← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

إلى عقوبتهم الزاجر: أنهم كانوا يتظاهرون في طعنهم بحال من يريد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقيام دعوة منظمة، لا تهدأ ليلاً ولا نهاراً، تختلق المعايب، وتلصقها بعثمان وعماله، قد تأخذ بأذهان بعض الغافلين عن سريرة أولئك الدعاة، ويتخيلون أن الدعوة لإصلاح أمر الدولة، فيشارك هؤلاء الغافلون ذينك الفريقين في هذه الدعاية، أو يقفون في الأقل موقف الحيادة، فلا غرابة أن تنقل كلمات في نقد سياسة عثمان عن أناس لا يريدون إفساد حال المسلمين، ولا يبتغون إدراك منفعة خاصة قد فاتتهم، وإنما يقولونها عن تأثر بتلك الدعاية المنظمة الدائبة. وربما ذكر المؤرخون أشخاصاً معدودين من الصحابة مثل: عمّار بن ياسر، وعمرو بن العاص، ويقولون: إنهم كانوا يؤلبون على عثمان، ومتى صحّ أصل الرواية، فمن المحتمل أن يكون الذي صدر منهم لا يزيد على إبداء آراء يخالفون بها رأي عثمان في بعض تصرفات الدولة، أو تولية رجال يرونهم غير ذي كفاية لما تقلدوا من الأعمال، فجاء بعض ذوي الأهواء إلى هذا النقد الذي لا تخلو منه دولة، وإن بلغت من الرشد والعدل غايتهما، وسمّاه تأليباً. وقد بلغ الحال بدعاة الفتنة أن يزوّروا رسائل على أنها صدرت من عائشة، وعلي، وطلحة، والزبير في الدعوة إلى خلع عثمان، وبلغ أمر هذه الرسائل إلى هؤلاء الصحابة الأجلاَّء، وتبرؤوا منها، وأنكروا أن تكون صدرت منهم. وبمثل هذه الرسائل المزوّرة كانوا يخضعون الغافلين الذين لا يتثبتون فيما ينقل إليهم من الأنباء.

стр. 1297

والظاهر أن من أسباب سريان هذه الدعاية الخبيثة: كثرة من دخلوا في الإسلام ممن لم تستنر بصائرهم بهداية الدين الحنيف حق الاستنارة، ولم يقدروا أصحاب رسول الله ﷺ حق أقدارهم، يضاف إلى هذا: ما كان عليه عثمان من النبل والحلم والحياء. ثم ما كان يجري عليه عماله من عدم مقابلة الطاعنين فيهم أو في عثمان بالشدة الزاجرة، إما استخفافًا بأمرهم، وإما احتمالًا لهذا المطاعن، ولاسيما مطاعن يتظاهر أصحابها بأنهم يتظلمون، أو يريدون إقامة معروف، أو إزالة منكر. ومن تتبع سيرة الخلفاء الراشدين، أو من جاء بعدهم من الخلفاء العاقلين، وجدهم لا يعاقبون الناس على نقد سياساتهم، وإن ظهر النقد في أقوال جافية، وهذا معاوية يقول: والله! لا أحمل السيف على من لا سيف له، فإن لم يكن من أحدهم إلا كلمة يشتفي بها، جعلت له ذلك دبر أذني. * كيف دبر خلع عثمان أو قتله؟ مما لا نرتاب فيه: أن ليس للصحابة، ولا لأفاضل التابعين سعي في خلع عثمان، ولا دخل في قتله، وإنما المؤتمرون على ذلك هم دعاة الفتنة، واستعانوا بمن تلون بدعايتهم، ونعوّل في هذا على أقوال المحدثين والمحققين من المؤرخين. قال الحافظ أبو بكر العربي في كتاب "القواصم والعواصم": وقد سمّوا من قام على عثمان، فوجدناهم أهل أغراض سوء، حيل بينهم وبينها، وقال: إن أحداً من الصحابة لم يشنع عليه، وقد انتدب المردة الجهلة أن يقولوا: إن كل فاضل من الصحابة كان عليه مشاغباً مؤلباً، وبما جرى عليه

стр. 1298

راضياً، واخترعوا كتبًا فيها فصاحة وأمثال، وادعوا أن عثمان كتب بها إلى علي، وذلك كله مصنوع؛ ليوغروا قلوب المسلمين على السلف الماضين، والخلفاء الراشدين. اجتمع بعض رؤوس الفتنة بالكوفة، وأخذوا يزيدون نارها حطباً، فكتب سعيد بن العاص يشكوهم إلى عثمان، فأمره بارسالهم إلى عبد الرحمن ابن خالد عامل حمص، فوبّخهم خالد، وتوعدهم، فهابوا سطوته، وأظهروا التوبة، وأرسل بهم إلى عثمان متظاهرين بالتوبة، فخيرهم عثمان بالبلاد التي يريدون استيطانها، فاختاروا التفرق، وذهب كل إلى البلد الذي اختاره، ولما سار كل إلى ما اختار، عادوا إلى إيقاد الفتنة وتأليب الجماعة، وتكاتبوا من أمصارهم في القدوم على المدينة، حتى جمعوا أمرهم، وعزموا على خلع عثمان أو قتله، وتوجهوا نحو المدينة، متظاهرين بقصد الحج، وكان على أهل البصرة حكيم بن جبلة، وعلى أهل الكوفة الأشتر النخعي، وعلى أهل مصر عبد الرحمن بن عديس البلوي، فدخلوا المدينة في نحو أريعة آلاف شخص، فاطلع عليهم عثمان من حائط داره، ووعظهم، وذكرهم، فاستشاطوا، ولم تنجع فيهم الموعظة، وأراد الصحابة أن يدفعوهم عنه، فأوعز إليهم عثمان أن لا يقاتل أحد بسببه أبدًا، وثبت أن عبد الرحمن بن الزبير قال لعثمان: إن معك في الدار عصابة مستبصرة، ينصر الله بأقل منها، فأذنْ لنا، فقال: أذى الله رجلاً أراق لي دمًا. وقال سليط بن سليط: نهانا عثمان عن قتالهم، ولو أذن لنا، لضربناهم حتى نخرجهم من أقطارنا. وجاءه زيد بن ثابت، فقال له: إن هؤلاء الأنصار بالباب يقولون: إن شئت كنا أنصار الله مرتين، قال: لا حاجة لي في ذلك، كفوا. وروي: أن عبد الله بن عامر قال: كنت مع عثمان في الدار، فقال لي: اعزم على كل من رأى أن عليه سمعاً وطاعة

стр. 1299

إلا كف يده وسلاحه. ويحدثنا القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب "العارضة"، فيقول: ولقد قتل عثمان، وطالبوه أربعة آلاف، وفي المدينة أربعون ألفاً، كلهم لا يريد قتله، ويريد نصره، ولكنه دفعَ الكلَّ، واستسلم للأمر بالعهد الذي كان عنده، ولم يرض أن يراق بسببه دم، ورضي أن يكون عند الله المظلوم، ولا يكون عند الله الظالم. ولما ضرب أولئك البغاة على عثمان الحصار، كان معه وعلى بابه جماعة من الصحابة وأبناء الصحابة يحرسونه، منهم: زيد بن ثابت، وأبو هريرة، وعبدالله بن عمر، والحسن، والحسين، وعبدالله بن الزبير، ومحمد ابن طلحة، وعبدالله بن عامر، وربما وقعت بينهم وبين الثائرين مدافعة، حتى أصيب الحسن وغيره بجراح. ثم إن هؤلاء الثائرين اقتحموا دار عثمان يريدون قتله. ويذكر المؤرخون في أسماء من باشروا قتله: محمد بن أبي بكر الصديق، ومحمد بن أبي بكر لم يكن من الصحابة؛ لأنه ولد سنة حجة الوداع، وهي السنة التي انتقل عقبها النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى، فكان أيام فتنة عثمان لم يزل في أوائل عهد الشباب. على أن بعض الروايات تقول: إن محمد بن أبي بكر بعد أن دخل على عثمان كلّمه ووعظه، فرجع، ثم دخل سفهاء القوم، فسفكوا دمه الطاهر، وكتاب الله بين يديه، وصعدت روحه الطاهرة إلى مقام كريم. * رد ما ينسب إلى عثمان من الأحداث: يذكر المؤرخون أشياء كان الناقمون على عثمان قد اتخذوها أسباباً

