← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

ثم إنك تجد القرآن لا يتناول فناً من فنون الكلام إلا أتى باللفظ الرائع، والأسلوب البديع، وقصارى الواحد من بلغاء البشر أن يبرع في بعض فنون القول، ويضيق باعه في فنونه الأخرى، فلا يدرك فيها سوى المنزلة المتوسطة أو السفلى. وإذا نظرت إلى الأفراد الذين يفوقون أقرانهم فصاحة وبلاغة، ويصبح كل واحد منهم علماً في عصره يشار إليه بالبنان، لم تجد منزلتهم بعيدة من منازل البارعين من غيرهم بعد أن يجعلها خارقة للعادة، كالبعد ما بين منزلة القرآن ومنازل غيره من منظوم الشعراء ومنثور الخطباء. وإذا بدا لنا أن في الإسلاميين أو المحدثين من يفوق بلغاء العرب يوم البعثة، فالفضل في هذا عائد إلى القرآن؛ إذ كانوا يهتمون بنور بيانه، ويجتهدون في أن ينسجوا على منواله، وهم على ما سنه القرآن من طرق الإبدل، وأدناه من قطوف البيان، لَمْ يستطيعوا أن يأتوا بما يداينه، فضلاً عما يقف بجانبه. وقد كان رسول الله ﷺ أفصح العرب منطقاً، ونجد الفرق بين حديثه والقرآن الكريم جلياً واضحاً، ومن عقد بينهما مقايسه، رأى حق اليقين أن أولئك الذين يقولون: إن القرآن من تاليف محمد، قوم لم يذوقوا للبلاغة طعماً، أو لم يهتدوا للإنصاف سبيلاً. ومن تلك الوجوه: ما احتواه من الأخبار عن أمور من قَبيل الغيب، وظهرت بعدُ كما أخبر. من شواهد هذا الوجه: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. فقد عاش رسول الله ﷺ وهو محاط بأعدائه الذين يتمنون له الموت العاجل، ويحرصون أشد الحرص على أن لا يتاخر في الحياة ساعة من زمان،

стр. 1052

وهم أصحاب جرأة واغتيال، ولم يكن ﵊ ممن يجعل بينه وبين الناس حجاباً، ولا يهتم بأن يتخذ منهم حراساً، وكان يضع نفسه عندما يحمى وطيس الحرب بالمكانة الأولى، ومع ما لأعدائه من التلهف على قتله، والتهالك على الفتك به، ومع ماله من الانفراد عن أصحابه في كل حين من الأحيان، وظهوره لأعدائه كلما رغبوا في الاجتماع به، وتقدمه لمواقع الجهاد ليس بينه وبينهم حامية، لم يأته أجله إلا وهو على فراشه، وذلك مصداق قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. ومن شواهد هذا: قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ١ - ٤]. وقد وقع ما أخبر به القرآن، فعاد الروم بعد غلبهم إلى محاربة الفرس، وظهروا عليهم في السنة السابعة من الهجرة، ويروي أن خبر هذه الواقعة كان السبب في إسلام أناس من الجاحدين غير قليل. ومن تلك الوجوه: قوة أدلته؛ فقد عرفنا أن محمداً - صلوات الله عليه - قد نبت في وادي جاهلية، ونشأ في أمية، ونجد مع هذا حجج القرآن العقلية القائمة نافذة، كقوله في الاستدلال على وجود الخالق: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥]. فإن المعنى: أوجدوا من غير موجد، أم هم الذين أوجدوا أنفسهم؟!. وكلا القضيتين غير صحيح، فوجب أن يكونوا صنع قادر حكيم. وكقوله في الاستدلال على وحدته: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].

стр. 1053

وقوله: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]. ففي الآيتين برهان قائم على وجوب وحدة الإله، وأن الألوهية تقضي الاستقلال بالتصرف في السماوات والأرض تغييراً وتبديلاً، إيجاداً وإعداماً. وكقوله يدفع شبهة منكري البعث، ويريهم أنه من قَبيل ما يدخل تحت سلطان قدرته: [قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩]. وهكذا نجده يأتي على شُبههم بما يزيحها، وينادي على غلطهم في إيرادها؛ كقوله تعالى في الرد على من ألحفوا في أن يكون الرسول مَلَكَاً: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] , يريد: أنهم لا يستطيعون الأخذ من المَلَك وهو في صورته الملكية، ولو بعثه إليهم في صورة بشر، لعادوا إلى هذا اللبس الذي يلبسون، وما كانوا مؤمنين. فجميع حجج القرآن واردة على قانون المنطق الصحيح، ومن لم ينتفع بها، ويستقم على طريقتها، فلأنه استكبر عليها، أو لم يوقع النظر على وجه دلالتها. قال الرازي: "وقد تأملت. الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن". قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأحسن الأدلة العقلية: الأدلة التي بينها القرآن، وأرشد إليها الرسول، فينبغي أن يعرف أن أجلَّ الأدلة العقلية وأكملها

стр. 1054

وأفضلها مأخوذ عن الرسول". ومن تلك الوجوه: غزارة حِكَمِهِ ونبوغها؛ بحيث جاءت آخذة بأسباب السعادة، آتية على الخصال التي تسمو بها الأفراد والجماعات إلى سماء السيادة، ومن أمثلة هذا قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]. فمن الطبائع الغالبة على البشر: التسرع إلى إذاية العدو بما أمكن. ومن مقاصد القرآن: تقويم الطباع التي تنزع إلى الأذى، وتبعث على التقاطع، فجاءت هذه الآية تامر الإنسان بأن يسللك في دفع خصمه الطريقة التي هي أجمل؛ رجاء أن يكون لهذه المجاملة أثر صالح، هو قلب العداوة ألفة وصداقة. ومن أمثلة هذا الوجه: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]. أمر بالتثبت فيما ينقله الفاسق؛ حذراً من أن يكون حديثاً مفترى، فيكون العمل عليه على الجهالة، وعاقبة عمل الجاهل ندامة وخسران، وكم من بلاء يلحق الأشخاص أو الجماعات من اندفاعهم إلى العمل على خبر الفاسق قبل أن يتبينوا!. وانظروا إن شسّم إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨]. فهذه الآية نصيحة للأمة بأن لا ينخدعوا لقول لين، ووعد مؤكد يبذله لهم العدو، فيركنوا إليه بقلوبهم، ولا يأخذوا منه حذرهم، فإذا هو يبسط عليهم

стр. 1055

سلطاناً طاغياً، ويريهم أنه ألانَ لهم القول خادعاً، وقطع لهم العهد غادراً، وإن هذه النصيحة لمن أبلغ النصائح التي تقوم عليها حياة الأمة وعظمتها، ولو حفظها المسلمون في سويداء قلوبهم، وجعلوها بمرأى من أبصارهم، لاستقاموا على عزتهم، ولم يفقدوا شيئاً من حريتهم. ويدخل من قبيل حِكَم القرآن ونصائحه: عنايته بمكارم الأخلاق، فهو مملوء بالحثِّ على نحو الصدق، والحلم، والصبر، والسخاء، والشجاعة، والعدل، والوفاء،. تلك الأخلاق التي تقوم عليها قواعد العمران، وتتأكد بها روابط التوادد والاتحاد، وبها تحرز الأمة قوة معنوية، وأخرى مادية، فلا يجد أعداؤها الطريق إلى أن يطؤوا موطئاً يغيظها. عني القرآن بأصول الفضائل التي هي مطلع السعادة، ومن أجلّ هذه الفضائل: ما يسمونه: الشجاعة الأدبية، وهي خلق الصراحة والإقدام على قول الحق؛ فقد جاء القرآن بها على كمل وجه، وفرضها على الناس في أبلغ خطاب، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]. فهذه الأية تأمر الرجل أن يؤثر الحق على الهوى، ولا يبالي عند إقامة الحق ما ينازعه من عاطفة القربى، وإن بلغت أشدها، وكانت عاطفته نحو والديه اللذين ربياه صغيراً. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]. فهذه الآية تذكر الذين يكتمون ما يعرفون من الحق، وتجعل جزاءهم اللعنة من الله، ومن يتأتى منه اللعنُ من الملائكة والمؤمنين، ومَنِ الذي يجهل

