← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

وإذا فرضت أن عقلين من هذا النوع قد تماثلا بحسب الفطرة، كان عقل المتأخر أكبر من عقل المتقدم؛ لأن المتأخر يجد من ثمرات العقل السابق ما يساعد على التفكير وسرعة الإنتاج؟ كما انتفع أرسطو من آراء أفلاطون، فكان عقله أكثر إنتاجاً من عقل أفلاطون. أما إذا حدثنكم عن كمال عقل محمد ﷺ ، فلا نحدثكم عن عقل يرجع سبب عظمته إلى بيئة أو دراسة، إنما نحدثكم عن عقل أودعه تعالى في كمل خلقه؛ ليفهم به مقاصد الوحي، فيقوم ببيانها، ويدرك أمراض النفوس، فيصف أدواءها، ويتدبر أمور الجماعات، فيحسن سياستها. اقرؤوا سيرته في تلك السنين المعدودة التي قضاها ﵇ في المدينة المنورة، وانظروا ماذا كان يقوم عليه من جلائل الأعمال، ويدعو إليه من وجوه الأصلاح، ويبينه من حلال وحرام؟ يؤم الناس في الصلوات، ويقود الجيوش في الغزوات، ويفتي السائلين في العبادات والمعاملات والجنايات، ويجلس إلى الأفراد والجماعات: يذكر الغافلين، ويرشد الضالين، ويجادل المعاندين، ويبشر المتقين، ويفصِل بين المتخاصمين، وينظر في شؤون منزله، ويسوس آل بيته وخدمه في رفق وعدل. ولا شك أن هذه الأعمال المختلفة النواحي كما رأيتم، لا يكفي في تدبيرها وإقامتها عقل من هذه العقول التي يحدثنا عنها التاريخ، ولو صدقت مبالغاته في إطرائها وإعلاء شأنها. قال القاضي عياض في كتاب "الشفا": "لا مرية أنه ﷺ كان أعقل الناس وأذكاهم، ومن تأمل تدبيره أمور بواطن الخلق وظواهرهم، وسياسة العامة والخاصة، مع عجيب شمائله،

стр. 1087

وبديع سيره، فضلاً عما أفاضه من العلم، وقرره من الشرع، دون تعلم سبق، ولا ممارسة تقدمت، ولا مطالعة للكتب منه، لم يمترِ في رجحان عقله وثقوب فهمه لأول بديهته". فظهور هذا العقل الكبير في أمي لا يقرأ ولا يكتب، من أظهر الدلائل على أن هذا الأمي صادق في دعوى أنه رسول رب العالمين، فنحن إذا خطبنا في كمال عقل المصطفى ﷺ ، إنما نصف آية تبعث في قلب الجاحد إيماناً، وتزيد قلب المؤمن اطمئناناً. ولعلك تذكر قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، فيختلج في صدرك أن أمره باستشارة أصحابه يقتضي أن آراءهم قد تكون أصوب من رأيه. والجواب: أنه كان ﷺ يستشير أصحابه في أمر الحروب ونحوها؛ ليقيم قاعدة الشورى بين الناس، وبالشورى تسعد الأمة، ويرتفع شأن الدولة. قال الحسن ﵁: "قد علم الله أنه ما به إليهم من حاجة، ولكن أراد أن يستنَّ به من بعده". وفي استشارته ﷺ لأصحابه تطييب لنفوسهم، وزيادة تأليف لقلوبهم؛ إذ كان العرب من أشد الناس كراهة للاستبداد، ونفوراً من الرئيس الذي لا يجعل لهم في تصريف الأمور العامة نصيباً من الرأي. وفي استشارته ﷺ أصحابه إشعار لهم بعلو مكانتهم عنده؛ إذ يدلهم على أنه يراهم مطلع الآراء السديدة، ومواطن الإخلاص، والإخلاصُ رأس كل فضيلة، وأي منزلة أرفع من منزلة قوم يعرض عليهم ﷺ الأمر يستطلع آراءهم فيه، وهو الغني عنهم بما يأتيه من وحي السماء، وبما رزقه الله تعالى

стр. 1088

من سمو الفكر، وصفاء البصيرة. وقد نطق القرآن المجيد بوقائع أشار إلى أن النبي ﷺ جرى فيها على خلاف ما هو الأصلح والأولى. منها: أخذه الفداء عن أسرى بدر، وذلك ما عاتبه الله عليه، فقال: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧]. والمفهوم من الآية: أن النبي الذي بُعث ليطهر الأرض من أرجاس الشرك والفسوق، فقام في وجهه أعداء ألداء، يبسطون إليه وإلى أنصاره أيديهم بالأذى، ويصدون الناس عما جاء به من الهدى، ويذهبون في الكيد له إلى أبعد مدى، ينبغي له أن يأخذ في معاملة هؤلاء الأعداء المحاربين بالشدة حتى يكسر شوكتهم، وتعظم مهابته في قلوبهم، والمالُ- وإن كان من وسائل القوة والغلبة - ليست له في جانب المصلحة التي أشارت إليها الآية الكريمة من قيمة. ومنها: إذنهُ لبعض المنافقين حين استأذنوه في التخلف عن غزوة تبوك، وذلك ما عاتبه الله تعالى في قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣] والواقع أن خروج هؤلاء المنافقين للقتال ليس فيه مصلحة للدين، بل أشار القرآن إلى ما في خروجهم إلى الغزو من ضرر، فقال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة: ٤٧] فلم يعاتب الله نبيه ﵊ من جهة أنه أذن في التخلف لقوم شأنهم أن يبلوا في الجهاد بلاء حسناً، بل العتاب من جهة أنه أذن لهم

стр. 1089

في التخلف، ولم يؤخر الإذن فيه إلى أن يفتضح أمرهم، ويظهر على رؤوس الأشهاد كذبهم، وأنه لا عذر يستدعي تخلفهم، حتى إذا قعدوا عن الغزو، قعدوا متألمين من هذه الفضيحة، متخوفين من سوء عاقبتها. واقعتان، أو ثلاث وقائع، أو أربع، أو خمس يسبق فيها رأي رسول الله ﷺ إلى خلاف الأولى، فيرشده علَّام الغيوب إلى ما هو الأولى، لا تقف في سبيل ما وصفناه، وأقمنا عليه الحجة من أن كبر عقل محمد - صلوات الله عليه - آية من آيات النبوة. ولعلك تذكر أن طائفة من المشركين بلغت بهم الرقاعة أن وصفوا صاحب هذا العقل العظيم بالجنون؛ كما حكى الله عنهم ذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] ويقدح في خاطرك أن عقلاً تهبط منه الحكم البالغة، وتسطع منه الحجج الدامغة لا يصف صاحبه بالجنون إلا من فقد عقله، وصار يرمي بالألفاظ في غير معنى، فتقول: "كيف يحكي القرآن كلام من فقدوا عقولهم، وأطلقوا في الهذيان ألسنتهم؟ ". والجواب: أن القوم يعلمون أنه ينطق بالحكمة، ويجادل بالحجة، وإنما رموه بالجنون؛ تناهياً في العناد، وقصداً للإساءة بالقول، وحكى الله عنهم ذلك الزعم البين البطلان؛ ليرينا مبلغهم من العناد، وسقوطهم أمام الحجة، وتخبطهم في تطلب وجه يصرفون به الناس عن إجابة دعوته. وأي تخبط بعد تخبط من يأتي إلى أرجح البشر عقلاً، وأسناهم خلقاً، وأحسنهم سمتاً، وأجلّهم وقاراً، فيقول عنه: إنه مجنون؟!. وقد انحدرت من سماء ذلك العقل العظيم حكم أنفسُ من الدرر، وأنفع

стр. 1090

من الغيث، وفي وسعي أن أسوق إليكم منها مثلاً، وأنبّه على ما ينطوي تحتها من المعاني السامية، ولكن ضيق الوقت يدعوني إلى أن أقف عند هذا الحد.