стр. 1300

لثورتهم عليه، ومن هذه الأشياء ما هو مفترى على عثمان قطعاً، ومنها ما لو صحّ، لم يكن موضع إنكار، وإنما هو من قبيل ما يرجع إلى اجتهاد الإمام، ويقع مثله من الخلفاء الراشدين، ومنها ما يعد في حسناته وصالح أعماله. وها نحن هؤلاء نعرض على حضراتكم ما قصه المؤرخون وبعض المحدثين من الأمور التي طعن بها الطاعنون في عثمان، وجعلوها أسباب قيامهم عليه: قالوا: ولَّى عمالاً من ذوي قرابته، وزعموا أنهم ليسوا أهلاً للولاية. وذكروا: معاوية بن أبي سفيان، والوليد بن عقبة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن عامر، ومروان بن الحكم. ويدفع هذا بأن تعيين الولاة يرجع إلى اجتهاد الإمام، وتقوى عثمان، وإخلاصه في سياسة الرعية يجعلنا على ثقة من أنه ولَّى بعض ذوي قرابته بعد أن عرف كفايتهم للأعمال، والمعيب أن يولي قريباً لا يكون كافياً للعمل، أو يؤثره في الولاية، وهو على علم بن غيره أكفى منه، ثم إن معاوية ولّاه الشام عمر بن الخطاب، ولم يزد عثمان على أن أقرّه على الولاية، وكذلك الوليد بن عقبة كان عاملاً لعمر بن الخطاب على الجزيرة، وكان من عثمان أن ولّاه الكوفة، فقدمها وسار في الناس خمس سنين سيرة حسنة، حتى اتهمه جماعة بشرب الخمر، فاستقدمه عثمان، وأقام عليه الحد، وولّى مكانه سعيد بن العاص، وسعيد بن العاص نشأ يتيماً في حجر عثمان، ثم انتقل إلى الشام، وأقام بها عند معاوية، فذكره عمر بن الخطاب يوماً، واستقدمه إلى المدينة، وأكرمه، وكان شريف النفس، سخي اليد، فصيح

стр. 1301

اللسان، لا يختلف اثنان في كفايته للعمل. وأما عبد الله بن عامر بن كريز، فكان ابن خال عثمان، وأمه أمها أم حكيم ابنة عبد المطلب، عمة النبي ﷺ ، وعبد الله بن عامر هذا نشأ في الإسلام نشأة طيبة، وكان معدودًا من نجباء قريش وكرمائهم، ولّاه عثمان عاملاً بالبصرة عند اختلاف أهلها على أبي موسى الأشعري، وكان سن عبد الله بن عامر يومئذ خمساً وعشرين سنة، فقاد الجيوش، وفتح خراسان وسجستان وكرمان، وما زال يطارد كسرى يزدجرد حتى قتل كسرى، وانقرضت على يده الدولة الساسانية، وكان لكرمه وحسن خلقه يحبه الناس. وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فكان عثمان استعمله على الحرب في مصر، وأبقى عمرو بن العاص على الخراج، ثم وقع خلاف بينهما، فاستقدم عثمان عمرو بن العاص، وصارت إمارتا الخراج والحرب إلى عبد الله بن سعد. وذكر ابن عبد البر في كتاب "الاستيعاب" سبباً لعزل عمرو بن العاص، هو أن الإسكندرية انتقضت سنة ٢٥ هـ فافتتحها عمرو بن العاص، وعاملهم معاملة الناقضين للعهد، ولم يصح عند عثمان نقضهم، فعزله، وولى عبد الله ابن سرح، فاعتزل عمرو إلى ناحية بفلسطين، وكان يزور المدينة أحياناً. ويدلكم على أن ولاية عبد الله بن سعد لم تقع موقع الإنكار من الصحابة: أن عثمان أمره بفتح أفريقية، فسار إليها في جيش مؤلف من كثير من الصحابة وأبناء الصحابة، منهم: عبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن جعفر، والحسن، والحسين، وعبد الله ابن عمرو بن العاص.

стр. 1302

وقالوا: عبد الله بن سعد هذا كان قد أسلم، ثم ارتد وعاد إلى مكة، فنقول: عاد إلى الإسلام، وظهر إخلاصه، والتوبة تجبّ ما قبلها. قال أبو بكر بن العربي في كتاب "العارضة": ولّى عثمان عبد الله بن أبي سرح؛ لحسن سيرته، وحميد طريقته، ولهذا فتح الفتوح في بحر المغرب وبره، وغزا معه جماعة من الصحابة وأبناء الصحابة، وأطاعوه، ورضوا عنه. وأما مروان بن الحكم: فكان له عندما توفي رسول الله ﷺ ثمان سنين، وتولى الكتابة لعثمان، وروى الحديث عن عثمان وعلي، والواقع أن مروان قد كثر الطعن فيه، ونرى بعض المحدثين يصفه بما يخفف هذا الطعن، فأبو بكر بن العربي يقول: "فمروان رجل عدل من كبار الأمة عند الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين". وقالوا: رد الحكم إلى المدينة، وقد نفاه النبي ﷺ منها إلى الطائف. ويدفع هذا بأن النبي ﷺ قد أذن قبل وفاته لعثمان في رده، ولما أبلغ عثمان هذا الإذن أبا بكر وعمر، قالا له: إن كان معك شهيد، رددناه، ولما ولي عثمان الخلافة، عمل على مقتضى علمه بأن رسول الله ﷺ قد أذن في رده، وللحاكم أن يعمل على ما يعلم في غير القضاء بين الخصوم. وقالوا: كان عمر يضرب بالدرة، وهو يضرب بالسوط، وضرب عمار ابن ياسر، وابن مسعود، ومنعه عطاءه، وضرب أبا ذر، ونفاه إلى الربذة. وسلك بعض أهل العلم في دفع هذا الإنكار طريقة أن للحاكم أن يؤدب بعض الرعايا بما يراه صلاحاً، ولكن حفاظ الحديث أنكروا هذا الذي يحكيه المؤرخون أشد الإنكار، قال أبو بكر بن العربي في كتاب "العواصم": أما

стр. 1303

ضربه لعمار، وابن مسعود، ومنعه لعطاء بن مسعود، فزور وإفك، وقد اعتذر عن ذلك العلماء بوجوه لا ينبغي أن يشتغل بها؛ لأنها مبنية على باطل، ولا يبنى حق على باطل، ولا يذهب الزمان في مماشاة الجهال، فإن ذلك لا آخر له. وأما قصة أبي ذر، فهو أن أبا ذر كان زاهداً، وكان يعظ عمال عثمان في الزهد، ويتلو عليهم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]، وربما أغلظ لهم القول، فشكاه معاوية إلى عثمان، فاستدعاه إلى المدينة، فاجتمع عليه الناس، فكره ذلك، فقال له عثمان: لو اعتزلت! فخرج إلى الربذة زاهداً فاضلاً، ونزل وراء أجله فضلاء. وقالوا: صعد منبر رسول الله ﷺ ، وعلا على الدرجة التي كان يقف عليها رسول الله ﷺ ، وقد انحط عنها أبو بكر وعمر. ويدفع هذا بأن هذه الرواية غير صحيحة، قال أبو بكر بن العربي في "العواصم": ما سمعت هذا ممن فيه تقية، وإنما هي إشاعة منكر، ليروي ويذكر، ليتغير بها قلب من يتغير. وقالوا: لما طُعن عمر ﵁، قتل عبد الله بن عمر الهرمزان بتهمة أن له يداً في قتل عمر، فلم يُقم عثمان على عبد الله بن عمر حدَّ القصاص. ويدفع بن هذه الواقعة جرت بمرأى من الصحابة وهو متوفرون، فكيف تقع في أول عهد عثمان ويسكتون عنها؟ وإذا أردنا أن نرجع إلى قول المؤرخين، فقد قالوا: إن الهرمزان سعى في قتل عمر، وحمل الخنجر، وظهرت تحت ثيابه، وقالوا: أعطى الخنجر لأبي لؤلؤة، وحرضه على عمر

стр. 1304

حتى قتله. وكان قتل عبد الله له قبل أن يتولى عثمان، ولعل عثمان كان لا يرى على عبد الله حقاً؛ لما ثبت عنده من حال الهرمزان وفعله. ويروى: أن عمرو بن العاص لما أختلف الصحابة في الاقتصاص من عبد الله بن عمر، قال لعثمان: إنما كان هذا الحدث ولا سلطان لك، قال لعثمان: أنا وليّهم، وقد جعلتها دية، وأحتملتها في مالي، وانتهى الخلاف. وقالوا: ابتدع في جمع المصحف، وحرق المصاحف. ويدفع هذا الطعن بأن الله تعالى وعد بحفظ القرآن، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، فكان هذا الحفظ على يد عثمان، فإن عثمان- كما يقول ابن حزم- جمع القرآن في مصحف تحفظ به القراءات المسموعة من النبي ﷺ ، وإنما أحرق المصاحف التي تشتمل على شيء يتوهمه واهم، أو يدسه زنديق. وقالوا: خالف سنة القصر في الصلاة، فصلى بالناس في منى أربم ركعات، وكان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يصلونها ركعتين. وجواب هذأ: أن تلك السنة كثر فيها الأعراب، فخشي أن يسبق إلى أذهانهم أن الصلاة أربم، فقصد إلى تعليمهم أنها أربم. وروى البيهقي: أن عثمان نفسه خطب في منى، فقال: إن القصر سنة رسول الله ﷺ وصاحبيه، ولكنه حدث طَغام، فخفت أن يستنوا، ولعل الذي نبه إلى هذا ما روي من أن أعرابياً ناداه في منى: يا أمير المؤمنين! ما زلت أصليها منذ رأيتك عام أول ركعتين. قال ابن العربي في "العواصم": وأما ترك عثمان للقصر، فاجتهاد؛ إذ سمع أن الناس افتتنوا بالقصر، وفعلوا في منازلهم، فرأى أن السنة ربما