стр. 1056

المفاسد التي تجري على يد عالم يشتري رضا المخلوق برضا الله، ويتبدل متاع هذه الحياة بما هو خير وأبقى؟!. وكم نتلو في القرآن من أنباء دعاة الإصلاح ما شأنه أن يطبع النفوس على خصلة الجهر بالحق، والدعوة إلى الاصلاح، وإن وجدوا الناس على أهواء غالبة، ولقوا في سبيل الدعوة أذى كثيراً. ومن أوضح الآيات في هذا المعنى: قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١]. فالأمة التي تملك الشجاعة الحربية لا تصل إليها يد العدو بأذى، فإذا ضمَّت إلى ذلك الشجاعة الأدبية، استقامت شؤونها الداخلية، وأمنت من أن يفسد عليها رؤساؤها أمر سياستها، أو يضلوا السبيل، فيهيئوا لأبنائها مستقبلاً منكراً شقياً. ومن تلك الوجوه: ما أتى فيه من كلمات العتاب لرسول الله ﷺ على أشياء فعلها، أو همَّ أن يفعلها، ووجه دلالتها على أن دعوته لله خالصة: ما نراه في طبائع الرجال، ولا سيما ذوي المكانة في قومهم؛ من أنهم يحرصون ما استطاعوا على أن تكون جميع آرائهم في نظر الناس سديدة، وجميع أعمالهم حكيمة ولو كان محمد ﷺ من أولئك الذين يدعون القرب من الله، والكرامة عنده رياء وخداعاً، وكان هذا القرآن من تأليفه- كما يزعم الجاحدون -, لوجد نفسه في غنى عن هذه الآيات التي تحمل وتدلُّ قراءها على أنه فعل خلاف ما هو الأولى. لو كان القرآن من تأليف محمد ﵊, وكان محمد

стр. 1057

من عظماء الرجال فقط، دون أن يكون مبعوثاً من الله هادياً ونذيراً، لما أودع في الكتاب آية: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس: ١ - ١٠]. وقد كان لمحمد - صلوات الله عليه - أن يعتذر لابن أم مكتوم حين انصرف عنه بوجهه بأنه كان يرجو هداية أولئك الغاوين الذين تصدى لدعوتهم، وكل أصحابه يتلقون هذا العذر بقبول، ولكن الله تعالى يريد أن يعلمنا أن للنفوس الزاكية مزيداً وفضلاً على النفوس الطاغية، فليس لأحد أن يعبس في وجه نفس تطلب الخير، ملتفتاً عنها إلى نفس مضروبة في الغواية. * السيرة النبوية: سنَّة الله في الخليقة: أن من تظاهر بغير ما هو واقع، وادعى لنفسه ضرباً من ضروب الكمال زوراً ورياء، فلا بدَّ أن يفتضح أمره، ولو بعد أمد، ثم لا تكون عاقبته إلا خساراً وهواناً، والشأن في فضيحته ووخامة عاقبته أن تكونا على قدر ما يدعيه لنفسه من كمال واصطفاء، ولا كمال ولا عظمة للإنسان فوف مقام الرسالة والنبوة، فمن ادعى هذا المقام، فقد ادعى أقصى ما يمكن للبشر إدراكه، وادعى أنه أقرب الناس، أو من أقربهم إلى رب العالمين. فلو أن محمداً - صلوات الله عليه - ادعى الرسالة بغير صدق، لاستبان لمن اتبعه من ذوي العقول الكبيرة شيء مما ينقض هذه الدعوى، وقد عاش نبي الله بعد دعوى الرسالة نحواً من ثلاث وعشرين سنة، وهي مدة بالغة من الطول ما فيه كفاية لمن أراد أن ينظر في هذه الدعوى من كل ناحية، ويرقب

стр. 1058

سيرة صاحبها؛ لعله يقف على أثر يدلّه على أنه يظهر غير ما يبطن، أو أنه يقول على الله ما لا يعلم. ومن شواهد أن سيرته ﵊ كانت نقية من كل ما يخدش في دعوى الرسالة: أن أشد الناس إيماناً به، وأملأهم قلوباً بمحبته وإجلاله، هم أطول الناس صحبة له، ومن لا يكادون يفارقونه إلا قليلاً؛ كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. ليس في سيرة محمد ﷺ ما يدخل الريب في صحة رسالته، فسيرته من أعظم الدلائل على أنه يحمل نفساً بالغة من العظمة ما لا يبلغه الإنسان الذي يطلب العلا من نفسه، ولو بلغ من العبقرية ما بلغ، ولقن من الحكمة ما شاء أن يلقن. نرى في محمد ﷺ رجلاً نهض بأمة عظيمة في نحو عشرين سنة، كانت متفرقة متشاكسة، فأصبحت متحدة متآلفة. كانت الأمم تنظر إليها بعين الازدراء، فاصبحت معزَّزة الجانب، تفتح البلاد، وتضرب على هذه الأمم بسلطانها الكريم. كانت في ظلمات من الجهل، فأصبحت في نور من العلم دون أن يجلب إليها من بلاد أجنيية، وإنما هو ذلك الرجل الناهض بها يلقي إليها الحكمة بنفسه، ويزكيها بما يتحلى به، أو بما يدعوها إليه من خصال الشرف والحمد. نرى في محمد ﷺ رجلاً أقام بين هذه الأمة شريعة تقرر حقوق الأفراد والجماعات، وتشتمل بتفاصيلها وأصولها على كل ما تحتاج إليه في فصل القضايا من أحكام هي مظهر العدل والمساواة، ولم يعقد لهذه الشريعة لجنة تتألف من أشخاص درسوا قوانين بعض الأمم، وإنما هو ذلك الرجل الناهض بها، يملي عليها أحكام الوقائع، مدنية كانت أو جنائية، يمليها عليها في

стр. 1059

الحضر والسفر، يمليها عليها في يوم السلم، أو في مواطن القتال. نرى من محمد ﷺ رجلاً يستخف بأشياع الباطل، ولا تأخذه الرهبة من كثرة عددهم، ووفر أموالهم، فيلاقيهم بالفئة القليلة، ويفوز عليهم فوزاً عظيماً، ولم يكن بالرئيس الذي يبعث بالجيش إلى مواقع القتال، ويقعد خلافهم حذراً من الموت، بل ترونه يقود الجند، ويدبر أمر القتال بنفسه، ويقابل الأعداء بوجهه، ولا يولّيهم ظهره، وإن تزلزل موقف جنده، وانصرفوا من حوله جميعاً. نرى من محمد ﷺ رجلاً يصرف عنايته في تزكية الأمة، وتدبير شؤونها، والقيام بجهاد عدو هاجم، أو عدو متحفز للهجوم، ولم تشغله هذه الأعمال الخطيرة عن أن يقوم الليل قانتاً لله متهجداً، ثم يملأ جانباً من النهار في عبادة ربه متطوعاً. نرى من محمد ﷺ رجلاً زاهداً في متاع هذه الحياة، ولو كان للشهوات عليه من سبيل، لذهبت به في ابتغاء العيش الناعم مذهبَ أولئك الذين يتظاهرون بالزهد إذا لم يجدوا، حتى إذا ما أيسروا، ورأوا زهرة الحياة الدنيا طوعَ أيمانهم، خلعوا ثوب الزهد، وتحولوا إلى طبيعة الشره كثيراً أو قليلاً. أما تعدد زوجاته ﵊، فقد كان لمصالح جليلة، ومقاصد نبيلة، ندع تفصيل القول فيها إلى محاضرة أخرى. وهل في ميسور ذلك البائس (١) الذي يجحد عظمة محمد ﷺ أن يدلنا على رجل ألَّف بين أمة متفرقة، ثم أفاض عليها حكمة بالغة، وأقام فيها

стр. 1060

شريعة عادلة، وجعلها - وهي فئة قليلة - تظهر على الأمم الكثيرة، دون أن تكون أكثر منها مالاً، وأجود منها سلاحاً. ثم إذا نظرنا إلى هذا المصلح الكبير، والمشرع الخطير، والمجاهد الظافر، نجده طلق اليد إذا بذل، واسع الحلم إذا أوذي، صادق اللهجة إذا حدّث، وبعبارات أوجز: نجده المثل الأعلى لكل خصلة تطمح إليها الهمم الكبيرة. إن هذا إلاَّ محمد بن عبدالله الذي بعثه الله في الأميين رسولاً. وقد دلَّ أبو بكر الصديق ﵁ على أن خلقه ﵊ بالغ من الكمال غاية تنقطع دونها الآمال، فقال حين تشاغل بحرب أهل الردة، واستبطاته الأنصار: "أما كلفتموني أخلاق رسول الله ﷺ ، فوالله! ما ذاك عندي، ولا عند أحد من الناس". * المعجزات المحسوسة: الإسلام دين عام يتوجه الخطاب به إلى كل قبيل، ولا يختص به جيل دون جيل، ومن أجل هذا جعل الله تعالى لصدق المبعوث به دلائل تدرك بالعقل، حتى يمكن للأجيال- على اختلاف أزمنتها- أن تهتدي بها، فيكون إيمانها عن بينة لا عن تقليد، وقد عرفنا أن هذه الدلائل ترجع إلى ما احتواه الكتاب العزيز من حكمة ويلاغة، ثم إلى أخلاق الرسول، وسيرته العملية المنقولة إلينا على طرق صحيحة. وهناك نوع ثالث من أعلام النبوة شهده الناس الذين أدركوا عهد البعثة نسميه: المعجزات المحسوسة، وشأننا في هذا أن نضيفه إلى تلك الدلائل المعقولة متى كان سنده صحيحاً، ووسعته دائرة الإمكان.

