← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

العيش فيها، وهو مقبل على العمل لمرضاة الله ما استطاع، وشاكر لأنعمه بالقلب واللسان، لا يشغله عن الشكر شاغل من ملاذ هذه الحياة ومظاهر زينتها. ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾: التلقِّي في الأصل: التعرض للقاء، ثم استعمل في معنى أخذ الشيء وقبوله، تقول: تلقيت رسالة من فلان؛ أي: أخذتها منه، وقبلتها. والكلمات: جمع كلمة، وهي اللفظة الموضوعة لمعنى، ومعنى الجملة: استقبل آدم من ربه كلمات بالأخذ والقبول والعمل بها. وأظهر ما قيل في تعبين هذه الكلمات ما أشار إليه تعالى في سورة الأعراف بقوله: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾: التوبة في أصل اللغة: الرجوع، وإذا عُدِّيت بعن كان معناها: الرجوع عن المعصية إلى الطاعة، وإذا عديت بعلى؛ كما جاءت في هذه الآية، كان معناها: قبول التوبة، فالعبد يتوب عن المعصية، والله يتوب على العبد؛ أي: يقبل توبته. ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: هذه الجملة واردة مورد التعليل لقوله ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. والتواب: وصف له تعالى؛ من تاب؛ أي: قبل التوبة، وجاء في صيغة فَعَّال؛ ليدل على كثرة قبوله تعالى للتوبة من عباده، ويدل عن أنه يقبل توبة العبد، وإن وقعت بعد ذنب يرتكبه ويتوب منه، ثم يعود إليه بعد التوبة، ثم يتوب بعد العودة إليه توبة نصوحاً.

стр. 107

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩]. أخبر الله تعالى في الآيات السابقة أنه أمر آدم وحواء وإبليس بالهبوط من الجنّة؛ إذ قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]، وأعاد خبر الأمر بالهبوط في هذه الآيات، فقال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ ... إلخ. وليست هذه الإعادة من قبيل التكرار الذي يقصد منه مجرد التوكيد، بل قص الأمر بالهبوط أولاً؛ ليعلق عليه معنى هو كون بعضهم لبعض عدواً، ثم قصة ثانياً؛ ليعلق عليه معنى آخر هو ما ترتب على الهبوط من تفصيل المخاطبين وانقسامهم إلى مهتدين وضالين. صرحت الآيات بأن الله تعالى نهى آدم عن الأكل من الشجرة، ولكن الشيطان وسوس له حتى أكل منها، ثم إن الله لقنه كلمات قالها مستغفراً، فتاب الله عليه، ثم أمره بعد قبول توبته بالهبوط من الجنة. وقد يتبادر إلى

стр. 108

الذهن أن آدم ارتكب ما نُهي عنه ارتكابَ من يتعمد المخالفة، فيكون أكله من الشجرة معصية، وهو من الأنبياء المرسلين، والرسل معصومون من أن يخالفوا أمر الله. وجواب هذا: أن آدم تعمد الأكل من الشجرة ناسياً النهي عن الأكل منها، وفعلُ المنهيِّ عنه على وجه النسيان لا يُعد في قبيل المعاصي التي يرتكبها الشخص وهو على ذكر من أنه يرتكب حراماً، وهذه هي التي يستحق صاحبها عقاباً أخروياً، وهي التي عصم الله منها أنبياءه. وإذا عاتب الله بعض المصطفين من عباده على ما صدر منهم على وجه النسيان، فلأن علمهم بالنهي يدعوهم إلى أن يقع النهي من نفوسهم موقع الاهتمام؛ بحيث يستفظعون مخالفته استفظاعاً يملأ نفوسهم بالنفور منها، ويجعلهم على حذر من الوقوع في بلائها. فالذي وقع من آدم ﵇ هو أنه غفل عن الأخذ بالحزم في استحضار النهي، وجعلِه نصبَ عينيه حتى أدركه النسيان، ففعل ما نهي عنه غير متعمد للمخالفة. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥]. ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: الفاء في قوله: ﴿فَإِمَّا﴾ لإفادة ترتيب انقسام المخاطبين إلى مهتدين وكافرين على الهبوط المفهوم من قوله: ﴿اهْبِطُوا﴾. و (إما) هي (إن) الشرطية دخلت عليها (ما) لإفادة التوكيد. والهدى من الله: الدلالة على ما هو حق وخير، بلسان رسول، أو آيات كتاب. ومن يتوسع في تفسير الهدى من الله، فيحمله على معنى الدلالة الشرعية أو العقلية، يبني تفسيره على أن الإيمان بالله لا يشترط في التكليف به مجيء رسول، أو إنزال

стр. 109

كتاب، فهو واجب على الناس؛ لما ركب الله فيهم من العقل، ونصب لهم من الأدلة، ومكن لهم من وجوه الاستدلال. دل على أن الهدى صادر منه بقوله: ﴿مِنِّي هُدًى﴾، ثم أضافه إلى نفسه بقوله: ﴿هُدًى﴾، فنبه لتعظيم أمر الهدى، وأنه أحق بأن يتبع ويتخذ سبيلاً لطمأنينة النفس في الدنيا، والفوز بالسعادة في الأخرى. والخوف: الفزع، وهو تألم النفس من مكروه يتوقع حصوله. والحزن: الغم الحاصل لوقوع مكروه، أو فقد محبوب. ومعنى (لا خوف عليهم): أن نفوسهم آمنة مطمئنة بحيث لا يعتريها فزع. كما أن قوله: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ينفي عنهم الاغتمام لفوات مطلوب، أو فقد محبوب. و (على) في قوله ﴿عَلَيْهِمْ﴾ تنبئ بمعنى الإحاطة والشمول؛ فإنها تستعمل مجازاً فيما يغلب على الإنسان، ويحيط به؛ نحو: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾؛ فإن غرض الداعين أن تشمل السلامة المخاطبين، وتحيط بهم من جميع جوانبهم. فمعنى (لا خوف عليهم): نفي ملابسة الخوف لهم ملابسة الإحاطة والاستيلاء كما هو شأن الخوف من أهوال يوم القيامة. وليس ببعيد أن يكون معنى ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾: أنهم بلغوا باستقامة السيرة وفضل التقوى حيث لا يخاف عليهم أحد أن يصيبهم في يوم الجزاء مكروه. ونفي الخوف والحزن ورد في الآية على وجه الإطلاق، وظاهره: أن المهتدين لا يعتريهم الخوف ولا الحزن في دنياهم، ولا في آخرتهم، ولكن قوله فيما يقابله من جزاء الكافرين: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ يرجح أن يكون المراد: نفي الخوف والحزن عنهم في الدار الآخرة. ثم إن

стр. 110

الذين يتقون الله حق تقاته قد يأخذهم شيء من الحزن في الدنيا، وأوضح شاهد على هذا: قول النبي ﷺ عند احتضار ابنه إبراهيم- ﵇: "إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما برضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون"، وقول يعقوب ﵇ فيما قصة الله في القرآن: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]، ونفي الخوف والحزن عن المهتدين يوم القيامة كناية عن سلامتهم من العذاب، وفوزهم بالنعيم الخالد في الجنة، فتتم المقابلة بين جزاء المهتدين وجزاء الكافرين المشار إليه بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: هذا معطوف على قوله: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾، وارداً مورد المقابل له في تفصيل من يأتيهم الهدى من الله، ومقتضى وقوعه مقابلاً له أن يقال: والذين لم يتبعوا هداي أولئك ... إلخ، ولكنه عدل عن ذلك إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾؛ لأن من لم يتبع هدى الله يشمل من لم تبلغه الدعوة، وغير المكلفين من نحو الصبيان وفاقدي العقل، وهؤلاء ليسوا من أصحاب النار. فظهر أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ جيء به على قدر من يستحقون الحكم عليهم بأنهم من أصحاب النار، والمجازاة بالعذاب الخالد الأليم. والآيات: جمع آية، وهي في الأصل: العلامة، وتستعمل في الطائفة من الكتاب المنزل، وفيما يستدل به على وجود الله تعالى وتوحيده، من نحو: بداح مصنوعاته، ومظاهر عنايته بالإنسان.

