني نمير، وكانت هذه القبائل مجاورة لمواطن اليهود: يثرب، وأم القرى، وتيماء.
стр. 994
وظهرت اليهودية في بلاد اليمن منذ عهد بعيد، ودخل فيها بعض ملوك حمير، فقامت دولة متهودة (١)، إلى أن جاء الجيش، فقوضوا أركانها، ولكن بقيت طوائف من اليهود مفرقين في البلاد. وسبق كتاب المنذر أمير البحرين إلى رسول الله ﷺ ، وفيه يقول: "بأرضي مجوس ويهود، فأحدث إلي في ذلك أمراً".
وقال الجاحظ: "وجاء الاسلام، وليست اليهودية بغالبة على قبيلة إلا ما كان من ناس من اليمانية، ونبذ يسير من جميع إياد وربيعة، ومعظم اليهودية، إنما كان بيثرب، وحمير، وتيماء، ووادي القرى في ولد هارون، دون العرب" (٢).
وفي أهل نجران الذين أجلاهم عمر بن الخطاب من الجزيرة يهود، ومما يقولونه في سبب ظهور اليهودية في اليمن: أن الدولة الرومانية بالشرق بعد أن انتهت من بسط سلطانها على الممالك المجاورة لجزيرة العرب، وجهوا أنظارهم على الاستيلاء على أطراف الجزيرة العربية، فأرسلوا وفوداً من الرهبان لنشر الديانة المسيحية بالجزيرة؛ تمهيداً لتنفيذ خطتهم السياسية الاستعمارية (٣)، وتنبه ملوك حمير لهذه الغاية، فدخلوا في اليهودية، ودعوا
стр. 995
إليها؛ ليدافعوا بها النصرانية.
* أثر اليهودية في العرب:
روى جماعة من المحدثين؛ كأبي داود، والبيهقي، والحاكم عن ابن عباس: أنه قال: "كان هذا الحي من الأنصار، وهم أهل وثن، مع هذا الحي من اليهود، وهم أهل كتاب، كانوا يرون لهم فضلاً عليهم في العلم، وكانوا يقتدون بكثير من أفعالهم". ومن أثر اعتقادهم بفضل اليهود في العلم لذلك العهد: أنه كان من نساء الأوس والخزرج من إذا ولدت ولداً، تنذر إن عاش ولدها أن تهوده (١). ويروى أن يهود يثرب علَّموا العرب الكتابة العربية (٢).
ويرى أثر اليهودية في شعر العرب؛ كما قال لبيد يصف رجلاً قد غلبه النعاس:
يلمس الأحلاس (٣) في منزله ... بيديه فاليهودي المصل
ووجدت للعرب أشياء تقارب بأسمائها وصورها بعض ما عرف لليهود، فعدها بعض الكاتبين من تأثير اليهودية؛ مثل: "النسيء" الذي كان يقوم به
стр. 996
أفراد اتخذهم العرب رؤساء فيه (١)، وهو أنهم إذا فرغوا من الحج، اجتمعوا إلى هذا الرئيس، فحرم الأشهر الحرم: رجباً، وذا القعدة، وذا الحجة، والمحرم، فإذا احتاجوا إلى شن الغارة وطلب الثارات، أخر شهر المحرم إلى صفر، وإن احتاجوا إلى ذلك في صفر، أخروه، وحرموا ربيعاً الأول، وهذا ما نزل فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]؛ لأنه تحريم ما أحل الله، ﴿يُحِلُّونَهُ﴾ [التوبة: ٣٧]؛ أي: الشهر المؤخر ﴿عَامًا﴾ [التوبة: ٣٧]، ويحرمون مكانه شهراً آخر، ﴿وَيُحَرِّمُونَهُ﴾ [التوبة: ٣٧]؛ أي: يحافظون على حرمته ﴿عَامًا لِيُوَاطِئُوا﴾ [التوبة: ٣٧]: ليوافقوا [عدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّه﴾ [التوبة: ٣٧] من الأشهر الأربعة (٢).
وقد قال بعض الإفرنج: إن النسيء الذي كان عند العرب في الجاهلية مأخوذ من اليهود، فإن الناسئ في اللغة العبرية معناه: الرئيس الديني، وكذلك كان الرئيس الديني عند اليهود يؤخر ويقدم الشهور، ويعين مواعيد الأعياد والصيام، ويبعث بذلك إلى طوائف اليهود المختلفة.
ونحن نستبعد أن يكون النسيء مأخوذاً عن اليهود ما دام لفظه مشتقاً من مادة عربية له تصرفات تدور حول معنى التأخير (٣).
стр. 997
ومما ظنه بعضهم من أثر اليهودية في العرب: كلمة "صوفة"، ذلك أن هذا اللفظ في العبرية معناه: الحادي، والعرب يطلقونه على قوم يندفعون بالناس من عرفة، ويؤمونهم في رمي الجمار، وكان آخرهم عند ظهور الإسلام كرب بن صفوان، والكتب العربية تذكر في تسميتهم صوفة وجوهاً، منها: ما ذكره صاحب "القاموس" من أنه اسم لأبيهم الغوث بن مرة، وقال أبو عبيدة: سموا بذلك؛ لأنهم بمنزلة الصوف: فيهم القصير والطويل، والأسود والأحمر، ليسوا من قبيلة واحدة. وقيل: لأن أم الغوث نذرت لئن عاش، لتعلقن برأسه صوفة، وتجعله خادماً للكعبة.
وزعم بعضهم: أن الختان أخذه العرب من اليهود، ونحن نرد هذا بأن الختان من سنة إبراهيم ﵇ كما ورد في "صحيح البخاري": "اختتن إبراهيم ﵇ وهو ابن ثمانين سنة".