стр. 1091

هجرة الصحابة إلى الحبشة وأثرها في ظهور الإسلام (١) يجري اليوم في الصحف والأندية ذكر الحبشة أكثر مما كان، ويقول بعض الكاتبين: إن بيننا وبين الحبشة صلة الجوار والدين، وربما أشار بعضهم إلى هجرة الصحابة ﵃ إلى الحبشة، وما لا قاهم به النجاشي من سماحة وحسن جوار. أما صلة الجوار: فلأن موقع بلاد الحبشة بمقربة منا، ويحدها من جهة الغرب: السودان المصري. وأما الدين: فلأن عدد المسلمين من سكانها يقارب عدد النصارى، بل يذهب بعضهم إلى أن عدد المسلمين فيها يزيد على عدد غيرهم. وأما هجرة الصحابة إلى النجاشي، فذلك موضوع محاضرتنا في هذه الليلة، فمحاضرتنا من قبيل المحاضرات التي نلقيها على وفق المناسبة، ونرجو أن يعود السامعون منها بفائدة. * سبب الهجرة إلى أرض الحبشة: بُعث محمد كل ﷺ بهذه الدعوة التي تملأ القلوب نوراً، وتشرق بها

стр. 1092

العقول رشداً، فسابق إلى قبولها رجال حكماء، ونساء فاضلات، وصبيان لا زالوا على فطرة الله، وبقيت سائرة في شيء من الخفاء، وكفّار قريش لا يلقون لها بالاً، حتى أخذ ﷺ يقرع بها الأسماع في المجامع، ويحذر من عبادة الأصنام، ويسفه أحلام من يعبدونها، فكان ذلك مثيراً لغيظ المشركين، وحافزاً لهم على مناوأة هذه الدعوة، والصدّ عن سبيلها، فوجدوا في أيديهم وسيلة هي أن يفتنوا المؤمنين، ويسومونهم سوء العذاب، حتى يعودوا إلى ظلمات الشرك، وحتى يُرهبوا غيرهم ممن تحدثهم نفوسهم بالدخول في دين القيِّمة. أما المسلمون، فمنهم من كانت له قوة من نحو عشيرة أو حلفاء يكفون عنه كل يد تمتد إليه باذى، ومنهم المستضعفون، وهؤلاء هم الذين وصلت إليهم أيدي المشركين، وبلغوا من تعذيبهم كلَّ مبلغ، ومن هؤلاء من يناله العذاب من أقرب الناس إليه نسباً؛ كخالد بن سعيد بن العاص؛ فإنه لما أظهر إسلامه، ضربه أبوه بمقرعة حتى كسرها على رأسه، وحلف أن لا ينفق عليه، فانقطع إلى رسول الله ﷺ . ولما رأى رسول الله ﷺ ما يقاسيه أصحابه من البلاء، وليس في استطاعته يومئذ حمايتهم، أذن لهم في الهجرة إلى الحبشة، وقال: "إن بها ملكاً لا يُظلم الناس عنده، فلو خرجتم إليه حتى يجعل الله لكم فرجاً". ولعلك تنظر في الدول المجاورة للأمة العربية يؤمئذ، فلا تجد فيها من يصلح أن يكون موضع هجرة لأهل دين سماوي جديد كالإسلام، أما الفرس، فدينهم المجوسية، والإسلام يحارب المجوسية كما يحارب عبادة الأوثان في البلاد العربية، وأما الروم، فلم يكن لملكهم يومئذ من ضبط

стр. 1093

أمور الرعية، وكف الأيدي العادية ما كان لملك الحبشة. * الهجرة الأولى إلى الحبشة: في شهر رجب من سنة خمس من البعثة، هاجر طائفة من المسلمين إلى الحبشة، ومن هذه الطائفة: عثمان بن عفان، وزوجه رقية بنت النبي ﷺ ، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن مظعون، ثم التحق بهؤلاء المهاجرين جماعات من الرجال والنساء، واجتمعوا بأرض الحبشة آمنين على أنفسهم، منقطعين إلى عبادة ربهم. * كيف سافر المهاجرون الأولون من مكة ؟ خرج أولئك المسلمون متسللين في خفية، يقصدون الساحل، فوجدوا - بتوفيق الله- عند انتهائهم إلى مكان يقال له: "الشعيبة" (١) سفينتين تجاريتين (٢)، فركبوهما وراية النجاة تخفق على رؤوسهم. وبلغ خبر سفرهم كفار قريش، فخرجوا في أثرهم حتى بلغوا الساحل، ولم يظفروا منهم بأحد. * اغتباط المسلمين بهجرتهم: أقام المسلمون المهاجرون بأرض الحبشة في حسن حال وراحة بال، ويدرك قيمة هذه النعمة من ابتلي بأيد قاسية، تبسطها حميَّة جاهلة، وأهواء غالبة، فجعل الله له من ذلك الاضطهاد مخرجاً. وقد نظم بعض شعرائهم قصائد يصفون بها حال خلاصهم من قريش،

стр. 1094

وما لاقوه من الأمن في هجرتهم، وأذكر من هذا قول عبدالله بن الحارث: يا راكباً بلِّغَنْ عني مغلغلة (١) ... من كان يرجو بلاغ الله والدين كل امرئ من عباد الله مضطهد ... ببطن مكة مقهور ومفتون إنا وجدنا بلاد الله واسعة ... تنجي من الذل والمخزاة والهون فلاتقيموا على ذلك الحياة وخز ... ي في الممات وعيب غيرمأمون إنا اتَّبعنا رسول الله واطَّرحوا ... قول النبي وغالوا في الموازين * خروج أبي بكر بقصد الهجرة إلى الحبشة: انفتح باب الهجرة إلى الحبشة، فإذا خشي مسلم في مكة أن يناله مكروه، أزمع الهجرة إلى تلك البلاد، ومما نقرؤه في الصحيح: أن أبا بكر الصديق ﵁ خرج ليلحق من سبقه من المهاجرين إلى الحبشة حتى بلغ "بَرْك الغِماد"، فلقيه ابن الدَّغِنة (٢)، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض، وأعبد الله، فقال ابن الدغنة: إن مثلك يا أبا بكر لا يَخرج ولا يُخْرَج، إنك تُكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، فارجع واعبد ربك ببلدك. فرجع أبو بكر في جوار ابن الدغنة، ولم يلبث أن نبذ إليه جواره، واستبدل به جوار الله. وأذكر بهذه المناسبة: أني عندما عزمت على الهجرة من تونس إلى

стр. 1095

دمشق سنة ١٣٣١، وكتب إليَّ أحد الأساتذة في تونس خطاباً يشير عليّ فيه بترك السفر، وساق في الخطاب قصة ابن الدغنة هذه مع أبي بكر الصديق ﵁، فقلت: قد أبعد الأستاذ القياس، وأقام الشاهد على غير أساس، وحالُ أبي بكر الصديق أرفعُ من أن يضرب مثلاً لحال أفراد إن غابوا، وجد الناس كثيراً من أمثالهم، أو ممن هم خير منهم. * سعي قريش في رجوع أولئك المهاجرين: لما بلغ قريشاً ما لاقاه المسلمون في مهاجرهم من الأمن والسكنية، ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي في ردهم عليهم، فبعثوا إليه عمرو بن العاص، وعبدالله بن أبي ربيعة (١)، وزوَّدوهما بهدايا للنجاشي ومَن حوله من البطارقة، فسلما الهدايا، وقالا للنجاشي: أيها الملك! إنه قد ضوى إلى بلدك غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم؛ لتردهم عليهم- وأيدهما في هذا الطلب بعض البطارقة-, فقال النجاشي: لا أسلِّمهم، ولا يُكاد قوم جاوروني حتى أسألهم عما يقول هذان في أمرهم. * دعوة النجاشي الصحابة وسؤالهم: دعا النجاشي الصحابة إلى مجلس حضره البطارقة، وسألهم عن حقيقة دينهم، فتولى جعفر بن أبي طالب ﵁ إجابته، فقال: أيها الملك! كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام،