стр. 1305

أدت إلى إسقاط الفرض، فتركها خوف الذريعة. ومما أنكره الثائرون على عثمان: حمايته لأرض كانت للناس عامة، فخصها بإبل الصدقة، واجهوه بهذا الإنكار، فقرؤوا عليه الاية: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ [يونس: ٥٩]، وقالوا له: أرأيت ما حميت من الحمى، آلله أذن لك، أم على الله تفتري؟ فقال: هذه الآية نزلت في كذا وكذا، وأما الحمى، فقد حمى الأئمة قبلي لإبل مصدقة، فلما زادت إبل الصدقة، زدت في الحمى. وثبت في "صحيح البخاري": أن رسول الله ﷺ حمى النقيع، وأن عمر ابن الخطاب حمى السرف، والربذة. وزعموا أنهم لاقوا راكباً خارج المدينة يحمل كتاباً من عثمان إلى عامله بمصر عبد الله بن سعد يأمره فيه بقتل محمد بن أبي بكر، ومن معه من رؤوس هذه الفتنة بعد أن وعظهم وأظهروا التوبة. ويدفع هذا بأنهم ادعوا هذا، وأنكر عثمان أن يكون قد كتب هذا الكتاب، وقال لهم: إما أن تقيموا شاهدين على ذلك، صالا، فيميني أني ما كتبت، ولا أمرت، وقد يكتب على لسان الرجل، ويضرب على خطه، وينقش على خاتمه، فقالوا: تسلم إلينا مروان، فقال: لا أفعل، ولو سلمه، لكان ظالماً، وإنما عليهم أن يطلبوا حقهم عنده على مروان (١). وساق الإمام البخاري في "جامعه" قصة تحتوي شيئاً مما يتلمسه الذين يتنقصون عثمان ﵁، قال: جاء رجل من أهل مصر، وحج البيت، فرأى قوماً

стр. 1306

جلوساً، فقال: من هؤلاء القوم؟ قال: هؤلاء قريش، قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر، قال: يا ابن عمر! إني سائلك عن شيء، فحدثني عنه: هل تعلم أن عثمان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم، فقال: أتعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهدها؟ قال: نعم، قال الرجل: هل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: الله كبر! قال ابن عمر: تعال أبيّنْ لك: أما فراره يوم أحد، فاشهد أن الله عفا عنه، وغفر له. وأما تغيبه عن بدر، فإنه كان تحته بنتُ رسول الله ﷺ ، وكانت مريضة، فقال رسول الله ﷺ : "إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمَه". وأما تغيبه عن بيعة الرضوان، فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان، لبعثه مكانه، وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله ﷺ بيده اليمنى: "هذه يد عثمان"، فضرب بها على يده اليسرى، فقال: "هذه لعثمان". وملخص هذه المحاضرة: أن عثمان ﵁ لم يأت حدثاً منكراً، ولم يرتكب ظلماً ولا إثماً، وأن الصحابة جميعاً بريئون من دمه، وإنما حاول خلعه، أو خان الله في سفك دمه، نفر ليسوا من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا من القوم الذين يريدون الإصلاخ. ولعل محاضرتنا هذه تنبه شبابنا النابتين نباتاً حسناً على أن يتثبتوا فيما يقصه المؤرخون عن أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا سيما الذين صاحبوه أعواماً، ووردت الأخبار الصحيحة أنه توفي وهو عنهم راض.

стр. 1307

موسى بن نُصَير (١) هذه صفحة من حياة قائد عظيم كانت له اليد البيضاء في إنشاء دولة إسلامية رفعت لواء الإسلام في غري أوريا، ومدت فيه ظلال العدل، وبسطت أنوار العلم، والمدنية الباهرة، ذلك هو أبو عبد الرحمن موسى بن نصير فاتح الأندلس. يقول بعض المؤرخين: إن موسى بن نصير من قبيلة لخم، أو من قبيلة بكر بن وائل، وهو عربي صريح؛ وأشهر ما قيل فيه أنه كان مولى لعبد العزيز ابن مروان. نشأ موسى بن نصير في وادي القرى بالحجاز، وخدم بني مروان بدمشق، وتنبه شأنه فقلدوه أعمالاً في ممالكهم. ويروى: أن أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان لما ابتنى بها الوليد كانت ترفع عنده مكانه موسى بن نصير حتى بلغ ما سنحدثك عنه بتلخيص وإيجاز: كان موسى بن نصير من التابعين، وولد في خلافة عمر بن الخطاب سنة ١٩ هـ، وأخذ عن بعض الصحابة؛ كتميم الداري، وكان والده نُصير

стр. 1308

على حرس معاوية بن أبي سفيان، وله عنده مكانة، ولكنه امتنع من أن يدخل معه في حرب علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه -. عهد الوليد بن عبد الملك إلى موسى بن نصير بولاية بلاد المغرب سنة ٨٨ أو ٨٩، فنزل القيروان، وخرج غازياً يقص أثر البربر لا يدافعه أحد حتى بلغ "طنجة"، ودان له سائر البربر بالطاعة، فاستعمل على طنجة وأعمالها طارق بن زياد، وقفل راجعاً إلى القيروان. ولما استتب له الأمر بالمغرب، استأذن الخليفة في غزو الأندلس، فأذن له، وبعث إلى طارق، فامره بغزوها، فعبر طارق البحر، ونزل بالجبل الذي سمي من بعد: "جبل طارق"، وانساب إلى أرض الأندلس بجيش مؤلف من اثني عشر ألف مقاتل، ففتح جانباً عظيماً من البلاد، وأبلغ موسى ما لاقاه، فلم يرتح موسى لإفراد طارق بفضل هذا الفتح الباهر، فحفزته الغيرة إلى أن تكون القيادة العملية بيده، فكتب إلى طارق يأمره بأن لا يتجاوز المكان الذي يصل إليه الكتاب فيه؛ حتى يلحق به، ولكن طارقاً استشار قواد الجيش، فأشاروا بمواصلة الغزو خشية أن يجد جماعات المنهزمين من الأعداء فرصة التجمع والاتحاد ثم الكر على المسلمين، فأخذ طارق برأيهم، ومضى في سبيله، ثم قدم موسى في جيش ضخم سنة ٩٣، واشتد في توبيخ طارق إذ خالف ما أمره به من وقف الجهاد، بل قال بعض المؤرخين: إنه عزله عن قيادة الجيش، واعتقله مع وضوح عذره، ثم اصطلح القائدان، وأقبلا على الجهاد، وأمعنا في الفتح، وكان النصر حليفهما في كل واقعة، فلم يعارضهما أحد إلا بطلب صلح. ولما نجح موسى في غزو الأندلس، طمحت همته إلى مواصلة الغزو

стр. 1309

حتى يتوغل في أحشاء أوروبا، وينفذ منها إلى القسطنطينية "الآستانة" حتى يصل إلى الشام. وانتهى خبر هذا إلى الخليفة، فرأى أن ما همّ به موسى غرر بالمسلمين، فبعث ينكر عليه هذا الاتجاه، ويستدعيه وطارقًا إلى دار الخلافة، فأقام موسى ابنه عبد العزيز حكماً بالأندلس، ودخل الشرق سنة ٩٥ يصحبه طارق، فوصلا إلى الشام. وها هنا يذكر المؤرخون: أن الوليد طرأ عليه مرض ثقيل، ولما علم سليمان بن عبد الملك وليُّ عهده بقرب وصول موسى، أراد تأخير الاحتفال بقدوم فاتح الأندلس إلى أول خلافته حتى يكون له فخر هذا الفتح، فكتب إلى موسى يأمره بن يؤخر قدومه إلى دمشق أياماً، ووافاه الكتاب وهو في طبرية فلسطين، فلم يعمل به، ودخل دمشق في حياة الوليد. ولما مات الوليد، نكبه سليمان؛ لمخالفته أمره بالمسارعة في دخول دمشق. ويذكر بعض المؤرخين: أن موسى بن نصير قدم على سليمان حين استخلف، وإنما نكبه؛ لأن طارقاً سبق بالشكاية منه إلى سليمان، ورماه بجولان يده في بعض الغنائم، فوجد سليمان ضغينًا عليه، واستقبله بالتأنيب، وعزله عن جميع أعماله. وها هنا روايات في وصف نكبته لا تخلو من مبالغة فيما يظهر، ومن بين هذه الروايات: رواية قد ياخذ منها أن سليمان لم يتجاوز توبيخه وعزله عن جميع الأعمال، فقد جاء في "تاريخ ابن خلكان" ما يأتي: "ولما وصل موسى إلى الشام، ومات الوليد بن عبد الملك، وقام من بعده سليمان، وحج في سنة ٩٧ للهجرة، حج معه موسى بن نصير، ومات في الطريق بوادي القرى، وقيل: بمر الظهران، على اختلاف فيه".