وزعم أحد دعاة النصرانية (١): أن ما عرف عند العرب من أن إسماعيل ﵇ أبو العرب إنما جاءهم من اليهود، قالوا لهم ذلك؛ ليتقربوا إليهم بدعوى أنهم أبناء إسماعيل، وأن اليهود أبناء إسحاق، وجد الجميع إبراهيم ﵇، وقد أخذ هذا الزعم صاحب كتاب "في الشعر الجاهلي"، وأنكر أن يكون إبراهيم ﵇ دخل بلاد العرب. ونحن نؤمن بما جاء في القرآن الكريم، والحديث الصحيح. وليس في يد ذلك الداعية النصراني، ولا صاحب كتاب "في الشعر الجاهلي" رواية تقف في
стр. 998
وجه ما ورد في القرآن أو الحديث (١).
ومن أسباب قلة انتشار اليهودية في العرب: أن "اليهودية هي خلاصة القانون التلمودي (٢)، وهذا القانون الذي نشأ في بيئة معينة، وفي مدة معينة، والذي استمد مبادئه وتعاليمه من نصوص التوراة، قد أدخلت عليه تغييرات تلائم الأحوال الجديدة التي طرأت على اليهود، وقد نجم عن ذلك: أن الذين أرادوا أن يقبلوا جوهريات صحف التوراة، دون أن يخضعوا للناموس التلمودي، لم يؤذن لهم باعتناق اليهودية" (٣). ثم قال: "وتأثر كثيرون من العرب بتعاليم اليهودية، وأخذوا يخضعون لبعض الأصول الجوهرية من التوراة، دون أن ينقادوا للبعض الآخر، فلم ترض منهم اليهودية ذلك، ولم تقربهم إلى الله، بل لم تفرق بينهم وبين بقية عبدة الأصنام؛ لأنهم لم يقبلوا التمسك بالسبت، ولم يخضعوا لبقية وصايا التوراة والتلمود".
* النصرانية في العرب:
كانت النصرانية في غسان، وبعض قضاعة، وأتت هؤلاء النصرانية من جهة الروم؛ فقد كانت منازلهم قريبة منها، وكانت في قبائل بالحيرة، يقال لها: العباد، منها: عدي بن حاتم، وكانت في بني تغلب، ومنازلهم بالعراق، ودخل في النصرانية بعض ملوك الحيرة. قيل: كان تنصرهم في
стр. 999
عهد امرئ القيس الأول في أوائل القرن الرابع بعد المسيح. وقيل: إن أول من تنصر: النعمان بن المنذر على يد عدي بن زيد، وكان النعمان في أواخر القرن السادس بعد ميلاد المسيح.
وكان أهل نجران في بلاد اليمن نصارى، وهم: بنو الحارث بن كعب ابن مذحج، وجاءتهم النصرانية من جهة الحبشة، ومن جهة الروم؛ فقد ذكر بعض المؤرخين: أن ملوك الدولة الرومانية لما أرادوا ضم أطراف الجزيرة العربية إلى ممالكهم، أرسلوا وفود الرهبان إلى بلاد اليمن لبث الديانة المسيحية.
ومن المعروف في السيرة: أن وفد نجران قدموا على رسول الله ﷺ ، وكانوا من نصارى العرب، وهم الذين نزلت فيهم آية المباهلة: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١]. وأبوا أن يباهلو ا، وصالحوا على الجزية، وعادوا إلى بلادهم.
قال الجاحظ: "إن العرب كانت النصرانية فيها فاشية، وعليها غالبة، إلا مضر، فلم يغلب عليها يهودية ولا مجوسية، ولم تفش فيها النصرانية، إلا ما كان من قوم منهم نزلوا الحيرة يسمون: العبادة فإنهم نصارى، وهم مغمورون مع نبذ يسير في بعض، ولم تعرف مضر إلا دين العرب، ثم الإسلام".
وزعم بعض المسيحيين (١): أن الأوس والخزرج كانوا نصارى، واستدل
стр. 1000
بقول حسان:
فرحت نصارى يثرب ويهودها ... مما توارى في الضريح الملحد
وهذا البيت لا يوجد في قصيدة حسان برواية ابن هشام في "السيرة"، ولا يوجد في "ديوانه" الذي كتب عليه البرقوقي تعليقاً (١).
ومن المعروف أن ورقة بن نوفل عم خديجة ﵂ كان على دين النصرانية، وهو قرشي، وجاء في السيرة: أن النبي ﷺ لقي في طريقه إلى الطائف عداساً النصراني، فآمن به (٢). ووجود فرد أو أفراد معدودين في القبيلة على دين النصرانية لا يدل على انتشار هذا الدين بينهم.
وجاء في بعض الآثار: أن صورة عيسى ومريم ﵉ كانت في جملة صورة الأنبياء بالكعبة، وأن النبي ﷺ أمر يوم فتح مكة بمحو جميع الصور، إلا صورة عيسى وأمه (٣)، واستدل بهذا بعض المسلمين على أن الديانة النصرانية كانت بمكة. ونحن نقول: إن إبقاء النيي ﷺ لهذه الصورة غير معقول، ولا يظهر له وجه، وفي "صحيح البخاري،: أن رسول الله " أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما من الأزلام، فقال: "قاتلهم الله! لقد علموا ما استقسما بها قط"، فهذا الأثر الذي ورد في "تاريخ الأزرقي" باطل قطعاً؛ فإن بقاء الصورة في المسجد منكر، والنبي ﷺ لا يقر منكراً.