стр. 1096

ونسيئ الجوار، ويأكل القويُ منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، فصدقناه، وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئا، وحزَمنا ما حَرم علينا، وأحللنا ما أحلّ لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا، وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان، فلما قهرونا وظلمونا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على مَن سواك، ورجونا أن لا نظلم عندك. فلما انتهى جعفر من هذا الخطاب، قال له النجاشي: هل عندك مما جاء به من الله شيء؟ فقرأعليه جعفر صدراً من سورة ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١]، فخشع النجاشي لتلاوة القرآن (١)، وقال: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرجُ من مشكاة واحدة، ثم أقبل على عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة، وقال لهما: لا أسلِّمهم إليكما، ولا يُكادون. وكذلك تكون عاقبة الحق متى وجد عقولاً تتلقاه في أوضح صورة، وألسنة تعرضه في أصدق عبارة. * نصب عمرو لهم مكيدة عند النجاشي: يبذل المبعوث في أمر جهده، وشملك للوصول إليه كل مسلك ممكن

стр. 1097

متى بلغ في التعلق به مبلغ من بعثوه فيه، وأشرب ما أشربته قلوبهم من الحرص عليه، فليس من الحكمة أن يعهد في إلغاء البغاء إلى من لا يبغض فاحشة البغاء، ولا أن يبعث إلى مؤتمر المسكرات من يعاقر الصهباء، ولا أن يندب للتحدث عن شريعة الإسلام من يجحد كثيراً من حقائقها، ولا أن يتولى الدفاع عن حقوق الوطن من عرف بموالاة غاصبها، وقد كان عمرو بن العاص في ذلك الوقت يشعر بشعور كفار قريش، وينظر بمثل أعينهم، ويحمل في صدره من الحقد على أولئك المهاجرين ما تحمل صدورهم، فلا عجب أن يخيب سعيه من ناحية، فيدبِّر من نفسه كيف يبلغ الغرض من ناحية أخرى. بعد أن صرف النجاشي عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة، فكَّر عمرو في مكيدة تثير سخط النجاشي على أولئك المهاجرين، وهو أن جاء من الغد، وقال له: أيها الملك! إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً، فاسألهم عما يقولون فيه. فأرسل إليهم النجاشي ليسمع ماذا يقولون، فدخلوا عليه، فقال لهم: ماذا تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا ﷺ : هو عبد الله ورسوله، وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. فضرب النجاشي بيده، وأخذ عوداً ثم قال: - والله! ما زاد عيسى على هذا، ولا هذا العود. ثم إن النجاشي رد على عمرو بن العاص ومن معه هداياهما، فخرجا يتعثران في أذيال الخيبة، ورجعا إلى كفار قريش بخفي حنين.

стр. 1098

* رجوع المهاجرين إلى مكة: بلغ أولئك المهاجرين خبر غير صادق، هو أن قريشاً كفوا أذاهم عن النبي ﷺ والمؤمنين (١)، فسارعوا إلى الرجوع إلى مكة، وعندما دنوا منها، ولم يبن بينهم وبينها إلا ساعة من نهار، عرفوا أن الخبر مفترى، وأن قريشاً في أشد ما يكون من عداوة رسول الله ﷺ ، والكيد لأصحابه، ويظهر أن شدة شوقهم إلى وطنهم، وإلى صحبة النبي ﷺ ، ولقاء من تركوهم خلفهم من إخوانهم، هي التي جعلتهم يتعلقون بذلك الخبر المفترى قبل أن يتثبتوا. وعندما عرفوا أن أذى المشركين للمؤمنين ما زال بحاله، بل صار إلى ما هو أشد، انقلب فريق راجعين إلى الحبشة، ودخل آخرون مكة في خفاء، أو معتصمين بجوار (٢)، وممن دخل مكة في الداخلين بجوار: أبو سلمة (٣)، وزوجه أم سلمة، ولما اشتد به أذى قريش، وبلغه أن بعض الأنصار قد دخل في الإسلام، هاجر إلى المدينة قبل أن يهاجر إليها النبي ﷺ . ولعلك تدرك الشدة التي وقع فيها من رجعوا على طريقهم ولم يدخلوا مكة؛ فإنهم جاؤوا على أمل أن يدخلوا مكة، ويلاقوا أولياءهم المتقين، ويقيموا في جوار بيت الله الحرام آمنين، فخاب أملهم فجاة، واضطروا بعد فوات هذا الأمل إلى معاناة أتعاب السفر عائدين إلى أرض غربة لا يدرون كم تكون مدة إقامتهم بها. ولكن الإيمان الصحيح يتبعه العزم الصادق،

стр. 1099

فتصغر أمامه الأخطار، وتصير المخاوف عنده برداً وسلاماً. * الهجرة الثانية إلى الحبشة: اشتد بلاء قريش على من قدموا من مهاجري الحبشة وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فأذن لهم رسول الله طفي الهجرة إلى الحبشة مرة أخرى، فهاجر من الرجال ثلاثة وثمانون رجلاً، ومن النساء ثماني عشرة امرأة (١)، وممن هاجر في هذه المرة: عبيد الله بن جحش، وزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان. ومن أهل السيرة من ذكر في رجال الهجرة الثانية: عثمان بن عفان ﷺ ، فيكون ممن هاجر إلى الحبشة في الأولى والثانية، وقدم فيمن قدم من أولئك المهاجرين على النبي ﷺ بالمدينة قبل واقعة بدر، ويؤيده قول عثمان ﵁: "وهاجرت الهجرتين الأوليين" (٢). * هجرة الأشعريين إلى الحبشة: خرج أبو موسى الأشعري من اليمن ومعه بضع وخمسون رجلاً قاصدين لقاء النبي ﷺ ، فألقتهم السفينة إلى النجاشي بالحبشة، فلاقوا جعفر بن أبي طالب ومن معه من المسلمين، فأقاموا معهم إلى أن قدموا يوم خيبر على ما نقصه عليكم من بعد. * رجوع فريق من مهاجري الحبشة إلى المدينة: لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، وبلغ خبره المهاجرين بأرض الحبشة،

стр. 1100

رأى فريق منهم أن الإذن لهم في الهجرة إلى الحبشة كان للخلاص من أذى المشركين، وقد أصبح رسول الله والمؤمنون بهجرتهم إلى المدينة في مأمن من ذلك الأذى، ورأوا أن التحاقهم بجماعة المسلمين في المدينة خير من إقامتهم في بلاد الحبشة، فرجعوا قاصدين دار الهجرة المباركة (١). وبقي فريق من أولئك المهاجرين على رأسهم جعفر بن أبي طالب، ينتظرون إذن رسول الله ﷺ في الرجوع. * وفد الحبشة: ورد في بعض كتب السيرة: أن وفدأمن نصارى الحبشة قدموا على رسول الله ﷺ وهو بمكة، فجلسوا إليه في الحرم، فدعاهم، وتلا عليهم القرآن، فخشعوا، ثم استجابوا له، وآمنوا به، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتبهم من أمره. وجاء في بعض الروايات: أن طائفة من أصحاب النجاشي قدموا على النبي ﷺ وهو بالمدينة، وشهدوا واقعة أحد. وأخرج الطبراني عن ابن عباس: أن آية: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ - إلى قوله- سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ] [القصص ٥٢ - ٥٥] نزلت في هذا الوفد، وهذا أصل قول مقاتل: سورة القصص مكية إلا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ - إلى قوله - سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي

стр. 1101

الْجَاهِلِينَ] [القصص ٥٢ - ٥٥]؛ فإنها مدنية. * إسلام عمرو بن العاص على يد النجاشي: كان عمرو بن العاص في جانب المشركين، وبعد تفرق كلمتهم في واقعة الأحزاب، وانصرافهم عن المدينة، اختلى برجال كانوا يرون رأيه، ويسمعون منه، وعرض عليهم الالتحاق بالنجاشي، والإقامة عنده إلى أن تتبين عاقبة هذه الحروب القائمة بين المسلمين والمشركين، فسار عمرو ومن معه إلى النجاشي، وأقام في جواره. ولما قدم عمرو بن أمية الضمري موفداً من رسول الله ﷺ في شأن جعفر ابن أبي طالب ومن معه من بقية المهاجرين، سعى عمرو بن العاص لدى النجاشي ليصل إلى قتل عمرو الضمري، فأبى النجاشي، ودعا عمراً إلى طاعة النبي ﷺ واتباعه، فلم يغادر عمرو مجلس النجاشي حتى سطع في قلبه نور الإيمان، وبايع النجاشي على الإسلام، وفيه يقول بعض المحدثين: أيُّ صحابي أسلم على يد تابعي؟. ثم رحل عمرو قاصداً المدينة وقدم على رسول الله ﷺ وبايعه على الإسلام. * تزوج النبي ﷺ بأم حبيبة وهي بأرض الحبشة: كانت أم حبيبة بنت أبي سفيان، هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش الأسدي، فمات عبيد الله هنالك بعد أن تنصَّر فيما يقال، فأرسل النبي ﷺ يخطبها، فزوجه إياها خالد بن سعيد بن العاص بإذنها، وأصدقها النجاشي عن رسول الله ﷺ أربع مئة دينار، وكان هذا الزواج - في أشهر الروايات - سنة سبع من الهجرة، وقيل: سنة ست.

стр. 1102

* قدوم بقية المهاجرين من الحبشة: أرسل النبي ﷺ عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي في شأن جعفر بن أبي طالب ومن معه من بقية المهاجرين، فحملهم النجاشي على سفينتين، وقدموا يوم فتح خيبر (١)، ولما قدم جعفر على النبي ﷺ ، تلقاه، وقبَّل ما بين عينيه (٢)، ويروى أف قال: "ما أدري بايهما أسرّ، أبفتح خيبر، أم بقدوم جعفر؟ "، ثم إن النبي ﷺ كفلَّم المسلمين في أن يدخلوا هؤلاء المهاجرين في سهامهم من الغنيمة، ففعلوا. * من ولد من المسلمين بأرض الحبشة ؟ هاجر جماعة إلى الحبشة بأزواجهم، وولد لهم هنالك أبناء وبنات، ومن الأبناء: عبدالله بن جعفر بن أبي طالب، وهو أول من ولد بأرض الحبشة من المسلمين، ومنهم: عبدالله بن المطلب، وتوفي أبوه المطلب بأرض الحبشة، وكانوا يقولون: إن عبدالله هذا أول رجل ورث أباه في الإسلام. ومن البنات: أمة بنت خالد بن سعيد بن العاص، وكانت قد تعلمت لسان الحبشة، وكساها النبي ﷺ بعد ما قدمت وهي صغيرة خميصة (٣) لها أعلام، وجعل يمسح الأعلام، ويقول: "سناه سناه"؛ أي: حسن حسن، في لغة الحبشة.

стр. 1103

* فضل المهاجرين إلى الحبشة: كانت أسماء بنت عميس ممن قدموا يوم فتح خيبر، فدخلت على حفصة أم المؤمنين، فدخل عمر بن الخطاب، وقال: من هذه؟ قالوا له: أسماء، فقال لها عمر: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله منكم. فغضبت، وقالت: وايم الله! لا أطعم طعاماً، ولا أشرب شراباً حتى أذكر ما قلتَ لرسول الله ﷺ ، فلما جاء النبي ﷺ ، قصَّت عليه قول عمر، فقال: "ليس بأحق بي منكم، له ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم - أهل السفينة - هجرتان". وكان أبو موسى الأشعري وأصحابه يأتون إلى أسماء أرسالاً يسألونها عن هذا الحديث، وما من شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي ﷺ . لمهاجري الحبشة فضل وأيُّ فضل، ذلك أنهم فارقوا وطنهم مكرهين، ونزلوا في أرض غير أرضهم، وأمة غير أمتهم، ونحن نعلم ما وقع لبعض الصحابة من الحنين إلى مكة بعد الهجرة إلى المدينة، فكان بلال ﵁ وقد أصيب بالحمّى يرفع صوته يقول: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بوادٍ وحولي إذخر وجليل (١) وهل أَرِدَنْ يوماً مياه مَجِنَّة (٢) ... وهل يبدُوَنْ لي شامة وطفيل (٣)

стр. 1104

فلما أُخبر رسول الله ﷺ بذلك، قال: "اللهم حبّب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشدَّ". * إخبار النبي ﷺ بوفاة النجاشي، وصلاته عليه: في "صحيح البخاري" عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال حين مات النجاشي: "مات اليوم رجل صالح، فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة" (١). وعن جابر أيضاً: أن نبي الله ﷺ صلّى على النجاشي، فصففنا وراءه، فكنت في الصف الثاني أو الثالث (٢). وعن أبي هريرة: أن النبي ﷺ نعى لهم النجاشي صاحب الحبشة في اليوم الذي مات فيه، وقال: "استغفروا لأخيكم" (٣). وكانت وفاته سنة تسع عند الأكثر، وقيل: سنة ثمان قبل فتح مكة. ففي هذه الأحاديث آية من آيات صدق رسالته ﷺ ، وهو إخباره بأمر غائب انكشف من بعد أنه كما أخبر، وفيها شاهد على أن النجاشي مات مسلمًا، ذلك لأنه وصفه بأنه رجل صالح، وصلَّى عليه صلاة الجنازة، وسمّاه أخًا للصحابة، وأمرهم بالدعاء له بالمغفرة. * دعوة النبي ﷺ النجاشي إلى الإسلام: مما لا نشك فيه: أن النجاشي الذي هاجر إليه الصحابة ﵃ أسلم،

стр. 1105

ومات على الإسلام، والظاهر أن بعث النبي ﷺ لعمرو الضمري في جملة من بعثهم إلى الملوك كان إلى النجاشي الذي تولى الملك بعد النجاشي الذي أخبر ﷺ بوفاته، وصلى عليه، ففي "صحيح مسلم" عن أنس: "أن النبي ﷺ كتب إلى كسرى، وإلى قيصر، وإلى النجاشي، وإلى كل جبّار يدعوهم إلى الله تعالى، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي ﷺ " (١). * أثر الهجرة في ظهور الإسلام: رأينا كيف كان المشركون يذيقون المستضعفين من المسلمين عذاباً أليماً، فكان من رحمة الله أن فتح في وجوههم طريق الهجرة إلى الحبشة، فكان هذا الفتح من أسباب ثبات أولئك المستضعفين على إسلامهم، وتمكنهم من عبادة ربهم، فوجد منهم الدين رجالاً طبعت نفوسهم على آدابه، ونشطت أعضاؤهم للقيام بواجباته، وعرفوا عن مشاهدة كيف يحمي الله أولياءه من أعدائه، ويجعل لهم مع العسر يسراً، ومن الضيق مخرجاً. ثم إن وجود موطن لهجرة المؤمنين وخلاصهم من أذى المشركين، يسهل على من تنشرح صدورهم للإيمان ولا يطيقون العذاب، أن ينضموا إلى صفوف المؤمنين، ويصدعوا بإيمانهم ولو كره المشركون، ففي الناس من يعرف الحق، ولا يملك من قوة الصبر على الأذى ما يسهل عليه الشهادة به صراحة، والدخول في زمرة أهله علانية، وقد رأينا في محنة الناس بمسألة خلق القرآن علماء لا يرون رأي المعتزلة من أن القرآن مخلوق، ولم يجهروا بمخالفتهم؛ خوفاً من الضرب بالسياط، وعوتب بعضهم على عدم

