فيقال على الوجه الأول: إن قصة هؤلاء الذين اكتسبوا بإيمانهم نوراً، ثم أبطلوا ذلك الإيمان بنفاقهم، ووقعوا في حيرة عظيمة، كقصة من استوقدوا ناراً، ولما أضاءت ما حولهم، سلب الله منهم ذلك الضوء، فراحوا في ظلام لا يهتدون إلى الخروج منه سبيلاً.
ويقال على الوجه الثاني، وهو أن المثل مضروب في قوم لم يسبق لهم إيمان، وإنما دخلوا في الإسلام نفاقاً: إن قصة هؤلاء الذين دخلوا في الإسلام نفاقاً، قد ظفروا بحقن دمائهم، وبغنائم الجهاد، وسائر أحكام المسلمين، فتمتعوا بذلك في الدنيا قليلاً، ثم صاروا إلى ظلمات العذاب الدائم في الآخرة؛ كقصة من استوقدوا ناراً لتضيء لهم، وينتفعوا بها، فأضاءت ما حولهم قليلاً، ثم طفئت، وصاروا إلى ظلمة شديدة مطبقة.
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾:
هذا خبر لضمير مقدر يعود على المنافقين؛ أي: هم صم بكم عمي. ووُصف المنافقون بهذه الصفات؛ لأنهم - وإن كانت لهم آذان تسمع، وألسنة تنطق، وأعين تبصر - لا يسمعون خيراً، ولا يتكلمون بما ينفعهم، ولا يبصرون مسلكاً من مسالك الهداية، فقد صرف الله عنهم عنايته، ووكلهم إلى أنفسهم. ووردت هذه الصفات مجردة من حرف العطف، فلم يقل: صم وبكم وعمي، مع أنه يصح أن يقال: هو كاتب وشاعر وفقيه؛ لما عرف من استعمالات البلغاء أن تجريد أمثال هذه الأوصاف من حرف العطف يفيد تأكيدها؛ حيث إن المتكلم قد قصد إلى تقرير كل صفة منها على حدة.
﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾:
أي: لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو لا يرجعون عن الضلالة
стр. 72
بعد أن اشتروها.
وأشار إلى المثل الثاني بقوله تعالى:
﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾:
والصيّب: المطر، ويطلق على السحاب. والسماء: هذه المظلة المزينة بالكواكب، وكل ما علاك من سقف ونحوه. والرعد: الصوت الذي يسمع من السحاب. والبرق: الذي يلمع من السحاب. وفي الجملة إيجاز بحذف ما دل عليه المقام دلالة واضحة. والتقدير: أو كمثل ذوي صيّب ... إلخ. والمعنى: أن قصة هؤلاء المنافقين مشبهة بقصة الذي استوقد ناراً، أو قصة ذوي صيّب.
﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾:
﴿الصَّوَاعِقِ﴾: جمع صاعقة. والصاعقة: قصفة؛ أي: صوت هائل من رعد شديد، تنقض معه نار لا تمر بشيء إلا دمرته. و (من) في قوله تعالى: ﴿مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ للتعليل. وإنما كانت الصواعق داعية إلى سدّهم آذانهم بأصابعهم، من جهة أنها قد تفضي بصوتها الهائل إلى موت. وجاء هذا صريحاً في قوله تعالى: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾. يقال: صعقته الصاعقة: إذا أهلكته بشدة صوتها، أو بالإحراق.
والمعنى: يسدون آذانهم من أجل الصواعق حذراً من أن تقتلهم بروعة صوتها. والمعروف أن الذي يجعل في الأذن عند الفزع من الصوت الرائع رؤوس الأصابع، وهي الأنامل، ولكنه قيل: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾ مسايرة للمألوف في اللغة من نسبة ما يكون لبعض الشيء إلى ذلك الشيء، حيث يكون المراد جلياً واضحاً، وهو معدود من سعة التصرف في اللغة.
стр. 73
﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾:
هذه جملة معترضة في أثناء ضرب المثل بذوي الصيّب. وإحاطته تعالى بالكافرين على معنى: أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاطُ به المحيطَ به، فهو قادر على النكال بهم متى شاء، وكيف شاء. وقال: ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾، ولم يقل محيط بهم، مع تقدم معاد الضمير، وهم أصحاب الصيّب؛ إيذاناً بأنهم إنما استحقوا ذلك العذاب بكفرهم.
﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾:
﴿يَكَادُ﴾: من الأفعال التي تدخل على اسم يسند إليه فعل بعده؛ نحو: ﴿الْبَرْقُ يَخْطَفُ﴾، فتدل على أن المسند إليه - وهو البرق - قد قارب أن يقع منه الفعل، وهو خطف الأبصار. والخطف: الأخذ بسرعة. والأبصار: جمع بصر، وهو قوة مودعة في العين يدرك بها الألوان والأشكال. والمعنى: أن البرق لشدة لمعانه يقرب من أن يخطف أبصارهم.
﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾:
هذا وصف لما يصنعه أهل الصيّب في حالتي ظهور البرق واختفائه. وأضاء: لمع. وأظلم: ذهب ضوءه. وقاموا: وقفوا وثبتوا في مكانهم؛ أي: إنهم إذا صادفوا من البرق وميضاً، انتهزوا ذلك الوميض فرصة، فخطوا خطوات يسيرة، وإذا خفي لمعانه، وقفوا في مكانهم.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾:
﴿شَاءَ﴾: أراد؛ أي: لو أراد الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم، لزاد في قصف الرعد فأصمهم، وفي ضوء البرق فأعماهم. أو يقال: إن قصف الرعد ولمع البرق المذكورَين في المثل سببان كافيان لأن يذهبا بسمع ذوي
стр. 74
الصيّب وأبصارهم لو شاء الله ذلك، فيكون معنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ﴾ إشعاراً بأن تأثير الأسباب في مسبباتها إنما يكون بإذنه تعالى.
وورود السمع في الآية مفرداً، مع أنه مضاف إلى جماعة، سائغ في نظم الكلام العربي؛ فإن اللفظ الذي يكون في الأصل مصدراً، ثم ينقل إلى غير المصدر، ويراد منه أفراد متعددة، قد يختار عند استعماله مراعاة أصله، فيؤتى به مفرداً؛ اعتماداً على القرينة الدالة على التعدد دلالة واضحة.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾:
الشيء في أصل اللغة: كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه. ويحمل في هذه الآية على الممكن خاصة، موجوداً كان أو معدوماً؛ لأن القدرة إنما تتعلق بالممكنات دون الواجب والمستحيل. والقدير: الفعال لما يريد. وهذه الآية بمنزلة الاستدلال على ما تضمنته الآية السابقة من أن الله تعالى قادر على أن يذهب بأسماع أصحاب الصيّب وأبصارهم متى شاء.
وتطبيق هذا المثل على حال المنافقين: هو أن أصحاب الصيّب لضعفهم وخورهم لا يطيقون سماع الرعد الهائل، وفتح أعينهم في البرق اللامع، فيجعلون أصابعهم في آذانهم فزعاً من قصف الرعد، وخوفاً من صواعق تجلجل فوق رؤوسهم، فتدعهم حصيداً خامدين. وكذلك حال هؤلاء المنافقين؛ فإنهم - لضعف بصائرهم وعقولهم - تشتد عليهم زواجر القرآن ووعيده، وتهديده، وأوامره ونواهيه، فتشمئز قلوبهم، ويصرفون عنه أسماعهم، يخشون أن تتلى عليهم آيات تقع على أسماعهم وقع الصواعق الرائعة.