стр. 111

فالآيات هنا: الكتب المنزّلة، ومن يذهب إلى أن وجود الإيمان بالله لا يتوقف على دعوة رسول، يضيف إلى الكتب المنزّلة في تفسير (آياتنا): الدلائل الكونية الكافية في ربط القلوب بعقيدة التوحيد. وأضاف تعالى الآيات إلى نفسه، فقال: (آياتنا)؛ ليكون قبح التكذيب بها أظهر. وأتى بنون العظمة، فقال: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ دون أن يقول: بآياتي؛ لبعث المهابة في نفوس السامعين، وذلك أدعى إلى تلقي الوعيد باهتمام. ﴿وَأَصْحَابُ﴾: جمع صحب، مأخوذ من الصحبة، وهي الاقتران والملازمة. ودل بقوله: ﴿خَالِدُونَ﴾ على أن صحبتهم للنار دائمة، وليست من الصحبة التي تستمر مدة، ثم تنقطع، ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨]. انتهت قصة آدم عند هذه الآية. ويجدر بنا أن ننبه لرأي أبداه بعض من كتب في التفسير منذ عهد قريب، وهو أن هذه القصة واردة على وجه التمثيل، لا أنها إخبار عن حقائق واقعة، وبسط القول في تقرير كونها تمثيلاً بما لا يسع المقام حكايته. والحقيقة أن القصة سيقت على وجه ظاهر في أنها واقعة، وتأويل آيات القصص على أنها من قبيل التمثيل لا يلجأ إليه إلا أن يكون حملها على المعنى الظاهر متعذراً، ولم يقم دليل شرعي أو عقلي يقتضي العدول في تفسير هذه القصة عن الظاهر من سياقها حتى يسهل صرف ألفاظها عن حقائقها، وتقبل دعوى أنها خارجة مخرج التمثيل. والقصة - مع كونها حقيقة واقعة - تنطوي على حكم شائقة، وعبر لامعة، يجدها المتدبر لكتاب الله قريبة المنال، عزيزة المثال؛ كأن يفهم منها: أن سياسة الأمم على الطريقة المثلى إنما تقوم على أساس راسخ من

стр. 112

العلم، ويفهم منها: أن فضل العلم النافع فوق فضل العبادة، وأن روح الشر الخبيثة إذا طغت في نفس، ذهبت البراهين عندها ضائعة، ولا يوجهها إلى الخير وعد، ولا يردعها عن الشر وعيد. ويستفيد منها الرئيس الأعلى كيف يفسح المجال لمرؤوسيه المخلصين يجادلونه في أمر يريد قضاءه، ولا يزيد على أن يبين لهم وجهة نظرة في رفق، وإذا تجاوزوا حد الأدب اللائق به، راعى في عتابهم ما عرفه فيهم من سلامة القلب، وتلقي أوامره بحسن الطاعة. ويستفيد منها المتقلب في نعمة يغبط عليها: أن مخالفة ما أمر الله قد تكون سبباً لزوال النعمة، وذلك ما يدعوه إلى تحصينها بالتزام الطاعة في كل حال. * * *

стр. 113

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٠ - ٤٣]. تضمنت الآيات السابقة التذكيرَ بالنعم التي أنعم الله بها على البشر، ومن بينها: خلق آدم- ﵇، وإظهار فضله على الملائكة بما أوتي من علم، ودل بقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ [البقرة: ٣٨] ... إلخ على أن البشر فريقان: مهتدون، وكافرون. واتجه التنزيل عقب هذا إلى تذكير طائفة خاصة من الكافرين المعاصرين للنبي ﷺ ، وهم بنو إسرائيل، فقال تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾: ﴿إِسْرَائِيلَ﴾: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈. وفي إضافة المخاطبين إلى يعقوب ﵇ بقوله: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ تشريف لهم بذكر نسبهم إلى أصل طيب؛ ليكون خطابهم بذلك داعية لذوي الفطر

стр. 114

السليمة منهم إلى الإقبال على سماع ما يرد بعد النداء من التذكير بالنعمة. والذكر يكون بالقلب، ومعنى ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾: تنبهوا لها، ولا تغفلوا عنها حتى تقوموا بواجب شكرها. ويكون الذكر باللسان، فيراد من الأمر بذكر النعمة: الأمر بالتحدث بها، والتحدث بنعمة الله مدعاة للتعبد بالشكر عليها. والنعمة: المنعَم به، وتجمع على نِعَم، وقد وردت في القرآن بمعنى النعم، لا تحتمل غير هذا المعنى؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، فلفظ العد والإحصاء يعين أنه أريد بها: النعم الكثيرة. والنعمة في هذه الآية التي نحن بصددها يترجح حملها على معنى النعم؛ إذ لم يقم دليل من الآية على أنه أريد بها نعمة معهودة. ثم إن مقام الدعوة إلى الإيمان يقتضي توجيههم إلى أن يذكروا نعم الله عليهم فيما سلف، ولله عليهم نعم كثيرة عظيمة. واستعمال المفرد في معنى الجمع؛ اعتماداً على ما ينساق إليه الذهن بقرينة قائمة في نظم الآية، أو بقرينة يلمحها الناظر في مقام الخطاب، أسلوب معدود من أبلغ أساليب البيان. ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾: العهد: ما من شأنه أن يراعى؛ كاليمين، والأمان، والوصية، والأمر، والضمان. وعهد الله: أوامره ونواهيه، والوفاء به: اتباع ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه. ويندرج فيه: ما أخذه على بني إسرائيل في التوراة من اتباع محمد ﷺ إذا بعث، والإيمان به وبما جاء به من هداية وشريعة. وعهدهم الذي ضمن لهم الوفاء به في قوله: ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾: ما وعد به المؤمنين بحق؛ من طيب

стр. 115

الحياة في الدنيا، والعيشة الراضية في الأخرى. ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾: الرهب: الخوف. ومعنى خوف الله وارد على معنى الخوف من مقته وسخطه وعقوبته. وتقديم الضمير (إياي) على الفعل (ارْهَبُونِ) إذ قال: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ يفيد العناية والاهتمام بأن يرهب جانبه. والمعنى: لتكن قلوبكم عامرة بخشيتي؛ فإن امتلاء القلوب بخشية الله أعونُ لها على طاعته فيما يأمر به، وينهى عنه، ونقاءها من رهبة غيره دليل سمو الهمة، ورسوخ الإيمان، واستنارة البصيرة. وبعد أن دعا بني إسرائيل إلى ذكر النعم التي أنعم بها عليهم. وأمرهم بأن يوفوا بعهده ضامناً لهم الوفاء بعهدهم، ونبههم لأن يخافوا مقامه تنبهاً مشعراً بعزة سلطانه، وسعة قدرته، عطف على ذلك أمرهم بما هو المقصد الأهم من الخطاب، وهو الإيمان بالقرآن، فقال تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾: المعنى: آمنوا بالكتاب المنزّل على محمد، وهو القرآن؛ فإنه مصدق لما بين أيديكم من التوراة؛ باشتمال دعوته على ما يحقق دعوتها؛ من التوحيد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. ويدخل في تصديق القرآن للتوراة: إعلامه بما جاء فيها من الإشارة إلى بعثة محمد ﷺ ، ومطابقة ما وصفته به مطابقة جلية. وإشعار بني إسرائيل بأن القرآن مصدق لما معهم من الكتاب، يحرك هممهم - إن كانوا يعقلون - للإقبال عليه متدبرين آياته، حتى يشهدوا حكمته، وتستيقن نفوسهم أنه دعوة الحق والإصلاح اللذين تقوم عليهما الطمأنينة