стр. 1310

ثبَّت موسى بن نصير دعائم الإسلام في بلاد المغرب، وكان يقصد من فتوحه نشر الدعوة الإسلامية، لا بسط سلطان الدولة وحده؛ إذ ورد في أعماله الماجدة: أنه كان يخصص رجالًا من العرب متفقهين في الدين لتعليم البربر القرآن وفرائض الصلاة، كما فعل عمر بن عبد العزيز ﵁ من قبله. وكان موسى بن نصير معروفاً بالحزم واليقظة والدهاء، وقد شهد له بهذا عظيم من عظماء الدولة الأموية، وهو يزيد بن المهلب، يروى في سيرة موسى بن نصير: أنه لما تنكر له سليمان بن عبد الملك، لاذ بيزيد بن المهلب لمكانته من سليمان، وطلب منه أن يكلمه في شأنه، فقال له يزيد: لم أزل أسمع عنك أنك من أعقل الناس، وأعرفهم بمكايد الحروب، ومداراة الدنيا، فكيف حصلت في يد هذا الرجل بعد ما ملكت الأندلس، وألقيت بينك وبين هؤلاء القوم البحر الزخار؟ فقال له موسى: يا ابن الكرام! ليس هذا وقت تعديد. أما سمعت: "إذا جاء الحين، غطى على العين"؟ كان موسى بن نصير ثاقب الفكر في وجوه السياسة الدولية والحربية، ويكفي شاهداً على هذا: أنه ولي أمر ما وراء مصر إلى البحر المحيط، فأحكم تدبير شؤونه، وأخضع قبائل البربر، وفتح معظم بلاد الأندلس، ولم يهزم له جيش قط. وكان ﵀ فصيحاً بليغاً. قال صاحب "نفح الطيب": "أما معارفه الأدبية، فقد جاءت عنه بلاغة في النثر والنظم تدخله مع نزارتها في أصحاب دار الكلام". وكان عامر القلب بإجلال الخالق- جل شأنه -, ما وقع قحط شديد

стр. 1311

بالمغرب، فأمر الناس بالصوم والصلاة وإصلاح ذات البين، وخرج بهم إلى الصحراء لصلاة الاستسقاء، وخطبهم، فقيل له: ألا تدعو لأمير المؤمنين الوليد؟ فقال: هذا مقام لا يذكر فيه غير الله!. حفظ التاريخ لموسى بن نصير مقابلته لِما قام به طارق من الفتح بشيء من الجفاء، ولكن ما حفظه له من الهمم الشامخة، والأعمال الفاخرة، يغطي على تلك الهفوة، ولا سيما هفوة جاءت في طريق طموحه إلى وضع لبنات جديدة في بناء مجده الأثيل. وإذا كان سليمان بن عبد الملك قابل هذا القائد العظيم بجفاء واضطهاد، فإن قلوب الأمة - على اختلاف طبقاتها - قد امتلأت بإكباره، والبطل الهمام من يرتاح لرضا الأمة أكثر من إقبال الدولة.

стр. 1312

علي زين العابدين (١) * نسبه: هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃، وأمه سلامة بنت يزدجر آخر ملوك الفرس، ذلك أن سبي فارس لما أتي به إلى المدينة في خلافة عمر ﵁، وكان في هذا السبي ثلاث بنات ليزدجرد، صارت إحداهن إلى عبد اللُّه بن عمر، وهي أم ابنه سالم، وصارت الثانية إلى محمد ابن أبي بكر الصديق، وهي أم ولده القاسم أحد الفقهاء السبعة، وصارت ثالثتهن إلى الحسين بن علي، وهي أم ولده علي زين العابدين ﵁ (٢). * مولده: ولد زين العابدين سنة ثمان أو سبع وثلاثين بالكوفة، فكانت ولادته قبل وفاة علي - كرم الله وجهه - بنحو ثلاث سنين.

стр. 1313

* روايته للحديث: روى علي زين العابدين الحديث عن أبيه الحسين، وابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة، وصفية بنت حمي، وأم سلمة، وغير هؤلاء، وروى عنه طاوس بن كيسان، وهو من أقرانه، والزهري، وغيره، وقال أبو بكر بن شيبة: أصح الأسانيد: الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي بن أبي طالب. * فقهه: قال الزهري: ما رأيت أحداً أفقه من علي بن الحسين، ولكنه كان قليل الحديث. * تقواه وورعه: قال سعيد بن المسيب: ما رأيت أورع من علي بن الحسين، وقال مالك ابن أنس: لقد أحرم علي بن الحسين، فلما أراد أن يقول: لبيك، قالها، فأغمي عليه حتى سقط من أعلى ناقته. وروي أنه قال: أخشى أن أقول: لبيك، فيقول: لا لبيك. وقال مالك: إنه كان يصلي في كل يوم وليلة مئات الركعات إلى أن مات. وسمي زين العابدين؛ لكثرة عبادته، ولم يكن هذا اللقب من الألقاب التي يعطيها الآباء والأمهات لأبنائهم عند ولادتهم، فيسمونه زين العابدين، فيعيش وهو تارك الصلاة، أو ناصر الدين، وهو كبر معول لتقويض أركانه. * سخاؤه وكرمه: قال علي بن الحسين: إني لأستحي الله أن أرى الأخ من إخواني، فأسأل الله له الجنة، وأبخل عليه بالدنيا. ويروى: أنه قاسم الله ماله مرتين.

стр. 1314

* إخفاؤه الصدقات: قال محمد بن إسحاق: كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم، فلما مات علي بن الحسين، فقدوا ما كانوا يؤتون به من الليل. وقال جرير بن المغيرة: كان علي بن الحسين يُبخَّل "ينسب إلى البخل"، فلما مات، وجدوه يعول مئة أهل بيت بالمدينة، وكان ﵁ يحمل جراب الخبز على ظهره، فيتصدق به، ويقول: إن صدقة الليل تطفئ غضب الرب. * تعففه وزهده: روى نافع عن علي بن الحسين: أنه قال: ما أكلت بقرابتي من رسول الله ﷺ شيئاً قط. وقال جويرة بن أسماء: ما أكل علي بن الحسين بقرابته من رسول الله ﷺ درهمًا قط؛ أي: أنه لا يتوسل إلى التحصيل على مال بقرابته إلى النبي ﵊. * بره بأمه: قيل لعلي بن الحسين: إنك أبر الناس بأمك، ولسنا نراك تأكل معها في صحفة! فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما تسبق إليه عينها، فأكون قد عققتها. وكثير من الناس غافلون عن حقوق الأمهات، وناسون لما كابدته أمهاتهم في حملهم ووضعهم وتربيتهم من المشاق. * إجلاله للشيخين: قال مالك: قال نافع بن جبير بن مطعم لعلي بن الحسين: إنك تجالس أقوامًا، كيف كانت منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله ﷺ ؟ فأشار بيده إلى قبريهما، وقال: منزلتهما منه الساعة؛ أي: إن منزلتهما في حياته من القرب

стр. 1315

هي منزلتهما منه الآن، وكذلك كان الأئمة من آل البيت يجلون الشيخين، ويقدرونهما قدرهما. * تواضعه: قال مالك: قال نافع بن جبير بن مطعم لعلي بن الحسين: إنك تجالس أقواماً دوناً، فقال: إني أجالس من أنتفع بمجالسته في ديني. * كراهته في المبالغة في الثناء عليه: جاء قوم عليَّ بن الحسين، فأثنوا عليه، فقال: ما أكذبكم وأجرأكم على الله! نحن من صالحي قومنا، وحسبنا أن نكون من صالحي قومنا. وقد شاع بين الناس اليوم الغلو في مديح ذوي الوجاهة أو المال، حتى إن من لم يمدح، أو وقف في مدحه عند الحقيقة، عدّوه جافياً، وغير عارف بآداب مجالسة من يسمونهم: الكبراء من الناس. * حلمه: استطال رجل على زين العابدين، فأغضى عنه، فقال له الرجل: إياك أعني، فقال له زين العابدين: وعنك أغضي. وتكلم فيه رجل افترى عليه، فقال له: إن كنتُ كما قلتَ، فأستغفر الله، وإن لم أكن كما قلتَ، فالله يغفر لك. * نجدته: عندما قام أهل المدينة على يزيد بن معاوية، وأخرجوا من كان في المدينة من بني أمية، وكان من بينهم مروان بن الحكم، طلب مروان من بعض رجال المدينة أن يضموا إليه أهله وثقله، ففعل، ووجههم زين العابدين إلى الطائف، ومعهم ابناه: عبد الله، ومحمد.