قال ابن القيم في "إعلام الموقعين": وقد شاهدنا نحن وغيرنا كثيراً
стр. 75
من الفرق المبتدعة إذا سمعوا شيئاً من الآيات أو الأحاديث المنافية لبدعتهم، أعرضوا عنها، وقالوا: سدوا عنا هذا الباب، واقرؤوا شيئاً غير هذا. وكذلك المشركون على اختلاف شركهم، إذا جرد لهم التوحيد، وتليت عليهم نصوصه المبطلة لشركهم، اشمأزت قلوبهم، وثقلت عليهم، ولو وجدوا السبيل إلى سد آذانهم، لفعلوا.
стр. 76
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٥].
افتتحت سورة البقرة بذكر القرآن المجيد، ووصفه بأنه كتاب لا يتطرق إليه الريب في حال، واتصل بهذا آيات في تقسيم الناس إلى مؤمنين به، وكافرين مجاهرين، وكافرين منافقين، فكان من المناسب إلى هذا التقسيم توجيههم إلى الأمر الذي خلقوا من أجله، وهو عبادته تعالى دون ما سواه، فقال جلّ شأنه:
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾:
العبادة: الخضوع البالغ الغاية، والربّ: المالِك، أو المربّي. وفي
стр. 77
ذكره تعالى باسم الرب، وإضافته إلى المخاطبين، تقوية لداعية إقبالهم على عبادته؛ فإن الإنسان إذا اتجه بفكره إلى معنى كون الله مالكاً أو مربياً له، وتذكر ما يحفه به من رفق، وما يجود به عليه من إنعام، لم يلبث أن يخصه بأقصى ما يستطيع من خضوع وتعظيم.
﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾:
الخلق: الإخراج من العدم إلى الوجود. والمعنى: أوجدكم بعد أن كنتم في عدم، كما أوجد الذين تقدموكم. وقدّم وصفه بخلق المخاطبين، مع أنه متأخر بالزمان عن خلق من تقدموهم؛ لأن علم الإنسان بأحوال نفسه أظهر من علمه بأحوال غيره.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾:
لعلَّ: حرف موضوع ليدل على الترجي، وهو توقع حصول الشيء عندما يحصل سببه، وتنتفي موانعه. والشيء المتوقع حصوله في الآية هي التقوى، وسببه هي العبادة؛ إذ بالعبادة يستعد الإنسان لأن يبلغ درجة التقوى، وهي الفوز بالهدى والفلاح. والترجي قد يكون من جهة المتكلم، وهو الشائع. وقد تستعمل (لعل) في الكلام على أن يكون الترجي مصروفاً للمخاطب، فيكون المترجي هو المخاطب لا المتكلم. وعلى هذا الوجه يحمل الترجي في هذه الآية؛ لاستحالة حصول الشيء من عالم الغيب والشهادة؛ لأن توقع الإنسان لحصول الشيء هو أن يكون متردداً بين الوقوع وعدمه، مع رجحان الوقوع. والمعنى: اعبدوا ربكم راجين أن تكونوا من المتقين، وهم البالغون الغاية في الهدى والفلاح.
стр. 78
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾:
الفراش: ما يفترشه الإنسان ليستقر عليه بنحو الجلوس أو المنام. ومعنى جعل الأرض فراشاً: خلقها موطأة كالفراش؛ بحيث يتيسر الاستقرار عليها، والتقلب في مناكبها، والانتفاع بما أودع الله فيها من خيرات. وتصوير الأرض بصورة الفراش لا ينافي كونها مكوّرة؛ لأن الكرة إذا عظمت جداً، كانت القطعة منها كالسطح في إمكان الانتفاع به.
﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾:
يقال لسقف البيت: بناء؛ أي: جعل السماء كالسقف للأرض؛ لأنها تظهر كالقبة المضروبة فوقها؛ كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٢]. ونبه للاعتبار بخلق الأرض قبل التنبيه للاعتبار بخلق السماء؛ لأن الأرض أقرب من المخاطبين، وانتفاعهم بها أظهر وأكثرُ من انتفاعهم بالسماء.
قال الجاحظ: "إذا تأملت هذا العالم، وجدته كالبيت المعد فيه كل ما يحتاج إليه، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم منورة كالمصابيح، والإنسان كمالكِ البيت المتصرف فيه، وضروب النبات مهيأة لمنافعه، وضروب الحيوان مصرفة لمصالحه. فهذه جملة واضحة دالة على أن العالم مخلوق بتدبير كامل، وتقدير شامل، وحكمة بالغة، وقدرة غير متناهية".
﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾:
﴿السَّمَاءِ﴾: السحاب. والثمر: ما ينتجه الشجر. والرزق: ما يصلح لأن ينتفع به. والباء في قوله: ﴿بِهِ﴾ للسببية؛ أي: إنه جعل الماء سبباً في
стр. 79
خروج الثمرة، وهو القادر على أن ينشئها بلا سبب كما أنشأ الأسباب. وأورد ﴿مَاءً﴾ و ﴿رِزْقًا﴾ في صيغة التنكير التي تستعمل عند إرادة بعض أفراد المعنى الذي وضع له اللفظ لغة؛ لأن من الماء ما لم ينزل من السماء، ومن الرزق ما لا يكون من الثمرات، فمعنى الآية: أنزل من السماء بعض الماء، فأخرج به من الثمرات بعض ما يكون رزقاً لكم.
﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾:
الأنداد: جمع نِدّ، والندّ: المماثل، وإنما يقال على المماثل المخالف المناوئ.
ولما ترك المشركون عبادة الله إلى عبادة الأوثان، وسموها آلهة، وزعموا أنها تدفع عنهم بأس الله، وتمنحهم ما لم يرد بهم من خير، شابهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة مثله، قادرة على مخالفته ومضادته، وذلك معنى جعلها أنداداً، الذي هو مصب النهي في الآية.
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾:
أي: لا تعبدوا أوثانكم عبادة من يعتقد أنها أنداد لله، وأنتم تعلمون أنها أشياء لا يصح جعلها أنداداً له تعالى. أو المعنى: وأنتم من أهل العلم والنظر، فلو تأملتم أدنى تأمل، لاضطررتم إلى الإيمان بالإله الواحد المتعالي عن مشابهة المخلوقات حقَّ الإيمان. وفي هذه الجملة مبالغة في زجرهم عن عبادة الأوثان من دون الله؛ لأن ارتكاب الباطل من الجاهل قبيح، وهو من العالم ببطلانه أشد قبحاً، وأدعى إلى أن يقابل بأغلظ الإنكار.
بعد أن نبه للدليل القائم على وجود الخالق، وإبطال عقيدة الشرك، أورد الدليل القائم على صدق نبوة محمد ﷺ ، ومن آمن بالله، وبنبوة محمد
стр. 80
- ﵊، فقد فاز بلب الإيمان، وأخذه من أطرافه، فقال تعالى:
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾:
الريب: الشك. والعبد: يطلق بمعنى الرقيق؛ أي: خلاف الحر، ويطلق على الإنسان، ولو كان حراً؛ باعتبار معنى عام هو عبوديته لله، وعلى هذا الوجه أطلق في الآية مراداً منه النبي ﷺ . وفي إضافته إلى الله تعالى: ﴿عَبْدِنَا﴾ تنبيه على شرف منزلته عنده، واختصاصه به. وفي ذكره - صلوات الله عليه - باسم العبودية تذكير لأمته بهذا المعنى، حتى لا يغلوا في تعظيمه إلى أن يدّعوا إلهيته كما غلت بعض الفرق في تعظيم أنبيائهم أو زعمائهم، فادعوا إلهيتهم.
والسورة: الطائفة من القرآن المسماة باسم خاص، والتي أقلها ثلاث آيات.
