صالح؛ لأنهم رأوا رأي العين من أحوال الآخرة ما يجعل إيمانهم أو عملهم الصالح اضطرارياً، والتكليف إنما تتم حكمته وتظهر مزيته في أن يتجه الإنسان إلى ما كلف به، وهو على شيء من الاختيار.
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾:
نعمُ الله على بني إسرائيل أخروية، ومنها: ما ذكَّرهم به في الآية السابقة بقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾، ودنيوية، ومنها: ما ذكرهم به في هذه الآية. والغمام: جمع غمامة، وهي السحابة، وخصه بعض علماء اللغة بالسحابة البيضاء. والمعنى: جعلنا الغمام يُظلكم في النهار لمِقيكم حر الشمس، وكان هذا كما روى النسائي وغيره عن ابن عباس في مدة تيههم بين مصر والشام المشار إليه بقوله تعالى: ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦].
﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾:
إنزال الشيء: تحويله من أعلى إلى أسفل، وهذا المعنى متحقق في المن والسلوى. ويستعمل بمعنى الإيجاد؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦].
وقد اختلفت عبارات المفسرين في وصف المن، وأشهرها: أنه شيء يسقط على الشجر سقوط الثلج، أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وتواردت عبارتهم على أن السلوى من نوع الطيور. والذي يؤخذ من ذكره بجانب المن أنه من أطيب الطيور طعماً.
﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾:
الأمر ﴿كُلُوا﴾: للإذن؛ نحو: "فاصطادوا". والطيبات: جمع
стр. 142
طيب، وهو الحلال، أو اللذيذ المشتهى. ورزقناكم: جعلناه رزقاً لكم. ورزقُ الإنسان: نصيبه الذي يخصه دون غيره، وإن شئت فقل: هو ما يسوقه الله إليه لينتفع به. ويظهر الالتئام بين هذه الجملة وما قبلها بملاحظة فعل القول، والتقدير: وقلنا: كلوا من طيبات ما رزقناكم. وحذف القول- عندما ينساق إليه الذهن بقرينة واضحة - شائع في كلام العرب، كما قال فيه بعض علماء اللغة: حدّث عن البحر ولا حرج.
﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾:
لما قص الله تعالى مساوئ من أفعال بني إسرائيل؛ نحو: اتخاذ العجل إلهاً، وسؤالهم رؤية الله بأبصارهم، ووصل ذلك بذكر النعم الدنيوية والأخروية التي كان يسبغها عليهم، استدعى ذلك أن يبعد عن الأذهان ما قد يخطر بها من أن تُسمى تلك القبائح التي كانت تصدر منهم ظلماً لله، فقال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾؛ إذ لا يصل إليه تعالى نقص مما يرتكبون من الجرائم ولا ضرر، وإنما يرجع وبال ذلك إلى أنفسهم، والإخبار عن ظلمهم لأنفسهم بكلمة: ﴿كَانُوا﴾، والفعل المضارع: ﴿يَظْلِمُونَ﴾ يدل على أن ظلمهم لأنفسهم كان يتكرر منهم؛ فإنك لا تقول في ذم زيد: "كان زيد يسيء إلى الناس"، إلا إذا كانت الإساءة تصدر منه المرة بعد الأخرى.
* * *
стр. 143
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩) وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٥٨ - ٦٠].
هذه الآية معطوفة على الآيات الواردة فيما تقدم لتذكير بني إسرائيل بنعم الله عليهم، وقد نبهت لنعمة من أجلّ هذه النعم، وهي تخليصهم من عناء التيه، والإذن لهم في دخول بلدة يجدون فيها راحة وهناءة. والقرية: المدينة، وتطلق على البلدة الصغيرة. ولم يتعرض القرآن لتعيين هذه القرية. وذهب جمهور المفسرين إلى أنها بيت المقدس. والظاهر أن الأمر بدخول القرية، كالأوامر السابقة واللاحقة، كان بوحي إلى موسى ﵇.
﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾:
الأمر بالأكل للإباحة. وقوله: ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ تتمة للنعمة بالتوسعة
стр. 144
عليهم؛ إذ أذن لهم في أن يتمتعوا بثمراث القرية وأطعمتها في أي مكان شاؤوا، والرغد: الواسع الهنيء. وهو مشعر بكثرة محصولات القرية، وعدم غلاء أسعارها.
﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾:
الباب: مدخل القرية. و ﴿سُجَّدًا﴾: جمع ساجد؛ من السجود، وهو وضع الجبهة على الأرض. ويستقيم هذا التفسير بجعل قوله: ﴿سُجَّدًا﴾ من قبيل الحال المسماة: "الحال المقدرة"، وهي التي تقع بعد وقوع العامل، لا معه، والعامل في الآية: الدخول. والسجود إنما يتيسر بعد انتهاء الدخول. وهذا الضرب من الحال وارد في الكلام البليغ؛ كما قال تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]. فإن الحلق والتقصير إنما يكون بعد الدخول، ومعنى الآية: ادخلوا باب القرية ناوين السجود شكراً لله على ما أنعم به عليكم؛ من إخراجكم من التيه، والمُقام ببلدة تعيشون فيها عيشة ناعمة.
﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾:
الحطّة: من حط بمعنى: وضع، وقد وردت هذه الكلمة وهي مفردة في معرض الحكاية بالقول: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، والمعروف أن القول لا يحكى به إلا الجمل، ولا يحكى به المفردات، إلا أن يكون المفرد في معنى الجملة؛ نحو: شعر، وخطبة، وهذا ما دعا المفسرين إلى فهم الآية على وجه يجري به القول على أصله من حكاية الجمل. ومن أقرب ما تفسر به الجملة أن يكون ﴿حِطَّةٌ﴾ مصدراً مراداً منه طلبُ حط الذنوب. وقد يجيء المصدر المراد منه الطلب مرفوعاً؛ نحو: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤]، ويحمل من جهة
стр. 145
صناعة الإعراب على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: مسألتنا حطة؛ أي: أن تحط عنا ذنوينا. والاقتصار في لفظ الجملة على الخبر وحده عند قيام قرينة تدل على المبتدأ، من أساليب الإيجاز المعدود في أبدع فنون البيان.
﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾:
الغَفْر في أصل اللغة: الستر. وغفر الله الذنب: غطى عليه، وعفا عنه. والخطايا: جمع خطيئة، وهي الذنب، مأخوذة من خطئ؛ أي: ارتكب ذنباً، فهو خاطئ، ومن علماء اللغة من خصّ خطئ بارتكاب الذنب على عمد، بخلاف أخطأ، فإنه يستعمل بمعنى الوقوع في غير صواب مع القصد إلى الصواب، وهو المراد في قوله ﵊: "من اجتهد وأخطأ، فله أجر".
﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾:
المحسن لغةً: فاعلُ الحسن، ويراد منه في لسان الشارع: من أحكم عقيدة التوحيد، وأجاد سياسة نفسه، وأقبل على القيام بالواجبات، وكفى الناس شره.
وزيادة الله للمحسنين: بأن يزيدهم على ما يستحقون من الثواب تفضلاً منه؛ كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٠].