стр. 116

في الدنيا، والسعادة في الأخرى. ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾: الضمير في قوله: ﴿بِهِ﴾ عائد إلى القرآن المشار إليه في قوله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ﴾، والأولية هنا بالنسبة إلى غير المخاطبين من أهل الكتاب، فلا يرد عليه أن المشركين من قريش كانوا أول من كفر به. والموصوف بقوله: ﴿كَافِرٍ﴾ مقدر بمعنى: فريق. والمعنى: لا تكونوا أول فريق من أهل الكتاب يكفر بالقرآن، فيتبع خطواتكم أناس، وبهذا تصيرون أئمة للكفر، وتكون ضلالتكم أقبح الضلالات أثراً، وعقوبتكم أشد العقوبات هولاً. ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: الاشتراء: وارد بمعنى: الاستبدال. والآيات: الدلائل الناطقة بصدق النبي ﷺ ، وعلى رأسها الآية التي جمعت بين الدعوة والحجة، وهو القرآن المجيد. والثمن القليل: حظوظ الدنيا من نحو الرياسة والمال. والذي يستبدل به الثمن القليل: هو الإيمان بالآيات، وحذفت كلمة الإيمان في نظم الآية على عادة القرآن من الاكتفاء بالقرائن القائمة بوضوح دلالتها مقام الصريح من الألفاظ. ونزل تمكينه من الإيمان بالآيات منزلة حصوله بالفعل، فكأن الإيمان كان في حوزتهم، وتجردوا منه مستبدلين به شيئاً آخر، فمعنى اشترائهم تلك الحظوظ بالإيمان بالآيات: تركهم الإيمان بالآيات، وأخذهم بدله حظوظاً دنيوية هي حقيرة بالنسبة إلى ما يناله أولو الإيمان الخالص من رعاية ضافية في الدنيا، وخيرات حسان في الأخرى. ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾: الاتقاء: الحذر. واتقى الله: حذر عقابه. والحذر من عقاب الله يستدعي

стр. 117

تلقي أوامره ونواهيه بحسن الطاعة. وبهذا صح تفسير تقوى الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. وتقديم الضمير (إياي) على الفعل (اتقون) يفيد العناية والاهتمام بأن يتقى عقابه. ومن امتلأ قلبه بالخوف من الله، ودأب على الحذر من عقابه، برأه الله من أن يأتي جوراً، أو يعمل سوءاً، حذراً من أن يناله مخلوق بمكروه. ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ نهى بني إسرائيل فيما سلف عن أن يكونوا كفاراً ضالين، ونهاهم في هذه الآية عن أن يعملوا لإضلال غيرهم. ولدعاة الضلالة في إغواء الناس طريقتان: طريقة لبس الحق بالباطل، وهي المشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾، وطريقة جحد الحق وإخفائه، وهي المشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾. ولبس الحق الباطل: خلطه به. وقد كانت تلك الطائفة تتصرف في بعض نصوص كتابهم بالتأويل الباطل اتباعاً للهوى. وهذا خلط للنص الذي هو حق بالباطل الذي هو التأويل الفاسد، وكان فيهم منافقون يجمعون بين الحق والباطل، فيقولون الحق بألسنتهم، ويبطنون الكفر في أنفسهم، وكان فيهم من يلقي حول الحق الظاهر شبهاً؛ ليوقع ضعفاء الإيمان في حيرة وتردد. أما كتم الحق: فجحوده وإنكاره. ومن هذا الباب: حذف بعض النصوص التي تنطق بما لا يوافق أهواءهم. ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: يعدّ في كبائر المعاصي: خلط الحق بالباطل، أو جحود الحق. ويكون

стр. 118

وقعه أقبح، وفساده أكبر، وعاقبته أشأم، متى صدر من عالم يميز الباطل من الحق. ففي قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ بيان لحال المخاطبين بالنهي، من أنهم كانوا يلبسون الحق بالباطل، ويكتمون الحق لا بجهالة، بل كانوا يفعلون ذلك وهم على علم بأنهم خلطوا الحق بالباطل، أو أخفوا حقاً بجحوده، وعدمِ بيانه للناس. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: بعد أن أمرهم بأصل الدين الذي هو الإيمان، أمرهم بركنين من أركانه العملية، أولهما: أعظم العبادات البدنية، وهي الصلاة، وثانيهما: أعظم العبادات المالية، وهي الزكاة. وإقامة الصلاة: أداؤها مستوفية لأركانها وشرائطها المفصلة في كتب السنّة، والزكاة وردت في القرآن كالصلاة مجملة، وترك تفصيل القول في أحكامها إلى السنّة، والزكاة في اللغة: النماء والتطهير، وكلا المعنيين متحقق في الزكاة الشرعية، أما النماء، فبإخراج القسط المسمى زكاة يبارك الله في البقية من المال، فينمو، ويسلم من الآفات التي كثيراً ما تصيب أموال البخلاء بإيتائها، وأما التطهير، فلأن الزكاة تطهر المال من أن تكون فيه مظلمة. أمر بني إسرائيل بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة على الوجه الذي شرعه الإسلام، ثم عاد إلى فريضة الصلاة مؤكداً الأمر بها؛ لعظم أهميتها، فقال تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾: الركوع في أصل اللغة: الخضوع والانقياد. ويطلق في عرف الشارع على الركن المعروف في الصلاة، وهو خفض المصلي رأسه حتى تبلغ راحتاه

стр. 119

ركبتيه. وقد كنى به عن الصلاة، وهو الظاهر من سياق الآية. والسر في هذه الكناية: أن الأمر موجه إلى اليهود، وليس في صلاتهم ركوع، فكأنه يقول: صلوا الصلاة ذات الركوع، وهي الصلاة التي شرعها الإسلام. وأشار بقوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ إلى فضل أداء الصلاة في جماعة. * * *

стр. 120

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦) يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٤ - ٤٨]. تضمنت الآيات السابقة تذكيرَ بني إسرائيل بالنعم التي أنعم الله بها عليهم من قبل، ثم دعوتهم إلى الإيمان بالقرآن، والعمل بما شرع من صلاة وزكاة، وجاءت هذه الآيات مفتتحة بتوبيخهم وتقريعهم على أمر لا يصدر عن عقل، ولا يليق بذي علم، وهو حثهم الناس على الخير، وهم لا يفعلون ما يأمرون به، فقال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾: الأمر: طلب إيجاد الفعل. والبر: اسم يتناول كل عمل من أعمال الخير. والنسيان: غيبة الشيء عن القلب بعد حصول العلم به، وهو في الآية بمعنى: ترك العمل، على طريقة استعمال اللفظ فيما يكون لازماً لمعناه

стр. 121

الأصلي؛ فإن من نسي شيئاً، ترك العمل به لا محالة، وهذا من الأساليب التي اتسع بها مجال البيان، وجعلت البلغاء يخرجون المعنى الواحد في عبارات متنوعة، والداعي إلى حمل النسيان على معنى الترك: أن الناسي حقيقة غير مؤاخذ على ما نسيه، فلا يستحق هذا التوييخ الشديد الوارد في الآية. ومن الواضح أن التوبيخ في الواقع متوجه إلى نسيانهم أنفسهم؛ أي: تركهم العمل بما يأمرون به، لا إلى أمر الناس بالبر؛ فإن الأمر بالخير في نفسه فعل محمود، ولو صدر ممن لا يفعل الخير؛ إذ ليس من شرط وجوب الأمر بالمعروف أن يكون الآمر عاملاً به، وإنما عمله بما يأمر يجعل وعظه قريباً من القلوب، جديراً بأن يتلقى بالقبول. ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾: التلاوة: القراءة. والكتاب: التوراة. وكون المخاطبين يقرؤون التوراة، يزيد تركهم العمل بما يأمرون به قبحاً، ويستدعي أن يكون توبيخهم على هذا الترك أغلظَ من توبيخ من ترك العمل الصالح وهو لم يقرأ كتاباً سماوياً، ذلك أن قراءته الكتاب لا تبقي له وجه الاعتذار بالجهل الذي قد يتشبث به بعض الفاسقين عن أمر الله عندما ينكر الناس فسوقهم. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: يطلق العقل على قوة في النفس تستعد بها لقبول العلم، ويطلق على إدراك الأشياء بتلك القوة. فمعنى ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أليس لكم إدراك يزجركم عن ارتكاب ما لا يليق من الأفعال؟! ومن ألطف أساليب الخطاب: أن يكون للموجَّه إليه النصيحة صفةٌ شأنها أن تنساق به إلى خير، ولكنه يفعل