стр. 1061

ولهذا النوع من المعجرات أثر في زيادة الإيمان، وإن نقل إلينا على طرق الآحادة فإن أخبار الآحاد المستوفية لشروط الصحة يفيد كل واحد منها ظناً قوياً، والدلائل الظنية إذا تعددت، وأخذ بعضها برقاب بعض، أصبحت بجملتها كالخبر المتواتر، لا تقصر عن أن تضع في النفس اعتقاداً جازماً. درسنا هذا النوع من المعجزات، فوجدناه يروى بأسانيد متينة إلى أمة كبيرة من أكابر الصحابة؛ كعبدالله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعدي بن حاتم، وعائشة أم المؤمنين، وعمران بن جصين، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، والبراء بن عازب، وجماعة من غير هؤلاء، ويرويه عن أصحاب رسول الله ﷺ جماعات من أهل العلم والتقوى، حتى يتصل بأمثال الإمام مالك بن أنس، والإمامين: البخاري، ومسلم. ومن أمثلة هذا النوع: إخباره ﷺ بغيوب واقعة؛ كنعيه للنجاشي يوم موته، وقوله للصحابة: "مات اليوم رجل صالح، فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة"، أو إخباره بغيوب مستقبلة؛ كقوله لعدي بن حاتم: "لئن طالت بك الحياة، لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف الكعبة لا تخاف إلا الله، ولئن طالت بك حياة، لتفتحن كنوز كسرى،. قال عدي بن حاتم: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى. ومن أمثلة هذا النوع: دعاؤه ﷺ ، واستجابة الله له في الحال؛ كواقعة استسقائه وهو قائم في خطبة الجمعة، والسماء مصحية، فما انتهى من الخطبة حتى أرسلت السماء مدراراً.

стр. 1062

إلى غير هذا مما لا يسع المقام الحديث عنه بتفصيل؛ كوقائع تكثير الماء أو الطعام القليل، وآية انشقاق القمر التي لم تبلغ شُبَهُ منكريها أن تضعف الثقة بصحة روايتها ذاتِ الطرق المتينة المتعددة. وهذا النوع من المعجرات قد يقصد به إقامة الحجة على الجاحدين الذين يؤخذون بالدلائل المحسوسة أكثرَ مما يؤخذون بالدلائل المعقولة، وقد يجري بمحضر المؤمنين؛ لتطئمن قلوبهم، ويزدادوا إيمانا على إيمانهم، ومنها ما يشهده الرسول وحده؛ ليرى من آيات الله ما لم يكن قد رأى؛ كواقعة الإسراء، وعلى هذا يدل قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١]. فمن تدبر القرآن الكريم، ودرس السيرة النبوية بعقل سليم، ونظر فيما يرويه أئمة الحديث من المعجرات نظرَ الراسخين في العلم، لم يكن منه إلا أن يكون مسلماً عقيدة قيَّمة، وعملاً صالحاً.

стр. 1063

عظمة رسول لله ﷺ وهدايته (١) أيها السادة! رأت جمعية الهداية الإسلامية أن تحتفل بذكرى مولد الرسول الأعظم محمد ﷺ ، ولا معنى لاحتفالها بهذه الذكرى إلا أن تلقي على حضرات المحتفلين كلمات تلتقط من بحر عظمته، أو تقتبس من سني هدايته. جعلت أنظر هذه العظمة؛ لأصف جانباً منها، وأبصر بتلك الهداية؛ لأقبض قبضة من أثرها، فأحجم الفكر روعة، ونكست الخطابة رأسها صاغرة. وذكرت قول الوزير ابن الخطيب: أيروم مخلوق ثناءك بعدما ... أثنى عليك الواحد الخلاقُ؟! فخطر لي أن أستضيء في حديثي عن عظمة رسول الله ﷺ وهدايته بآيات من الكتاب العزيز، وسبق إلي في التلاوة قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، فرأيت في الآية مرعى خصيباً، ومجالاً فسيحاً. ننظر في سيرة الرسول الأكرم، فنرى ما يبهر الأبصار وضاءة، ويملأ

стр. 1064

القلوب جلالة، فما شئتم من أخلاق عظيمة، وحكم غزيرة، وهمم خطيرة، وأعمال جليلة، فهو الرسول الذي بعثه الله تعالى لإبلاع شريعته المحكمة، وجعله المثل الأعلى لأقصى ما يبلغه البشر في مراقي الكمال والعظمة. ومن أجل هذا عهد الله إلى الناس كافة أن يقتدوا بسنته، ويعملوا للسعادة على سيرته، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] تتناول الآية الكريمة كل ما يتحلى به ﷺ من محاسن الشيم، أو يصدر منه على أنه شرع سماوي، إلا ما علم أنه مختص به؛ كالوصال الذي هو إلحاق الليل بالنهار في الصيام، أما ما يفعله على وجه العادة أو الجبلة، دون أن يظهر فيه معنى للتشريع؛ كالقيام والقعود في بعض الأمكنة أو الأزمنة، وكتركه كل بعض الأطعمة مع تصريحه بإباحتها، فذلك ما لا يتناوله طلب التاسي به، وإن كان عبدالله بن عمر لا يدع التأسي في مثل هذا ما أمكنه. وقد يختلف أهل العلم في بعض ما يفعله ﵊، فيذهب قوم إلى أنه فعله على وجه التشريع، ويذهب آخرون إلى أنه وقع على سبيل العادة. ومثال هذا: أنه ﷺ كان يرسل شعر رأسه إلى أذنيه، فقال بعض أهل العلم؛ كأبي بكر بن العربي: إنه من قبيل الهيئات المشروعة، فالحالق لشعر رأسه يعد تاركاً لما هو سنة، وقال كثير منهم: إنه من قبل العادات التي يأخذ فيها كل قوم بما يجري في وطنهم أو زمانهم. ولو تفقهنا في هذه الآية الكريمة، لانكشف عنا ظلام البدع والمحدثات؛ ذلك أننا نتعرف سيرة رسول الله من طرق الروايات الصحيحة، ونتأسى بها في التقرب إلى الله، فلا نتعدى حدودها لإحداث ما لا يصح أن يكون

стр. 1065

قربة في حال. أما احتفالنا بذكرى مولده الشريف، فإنا لم نفعل غير ما فعله حسان ابن ثابث ﵁ حين كان يجلس إليه الناس، ويُسمعهم مديح رسول الله ﷺ في شعر، ولم نفعل غير ما فعل علي بن أبي طالب، أو البراء بن عازب، أو أنس بن مالك ﵁ حين يتحدثون عن محاسن رسول الله الخُلُقية في جماعة. ليس في استطاعتي أن أفصل القول في السيرة النبوية التي أرشدت الآية إلى اقتفائها، وإنما أنبه على ناحيتين، ترينا إحداهما: كيف كان الرسول ﷺ يطيع الخالق بإخلاص، وترينا أخراهما: كيف كان يعامل الناس في نصح، ويسوسهم في حكمة ورفق. نقلب الوجه في طريقته المثلى، فنجده قد أسلم وجهه للخالق، واستقام على طاعته آناء الليل وأطراف النهار، فكان يتهجد في حجرته كما يتهجد في المسجد، ويعبد الله خالياً كما يعبده في جماعة، ويبتغي رضوانه في السر كما يبتغيه في العلانية. ونحن نعلم أن من أمهات المؤمنين من كان أبوها من أشد الناس إيماناً به، وإجلالاً لقدره؛ كعائشة بنت أبي بكر الصديق، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، ومنهن من كان أبوها من أشد الناس عداوة ومحاربة له؛ كأم حبيبة بنت أبي سفيان، فلو لم يكن يقوم الليل على الدوام كما فرض عليه القرآن، لعلم به المخلصون في صحبته، ودخلهم الريب في صحة دعوته، أو علم به خصومه الألداء فوجدوا في أيديهم ما يطعنون به في صدق نبوته. نحول النظر إلى موققه تجاه الخالق حين تمسه الضراء، فنراه كالعلم