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾:
التبديل: التغيير، وهو إزالة الشيء عما كان عليه؛ بإعطائه صورة غير الصورة التي كان عليها، أو تنحيته وجعل شيء آخر مكانه. والفعل "بدّل" يقتضي بدلاً ومبدلاً منه؛ ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠].
стр. 146
فالحسنات بدل، والسيئات مبدل منه. واقتضى مقام الإيجاز في الآية أن يقتصر فيها على ذكر البدل، وهو القول الذي لم يُقل لهم، ويحذف المبدل منه، وهو القول الذي قيل لهم. ومعنى الآية بعد ملاحظة المبدل منه المقدر: فبدل الذي ظلموا بالقول الذي أمرهم الله به قولاً آخر أتوا به على وجه العناد أو الاستهزاء.
والآية تدل بظاهرها على انقسامهم إلى ظالمين وغير ظالمين، وأن الذين بدلوا هم فريق الظالمين منهم.
ومأخذ العبرة من الآية: أن من أمره الله بان يقول قولاً، فترك القول الذي أمر به، وأتى بقول آخر مكانه، يدخل في قبيل الظالمين، ويتعرض بنفسه لأن يصيبه عذاب أليم. ومِثْلُ القول في مجرى القياس الصحيح: الفعلُ، فمن أمره الله بأن يفعل شيئاً، فترك الفعل الذي أمر به، ووضع مكانه فعلاً لم يأذن به الله، عُدّ ظالماً، واستحق العذاب الذي وعد الله بأن يصبه على رؤوس الظالمين. وكلا المغيرّين لما أمر الله به من قول أو فعل ضالّ مستحق لأن يكون مصيره سوء العذاب؛ فإن النبي ﷺ يقول في خطبته كما ورد في "صحيح مسلم": "فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهَدْي هَدْي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة"، وفي رواية النسائي: "وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في النار".
﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾:
الرجز: العذاب. ولم يبين القرآن نوع هذا الرجز؛ إذ لم يدْع الحال إلى بيانه. والفسوق في أصل اللغة: الخروج، يقال: فسقت الرطبة عن القشر: إذا خرجت منه. وفي لسان الشارع: الخروج عن طريق الحق بكفر أو
стр. 147
معصية، ومقتضى ما تقدم؛ أعني قوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: أن يكون المقام للإضمار، فيقال: فأنزلنا عليهم. ولكن أعيد الاسم الظاهر المتقدم، فقال: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ تاكيداً لوصفهم بأقبح الأفعال، وهو الظلم، وإشعاراً بأن السبب فيما نزل عليهم من العذاب هو ظلمهم؛ أخذاً بالقاعدة المعروفة في البيان، وهي أن تعليق الحكم الوارد في الكلام على اسم الموصول يؤذن بأن سبب هذا الحكم هو الوصف الذي اشتقت منه الصلة، فتعليق الحكم الذي هو إنزال العذاب على اسم الموصول، وهو: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يشعر بأن السبب في إنزال العذاب هو الوصف الذي اشتقت منه الصلة ﴿ظَلَمُوا﴾؛ أعني: الظلم.
أشعر قوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بأن سبب إنزال العذاب عليهم هو ظلمهم، وأكد هذا الإشعار بصريح من القول، فقال: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.ومن الجليّ أن الباء في قوله: ﴿بِمَا كَانُوا﴾ للسببية، والمعنى: فأنزلنا على أولئك الظالمين عذاباً انصبَّ عليهم من جهة السماء عقوبةً لهم على ما كانوا يأتونه من الفسوق المرة بعد الأخرى.
﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾:
هذا تذكير لبني إسرائيل بنعمة من عظيم نعمه، هي أنهم وقتما كانوا في التيه أدركهم عطش شديد، فأغاثهم الله بمياه غزيرة من حيث لم يحتسبوا، واستسقى في اللغة: طلب السقيا. والاستسقاء يكون عند عدم الماء، أو حبس المطر، وهو في الشريعة على ما ورد في السنة، إما بالدعاء في خشوع واستكانة، وإما بالخروج بالناس إلى المصلى، والصلاة بهم ركعتين كصلاة العيد من غير أذان ولا إقامة.
стр. 148
﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾:
من أين جاءت هذه العصا إلى موسى ﵇؟ وكيف كانت صفتها؟
يحكي في ذلك المفسرون أقوالاً مختلفة، كما أن الآثار اختلفت في مصدر هذا الحجر الذي ضرب بها، وفي وصفه، ويكفي في فهم معنى الآية، واستفادة أن ما تضمنته من واقعة انفجار الماء إنما كان على وجه المعجزة، أن تعلم أن العصا كانت لموسى ﴿بِعَصَاكَ﴾، وأن الحجر الذي ضرب بها كان من الصخر الذي ليس من شأنه الانفجار بماء.
﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾:
انفجرت: انشقت. والعين: منبع الماء، يقال: انفجرت العين: إذا انشقت، وانصبّ ماؤها بشدة. والضمير في قوله: ﴿مِنْهُ﴾ عائد إلى الحجر. وبين هذه الجملة والجملة قبلها جملة محذوفة من النظم، لوضوح دلالة المعنى عليها. والتقدير: فضرب، فانفجرت. وكانت العيون اثنتي عشرة عيناً؛ لأن بني إسرائيل كانوا اثني عشر سبطاً، والأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب، وهم ذرية أبناء يعقوب الاثني عشر.
﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾:
في هذه الجملة تنبيه لحكمة الانقسام إلى اثنتي عشرة عيناً. وعلم: عرف.
وكل أناس: أي: كل سبط. والمشرب: مكان الشرب، والجهة التي يجري منها الماء، وهي العين. والمعنى: قد عرف كل سبط العين التي صارت له، فلا يتعداها إلى غيرها، وخص كل سبط بمشرب معروف له؛ منعاً لما
стр. 149
عساه أن يثور بينهم من التنازع والشحناء.
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ﴾:
هذه الجملة خطاب من الله لبني إسرائيل في الإذن لهم بأن يتمتعوا بما مَنَّ الله به عليهم من مأكول طيب، ومشروب هنيء. ويرتبط معنى الجملة بما قبلها بملاحظة فعل من القول دل على مكانه المعنى بوضوح. والتقدير: وقلنا: كلوا وا شربوا.
والرزق: المرزوق من الطعام والشراب. وفي إضافته إلى الله تعالى: ﴿رِزْقِ اللَّهِ﴾ تعظيم للمنة، وإيماء إلى أنه رزق حاصل لهم من غير تعب ولا مشقة.
﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾:
تعثوا: من عثى يعثي عثياً؛ أي: أفسد. ويقال: عثا يعثو عثواً، فمعنى لا تعثوا: لا تفسدوا. والأرض: هذه المعمورة المقابلة للسماء. ومن أفسد في بيت أو بلد أو قطر، صحّ أن يقال له: لا تفسد في الأرض، وصحّ أن يقال وقتئذ: وقع اليوم فساد في الأرض. والفساد إذا وقع من الناس إنما يقع في الأرض. وفي التصريح بذلك مبالغة في تقبيح الفساد؛ حيث إنه يقع على وجه البسيطة، وقد خلقها مالكها لينتفع بها الناس، وليعملوا عليها صالحاً.