стр. 1316

* فضله: قال الزهري: ما رأيت قرشياً أفضل من علي بن الحسين. وقال مالك: لم يكن في أهل بيت رسول الله ﷺ مثل علي بن الحسين. وقال علي بن هاشم: ما رأيت هاشمياً أفضل منه. * حكمه ومواعظه: قال زين العابدين لابنه وهو يعظه: يا بني! اصبر على النائبة، ولا تتعرض للحقوق، ولا تجب أخاك إلى شيء ضرره أعظم من منفعته له. وقال: الناس من بين مغمور بالجهل، ومفتون بالعجب، ومعدول بالهوى عن التثبت، ومصروف بسوء العادة عن تفضيل التعلم. وقال: إن لله عباداً عبدوه رهبة، فتلك عبادة العبيد، وآخرين عبدوه رغبة، فتلك عبادة التجار، وآخرين عبدوه شكراً، فتلك عبادة الأحرار. * شعره: يروى أن أخاه الحسن ﵁ عاتبه في امرأته، فقال: لعمرك إنني لأحب داراً ... تحل بها سكينة والرباب أحبهما وأبذل كل مالي ... وليس للائمي عندي عتاب ونسب إليه الجاحظ ما يأتي: الموت خير من ركوب العار ... والعار خير من دخول النار والله من هذا وهذا جاري * وفاته ﵁: توفي علي زين العابدين بالمدينة المنورة سنة اثنتين، أو أربع وتسعين،

стр. 1317

ودفن بالبقيع في قبر عمه الحسن بن علي في القبة التي بها قبر العباس ﵁، وأولاد علي زين العابدين: عبد الله، ومحمد، وزيد، وليس للحسين عقب إلا من ولده علي زين العابدين. هذه صحيفة من سيرة رجل من عظماء آل البيت نعرضها على حضراتكم، وفي سيرة العظماء عبرة وأسوة لأولي الألباب.

стр. 1318

محمد الباقر وزيد (١) اقترحت عليَّ لجنة المحاضرات لشركة السيارات الشرقية والدقهلية في هذه السنة إلقاء كلمة في موضوع يتصل بسيدنا الحسين، فبدا لي أن أجعلها في الحديث عن حفيديه: محمد، وزيد ابني اعلي زين العابدين بن الحسين، وفي سيرة العظماء عبرة لمن يريد أن يكون عظيماً في علمه، أو في شرفه وسمو هممه، أو في المسارعة إلى عمل الخير ما استطاع. * محمد الباقر: هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأمه أم عبد الله بنت الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فنسبه من جهتي أبيه وأمه يتصل بعلي بن أبي طالب، وفاطمة الزهراء بنتِ رسول الله ﷺ . ولد محمد في المدينة المنورة في صفر سنة ست أو سبع وخمسين، وتلقى الحديث وعلوم الدين عن أبيه علي زين العابدين، وجديه الحسن والحسين، وعم أبيه محمد بن الحنفية، وروى الحديث عن ابن عمر، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وأنس، وسعيد بن المسيب. وهو معدود في صفوة المحدثين الصادقين فيما يروون، قال ابن سعد:

стр. 1319

كان محمد ثقة كثير الحديث، وقال العجلي: محمد تابعي ثقة. وكان محمد الباقر معدوداً من كبار الفقهاء، قال صاحب "الإرشاد": لم يظهر عن أحد من ولد الحسن والحسين من علم الدين والسنن، وعلم القرآن، والسير، وفنون الأدب ما ظهر عن أبي جعفر الباقر. وذكره الإمام النسائي في فقهاء أهل المدينة من التابعين. وقال عبد الله بن عطاء: ما رأيت العلماء عند أحد أصغر منهم علماً عند الباقر. ولقب بالباقر من قولهم: بقر العلم: أوسعه، قال صاحب "القاموس": والباقر محمد بن علي بن الحسين ﵁؛ لتبحره في العلم. وفيه يقول الشاعر: يا باقر العلم لأهل التقى ... وخير من لبى على الأجبل وقال مالك بن أعين الجهني يمدحه: إذا طلبت الناس علم القرآ ... ن كانت قريش عليه عيالا وتلقى عن الباقر الحديث جماعة من كبار أئمة الحديث، مثل: الإمام الزهري، والإمام الأوزاعي، وربيعة، وابن جريج، وعمر بن دينار. وللباقر بعد منزلة الفقه والعلم منزلة فائقة في الفضل والاجتهاد في العبادة، والدعوة إلى الله. قال محمد بن المنكدر: ما رأيت أحداً يفضل علي ابن الحسين، حتى رأيت ابنه محمداً؛ أردت أن أعظه، فوعظني. وللباقر مواعظ بالغة، وحكم رائعة، ومن هذه المواعظ والحكم قوله لابنه: "إياك والكسل والضجرة فإنهما مفتاح كل خبيثة، فإنك إذا كسلت، لم تؤد حقاً، وإن ضجرت، لم تصبر على حق". وقوله: "أشد الإيمان ثلاثة:

стр. 1320

ذكر الله على كل حال، وإنصافك من نفسك، ومواساة الأخ في المال". وقوله: "ما دخل قلب عبد شيء من الكبر إلا نقص من جمقله بقدره، أو أكثر منه". وقوله: "ليس الأخ أخًا يرعاك غنياً، ويتركك فقيراً". وقوله: "الغنى والعز يجولان في قلب المؤمن، فإذا وصلا إلى مكان فيه التوكل، أوطناه". ومن حكم الباقر: "اعوف المودة في قلب أخيك مما له في قلبك". وإلى معنى هذه الحكمة يشير قول الشاعر: سلوا عن مودات الرجال قلوبكم ... فتلك شهود لم تكن تقبل الرشا ولا تسألوا عنها العيون فربما ... أقرت بشيء لم يكن داخل الحشا وكان محمد الباقر يحترم الشيخين أبا بكر وعمر، ويعترف بإمامتهما. قال سالم أبو حفصة: سألت أبا جعفر عن أبي بكر وعمر، فقال لي: يا سالم! تولهما، وأبرأ من عدوهما؛ فإنهما كانا إمامي هدى. وروى عنه أنه قال: ما أدركت أحداً من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما. وروى عنه أنه قال: من لم يعرف فضل أبي بكر وعمر، فقد جهل السنة. وتوفى الباقر سنة ١١٣ ﵀ بالحميمة، وهي قرية بصقع الشام في طريق المدينة، ونقل إلى المدينة، ودفنه بالبقيع في القبر الذي دفن فيه أبوه زين العابدين، وعم أبيه الحسن بن علي. ومحمد الباقر هو الإمام الخامس من الأئمة الاثني عشر الذين هم موضع عقيدة الشيعة الإمامية، وبهذا سمو: الاثني عشرية، وهؤلاء الأئمة هم علي بن أبي طالب، والحسن، والحسين، وعلي زين العابدين، ومحمد الباقر، وجعفر الصادق، وموسى الكاظم، وعلي الرضا، ومحمد الجواد، وعلي الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن العسكري،

стр. 1321

وهذا الإمام الأخير في مذهب الشيعة هو المهدي المنتظر. وهناك طائفة من الشيعة يقال لهم: الباقرية يقولون: الإمامة انتقلت من علي بن أبي طالب وأولاده إلى محمد الباقر، وانتهت الإمامة عنده، وإنه لم يمت، ولكنه غائب، وهو المهدي المنتظر. وأهل السنة يعتقدون في هؤلاء الأئمة العلم والتقوى، ولكنهم لا يعتقدون كما يعتقد بعض الفرق أنهم معصومون عن جميع الذنوب وسائر النقائص، إلى ما يتبع هذا من الآراء. * زيد بن علي: نسب زيد بن علي من جهة أبيه هو نسب أخيه محمد الباقر، وأما نسبه من جهة الأم، فإن زيدًا أمه كانت أم ولد؛ أي: أمة، ولم يقصر به ذلك عن أن يكون في أعلى مرتبة من الفضل، قال له هشام بن عبد الملك: أنت الذي تنازعك نفسك في الخلافة، وأنت ابن أمة؟! فقال: يا أمير المؤمنين! إن لك جوابًا إن أحببت أجبتك به، وإن أحببت أمسكت عنك، قال: لا، بل أجب، قال: إن الأمهات لا يقنعون بالرجال عن الغايات، وقد كانت أم إسماعيل أمة لأم إسحاق، فلم يمنعه ذلك أن ابتعثه الله نبيًا، وجعله للعرب أبًا، وأخرج من صلبه خير البشر محمداً ﷺ ، فتقول لي كذا، وأنا ابن فاطمة، وابن علي!. ولد زيد بالمدينة سنة ٧٥، فيكون أصغر سناً من أخيه الباقر بنحو تسع عشرة سنة، وهنالك نشأ، وكانت المدينة لذلك العهد زاخرة بعلوم الشريعة، وفي ذلك العهد ظهر كثير من أعاظم الفقهاء، مثل: سعيد بن المسيب، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وعروة بن الزبير، وسالم بن عبد الله بن عمر،