стр. 122

فعلاً لا يناسب تلك الصفة، فيقع صدوره منه موقع الاستغراب، فيذكر له مسدي النصيحة تلك الصفة في معرض الاستفهام، وهو إنما يريد تذكيره بأن ذلك العقل ليس من شأنه أن يلتقي مع تلك الصفة في نفس واحدة، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. فالمخاطبون يعقلون؛ أي: يدركون الأشياء، وبهذا الإدراك توجه إليهم التكليف بالعقائد والشرائع، ولكنهم لم يجروا على مقتضى ما لديهم من عقل؛ حيث كانوا يأمرون الناس بالخير، وينصرفون عنه بأنفسهم، فكأنه يقول لهم: إن ما أتيتم به فعل لا يلتئم بصفة العقل، يوحي إلى الناظر أن ليس لكم إدراك يمنعكم من ارتكاب ما لا يختلف في قبحه اثنان. ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾: أمر الله بني إسرائيل فيما سلف من الآيات بالإيمان، وإقامة الشرائع، ومخالفة الأهواء الداعية إلى كتم الحق وخلطِه بالباطل، ولما كان فيما أمرهم به مشاقّ لا يحتملها كل أحد بسهولة، أرشدهم في هذه الآية إلى ما يقوي عزائمهم، ويخفف عنهم أعباء تلك التكاليف، فقال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾. الاستعانة: طلب المعونة. والصبر: حبس النفس على ما تكره، وكفّها عن أهوائها، فيقال: صبر على الطاعة؛ أي: حبس نفسه عليها متحملاً ما يلاقيه في أدائها من مشاق، وصبر عن المعصية؛ أي: كفّ نفسه عما تنزع إليه من شهوات جامحة. ووجْهُ كون الصبر معيناً على تلقي الأوامر بحسن الطاعة، هو أنه يتربى بالنظر في عواقب الأمور. ومن رسخت قدمه في هذا الشأن، وأصبح يقيس

стр. 123

الأعمال بعواقبها، وما يترتب عليها من آثار يحمدها، تضاءلت أمامه المصاعب، ولم يقف به عن العمل ما يلاقيه في سبيله من مشقة. وكانت الصلاة معينة على النهوض بالأعمال الجليلة، من جهة أنها عبادة يقوم بها العبد في كل يوم خمس مرات، يناجي فيها ربه، ويقرأ فيها من القرآن ما فيه حكمة وموعظة حسنة، فتزكو نفسه، وتصفو سريرته، ويستمر هذا الحال في غير أوقات الصلاة، حتى إذا حضر وقت عمل واجب غير الصلاة، وجد في نفسه إقبالاً عليه، واستهانة بكل ما يلاقيه في سبيل الله من مكاره وآلام. ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾: كبيرة: صعبة شاقة، يقال: كبر الشيء: إذا شق وثقل؛ كما قال تعالى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣]. و ﴿الْخَاشِعِينَ﴾: من الخشوع، وهو في الأصل: اللين والسهولة، ومعناه في الآية: الخضوع والاستكانة لله - جل شأنه - وضده الاستكبار. والمعنى: أن الصلاة صعبة إلا على الخاضعين الذين أسلموا وجوههم لله. والصلاة من حيث إنها قيام وركوع وسجود وجلوس ليس فيها صعوبة، والصعوبة من جهة أن الصلاة بحق ما يدخلها المصلي بقلب حاضر، فيؤديها مبتغياً رضا الله، تالياً القرآن بتدبر، ناطقاً بالدعوات والأذكار التي تشتمل عليها عن قصد إلى كل معنى، دون أن تجري على لسانه، وهو في غفلة عن معانيها التي هي روح العبادة. ويضاف إلى هذا في معنى صعوبة الصلاة: أنها فريضة شرعت لأن يقيمها العبد في كل يوم خمس مرات مدى الحياة، وإنما كانت سهلة على الخاشعين؛ لإيقانهم أنها من أهم وسائل الفلاح في الدنيا، والسعادة

стр. 124

في الآخرة، ولأنهم يجدون عند أدائها ارتياحاً واطمئناناً يجعل نفوسهم ناشطة للقيام بها كلما حل وقتها. ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾: يرد الظن في أكثر الكلام بمعنى: الاعتقاد الراجح، وهو ما يتجاوز مرتبة الشك، وقد يقْوى حتى يقرب من مرتبة القطع. وملاقاة الخاشعين لربهم يصح أن تفهم على معنى قربهم من يوم القيامة قرباً معنوياً، وجزائه لهم على ما فعلوا من خير، وإنما كان اعتقاد الخاشعين لملاقاة جزاء الله لهم بالحسنى ظناً، لا يقيناً؛ لأنه من الممكن أن يحكم الخاشعون على سيرتهم في بعض الأوقات الحاضرة بالاستقامة، ولا تخالطهم شبهة في أنها السيرة التي وعد الله بمجازاتها يوم القيامة الجزاء الأوفى، ولكن خواتم الحياة لا يعلمها كيف تكون غير علاّم الغيوب. ويفسر رجوعهم إليه تعالى على هذا الوجه بمصيرهم إلى دار السلام، وحلولهم بجواره؛ حيث لا يكون لأحد عليهم سلطان ولا منة كما كانوا في حياتهم الدنيا. وذهب كثير من المفسرين إلى أن الظن في الآية بمعنى: العلم، وساقوا على ذلك شواهد عربية، وقالوا: معنى ملاقاة الله: الحشر إليه بعد الموت، والرجوع إليه، وملاقاة الجزاء ثواباً أو عقاباً، وكل من الحشر وملاقاة الجزاء بعده داخل في قبيل العلم: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]. ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾: سيقت هذه الجملة المتضمنة أمر بني إسرائيل بذكر نعمته تعالى في آيات ألممنا بتفسيرها قريباً، وأعيدت هنا تأكيداً لتذكير المخاطبين بنعم الله

стр. 125

التي حقها أن تتلقى بخالص الشكر، ومن سنّة القرآن إعادة الجمل التي تشتمل على أمر يستوجب مزيد العناية، وهذا شأن ذكر النعم؛ فإنه مدعاة إلى تواردها على الذاكر لها، وناهض بالنفوس الكريمة إلى شكرها، والجد في طاعة مرسلها، وهو مع هذا موصول برضا الخالق الذي هو أسمى غاية تتجه إليها الهمم، وتسعى لإحرازها ليلها ونهارها. ويشعر تكرار هذه الجملة أن في بني إسرائيل غفلة عن تقدير النعم، شأن من لا يبالي كفرانها. ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: قال تعالى في حق أمة الإسلام: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وبنو إسرائيل إنما فضلهم الله على العالمين أيام كانوا يقيمون التوراة، ويكثر فيهم الأنبياء، وقد يذكر الله القوم بنعمة كان أسداها إلى أسلافهم؛ كالتفضيل على العالمين، ثم يذكر لهؤلاء القوم مساوئ تنزل بهم إلى الحضيض. ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾: اتقوا: احذروا. وتجزي: تقضي، من جزى بمعنى: قضى. والمعنى: احذروا يوماً لا تقضي فيه نفس عن نفس شيئاً من الحقوق. ومعنى اتقاء اليوم، وهو يوم القيامة: الحذر مما يجري فيه من فزع وعذاب، والحذر منه: بالسير على صراط الله المستقيم حسب الاستطاعة، فكأنه يقول: واستضيئوا بنور الإيمان، وأطيعوا الله فيما يأمر به أو ينهى عنه، وبهذه السيرة تسلموا من هول يوم القيامة وعذابه المهين. ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾: الضمير في قوله: ﴿مِنْهَا﴾ يعود على ﴿نَفْسٍ﴾ في قوله: ﴿عَنْ نَفْسٍ﴾، وهي النفس المأخوذة في ذلك اليوم للحساب، المسؤولة عما ارتكبت من