стр. 1106

وقوفه موقف الإمام أحمد بن حنبل في الجهر بالحق، واحتمال الأذى في سبيله، فقال: قَوِيَ أحمد على السياط، وأنا لا أقوى على ذلك. وكان أولئك المهاجرون؛ لاستقامتهم، وكمال آدابهم، وصدق لهجاتهم، يعرضون الإسلام في أقوم مثال، وأجمل صورة، وذلك مما يقرب قلوب الحبشة إلى الإسلام، ويدعوهم إلى النظر في صحته، وقد عرفتم كيف كانت هذه الهجرة سبباً في هداية ملكهم وأمة من قومه، وقد عرفتم أن صحابيًا فاتحًا عظيماً أسلم على يد النجاشي، وهو عمرو بن العاص ﵁. ومما استفاده المسلمون من هذه الهجرة: أن كان النبي ﷺ وأصحابه على ثقة من أن الحبشة أمة مسالمة لدعوة الإسلام، فلم يخشوا أن تشغلهم عن الجهاد في سبيل الدين الحق، وبسط ظلال العدل، كما كانوا يشعرون بعداء غيرها من الدول المجاورة للبلاد العربية؛ كدولتي الروم والفرس.

стр. 1107

إبادته للأصنام ﷺ - (١) كان العرب على ملة إبراهيم ﵇، ثم دخلهم الشرك، ومن المعروف في التاريخ أن أول من غيَّر دين إبراهيم، وزَّين للعرب عبادة الأصنام عمرو بن لحي بن عامر، وسبب ذلك -فيما يقال-: أنه دخل مدينة البلقاء من أرض الشام، فرأى قوماً يعبدون الأصنام، ويقولون: هذه أرباب نتخذها، نستنصر بها فننصر، ونستسقي بها فنسقى، وكل من سألها يعطى. فطلب صنماً يدعونه: "هبل"، فسار به إلى مكة، ونصبه على الكعبة، ودعا الناس إلى تعظيمه وعبادته، ففعلوا. تفشت في العرب عبادة الأوثان، فأقاموا في جوف الكعبة تماثيل، وكان أعظمها عندهم الصنم المسمى بهبل، ووضعوا حول الكعبة نحو ستين وثلاث مئة نصب (على عدد أيام السنة)، واتخذ أهل كل دار من مكة صنماً يعبدونه في دارهم؛ زيادة على ما يعبدون من التماثيل القائمة في الكعبة، والأنصاب الموضوعة حولها. وللعرب أصنام في غير مكة يبالغون في تعظيمها نحو: "اللات" (٢)،

стр. 1108

و"العزَّي" (١)، و"مناة" (٢)، و"فلس" (٣)، و"نهم" (٤)، و"ذي الخلصة" (٥)، و"الأقيصر" (٦)، و"ذي الكفين" (٧)، و"ذي الشرى" (٨)، و"رضا" (٩)، و"عميانس" (١٠). ومن أصنامهم: "ود"، وسواع"، و"يغوث"، و"يعوق"، و"نسر" (١١). وقد ذكر القرآن الكريم هذه الأصنام في الحديث عن قوم نوح ﵇. ويروى عن ابن عباس ﵁: أن هذه الأصنام كانت لقوم نوح، ثم انتقلت إلى العرب من بعدهم، ومن المحتمل أن تكون أسماء هذه الأصنام قد بقيت إلى ما بعد نوح، ثم اتخذ العرب أصناماً، وسمّوها بهذه الأسماء.

стр. 1109

ومن هذه المعبودات ما يتخذونه من بعض الأحجار النفيسة؛ كهبل؛ فإنه كان من عقيق على صورة إنسان، ويقال: إن قريشاً أدركته مكسور اليد اليمنى، فجعلوا له يداً من ذهب. ومنها ما يتخذ من نحاس، كصنم خزاعة الذي أقاموه فوق الكعبة، ومنها ما يتخذ من حجارة؛ كمناة؛ فإنه كان صخرة مربعة، ونحو ذي الخلصة؛ فإنه كان مروة بيضاء عليها نقش كهيئة التاج، ومنها من خشب؛ كذي الكفين. وقد يعبدون شجرة قائمة كالعزّى، فإنها كانت سمرة، أو ثلاث سمرات. انغمس العرب في عبادة الأوثان، وكانوا يملؤون قلوبهم بتعظيمها، يزورونها، ويطو فون بها، ويسجدون لها، ويتمسَّحون بها، ويتقربون إليها بالذبائح، ولا يتعرضون لمن التجأ إليها، وقد يلبسونها القلائد، ويعلقون عليها بيض النعام؛ كما كانوا يفعلون بذي الخلصة، قال كعب بن مالك ﵁: وننسى اللات والعزّى ووَدّاً ... ونسلبها القلائدَ والشنوفا (١) وكانوا يرون أن سبّها يأتي بأمراض معضلة، جاء ضمام بن ثعلبة رئيس قبيلة سعد بن بكر، فأسلم، وعاد إلى قومه داعياً إلى الإسلام، وأول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزّى، فقالوا له: مه يا ضمام، اتق البرص والجنون والجذام. قال: ويلكم! إنهما لا يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولاً، وأنزل عليكم كتاباً استنقذكم به.

стр. 1110

ويحلفون بأسمائها؛ كما قال عبد العزيز بن وديعة المزني: إني حلفت يمين صدق برة ... بمناة عند محل آل الخزرج ويؤلفون أسماء أبنائهم من أسمائها بقصد التبرك بها؛ نحو: عبد العزّى، وعبد يغوث، وعبد نهم، وعبد مناف، وزيد اللات، وزيد مناة. وقد اشتد تعلق العرب بعبادة الأوثان، وكانوا يحبونها حب المؤمن لله. ومن شواهد إغراقهم في حبها: أن أبا أحيحة بن العاص أدركه مرض الموت، فبكى، فقيل له: أمن الموت تبكي، وهو أمر لا بد منه؟ فقال: لا، ولكني أخاف أن لا تعبد العزّى بعدي. وقد تنبه بعض العرب قبل الإسلام لما في عبادة الأصنام من باطل، وأدركوا أن عقيدة التوحيد حق لا ريب فيه؛ كزيد بن عمرو بن نفيل، ولكنه لم يقم بدعوة تعيد - ولو طائفة من عباد الأصنام - إلى سيرة التوحيد، ذلك لأن عماية الشرك التي استحوذت على القلوب مرض مزمن لا يبرئ منه إلا حكمة يوحي بها رب العالمين إلى رسول أمين ذي خلق عظيم. ظلت الأمة العربية تتخبط في هذه العماية، فخسرت الحياة الطيبة، وضلت سبل السعادة، حتى بعث الله محمداً ﷺ ، فجاهد في إخراجها من ظلمات الوثنية إلى عقيدة التوحيد الخالصة، فأصبحت أمة راجحة الأحلام، صافية البصائر، شديدة الثقة بالله، حقيقة بأن تحمل الهداية العامة، والإصلاح الإلهي إلى الشرق والغرب. وقد جاهد رسول الله ﷺ الوثنية بوسائل كثيرة، أخذ يدعو إلى الاعتقاد بأن خالق الكون ومدبِّره هو الله الواحد القهار، ويقيم البراهين على أن عبادة الأوثان من انحطاط الفكر، وسفاهة الرأي. يقول هذا ويؤيده بالحجة، ويذكر