والضمير في قوله: ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ عائد على (ما نزلنا)، وهو القرآن. والمراد من مثل القرآن: ما يشابهه في حسن النظم، وبراعة الأسلوب، وحكمة المعنى. وهذا الوجه من الإعجاز يتحقق في كل سورة. وفي القرآن وجوه أخرى من الإعجاز؛ كالإخبار عن غيوب ماضية، أو غيوب مستقبلية، وكاشتماله على معان علمية دقيقة لا عهد للأميين بها.
﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾:
ادعوا: نادوا. شهداءكم: آلهتكم، جمع شهيد، وهو القائم بالشهادة. فقد كانوا يزعمون أن آلهتهم تشهد لهم يوم القيامة بأنهم على حق. ودون: بمعنى غير. والمعنى: نادوا الذين اتخذتموهم أولياء من غير الله؛ ليعينوكم
стр. 81
على المعارضة، أو ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بمثل القرآن بلاغة وحكمة بيان. وأمرهم بدعوة الأصنام، وهي جماد، وتسميتها شهداء، مع إضافتها لهم، وهي لا تعقل، ولا تنطق، واردان على الطريقة المعروفة بين البلغاء، المسماة في عرفهم: طريقة التهكم، وهي أسلوب لطيف يثير في نفوس المخاطبين من الألم ما قد يكون سبباً لتنبههم لجهلهم وانصرافهم عن ضلالهم.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾:
الصدق: مطابقة الكلام للواقع. وجواب الشرط ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ محذوف دل عليه الكلام السابق دلالة واضحة، حتى صار ذكره في نظم الكلام، مما ينزل به عن مرتبة البلاغة. والمعنى: إن كنتم صادقين في زعم أنكم تقدرون على معارضة القرآن، فأتوا بسورة من مثله، وادعوا آلهتكم ليعينوكم، أو ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بما يماثله في حكمة معانيه وحسن بيانه.
﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾:
فإن لم تفعلوا: أي: تعارضوا القرآن، وتبيَّن لكم أن أحداً لا يستطيع معارضته، فخافوا العذاب الذي أعده الله للجاحدين، وهو النار التي وقودها الناس والحجارة.
الوقود: ما يلقى في النار لإضرامها؛ كالحطب ونحوه. والحجارة: الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. واقتران المشركين بما كانوا يعبدون في النار مبالغة في إيلامهم وتحسيرهم.
والاقتصار على ذكر الناس والحجارة لا يؤخذ منه أن ليس في النار
стр. 82
غيرهما، بدليل ما ذكر في مواضع أخرى من القرآن: أن الجن والشياطين يدخلونها. وقوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ جملة معترضة بين الشرط ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ والجزاء ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾، جاءت لتأكيد عجزهم عن معارضته؛ فإن في نفيها في المستقبل بإطلاق تأكيداً لنفيها في الحال. وفي هذه الجملة معجزة من نوع الإخبار بالغيب؛ إذ لم تقع المعارضة من أحد في أيام النبوة وفيما بعدها إلى هذا العصر.
﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾:
﴿أُعِدَّتْ﴾: هيئت للكافرين الذين يخلدون فيها، أو أنهم خصوا بها - وإن كانت معدة للفاسقين أيضاً -؛ لأنه يريد بذلك ناراً مخصوصة لا يدخلها غيرهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥].
ولما ذكر الكفار، وما يصيرون إليه من عذاب الحريق، عطف على ذلك ذكر المؤمنين، وما يفوزون به من نعيم في حياتهم الباقية؛ كما هي سنّة القرآن في الجمع بين الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، فقال تعالى:
﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾:
البشارة: الخبر السار. والجنّات: جمع جنة، وهي البستان الذي سترت أشجاره أرضه، ثم صار اسماً شرعياً لدار النعيم في الآخرة. والأنهار: جمع نهر، وهو مجرى الماء. وأسند إليه الجري في الآية، والذي يجري في الحقيقة إنما هو الماء؛ أخذاً بفن معروف بين البلغاء، وهو إسناد الفعل
إلى مكانه؛ توسعاً في أساليب البيان. وقوله: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ وارد على طريق
стр. 83
الإيجاز بحذف كلمة: أشجار؛ اعتماداً على تبادرها إلى الذهن. والمعنى: تجري من تحت أشجارها الأنهار.
﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾:
معنى هذا: أن سكان الجنة كلما رزقوا في الجنة ثمرة، وجدوها مثل الذي رزقوه فيها من قبلُ في بلوغه الغايةَ من حسن المنظر، ولذة الطعم. وفي هذا إشارة إلى أن ثمار الجنة متماثلة في حسن منظرها، ولذة طعمها؛ بحيث لا تفضل ثمرة في ذلك على أخرى، فجميع ثمارها تلذه العين، ويستحليه الذوق، وإن اختلفت المناظر والطعوم.
﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾:
أتوا به: جِيئوا به. والمتشابه: مأخوذ من التشابه، وهو أن يشبه أحد الشيئين الآخر مع التساوي في وجه الشبه. وهذه الجملة مؤكدة لما قبلها في معنى أن كل ثمر يشابه ما قبله في حسن المنظر ولذة الطعم مشابهةً لا يفضل فيها ثمر على آخر، بخلاف ثمر الدنيا، فإنه يتفاوت في مناظره حسناً، وفي طعومه لذة.
﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾:
الأزواج: جمع زوج، وهي المرأة يختص بها الرجل، ومعنى كون الأزواج مطهرة: أنهن منزهات عن كل ما يَشينُهن من العيوب في أبدانهن أو خلقهن.
﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾:
﴿فِيهَا﴾: أي: في الجنات. وخالدون: باقون على الدوام، من الخلود،
стр. 84
وهو البقاء الدائم. وإنما يتم النعيم باطمئنان صاحبه على أنه دائم؛ ذلك أن النعيم متى كان محتمل الزوال، يبقى صاحبه منغصاً؛ إذ يذكر أنه سيفقده في مستقبل الأيام.
стр. 85
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦ - ٢٩].
لما ضرب الله تعالى المثلين السابقين في حال المنافقين، أعني: قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧]، وقوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩]، أنكر المنافقون ذلك، وقالوا: إن الله أعلى وأجل من أن يضرب الأمثال، فأنزل الله تعالى رداً عليهم قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
وروي في سبب نزول هذه الآيات أثر آخر، هو أن هذه الآيات نزلت
стр. 86
رداً على اليهود؛ حيث أنكروا أن يضرب الله الأمثال بالمحقَّرات؛ كالذباب، والعنكبوت.
ومناسبة هذه الآيات لما قبلها على مقتضى هذا الأثر: هي أن الله تعالى بعد أن نفى الريب عن القرآن بقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، ونبه للدليل على إعجازه بقوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، أشار إلى دفع شبهة أوردها الكفار قدحاً في كونه وحياً من الله، وهي أن القرآن ذكر فيه الذباب والنمل والعنكبوت، ولا يليق بكلام الله أن تذكر فيه هذه المحقرات.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾:
يستحيي: من الاستحياء بمعنى: الحياء، وهو في أصل اللغة: انقباض النفس وانكسارها من خوف ما يعاب به ويذم، وهذا المعنى غير لائق بجلال الله، وليس المراد في هذه الآية نفيه عن الله، وإنما أريد نفيُ ما يترتب عليه؛ أعني: ترك الفعل.
والمعنى: أن الله لا يترك أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها. وإطلاق الفعل كالاستحياء على ما يترتب عليه كترك الفعل، مألوف في الكلام البليغ حيث يكون المراد واضحاً.
والمثل في اللغة: الشبيه. وهو في عرف القرآن: الكلام البليغ المشتمل على تشبيه بديع كالمثلين السابقين، أو وصف غريب؛ نحو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج: ٧٣].