стр. 126

وزر، فهذه النفس إذا جاءت بشفاعة شفيع، لم تقبل منها. والشفاعة: أن يكون لأحد وجاهة عند أحد، فيسأله أن يعفو عن جناية صدرت من آخر، أو يصفح عن واجب أهمل القيام به، أو يستوهب منه له شيئاً. والآية نفت أن تقبل يوم القيامة شفاعة من أحد نفياً مطلقاً، ووردت آيات تنفي قبول الشفاعة إلا ممن أذن له الله فى ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]، فصح أن تحمل الآية المطلقة - وهي التي نحن بصدد تفسيرها - على أنها واردة في شأن النفوس الكافرة، وتفهم الآيات الأخرى على صحة قبول الشفاعة للمؤمنين إذا أذن الله فيها للشافعين. وقد وردت أحاديث صحيحة في أن النبي ﷺ -ستكون له شفاعة في دفع العذاب عن قوم، ورفع الدرجات لآخرين. ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾: العدل: الفدية. وسميت عدلاً؛ لأنها تعطى على أنها معادلة للمفدي بها. والمعنى: لا يؤخذ من أحد بدل من كفره بالغاً البدلُ ما بلغ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١]. ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾: جاء الضمير في قوله: ﴿وَلَا هُمْ﴾ ضمير جمع، وهو عائد على نفس في قوله: ﴿عَنْ نَفْسٍ﴾، والنفس مفردة، ذلك أن النفس هنا في معنى: نفوس،

стр. 127

وإيضاح هذا أن نفساً نكرة واقعة بعد نفي، أعني: (لا) في قوله: ﴿لَا تَجْزِي﴾، والنكرة إذا وقعت بعد نفي تشمل كل فرد من أفرادها، فيكون نفس في قوله: ﴿عَنْ نَفْسٍ﴾ متناولة لكل فرد من أفراد النفوس، وبهذا كانت في معنى الجمع، وصح أن يعود عليها الضمير الموضوع ليدل على أفراد متعددة، وقد جرى القرآن على هذا الاستعمال المعروف في علم البيان؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧]. ومعنى قوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾: أنهم لا يجدون من يعينهم ويمنعهم من عذاب الله، أو لا يجدون من ينتصر لهم من الله إذا عاقبهم. وقد أتى القرآن الكريم إلى ما يحتمل أن يكون وسيلة إلى النجاة يوم القيامة، فنفاه نفياً باتأة حتى يعلم الجاحد بآيات الله، الفاسقُ عن أمره أن ليس هناك وسيلة ترجى للخلاص من عذاب، والفوز بنعيم، غير الإيمان وحسن الطاعة، ذلك أن المأخوذ بحق إما أن يجد من ينوب عنه في أداء الحق، فقال تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾، وإما أن يجد وجيهاً عند المطالِب له بالحق، فيسأل له العفو، فقال تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾، وإما أن يقدم إلى المطالِب بالحق بدلاً من هذا الحق على نحو ما عرف في الدنيا باسم الفداء، فقال تعالى: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾، وإما أن يجد ذا قوة يعينه ويمنعه ممن يريد عقابه، فقال تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. * * *

стр. 128

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٤٩ - ٥٣]. ذكَّرَ الله تعالى فيما سلف بني إسرائيل بنعمه إجمالاً، فقال: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، وأتبع ذلك ببيان بعض النعم على وجه التفصيل؛ ليكون التذكير بالنعمة أبلغ، والحجة عليهم إذا لم يشكروها أوضح، وصدّر هذه النعم المفصلة بتفضيلهم على العالمين، فقال تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. ولما كان تفضيلهم على العالمين قد يأخذهم بغرور، ويوقع في أوهامهم أنهم ليسوا في حاجة من بعده إلى صالح الأعمال، أرشدهم إلى أن التقوى هي سبب السلامة والفوز، فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ ... إلخ الآية. ثم أورد عقب نعمة التفضيل نعماً أخرى عظيمة

стр. 129

الشأن، وهي ما أشار إليه في هذه الآيات، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾: إذ: بمعنى: وقت، فهي مفعول به لفعل ملاحظ في نظم الكلام، وهو: "اذكروا". والتنجية: التخليص والإنقاذ. والآل: الأهل والأتباع. وفرعون: اسم لملك مصر، كما يقال لملك الروم: قيصر، وملك الفرس: كسرى، وملك اليمن: تُبّع. ويسومونكم: من السَّوم بمعنى: التكليف. وسوء العذاب: أشقه وأصعبه. والمعنى: اذكروا وقت أن نجيناكم من آل فرعون إذ يكلفونكم أشق العذاب وأصعبه، والمراد من تذكيرهم بالوقت بما وقع من تنجيتهم من آل فرعون. ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾: هاتان الجملتان واردتان مورد البيان للجملة السابقة، فهما مبينتان لما أريد من سوء العذاب الذي كان فرعون وقومه يأخذون به بني إسرائيل. و ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ من التذبيح الدال على كثرة الذبح الذي هو إزهاق الروح بإصابة الحلق. والأبناء: الأطفال الذكور. والاستحياء: الاستبقاء. والنساء: اسم جمع واحده امرأة، وأطلق على البنات؛ لأنهن يصرن نساء، وأطلق عليهن الاسم الذي يصرن إليه؛ لأن انتفاع آل فرعون باستخدامهن إنما يعظم عندما يصرن نساء. والمعنى: أن آل فرعون يقتلون ذكرانكم، ويستبقون إناثكم أحياء. وفي استبقاء الإناث عذاب من جهة إبقائهن خدماً، وإذاقتهن حسرة ذبح إخوتهن من الذكور. وكان فرعون يذبح أطفال بني إسرائيل مخافة

стр. 130

أن ينشأ فيهم من يناوئ سلطانه، ويعمل لتقويض أركان عرشه، وقد وقع ما تخوف منه؛ إذ نهض موسى- ﵇ ببني إسرائيل، وسار بهم في طريق النجاة، فسقط عرشه، ومات غريقاً، ونُجي ببدنه ليكون لمن خلفه آية. ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾: البلاء في الأصل: الاختبار والامتحان، ويكون في الخير والشر. قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]. فالله يبتلي الناس بالسراء ليشكروا، ويبتليهم بالضراء ليصبروا، أو ليقلعوا عما يتعرضون له من سخطه وأليم عقابه. والمتبادر من نظم الآية أن المشار إليه بقوله: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ﴾ هو سوء العذاب الذي كان فرعون يسومهم إياه. ونسبة البلاء إلى الله إذ قال: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ من جهة أنه سلط عليهم آل فرعون. ووصف البلاء بالعظم، فقال: ﴿عَظِيمٌ﴾؛ لأن تذبيح الأبناء واستحياء البنات من أعظم البلاء الذي ينزل بالأمة على أيدي أعدائها. ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾: الفَرْق: الفصل بين الشيئين، يقال: فرق كذا؛ أي: فصل بعضه عن بعض. و ﴿الْبَحْرَ﴾: الماء الكثير مجتمعاً بمكان، ملحاً كان أم عذباً. والواقعة تقتضي أنه بحر يصل مصر بالأرض المقدسة. وقال المفسرون: هو بحر القلزم "البحر الأحمر". وقد انفلق البحر عند انتقال موسى ﵇ ببني إسرائيل إلى