стр. 1111

بما قصه القرآن من أنباء الأقوام الذين كانوا يعبدون الأوثان، وبما كان يعظهم به رسلهم ﵈، وبما نزل بهم من عذاب. وكان قريش لا يزيدون في مبدأ دعوته ﵊ على أن يقابلوها بشيء من الاستهزاء والسخرية، حتى سمعوه يعيب أصنامهم، فثار غضبهم، وتحفزوا لمقاومة الدعوة، وانظر إلى أولئك النفر: أبي جهل، وأبي سفيان، والوليد بن المغيرة، ومن معهم إذ جاؤوا إلى أبي طالب، وقالوا له: "إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلَّل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه". ومشوا إليه مرة ثانية، وقالوا له: "إنا والله! لا نصبر على هذا؛ من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين". كذلك كانت سيرته ﷺ بمكة، يجاهد الوثنية بالدعوة والحجة، ولم يكن قد ملك من القوة ما يمكنه من تحطيم تلك الأصنام تحطيماً يقطع دابرها. ثم هاجر -صلوات الله عليه- إلى المدينة، ولم يكن بها أو من حولها -فيما نعلم- أصناماً ظاهرة تقصد بالعبادة، وكان غزوه ﷺ إما لقريش في غير موضع أصنامهم؛ كغزوتي بدر وأحد، وإما لليهود؛ كغزوتي خيبر وبني قريظة، وليس لليهود أصنام، وإما لقبائل من العرب قد ينتهي غزوهم بالرجوع عنهم حيث يجدهم بحال من لا يخشى شره. فلا عجب أن نرى جهاد رسول الله للأصنام بالكسر والتحطيم قد ظهر عند فتح مكة، وتواصل حيث قويت شوكة الإسلام، وصارت يده فوق تلك الأصنام التي هي مبعث الوثنية في الجزيرة العربية.

стр. 1112

ولما فتح ﷺ مكة المكرمة، أبى أن يدخل البيت وفيها تلك الأصنام القائمة، والصور المنقوشة على جدرانها، وأمر عمر بن الخطاب أن يخرج منها كل صنم، ويمحو كل صورة، فأخرجت الأصنام، ومحيت الصور، فدخل النبي ﷺ للبيت، وكبّر في نواحيه. وفي إحدى روايات الصحيح: أنه رأى صورة إبراهيم، فدعا بماء، وجعل يمحوها، وتأويل هذه الرواية: أن هذه الصورة خفيت على من أمره بمحو الصور قبل دخوله. ثم طاف رسول الله بالكعبة، وجعل يطعن بقضيب في يده تلك الأصنام الموضوعة حولها، ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد". وأمر بهبل، فكسر وهو واقف، وأمر علي بن أبي طالب ﵁ أن يصعد إلى صنم خزاعة، وكان منصوباً فوق الكعبة، فصعد، ورمى به، وكسره. وجاء في بعض الكتب المؤلفة في تاريخ (١) مكة: أن صورة عيسى وأمه ﵉ بقيت في الكعبة إلى أن هدمت في عهد ابن الزبير، والعقل يقف دون قبول هذا الخبر، ولا يجد له مساغًا، وكيف يبقي النبي ﷺ صورة عيسى ومريم في الكعبة، وهو الذي ألح في محو صورة إبراهيم ﵇؟ ثم كيف يبقي هذه الصورة في بيت يستقبله المسلمون في اليوم خمس مرات، وهو الذي يشتد غضبه إذا رأى ستراً قائماً في بيته، وفيه صورة؟ وإذا نظرنا إلى أن عيسى ومريم ﵉ ممن بالغ بعض

стр. 1113

الطوائف في تعظيمها إلى حدّ العبادة، ظهر لنا أن بقاء صورتيهما في الكعبة بعيد من سيرة الرسول الذي قطع كل وسيلة إلى عبادة الأوثان. ثم بعث ﷺ إلى الأصنام القائمة في بلاد العرب من يكسرها، ويهدم بيوتها، فبعث خالد بن الوليد إلى هدم العزّى، فهدمها، وقال: يا عزّ كفرانك لا سبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك وبعث المغيرة بن شعبة إلى اللات، فهدمها، وحرقها بالنار، فقال شداد ابن عارض الجشمي ينهى ثقيفاً عن العود إليها، والغضب لها: لا تنصروا اللات إن الله مهلكها ... وكيف نصركم من ليس ينتصر إن التي حرقت بالنار فاشتعلت ... ولم تقاتل لدى أحجارها هدر إن الرسول متى ينزل بساحتكم ... يضعن وليس بها من أهلها بشر وبعث الطفيل بن عمرو الدوسي إلى ذي الكفين، فجعل يحثو النار في وجهه، ويحرقه ويقول: يا ذا الكفين لست من عبادكا ... ميلادنا أقدم من ميلادكا إني حثوت النار في أحشائكا وبعث علي بن أبي طالب لهدم فلس، وبعث سعيد بن عبيد الأشهلي لهدم مناة، وبعث عمرو بن العاص لهدم سواع، وبعث جرير بن عبد الله البجلي لهدم ذي الخلصة. ومن الأصنام ما يتلفه أصحابه عندما يدخل الإيمان في قلوبهم، قدم جرير بن عبد الله البجلي المدينة، فسأله رسول الله ﷺ عن حال من وراءه، فقال: قد أظهر الله الإسلام، وهدمت القبائل أصنامها التي كانت تعبد.

стр. 1114

وقدم وفد خولان المدينة، فقال النبي ﷺ : "ما فعل صنم خولان الذي كانوا يعبدونه؟ "، قالوا: بدلنا الله به ما جئت به، إلا أن عجوزاً وشيخاً كبيراً كانا يتمسكان به، وإن قدمنا عليه، هدمناه - إن شاء الله تعالى -، ولما رجعوا إلى قومهم، بادروا إلى هدمه، وهذا الصنم هو الذي يسمى: عميانس. تختلف العقول في التنبه لباطل الأصنام، والمبادرة إلى البراءة منها، فهذا سادن "نُهْم" بلغه أمر النبي ﷺ ، وما فعل بالأصنام، فقام إلى ذلك الصنم، فكسره، وقال: ذهبت إلى نهم لأذبح عنده ... عقيرة نسك كالذي كنت أفعل فقلت لنفسي حين راجعت عقلها ... أهذا إله أبكم ليس يعقل ولحق بالنبي ﷺ ، ودخل في الإسلام. وذلك عمرو بن الجموح: كان قد اتخذ صنماً من خشب، فلما أسلم فتيان من قومه، أخذوا الصنم، وربطوا به كلبا ميتاً، وألقوه في بئر، فخرج عمرو يبحث عن معبوده، حتى وجده في البئر مقروناً بالكلب، فقال: والله لو كنت إلهاً لم تكن ... أنت وكلب وسط بئر في قرن وأسلم كما أسلم الفتيان. وقد عرفتم كيف كسر إبراهيم ﵇ أصنام قومه، وجعلها جذاذاً؛ ليدلهم على ضعفها، وعجزها عن دفع الأذى والمهانة عن نفسها، فزادهم ذلك طغيانًا، وأسرعوا إلى عقاب إبراهيم، وقالوا: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨].