стр. 1066

الشامخ تهب عليه عواصف اليلاء، فلا تلقى إلا قلباً صابراً، وقدماً ثابتاً، وحسبكم شاهداً على هذا: ما كان يلاقيه في بعض غزواته من شدائد، فلا يكون من هذه الشدائد إلا أن تؤكد عزمه، وتشد أزره، وتزيد داعية توكله على الله قوة، وكذلك ينبغي للمسلم أن يواجه البأساء في صبر ووقار، ويعمل على كشفها ما استطاع، ويضيف إلى هذا الدواء الناجع الاعتمادَ على من بيده ملكوت كل شيء، فقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. هذا شأنه ﷺ في الخطوب، أما إذا أفاض الله عليه نعمة، فإنها تنزل بأرض طيبة المنبت، فلا تثمر إلا شكراً، ومن شكره للنعمة: أن لا يتعاظم بها، أو يلبس في معاملة الناس حالاً غير ما كان يلبسه قبلها. وقد كان حاله ﷺ في الزهد والتواضع بعد فتح مكة وغيرها من البلاد كحاله يوم كان يدعو إلى الله وحيداً، وسفهاء الأحلام في مكة يسخرون منه ويضحكون. نصوَّب النظر بعد هذا إلى سيرته في الخليقة، فنراهم أمامه أربع طوائف: ١ - طائفة المهتدين: وهؤلاء يلاقيهم في بشر وطلاقة محيا، ويخالطهم في تواضع يعلَّمهم به أدب المساواة بين الرئيس والمرؤوس، ويحمل لهم من الرحمة ما هو أرق من النسيم، وأجود من الغيث العميم. أما البشاشة وطلاقة المحيا، فإنا نقرأ في الصحيح عن جرير بن عبد الله البجلي: أنه قال: "ما حجبني (١) رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم". فالذين يلقون ذوي النفوس الطاهرة في كلوح وانقباض بعلة المحافظة على الوقار، لم يهتدوا إلى السيرة الحميدة سبيلاً.

стр. 1067

وأما التواضع، فقد قال أنس بن مالك: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خُلُقاً، وإن كان ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: "يا أبا عمير! ما فعل النغير؟ ". فالذين يخرجون للناس في وجوه عليها غبرة الكبرياء إنما يلقون قلوباً نافرةً، وألسنةً ساخرةً، ولقد كان لهم في رسول الله أسوة حسنة لو شاؤوا أن يكونوا أجلاء محترمين. وأما الرحمة، فقد قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وحدثنا عن هذه الرحمة مالك بن الحويرث إذ قال: أتينا رسول الله ﷺ ونحن شَبَبَة (١) متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، فظن أننا اشتقنا أهلنا، وسألَنا عمن تركنا وراءنا من أهلنا، فأخبرناه، وكان رقيقاً رحيماً، فقال: "ارجعوا إلى أهليكم، فعلموهم، ومروهم، وصلُّوا كما رأيتمُوني أصلي". ٢ - طائفة المنافقين: وهؤلاء كان ﵊ يعاملهم بما يشبه معاملة المهتدين من الرفق بهم، والإحسان إليهم، ومقابلة إساءتهم بالعفو. نقرأ في السيرة: أن طائفة منهم هموا بقتله في طريق إيابه من غزوة تبوك، وخاب سعيهم بما أوحى الله إليه من أمرهم، فقال بعض المسلمين: ألا تأمر بهم يا رسول الله فنضرب أعناقهم؟ فكان جوابه أن قال: "أكره إن يقول الناس: إن محمداً قد وضع يده في أصحابه". ٣ - طائفة المخالفين المسالمين: وهؤلاء يلقاهم بالجميل، ويقسط إليهم، ولا يهضم لأحد منهم حقاً، يأخذ فيهم بأدب قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ

стр. 1068

يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]. ونقرأ في الصحيح: أن غلاماً يهودياً كان يخدم النبي ﷺ ، فمرض الغلام، فعاده رسول الله ﷺ ودعاه إلى الإسلام، فأجاب الدعوة، ومات مسلماً. وحسن معاملته ﵊ للمخالفين الذين دخلوا معه في عهده، أو رضوا بأن يعيشوا تحت راية الإسلام، من أوضح الشواهد على سماحة الدين الحنيف، وبنائه على رعاية قاعدتي: الحرية، وتوطيد السلام، فراية الإسلام صالحة لأن تخفق على رؤوس أمم مختلفة في عقائدها، متفاوتة على مرافق حياتها. ٤ - طائفة المخالفين المحاربين: وهؤلاء يخرج لهم ﵊ في مظهر الحزم والاحتراس، ويدفعهم بالتي هي أحكم وأعدل، فيرفق بهم إن كان هنا موضع للرفق، ويأخذ فيهم بسنة العزم إن طغى بهم الشر، فلم يكن الرفق ليزيدهم إلا تمرداً. فإذا أذن - صلوات الله عليه - بقتل كعب بن الأشرف، فلأن كعباً هذا كان شاعراأ، وكان يهجو رسول الله، ويحرض عليه كفار قريش، ويفعل بعد هذا شيئاً هو أشد على قلوب العرب من وقع السهام النافذة، وهو أنه كان يشبب بنساء المسلمين، وقد احتمل منه النبي ﵊ هذا الأذى حيناً، ولما أبى كعب أن ينزع عن إثارة هذه الفتن، أذن لأحد الأنصار في قتله؛ ليميط عن سبيل الدعوة إلى الله حية تسعى، ويدفع عن أعراض المسلمين شعراً مقذعاً. قال سخيفٌ معروف في العراق يتزلف لمذهب النصرانية: إن عيسى فدى العالم بنفسه، ومحمداً قاتل أعداءه حرصاً على حياته. ومن ذا يجهل أن محمداً ﷺ قد أفاض على العامل حكمة وهداية

стр. 1069

وإصلاحاً، وما الحسام الذي يأمر بانتضائه إلا كمبضع طبيب ناصح يشرط به جسم العليل؛ لينزف دمه الفاسد؛ حرصاً على صحته وسلامته، ومن تقصى السيرة النبوية، وجد فيها ما يصدق قول عائشة- ﵂: "ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلا أن تنتهك حرمات الله، فينتقم لله". فمحمد ﵊ لم يقاتل الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون حرصاً على حياته، وإنما كان يقاتلهم حرصاً على حياة الفضيلة، وظهور الحق، وإقامة نظم المدنية المهذبة، ولكن الناشئين على اللهو واتباع الشهوات لا يفقهون.

стр. 1070

شجاعته ﵊ - (١) نحتفل بذكرى مولد المصطفى ﷺ ، وشأننا في مثل هذا الاحتفال أن نورد من سيرته الفاخرة ما فيه أسوة حسنة، أو آية على صدق بينته، وإن سيرة تبهر العيون سناء، وتطرق لها القلوب مهابة، لا يبلغ اللسان من وصفها إلا مقدار ما يبلغه واصف الشمس وهو لا يعرف منها سوى أنها كوكب ينسخ طلوعه سواد الليل. وإذا استدعى هذا الاحتفال أن أصف شيئاً من سيرة صاحب الرسالة العظمى، فإني أخص كلمتي بخصلة خطيرة هي من أول ما يتوقف عليه النجاح في الدعوة، وهي شجاعته ﵊؛ فقد كان المثل الأعلى في رباطة الجأش، واستقبال الخطوب بجيين طلق، وعزم لا يلتوي. ولاحت نجوم للثريا كأنها ... جبين رسول الله إذ شاهد الزحفا كان ﷺ يتقدم في الحرب حتى يكون موقفه أقرب موقف من العدو، وإذا اتقدت جمرة الحرب، واشتد لهبها، آوى إليه الناس، واحتموا بظله