وضرب المثل: إيراده. وعبّر عن إيراده بالضرب؛ لشدة ما يحدث عنه من التأثير في نفس السامع، و (ما) في قوله: ﴿مَثَلًا مَا﴾، هي ما الإبهامية
стр. 87
تجيء بعد النكرة، فتزيدها شيوعاً وعموماً؛ كقولك: أعطني كتاباً ما، تريد أي كتاب كان.
والبعوضة: واحد البعوض، وهو طائر. وقوله: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ بمعنى: أكبر منها في الحجم؛ كالذباب والعنكبوت، والكلب والحمار.
بيَّن في هذه الآية أنه يضرب الأمثال بالمحقرات من نحو البعوض فما فوقها، وأردف ذلك ببيان موقف الناس أمام هذه الأمثال، فذكر أنهم فريقان: مؤمنون، وكافرون، وأشار إلى وقعها في نفوس المؤمنين، فقال تعالى:
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾:
أمّا: حرف تُصدّر به الجملة للتأكيد، تقول: زيد ذاهب، فإذا قصدت تأكيد ذلك، وإفادة أن ذهابه واقع لا محالة، قلت: أمّا زيد، فذاهب. والضمير في قوله: ﴿أَنَّهُ﴾ يعود على المثل، أو على ضربه المفهوم من قوله: ﴿أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾. والحق: خلاف الباطل: وهو الثابت الذي لا يسوغ إنكاره. ووجه كون المثل أو ضربه حقاً: أنه يوضح المبهم، ويفصل المجمل، فهو وسيلة إلى تقرير الحقائق وبيانها. وقال: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ معرفاً بأل، ولم يقل: إنه حق؛ للمبالغة في حقيقة المثل، ومن المعروف في علم البيان أن الخبر قد يؤتى به معرفاً بأل؛ للدلالة على أن المخبر عنه بالغ في الوصف الذي أخبر به عنه مرتبة الكمال.
وأشار إلى ما يتلقى به الكافرون هذه الأمثال عندما تتلى عليهم، فقال تعالى:
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾:
﴿مَاذَا﴾: ما الذي. والإرادة في أصل اللغة: نزوع النفس إلى الفعل، وإذا
стр. 88
أسندت إلى الله تعالى، دلت على صفة له تتعلق بالممكنات، فيترجح بها أحد وجهي المقدور، وقد كان جائز الوقوع وعدم الوقوع. وقوله: ﴿مَثَلًا﴾ واقع موقع التمييز لاسم الإشارة (هذا)؛ كقولك لمن أجاب بجواب غير مقبول: ماذا أردت بهذا جواباً؟.
وكلام هؤلاء الكافرين لفظة استفهام عما أراد الله من الأمثال، ومعناه: استحقار لهذه الأمثال، وإنكار لأن يكون الله قد ضربها للناس.
﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾:
دلت هاتان الجملتان على أن العلم بكون المثل حقاً، مما يزداد به المؤمنون رشداً على رشدهم، وأن إنكاره ضلال يزداد به الكافرون تخبطاً في ظلمات جهلهم، وأفادتا: أن كلاًّ من فريقي المؤمنين به، والمنكرين له ليسوا بقليل، والمهتدون في أنفسهم كثير، وإذا وصفوا بالقلة، فبالقياس إلى أهل الضلال. والمثل إنما يراد من ضربه التذكر والهداية؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٢٥]. وقد يسمعه الزائغون عن سبيل الحق، ولا يتدبرونه بروية، فيزدادون به غواية وبعداً من مواطن الخير والتقوى.
﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾:
الفاسقون: جمع فاسق؛ من الفسق، وهو في أصل اللغة: الخروج، يقال: فسقت الرطبة من قشرها؛ أي: خرجت منه. وشرعاً: الخروج عن طاعة الله، فيشمل الخروج من حدود الإيمان، وهو الكفر، ثم مادون الكفر من الكبائر والصغائر، ولكنه اختص في العُرف من بعد بارتكاب الكبيرة، ولم يُسمع الفسق في كلام الجاهلية بمعنى الخروج عن الطاعة، فهو بهذا
стр. 89
المعنى من الألفاظ الإسلامية.
وقصْرُ الإضلال بالمثل على الفاسقين إيذانٌ بأن الفسق هو الذي أعدّهم لأن يضلوا به؛ حيث إن كفرهم قد صرف أنظارهم عن التدبر فيه حتى أنكروه. وقالوا: ماذا أراد الله بهذا مثلاً؟!.
﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾:
النقض: إفساد ما أبرمته من حبل أو بناء. وعهد الله: وصيته إلى خلقه، وأمرهم بما أمرهم به، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه، وشاع استعمال النقض في إبطال العهد من حيث تسميتهم للعهد حبلاً؛ لما في العهد من ثبات الصلة بين المتعاهدين.
والميثاق: التوثقة، وهي التقوية والتثبيت. والمعنى: الذين يبطلون عهد الله؛ أي: شرعه؛ بترك العمل به بعد أن ثبّته وقوّاه بما أنزل من الآيات البينات.
﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾:
وصف أولئك الفاسقين بنقض عهد الله، ثم وصفهم في هذه الجملة بقطع ما أمر الله بوصله. وهذا الوصف يحتمل كل قطيعة لا يرضاها الله تعالى؛ كقطع الرحم، والإعراض عن موالاة المؤمنين، وترك الجماعات المفروضة، وعدم وصل الأقوال الطيبة بالأعمال الصالحة.
﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾:
يقع الفساد في الأرض بعبادة غير الله، والدعاية إلى الكفر به، وإخافة السبل، وقطع الطريق، إلى غير ذلك من الأفعال التي تنزع إليها الطبائع المرذولة، والشهوات الطاغية. وقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ إشارة إلى أن فسادهم
стр. 90
يتعدى إلى غيرهم، ولا يقف عند حدهم.
وصف الذين ينكرون الأمثال في القرآن، ويستحقرونها، بالفسق، ونقض عهد الله، وقطع ما أمر الله بوصله، والفساد في الأرض، ووصل هذا ببيان عاقبة أمرهم، فقال:
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾:
﴿الْخَاسِرُونَ﴾: جمع خاسر، مأخوذ من الخسر والخسران، وهو النقص. ومن نقض عهد الله، وقطع ما أمر الله بوصله، وأفسد في الأرض، فقد نقص نفسَه حظَّها من الفلاح والفوز، وكانت عاقبته الخزي في الدنيا، والعذاب في الأخرى.
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾:
بعد أن عدد مساوئ أولئك الكافرين، وبيّن ما يصيرون إليه من الخسران في حياتهم العاجلة والآجلة، وجّه إليهم الإنكار والتوبيخ على الوجه المعروف في علم البلاغة باسم: "الالتفات"؛ حيث نقل الحديث عنهم من طريق الغيبة إلى طريق الخطاب، فقال: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ ... إلخ.
قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ استفهام لا يراد منه استعلام المخاطبين عن حال كفرهم، وإنما يراد منه معنى تكثر تأديته في صورة الاستفهام، وهو الإنكار والتوبيخ، كما تقول لشخص: كيف تؤذي أباك وقد رباك؟! لا تقصد إلا أن تنكر عليه أذيته لأبيه، وتوبخه عليها.
وقوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ جارٍ مجرى التنبيه على أن كفرهم ناشئ عن جهل، وعدم تأمل في أدلة الإيمان القائمة نصب أعينهم.
