← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

عهد إلى أحد، فقال له عمر: "والله! لو بويعتَ بالأمر ما نازعتك". وعدم الحرص على الولاية يعين الرجل على السير فيها باستقامة دون أن يخشى سخط شخص أو رهط من الناس، وإن بلغوا منتهى الوجاهة، أو عرفوا من وسائل الكيد ما لم يعرفه أحد من قبل. * عدم اكتراثه بمديح الشعراء: لما تولى الخلافة، حضر الشعراء ببابه؛ ظناً منهم أنه من أولئك الذي تأخذهم النشوة إذا مُدحوا، فيعطوا المادحين من بيت مال المسلمين بغير حساب، فمكثوا أشهراً لا يأذن لأحد منهم بالدخول، ثم أذن لجرير، فأنشد بين يديه قصيدته التي يقول فيها: زرت الخليفة من أرض على قدر ... كما أتى ربه موسى على قدر إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا ... من الخليفة ما نرجو من المطر فقال له عمر: لا أرى لك في شيء من بيت مال المسلمين حقاً، فقال جرير: لقد فرض الله لي فيه حقاً، قال: ويحك! ما حقك؟ قال: ابن سبيل أتاك من شقة بعيدة، فدعا بعشرين ديناراً فضلت من عطائه، فقال: هذه فضلت من عطائي، ولو فضل أكثر من هذا، لأعطيتك، فخذها، فإن شئت فاحمد، وإن شئت فذم، فخرج جرير وهو يقول: رأيت رقى الشيطان لا تستفزُّهُ ... وقد كان شيطاني من الجن راقيا كان ﵀ عامر القلب بالتقوى، واثقاً من أنه سيسير في طريق العدل ما استطاع، ومن كان هذا شأنه، لم يقم للشعراء وأمثالهم وزناً يبلغ به أن يجازيهم عن المديح، أو يتقي هجاءهم بشيء من أموال المسلمين. وكان يرق للشاعر، ويعطيه متى علم أنه في حاجة وبؤس، دخل عليه نُصَيب

стр. 1332

الشاعر، وقال له: يا أمير المؤمنين! كبرت سني، ودق عظمي، وبليت ببنيّات نفضتُ عليهن من لوني، فكسدن عليّ، فرقّ له، ووصله بعطاء. * مبادرته برد المظالم: ما يفعله رجال الحكومات قد يكون على وجه الاجتهاد للمصلحة؛ كالأحكام التي يصدرها القضاة في القضايا الشخصية، فهذه لا يصح لمن أتى بعدهم أن ينقضها، ولو ظهر له أنهم كانوا مخطئين في اجتهادهم، إلا أن يجيء الحكم مخالفاً لصريح الكتاب أو السنة أو القواعد القطعية، فإنه ينقض في كل حال. أما ما يفعلونه استبداداً وعدواناً، فهذا ما يجب على من أتى بعدهم أن ينظر في شأنه، ويرده عليهم بكل قوة، وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز، فإنه بعد أن دفن سليمان بن عبد الملك، ذهب يطلب مقيلًا ليستريح من تعب السهر قليلاً، فقال له ابنه عبد الملك: أتقيل ولا ترد المظالم؟ فقال: أي بني! سهرت البارحة في أمر عمك سليمان، فإذا صليت الظهر، رددت المظالم، فقال له ابنه: من لك أن تعيش إلى الظهر؟! فخرج ولم يَقِل، وأمر مناديه أن ينادي: ألا من كانت له مظلمة، فليرفعها. ثم كتب إلى عماله يأمرهم برد المظالم إلى أصحابها من غير تباطؤ في ردّها، أو يراجعه في شأنها. * إجراؤه لقاعدة المساواة: كان الخلفاء قبله يؤثرون بني أمية بكثرة العطاء، ولما تولى عمر، سوّاهم في العطاء بغيرهم، فبعثوا إليه رجلاً ليكلمه في شأنهم، فدخل عليه، وخاطبه في ذلك، فأجابه عمر بجواب دله فيه على أن بني أمية وسائر المسلمين في