стр. 1001
ومن أثر النصرانية: ما ظهر في شعر؛ كقول امرئ القيس يصف كلاب الصيد وقد أدركت فرسه:
فأدركنه يأخذن بالساق والنسا (١) ... كما شبرق (٢) الولدان ثوب المقدس (٣)
يشير إلى ما كان ولدان النصارى يفعلونه بالراهب الذي يقدم من بيت المقدس؛ إذ يأخذون من مسحه (٤)، وهو لابسه، خيوطاً للتبرك بها.
ومن هذا الباب قول امرئ القيس يصف بقر الوحش:
فآنست سرباً من بعيد مكانه ... رواهب عيد في ملاء مهدب (٥)
يشير إلى ما كانت الراهبات يلبسنه في الأعياد من الملاء والأنسجة الطويلة الأذيال.
ومما ظهر منه عادة إيقادهم المشاعل في عيد الفصح قول أوس بن حجر:
عليه كمصباح العزيز يشبه ... بفصح ويحشوه الذبال المفتلا
وصف أوس في هذا البيت رمحه، وشبه سنانه بالمصباح يوقده رئيس النصارى في عيد الفصح (٦).
стр. 1002
وأشار حسان في قصيدة له في الجاهلية إلى ما كان يصنعه ولائد النصارى من نظم الأكلة في عيد الفصح بقوله:
قد دنا الفصح والولائد (١) ينظـ .... ـنَ سراعاً أكلَّة (٢) المرجان
* الموحدون من العرب:
في العرب أفراد كانوا قبل البعثة على عقيدة التوحيد:
منهم: زيد (٣) بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى، فقد اعتزل الأوثان، واجتنب أكل ما يذبح على الأنصاب. روى البخاري في "الجامع الصحيح": أن النبي ﷺ لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح (٤) قبل أن يُنْزَلَ على رسول الله ﷺ الوحيُ، فقدمت إلى النبي ﷺ سفرة لحم، فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه (٥).
ومنهم: أبو قيس صرمة بن أبي أنس صرمة بن مالك من بني النجار، كان ترهب في الجاهلية، ولبس المسوح، وفارق الأوثان، وهمَّ بالنصرانية،
стр. 1003
ثم أمسك عنها، ودخل بيتاً له، فاتخذه مسجداً، وقال: أعبد رب إبراهيم، حتى قدم النبي ﷺ ، فاسلم، وحسن إسلامه (١)، أورد له ابن هشام أشعاراً في تعظيم الله تعالى، قالها في عهد الجاهلية.
ومنهم: قُس بن ساعدة الإيادي، نجد خبره في بعض كتب التاريخ والأدب. روى بعض المحدثين عن ابن عباس: أنه قال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله محك ﷺ ، فقال: "أيكم يعرف القس بن ساعدة الإيادي؟ "، فقالوا: كلنا يا رسول الله نعرفه، قال: "ما فعل؟ "، قالوا: هلك، قال: "ما أنساه بعكاظ في الشهر الحرام، وهو على جمل أحمر، وهو يخطب الناس وهو يقول: يا أيها الناس! اجتمعوا واسمعوا، وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، إن في السماء لخبراً، وإن في الأرض لعبراً، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تمور، وبحار تغور.
أقسم قس بالله قسماً حقاً، لئن كان في الأرض رضا، ليكونن بعده سخط. إن لله ديناً هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه، مالي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون، أرضوا بالمقام فاقاموا، أم تركوا فناموا؟ ". ثم قال رسول الله ﷺ ((أفيكم من يروي شعره؟ "، فأنشده بعضهم:
في الذاهبين الأولين ... من القرون لنا بصائر
لما رأيت موارداً ... للموت ليس لها مصادر
لا يرجع الماضي إليـ ... ـك ولا من الباقين غابر
أيقنت أني لا محا ... لة حيث صار القوم صائر
стр. 1004
وروى هذا الحديث الطبراني، والبزار، وفي إسناده محمد بن الحجاج اللخمي، وهو ممن لا يوثق بخبره، بل يعده النقاد في جملة الكذابين. وروى هذا الخبر ابن سيد الناس في "سيرت" على وجه يخالف روايته السابقة؛ إذ جاء في روايته: أن النبي ﷺ قال: "فلست أنساه بسوق عكاظ على جمل أورق، وهو يتكلم بكلام ما أظن أني أحفظه"، فقال أبو بكر: يا رسول الله! فإني أحفظه، كنت حاضراً ذلك اليوم بسوق عكاظ، فقال في خطبته: أيها الناس ... إلخ الخطبة، والأبيات. على أن في سند هذه الرواية من يتهم بوضع الأحاديث؛ كما قال ابن كثير. فخبر قس هذا ورد من طرق كلها ضعيفة، وقصارى ما يؤخذ منها: أن أصل القصة ثابت، وأن قساً كان على شيء من التوحيد.
ويذكر المؤرخون من الموحدين: خالد بن سنان العبسي، وقد وردت آثار تتضمن أنه كان نبياً، وأن ابنه أو ابنته جاءت إلى النبي ﷺ ، وأنه ﵊ قال: "ذاك نبي ضيعه أهله". وهذه الروايات كلها ضعيفة، لم تقم على سند يعتد به، ومما يساعد على ردها: قوله ﷺ فيما رواه سعيد بن جبير مرسلاً: "أنا أولى الناس بعيسى بن مريم، وليس بيني وبينه نبي".