وقوله: ﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكدة، والتأكيد يرجع إلى النهي عن العثي، ووجه فصاحة هذا الأسلوب: أن المتكلم قد تشتد عنايته بأن يجعل الخبر أو الأمر أو النهي قارّاً في نفس السامع، واقعاً موقعاً لا يحوم به لبس، ومن مظاهر هذه العناية: التوكيد، وللتوكيد في العربية طرق مألوفة، منها:
стр. 150
إتباع الفعل بالمصدر، نحو قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]، ومنها: اشتقاق وصف من الفعل وإيراده في صورة الحال؛ نحو: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء: ٧٩]، أو من فعل موافق له في المعنى، نحو: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ [النمل: ١٠]. ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، فقوله: ﴿مُفْسِدِينَ﴾ يكسو النهي عن الفساد قوة، ويجعله بعيداً من أن يغفل عنه أو ينسى.
* * *
стр. 151
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦١ - ٦٢].
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾:
هذا تذكيو لهم باجابة رغبة من رغباتهم بعد إشعارهم بأنها رغبة ناشئة عن ذوف لا يقدر النعمة قدرها.
والصبر: حبس النفس على الشيء، بمعنى: لزومه، ومنه: الصبر على الطاعات، أو حبسها عنه بمعنى: كفها، ومنه: الصبر عن المعاصي.
والطعام: ما رُزقوا في التيه من المن والسلوى. ووصفوه بالوحدة، مع أن المن والسلوى نوعان؛ لأنهم أرادوا من الوحدة عدم التبدل
стр. 152
والاختلاف؛ فإنهما كانا على نهج واحد من الطيب واللذة، ولو التزم الرجل أطعمة لا يوضع غيرها على مائدته، صح أن يقال: إن فلاناً لا يأكل إلا طعاماً واحداً، يراد بالواحد: ما لا يتبدل، ولا يختلف.
﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾:
الدعاء: الرغبة إلى الله، وسألوا موسى أن يدعو لهم؛ لأن دعاء الأنبياء-﵈ أقرب إلى الإجابة من دعاء غيرهم، وكذلك دعاء الصالحين؛ حيث يصدر من قلوب عامرة بتقوى الله وإجلاله، يلاقي من الإجابة ما لا يلاقيه فيه دعاء نفوس تستهويها الشهوات، ولا ترعى جلال الله حق رعايته.
﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾:
إخراج النبات: إظهاره بإيجاده، والمنبت له في الحقيقة هو الخالق - جلّ شأنه -. وإسناده إلى الأرض في قوله: ﴿تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ أخذاً بعادة إسناده إلى الأرض على وجه المجاز. وإسناد الفعل إلى المكان الذي يقع فيه أسلوب عربي فصيح، والحقيقة في قوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧].
والبقل: ما تنبته الأرض من الخضر مما يأكله الناس والأنعام. والمراد: ما يأكله الناس من نحو النعناع والكراث وشبهه.
والفُوم: الحنطة، قال الزجاج: لا خلاف عند أهل اللسان أن الفوم: الحنطة. وقال الكسائي: هي: الثوم، والعدس والبصل معروفان.
والظاهر من حال القوم: أن نفوسهم كرهت المنّ والسلوى، ورغبت في أن يكون البقل وما عُطف عليه بدلاً منهما. لا أن يرزقاه زيادة عليهما،
стр. 153
وبهذا يظهر معنى قوله تعالى:
﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾:
القائل إما الله تعالى على لسان موسى ﵇، وإما موسى نفسه.
والاستفهام لإنكاره عليهم سوء اختيارهم، وإيثارهم الأدنى على ما هو خير، وهو المن والسلوى، والاستبدال: الاعتياض. وفعل الاستبدال يتعدى إلى المأخوذ المرغوب فيه بنفسه، وإلى المتروك بالباء، والمرغوب فيه هنا: ما هو أدنى، وهو البقل وما عُطف عليه، والمتروك: ما هو خير، وهو المن السلوى.
﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾:
الهبوط: النزول. تقول: هبط الوادي: إذا نزل به، وهبط منه: إذا خرج.
ومصر: يطلق على البلد العظيم، ويحتمل أن يراد منه هذا البلد المسمّى مصر.
حكى أشهب عن مالك أنه قال: هي مصر قريتك، والمعنى: انتقلوا من التيه إلى مصر، فإنكم تجدون بها ما طلبتموه من البقل والحنطة وأشباهها.
﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾:
﴿الذِّلَّةُ﴾: الهوان. والمسكنة: الخضوع. وضربُ الذلة والمسكنة عليهم كناية عن إحاطتهما بهم كما تحيط القبّة بمن ضربت عليه؛ كما قال زياد الأعجم في عبد الله بن الحشرج:
стр. 154
إن السماحة والمروءة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج
﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾:
باؤوا: رجعوا. وغضبُ الله: صفة من صفاته نعرف من آثارها الإهانة والانتقام. والمعنى: حقّ عليهم غضب الله، ومن حق عليه غضب الله، ألحق به العقوبة في الوقت اللائق بها.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾:
هذا بيان لوجه إيقاعهم في الذلة والمسكنة، ونزولِ غضب الله عليهم. واسم الإشارة ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى هذين الأمرين العظيمين المشار إليهما في الآية السابقة.
وكثيراً ما يشار باسم الإشارة المفرد إلى أشياء ذكرت قبله؛ نظراً إلى أنها صارت حاضرة في ذهن المخاطب بصورة تسمى بالمذكور سابقاً.
والآيات: جمع آية. والآية تستعمل بمعنى: المعجزة، وبمعنى: النص المنزل على الرسول. ومن كفر بمعجزات الرسول، لم يؤمن بالنصوص المنزلة عليه، ومن هنا صح تفسير ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ بالمعجزات، وبالنصوص الموحى بها.
وكان هؤلاء القوم من بني إسرائيل؛ لاغراقهم في الكفر والفساد، يقتلون النبيين حيث يأمرونهم بمعروف، أو ينهونهم عن منكر. وقال: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، وقتلُ الأنبياء لا يكون بحق البتة؛ لزيادة التشنيع بقبح عدوانهم، ويشبه هؤلاء الطغاة الأمراء الذين ينحطون في أهوائهم، وتأخذهم العزة بالإثم، حيث يُسدي لهم العالم الأمين النصيحة في أمر يخرجون به عن
стр. 155
حدود الشريعة الغراء، فيضمرون له البغضاء، ويتأهبون لأن يلحقوا به الأذى ما استطاعوا.
﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾:
العصيان: الخروج عن طاعة الله. والاعتداء: مجاوزة حدوده تعالى. واسم الإشارة ﴿ذَلِكَ﴾ مشار به إلى الكفر، وقتلِ الأنبياء في الجملة السابقة. والباء للسببية. والمعنى: أن تمردهم في عصيان الله، وتجاوزهم حدوده المرة بعد الأخرى، زادهم عماية حتى استحبوا الكفر، ومردوا عليه، وامتدّت أيديهم إلى قتل الأنبياء بقلوب كالحجارة أو أشد قسوة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾:
لما أورد في الآيات السابقة وعيد اليهود على الكفر وارتكاب أفظع المعاصي بضرب الذلة والمسكنة عليهم، وحلول غضب الله بهم، أردف في هذه الآية ذلك الوعيدَ بالوعد على الإيمان الصادق والعمل الصالح؛ أخذاً بسنّة القرآن في وصل الإرهاب بالترغيب، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ... إلخ الآية. فذكر أربعة فرق من الناس، وأشار إلى الفريق الأول بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وهم المؤمنون بالنبي محمد ﷺ . وابتدأ بالمؤمنين المسلمين في ذكر من لا يفلحون إلا بالإيمان والعمل الصالح؛ إشعاراً بأن الإسلام قائم على أن الفوز عند الله لا ينال إلا بالإيمان والعمل الصالح، ولا فضل لأمة على أمة إلا بهذه الوسيلة.
﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾:
﴿هَادُوا﴾: دخلوا اليهودية، وهي الديانة التي جاء بها موسى ﵇، نُسبت إلى يهود معرّب يهوذا - بالذال -، وهو أكبر أبناء يعقوب،
стр. 156
كما يروى، وإن لم يكن جميعهم من أبنائه، وأشار إلى الفريق الثالث بقوله:
﴿وَالنَّصَارَى﴾:
هم قوم عيسى ﵇، جمع نصران، ويقال: نصراني، وهو الأكثر في الاستعمال، ووجه هذا الاسم أنهم كانوا أنصاراً له. وقيل: هو مأخوذ من الناصرة، وهي القرية التي كان نزلها عيسى ﵇.
﴿وَالصَّابِئِينَ﴾:
جمع صابئ. وكان الصابئة ينسبون دينهم إلى نوح ﵇، ثم صاروا إلى الشرك، وبقيت منهم باقية على التوحيد. والمشركون منهم قالوا: إنا نحتاج في معرفة الله وأحكامه إلى متوسط روحاني، ولما لم يتيسر لهم مشاهدة الروحانيات "الملائكة"، والتلقي عنهم، فزعوا إلى الكواكب بزعم أنها هياكل للروحانيات، وصاروا يعبدون هذه الكواكب. ثم إن جماعة منهم قالوا: إن الهياكل لا تُرى في كل الأوقات؛ لأن لها طلوعاً وغروباً، فبدا لهم أن يتخذوا أصناماً على مثال الهياكل، ونصبوا كل صنم في مقابلة هيكل. وقد بعث الله إبراهيم- ﵇ فحاجّ الفريقين.
وذكر الصابئة في هذا المقام، وهم من أبعد الأمم ضلالاً؛ لينبه على أن الإيمان الصحيح والعمل الصالح يرفعان صاحبهما إلى مرتقى الفلاح، وإن سبق له أن بلغ في الكفر والفجور أقصى غاية.
﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾:
من لم تبلغهم دعوة النبي ﷺ على وجهها، وكانوا ينتمون إلى دين صحيح في أصله، متى كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويعملون الأعمال
стр. 157
الصالحة على وجه ما أرشدهم إليه الدين الذي ينتمون إيه، فلهم أجور على إيمانهم، وعلى ما عملوا من خير. وأما الذين بلغتهم دعوة الدين الحنيف، ولم يقبلوها، فلا ينفعهم إلا أن يؤمنوا بالله واليوم الآخر، ومن بعث بالشريعة العامة الخالدة، ولا ينالون من أجر الآخرة إلا على ما يعملون من صالح، والعمل الصالح في عرف الشرع الإسلامي: ما يبتغى به وجه الله، ويكون موافقاً للوضع الذي اعتد به الشارع في العبادات والمعاملات، والحكم والقضاء.
والإيمان المشار إليه في قوله تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ يُفهم بالنسبة لليهود والنصارى والصابئين بمعنى صدور الإيمان منهم على نحو ما قرره الدين الحق، وُيفهم بالنسبة إلى المؤمنين المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ على أنه مراعى فيه معنى الثبات والاستدامة، وبذلك ينتظم عطف: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ على قوله: ﴿آمَنَ﴾، مع مشاركتهم لتلك الفرق فيما يترتب عليهما من الفوز بالأجر، وعدم الخوف والحزن في الآخرة.
﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾:
الأجر: الجزاء على العمل، وسمىّ الله ما يعطيه للمؤمن العامل أجراً على وجه التفضل منه، وقال: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ ليدل على عظم الجزاء من وجهين: أحدهما: أن ما يكون عند الله من الجزاء على العمل لا يكون إلا عظيماً، وثانيهما: أن المجازي لهم ربهم الذي عرفوه بصفة الحنان والكرم، والحنّانُ الكريم لا يعطي إلا ما يقرّ العين، ويفوق الوصف. والخوف: الفزع. والمعنى: لا يفزعون من هول يوم القيامة كما يفزع الكافرون، ولا يفوتهم نعيم فيحزنون كما يحزن المقصّرون.
стр. 158
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٣ - ٦٩].
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾:
الميثاق: العهد. والمراد من العهد: الإيمان الصحيح، والعمل الصالح، على وفق ما جاء في التوراة. وهو تذكير لبني إسرائيل بنعمة من أمثال النعم الواردة في الآيات السابقة؛ لأن أخذ ميثاقهم؛ ليعملوا بما في التوراة من المصالح العائدة إليهم.
стр. 159
﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّور﴾:
الرفع: الإعلاء. والطور: الجبل الذي ناجى الله به موسى ﵇.
﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾:
هذه الجملة محكية بقول محذوف دل عليه المعنى. والتقدير: وقلنا: خذوا ... إلخ. وما آتاهم: الكتاب؛ أعني: التوراة. والقوة: الجد والعزم والاجتهاد.
وأخذ الميثاق كان قبل رفع الجبل فوقهم، على ما جاء في ترتيب النظم. ورفع الجبل لإشهادهم آية من آيات الله تقوي إيمانهم بأن التوراة منزلة من عند الله، وقوة الإيمان من شأنها أن تدفع إلى العمل بما في الكتاب المنزل بجد وعزم واجتهاد.
﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾:
ذكرُ ما في الكتاب: بمدارسته، وتدبر أمره ونهيه، والمحافظة على العمل به. و (لعل) في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ إما للتعليل، والمعنى: اتعظوا بما في الكتاب، لتتقوا الهلاك في الدنيا، والعذاب في الآخرة، وإما للترجي، والترجي مصروف إلى المخاطبين، والمعنى: اذكروا ما في الكتاب وأنتم ترجون أن تكونوا من فريق المتقين.
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾:
﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾: أعرضتم، والمشار إليه بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾: أخْذُ الميثاق، وقبول ما أوتوه من الكتاب. والمعنى: أعرضتم عن الميثاق بعد أخذه، أو عن الكتاب الذي أوتيتموه بعد أن قبلتموه.
стр. 160
﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾:
﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾: توفيقهم للتوبة. ورحمته: عفوه عن زلاتهم. والخسران: الهلاك. والمعنى: لولا أن الله وفقكم للتوبة، وعفا عن زلاتكم، لكنتم من الهالكين في الدنيا والآخرة.