стр. 1322

والقاسم بن محمد، وخارجة، وكان هؤلاء الفقهاء من العلماء الواقفين على أسرار الشريعة، لا تأخذهم في الحق لومة لائم، ولم يؤثر عن أحد منهم أن أفتى في شرع الله بما يوافق هوى السياسة؛ رهبة من سطوتها، أو طمعًا في الوجاهة لدى أربابها، فيكون زيد بن علي قد شب في بيئة علمية تغمرها الآداب الرفيعة، وتنبت فيها الأعمال الصالحة نباتًا حسنًا. وكان زيد من كبار المحدثين، فقد روى عن أبيه زين العابدين، وأخيه محمد الباقر، وعن عروة بن الزبير، وعبد الله بن رافع، وغيرهم من أجلة التابعين. وهو معدود في مرتبة المحدثين الصادقين فيما يروون، وقد روى عنه جماعة من أئمة الحديث، مثل: الزهري، وشعبة، والأعمش، وابن أبي الزناد. وكان زيد فقيهاً مجتهداً، ولقيه الإمام أبو حنيفة، وأخذ عنه، وأثنى عليه. وكان زيد يقول الشعر، ومن شعره الأبيات التي أرسلها إلى هشام بن عبد الملك بعد ذلك المجلس الذي قال له فيه: أتترصد للخلافة، وأنت ابن أمة؟! وهي: مهلاً بني عمنا عن نحت أثلتنا ... سيروا رويداً كما كنتم تسيرونا لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم ... وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا فالله يعلم أنا لا نحبكم ... ولا نلومكم ألا تحبونا وكان زيد - مع رسوخه في علوم الشريعة - تسمو به همته إلى تولي الخلافة؛ إذ كان ينكر على هشام سوء سياسته، ويراها شراً من سياسة يزيد، ويروى أنه - أي: زيداً - دخل مسجد رسول الله ﷺ في يوم حار، فرأى سعد

стр. 1323

ابن إبراهيم في جماعة من القرشيين، فحادثهم في سياسة هشام، حتى قال لهم: "وأنا أشهد أن يزيد ليس شراً من هشام، فما لكم! "، ولما انصرف، قال سعد لأصحابه: مدة حياة هذا قصيرة. وشعر هشام من زيد هذا الطموح، مضافاً إلى عبقرية زيد، واستجماعه لخصال الفضل، وكان زيد بالكوفة، فأرسل هشام إلى عامله على الكوفة، وهو يوسف بن عمر النقعي، يأمره بن يوجه زيداً إلى الحجاز، فغادر زيد الكوفة إلى الحجاز، ولما بلغ "العزيب" لحقته الشيعة، وأخبروه أن الناس مجمعة عليه، ولم يزالوا يلحفون عليه حتى رجع، وأقام بالكوفة سنة يبايعه الناس على الخلافة خفية، وبايعه جماعة من أعلام الفقهاء، مثل: منصور بن المغنمي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وابن شبرمة، وغيرهم، ويقال: إن أبا حنيفة ﵁ أرسل إليه ثلاثين ألف درهم، وحث الناس على مناصرته. وظهر زيد معلناً أمره في محرم سنة إحدى أو اثنتين وعشرين ومئة، ونشبت الحرب بينه وبين يوسف بن عمر عامل هشام على الكوفة، ولم تدم الحرب أكثر من ثلاثة أيام، وأدرك الفشل أتباع زيد، فتفرقوا عنه، وكانت العاقبة أن أصاب زيداً سهم في جبهته، فحمله أصحابه، ومات من هذه الإصابة كريماً شهيداً - تغمده الله برحمته -، وكان يتمثل يوم قتل بقول القائل: أذل الحياة وعز الممات ... وكلاً أراه طعاماً وبيلا فإن كان لا بد من واحد ... فسيروا إلى الموت سيراً جميلا وصُلب زيد بعد موته حيناً، وإليه يشير أبو الحسن محمد بن عمران الأنباري بقوله من القصيدة التي رثى بها الوزير ابن بقية، وقد صلب هذا

стр. 1324

الوزير أيضاً بعد قتله: ركبت مطية من قبل زيد ... علاها في السنين الماضيات وتلك فضيلة فيها تأس ... تباعد عنك تعيير العدات ولم أرقبل جذعك قط جذعاً ... تمكن من عناق المكرمات * احترام زيد للشيخين أبي بكر وعمر: لما أخذ الناس يبايعون زيداً بالخلافة، جاءته طائفة يطلبون منه أن يتبرأ من أبي بكر وعمر، فقال: لا، بل أتبرأ ممن تبرأ منهما، فقالوا: إذاً نرفضك، فسموا: رافضة، وسميت شيعته: زيدية. فزيد بن علي هو الذي ينيسب إليه من فرق الشيعة فرقة الزيدية، ومذهبهم قائم على صحة إمامة الشيخين أبي بكر وعمر، واحترامهما، ولكنهم يقولون: إن علي بن أبي طالب أفضل منهما، وأحق بالخلافة، وزعيم الزيدية اليوم هو الإمام يحيى ملك اليمن. ونحن نوافق الزيدية في الاعتقاد بفضل زيد وعلمه وجلالة قدره، ولكننا نعتقد أن أبا بكر وعمر قد توليا الخلافة بحق، كما أن الإمام علي بن أبي طالب قد تولاها بعد عثمان بحق. * مقارنة بين الاخوان: كان كل من حفيدي الحسين عظيماً في علمه، عظيماً في خلقه، عظيماً في تقواه، ولكن محمداً كان يميل إلى السلم، ويصبر نفسه على السكون في ظروف يرى فيها بعض ما يكره، وقد ذكروا في سيرته: أنه كان يعرض عن الجدل والخصومات، فمعظم فضله في الانقطاع للعلم، والتزود من الأعمال الصالحة، أما زيد، فكان - مع علمه وتقواه - يخاطر بنفسه، ويأخذ

стр. 1325

بالصراحة في أقواله، ولا يتباطأ عن مناهضة من يراهم على فساد، وقد رأيتم كيف كان يخاطب هشام بن عبد الملك بالكلمات اللاذعة، وكيف كان يطمح إلى أن يكون له سلطان يبتغيه وسيلة إلى إصلاح حال الأمة، وإعادة ما ضاع على أيدي بعض أمراء بني أمية من العدل. فنحن لا نلوم الباقر على عدم تعرضه لأمر السياسة، فقد يكون الباقر قد عرف أنه لا يصل بمناهضتها إلى عاقبة راضية، ولا ننكر على زيد مخاطرته في سبيل الإصلاح إذا أخذ بالعزيمة، وإذا قال بعض الناس: ليس المخاطر بمحمود وإن سلم، وجد من يقول له: ليس المخاطر في سبيل الإصلاح بمذموم وإن لم يسلم.