стр. 1071

الشريف، قال الإمام علي ﵁: إنا كنا إذا حمي البأس، واحمرت الحدق، اتقينا برسول الله ﷺ . وقال: ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي ﷺ ، وهو أقربنا إلى العدو. ومما قرأنا في غزوة أحد: أن أبا سفيان جمع جيشاً من قريش وأحلافهم، وأقبل بهم إلى حرب رسول الله في المدينة، فاستشار النبي ﷺ -أصحابه: أيخرج إليهم، أم يمكث في المدينة؟ وكان رأيه أن يتركهم حتى ينفذوا إلى المدينة، فيقاتلهم المسلمون في أفواه أزقتها، فبادر جماعة من أفاضل الصحابة، وطلبوا الخروج إلى العدو بإلحاح، فنهض ﷺ ، ودخل بيته، ولبس لامته. وخرج عليهم، وقد انثنى عزم أولئك الذين كانوا قد ألحوا عليه في الخروج، وقالوا له: إن أحببت أن تمكث في المدينة، فافعل، فقال: "ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه". هذه الكلمة لا تصدر إلا من قلب ملؤه الشحاعة، وفيها شاهد على أن اختياره للمقام بالمدينة حتى ينفذ إليهم العدو، لم يشبه خاطر التهيب من لقائهم، وإنما هو الرأي والمكيدة في الحرب. "ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يحكم الله بينه ويين عدوه". هذه الكلمة لا يقولها إلا من نهض ليقضي حياته في الجهاد، ووجد بين جنبيه شجاعة يصغر أمامها كل عظيم، وكذلك كان المصطفى- صلوات الله عليه-، يحتقر كل ما يسميه الناس خطراً، ويثبت في وجه كل ما تتزلزل له أقدام الأبطال رهباً، وهل يتوارى عن الموت، أو يقطب عند لقائه من يتيقن أن موته إنما هو انتقال من حياة مخلوطة بالمتاعب والمكاره، إلى حياة أصفى لذة، وأهنأ راحة، وأبقى نعيماً؟!.

стр. 1072

بُلي المسلمون في تلك الغزوة حتى وَلَّوا المشركين كتافهم، ولكن رسول الله ﷺ ثبت بمكانه حتى انكفأت عليه كتائب المشركين، وهو في نفر قليل من أصحابه، فهشموا البيضة على رأسه، وجرحوا وجهه الكريم، وكسروا ربَاعيته، ولدينا مشاهد صدق على أنه كان يعظ الناس حين خفوا إلى الهزيمة وعظاً بليغاً. قال تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ)﴾ [آل عمران: ١٥٣] , ولما تقطعت من حوله أسباب النصر الظاهرة، ولم يبق من سبب إلا سنة تأييد الله الخفية، أخذ حصيات، ورمى بها في وجوه المشركين، فأدبروا. ومن أقرب الشواهد على أنه يأخذ بوسائل الحذر، ويلاقي الأخطار في سكينة ورباطة جأش: أنه كان يوم هاجر، وآوى إلى غار ثور احتراساً من أن يبصره عيون المشركين، رأى الشيخ الوقور أبا بكر الصديق وقد ساوره حزن، فثبت فؤاده، وقال له: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]. والشأن في رئيس القوم الذي يأنس في عدوه قوة تفوق قوته أضعافاً مضاعفة: أن يقف موقف الدفاع؛ لأن الغلبة إلى الدفاع أقرب منها إلى الهجوم، وقلما حدثته نفسه أن يهاجم قوماً هم أكثر منه عدداً، وأوفى عُدداً، أما رسول الله ﷺ ، فقد بلغه أن الروم وقبائل من العرب يجمعون جموعهم ليزحفوا على المدينة، فنادى بالتهيؤ لغزو الروم، وجدَّ في السير حتى انتهى إلى تبوك، فقذف الله في قلوب أولئك القوم رعباً، فأتاه رؤساؤهم، وطلبوه إلى الصلح، وأعطوه الجزية، ولما أمن مكرهم، قفل إلى المدينة راجعاً. أما إقدامه في الدعوة إلى الحق، وهو ما يسمونه: الشجاعة الأدبية، فأوضح ما يعبر عنه: أنه نشأ بين قوم غلاظ شداد، لا قانون يرهبهم، ولا محاكم

стр. 1073

تزجرهم، فقام يطعن في دينهم، ويذم آلهتهم، ويسفه أحلامهم، ويعيب كثيراً من عاداتهم، وطالما آذوه فاحتمل الأذى، وتوعدوه فما وهن لوعيدهم، حتى كأن وعيدهم له حث وإغراء. فحقيق على علماء الإسلام وزعمائه أن يقتدوا برسول الله ﷺ في أدب الشجاعة التي هي الإقدام في حكمة؛ فقد جرت سنة الله على أن الحق لا يمحق الباطل، والإصلاح لا يدرأ الفساد، إلا أن يقيض الله لهما رجالاً يؤثرون الموت في جهاد على الحياة في غير جهاد.

стр. 1074

منقذ العالم من الظلمات (١) كان العالم يتخبظ في ظلمات بعضها فوق بعض: ظلمة من الجهل، ظلمة من دناسة الأخلاق، ظلمة من منكر الأعمال، فبعث الله المصطفى ﷺ ليخرج الناس من هذه الظلمات إلى نور يسعى بين أيديهم في الحياة الأولى، ويهديهم السبيل إلى السعادة في الحياة الأخرى. طلع محمد - صلوات الله عليه - بكلتاب ممتع بالحكمة، مقوم للأخلاق، مصلح للأعمال، منظم لشؤون الحياة، تدبرته فئة قليلة، واتخذته قائدها المطاع، فكانت خير أمة جاهدت في الله فانتصرت، وغَلبت فرحمت، وحكمت فعدلت، وساست فأطلقت الحرية من عقالها، وفجرت المعارف ينابيع بعد نضوبها، واسألوا التاريخ؛ فإنها قد استودعته من مآثرها الغر ما بصر بضوئه الأعمى، وازدهر في الأرض ازدهار الكواكب في كبد السماء. هذه حقائق لم أنحُ فيها نحو المبالغة، فإن المصطفى- صلوات الله عليه - قد قضى على عبادة الأوثان، والغلو في الخضوع لغير الواحد القهار، وقضى على الإلحاد وإنكار الإله، فأصبح المؤمنون أمما بعد أن كانوا أفراداً،

стр. 1075

وأنتم تعلمون أن الغلو في تعظيم غير الله رجس من عمل الشيطان، وأن الإلحاد داعية الفسوق والطغيان، فلدعوة محمد ﷺ الفضل الأكبر في رفع النفوس من حضيض الشرك إلى سماء التوحيد الخالص، ولها الفضل في تطهير النفوس من خبث الإلحاد الذي يشوه فطرتها، ويوفر أسباب شقوتها. جاهد المصطفى ﷺ الجهل، وشرّ الجهل عدمُ معرفة مبدع الكائنات بحق، وجاهد الأخلاق الرذيلة، فكرَّه للنفوس الجزع، والجبن، والبخل، والصَّغار، والكِبر، والقسوة، والأثرة. وعلمها الصبر، والشجا عة، والكرم والعزَّة، والتواضع، والرحمة، والإيثار. علّمها الصبر، فهان عليها كل عسير، وعلمها الشجاعة، فحقر أمامها كل خطير، وعلمها الكرم، فجادت في سبيل الخير بكل نفيس، وعلمها العزة، فسمت إلى كل مقام مجيد، وعلمها التواضع، فتألفت كل قلب سليم، وعلمها الرحمة، والرحمةُ رباط التآزر والتعاون على تكاليف الحياة، وعلمها الإيثار، والإيثارُ أقصى ما يبلغه الإنسان من مراتب الكمال. رفع المصطفى ﷺ أعلام العلم، وهدى إلى مكارم الأخلاق، ثم علَّم الإنسان كيف يعمل صالحاً، ويعيش آمناً، وهو الذي أوحي إليه بأصول تجعل المدنية محكمة البناء، وآدابٍ تكسوها رونقاً وبهاء. فإذا احتفلنا بذكرى مولد الرسول الأكرم، فإنما نحتفل بذكرى منقذ العالم من ظلماته الثلاث، وستسمعون من حضرات الخطباء والشعراء شيئاً من تفاصيل هذا الذي لوَّحت إليه بكلمتي الموجزة، والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 1076