وأذكر بهذه المناسبة أن ببلاد الجزائر قبراً عليه بناء يقال: إنه قبر خالد ابن سنان، ويجتمع الناس لزيارته في اليوم السادس والعشرين من شهر رمضان، وشهدت الاجتماع به في بعض السنين، ورأيت هنالك بدعاً تقام حول القبر، وعسى أن يكون أهل العلم قد قاوموها، وليس لهم من أثر على أن هذا قبر خالد بن سنان سوى ما شاع هناك من أن بعض الصالحين أخبر بذلك.
стр. 1005
محمد رسول الله وخاتم النبيين (١)
* حال العرب قبل مبعثه ﵊ -:
كان العرب قبل البعثة المحمدية في ظلمات من العقائد الزائغة، والمزاعم الساقطة، والعادات المستهجنة، والأعمال المنكرة.
أما زيغ العقائد، فقد كانوا على ملل ونحل حائدة عن السبيل - منهم: الدهرية الذين لا يؤمنون بإله يدبر العالم، وينكرون البعث والحساب فما بعدهما. ومنهم "الثنوية": الذين يقولون بإلهية النور والظلمة، ومنهم: عبدة الأصنام، وعباد القمر، وعبّاد الشمس، وعبّاد الكواكب؛ كالثريا، والشعرى، والدبران، وعبّاد النار، وعبّاد الملائكة، وعبّاد الجن، ومنهم: الصابئة، الذين يعظمون الكواكب، ويعتقدون أن لها أثراً في الحوادث الكونية. وكانت اليهودية في قوم، والنصرانية في آخرين، وقد طرأ على هاتين الديانتين تحريف بعد بهما عن الصراط المستقيم.
وأما المزاعم الساقطة، فإنهم كانوا يتعلقون بخيالات وآراء مزرية؛
стр. 1006
كالاستقسام بالأزلام، والتشاؤم بكثير من الأشياء، وتعليق عظام الموتى على من يريدون وقايتهم من تعرض الأرواح الخبيثة.
وأما العادات المستهجنة، والأعمال المنكرة، فكطوافهم بالبيت عراة، ودسهم البنات في التراب وهن أحياء، وتعاطي الميسر والخمور، وارتكاب الفاحشة، وسفك الدماء بغير حق.
ولكن كان لهم مع هذا الجهل والضلال مزايا ومفاخر لا يستهان بها؛ كالكرم، والشجاعة، وإباء الضيم، والوفاء بالعهد، والطموح إلى العزة. وإذا أضفت إلى هذا بلاغة القول، وحسن البيان، بدا لك جانب من حكمة اختيار الله تعالى لأن يكون العرب أول من ينهض لنصرة هذا الدين العام، وإبلاغه إلى غيرهم من الأمم.
وفي هذه البيئة البعيدة من العلم والرشد ولد سيدنا محمد ﷺ ، وشب على أكمل خلق، وأقوم سبيل.
* نشأته ﵊ وسيرته الطاهرة قبل البعثة:
سبق في مشيئة الله تعالى أن يكون رسوله إلى الناس كافة هو سيدنا محمد ﷺ ، فتولاه منذ ولد برعايته، وجعل العصمة غدوته وروحته، فكانت صحيفة حياته منذ ولد إلى أن توفي متلألئة تلألؤ القمر الزاهر في سماء مصحية.
ولد ﷺ في أشرف بيوت العرب نسباً، وأرفعها حسباً، وهو بيت هاشم ابن عبد مناف. وشبَّ على توحيد الله تعالى، والتحلي بمكارم الأخلاق؛ من نحو: العفاف، والأمانة، والصدق، وكبر الهمة، والصبر على الشدائد، والوفاء بالعهد. وقد وصفته خديجة- ﵂ حين رجع إليها يرجف
стр. 1007
فؤاده مما فاجأه به ملك الوحي لأول مرة، فقالت له:
"كلا والله؛ ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، وتصدق الحديث".
فقد ساقت في هذا الخطاب جملة من الخصال التي كان ﷺ متحليا بها قبل البعثة، فنبهت على أنه كان يحسن إلى الأقارب وغير الأقارب، ويقوم بحق الضيف، ويعين على نوائب الحق، وهذه كلمة جامعة تتناول كل ما تكون به الإعانة على النوائب؛ من نحو: المال والبدن والجاه. وفي قولها: "تصدق الحديث" شاهد على أنه كان يتحرى الصدق في جميع أحواله، وأنه لم يكن ينطق حتى قبل النبوة إلا بما هو حق.
وانظروا في حديث هرقل ملك الروم، إذ كان يسال أبا سفيان عن حال النبي ﷺ ، وأبو سفيان لم يزل على جاهليته؛ قال هرقل لأبي سفيان: "فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ "، فقال أبو سفيان: "لا". فدل هذا الجواب الصادر من أشد الناس عداوة للرسول ﵊ وقت السؤال على أنه ﷺ معروف عند قومه بصدق اللهجة. وقد أخذ هرقل من هذا الجواب شاهداً على صدقه في دعوى الوحي، وقال: "فقد أعرف أنه لم يكن ليذرَ الكذب على الناس ويكذب على الله" (١).
وما زال ﷺ محفوفاً بالرعاية والعصمة، حتى رفعه الله تعالى إلى مقام الرسالة العظمى، ونزل عليه الروح الأمين بالقرآن الحكيم.
стр. 1008
* دلائل نبوته:
الكلام في دلائل نبوة المصطفى ﷺ خوض في بحر لا يصل فيه الكاتب إلى شاطئ، فليس في استطاعتي استيعابها، ولا الإلمام بمعظمها. وغاية ما يسعني في هذا المقام: أن أسوق منها طائفة إذا اتصلت بعقول سليمة، لم ياخذها ريب في أنه ﵊ رسول رب العالمين.