стр. 1326

نظرةٌ في حياة عمر بن عبد العزيز (١) إن من الأسباب التي جعلت كثيراً من شبابنا يسرفون في إكبار رجال أوربا، ولا يرفعون رؤوسهم فخراً بعظماء الشرق: أنهم لم يدرسوا تاريخ عظمائنا بعناية وروية وإنصاف. وذلك ما دعا رجال جمعية الهداية الإسلامية إلى أن توجه همتها إلى إلقاء محاضرات في إحياء ذكر رجال نبغوا في العلم، أو برعوا في السياسة، أو كانوا مُثلاً كاملة في الأخلاق والآداب. ومن الرجال الذين لا يسمح بهم الدهر إلا قليلاً: عمر بن عبد العزيز ﵁، ومحاضرتنا الليلة في مقتبسات من سيرته الغراء. * تمهيد: التحق الرسول الأعظم - صلوات الله عليه - بالرفيق الأعلى وقد بلّغ للناس شريعة سمحة، وأقام للدولة الإسلامية أساساً محكماً، فقام بالأمر بعده الخلفاء الراشدون، فساروا على أثره في الزهد، والعدل في السياسة، وإيثار الحق على الخلق، صاعلاء كلمة الله بكل ما لديهم من قوة، ثم ولي

стр. 1327

بعدهم رجال فقدت معهم الخلافة شيئاً مما كانت تعهده في أولئك الخلفاء الراشدين من الزهد في الدنيا، والاستقامة على ما أمر الله في كل حال، وشعر الناس بفرق جليّ بين عهد الخلافة الرشيدة، والخلافة التي أخذت بعض أساليب الملك المكروهة، وما زالت هذه الأساليب الخاطئة تتزايد حتى كادت تذهب بمعظم ما أرشد إليه الإسلام من عدل وحرية ومساواة. وربما وقع في بعض الأوهام أن القسوة وأبهة الملك اللتين ظهر بهما بعض الخلفاء، أو بعض وزرائهم، أو عمالهم أمر يقتضيه حال الناس، وما طرأ على أخلاقهم من فساد، ويسوقون على هذا أنه قيل للحجاج: لم لا تكون كعمر بن الخطاب؟ فقال: تبذَّروا، أتعمّرْ لكم؛ "أي: كونوا كأبي ذر الغفاري، كن لكم كعمر بن الخطاب". وقد أظهر الله في خلال ذلك العهد - الذي صارت فيه الخلافة إلى ملك عضوض - فتى دل بسيرته الماجدة الفاخرة على أن في استطاعة كل أمير نير البصيرة، طيب السريرة أن يقيم الشريعة، ويبسط ظلال العدل، ويرفع راية العلم، ويعمر السبل بالأمن، ويجعل الناس في نعيم من العيش، وإن وجد الأهواء في تشعب، والقلوب في تفرق، والأخلاق في فساد، وذلك الفتى هو عمر بن عبد العزيز. * نسب عمر بن عبد العزيز: هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وفي عبد مناف يلتقي نسبه بنسب رسول الله ﷺ ، وجدُّه مروان بن الحكم هو الذي جلس على عرش الخلافة بعد وفاة معاوية بن يزيد ابن معاوية سنة ٦٤، وتوفي سنة ٦٥ بعد أن عهد بالخلافة إلى ابنه عبد الملك.

стр. 1328

ووالد عمر، وهو عبد العزلز بن مروان، كان مروان قد استعمله على مصر سنة ٦٥، وبقي في ولايتها إلى أن توفي سنة ٨٥. وأما أمه، فهي أم عاصم ينت عاصم بن عمر بن الخطاب ﵁. * نشأته: ولد عمر بن عبد العزيز سنة ٦١ هجرية بالمدينة المنورة (١)، وشبَّ في نعيم ورفاهية من العيش، فقد كان أبوه عبد العزيز أميراً على مصر، وعمه عبد الملك تخفق راية خلافته في الشرق والغرب. حفظ القرآن الكريم، وتلقى علوم الدين من أفاضل الصحابة، مثل: عبادة بن الصامت، وعم أمه عبد الله بن عمر، ثم عن أفاضل التابعين؛ مثل: سعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وروى عن عبيد الله هذا أكثر مما روى عن غيره من أهل العلم، ومن شعر عبيد الله يخاطب عمر ابن عبد العزيز: أينْ لي، فكن مثلي أو ابتغ صاحباً ... كمثلك إني مبتغ صاحباً مثلي عزيرٌ إخائي، لاينال مودتي ... من القوم إلا مسلم كامل العقل وما يلبث الإخوان أن يتفوقوا ... إذا لم يؤلف زوج شكل إلى شكل وضم إلى علوم الدين علوم اللغة العربية وآدابها، قال ﵁: لقد رأيتني وأنا بالمدينة غلام مع الغلمان، ثم تاقت نفسي إلى العلم، إلى العربية، فالشعر، فأصبت منه حاجتي. وكان لاتصاله بخاله (أي: عم أمه) عبد الله بن عمر أثر في استقامته،

стр. 1329

فقد كان يأتي والدته أم عاصم، ويقول لها: يا أمّة! أنا أحب أن أكون مثل خالي، يريد: عبد الله بن عمر، فتقول له على وجه الاستبعاد: أنت تكون مثل خالك؟! ولما تولى أبوه عبد العزيز إمارة مصر، كتب إلى زوجته أم عاصم أن تقدم عليه بولدها عمر، فاستأذنت عمها عبد الله بن عمر في الخروج إلى مصر، فقال لها: يا بنية أخي! هو زوجك، فالحقي به، ولما أزمعت السفر، قال لها: اتركي هذا الغلام (يعني: عمر بن عبد العزيز) عندنا؛ فإنه أشبهكم بنا، فامتثلت أمره، وأبقته عنده، وحين وصلت إلى مصر، سألها عبد العزيز عن ابنه عمر، فأخبرته بأنها خلفته بالمدينة إجابة لرغبة خاله عبد الله بن عمر، فسر عبد العزيز بما فعلت، وكتب بذلك إلى أخيه عبد الملك، فأمر عبد الملك بأن يجري لعمر بالمدينة ألف دينار في كل شهر. طلب عمر ﵁ العلم حتى بلغ رتبة الاجتهاد، قال ميمون بن مهران: ما كانت العلماء عند عمر إلا تلامذة. * ولايته إمارة المدينة المنورة: تولى عمر ﵁ إمارة المدينة في عهد الوليد بن عبد الملك سنة ٨٧، فسار في ولايته بعدل ويقظة، ومن الطرق التي استعان بها على سياسته الرشيدة: أنه دعا عشرة من أفاضل علماء المدينة، وقال لهم: دعوتكم لأمر تؤجرون فيه، وتكونون فيه أعواناً على الحق، إن رأيتم أحداً يتعدى، أو بلغكم عن عامل لي ظُلامة، فأحرج بالله على أحد بلغه ذلك إلا أبلغني، فدعوا له، وافترقوا. يدعو عمر بن عبد العزيز العلماء أن يكونوا أنصاره على الحق، وأن

стр. 1330

يدلوه على الظالمين من عماله، وهذا من شواهد نصحه فيما تولاه من الإمارة، وكذلك يكون حال من يتقلد الولاية ليعمل صالحًا، أما من يتقلدها للمباهاة، واتباع الشهوات، وطول الباع في اضطهاد الضعفاء، فلا يرتاح له بال إلا أن يضع على أفواه دعاة الإصلاح كمائم، أو ينفيهم من الأرض. * ولايته الخلافة: تولى الخلافة بعهد من سليمان بن عبد الملك، ومبايعة الناس له عند وفاة سليمان سنة ٩٩، وكان يقول للرجل: بايعني بلا عهد ولا ميثاق، تطيعني ما أطعت الله، فإن عصيت الله، فلا طاعة لي عليك، فيبايعه على ذلك. * تخليه عن أبهة الملك: لما ولي الخلافة، قام الناس بين يديه، فنهاهم عن ذلك، وقال: يا معشر الناس! إن تقوموا نقم، وإن نقعدوا تقعد، فإنما يقوم الناس لرب العالمين. وأذن للمظلومين أن يدخلوا عليه بغير إذن، وقال: ألا إنه لا إذن على مظلوم دوني، وأنا معول كل مظلوم. ولما فرغ من دفن سليمان بن عبد الفلك، قدّموا إليه مراكب الخلافة: اليراذين، والخيل، والبغال، فقال: ما هذا؟ قالوا: مراكب الخلافة. فقال: دابتي أوفقُ لي، فركب بغلته، فجاء صاحب الشرطة يسير بين يديه بالحربة، فقال: تنحَّ عني، مالي ولك! إنما أنا رجل من المسلمين. * عدم حرصه على الخلافة: كان عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك حين توفي سليمان غائباً، وحين علم بوفاته، أخذ البيعة لنفسه، وبلغه بعد ذلك مبايعة الناس لعمر بن عبد العزيز بعهد سليمان، فقدم دمشق، واعتذر لعمر بأنه لم يبلغه أن الخليفة

стр. 1331

عهد إلى أحد، فقال له عمر: "والله! لو بويعتَ بالأمر ما نازعتك". وعدم الحرص على الولاية يعين الرجل على السير فيها باستقامة دون أن يخشى سخط شخص أو رهط من الناس، وإن بلغوا منتهى الوجاهة، أو عرفوا من وسائل الكيد ما لم يعرفه أحد من قبل. * عدم اكتراثه بمديح الشعراء: لما تولى الخلافة، حضر الشعراء ببابه؛ ظناً منهم أنه من أولئك الذي تأخذهم النشوة إذا مُدحوا، فيعطوا المادحين من بيت مال المسلمين بغير حساب، فمكثوا أشهراً لا يأذن لأحد منهم بالدخول، ثم أذن لجرير، فأنشد بين يديه قصيدته التي يقول فيها: زرت الخليفة من أرض على قدر ... كما أتى ربه موسى على قدر إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا ... من الخليفة ما نرجو من المطر فقال له عمر: لا أرى لك في شيء من بيت مال المسلمين حقاً، فقال جرير: لقد فرض الله لي فيه حقاً، قال: ويحك! ما حقك؟ قال: ابن سبيل أتاك من شقة بعيدة، فدعا بعشرين ديناراً فضلت من عطائه، فقال: هذه فضلت من عطائي، ولو فضل أكثر من هذا، لأعطيتك، فخذها، فإن شئت فاحمد، وإن شئت فذم، فخرج جرير وهو يقول: رأيت رقى الشيطان لا تستفزُّهُ ... وقد كان شيطاني من الجن راقيا كان ﵀ عامر القلب بالتقوى، واثقاً من أنه سيسير في طريق العدل ما استطاع، ومن كان هذا شأنه، لم يقم للشعراء وأمثالهم وزناً يبلغ به أن يجازيهم عن المديح، أو يتقي هجاءهم بشيء من أموال المسلمين. وكان يرق للشاعر، ويعطيه متى علم أنه في حاجة وبؤس، دخل عليه نُصَيب