آداب الدعوة وحكمة أساليبها (١) الإسلام دين يدعو إلى أقوم محجَّة، ويرمي إلى أشرف غاية، وما دعوته إلا هداية الناس إلى سبيل الحق، وتنبيهم إلى مكان الفضيلة، وما غايته إلا أن يحيا الناس حياة طيبة، ويتمتعوا بمدنية فاضلة، ثم يفوزوا في الأخرى بسعادة خالدة. وللحق نور باهر، وللفضيلة جمال ساحر، ولكن النفوس الناشئة في بيئات خاسرة، أو الغارقة في أهواء سافلة، يقف أمامها الحق، فتخاله باطلاً، وتتعرض لها الفضيلة، فتحسبها شيئاً منكراً، فلا يكفي في دعوة الحق أن يطرق الداعي بها المجالس، ويصدع بكلمة الحق والفضيلة من غير أن يشد أزرها بالحجة، ويتخير لها الأسلوب الذي يجعلها مالوفة للعقول، خفيفة الوقع على الأسماع. وفي القرآن الكريم ما يدلكم على أن الدعوة الصادقة يثبت أصلها، وتمتد فروعها، وتؤتي ثمرها، إلا أن يقوم بناؤها على أساس الحجة، ويذهب بها الداعي كل مذهب حكيم، ويأخذ فيها بكل أدب جميل، اقرؤوا في شواهد

стр. 1077

هذا قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]. وكذلك كانت دعوته ﵊ إلى الإسلام، فإنها كانت محفوفة بما يقرّب العقول إلى قبولها، وتألف النفوس إلى سماعها، فكان ﷺ يراعي في إبلاغها الطرق الكفيلة بنجاحها، فيورد لكل مقام مقالاً يناسبه، ويكسو كل معنى من المعاني ثوباً يليق به، ويخاطب كل طائفة على قدر عقولهم، ويلاقيهم بالسيرة التي هي أدعى إلى إقبالهم، وأسرع أثراً في صرفهم عن غوايتهم. كان ﷺ يدعو إلى الحق، ويتلو الدعوة بالحجة، والقرآن الكريم لم يدَع أصلاً من أصول الدين إلا أقام عليه البرهان الساطع، وأزاح عنه كل شبهة، وكثيراً ما نقرأ في قصص الداخلين في الإسلام قديماً وحديثاً: أنهم دُعوا إلى الإسلام، وقرئ عليهم القرآن، فانقلبوا إلى إيمان لا تحوم عليه شبهة، ولا تزلزله عاصفة فتنة. يدعم ﷺ الدعوة بالحجة، ويدفع ما كان يعرض للناس من شُبه. قال المغيرة بن شُعبة: بعثني رسول الله ﷺ إلى نجران، فقالوا فيما قالوا: أرأيت ما يقرؤه: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨]، وقد كان بين عيسى وموسى ما قد علمتم، قال: فأتيت ﷺ ، فأخبرته، قال: "أفلا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم، والصالحين الذين كانوا قبلهم؟ ". ومن طرق دعوة الإسلام: التذكير مما يصير إليه المتقون من عزّ وسلامة،

стр. 1078

وما يلحق المجرمين من خزي ومهانة، ومن التذكير ما يرجع إلى البشارة بالخير في الدنيا، والحسنى في الآخرة، ومنه ما يرجع إلى الإنذار بسوء المنقلب في هذه الدار، أو عذاب الهون في تلك الدار، وللبشارة والأنذار أثر كبير في حث المؤمنين على الحسنات، وردعهم عن السيئات، وأثر البشارة والأنذار في غير المؤمن: أنهما يدعوانه إلى النظر في الدعوة، وإذا نظر بروية، أدرك أنها حق، فيفتح لها صدره، ويمد إليها عنقه مذعنا. ومن مظاهر دعوته ﷺ : إرسال الحكم البالغة، وكثرة ما في الكتاب العزيز والحديث الشريف من الحكم الرائعة تدل الناظر على أن دعوة الإسلام قول فصل، وما هي بالهزل، ولو كان في المقام سعة، لسقت إلى حضراتكم من تلك الحكم الغالية ما يبلغ عنان السماء، ولو كان في المقام سعة، لأوردت جانباً من الحكم التي يذكرها الناس لشاعر أو خطيب بالإعجاب، وبينت أن معنى تلك الحكمة يقتبس من كتاب الله، أو حديث رسول الله ﷺ . فانظروا مثلاً قول المعري: فلا نزلت بأرضي أو بقومي ... سحائبُ ليس تنتظِمُ البلادا تجدوا روح هذا المعنى في قوله ﷺ "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". وكنت قرأت في بعض كتب الفلسفة: أن الصداقة لا تدوم إلا بين الناس الطيبين، فحضر في ذهني عند قراءة هذا البحث قوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]. ظهر الدين الحنيف، وامتدت ظلاله في الآفاق، بما كان معه من آيات بينات، وحِكم بالغات، أما السيف، فإنه يجرد لدفع عدو مهاجم، أو متحفز

стр. 1079

للهجوم، وقد تُجرد السيوف من أغمادها؛ لتسير دعوة الحق تحت ظلالها آمنة مطمئنة، فدعوى أن الإسلام انتشر بالسيف يكذبها التاريخ الصحيح، ويطعن فيها أن الدين يكتفي من غير المسلمين بالجزية، ويرضى لهم أن يعيشوا وهم تحت رايته آمنين على أنفسهم وأعراضهم، متمتعين بأموالهم وشعائر دينهم. وإذا تراءى لك أن النبي ﷺ قد استعان في بث الدعوة بما كان يهبه لأشراف القبائل من المال، قلنا: إن الهدايا تذهب بالأحقاد، وتضع مكان التقاطع ائتلافاً، فغايتها أنها تجعل القلوب متهيئة للنظر في صدق الدعوة، أما العقيدة، فإنما تتصل بالقلوب من ناحية الآيات البينات. وكا ﷺ يؤثر بعض حديثي العهد بالإسلام بجانب من المال؛ للاحتفاظ ببقائهم على الهداية، يفعل ذلك حيث يظهر له أن إيمانهم لم يرسخ في قلوبهم رسوخ ما لا تزلزله الفتن، وإلى أمثال هؤلاء أشار ﵊ بقوله: "إني لأعطي الرجل، وغيرُه أحبُّ إليَّ منه؛ خشية أن يكبه الله في النار". ومن أدب دعوته ﵊: أخذُه فيها بالصبر والرفق والأناة، فكان يعرضها في لين من القول، ويقابل الجاهل بالإعراض، والمسيء بالعفو أو الإحسان، وإن أذى كثيراً كان يلحقه من مشركي قريش وسفهائهم، فيلقاه بالصبر، ولا ينال من عزمه واسترساله في الدعوة ولو شيئاً قليلاً. وكم من كلمة سيئة يرميه بها بعض المنافقين، أو بعض الجفاة من الأعراب، فيكون جزاؤها الصفح، أو التبسم والإنعام. وكان يأخذ في التأديب والزجر عما لا ينبغي مأخذاً لطيفاً، حتى إنه

стр. 1080

لا يوجّه الإنكار إلى الرجل بعينه ما وجد في الموعظة العامة كفاية. قالت عائشة- ﵂: صنع رسول الله ﷺ شيئاً، فرخص فيه، فتنزَّه عنه قوم، فبلغه ذلك، فخطب، فحمد الله، ثم قال: "ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟! فوالله! إني لأعلمهم بالله، وأشدهم خشية له". ومن حكمته في الدعوة: أنه لا يجعل الوعظ على الناس ركاماً، بل كان يتحرى بالموعظة وقت حاجاتهم إليها، أو وقت نشاطهم لسماعها، قال عبد الله بن مسعود: كان النبي ﷺ يتخوَّلنا بالموعظة في الأيام؛ كراهة السآمة علينا. وكان ﷺ يسلك في رسائله إلى الملوك والطوائف طريق الإيجاز، ويأكل بسط الدعوة وتفصيل الحجة ودفع الشبه إلى من يبعثهم بتلك الرسائل، وفيهم الكفاية لهذا الشأن، كتب إلى أهل نجران كتاباً أرسله مع عمرو بن العاص، وهو: "أما بعد: فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم، فالجزية، فقد آذنتكم بحرب، والسلام". وقصَّ علينا أصحاب السيرة محاورة دينية جرت بينهم وبين عمرو بن العاص بعد أن قرأوا الكتاب. ومن بديع أسلوبه ﷺ في إجابته السائلين: أنه يأتي بالجواب في صورة قاعدة عامة، والسائل يكفيه أن يقال له في الجواب: نعم، أو لا. كان رجل من محارب يؤذيه أيام كان يعرض نفسه على القبائل، ثم جاء ذلك الرجل في وفد محارب مسلماً، وذكَّر رسولَ ﷺ بما كان يلقاه به من الأذى، وقال له: استغفر لي؟ فقال له ﷺ : "إن الإسلام يجبُّ ما قبله