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾:
﴿عَلِمْتُمُ﴾: عرفتم. والسبت: اسم لليوم المعروف من الأسبوع. وهذه إشارة إلى قصة هي أن الله تعالى حرّم على بني إسرائيل صيد الحيتان يوم السبت، وابتلاهم الله بأن كانت الحيتان تجيئهم يوم السبت دون سائر الأيام، فاتخذوا الحيلة لصيدها يوم السبت؛ كحفر حفير يقع فيه السمك، ويبقى فيه بعد جزر البحر، ثم صاروا يصيدونها يوم السبت علانية.
﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾:
القردة: جمع قرد، وهو الحيوان المعروف. والخسء: الصغار والذلة. وقوله: ﴿كُونُوا﴾ ليس بأمر على الحقيقة؛ لأن صيرورتهم قردة ليست في استطاعتهم، وإنما المراد منه: بسرعة الكون قردة، أو على وصف القردة. وجمهور المفسرين على أنهم مسخوا قردة على الحقيقة.
وأكثرهم على أن من مُسخوا انقرضوا، ولم يعقبوا نسلاً. وقال مجاهد: لم تمسخ صورهم، ولكن مسخت قلويهم، فلا تقبل وعظاً، ولا تعي زجراً، فهو مثل ضربه الله لهم.
﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾:
الضمير في قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ عائد إلى كينونتهم قردة المفهومة من قولى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾. والنكال: العبرة؛ لأنها تنكل المعتبر بها؛ أي: تمنعه
стр. 161
من أن يرتكب مثل ما أصاب غيره من سوء العاقبة.
و ﴿يَدَيْهَا﴾: تثنية يد، وهي العضو المعروف.
ويقال: الشيء بين يدي فلان؛ أي: حاضر، وعلى مشهد منه. ﴿خَلْفَهَا﴾: بعدها.
والمعنى: جعلنا مسخهم قردة عبرة لمن شهدها وعاينها، وعبرة لمن جاء بعدها ولم يشاهدها، وإنما تلقَّى خبرها من طريق موثوق به. وخص المتقين بإضافة الموعظة إليهم؛ لأنهم الذين ينتفعون بالعظة والتذكير، قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥].
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾:
هذا بيان لضرب من مساوئ بني إسرائيل في تعنتهم وعدم مسارعتهم لا متثال الأوامر، وجفائهم في مخاطبة موسى ﵇ والظاهر: أن أمرهم بذبح البقرة كان بعد تنازعهم في أمر قاتل النفس على ما يرد في الآية من بعد، ولما لم يظهر لهم من ذبح البقرة مناسبة لسؤالهم عن القاتل، قالوا: أتتخذنا هزواً؟.
وابتدأ القرآن القصة بالأمر بذبح البقرة، ولم يقل مثلاً: وإذ تنازعتم في القتيل، أمرناكم بذبح بقرة ... إلخ؛ لتقبل النفوس على تعرف ماذا يراد من ذبح البقرة، وتتشوق إلى ما يرد من الخبر المتصل به، وهو أمر القتل، فيقع منها موقع الأخبار المتلقاة بعد التشوق إليها، ويأخذ منها مأخذاً وثيقاً.
﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾:
الهزؤ: السخرية. ويلتئم المعنى بتقدير مضاف، والمعنى: أتتخذنا
стр. 162
موضع هزؤ؟ أو يحمل المصدر على معنى اسم المفعول، والمعنى: أتجعلنا مهزوءاً بنا؟ وكلا الوجهين معروف في الفصاحة العربية. وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا الاستفهام صادر عن سوء اعتقاد بنبيهم وتكذيبهم له، ومن المحتمل أن يكون صادراً عن جفاء وغلظ في الطبع، كما فعل الأعرابي الذي جبذ النبي ﷺ -بردائه حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عاتقه، وقال له: احمل لي على بعيريَّ هذين من مال الله الذي عندك، كما رواه الشيخان، وفي رواية البيهقي: "فإنك لا تحمل لي من مالك، ولا من مالِ أبيك".
﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾:
لما كان قولهم: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ يدل على اعتقادهم أن موسى أخبر عن الله بما لم يأمر به، أجابهم موسى بقوله: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. وأعوذ: من العوذ، وهو الالتجاء. والإخبار عن الله بما لم يأمر به من أسفل دركات الجهل.
والمعنى: ألتجئ إلى الله من أن كون في زمرة الجاهلين. ونبهت الآية على أن الاستهزاء بأمر من أمور الدين جهل كبير، ومن الجهل ما يلقي صاحبه في أسوأ العواقب، ويقذف به في عذاب الحريق. ومن هنا منع المحققون من أهل العلم استعمال الآيات كأمثال يضربونها في مقام المزح والهزل، وقالوا: إنما أنزل القرآن ليتلى بتدبر وخشوع، وقصد إلى المحافظة على العمل به.
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾:
هذا سؤال عن حال البقرة وصفتها؛ إذ وقع في نفوسهم أن البقرة التي يكون لها أثر في معرفة قاتل القتيل لا بد أن تكون على صفة خارجة عما
стр. 163
عليه سائر البقر.
﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾:
الفارض: المسنّة؛ لأنها فرضت؛ أي: قطعت سنّها، وبلغت آخرها. والبكر: الفتية، وقيل: هي التي لم تلد من الصغر. والعوان: متوسطة السن، وقيل: هي التي ولدت بطناً أو بطنين. وقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ مشار به إلى ما ذكر من الوصفين السابقين: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾، فرعاية لكونهما في معنى: ما ذكر، صح أن يجيء اسم الإشارة مفرداً، ورعاية لكون المشار إليه وصفين في الواقع، صح أن تضاف إليه كلمة ﴿بَيْنَ﴾، وقاعدتها أنها لا تضاف إلا إلى متعدد.
﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾:
الأقرب إلى الذهن أن يكون هذا خطاباً من موسى ﵇ ينصحهم به أن يتركوا إمعانهم في الأسئلة، ويسارعوا إلى طاعة الله بقدر ما يفهم من خطاب الأمر الموجه إليهم.
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾:
بعد أن وصف لهم البقرة من جهة سنها، سألوا عن لونها. والفقوع: شدة الصفرة: يقال: أصفر فاقع؛ أي: شديد الصفرة، كما يقال: أحمر قانٍ؛ أي: شديد الحمرة. والسرور: لذة في القلب عند حصول نفع، أو توقعه، أو رؤية أمر معجب.
وقال: ﴿النَّاظِرِينَ﴾ بصيغة الجمع؛ ليدل على كمال حسن منظرها؛ بحيث إنها تسر كل من ينظر إليها.
﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾:
هذا إخبار بأمل أنهم سيهتدون إلى البقرة المأمور بذبحها، وفي تعليق اهتدائهم بمشيئة الله دليل على إنابتهم وندمهم على ترك سرعة الامتثال للأمر. ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾:
الذلول: من الذل - بضم الذال وكسرها -، وهو ضد الصعوبة، يقال: بقرة ذلول؛ أي: ريّضة زالت صعوبتها، وإثارة الأرض: تحريكها وبحثها بالحرث والزراعة. والحرث: شق الأرض ليبذر فيها الحَبّ. والمقصود: نفي الذل وإثارة الأرض عن البقرة، فهي ليست بذلول تستعمل لإثارة الأرض بالحرث، كما أنها لم تستعمل لسقي الحرث.