стр. 131

الأرض المقدسة، فمروا في طريق يبس، والأمن محيط بهم من كل جانب حتى بلغوا شاطئ النجاة. ومعنى ﴿فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْر﴾: فصلنا بعضه عن بعض من أجلكم؛ أي: من أجل مروركم فيه، وهذا معنى قولهم: إن الباء في قوله: ﴿بِكُمُ﴾ للسببية. وإذا نظرنا إلى ما جاء في آية أخرى من أن موسى ﵇ ضرب البحر بعصاه فانفلق، ثم إن القوم بعد انفلاق البحر بعصا موسى توسطوه بسيرهم بين جنبيه، ومن توسط شيئاً، صح أن يقال: إنه فرق بعضه عن بعض، فيقال: إن القوم فرقوا البحر، على معنى: أنهم فصلوا بعضه عن بعض بسيرهم في وسطه، ونسب الله فرق البحر بهذا المعنى إلى نفسه، فقال: ﴿فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْر﴾؛ ليدل على أن القوم فرقوا البحر وقطعوه وعبروه، وهو معهم برعايته وعونه، فيؤول معنى ﴿فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ إلى معنى قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]. ﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾: في الآية جملة ملاحظة في النظم استغني عن ذكرها بدلالة المعنى عليها، وتقديرها مع الملفوظ به: وإذ فرقنا بكم البحر، وتبعكم فرعون وجنوده، فأنجيناكم من الغرق، أو من إدراك فرعون وآله لكم. وذكر الله تعالى في هذه الآية إغراق آل فرعون دون فرعون، وذكر في آية أخرى إغراقه، فقال تعالى: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾ [الإسراء: ١٠٣]. ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: النظر: الإبصار. والمعنى: أغرقنا آل فرعون وأنتم تبصرون إهلاك عدوكم بالإغراق، وتشاهدونه بأعينكم، وهذا أدعى لليقين بهلاكه، وأبلغ

стр. 132

في الشماتة به. والعقيدة السليمة تقضي بأن تفهم واقعة انفلاق البحر لموسى وقومه على أنها معجزة كونية، لا أنها حادثة طبيعية منشؤها المد والجزر؛ كما يزعم بعض من لا يبالي أن يظهر برأي يدفعه صريح القرآن الكريم. ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾: هذا معطوف على الآيات السابقة، فهو على معنى: واذكروا إذ واعدنا. والموعود به: التوراة. والأربعون ليلة ميقات: لقضاء الوعد؛ أي: إن إعطاءه التوراة يكون عند تمام أربعين ليلة. فالأصل: واعدنا موسى أن نؤتيه التوراة عند انقضاء أربعين ليلة. والأسلوب العربي يسيغ- متى كان المراد مفهوماً للمخاطبين-الاقتصار على ذكر زمان الموعود به، أو مكانه، فيقولون مثلاً: وعدته يوم الخميس؛ أي: الزيارة، أو الحضور يوم الخميس، أو وعدته بطن الوادي، أو شاطئه؛ أي: الملاقاة به. ويدل على أن الموعود به التوراة: قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢]، ثم قال تعالى: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٤ - ١٤٥]. وقال: ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾، ولم يقل: أربعين يوماً؛ لأن أول الشهر العربي ليلة طلوع الهلال، ولهذا نجد العرب يؤرخون بالليالي، فيقولون: وقع كذا لخمس ليال - مثلاً - خلت من الشهر. ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾: ﴿الْعِجْلَ﴾: ولد البقرة. والمراد: ما صنعه السامري على صورة العجل.

стр. 133

ومعنى اتخاذهم العجل: جعلهم له إلهاً يعبدونه. والضمير في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ يعود إلى موسى ﵇ بملاحظة مضاف يدل عليه سياق الكلام. والمعنى: ثم اتخذتم العجل من بعد ذهاب موسى إلى الطور، وأنتم ظالمون لأنفسكم بعبادة غير الله. وكذلك كل من ارتكب شركاً أو إثماً فهو ظالم لنفسه؛ لأنه يلقي بها في شقاء وخسران، بدل أن يسمو بها إلى مقام كريم. ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: العفو: محو الذنوب، وعدم المؤاخذة بها. واسم الإشارة ﴿ذَلِكَ﴾ يعود على اتخاذ العجل المفهوم من قوله: ﴿اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾. والشكر: الحديث بنعمة المنعم، والثناء عليه. وحرف (لعل) في هذه الآية ظاهر في معنى التعليل، والمعنى: عفونا عنكم إذ تبتم بعد الارتداد عن دينكم؛ لتكونوا من الشاكرين على نعمة العفو. ومن شكر للمنعم نعمة من حيث إنها نعمة صادرة منه، كان شأنه أن يشكره على كل نعمة يُسديها إليه. فالعفو عن موبقة عبادتهم العجل بعد التوبة منها، شأنه أن يكون داعياً لشكرهم عليه، وباعثاً على قيامهم بواجب الشكر عند كل نعمة. ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: ﴿آتَيْنَا﴾: أعطينا. والكتاب: التوراة. والفرقان: الشرائع والأحكام؛ لأنها تفرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام. ويصح أن يراد من الفرقان: الآيات والمعجزات التي أجراها الله على يديه للدلالة على صدق رسالته، وسميت فرقاناً، لأنها تفرق بين دعوى الرسالة حقاً، ودعواها

стр. 134

زوراً. والمعنى: واذكروا إذ أعطينا موسى التوراة، والشرائع والأحكام، والآيات والمعجزات؛ لتهتدوا بها إلى سبيل الفلاح في الدنيا، والفوز بالسعادة في الأخرى. * * *

стр. 135

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤) وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٤ - ٥٧]. تضمنت الآيات السابقة تذكير بني إسرائيل بنعم أنعم الله بها عليهم، وانجرّ الحديث عنها إلى ذكر جريمة من أكبر جرائمهم، وهي اتخاذهم العجل إلهاً يعبدونه من دون الله؛ إذ قال تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾، وأردف ذكر تلك الجريمة الكبرى بذكر نعمة هي من أعز نعمة تعالى، وهي العفو عنها إذ ندموا ولاذوا بالتوبة، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. ووصل هذا بنعمة هي مطلع الهداية، والطريق المبلغ للسعادة، وهي إنزال التوراة على موسى ﵇، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى

стр. 136

الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. ثم عاد الحديث في نظم الآيات التي بين أيدينا إلى تذكير بني إسرائيل بتلك الموبقة، موبقة الردة، ويما أضافوا إليها من مساوئ أخرى، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾: هذا معطوف على ما قبله مع ملاحظة فعل مقدر في نظم الكلام، هو: اذكروا. والمعنى: واذكروا إذ قال موسى لقومه ... إلخ. ومعنى ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾: أضررتم بها إذ حرمتموها بعبادة العجل الثوابَ الذي تناله بالإقامة على عهد موسى ﵇. وصدَّر موسى خطابه لقومه بقوله: ﴿يَاقَوْمِ﴾؛ ليذكرهم بأنه منهم، والشأن أن الرجل لا يريد بقومه إلا خيراً. ففي هذا النداء مظهر من مظاهر التلطف، يريد به جلب دواعيهم إلى الإصغاء إليه، وتلقي أوامره بحسن الطاعة. ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾: التوبة: الندم على ملابسة الذنب، والإقلاع عنه، والعزم على عدم العود إليه. وذلك معنى الرجوع عن المعصية إذ يقولون: تاب إلى الله؛ أي: رجع عن معصيته. والبارئ: الموجد للأشياء على ما تقتضيه الحكمة. فكأنه يقول لهم: ارجعوا بالتوية إلى من خلقكم في أحسن تقويم، فهو المستحق للعبادة، وأما العجل، فإنما يعبده من يُشبْهه في الغباوة. ومن أمثال العرب: "أبلد من ثور". ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: أمر موسى قومه بقتل أنفسهم بعد أمرهم بالتوبة، فيفيد نَظْمُ الآية أن