стр. 1081

من الكفر". ولو قال في الجواب: "غفر الله لك"، لبلغ السائل مرامه، ولكنه ﵊ أورد الجواب في صورة يؤخذ منها غفران كل ذنب صدر من السائل قبل الإيمان، ويؤخذ منه أن هذه المغفرة العامة لا تختص به، بل تحصل لكل من ارتكب آثاماً في عهد الكفر، ثم دخل في حظيره الإسلام. ومن أسلوبه في الدعوة: صوغ التشابيه البديعة، وضرب الأمثال الرائعة، وللتشبيه والتمثيل أثر كبير في جعل الحقائق الخفية واضحة، والمعاني الغربية مألوفة، ومن أبدع ما سمعناه في هذا الباب: قوله ﷺ : "ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمَّى". ومن سياسته في الدعوة: أنه كان يخاطب كل قوم بما يفهمون، ويتحامى أن يخاطب أحداً بما لا يحتمله عقله، وأرشد إلى هذا الأدب بقوله: "حدثوا الناس بما يفهمون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ ". وربما فعل ﷺ الشيء مسايرة لمن يبتغي فعله، وإنما يأخذ بهذا الأدب فيما يرجع إلى العادات، ولم يكن في فعله ضرر يستدعي تركه. أراد أن يكتب إلى بعض الملوك رسائل يدعوهم فيها إلى الإسلام، فقيل له: إنهم لا يقرأون كتاباً إلا مختوماً، فاتخذ خاتماً من فضة نقشُه: "محمد رسول الله". وقد يترك الأمر الذي لا ضرر في تركه؛ اتقاء للفتنة؛ كما ترك هدم الكعبة وبقاءها على أساس إبراهيم اتقاء لفتنة قوم هم حديثو عهد بجاهلية، وقال لعائشة ﵂: "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية، لأمرت

стр. 1082

بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أُخرج منه، وبلغت به أساس إبراهيم". وله ﷺ في الحث على فعل الشيء، أو الزجر عنه طرق حكيمة: منها: إعطاء الوسائل صورة ما تفضي إليه من المصالح أو المفاسد؛ كما قال ﷺ : "الدال على الخير كفاعله" فقد أراك الدلالة على فعل الخير في صورة فعل الخير نفسه؛ إذ جعلهما بوسيلة التشبيه في منزلة واحدة، وذلك مما يقوي داعية الدلالة على الخير في نفسك، وكما قال ﷺ : "إن من كبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه؟ قيل: يا رسول الله! وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: "يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه". فانظر كيف أعطى سب الرجل لأبي الرجل صورة سب الرجل لوالديه، وفي ذلك من تكيد الزجر عن إطلاق اللسان بالسب ما لا تجده في النهي عن سب الناس بطريق غير هذا الطريق. ومنها: إعادة الجملة ثلاثاً؛ كما قال ﷺ : "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن"، قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: "الذي لا يؤمن جاره بوائقه". وقال: "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، حرم الله عليه الجنة، وأوجب عليه النّار". قالوا: وإن كان شيئاً يسيراً؟ قال: "وإن كان قضيباً من أراك، وإن كان قضيبا من أراك، وإن كان قضيبا من أراك". ومنها: أنه كان يقرن القول ببعض إشارات حسية تناسب المعنى، والإشارة بنحو اليد مضمومة إلى القول يزداد بها المعنى جلاء، ويأخذ بها في النفس صورة غير صورته المجردة عن الإشارة، ومثال هذا قوله ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً"، وشبك بين أصابعه. ومنها: افتتاحه الكلام بسؤال المخاطيين عن الشيء الذي يريد تعليمهم

стр. 1083

إياه؛ لما في الاستفهام من تهيئة النفوس للإصغاء إلى ما يقوله من بعد، وتشويقها إليه، فيقع منها في قرار مكين. قال معاذ بن جبل ﵁: بينما أنا رديف رسول الله ﷺ ، ليس بيني وبينه إلا آخرة الرحل، فقال: "يا معاذ! ". قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك؛ ثم سار ساعة، ثم قال: "يا معاذ بن جبل"، قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك؛ قال: "هل تدري ما حق الله على عباده؟ "، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "حق الله على عباده: أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً". ويشابه هذا أن يأتي بالكلام على وجه الغموض يستدعي طلب البيان، حتى إذا سألوه البيان، كشف الغموض، فيتقرر المعنى في نفوسهم بأشد مما لو أتى به من أول الأمر واضحاً بيناً، ومن هذا الباب: قوله ﷺ : "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً". فقالوا: يا رسول الله! هذا ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟ قال: "تأخذ فوق يده". ومن حكمته في الدعوة: تصريحه، أو إيماؤه إلى علل كثيرة من الأحكام والآداب، وذلك مما يزيد القلوب إيماناً بصدقها، وينادي بأنها دعوة قائمة على رعاية المصالح، وقطع دابر الفساد. سأل رجل النبي ﷺ ، فقال: أأستأذنُ على أمي؟ قال: "نعم"، فقال: إني معها في البيت، قال: "استأذن عليها"، فقال: إني خادمها، قال: "استأذن عليها، أتحب أن تراها عريانة؟! "، قال: لا، قال: "استأذن عليها"؛ فعلة أدب الاستئذان الخوف من أن يكون صاحب المنزل في حال يكره أن يراه عليها أحد من الناس، وقد ذكر النبي ﷺ حالة هي من أشد ما يكره الإنسان أن يشهده عليها أحد، وهي حال تجرده من الثياب؛ ليقنع السائل بوجوب الاستئذان، ويقطعه عن أن يراجع في الأمر مرة أخرى.

стр. 1084

رجاحة عقله ﷺ وحكمة رأيه (١) تقلبوا في أرقى البلاد علماً وحضارة، وابحثوا عن أسلم الأميين بها فطرة، وأذكاهم جَناناً، وأنفذهم بصيرة، وأطولهم تجارب، ثم اجلسوا إلى هذا الأمي ليالي وأياماً، تزنون أقواله بقسطاس الحكمة، وتعرضون آراءه على قانون المنطق الصحيح، ثم انظروا إلى ما سمعتموه من قول صائب، ورأي مقبول، وضعوه بجانب ما تسمعون من أقوال لاغية، وآراء زائفة، لاشك إنْ فعلتم ذلك عرفتم أن لنبوغ الأميين مجالاً ضيقاً، وحداً غير بعيد. بل انظروا في نوابئ الرجال من أهل العلم، فإنكم تجدون الرجل منهم قد وهبه الله تعالى حظاً عظيماً من رجاحة العقل، وحكمة الرأي، ففاق أقرانه، وصار في عصره العلَم المشار إليه بالبنان، حتى إذا انقرض ذلك العصر، وأقبل على الناس عصر آخر، ظهر في هذا العصر نابغة يضاهي نابغة العصر السابق في تصرفه الفكري، وأتى بمثل ما أتى به من ثمر علمي. أما محمد رسول الله ﷺ ، فإنه كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وكان - مع هذه الأمية، والنشأة البعيدة من مواطن العلوم، ومجالس العلماء - ينظر إلى

стр. 1085

الحقائق الغامضة، فيصيب كبدها، وينطق، فإذا الحكمة كاشفة النقاب، والبلاغة آخذه بالألباب. وحرامٌ على العصور أن تخرج للناس رجلاً يدانيه في عظمته، أو يقاربه في صدق لهجته، وروعة حكمته، لا تفعل العصور ذلك وإن بلغت في الحضارة أشدها، وأشرقت فيها العلوم على اختلاف موضوعاتها، وتبيان غاياتها. فكمال عقل المصطفى ﷺ من النوع الذي يخص الله تعالى به بعض المصطفين من عباده؛ ليعدَّهم بذلك إلى أشرف مقام، هو مقام النبوة والرسالة. وإذا كان ما ألقي على عاتق هذا الرسول العظيم هي الرسالة العامة الخالدة، فمن المعقول أن يهب الله تعالى له من فضل العقل وسمو الحكمة ما يناسب عموم رسالته، وبقاءها إلى قيام الساعة. وليس ببعيد ما قاله بعض الفقهاء: إن النبي ﷺ كان يجتهد في أحكام بعض الوقائع؛ أي: إنه يقتبسها من أصول الشريعة بروحه المطوي على علم بمقاصد التشريع؛ فإن الأحكام التي يستنبطها عقل خلقه الله تعالى في صفاء وقوة لائقين بمقام رسوله الكريم، جديرة بأن تدخل في سلك الأحكام الثابتة من طريق الوحي الصحيح. فإن حدثناكم عن كمال عقل علَّامة نحرير، أو سياسي كبير، أو فاتح خطير، فإنما نحدثكم عن عقل أتى الزمان بمثله، وفي وسعه أن يأتي بأمثاله، وليس بينك وبين أن تدرك سبب كبر هذا العقل إلا أن تنظر إلى البيئة التي شبَّ فيها، والمعارف التي تلقنها.