стр. 1332

الشاعر، وقال له: يا أمير المؤمنين! كبرت سني، ودق عظمي، وبليت ببنيّات نفضتُ عليهن من لوني، فكسدن عليّ، فرقّ له، ووصله بعطاء. * مبادرته برد المظالم: ما يفعله رجال الحكومات قد يكون على وجه الاجتهاد للمصلحة؛ كالأحكام التي يصدرها القضاة في القضايا الشخصية، فهذه لا يصح لمن أتى بعدهم أن ينقضها، ولو ظهر له أنهم كانوا مخطئين في اجتهادهم، إلا أن يجيء الحكم مخالفاً لصريح الكتاب أو السنة أو القواعد القطعية، فإنه ينقض في كل حال. أما ما يفعلونه استبداداً وعدواناً، فهذا ما يجب على من أتى بعدهم أن ينظر في شأنه، ويرده عليهم بكل قوة، وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز، فإنه بعد أن دفن سليمان بن عبد الملك، ذهب يطلب مقيلًا ليستريح من تعب السهر قليلاً، فقال له ابنه عبد الملك: أتقيل ولا ترد المظالم؟ فقال: أي بني! سهرت البارحة في أمر عمك سليمان، فإذا صليت الظهر، رددت المظالم، فقال له ابنه: من لك أن تعيش إلى الظهر؟! فخرج ولم يَقِل، وأمر مناديه أن ينادي: ألا من كانت له مظلمة، فليرفعها. ثم كتب إلى عماله يأمرهم برد المظالم إلى أصحابها من غير تباطؤ في ردّها، أو يراجعه في شأنها. * إجراؤه لقاعدة المساواة: كان الخلفاء قبله يؤثرون بني أمية بكثرة العطاء، ولما تولى عمر، سوّاهم في العطاء بغيرهم، فبعثوا إليه رجلاً ليكلمه في شأنهم، فدخل عليه، وخاطبه في ذلك، فأجابه عمر بجواب دله فيه على أن بني أمية وسائر المسلمين في

стр. 1333

نظره سواء، فخرج الرجل إليهم، وقال: يا معشر بني أمية! عمدتم إلى صاحبكم (يعني: عبد العزيز بن مروان)، فزوجتموه بنت ابن عمر (يعني: عاصماً)، فجاءتكم بعمر بن الخطاب ملفوفاً في ثيابه، فلا تلوموا إلا أنفسكم. ويدلكم على رسوخه في فهم ما جاء به الإسلام من المساواة: أن رجلاً دخل على سليمان بن عبد الملك، وشتمه في مجلسه، وكان عمر بن عبد العزيز في المجلس، فقال سليمان لعمر: ماذا ترى عليه يا أبا حفص؟ فقال: أرى عليه أن تشتمه كما شتمك، وتشتم أباه كما شتم أباك. * عدم قبوله للهدية بعد الولاية: لما كان بعض الولاة يتناولون الرشوة باسم الهدية، صرح هذا الخليفة بأن الهدية للوالي رشوة لا محالة؛ حتى يطهر دولته من نجاسة الارتشاء، ويقطع أسبابها. ورد في سيرته: أنه اشتهى مرة تفاحاً، فقال: لو كان لنا شيء من التفاح؛ فإنه طيب الريح، طيب الطعم، فقام رجل من أقاربه، فأهدى إليه تفاحًا، فرده عليه، فقيل له: إن رسول الله ﷺ كان يأكل الهدية؛ فقال: إن الهدية كانت للنبي ﷺ هدية، وهي لنا رشوة. وإنما كانت الهدية للنبي ﷺ هدية؛ لأنه معصوم من الجور، فلا يعقل أن يكون لها أثر في تصرفاته العامة، أو فيما يفصل فيه من الأحكام. * عدم توليته لمن كان عاملاً لظالم غشوم: لا يخلو من تولى عملاً لظالم غشوم أن يجري على يده شيء قليل أو كثير من الظلم، ومن اعتاد على الظلم، لا يصلح للعمل في دولة العدل،

стр. 1334

ولذلك كان عمر ﵁ لا يستعمل من كان عاملاً لنحو الحجاج، استعمل مرة عاملاً، فبلغه أنه عمل للحجاج، فعزله، فأتاه يعتذر إليه، وقال: لم أعمل للحجاج إلا قليلاً، فقال له: حسبك من صحبة شر يوم أو بعض يوم. * عنايته بنشر العلم: بصر عمر بمكان علوم الدين من إصلاح الأخلاق، وتطهير السرائر، وتنظيم الاجتماع، بل بصر بمكانها من الفلاح في الدنيا، والسعادة في الأخرى، فعني بنشرها بين أهل الحضر والبدو، فإنا نقرأ في سيرته: أنه أرسل عشرة من فضلاء التابعين؛ ليعلموا البربر بالمغرب القرآن، ويفقهوهم في أمور الدين. ونقرأ في تاريخه: أنه بعث يزيد بن أبي مالك، والحارث بن محمد إلى البادية؛ ليعلما الناس السنّة، وأجرى عليهما رزقًا كافيًا، فقبل يزيد الرزق، ولم يقبل الحارث، وقال: ما كنت لآخذ على علم علمنيه الله أجرًا، فبلغ ذلك عمر، فقال: ما نعلم بما صنع يزيد بأسًا، وأكثر اللهُ فينا من أمثال الحارث. وفي كتاب له إلى أمراء الجند: "ومُرْ أهل العلم والفقه من جندك، فلينشروا ما علمهم الله من ذلك، وليتحدثوا به في مساجدهم". وفي كتاب له إلى والي حمص: انظر إلى القوم الذين نصبوا أنفسهم للفقه، وحبسوها في المسجد عن طلب الدنيا، فأعط كل رجل منهم مئة دينار، يستعينون بها على ما هم عليه من بيت المسلمين، حين يأتيك كتابي هذا، وإن خير الخير أعجله. والسلام. وكذلك يجب على كل حكومة إسلامية أن تعنى بعلوم الدين، وتعطيها

стр. 1335

حقها من التعليم، والآباء الذين يستطيعون الوسيلة إلى أن يكون أبناؤهم على تربية دينية صادقة، ولم يفعلوا، إنما يحاربون الله في أرضه، ويكثرون سواد الأرصل الخبيثة، والزائغون عن الحق أشد ضرراً من ذوات السموم القاتلة؛ ذلك لأنهم يفسدون القلوب، وذوات السموم تفسد الأجسام، وفساد القلوب أسوأ عاقبة من فساد الأجسام. * عدله في الرعية: الأمير العادل هو الذي يستوي في نظره القوي والضعيف، والقريب والبعيد، ولا يستقيم أمر أمة حتى يكون القابض على زمامه فعّالاً لما يراه الحق، ولا يكون لأولي القربى أثر في نفسه إلا أن يهيئ لهم عزماً صارماً يكف بأسهم، ويعلمهم كيف يحترمون حقوق غيرهم، وكذلك كان عمر ابن عبد العزيز. وكان ﵁ كثيراً ما يركب، فيلقى الركبان، ويسألهم عن أخبار ما وراءهم من البلاد، خرج يوماً هو ومولاه مزاحم، فلقيهما راكب من أهل المدينة، وسألاه عن حال الناس بها، فقال: "إني تركت المدينة والظالم بها مقهور، والمظلوم بها منصور، والغني موفور، والعائل مجبور"، فسر عمر بذلك، وقال: "والله! لأن تكون البلدان كلها على هذه الصفة أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس". بسط ظلال العدل، وأصبح الناس في كثير من النواحي على حال يسر، حتى لا يوجد من بينهم من يقبل الصدقة، قال يحيى بن سعيد: بعثني عمر ابن عبد العزيز على صدقات إفريقية، وطلبت فقراء نعطيها لهم، فلم نجد بها فقيراً، ولم نجد من يأخذها مني، وقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس،
следующие страницы →