стр. 137

توبتهم لا تتم ولا تقبل إلا بقتل أنفسهم، وظاهر الآية: أنه أمرهم بقتل أنفسهم؛ أي: إزهاق أرواحهم، وهذا صادق بقتل بعضهم بعضاً، كما قال تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]؛ أي: فليسلم بعضكم على بعض، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١]؛ أي: لا يلمز بعضكم بعضاً. وإنما أمرهم موسى بقتل أنفسهم على وجه التبليغ عن الله، إذ مثلُ هذا الأمر لا يصدر إلا عن وحي. ولم يزل هذا المعنى في ضمن التوراة التي يتدارسها اليهود إلى اليوم. ومما جاء فيها: "دعا موسى إليه من يرجع إلى الرب، فأجابه بنو لاوي، فأمرهم بأن يأخذوا السيوف، ويقتل بعضهم بعضاً، ففعلوا". ومما نراه قريباً في فهم القصة من الآية أن يكون بنو إسرائيل الذين عبدوا العجل، ثم ندموا على ما فعلوا، قد أمروا بقتل أنفسهم على أن يكون ذلك القتل متمماً لتوبتهم، وأسلموا أنفسهم للقتل، وقتل منهم طائفة أحرزوا فضل الشهادة، ثم إن الله تعالى رفع عنهم القتل كما ورد في بعض الروايات، وعفا عمن بقوا أحياء، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾: اسم الإشارة ﴿ذَلِكُمْ﴾ عائد إلى التوبة والقتل المفهومين مما تقدم. وقال: ﴿عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ وقد تقدم ذكره قريباً ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾، والمعروف في مثل هذا الموضع أن يكتفى بالضمير فيقال: عنده، ولكن قوانين البيان البارع تأذن في العدول عن الضمير إلى تكرير الاسم الظاهر متى أعطى الاسم الظاهر فائدة لا يعطيها الضمير، وهي أنه قال: ﴿عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾؛ ليؤكد في نفوس المخاطبين ذلك المعنى الذي ينبئ به الاسم الظاهر، وهو أنه أوجدهم

стр. 138

من العدم، وصوّرهم فأحسن صورهم، فهو القادر على أن يفيض عليهم الخيرات الجزيلة، متى أسلموا له وجوههم، وآثروا إرضاء أهوائهم. والمعنى: أن قتل أنفسكم امتثالاً لما أمرتم به هو خير لكم من الإقامة على المعصية؛ فإن الموت آت لا محالة، وليس في تحمل القتل إلا تقديم ما لا بدّ منه. ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: هذا خطاب من البارئ تعالى موجّه إلى بني إسرائيل بعد أن انتهت محاورة موسى لهم بقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾. وقد جاء هذا الخطاب على طريقة القرآن من الإيجاز؛ إذ حذفت منه جملة دل عليها معنى المنطوق به في النظم؛ أعني: قوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ بعد قوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾. والمعنى مع مراعاة الجملة المقدرة: فامتثلتم ما أمرتم به، فقبل البارئ توبتكم. والتوَّاب: قابل التوبة من عباده على كثرة ما يصدر منهم من الذنوب، وعلى عظم ما يرتكبون من الآثام. والرحيم: دائم الرحمة، أو واسعها؛ بحيث يشمل عباده بإحسانه ولطفه وتوفيقه على حسب ما تقضي به الحكمة. ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾: هذه محاورة من بني إسرائيل لموسى ﵇ تتضمن طلبهم أن يروا الله معاينة. نادوا موسى باسمه، فقالوا: يا موسى! وورد دعاؤهم له باسمه عند محاورته في آيات متعددة، ومن أدب أصحاب نبينا-﵊: أنهم كانوا يدعونه بلقب الرسالة، فيقولون: يا رسول الله! والإيمان: التصديق. والرؤية: الإبصار. وجهرة: علانية ومعاينة. وكاد المفسرون يتواردون

стр. 139

على أن أصحاب هذه المحاورة كانوا مؤمنين بموسى- ﵊، فيحمل قولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ على معنى: لانصدقك تصديقاً مطمئناً في النفس لا تحوم عليه شبهة، ولا يدنو منه ريب، وهو الإيمان الذي يدخل القلوب من طريق المعجزة الباهرة. ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: ﴿الصَّاعِقَةُ﴾: الموت، وما يكون سبباً للموت، من نحو: الصيحة، والنار تنزل من السماء. وبهذا المعنى نفسّر الصاعقة في الآية. وقال تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾، فأفاد أن العقوية نزلت عليهم وهم يشاهدونها، وفي مشاهدتها رعب وفزع يأخذ قلوبهم قبل أن يأخذ العذاب المهلك أجسامهم. وقد يخطر على البال أن هذه الآية تصلح لأن تكون دليلاً على عدم صحة رؤية الله بالعين الباصرة يوم القيامة؛ فإن الذين طلبوها سلط الله عليهم الصاعقة؛ كما سلط على عَبَدَه العجلِ القتل. ويُدفع هذا الخاطر بأن موسى ﵇ قد علم أن رؤية الله ممكنة، فطلبها؛ كما جاء في سورة الأعراف: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وأعلمه الله أن رؤيته في الدنيا بالأبصار لا تقع، وصار هذا أصلاً معروفاً عنده وعند قومه، ولكن بني إسرائيل سألوا الرؤية بالأبصار بعد علمهم بذلك تعنتاً، أو لشك خالجهم، فأخذهم الله بالصاعقة وهم ينظرون؛ عقوبةً لهم على ما سألوا. وورد في الكتاب المجيد آيات تدل على أنه تعالى يُرى يوم القيامة؛ كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. وورد أيضاً من الآيات ما يدل بظاهره على نفيها، ولكن الآيات المثبتة تأيدت بأحاديث صحيحة، فوجب المصير إليها، وفهمُ الآيات الأخرى على وجه يوافق الآيات

стр. 140

المؤيَّدة بالأحاديث الصحيحة الصريحة. ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾: البعث في أصل اللغة: تحريك الشيء عن سكون، ومنه: بعث فلان الناقة: إذا أثارها من مبركها، ويستعمل بمعنى الإيقاظ كما ورد في قصة أهل الكهف: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾ [الكهف: ١١ - ١٢]. وبمعنى الإحياء، وهو المراد في هذه الآية، بدليل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾. وأبْعدَ في التأويل من ذهب في تفسير بعث هؤلاء القوم إلى كثرة نسلهم بدعوى "أنه بعدما وقع فيهم الموت بالصاعقة وغيرها، وظُن أن سينقرضوا، بارك الله في نسلهم". ولا داعي - فيما نرى - إلى العدول عن ظاهر الآية ما دامت الإماتة والإحياء بيد الله، وقد أخبر أنه أحيا هؤلاء القوم بعد إماتتهم، ولا يوجد في معنى هذا الخبر ما يُخل بوجه من وجوه الحكمة. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: حرف (لعلّ) هنا: ظاهر في معنى التعليل. والمعنى: أحييناكم بعد موتكم. لكي تشكروا الله على نعمه التي من جملتها رذُكم إلى الحياة بعد الموت، وكان إحياؤهم بعد هذا الموت نعمة تستوجب الشكر؛ من جهة أنهم يتمكنون به من الإيمان والعمل الصالح، وبذلك يدخلون في زمرة المفلحين. وهؤلاء القوم - وإن قبضت أرواحهم، وأصبحوا في عدد الموتى - قد صحّ تكليفهم بعد إحيائهم في الدنيا؛ لأن موتتهم كانت بمنزلة النوم أو الإغماء، فلم يشاهدوا فيها شيئاً من أحوال الآخرة؛ بخلاف الذين يبعثون من قبورهم يوم الحساب، لا يصح تكليفهم بعد بعثهم بإيمان ولا عمل