стр. 91
والأموات: جمع ميت بمعنى المعدوم. والإحياء بمعنى الخلق. والمعنى: كيف تكفرون بالله، وحالكم أنكم كنتم معدومين فخلقكم؟! ويصح أن يفسر الأموات بفاقدي الحياة، والإحياء بنفخ الروح فيهم، والمعنى: كنتم أمواتاً يوم استقراركم نطفاً في الأرحام إلى تمام الأطوار بعدها، فنفخ فيكم الأرواح، وأصبحتم في طور إحساس وحركة وتفكير وبيان.
وبعد أن وبخهم على كفرهم بمن أخرجهم من الموت إلى الحياة، أورد جملاً لاستيفاء الأطوار التي ينتقل فيها الإنسان من مبدأ الحياة إلى مقره الخالد في دار نعيم أو عذاب، فقال تعالى:
﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾:
﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾: بقبض أرواحكم عند انقضاءآجالكم، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾: ببعثكم بعد الموت، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: تصيرون إليه دون سواه، فيجمعكم في المحشر، ويتولى حسابكم والحكم في أمركم، ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩].
أما الإماتة، فيشاهدونها بأعينهم، وأما البعث، فقد نبّه على ما يدل على صحته، وينفي استبعاده أو استحالته، فإنه لما قدر تعالى على إحيائهم أولاً، وجب أن يقدر على إحيائهم ثانياً، فإن بدء الخلق ليس بأهونَ عليه من إعادته.
وفي قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ترهيب لمن ينزع إلى الشر، ويرتكب المعاصي من غير مبالاة، وترغيب لمن يقبل على فعل الخير، ويقوم على الطاعات.
стр. 92
يقولون: إن الأدلة الكونية التي أوردها القرآن ليتوصل بها الإنسان إلى الإيمان بالخالق - جل شأنه - ترجع إلى نوعين: دليل الإبداع؛ كاختراع الحياة في الجماد، ودليل العناية؛ أعني: عنايته تعالى بالإنسان. ويظهر هذا بالنظر إلى منافع ما في الأرض؛ فإنه يجدها على وفق ما يقتضيه وجود الإنسان، وتنتظم به شؤون حياته. وفي هذا المعنى ورد قوله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾:
أي: إنه خلق جميع ما في الأرض، من نحو الحيوان والنبات، والمعادن والجبال من أجلكم، فهو المنعم بها عليكم لتنتفعوا بها في دنياكم، وتتقووا بها على طاعته. وفي الآية شاهد على أن الأشياء التي فيها منافع مأذون فيها حتى يقوم دليل على حرمتها.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾:
﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: أقبل وعمد إليها بإرادته، وتسويتها: تعديل خلقها وتقويمه. والسماء لم يُرَد منها فرد من أفراد السموات، وإنما أريد منها الأجرام العلوية الشاملة لجميع السموات، فصح أن يعود عليها ضمير جمع الإناث في قوله: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾. وكذلك يقول علماء العربية: إن اللفظ إذا أريد منه جنس ما وضع له؛ أي: المعنى الذي تشترك فيه أفراده، صار في معنى الجمع؛ لأن الجنس يتحقق في أفراد متعددة. وهذا الوجه في الاستعمال من أفصح الأساليب العربية التي تعتمد على رعاية المعاني دون التقيد بظواهر الألفاظ.
﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾:
هذه الجملة مقررة لما ذكر قبلها من خلق السموات والأرض وما فيهما
стр. 93
على هذه الصورة الحكيمة؛ فقد دلت على أن ترتيب أجزاء تلك المصنوعات، وموافقة جميعها للمنافع المقصود منها، إنما حدث عن عالم بحقائق تلك الأجزاء وخواصها.
ولإحاطته بكل شيء علماً وضع كل جزء في موضعه اللائق به.
стр. 94
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠ - ٣٣].
بعد أن امتنّ الله تعالى على البشر في الآيات السابقة بنعمة خلقه لهم ما في الأرض جميعاً، ذكَّرهم في هذه الآيات بنعمة أخرى هي نعمة خلقه آدم، وخلق آدم مبدأ لخلق ذريته، وتكريمه موصول بتكريمهم، فقال تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾:
إذْ: بمعنى وقت، واقعة موقع المفعول به لعامل مقدر دلّ عليه المقام. والمعنى: اذكر يا محمد وقتَ أن قال ربك للملائكة ... إلخ. وقد جاء هذا المقدر هنا مصرحاً به في آيات أخرى، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩].
стр. 95
والملائكة: جمع ملاك بمعنى مَلَك، وهم نوع من الخليقة ذوو أجسام لطيفة يستطيعون أن يتشكلوا بأشكال مختلفة.
والخليفة: من يخلف غيره في أمر. وآدم كان قد خلف الله في الحكم بالعدل، وقام بالخلافة أبناؤه من بعده، كما قال تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦]. وخطاب الله للملائكة بأنه سيجعل خليفة في الأرض، لم يصدر على وجه المشورة، وإنما خاطبهم بذلك من أجل ما ترتب عليه من سؤالهم عن وجه الحكمة من هذه الخلافة، وما أجيبوا به من بعد.
﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾:
السفك: الصب. والتسبيح: التنزيه عما لا يليق. والحمد: الثناء.
ومعنى ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾: ننزهك في حالة كوننا حامدين لك على توفيقك إيانا للتسبيح، والتقديس لله: تمجيده، ووصفه بما يليق من العلو، فيكون التسبيح: نفي ما لا يليق، والتقديس: إثبات ما يليق. وقد جاء تقديم التسبيح على التقديس، على المعروف من تقديم التخلية على التحلية. وقيل: التسبيح بالطاعات والعبادات، والتقديس بالاعتقادات والمعارف.
والملائكة لا يعلمون الغيب، فلا بد أن يكونوا قد علموا ماذا سيكون من الفساد في الأرض وسفك الدماء بوجه من الوجوه التي يُطْلع الله بها على غيبه بعض المصطفين من خلقه.
وقولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ ... إلخ، إنما صدر منهم على
стр. 96
وجه استطلاع الحكمة في خلق نوع من الكائنات يصدر منها الإفساد في الأرض وسفك الدماء. وقطعهم بحكمة الله في كل ما يفعل لا ينافي تعجبهم من بعض أفعاله؛ لأن التعجب يصدر عن خفاء سبب الفعل، فمن تعجب من فعل شيء، وأحب الاطلاع على الحكمة الباعثة على فعله، لا يعد منكراً له في حال.
﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾:
قلنا: إن قول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ لم يكن صادراً عن إنكار، وإنما هو استكشاف عن الحكمة. ولما كانت مكانتهم من طاعة الله، ويقينهم بأن أفعاله تعالى لا تصدر إلا عن حكمة يقتضيان أن يتلقوا ما أعلمهم الله به من جعل خليفة في الأرض بتسليم تام، ويتمهلوا إلى أن يطلعهم الله على الحكمة من خلق آدم بوجه من وجوه العلم، كانت مبادرتهم لسؤاله تعالى عن الحكمة غير واقعة الموقع اللائق بكمال أدب العارفين به، المقربين من حضرته، واقتضى هذا أن يجيبهم بجواب يذكرهم فيه بالأمر الذي شأنه أن يقف بهم في حدود الأدب اللائق بمقام الإلهية، وهو أنه تعالى عالم بما لا يحيط به علمُ أحد من خلقه، فله أن يفعل ما يشاء، ويأمر يما يشاء، وليس من أدب المؤمنين بأنه العليم الحكيم أن يسألوه - حين يأمرهم بشيء، أو يعلمهم بأنه سيفعل شيئاً - عن حكمة ما أمر به، أو ما سيفعله، بل شأنهم أن يتجهوا إلى استطلاع حكمة الأفعال والأوامر من أنفسهم، فإذا أدركوها، فقد ظفروا بأمنيتهم، وإن وقفت عقولهم دونها؛ ففي تسليمهم لقدر الله، وامتثالهم لأوامره الكفاية في القيام بحق التكليف، والفوز برضا الله الذي هو الغاية من الإيمان به، والإقبالِ على طاعته.