стр. 1115

وكذلك كان جهاده ﷺ في هدم الأصنام، ومحو أثرها على الفور، ويأبى أن يبقي مظهراً من مظاهر الشرك بين قوم مسلمين، وهم قادرون على تحطيمه. قدم عليه وفد ثقيف، وشرح الله صدورهم للإسلام، ولكن سألوه أن يدع لهم صنم اللات مقدار ثلاث سنين؛ مخافة أن يغضب لهدمه سفهاؤهم وبعض نسائهم، فأبى عليهم ذلك، وأرسل المغيرة بن شعبة لهدمه؛ كما ذكرنا آنفاً. وقال راشد بن عبد الله السلمي يذكر ما صنع رسول الله ﷺ وصحبه بالأصنام: قالت هلمَّ إلى الحديث فقلت لا ... يأبى الإله عليك والإسلام أو ما رأيت محمداً وقبيله ... بالفتح حين يكسر الأصنام ورأيت نور الله أضحى ساطعاً ... والشرك يغشى وجهه الإظلام طهر محمد ﷺ جزيرة العرب من عبادة الأوثان، وجرى أصحابه ﷺ على هذه الطريقة في كل وطن نسجت فيه عناكب الشرك، فأبادوا الأصنام، وما يشبه الأصنام؛ كمعابد النار، وتفقهوا في الدين، فأخذوا في إبعاد الناس عن عقيدة الشرك بطريق الحزم، وسد الذرائع التي قد تفضي إليه، وشاهد هذا: أن عمر بن الخطاب ﵁ بلغه أن قوماً يأتون الشجرة التي وقعت تحتها بيعة الرضوان، فيصلون عندها، فتوعدهم، ثم أمر بقطعها، فقطعت. وإنما قطع عمر هذه الشجرة؛ خشية أن يصير الأمر إلى الجهلة، فيبالغوا في تعظيمها إلى حد الاعتقاد بأنها تنفع أو تضر، خصوصاً أن العهد بعبادة

стр. 1116

الأشجار لا يزال قريباً. وختام هذه الكلمة: أن الدعوة إلى التوحيد الخالص أساس كل إصلاح، فمن واجب دعاة الإصلاح أن يجاهدوا في تقويم العقائدث فإن العقائد السليمة مصدر كل خير، والعقائد الزائغة منشا كل فساد. وإذا كان في الأنابيب حيفٌ ... وقع الطيش في صدور الصِّعاد * * *

стр. 1117

حياة الدعوة الإِسلامية كجزيرة العرب (١) * حكمة ظهورها في العرب: الإِسلام دين عام، لا يختص بأمة دون أخرى، فهو في حاجة إلى دعاة يذهيون به إلى الأمم شرقاً وغرباً، والدعوة إلى الحق والإصلاح تنجح في سرعة، ويعظم أثرها في القلوب، بمقدار ما يكون للداعي من براعة في فنون البيان. ومن المعروف أن العرب قبضوا على زمام البلاغة، وحسن التصرف في القول ما لم تيلغه أمة متن الأمم في عهدهم. وهذه المزية التي عرفت للعرب تستدعي أن يكونوا أول من يظهر الدين العام في ديارهم، حتى يجد رجالاً تحقق قيهم أهم شرط متن شروط القيام بالدعوة الموجهة إلى أمم مختلفة، وطبقات متفاوتة، وهو فصاحة اللسان، وحكمة البيان. ثم إن الإِسلام دين لا يقتصر على مجرد الدعوى والإرشاد، بل يقصد إلى أن تكون أوامره نافذة، وأحكامه بين الأمم جارية، وأن تزاح كل عقبة

стр. 1118

تقف في سبيل دعوته، وإنفاذ أوامره، فمن مقاصده: إقامة دولة اسلامية تجري في سياستها على شريعته ونظمه. وهذه المزية تستدعي أن يكون أول القائمين بالدعوة إليه، والجهاد في إنقاذ ما جاء من إصلاح، ذوي أخلاق عظيمة، من نحو: الشجاعة، والصبر على المشاق، وقلة التعلق بالترف وزخارف الحياة. وإذانظرنا إلى الأمة العربية من الوجهة النفسية، نجدها امتازت بأخلاق سامية فاقت فيها غيرها من الأمم؛ فقد كان العرب في الشجاعة والاستهانة بالموت في أقصى ذروة. تشهد بهذا أشعارهم في الفخر بالأقدام والبسالة، ثم تاريخهم المملوء بوقائع الحروب، وحديث الأبطال الذين يؤثرون الموت في عزّ على الحياة في هون، ويتصل بالشجاعة: ما كانوا عليه من إباء الضيم، وعزة النفس، ومن يأبى الضيم، ويحمل في نفسه عزة، يقف في الدفاع عما يراه حقاً أو إصلاحا موقف الطود الراسخ، لا يخضع له عنق، ولا يتزلزل له قدم. * حياتها بمكة: عندما نزل على رسول الله ﷺ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ١ - ٣]، شمر عن ساق الجد في الدعوة، وأخذ يدعو إلى الحق، وأول من آمن به: خديجة ﵂؛ إذ علمت حين أخبرها بما تلقَّى من ملك الوحي: أن أعماله الصالحة، وخصاله الشريفة، لا يناسبها إلا كرامة الله تعالى، وإتمام النعمة عليه. وفي أول المؤمنين به: علي بن أبي طالب، وأبو بكر الصديق، وزيد ابن حارثة ﵃، وأخذ الناس بعد هذا يدخلون في الدين واحداً بعد واحد،

стр. 1119

وبقي ﷺ نحو ثلاث سنين يدعو خُفية حتى نزل قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤]، فصار يدعو إلى الله في علانية، ونادى قريشاً بعيب آلهتهم، وتسفيه أحلامهم، في عبادة ما لا ينفع ولا يضر، فناصبوه العداوة، وأرادوا به وباتباعه الأذى، وكان لأبي طالب يد في حماية النبي ﷺ من المشركين، وأما أصحابه، فمن كان له عشيرة، أو دخل في جوار ذي سطوة، هابوا جانبه، ومن لم يجد حامياً، أطلقوا أيديهم في أذيته، ولما اشتد النبلاء على المؤمنين، أذن لهم رسول الله ﷺ بالهجرة إلى الحبشة. وكان لإسلام عمر بن الخطاب أثر كبير في إظهار الدعوة؛ حيث صار المسلمون يصلّون في الحرم، وكانوا إذا أرادوا الصلاة، خرجوا إلى الشعاب حيث لا يراهم المشركون. قام النبي ﷺ يدعو إلى الله تعالى بين كفار قريش، وأعظم طرق الدعوة أثرًا: تلاوة القرآن الحكيم؛ إذ نرى كثيراً من المسلمين أعلنوا إسلامهم عقب سماعهم للقرآن؛ كما أسلم عمر بن الخطاب عقب سماعه سورة منه، ويضاف إلى هذا: ما كان النبي ﷺ يتحلى به من فصاحة المنطق، وبلاغة القول، واستقامة السيرة، وسماحهَ الأخلاق، وسمو الآداب، من نحو: الصبر، والرفق، وعدم مقابلة السيئة بمثلها. وكان ﷺ مجداً في الدعوة، حىَ إنه ذهب إلى الطائف من أجلها ماشياً، وكان يعرض نفسه على القبائل في كل موسم، ويدعوهم إلى الإِسلام، ويتلو عليهم القرآن، ويكلم كل شريف قوم (١).

стр. 1120

وكان أصحابه ﷺ يؤازرونه في الدعوة، كما دعا أبو بكر الصديق عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، فدخلوا الإِسلام بدعوته، وكان علي بن أبي طالب، وأبو بكر الصديق يخرجان معه عندما يخرج إلى دعوة القبائل في المواسم. أقام النبي ﷺ داعياً إلى الحق بين كفار قريش ثلاث عشرة سنة، وسبب بطء ظهور الإِسلام بمكة بالنسبة إلى ظهوره بالمدينة: أن كفار قريش كانوا يقاومون الدعوة بأشد ما يملكون من القوة، ويصدون عن سبيلها بألسنتهم وأيديهم. فمن مقاومتهم لها: أنهم كانوا يكثرون من التهكم والاستهزاء بالنبي ﷺ ؛ كقولهم له عندما يقرأ عليهم القرآن: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥]. وقولهم عندما يرونه: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١]، وكان كبار المستهزئين نفراً من ذوي الوجاهة في قومهم؛ مثل: الأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وفي هؤلاء وأمثالهم نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥]. وكانوا يتعرضون له بالشتم والهجاء؛ كقولهم: إنه ساحر، أو مجنون، ويصفون القرآن بأنه أساطير الأولين. ومن مقاومتهم له: أنهم كانوا يتبعون أثره، ويصدون عن قبول دعوته؛ كما كان أبو لهب يتتبعه عندما يقوم بدعوة القبائل في المواسم، ويقول لهم: إن هذا يدعوكم أن تخلعوا اللات والعرى من أعناقكم، إلى ما جاء به