стр. 1086

وإذا فرضت أن عقلين من هذا النوع قد تماثلا بحسب الفطرة، كان عقل المتأخر أكبر من عقل المتقدم؛ لأن المتأخر يجد من ثمرات العقل السابق ما يساعد على التفكير وسرعة الإنتاج؟ كما انتفع أرسطو من آراء أفلاطون، فكان عقله أكثر إنتاجاً من عقل أفلاطون. أما إذا حدثنكم عن كمال عقل محمد ﷺ ، فلا نحدثكم عن عقل يرجع سبب عظمته إلى بيئة أو دراسة، إنما نحدثكم عن عقل أودعه تعالى في كمل خلقه؛ ليفهم به مقاصد الوحي، فيقوم ببيانها، ويدرك أمراض النفوس، فيصف أدواءها، ويتدبر أمور الجماعات، فيحسن سياستها. اقرؤوا سيرته في تلك السنين المعدودة التي قضاها ﵇ في المدينة المنورة، وانظروا ماذا كان يقوم عليه من جلائل الأعمال، ويدعو إليه من وجوه الأصلاح، ويبينه من حلال وحرام؟ يؤم الناس في الصلوات، ويقود الجيوش في الغزوات، ويفتي السائلين في العبادات والمعاملات والجنايات، ويجلس إلى الأفراد والجماعات: يذكر الغافلين، ويرشد الضالين، ويجادل المعاندين، ويبشر المتقين، ويفصِل بين المتخاصمين، وينظر في شؤون منزله، ويسوس آل بيته وخدمه في رفق وعدل. ولا شك أن هذه الأعمال المختلفة النواحي كما رأيتم، لا يكفي في تدبيرها وإقامتها عقل من هذه العقول التي يحدثنا عنها التاريخ، ولو صدقت مبالغاته في إطرائها وإعلاء شأنها. قال القاضي عياض في كتاب "الشفا": "لا مرية أنه ﷺ كان أعقل الناس وأذكاهم، ومن تأمل تدبيره أمور بواطن الخلق وظواهرهم، وسياسة العامة والخاصة، مع عجيب شمائله،

стр. 1087

وبديع سيره، فضلاً عما أفاضه من العلم، وقرره من الشرع، دون تعلم سبق، ولا ممارسة تقدمت، ولا مطالعة للكتب منه، لم يمترِ في رجحان عقله وثقوب فهمه لأول بديهته". فظهور هذا العقل الكبير في أمي لا يقرأ ولا يكتب، من أظهر الدلائل على أن هذا الأمي صادق في دعوى أنه رسول رب العالمين، فنحن إذا خطبنا في كمال عقل المصطفى ﷺ ، إنما نصف آية تبعث في قلب الجاحد إيماناً، وتزيد قلب المؤمن اطمئناناً. ولعلك تذكر قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، فيختلج في صدرك أن أمره باستشارة أصحابه يقتضي أن آراءهم قد تكون أصوب من رأيه. والجواب: أنه كان ﷺ يستشير أصحابه في أمر الحروب ونحوها؛ ليقيم قاعدة الشورى بين الناس، وبالشورى تسعد الأمة، ويرتفع شأن الدولة. قال الحسن ﵁: "قد علم الله أنه ما به إليهم من حاجة، ولكن أراد أن يستنَّ به من بعده". وفي استشارته ﷺ لأصحابه تطييب لنفوسهم، وزيادة تأليف لقلوبهم؛ إذ كان العرب من أشد الناس كراهة للاستبداد، ونفوراً من الرئيس الذي لا يجعل لهم في تصريف الأمور العامة نصيباً من الرأي. وفي استشارته ﷺ أصحابه إشعار لهم بعلو مكانتهم عنده؛ إذ يدلهم على أنه يراهم مطلع الآراء السديدة، ومواطن الإخلاص، والإخلاصُ رأس كل فضيلة، وأي منزلة أرفع من منزلة قوم يعرض عليهم ﷺ الأمر يستطلع آراءهم فيه، وهو الغني عنهم بما يأتيه من وحي السماء، وبما رزقه الله تعالى

стр. 1088

من سمو الفكر، وصفاء البصيرة. وقد نطق القرآن المجيد بوقائع أشار إلى أن النبي ﷺ جرى فيها على خلاف ما هو الأصلح والأولى. منها: أخذه الفداء عن أسرى بدر، وذلك ما عاتبه الله عليه، فقال: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧]. والمفهوم من الآية: أن النبي الذي بُعث ليطهر الأرض من أرجاس الشرك والفسوق، فقام في وجهه أعداء ألداء، يبسطون إليه وإلى أنصاره أيديهم بالأذى، ويصدون الناس عما جاء به من الهدى، ويذهبون في الكيد له إلى أبعد مدى، ينبغي له أن يأخذ في معاملة هؤلاء الأعداء المحاربين بالشدة حتى يكسر شوكتهم، وتعظم مهابته في قلوبهم، والمالُ- وإن كان من وسائل القوة والغلبة - ليست له في جانب المصلحة التي أشارت إليها الآية الكريمة من قيمة. ومنها: إذنهُ لبعض المنافقين حين استأذنوه في التخلف عن غزوة تبوك، وذلك ما عاتبه الله تعالى في قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣] والواقع أن خروج هؤلاء المنافقين للقتال ليس فيه مصلحة للدين، بل أشار القرآن إلى ما في خروجهم إلى الغزو من ضرر، فقال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة: ٤٧] فلم يعاتب الله نبيه ﵊ من جهة أنه أذن في التخلف لقوم شأنهم أن يبلوا في الجهاد بلاء حسناً، بل العتاب من جهة أنه أذن لهم

стр. 1089

في التخلف، ولم يؤخر الإذن فيه إلى أن يفتضح أمرهم، ويظهر على رؤوس الأشهاد كذبهم، وأنه لا عذر يستدعي تخلفهم، حتى إذا قعدوا عن الغزو، قعدوا متألمين من هذه الفضيحة، متخوفين من سوء عاقبتها. واقعتان، أو ثلاث وقائع، أو أربع، أو خمس يسبق فيها رأي رسول الله ﷺ إلى خلاف الأولى، فيرشده علَّام الغيوب إلى ما هو الأولى، لا تقف في سبيل ما وصفناه، وأقمنا عليه الحجة من أن كبر عقل محمد - صلوات الله عليه - آية من آيات النبوة. ولعلك تذكر أن طائفة من المشركين بلغت بهم الرقاعة أن وصفوا صاحب هذا العقل العظيم بالجنون؛ كما حكى الله عنهم ذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] ويقدح في خاطرك أن عقلاً تهبط منه الحكم البالغة، وتسطع منه الحجج الدامغة لا يصف صاحبه بالجنون إلا من فقد عقله، وصار يرمي بالألفاظ في غير معنى، فتقول: "كيف يحكي القرآن كلام من فقدوا عقولهم، وأطلقوا في الهذيان ألسنتهم؟ ". والجواب: أن القوم يعلمون أنه ينطق بالحكمة، ويجادل بالحجة، وإنما رموه بالجنون؛ تناهياً في العناد، وقصداً للإساءة بالقول، وحكى الله عنهم ذلك الزعم البين البطلان؛ ليرينا مبلغهم من العناد، وسقوطهم أمام الحجة، وتخبطهم في تطلب وجه يصرفون به الناس عن إجابة دعوته. وأي تخبط بعد تخبط من يأتي إلى أرجح البشر عقلاً، وأسناهم خلقاً، وأحسنهم سمتاً، وأجلّهم وقاراً، فيقول عنه: إنه مجنون؟!. وقد انحدرت من سماء ذلك العقل العظيم حكم أنفسُ من الدرر، وأنفع

стр. 1090

من الغيث، وفي وسعي أن أسوق إليكم منها مثلاً، وأنبّه على ما ينطوي تحتها من المعاني السامية، ولكن ضيق الوقت يدعوني إلى أن أقف عند هذا الحد.
следующие страницы →