стр. 97
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ بعد أن أجاب الله تعالى الملائكة عن سؤالهم بجواب نبه فيه على الأدب اللائق بمن يخاطبه الله من عباده بأنه سيقضي أمراً، تفضل بإبداء جانب من حكمة خلق آدم، وجعلهِ خليفة في الأرض، وهو أنه سيزوده من العلم بما يكفي لأن تكون مصلحة خلقه، وإقامته خليفة، أرجحَ وأعظم من المفسدة التي تنشأ عن ذلك، فقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾.
والأسماء: جمع اسم، والاسم: ما يكون علامة على الشيء. وتأكيد الأسماء بلفظ: ﴿كُلَّهَا﴾ ظاهر في أنه علّمه أسماء كل ما خلق من المحدثات. ويصح حمل الأسماء على خواص الأشياء ومنافعها؛ فإن الخواص والمنافع علامات على ما تتعلق به من الحقائق.
وعرضُ الشيء: إظهاره. والضمير في قوله: ﴿عَرَضَهُمْ﴾ عائد على المسميات، وهي مفهومة من قوله: ﴿الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾؛ إذ الأسماء لا بد لها من مسميات، فإذا جرى حديث عن الأسماء، حضر في ذهن السامع ما هو لازم لها؛ أعني: المسميات. ومدار عود الضمائر في اللغة على أن يكون معادها مذكوراً في نظم الكلام، أو مفهوماً من سياق الحديث. ودلّ على المسميات بضمير جمع الذكور العقلاء، فقال: ﴿عَرَضَهُمْ﴾ ولم يقل: عرضها؛ لأن في جملة هذه المسميات أنواعاً من العقلاء: الملائكة، والإنس، والجن، ومن الأساليب المعروفة بين فصحاء العرب تغليبُ الكامل على الناقص، فإذا اشتركا في نحو الجمع أو التثنية، أتي بالجمع أو التثنية على ما يطابق حال الكامل منهما.
стр. 98
والأمر في قوله تعالى: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾ لم يكن من قبيل الأوامر التي يقصد بها التكليف؛ أي: طلب الإتيان بالمأمور به، وإنما هو وارد على وجه التبكيت؛ أعني: إفحام المخاطب بالحجة.
وقوله تعالى: ﴿صَادِقِينَ﴾ من الصدق بمعنى: الصواب، كما أن الكذب قد يطلق ويراد منه الخطأ. والمعنى: أخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم مصيبين فيما خطر على أنفسكم من أنكم أفضل أو أعلم ممن سأجعله خليفة في الأرض.
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾:
هذه الجملة واقعة موقع الجواب عن سؤال يخطر في ذهن السامع للجملة السابقة؛ إذ الشأن أن يقال عند سماع قوله تعالى: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾: ماذا كان من الملائكة؟ هل أنبؤوا بأسماء المسميات المعروضة عليهم؟ فقال تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا﴾ ... إلخ الآية
وسبحان: اسم مصدر بمعنى: التسبيح؛ أي: التنزيه، وهو منصوب بفعل مضمر لايكاد يستعمل معه.
ولو قال الملائكة: لا علم لنا بأسماء هذه المسميات، لكان جوابهم على قدر السؤال، ولكنهم قصدوا الاعتراف بالعجز عن معرفة أسماء تلك المسميات المعروضة على أبلغ وجه، فنفوا عن أنفسهم أن يعلموا شيئاً غير ما يعلمهم الله.
ودخل في ضمن هذا النفي العام: الاعترافُ بالقصور عن معرفة الأسماء المسؤول عنها.
стр. 99
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾:
﴿الْعَلِيمُ﴾: الكثير العلم. والحكيم: ذو الحكمة. والحكمة تستعمل بمعنى: العلم، وتستعمل بمعنى: إتقان الفعل. وحمل الحكيم على هذا المعنى أولى من حمله على معنى العالم، حتى يفيد معنى زائداً على ما أفاده قوله: ﴿الْعَلِيمُ﴾
وقدم الوصف بالعلم على الوصف بالحكمة؛ ليكون وصفه بالعلم متصلاً بنفيهم العلم عن أنفسهم في قولهم: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾
ولما اعترف الملائكة بالعجز عن معرفة ما سئلوا عنه، ونفوا عن أنفسهم العلم بأبلغ عبارة، وجه الله الخطاب إلى آدم-﵇ يأمره بأن يخبر الملائكة بالأسماء التي سئلوا عنها، ولم يكونوا على علم بها، فقال تعالى:
﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾:
أذن الله لآدم أن يعلم الملائكة بالأسماء التي فاتتهم معرفتها؛ ليظهر لهم فضل آدم، ويزدادوا اطمئناناً إلى أن إسناد الخلافة إليه تدبير قائم على حكمة بالغة.
وعلمُ الغيب يختص به واجب الوجود - جلّ شأنه -؛ لأنه هو الذي يعلم المغيبات بذاته، وأما العلم بشيء من المغيبات الحاصل من تعليم الله، فلا يقال لصاحبه: إنه يعلم الغيب.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ... إلخ الآية: استحضار لمعنى قوله تعالى قبل هذا: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وإعادة
стр. 100
له على وجه من التفصيل، أفاد أن علمه يشمل ما يظهرونه بأقوالهم أو أفعالهم، وما يضمرونه في أنفسهم، وفي قوله: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ ... إلخ: تعريض بمعاتبتهم على ترك الأولى؛ حيث بادروا إلى السؤال عن الحكمة، وكان الأولى بهم أن يأخذوا بالأدب المناسب لمقام الإلهية، فيدعوا السؤال عنها إلى أن يستبين لهم أمرها بوجه من وجوه العلم.
أظهر الله فضل آدم ﵇ من جهة العلم أولاً، ومن جهة أن علمه مستمد من تعليم الله له؛ فإن إمداد الله له بالعلم من طريق تعليمه إياه يدل على أنه محاط منه برعاية ضافية. ثم إن العلم الذي يحصل من طريق النظر والفكر قد يعتريه خلل، ويحوم عليه خطأ، فيقع صاحبه في الإفساد من حيث إنه يريد الإصلاح؛ بخلاف العلم الذي يتلقاه الإنسان من تعليم الله؛ فإنه علم مطابق للواقع لا محالة، ولا يخشى من صاحبه أن يحيد عن سبيل الإصلاح. وصاحب هذا العلم هو الذي يصلح للخلافة في الأرض، ومن هنا كانت السياسة الشرعية أرشد من كل سياسة، والأحكام النازلة من السماء أعدل من القوانين الناشئة في الأرض.
* * *
стр. 101
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤) وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٤ - ٣٧].
دلت الآيات السابقة على أن الله تعالى خص آدم ﵇ بالخلافة، كما خصه بعلم غزير وقفت الملائكة عاجزة عنه، وأضافت هذه الآيات كرامة أخرى أكرمه الله بها، وهي أمره للملائكة بالسجود له، فقال تعالى:
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾:
هذا معطوف على قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ ...﴾ [البقرة: ٣٠]، والسجود في اللغة: الخضوع، والتذلل. وفي عرف الشارع: وضع الجبهة على الأرض بقصد العبادة، والسجود المأمور به في الآية يحمل على المعنى المعروف في اللغة؛ أي: إن الله تعالى أمرهم بفعل تجاه آدم يكون مظهراً
стр. 102
للخضوع والتواضع له، غير وضع الجبهة على الأرض الذي هو عبادة، إذ عبادة غير الله شرك.