стр. 1121

من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه، ولا تسمعوا منه. ومن مقاومتهم له: تعنتهم في اقتراح المعجزات. قال الله تعالى فيما قصه عنهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٣] (١). ومما قاوموا به الدعوة: تعاقدهم علي بني هاشم، وبني عبد المطلب، وبني عبد مناف: أن لا يبايعوهم، ولا ينكحوهم، ولا يكلِّموهم، ولا يجالسوهم، حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ ، وكتبوا بذلك صحيفة علَّقوها في سقف الكعبة، واستمروا على هذه المقاطعة نحو ثلاث سنين، حتى رجع بعضهم عن هذا التعاقد، فعادوا إلى نقضه (٢). ومن أشد ما قاوموا به الدعوة: بسط أيديهم إلى المستضعفين من أصحاب رسول الله ﷺ يسومونهم العذاب، مثل: عمار بن ياسر، وأُمه، وبلال بن رباح، بل وصلت أذيتهم إلى رسول الله ﷺ ، فوضعوا على ظهره سَلَى جزور (٣) وهو يصلي عند البيت، حتى جاءت فاطمة ﵂، فطرحته عنه، وبلغ من أذية أهل الطائف له عندما ذهب إلى دعوتهم: أن

стр. 1122

أغروا به سفهاءهم يسبونه، ويرمونه بالحجارة. وكانوا - مع هذا - يوردون على الرسالة شبهاً؛ كقولهم فيما قصه الله عنهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧] (١)، وقولهم: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] (٢). وما زال رسول الله ﷺ يلاقي أذاهم بالصبر، ويدفع شبههم بالحجة، ويأتيهم بالآيات البينات، وينبههم إلى ما في القرآن من إعجاز، إلى أن أراد الله تعالى إظهار دينه، وإعلاء كلمته، وإتمام نعمته على رسوله، فهيأ له أمر الهجرة إلى المدينة المنورة. * حياتها بالمدينة: لبث رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين، يدعو إلى الإسلام، ويخرج إلى القبائل في المواسم، حتى جاء الموسم الذي أراد الله تعالى أن يكون بدء عهد جديد للدعوة، فخرج -صلوات الله عليه- لدعوة القبائل، شأنه في كل موسم، فلقى ستة من الخزرج، فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فأجابوه، وقبلوا ما عرضه عليهم، وانصرفوا إلى قومهم، ودعوا إلى الإسلام، وفي العام القابل وافى منهم اثنا عشر رجلاً، فلقوا النبي ﷺ بالعقبة، وهي العقبة الأولى، فبايعوه على الإسلام، وبعث معهم مصعب بن عمير، وعمرو بن أم مكتوم، يعلمانهم القرآن، ويفقهانهم في

стр. 1123

الدين، فأسلم على أيديهم خلق كثير. ثم عاد مصعب بن عمير في الموسم بعد إلى مكة في جماعة من المسلمين مع حجاج قومهم أهل الشرك، وكانوا ثلاثة وسبعين رجلاً وامرأتين، فلقيهم رسول الله ﷺ -صلوات الله عليه- بالعقبة، وبايعوه على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن يقوموا في الله لا تأخدهم لومة لائم، وعلى أن ينصروه إذا قدم عليهم، ويمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم، ولهم الجنة (١)، وتلك بيعة العقبة الثانية. وأذن رسول الله ﷺ للمسلمين بالهجرة إلى المدينة، فخرجوا أرسالاً يتبع بعضهم بعضاً، ثم لحق بهم رسول الله ﷺ ، وكان أول ما فعله من وسائل النهوض بالدعوة: أن بني المسجد الشريف، وآخى بين المهاجرين والأنصار، وكتب بينه وبين اليهود كتاب موادعة، ونهى عن إقامة المسلم بين المشركين، وجعلت الهجرة من أرض الشرك إلى المدينة فريضة، فكثر عدد المسلمين، وأصبح للدعوة حماة يقومون على نشرها، ويدافعون كل خصم يقف في سبيلها، وناسب وقتئذ أن يأذن الله لهم بجهاد عدوهم، فنزل قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]. ثم نزل قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]. استقر النبي ﷺ بالمدينة، وقام بدعوة اليهود، فأسلم بعض أحبارهم؛ مثل: عبد الله بن سلام، وفريق من غير الأحبار؛ مثل: ثعلبة بن سعية، وأسيد

стр. 1124

ابن سعية؛ ولقي من غير هؤلاء الذين أسلموا أشد العداوة، والتقلب في التعنت والمكر، فاشتدوا في مجادلته، وهو يرد عليهم بالحجة، والقرآن المجيد يؤيده، كما قالوا له في بعض مجادلاتهم: ألست تزعم أنك تؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها من الله حق؟ قال: "بلى، ولكنكم أحدثتم، وجحدتم ما فيها مما أخذ الله عليكم من الميثاق، وكتمتم ما أمرتم أن تبينوه للناس، فبرئت من إحداثكم"، قالوا: فإنا نأخذ مما في أيدينا فإنا على الهدى والحق، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨]. وكانوا يقترحون عليه بعض الآيات تعنتاً؛ كما اقترحوا عليه إنزال كتاب من السماء يقرؤونه، وفي هؤلاء نزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣]. وكان بعض أحبارهم يوجهون إليه أسئلة بقصد الإعنات؛ كما سألوه عن الروح، فنزل قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. واتخذوا في وسائل مقاومة الدعوة هجاء النبي ﷺ ؛ كما صنع كعب ابن الأشرف؛ إذ كان يهجو رسول الله ﷺ ، ويشبب بنساء المسلمين، واتصلوا بكفار قريش وغيرهم يحرضونهم على قتال رسول الله ﷺ ، ومنهم من يبذل في ذلك أموالاً؛ كأبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق؛ إذ كان يؤدي رسول الله ﷺ ، وأعان غطفان وغيرهم من مشركي العرب بالمال الكثير على رسول الله - صلوات الله عليه وسلم -.

стр. 1125

ولم يستطيعوا أن يكتموا عداوتهم لرسول الله ﷺ ، ويكفّوا أذاهم عنه، فوقعوا في نقض العهد، والجهر بالسوء من القول، وموالاة المحاربين؛ كما يظهر ذلك بالنظر في أسباب واقعة بني قينقاع، وبني قريظة، وبني النضير. وكان للدعوة في المدينة أثر في فريق من اليهود (١) وغيرهم آمنوا بحق، وطائفة من اليهود، ومن الأوس والخزرج أسلموا بظاهرهم، وبقيت قلوبهم على الكفر، وهم المنافقون، وكان في اكتفاء النبي ﷺ من هؤلاء المنافقين بالإِسلام الظاهر، مع معرفته لحال كثير منهم، حكم بالغة، منها: أن اتصالهم بالنبي ﷺ والمؤمنين وسيلة لاطلاعهم على سيرته وسيرة أصحابه، ومشاهدتهم من آيات الرسالة ما لم يشهده غيرهم من المخالفين، فيكون ذلك من أسباب انتقالهم من النفاق إلى الإيمان، وكذلك يكون حال أبنائهم الذين ينشؤون مع المؤمنين، ويقومون بشعائر الإسلام، ويأخذون بآدابه. ومن حكمة الداعي - صلوات الله عليه - في قبول صنف المنافقين، ومعاملتهم بمقتضى ظاهر حالهم: فتح الطريق لكل من يريد الإسلام، ولو أخرجهم النبي ﷺ من المسلمين، أو عاقبهم على ما يعلم من سرهم، لأحجم بعض من تميل نفسه إلى الإسلام مخافة أن يشتبه حاله على المسلمين، ولوجد المخالفون سبيلاً إلى أن يرموا المسلمين بالقسوة، وعدم رعاية العهد،
следующие страницы →