﴿مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾:
المسلَّمة: من السلامة؛ أي: مخلَّصة ومبرأة من العيوب. والشِّيَة: اللمعة المخالفة لبقية لون الشيء، فهي سليمة من كل عيب، وليس فيها لون يخالف لونها الذي هو الصفرة الفاقعة.
﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾:
﴿الْآنَ﴾: ظرف بمعنى الزمان الحاضر. والحق: الحقيقة. والمعنى: الآن جئت بحقيقة وصف البقرة؛ حيث استوفيتَ وصفها من جهة السن واللون، وكونها من السوائم لا العوامل، فلم يبق اشتباه في أمرها.
﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾:
من إيجاز القرآن أن حذف من صدر هذه الجملة جملتين مفهومتين من نظم الكلام. والتقدير: فطلبوا البقرة الجامعة للأوصاف السابقة، وحصّلوها، وذبحوها.
стр. 166
﴿وَمَا كَادُوا﴾: ما قاربوا، ﴿يَفْعَلُونَ﴾: يذبحون. والمعنى: لم يقربوا من ذبح البقرة المأمور بها في أول الأمر؛ إذ تعسر عليهم تحصيلها، وصار بعيداً من أن تناله أيديهم، ثم اهتدوا إليها بعد ذلك التعسر، فذبحوها.
﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾:
النفس: الشخص. وادارأتم: أصله تدارأتم، ثم أدغمت التاء بعد إسكانها في الدال، وأتى بهمزة الوصل ليتوصل بها إلى النطق بالساكن، فصار ادّارأتم.
ومعنى ادارأتم: تدافعتم؛ أي: اختلفتم وتنازعتم؛ لأن المتنازعين يدرأ بعضهم بعضاً؛ أي: يدفعه.
والنفس: الروح، وترد بمعنى: الشخص، ويؤتى بالضمير العائد إليها مؤنثاً، ولهذا قال: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾.
وهذه الآية خطاب لبني إسرائيل المعاصرين للنبي ﷺ ، جرى على الأسلوب المعروف في مخاطبات الأقوام؛ إذ ينسب إلى الأخلاف ما فعل أسلافهم؛ اعتماداً على القرينة القائمة على أن الفعل صادر من الأسلاف. ويستعمل هذا الأسلوب عند القصد إلى ذم المخاطبين، والتنبيه على أنهم ليسوا من أسلافهم في الانحراف عن سبيل الرشد ببعيد.
وهذه الواقعة، واقعة قتل النفس وتنازعهم فيها، جرت قبل أمرهم بذبح البقرة، وإن وردت في الذكر بعده، وقد نبهنا على أن تقديم الأمر بذبح البقرة في الذكر مجرداً عن الإشعار بواقعة أمر القتل؛ لتتشوف نفس السامع إلى ماذا يقصد من ذبحها، فيقع عند ذكره موقع ما تهتم به، شأن ما تتلقاه عند استشرافها إليه.
стр. 167
﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾:
﴿مُخْرِجٌ﴾: مُظهِر. وما كانوا يكتمون: هو أمر القتيل والقاتل. والجملة معترضة بين قوله: ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾، وقوله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ﴾، والجملة المعترضة بين ما أنهما الاتصال تجيء تحلية يزداد بها الكلام البليغ حسناً. وفائدة هذه الجملة: إشعار المخاطبين- قبل أن يسمعوا ما أمروا بفعله لإظهار أمر القتل- بأن الحقيقة ستنجلي لا محالة.
﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾:
ضرب الشيء بالشيء: إيقاعه عليه. والضمير في قوله: ﴿اضْرِبُوهُ﴾ يعود على النفس، وتذكيره مراعى فيه معناها الذي هو الشخص أو القتيل. والقرآن لم يعين البعض الذي يضرب به، فأي قطعة ضربوه بها، فقد فعلوا ما أمروا به.
﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾:
في الآية إيجاز؛ إذ حُذف ما بين هذه الجملة والجملة التي قبلها جملتان دل عليهما سياق الكلام دلالة واضحة. والتقدير: فضربوه ببعض البقرة، فأحياه الله.
والدليل على هذا المقدر: قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ بعد قوله: ﴿اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾. والكاف في قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ للتشبيه. واسم الإشارة مشار به إلى المشبه به، وهو إحياء ذلك القتيل الدال عليه الجملة المقدرة: "فأحياه الله"؛ أي: مثل إحياء ذلك القتيل بعد موته يحيى الله الموتى للحساب والجزاء يوم القيامة.
стр. 168
والآية ظاهرة في أن الذي ضرب ببعض البقرة صار حياً بعد أن زهقت روحه.
وقد تعاطى تفسير الآية شيخان معاصران، أحدهما كتب في التفسير، والآخر كتب في قصص الأنبياء، وقد ذهبا مذهب التعسف في التأويل.
أما الكاتب في التفسير، فقد جعل آيات: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ من تتمة القصة المبتدأة بالأمر بذبح البقرة كما يقول أهل العلم من السلف، ولكنه يرى أن ذبح البقرة وسيلة عندهم للفصل في الدماء عند التنازع في أمر القتل، لتعرُّف الجاني.
وقال: "فمن غسل يده، وفعل ما رسم لذلك في الشريعة - أي: شريعتهم- برئ من الدم، ومن لم يفعل، تثبت عليه الجناية". ومعنى إحياء الموتى-على تفسيره-: حفظ الدماء التي كانت عرضة لأن تسفك بسبب الخلاف في قتل تلك النفس التي يحييها بمثل هذه الأحكام، وهذا الإحياء على حد قوله تعالى ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، فالإحياء هنا معناه: الاستبقاء كما هو المعنى في الآيتين". والمؤلف في قصص الأنبياء قد جعل آيات: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ قصة مستقلة عن قصة ذبح البقرة المشار إليها بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾، وزعم أن قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ بمعنى: اضربوا المتهم ببعض النفس، وهي القتيل، فإذا كان قاتلاً، ظهر عليه انفعال نفسي ورعدة يعلم بسببها أنه القاتل دون سواه، أو هو على اتصال به. وجرى في تأويل قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ على ما جرى
стр. 169
عليه سلفه في التفسير.
وكل من هذين الرأيين مخالف لما ورد عن السلف، وبعيد عن أسلوب القرآن وبلاغته، ولو كان المراد من قوله: ﴿يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ معنى الآيتين، لقال مثلاً: كذلك يحيي الله الناس، أو قال: ولكم في هذا الحكم حياة.
﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾:
الآيات: الدلائل. والمعنى: يجعلكم مبصرين الدلائل الدالة على أنه قدير على كل شيء؛ من إحياء ذلك القتيل وغيره؛ لكي تستعملوا عقولكم في تعرف سبيل الرشد؛ فإن من لا يستعمل عقله متحرياً هذا السبيل، فهو كمن لا عقل له.
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾:
﴿قَسَتْ﴾: من القسوة، وهي الصلابة. ونقيضها: الرقة. ووصف القلوب بالصلابة والغلظ يراد منه نبُوها عن الاعتبار، وعدم تأثرها بالمواعظ، وخلوها من الإنابة والإذعان لآيات الله، واسم الإشارة ﴿ذَلِكَ﴾ مشار به إلى إحياء القتيل، أو إلى جميع المعجزات الواردة في الآيات السابقة.
﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾:
الحجارة: جمع حجر، وهو الصخرة. وحرف (أو) للتنويع؛ فإن قلوبهم متفاوتة في القسوة، منها ما هو قاس كالحجارة، ومنها ما هو أشد قسوة منها.
والمعنى: فبعض قلوبهم كالحجارة، وبعضها أشد من الحجارة، فصاغ القرآن هذا المعنى في صورة موجزة، فقال: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾. وقال: ﴿أَشَدُّ قَسْوَةً﴾، ولم يأت بأفعل التفضيل، فيقل: أقسى؛
стр. 170
لأن أشد قسوة أوضح دلالة على فرط القسوة من قولك: أقسى.
﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَار﴾:
هذا بيان لفضل الحجارة على قلوبهم القاسية. والتفجر: التفتح بالسعة والكثرة. والأنهار: جمع نهر، وهو مجرى الماء. وتحمل الأنهار على معنى الماء الجاري، والعرب يطلقون اسم المحل؛ كالنهر على الحالِّ فيه؛ كالماء. والقرينة على هذا الإطلاق قائمة؛ لأن التفجر إنما يكون للماء، والمعنى: أن من الحجارة ما فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الغزير. وهذا إشارة إلى العين الجارية.
﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾:
التشقق: التصدع بطول أو عرض. والمعنى: أن من الحجارة ما يتشقق إشفاقاً، فينبع منه الماء. وهذا إشارة إلى العين النابعة.
﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾:
الهبوط: التردّي؛ أي: النزول من أعلى إلى أسفل. والخشية: الخوف.
والمراد: ما يلزم الخشية؛ من الطواعية والانقياد؛ لأن من خشي الله، أطاعه، وانقاد لما يريده منه. ووجهُ فضل الحجارة على قلوب أولئك: أنها أنفع من تلك القلوب القاسية، فتتفجر منها الأنهار، وتتشقق فيخرج منها الماء، وأنها لا تمتنع عما يريد الله منها؛ بخلاف قلوب هؤلاء؛ فإنها لا تنقاد، ولا تفعل ما تؤمر به.
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾:
هذا تهديد لهم بأن الله ليس بغافل عن أعمالهم، بل سيحصيها عليهم،
стр. 171
ويحاسبهم عليها. والغفلة: السهو، وهي مستحيلة على الله، ولكنها وقعت هنا في سياق النفي، ونفي الشيء عنه تعالى لا يستلزم إمكانه؛ كما قال تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
* * *
جارٍ مجرى الإنكار عليهم، حيث طمعوا في استجابة أولئك اليهود لدعوة الإيمان، وحالهم ما ذكر في قوله تعالى بعدُ: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ. . .﴾.
﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾:
الفريق المشار إليه في الآية: هم الأحبار الذين حرفوا التوراة. وكلام الله: التوراة. وتحريف كلام الله يصدق بتأويله تأويلاً فاسداً، وروي هذا الوجه في تفسير الآية عن ابن عباس. ويصدق بمعنى: تغييره بوضع كلام آخر مكانه، وهو الوجه الذي ذهب إليه جمهور المفسرين، وقد وقع من أولئك الأحبار التحريف بالتأويل وبالتغيير، كما فعلوا ذلك في نعته ﷺ ؛ فقد روى البخاري أن من صفاته فيها: أنه أبيض رَبْعة، فغيّروه: أسمر طويل.
وقد بسط جماعة من المحققين القول في إثبات تحريف التوراة على معنى: إسقاط بعض النصوص، ووضع كلام آخر بدلها؛ كابن حزم، وابن تميمة، وغيرهما، والتحريف بمعنى التأويل الباطل قد ارتكبه طوائف من الجهلة أو الملاحدة في القرآن الكريم. وأما التحريف بمعنى: إسقاط الآية، ووضع كلام بدلها، فقد حفظ الله منه كتابه العزيز ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ومن الأسباب التي هيأها الله لحفظه، ما قام به عثمان ﵁ من جمع الناس على مصحف، وإحراق كل مصحف وقع فيه تحريف على وجه الخطأ، أو سوء القصد.
وإنما كان قيام فريق من اليهود بتحريف الكتاب سبباً لليأس من إيمان الطائفة المشار إليها بقوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾، ذلك لأن هذه الطائفة قد سبق أن تلقت دينها من قوم يحرفون الكتاب، وهم إنما يلقنونهم
стр. 174
ما حرّفوه، والمقلدون يتلقون ذلك عنهم بطاعة عمياء، ولا يلتفتون إلى الحق، ولا يتجهون إلى النظر في الأدلة الموصلة إليه، فالميئوس من إيمانهم طائفة معينة علم الله أنها شبّت على عماية التقليد، ولا يرجى منها الإقلاع عن الكفر، والرجوع إلى الدين الحق.
ومعنى قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: أنهم يحرفون كلام الله من بعد ما فهموه، مع علمهم بما يستحقه محرِّفه من الخزي والعذاب الأليم.
وقولى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ينبئ بأن من يرتكب المعصية وهو يعلم أنها معصية يستحق عليها من التوبيخ والذم أشد مما يستحقه مرتكبها وهو من الجاهلين.
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾:
هذه الجملة بيان لنوع من مساوئ اليهود وقبائحهم الموجبة لليأس من إيمانهم، الكاشفة عما كانوا يضمرونه من النفاق. والذين آمنوا هم جماعة المؤمنين من الصحابة ﵃، فإذا لقيهم هذا الفريق من اليهود، قالوا لهم: صدقنا بأن محمداً نبي بحق.
﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾:
﴿خَلَا بَعْضُهُمْ﴾: صاروا إلى خلوة، وهو الموضع الذي ليس فيه غيرهم. والمعنى: انفرد بعضهم ببعض، وهم الذين لم ينافقوا، والذين نافقوا.
﴿قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾:
التحديث: الإخبار عن حادث. والفتح: القصص، والمعنى: قال اليهود
стр. 175
غير المنافقين لليهود المنافقين مُعاتبين لهم: أتحدثون المؤمنين بما قصه الله عليكم في كتابكم؛ من أن محمداً نبي حق، وأنه صادق في رسالته؟! ويصح فهمُ الفتح بمعنى القضاء، والمعنى: أتحدثونهم بما قضاه الله فيكم، ومن قضائه فيهم: أخذُه ميثاقهم بأن يؤمنوا بمحمد، ويستجيبوا لدعوته.
﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾:
المحاجَّة: الاحتجاج، وهو القصد للغلبة، ويرجع إلى معنى إقامة الحجة، والمعنى: أتحدثون المؤمنين بما فتح الله عليكم؛ لتكون لهم الحجة عليكم عند اجتماعهم بكم في الآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١]. ويصح - فيما نرى- أن يفهم قولهم: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ على معنى: أمام ريكم، ويكون كناية عن صحة محاجة المؤمنين لهم؛ فإن الحجة الصحيحة تكون مقبولة عند الله، ويقيمها الإنسان مشهِداً الله عليها، ولا سيما محاجة تقوم على الاستشهاد بنصوص موحى بها من الله، وهذا بخلاف المحاجة الباطلة؛ فإنها تكون بعيدة من الله، ولا يستقيم لصاحبها أن يقول: حاججتك عند الله.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾:
هذه الجملة معطوفة على قوله: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ وقد أتوا بها تأكيداً لإنكارهم على إخوانهم المنافقين تحديثَهم للمؤمنين بما فتح الله عليهم.