ومن حملوا السجود في الآية على معنى وضع الجبهة على الأرض، ادّعوا أن سجوده كان لله، وأن آدم إنما كان كالقبلة يتوجه إليه الساجدون. وهو تأويل يبعده أن المقام مقام إظهار فضل آدم عليهم، وإظهار فضله لا يتحقق بمجرد كونه قبلة للسجود.
﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾:
أفادت الفاء في قوله: ﴿فَسَجَدُوا﴾: أنهم سارعوا في الامتثال، ولم يتثبطوا فيه. وإبليس: اسم للشيطان أعجمي، وهو كائن حي. وقد أخطأ وجهَ الحق من حمله على معنى: داعي الشر الذي يخطر في النفوس. وليس من المعقول أن تحمل عليه الآيات، وهي صريحة في أنه كان يقول، ويقال له، ويرى الناس، ولا يرونه: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧].
واستئناء إبليس من الملائكة ظاهر في أنه كان من قبيلهم؛ إذ الأصل في المستثنى أن يكون داخلاً تحت اسم المستثنى منه حتى يقوم دليل على أنه خارج عنه. والإباء: الامتناع مع الاختيار والتمكن من الفعل. والاستكبار: التكبر والتعاظم في النفس. و (كان) في قوله: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ بمعنى صار.
ولما كان استثناء إبليس من الساجدين لا يدل على أنه ترك السجود عصياناً؛ إذ قد يكون تركه لعذر، دل بقوله: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ على أنه امتنع من السجود أنفة وتعاظماً، وأردف هذا التعاظم باعتراضه على الله تعالى في تفضيل
стр. 103
آدم، فصار بذلك في فريق الكافرين، فقال تعالى: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾:
هذه الجملة معطوفه على قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾. وقوله: ﴿اسْكُنْ﴾ أمر من السكنى؛ بمعنى: اتخاذ المسكن. وزوجه: حواء. والجنة: دار الثواب للمؤمنين يوم القيامة، على ما يتبادر إلى الذهن عند الإطلاق، وهذا هو المعروف عند كثير من أهل العلم. ومن المحتمل أن تكون هذه الجنة بستاناً بمكان مرتفع من الأرض، وإلى هذا الوجه من التفسير ذهبت طائفة من أهل العلم، ووقف آخرون دون ترجيح أحد التفسيرين؛ لقوة ما يورده كل من الفريقين شاهداً على ما ذهب إليه.
والمخاطب بالأمر بسكنى الجنة: آدم، وحواء، ولكنه وجّه في صيغة الخطاب إلى آدم، وعطفت عليه زوجه؛ لأنه المقصود بالأمر، وزوجه تبع له.
﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾:
الضمير في قوله: ﴿مِنْهَا﴾ عائد إلى الجنة، ويراد بالأكل من الجنة: الأكل من مطاعمها وثمارها.
والرغد: الهنيء أو الواسع، يقال رغد عيش القوم: إذا كانوا في رزق واسع.
و ﴿حَيْثُ﴾: ظرف مكان. ومعنى الجملة: وكلا من مطاعم الجنة وثمارها كلاً هنيئاً أو واسعاً في أي مكان من الجنة أردتم الأكل فيه. وأذن لهم في التمتع بالأكل من الجنة في أي مكان شاؤوا حتى لا يكون لهم عذر في الأكل من الشجرة التي نهوا عن القرب منها.
стр. 104
﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾
القرب: الدنو. ولم يذكر القرآن نوع هذه الشجرة، على عادته من عدم التعرض لذكر ما لم يدعو المقصود من سوق القصة إلى بيانه. والمنهي عنه هو الأكل من ثمار الشجرة. وتعليق النهي بالقرب منها؛ إذ قال: ﴿وَلَا تَقْرَبَا﴾؛ لقصد المبالغة في النهي عن الأكل؛ إذ في النهي عن القرب من الشيء قطعُ لوسيلة التلبس به؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، فنهى عن القرب من الزنا؛ ليقطع الوسيلة إلى ارتكابه، وهي القرب منه. وأكد النهي بأن جعل عدم اجتنباب الأكل من الشجرة ظلماً، وقال: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وقد ظلما أنفسهما إذ أكلا منها، وكان الأكل منها سبباً في إخراجهما مما كانا فيه من عيشة هنيئة واسعة.
﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾:
أزل: من الزلل، وهو عثور القدم وزلقها، ثم استعمل في ارتكاب الخطيئة، كما استعمل في خطأ الرأي مجازاً. والضمير في قوله: ﴿عَنْهَا﴾ عائد إلى الشجرة.
ومعنى أزلهما عن الشجرة: أوقعهما في الزلة بسببها. ومن المحتمل أن يكون معنى (أزلهما): أذهبهما؛ كما يقال: زل من الشهر كذا؛ أي: ذهب وسقط. والمعنى: أبعدهما، وحولهما عن الجنة.
﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾:
ما كانا فيه: الجنة ونعيمها. والتعبير عن الجنة أو النعيم بقوله: (ما كانا فيه) أبلغُ في الدلالة على فخامة الخيرات التي كانا يتقلبان فيها مما لو قيل: من النعيم، أو الجنة؛ فإن من أساليب البلاغة في الدلالة على عظم الشيء أن
стр. 105
يعبر عنه بلفظ مبهم؛ نحو: (ما كانا فيه)؛ لتذهب نفس السامع في تصور عظمته وكماله إلى أقصى ما يمكنها أن تذهب إليه.
ونسبة إخراجهما من الجنة إلى الشيطان، من قَبيل نسبة الفعل إلى ما كان سبباً فيه، وذلك أن أكلهما من الشجرة الذي ترتب عليه إخراجهما من الجنة، إنما وقع بوسوسة الشيطان لهما.
﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾:
الخطاب لآدم وحواء وإبليس. وقوله: ﴿اهْبِطُوا﴾ من الهبوط، وهو النزول والانتقال من مكان إلى آخر. وقوله: ﴿عَدُوٌّ﴾ وصف من العداوة، وهي التناكر والتنافر بالقلوب. وعداوة الشيطان لآدم نشأت عن حسد وتكبر منذ أُمر بالسجود له وأبى، وعداوة آدم وذريته للشيطان من جهة أنه يكيد لهم بالوسوسة والإغواء.
وفي قوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ تنبيه لعداوة الشيطان لآدم وذريته حتى يحذروا من أن تصغي قلوبهم لوسوسته حين يزين لهم بها أعمالاً منكرة، أو يقبح لهم بها أعمالاً صالحة.
﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾:
المستقر: موضع الاستقرار، أو بمعنى الاستقرار، نحو: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢] أي: الاستقرار. والمتاع: ما يتمتع به من المأكول والمشروب والملبوس ونحوه. والحين: الوقت، والمراد: وقت الموت، أو يوم القيامة.
ومن كان على ذكر دائم من أن استقراره في الأرض، وتمتعه بنعيمها سينتهي بوقت لا يدري متى يدركه، فشأنه أن ينتفع بخيراتها، ويتمتع بطيب
стр. 106
العيش فيها، وهو مقبل على العمل لمرضاة الله ما استطاع، وشاكر لأنعمه بالقلب واللسان، لا يشغله عن الشكر شاغل من ملاذ هذه الحياة ومظاهر زينتها.
﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾:
التلقِّي في الأصل: التعرض للقاء، ثم استعمل في معنى أخذ الشيء وقبوله، تقول: تلقيت رسالة من فلان؛ أي: أخذتها منه، وقبلتها. والكلمات: جمع كلمة، وهي اللفظة الموضوعة لمعنى، ومعنى الجملة: استقبل آدم من ربه كلمات بالأخذ والقبول والعمل بها. وأظهر ما قيل في تعبين هذه الكلمات ما أشار إليه تعالى في سورة الأعراف بقوله: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].
﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾:
التوبة في أصل اللغة: الرجوع، وإذا عُدِّيت بعن كان معناها: الرجوع عن المعصية إلى الطاعة، وإذا عديت بعلى؛ كما جاءت في هذه الآية، كان معناها: قبول التوبة، فالعبد يتوب عن المعصية، والله يتوب على العبد؛ أي: يقبل توبته.
﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾:
هذه الجملة واردة مورد التعليل لقوله ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. والتواب: وصف له تعالى؛ من تاب؛ أي: قبل التوبة، وجاء في صيغة فَعَّال؛ ليدل على كثرة قبوله تعالى للتوبة من عباده، ويدل عن أنه يقبل توبة العبد، وإن وقعت بعد ذنب يرتكبه ويتوب منه، ثم يعود إليه بعد التوبة، ثم يتوب بعد العودة إليه توبة نصوحاً.
стр. 107
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩].
أخبر الله تعالى في الآيات السابقة أنه أمر آدم وحواء وإبليس بالهبوط من الجنّة؛ إذ قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]، وأعاد خبر الأمر بالهبوط في هذه الآيات، فقال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ ... إلخ.
وليست هذه الإعادة من قبيل التكرار الذي يقصد منه مجرد التوكيد، بل قص الأمر بالهبوط أولاً؛ ليعلق عليه معنى هو كون بعضهم لبعض عدواً، ثم قصة ثانياً؛ ليعلق عليه معنى آخر هو ما ترتب على الهبوط من تفصيل المخاطبين وانقسامهم إلى مهتدين وضالين.
صرحت الآيات بأن الله تعالى نهى آدم عن الأكل من الشجرة، ولكن الشيطان وسوس له حتى أكل منها، ثم إن الله لقنه كلمات قالها مستغفراً، فتاب الله عليه، ثم أمره بعد قبول توبته بالهبوط من الجنة. وقد يتبادر إلى
стр. 108
الذهن أن آدم ارتكب ما نُهي عنه ارتكابَ من يتعمد المخالفة، فيكون أكله من الشجرة معصية، وهو من الأنبياء المرسلين، والرسل معصومون من أن يخالفوا أمر الله.
وجواب هذا: أن آدم تعمد الأكل من الشجرة ناسياً النهي عن الأكل منها، وفعلُ المنهيِّ عنه على وجه النسيان لا يُعد في قبيل المعاصي التي يرتكبها الشخص وهو على ذكر من أنه يرتكب حراماً، وهذه هي التي يستحق صاحبها عقاباً أخروياً، وهي التي عصم الله منها أنبياءه. وإذا عاتب الله بعض المصطفين من عباده على ما صدر منهم على وجه النسيان، فلأن علمهم بالنهي يدعوهم إلى أن يقع النهي من نفوسهم موقع الاهتمام؛ بحيث يستفظعون مخالفته استفظاعاً يملأ نفوسهم بالنفور منها، ويجعلهم على حذر من الوقوع في بلائها. فالذي وقع من آدم ﵇ هو أنه غفل عن الأخذ بالحزم في استحضار النهي، وجعلِه نصبَ عينيه حتى أدركه النسيان، ففعل ما نهي عنه غير متعمد للمخالفة. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥].
﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾:
الفاء في قوله: ﴿فَإِمَّا﴾ لإفادة ترتيب انقسام المخاطبين إلى مهتدين وكافرين على الهبوط المفهوم من قوله: ﴿اهْبِطُوا﴾. و (إما) هي (إن) الشرطية دخلت عليها (ما) لإفادة التوكيد. والهدى من الله: الدلالة على ما هو حق وخير، بلسان رسول، أو آيات كتاب. ومن يتوسع في تفسير الهدى من الله، فيحمله على معنى الدلالة الشرعية أو العقلية، يبني تفسيره على أن الإيمان بالله لا يشترط في التكليف به مجيء رسول، أو إنزال
стр. 109
كتاب، فهو واجب على الناس؛ لما ركب الله فيهم من العقل، ونصب لهم من الأدلة، ومكن لهم من وجوه الاستدلال.
دل على أن الهدى صادر منه بقوله: ﴿مِنِّي هُدًى﴾، ثم أضافه إلى نفسه بقوله: ﴿هُدًى﴾، فنبه لتعظيم أمر الهدى، وأنه أحق بأن يتبع ويتخذ سبيلاً لطمأنينة النفس في الدنيا، والفوز بالسعادة في الأخرى.
والخوف: الفزع، وهو تألم النفس من مكروه يتوقع حصوله. والحزن: الغم الحاصل لوقوع مكروه، أو فقد محبوب. ومعنى (لا خوف عليهم): أن نفوسهم آمنة مطمئنة بحيث لا يعتريها فزع. كما أن قوله: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ينفي عنهم الاغتمام لفوات مطلوب، أو فقد محبوب. و (على) في قوله ﴿عَلَيْهِمْ﴾ تنبئ بمعنى الإحاطة والشمول؛ فإنها تستعمل مجازاً فيما يغلب على الإنسان، ويحيط به؛ نحو: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾؛ فإن غرض الداعين أن تشمل السلامة المخاطبين، وتحيط بهم من جميع جوانبهم. فمعنى (لا خوف عليهم): نفي ملابسة الخوف لهم ملابسة الإحاطة والاستيلاء كما هو شأن الخوف من أهوال يوم القيامة.
وليس ببعيد أن يكون معنى ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾: أنهم بلغوا باستقامة السيرة وفضل التقوى حيث لا يخاف عليهم أحد أن يصيبهم في يوم الجزاء مكروه.
ونفي الخوف والحزن ورد في الآية على وجه الإطلاق، وظاهره: أن المهتدين لا يعتريهم الخوف ولا الحزن في دنياهم، ولا في آخرتهم، ولكن قوله فيما يقابله من جزاء الكافرين: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ يرجح أن يكون المراد: نفي الخوف والحزن عنهم في الدار الآخرة. ثم إن
стр. 110
الذين يتقون الله حق تقاته قد يأخذهم شيء من الحزن في الدنيا، وأوضح شاهد على هذا: قول النبي ﷺ عند احتضار ابنه إبراهيم- ﵇: "إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما برضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون"، وقول يعقوب ﵇ فيما قصة الله في القرآن: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]،
ونفي الخوف والحزن عن المهتدين يوم القيامة كناية عن سلامتهم من العذاب، وفوزهم بالنعيم الخالد في الجنة، فتتم المقابلة بين جزاء المهتدين وجزاء الكافرين المشار إليه بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾:
هذا معطوف على قوله: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾، وارداً مورد المقابل له في تفصيل من يأتيهم الهدى من الله، ومقتضى وقوعه مقابلاً له أن يقال: والذين لم يتبعوا هداي أولئك ... إلخ، ولكنه عدل عن ذلك إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾؛ لأن من لم يتبع هدى الله يشمل من لم تبلغه الدعوة، وغير المكلفين من نحو الصبيان وفاقدي العقل، وهؤلاء ليسوا من أصحاب النار. فظهر أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ جيء به على قدر من يستحقون الحكم عليهم بأنهم من أصحاب النار، والمجازاة بالعذاب الخالد الأليم.
والآيات: جمع آية، وهي في الأصل: العلامة، وتستعمل في الطائفة من الكتاب المنزل، وفيما يستدل به على وجود الله تعالى وتوحيده، من نحو: بداح مصنوعاته، ومظاهر عنايته بالإنسان.