لدلائل نبوته ﵊ أصول، هي: القرآن الكريم ، ثم بشارات الأنبياء والرسل به من قبل ظهوره، ثم سيرته التي لا تقاس بكمال بسيرة، ثم ما جرى في حضرته من المعجزات المحسوسة.
* القرآن الكريم:
نزل القرآن الكريم على النبي ﷺ يحمل حقائق صادقة، ومعجزة باهرة.
أما الحقائق، فهي ما أرشد إليه من العقائد السليمة، والآداب النبيلة، والأحكام العادلة، والموعظة البالغة.
وأما المعجزة، فهي ارتفاعه في حكمة المعاني، وسمو المقاصد، وفصاحة الكلم، وجودة النظم، وروعة الأسلوب، إلى مرتبة يقف دونها فطاحل البلغاء بمراحل.
ومن المعروف أن معجزات الأنبياء تجيء مناسبة لحال أقوامهم، ففي زمن موسى ﵇ كانت الغلبة للسحر، فكانت معجزته قلب العصا ثعباناً، وذلك ما يعجز عنه كل سحّار عليم، وفي زمن عيسى ﵇ كان التنافس في الطب، فجاء بما لا يصل إليه الأطباء، وهو: إحياء الموتى. وفي زمن خاتم النبيين ﷺ كان التفاخر بالبلاغة وحسن البيان، فجاء بما أعجز كل خطيب مصقع، وشاعر مفلق، وهو القرآن الكريم.
стр. 1009
والحقيقة أن دلالة القرآن على صدق من جاء به لا تقف في ناحية واحدة، بل القرآن يدل على صحة نبوة سيدنا محمد ﷺ من وجوه مختلفة، فمن هذه الوجوه: بلوغه في حسن البيان منزلة يحسها البلغاء بعقولهم وأذواقهم، ولا تنالها ألسنتهم ولا أقلامهم.
يشهد لك ببلوغه مرتبة الإعجاز: ذوقك السليم، وبصيرتك النقية، ويؤيد هذه الشهادة: أن الله تعالى قد تحدى به العرب على لسان نبيه ﷺ ، فقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]،. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣]،. تحداهم بالقرآن، ونادى عليهم بالعجز عن أن يأتوا بسورة من مثله، ولم يستطع أحد منهم، وهم المجلون في حلبة البلاغة، أن يتصدى لمعارضته، ولو بمقدار سورة، بل جنحوا إلى مقابلته بالسخف من القول، ووصفه بأنه أساطير الأولين. ولما عرفوا أنه يمتلك ببلاغته النفوس، ويستولي بحكمته على القلوب، لم يكن منهم إلا أن حاولوا صرف الناس عن سماعه، وكانوا يقولون لأوليائهم: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦].
ومن مزايا القرآن: أنه لا يتناول فناً من فنون الكلام إلا أتى باللفظ الرائع، والأسلوب الفائق، وقصارى الواحد من بلغاء البشر أن يبرع في بعض فنون القول، وإذا وجه قريحته إلى فن آخر، أدركه الضعف، ولم يتجاوز فيه المنزلة المتوسطة أو السفلى.
وإذا حققت النظر في حال الخطباء والشعراء الذين يصبح كل واحد منهم علماً في الفصاحة والبلاغة يشار إليه بالبنان، لم تجد منزلتهم بعيدة من
стр. 1010
منازل البارعين من غيرهم بعداً يبلغ بها حد الإعجاز؛ كالبعد ما بين منزلة القرآن ومنازل غيره من منثور الخطباء، ومنظوم الشعراء.
ومن وجوه دلالة القرآن على صدق النبوة المحمدية: أنه أخبر عن أمور من قَبيل الغيب، ووقعت كما أخبر. ومن المعروف في هذا القبيل قوله تعالى: ﴿لم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ١ - ٥].
وبيان هذا: أن حرباً كانت قد وقعت بين الفرس والروم، وكانت عاقبة الفوز للفرس، وكان قريش يتشيعون للفرس؛ لأنهم لا يدينون بكتاب، والمسلمون يودون انتصار الروم؛ لأنهم أهل كتاب، فنزلت الآية مخبرة أن الروم سيغلِبون الفرس في بضع سنين، والبضع في لغة العرب يستعمل في التسع فما دون. وقد وقع ما أخبر به القرآن، فعاد الروم والفرس إلى الحرب لسبع سنين من الحرب الأولى، وكان الظفر للروم. ويروى أن انتصار الروم على الفرس في هذه الحرب كان سبباً لإسلام كثير من الناس؛ لوقوعه كما أخبر القرآن.
ومن الآيات المنبئة عن أمر مستقبل: قوله تعالى خطاباً لنبيه الكريم: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]؛ فقد كان أعداؤه ﷺ من المشركين وغيرهم حريصين على قتله، وكان ﵊ يخرج لكل من يريد لقاءه، ويجلس مع كل من يبغي الجلوس معه، ولا تنس أن حوله منافقين يحملون له أشد البغضاء، ويتصلون به اتصال الأصحاب والأقرباء، ومع كثرة أعدائه، وتهالكهم على الكيد له، ومع ظهوره للناس في أي وقت شاؤوا، ومشيه
стр. 1011
في الطريق والأسواق وحده، أو مع من لا يستطيع أن يدفع عن نفسه، لم تمتد إليه يد بسوء، ولم يمت إلا على فراشه، وذلك مصداق قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].