والمعنى: أليست لكم عقول تمنعكم من أن تحدثوهم بما يكون لهم فيه حجة عليكم؟!.
стр. 176
﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾:
هذا توبيخ وتجهيل لليهود الذين عاتبوا إخوانهم على تحديث المؤمنين بما فتح الله عليهم؛ فإن اعتقادهم بأن الله يعلم سرهم وعلانيتهم شأنه أن يمنعهم من أن ينهوا إخوانهم في السر عن تحديث المؤمنين بما في التوراة؛ فإنهم إنما يحدثونهم بحقائق أوجب الله عليهم أن يذيعوها بين الناس.
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾:
الضمير في قوله: (منهم) يعود على اليهود المذكورين فيما سبق. والأميون: جمع أميّ، وهو الذي لا يحسن الكتابة، وسمّي أميّاً نسبة إلى الأم؛ أي: إنه باق على ما ولدته أمه من عدم معرفة الكتابة، أو نسبة إلى الأمَّة بمعنى: الخلقة؛ أي: إنه باق على خلقته، ولم يزد عليها تعلم الكتابة. والكتاب: التوراة. والأماني: جمع أمنية، وهي ما يقرأ. والمعنى: أن هذا الفريق من اليهود لا يعلمون من الكتاب إلا ما يقرؤونه قراءة عارية عن التدبر في معانيه. ويصح أن يكون المراد من الأمنية: ما يقدره الإنسان في نفسه، ويرغب في حصوله. وقد كان هؤلاء اليهود لا يعلمون الكتاب، وإنما كانت لهم أماني هي أن الله لا يؤاخذهم بخطاياهم، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، من غير أن يأخذوا أنفسهم بواجبات دينهم.
﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾:
الظن: ركون النفس إلى وجه من وجهين يحتملهما الأمر، دون أن تبلغ ذلك مرتبة القطع. وهو لا يكفي في معرفة أصول الدين مما يرجع إلى الإيمان، وإنما الواجب فيها أن تكون قائمة على الأدلة القاطعة، ومثلها
стр. 177
أصول الفقه التي تبنى عليها الأحكام العملية، وأما أحكام الوقائع الجزئية، فإن الراسخين في العلم يكتفون في تقريرها بما يصلون إليه من الظنون القوية. ومن أهل العلم من فسر الظن في الآية بمعنى: الشك، وهو التردد بين أمرين من غير أن يترجح أحدهما على الآخر، فيكون المعنى: أن هؤلاء اليهود ليسوا على علم من أمور الدين، وإنما هم في شك منها، وإن الشك لا يغني من الحق شيئاً.
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾:
الويل: الفضيحة والخزي، وقيل: الويل: الهلاك، وهو وارد مورد الدعاء.
و ﴿الْكِتَابَ﴾: ما يكتبونه من أشياء اختلقوها ووضعوها بدلاً مما في التوراة. وقال: ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾؛ ليؤكد أن الكتابة باشروها بأنفسهم، ويدفع توهم أنهم أمروا غيرهم بكتابتها، وأَمْرُ الشخص آخر بكتابة الكتاب، يسيغ نسبة الكتاب إلى ذلك الشخص على وجه المجاز.
﴿ثُمَّ يَقُولُونَ﴾ لأتباعهم الأميين: ﴿هَذَا﴾؛ أي: ما كتبوه بأيديهم ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: من نصوص التوراة التي أنزلها الله على موسى- ﵇، وإنما يقولون ذلك ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾؛ أي: المكتوب المحرف ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. والثمن: عرض الدنيا، وكل عرض يؤخذ في مقابلة وضع الحق مكان الباطل فهو قليل.
﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾:
هذا وعيد لهم مرتب على كتابة الكتاب المحرَّف؛ أي: خزي وهلاك لهم على ما فعلوا من تحريف الكتاب.
стр. 178
﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾:
الكسب: اجتلاب النفع أو الضرر، وهو المراد من الآية. وهذا وعيد على أخذهم الأموال من الأتباع المقلدين لهم بغير حق. والآية تدل على تحريم أخذ المال بالباطل؛ كالرشوة، وإن أخذها برضا المعطي.
* * *
стр. 179
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [البقرة: ٨٠ - ٨٣].
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾:
الضمير في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا﴾ عائد إلى الذين يكتبون الكتاب المشار إليهم في الآية السابقة بقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. والمس: الإصابة. ووصف الأيام بقولهم: ﴿مَعْدُودَةً﴾ كناية عن قلتها، يقال: شيء معدود؛ أي: قليل، وشيء غير معدود؛ أي: كثير. وروي عن اليهود - فيما يزعمون -: أنهم سيعذبون سبعة أيام، أو أربعين يوماً، ثم ينقطع عنهم العذاب. والمعنى: وقال أولئك الذين يكتبون الكتاب بأيديهم من اليهود: لن تصيبنا النار إلا أياماً قلائل.
стр. 180
وبهذا يجمعون إلى تبديل كتاب الله، وأخذِهم به المال الحرام، وافترائهم بأن هذا الذي كتبوه من عند الله، جريمةً أخرى هي الإخبار على وجه الكذب البحت بأنهم لا يقيمون في النار إلا أياماً معدودة.
﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾:
أمر الله تعالى في هذه الآية نبيه الكريم بأن يرد على اليهود دعواهم الكاذبة؛ إذ زعموا أنهم لا يعذبون إلا أياماً قليلة، فقال تعالى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ﴾ والاستفهام في قوله: ﴿أَتَّخَذْتُمْ﴾ للإنكار. والعهد: الوعد. وإخلافه: عدم الإيفاء بالشيء الموعود به. والمعنى: قل يا محمد منكراً على اليهود ورادّاً عليهم تلك الدعوى المزعومة: أتقدَّمَ لكم من الله وعدٌ بذلك حتى يكون الإيفاء بهذا الوعد متحققاً؟ فإن إخلاف الوعد يجعل الوعد كذباً، والله تعالى منزه عن أن يقول ما ليس بحق.
والإنكار متوجه إلى زعمهم أن النار لا تمسهم أكثر من أيام معدودة.
﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾:
هذا معطوف على قوله تعالى: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾، وكأنه يقول: أيُّ الأمرين واقع: اتخاذكم عند الله عهداً، أم قولكم على الله ما لا تعلمون؟ والواقع هو أنهم يقولون على الله ما لا يعلمون، لا أنهم اتخذوا عند الله عهداً، وإنما أخرج الكلام مخرج التردد فيما هو الواقع؛ لما في أسلوب الاستفهام من ظهور القصد إلى تقريرهم بأنهم قالوا على الله ما لا يعلمون؛ فإنهم لا يستطيعون أن يزعموا أن الله وعدهم بما أخبروا به من أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة، وليس في أيديهم نص من كتابهم يستندون إليه في هذا الإخبار الذي جاؤوا به في صورة الجزم.