стр. 141

صالح؛ لأنهم رأوا رأي العين من أحوال الآخرة ما يجعل إيمانهم أو عملهم الصالح اضطرارياً، والتكليف إنما تتم حكمته وتظهر مزيته في أن يتجه الإنسان إلى ما كلف به، وهو على شيء من الاختيار. ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾: نعمُ الله على بني إسرائيل أخروية، ومنها: ما ذكَّرهم به في الآية السابقة بقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾، ودنيوية، ومنها: ما ذكرهم به في هذه الآية. والغمام: جمع غمامة، وهي السحابة، وخصه بعض علماء اللغة بالسحابة البيضاء. والمعنى: جعلنا الغمام يُظلكم في النهار لمِقيكم حر الشمس، وكان هذا كما روى النسائي وغيره عن ابن عباس في مدة تيههم بين مصر والشام المشار إليه بقوله تعالى: ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦]. ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾: إنزال الشيء: تحويله من أعلى إلى أسفل، وهذا المعنى متحقق في المن والسلوى. ويستعمل بمعنى الإيجاد؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦]. وقد اختلفت عبارات المفسرين في وصف المن، وأشهرها: أنه شيء يسقط على الشجر سقوط الثلج، أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وتواردت عبارتهم على أن السلوى من نوع الطيور. والذي يؤخذ من ذكره بجانب المن أنه من أطيب الطيور طعماً. ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾: الأمر ﴿كُلُوا﴾: للإذن؛ نحو: "فاصطادوا". والطيبات: جمع

стр. 142

طيب، وهو الحلال، أو اللذيذ المشتهى. ورزقناكم: جعلناه رزقاً لكم. ورزقُ الإنسان: نصيبه الذي يخصه دون غيره، وإن شئت فقل: هو ما يسوقه الله إليه لينتفع به. ويظهر الالتئام بين هذه الجملة وما قبلها بملاحظة فعل القول، والتقدير: وقلنا: كلوا من طيبات ما رزقناكم. وحذف القول- عندما ينساق إليه الذهن بقرينة واضحة - شائع في كلام العرب، كما قال فيه بعض علماء اللغة: حدّث عن البحر ولا حرج. ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: لما قص الله تعالى مساوئ من أفعال بني إسرائيل؛ نحو: اتخاذ العجل إلهاً، وسؤالهم رؤية الله بأبصارهم، ووصل ذلك بذكر النعم الدنيوية والأخروية التي كان يسبغها عليهم، استدعى ذلك أن يبعد عن الأذهان ما قد يخطر بها من أن تُسمى تلك القبائح التي كانت تصدر منهم ظلماً لله، فقال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾؛ إذ لا يصل إليه تعالى نقص مما يرتكبون من الجرائم ولا ضرر، وإنما يرجع وبال ذلك إلى أنفسهم، والإخبار عن ظلمهم لأنفسهم بكلمة: ﴿كَانُوا﴾، والفعل المضارع: ﴿يَظْلِمُونَ﴾ يدل على أن ظلمهم لأنفسهم كان يتكرر منهم؛ فإنك لا تقول في ذم زيد: "كان زيد يسيء إلى الناس"، إلا إذا كانت الإساءة تصدر منه المرة بعد الأخرى. * * *

стр. 143

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩) وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٥٨ - ٦٠]. هذه الآية معطوفة على الآيات الواردة فيما تقدم لتذكير بني إسرائيل بنعم الله عليهم، وقد نبهت لنعمة من أجلّ هذه النعم، وهي تخليصهم من عناء التيه، والإذن لهم في دخول بلدة يجدون فيها راحة وهناءة. والقرية: المدينة، وتطلق على البلدة الصغيرة. ولم يتعرض القرآن لتعيين هذه القرية. وذهب جمهور المفسرين إلى أنها بيت المقدس. والظاهر أن الأمر بدخول القرية، كالأوامر السابقة واللاحقة، كان بوحي إلى موسى ﵇. ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾: الأمر بالأكل للإباحة. وقوله: ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ تتمة للنعمة بالتوسعة

стр. 144

عليهم؛ إذ أذن لهم في أن يتمتعوا بثمراث القرية وأطعمتها في أي مكان شاؤوا، والرغد: الواسع الهنيء. وهو مشعر بكثرة محصولات القرية، وعدم غلاء أسعارها. ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾: الباب: مدخل القرية. و ﴿سُجَّدًا﴾: جمع ساجد؛ من السجود، وهو وضع الجبهة على الأرض. ويستقيم هذا التفسير بجعل قوله: ﴿سُجَّدًا﴾ من قبيل الحال المسماة: "الحال المقدرة"، وهي التي تقع بعد وقوع العامل، لا معه، والعامل في الآية: الدخول. والسجود إنما يتيسر بعد انتهاء الدخول. وهذا الضرب من الحال وارد في الكلام البليغ؛ كما قال تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]. فإن الحلق والتقصير إنما يكون بعد الدخول، ومعنى الآية: ادخلوا باب القرية ناوين السجود شكراً لله على ما أنعم به عليكم؛ من إخراجكم من التيه، والمُقام ببلدة تعيشون فيها عيشة ناعمة. ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾: الحطّة: من حط بمعنى: وضع، وقد وردت هذه الكلمة وهي مفردة في معرض الحكاية بالقول: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، والمعروف أن القول لا يحكى به إلا الجمل، ولا يحكى به المفردات، إلا أن يكون المفرد في معنى الجملة؛ نحو: شعر، وخطبة، وهذا ما دعا المفسرين إلى فهم الآية على وجه يجري به القول على أصله من حكاية الجمل. ومن أقرب ما تفسر به الجملة أن يكون ﴿حِطَّةٌ﴾ مصدراً مراداً منه طلبُ حط الذنوب. وقد يجيء المصدر المراد منه الطلب مرفوعاً؛ نحو: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤]، ويحمل من جهة

стр. 145

صناعة الإعراب على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: مسألتنا حطة؛ أي: أن تحط عنا ذنوينا. والاقتصار في لفظ الجملة على الخبر وحده عند قيام قرينة تدل على المبتدأ، من أساليب الإيجاز المعدود في أبدع فنون البيان. ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾: الغَفْر في أصل اللغة: الستر. وغفر الله الذنب: غطى عليه، وعفا عنه. والخطايا: جمع خطيئة، وهي الذنب، مأخوذة من خطئ؛ أي: ارتكب ذنباً، فهو خاطئ، ومن علماء اللغة من خصّ خطئ بارتكاب الذنب على عمد، بخلاف أخطأ، فإنه يستعمل بمعنى الوقوع في غير صواب مع القصد إلى الصواب، وهو المراد في قوله ﵊: "من اجتهد وأخطأ، فله أجر". ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾: المحسن لغةً: فاعلُ الحسن، ويراد منه في لسان الشارع: من أحكم عقيدة التوحيد، وأجاد سياسة نفسه، وأقبل على القيام بالواجبات، وكفى الناس شره. وزيادة الله للمحسنين: بأن يزيدهم على ما يستحقون من الثواب تفضلاً منه؛ كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٠]. ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾: التبديل: التغيير، وهو إزالة الشيء عما كان عليه؛ بإعطائه صورة غير الصورة التي كان عليها، أو تنحيته وجعل شيء آخر مكانه. والفعل "بدّل" يقتضي بدلاً ومبدلاً منه؛ ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠].
следующие страницы →