ومن وجوه دلالة القرآن على صدق الرسول ﵊: ورود معانيه كلها على الوجوه المعقولة، وعدم مخالفتها للعلوم الصحيحة، وإنما كان محمد ﷺ أمياً لا يقرأ ولا يكتب، ولم يجتمع بذي علم أو فلسفة، فلو لم يكن القرآن من الله حقاً، لوجد في كثير من آياته ما تنكره العقول السليمة، ووجد في كثير من آياته ما يخالف الآراء المسلَّمة أو الراجحة، شأن ما يتكلم به غيره من البشر، وإن لم يكن أمياً. بل ظهر في كثير من آياته معان لم تنكشف لأهل العلم إلا منذ عهد قريب.
فانظر إلى قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦]؛ العلم الحديث أن في كل نبات ذكراً وأنثى.
ثم انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [لحجر: ٢٢]؛ فقد ثبت في علم النبات أن الرياح تنقل اللقاح إلى عضو التأنيث من النبات.
واعتبر في قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٣ - ٤]، فالآية مسوقة للرد على من أنكر جمع العظام بعد بلاها وتفرقها، على معنى إنكار إعادة الشخص بعينه. ووجه تخصيص البنان بالذكر مطابق لما أثبته العلم من أن لبنان كل إنسان هيئة خاصة لا تماثلها هيئة بنان إنسان آخر من كل وجه.
ومن نظر إلى أن محمداً ﷺ نشا في أمية، ثم أمعن النظر في قوة أدلة
стр. 1012
القرآن، وقيام حججه على قانون المنطق الصحيح، لم يترتب في أنه تنزيل من حكيم حميد، فانظر إلى قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]؛ فإنك ترى في الآية حجة قائمة على أن الله واحد، وأن الإلهية تقتضي الاستقلال بالتصرف في الكون، تغييراً وتبديلاً، وإيجاداً وإعداماً.
فجميع حجج القرآن واردة على قانون المنطق السليم.
قال بعض فلاسفة الإسلام: "لقد تاملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي غليلاً، ولا تبرئ عليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن".
ولتعدد نواحي دلالة القرآن على صدق النبي ﷺ كانت تلاوته تجمع بين الدعوى والحجة. وكثير من الداخلين في الإسلام بإخلاص لم يشهدوا من آيات النبوة أكثر من أنهم سمعوا سورة، أو آيات من القرآن، فرأوا الدعوة مقرونة بالحجة، فعرفوا أنه كلام الله الذي لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ولامتلاء القرآن بآيات صدق الدعوة المحمدية أنكر الله تعالى على من يقترحون على رسوله الآيات البينات، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١].
* بشارات الأنبياء والرسل به قبل مجيئه:
إن رسولاً عظيماً كمحمد ﷺ في عموم بعثه، وخلود دينه وشريعته - جدير بأن يعلم الله بمبعثه رسله وأنبياءه ﵈, ويصفه لهم ببعض نعوته وعلاماته، ويعهد إليهم بأن يبشروا أقوامهم بظهوره،
стр. 1013
ويوصوهم بقبول دعوته وحسن طاعته.
وكذلك جاء في القرآن الكريم: أن أهل الكتاب يجدون النبي ﷺ في التوراة والإنجيل، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. فهذه الآية صريحة في أن المصطفى ﷺ مكتوب في التوراة والإنجيل. والمراد بكتابته فيهما: ذكر مبعثه ودعوته وشيء من نعوته، وهذا المعنى موجود في الكتابين يقيناً، فقد نزلت الآية على مسمع من علماء الأمتين: اليهودية والنصرانية، فمنهم من يؤمن به ﵊، ويخبر بما في كتبهم من ذكره بصفته وعلاماته، ومنهم من لا ينكر أن يكون قد ذكر في الكتابين رسول بهذه النعوت والعلامات، ولكنه يكابر في أن المراد منه المصطفى- صلوات الله عليه-، ويقول: المقصود منه نبي آخر. وفي مثل هؤلاء نزل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦].
وقد تصدى لجمع هذه البشائر من كتابي التوراة والإنجيل طائفة من أهل البحث والعلم، وبينوا وجه انطباقها على حال النبي ﷺ ؛ بحيث لا تأخذ الناظر شبهة في أنه الرسول الذي بشرت الأنبياء بمبعثه وعموم رسالته.
ومن هذه البشائر الباقية في التوراة والإنجيل إلى هذا العهد: ما جاء في سفر التثنية من التوراة: "أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به".
والنبي المماثل لموسى ﵇ في الرسالة العظيمة والشريعة المستأنفة، هو سيدنا محمد ﷺ ، وإخوة بني إسرائيل هم العرب؛ لأنهم
стр. 1014
يجتمعان في إبراهيم ﵇؛ ولو كان النبي الموعود من بني إسرائيل، لقال: من أنفسهم. وقوله: "وأجعل كلامي في فمه" يوافق حال النبي ﷺ من الأمية وعدم تعاطي الكتابة.
هذه بشارة نذكرها على وجه المثل. وإن شئت الزيادة، فارجع إلى الكتب التي عنيت بجلب نصوص تلك البشائر، وبيان أنها لا تنطبق إلا على حال محمد ﷺ ؛ ككتاب "هداية الحيارى" لابن القيم، وكتاب "إظهار الحق" للشيخ رحمة الله الهندي.
ولشدة موقع هذه البشارات في الدلالة على صدق نبوته ﵊ ذكرها القرآن الكريم في دلائل النبوة، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧].
وإنما كان علم علماء بني إسرائيل من آيات صدقه؛ لأنهم يستندون في هذا العلم إلى ما في التوراة من نعوته وعلاماته، مع القطع بأن هذه النعوت والعلامات مطابقة لحاله ﵊.
* سيرته:
من نظر في سيرته ﵊, وجدها من أعظم الدلائل على أن بين جنبيه نفساً بالغة من الكمال ما لا يبلغه الإنسان الذي يطلب المعالي بنفسه، ولو بلغ من العبقرية ما بلغ، ولقن من الحكمة ما شاء أن يلقن.
وأوجز الحديث عنها في هذا الفصل فاقول:
طالعْ كتب التاريخ، عربية وغير عربية، وأمعن النظر في أحوال عظماء الرجال من مبدأ الخليقة إلى هذا اليوم، فإنك لا تستطيع أن تضع يدك على اسم رجل من أولئك العظماء، وتقص علينا سيرته ومزاياه، وأعماله الجليلة
стр. 1015
حديثاً يضاهي أو يداني ما نحدثك به عن هذا الرسول العظيم.
سنحدثك عن خلقه وآدابه، ومثابرته على عبادة الله آناء الليل وأطراف النهار في فصل ياتيك بعد، وضم إلى هذا: أنه قضى نحو عشر سنين في مناهضة خصومه من مشركي قريش وغيرهم، ولم تشغله تلك المناهضة المستمرة وما تستدعيه من تدبير، ولا إقباله على العبادة بمجامع قلبه، أن يتلقى عنه الناس أحكام الوقائع في العبادات والمعاملات والجنايات.
وأضف إلى هذا: نظره في طرق سياسة الأقوام الداخلين تحت لوائه، وفي فصل ما ينشب بينهم من خصومات، وضع بجانب هذا: ما كان ينطق به من الحكم الرائعة، والمواعظ البالغة. واعتبر بعد هذا فيما وهبه الله تعالى من بيان يسترعي الأسماع، ويأخذ بالألباب، فإنك إن تدبرت هذا الذي أومأنا إليه، ورجعت في الوقوف على ما يفصله إلى الروايات الصحيحة، لم تتردد في أن تاييد الله تعالى هو الذي رفع صروح هذه السيرة، وجعلها حافلة بتلك المحامد والمفاخر التي تنقطع دونها كل سيرة.
* المعجزات المحسوسة:
جرت على يده ﷺ خوارق عادات شهدها الناس الذين أدركوا عهد البعثة، ورويت لنا بأسانيد ثابتة تتصل بأمة كبيرة من الصحابة ﵃، ويرويها عن الصحابة جماعة من أهل العلم والتقوى حتى تصل إلى أئمة أمثال: مالك ابن أنس، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ومسلم.
ومن هذه المعجزات ما يبلغ في روايته مبلغ التواتر، ومعظمها ورد بطريق خبر الآحاد، ومجموع أحاديثها يفيد العلم القاطع بأن هذا النوع من الآيات قد جرى على يده ﵊, ولم يعتن الصحابة أو
стр. 1016
التابعون بروايتها الاعتناء الذي يرفع كل واحد منها إلى مرتبة التواتر المفيد للقطع؛ لعلمهم أن في القرآن الكريم، وحكمة الشريعة، والسيرة النبوية آياتٍ بينات، ودلائل تكفي الناظر، فلا يحتاج إلى غيرها من الآيات التي كانت قد وقعت وشهدها قوم آخرون.
ويدخل في هذا الباب: إخباره ﵊ بأمور غيبية واقعة؛ كنعيه للنجاشي يوم موته، وقوله للصحابة: "مات اليوم رجل صالح، فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة (١)، وإخباره عن أمور مستقبلة؛ كقوله لعدي بن حاتم: "إن طالت بك الحياة، لترين الظعينة ترحل من الحيرة (٢) حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله"، وقوله له: "لئن طالت بك حياة، لمفتحن كنوز كسرى"، قال عدي: قلت: كسرى هرمز؟! قال: "كسرى هرمزدا، قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى (٣).
وهذا النوع من المعجزات قد ينفع في هداية الذين يؤخذون بالدلائل المحسوسة أكثر مما يؤخذون بالدلائل المعقولة. وقد يجري بمحضر المؤمنين؛ ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم، أو يجري حيث يكون في المعجرة دفع حاجة لا تدفع إلا بها؛ كتكثير المال القليل في بعض الغزوات ليكفي حاجات الجماعات الكثيرة.
стр. 1017
* عموم بعثته ﵊ -:
كان العالم قبل البعثة المحمدية في ظلمات من الزيغ عن الحق، والجهل بطريق السعادة، يستوي في هذه الظلمات الأمة العربية وغير العربية. وقد قصصنا عليك من حال الأمة العربية ما قصصناه آنفاً. وأما الأمم غير العربية، فمنها من كانوا على المجوسية , كالفرس، والبربر، ومنها من كانوا على البراهمية، أو البوذية؛ كالهنود والصينيين، ومنها من كانوا على نصرانية خرجوا بها عن وجهها الصحيح؛ كالروم.
هذه حال معظم الأمم قبل البعثة، فهي إما مغموسة في الوثنية القذرة، أو منتمية إلى شريعة سماوية محرَّفة، ولا تبنى الأعمال الصالحة والمدنية الفاضلة إلا على أساس العقيدة القيمة:
وإذا كان في الأنابيب حيف ... وقع الطيش في صدور الصِّعاد (١)
وإذا نظرت إلى هذه الأمم من الوجهة الاجتماعية والخلقية، وجدتها في تمزق وفساد، حتى الأمتين اللتين كانتا على أثارة من العلم أو المدنية، وهما: الفرس، والروم.
فالأمم إذاً في حاجة شديدة إلى دعوة دينية صحيحة تنقذها مما هي فيه من شقاء، وتهديها الصراط السوي الذي يكفل لها السعادة في الآخرة والأولى، فكان من مقتضى الحكمة دعوة الناس- على اختلاف شعوبهم وقبائلهم- إلى الدخول في دين واحد، والسير على أصول شرع ثابتة، وذلك الدين هو الإسلام، وتلك الأصول هي أصول شريعته المحكمة، فكان من
стр. 1018
مزايا الرسالة المحمدية: أن جاءت لهداية أمم الأرض قاطبة.
ولعموم رسالته ﷺ دعا العرب، وبث فيهم هداة، ثم بعث رسلاً من أصحابه إلى ملوك من غير العرب، وكتب معهم كتباً يدعوهم فيها إلى الإسلام، فبعث دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر (ملك الروم)، وبعث عبدالله بن حذافة السهمي إلى كسرى (ملك الفرس)، وبعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي (١) (ملك الحبشة)، وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس (ملك الإسكندرية).
ولعموم رسالته ﷺ ، وعدم اختصاصها بقوم دون قوم، جاءت شريعته حافظة بنصوصها وأصولها لصالح كل الأوطان، متقاربة أو متباعدة. يعرف هذا حق اليقين من درس الشريعة، وألم بجانب من تاريخ القضاء والفتوى في الإسلام.
* دوام شريعته وختمه للنبوة:
عرفت أن الإسلام دين عام، لا تختص هدايته بأمة دون أمة. وهو - بعد هذا- دين خالد، لا يخلفه دين، ولا يطرأ على شريعته نسخ. ولخلود هذا الدين، وتوجه دعوته إلى الناس جيلاً بعد جيل، جعل الله فيها آيات صدق المبعوث به آية قائمة ما قامت السماوات والأرض، تعيها الأسماع، وتجول فيها الأنظار، وتستضيء بها الأبصار، وهي: القرآن الحكيم.
ولبقاء شريعته إلى يوم البعث كانت نصوصها وأصولها موافقة لما يقتضيه حال كل عصر. وكيف لا تكون كذلك، وهي قائمة على قواعد، منها:
стр. 1019
"الضرر يزال"، و"المشقة تجلب التيسير"، و"الأعمال بمقاصدها"؟.
وإذا كانت آية صدق النبي ﷺ باقية، ودينه قيماً، وشريعته كافلة لمصالح العصور ما تجددت، كان ختمه للنبوة على وفق الحكمة البالغة، قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
وقال ﷺ : "وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبوة" (١).
وقال ﷺ : "إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي، ولا نبي (٢) "، إلى غير هذا من الأحاديث البالغة مبلغ التواتر المفيد للقطع.
ومن قرأ التاريخ في الزمن البعيد أو القريب، ومرّ فيه على قصص الأشخاص الذين ادعوا النبوة من بعده ﵊، وجدهم أخف الناس عقولاً، وأسخفهم أقوالاً، وأبعدهم عن الفضل مكاناً، وسرعان ما تنكشف سرائرهم، ويظهر - حتى لغير النبهاء من الناس - زورهم، وتنتهي بالخيبة دعايتهم، ولا يبقى من آثارهم سوى نوادر يتفكه بها السّمار ترويحاً عن خواطرهم.
* خلقه ﵊ وآدابه:
أدلك على أخلاقه العظيمة، وآدابه السنية بكلمة: هي أن كل خلق عظيم، أو أدب سني ورد في القرآن الحكيم، قد تحلى به الرسول الاكرم، وصار مثاله الأكمل الذي يتأسى به مريدو الفضيلة، وبغاة الأدب النبيل.
стр. 1020
ولعلك تعلم - كما أعلم - أن الذكر الحكيم لم يغادر خلقاً كريماً، ولا أدباً سامياً، إلا نبه على مكانه، وحث على التجمل به. فإذا قرأت في كتاب الله آية ترشد إلى خلق مثل الصبر، أو الحلم، أو الجود، أو الشجاعة، أو العدل، أو الصدق، أو الحياء، أو الزهد، أو الوفاء بالعهد، فاقطع بأن هذا الخلق قد أخذ من نفس سيدنا محمد ﵊ المكانة التي لم يأخذها في نفس من سبقه من العظماء، ومن جاء بعده.
وإذا قرأت في كتاب الله آية ترشد إلى أدب جميل؛ مثل: استئذان الرجل عند دخول بيت مسكون غير بيته، أو جدال المخالفين بالتي هي أحسن، أو المشي على الأرض هوناً، أو غض الصوت ورفعه عند الخطاب بقدر الحاجة، فتيقن أن هذا الأدب داخل في آداب رسول الله ﷺ التي لم تكن تاخذه عنها غفلة.
لا أقول هذا مستنداً إلى مجرد أنه المبلِّغ للقرآن، وشان المبلغ للقرآن أن يكون متحلياً بما فيه من مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، بل أستند إلى هذا، وأستند إلى ما يصفه به القرآن من مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. ثم أستند إلى كتب السنة الصحيحة؛ فإنك إذا جئتها، بهرت قلبك بما تقصه عليك من أخلاقه الكريمة، وآدابه الآخذة بالألباب.
فتراه ﷺ يلقى الخطوب بعزم لا يهن، ويحتمل البلاء بصير لا يتزلزل. وحسبك شاهداً على هذا: ما كان يلاقيه قبل الهجرة من أذى المشركين، ثم ما كان يلاقيه في بعض غزواته من شدائد، فلا يكون من ذلك الأذى، ولا تلك الشدائد إلا أن تزيد عزمه صرامة، وصبره قوة.
وتراه ﵊ متواضعاً في غير تصنع، فحاله مع