стр. 1333

نظره سواء، فخرج الرجل إليهم، وقال: يا معشر بني أمية! عمدتم إلى صاحبكم (يعني: عبد العزيز بن مروان)، فزوجتموه بنت ابن عمر (يعني: عاصماً)، فجاءتكم بعمر بن الخطاب ملفوفاً في ثيابه، فلا تلوموا إلا أنفسكم. ويدلكم على رسوخه في فهم ما جاء به الإسلام من المساواة: أن رجلاً دخل على سليمان بن عبد الملك، وشتمه في مجلسه، وكان عمر بن عبد العزيز في المجلس، فقال سليمان لعمر: ماذا ترى عليه يا أبا حفص؟ فقال: أرى عليه أن تشتمه كما شتمك، وتشتم أباه كما شتم أباك. * عدم قبوله للهدية بعد الولاية: لما كان بعض الولاة يتناولون الرشوة باسم الهدية، صرح هذا الخليفة بأن الهدية للوالي رشوة لا محالة؛ حتى يطهر دولته من نجاسة الارتشاء، ويقطع أسبابها. ورد في سيرته: أنه اشتهى مرة تفاحاً، فقال: لو كان لنا شيء من التفاح؛ فإنه طيب الريح، طيب الطعم، فقام رجل من أقاربه، فأهدى إليه تفاحًا، فرده عليه، فقيل له: إن رسول الله ﷺ كان يأكل الهدية؛ فقال: إن الهدية كانت للنبي ﷺ هدية، وهي لنا رشوة. وإنما كانت الهدية للنبي ﷺ هدية؛ لأنه معصوم من الجور، فلا يعقل أن يكون لها أثر في تصرفاته العامة، أو فيما يفصل فيه من الأحكام. * عدم توليته لمن كان عاملاً لظالم غشوم: لا يخلو من تولى عملاً لظالم غشوم أن يجري على يده شيء قليل أو كثير من الظلم، ومن اعتاد على الظلم، لا يصلح للعمل في دولة العدل،

стр. 1334

ولذلك كان عمر ﵁ لا يستعمل من كان عاملاً لنحو الحجاج، استعمل مرة عاملاً، فبلغه أنه عمل للحجاج، فعزله، فأتاه يعتذر إليه، وقال: لم أعمل للحجاج إلا قليلاً، فقال له: حسبك من صحبة شر يوم أو بعض يوم. * عنايته بنشر العلم: بصر عمر بمكان علوم الدين من إصلاح الأخلاق، وتطهير السرائر، وتنظيم الاجتماع، بل بصر بمكانها من الفلاح في الدنيا، والسعادة في الأخرى، فعني بنشرها بين أهل الحضر والبدو، فإنا نقرأ في سيرته: أنه أرسل عشرة من فضلاء التابعين؛ ليعلموا البربر بالمغرب القرآن، ويفقهوهم في أمور الدين. ونقرأ في تاريخه: أنه بعث يزيد بن أبي مالك، والحارث بن محمد إلى البادية؛ ليعلما الناس السنّة، وأجرى عليهما رزقًا كافيًا، فقبل يزيد الرزق، ولم يقبل الحارث، وقال: ما كنت لآخذ على علم علمنيه الله أجرًا، فبلغ ذلك عمر، فقال: ما نعلم بما صنع يزيد بأسًا، وأكثر اللهُ فينا من أمثال الحارث. وفي كتاب له إلى أمراء الجند: "ومُرْ أهل العلم والفقه من جندك، فلينشروا ما علمهم الله من ذلك، وليتحدثوا به في مساجدهم". وفي كتاب له إلى والي حمص: انظر إلى القوم الذين نصبوا أنفسهم للفقه، وحبسوها في المسجد عن طلب الدنيا، فأعط كل رجل منهم مئة دينار، يستعينون بها على ما هم عليه من بيت المسلمين، حين يأتيك كتابي هذا، وإن خير الخير أعجله. والسلام. وكذلك يجب على كل حكومة إسلامية أن تعنى بعلوم الدين، وتعطيها

стр. 1335

حقها من التعليم، والآباء الذين يستطيعون الوسيلة إلى أن يكون أبناؤهم على تربية دينية صادقة، ولم يفعلوا، إنما يحاربون الله في أرضه، ويكثرون سواد الأرصل الخبيثة، والزائغون عن الحق أشد ضرراً من ذوات السموم القاتلة؛ ذلك لأنهم يفسدون القلوب، وذوات السموم تفسد الأجسام، وفساد القلوب أسوأ عاقبة من فساد الأجسام. * عدله في الرعية: الأمير العادل هو الذي يستوي في نظره القوي والضعيف، والقريب والبعيد، ولا يستقيم أمر أمة حتى يكون القابض على زمامه فعّالاً لما يراه الحق، ولا يكون لأولي القربى أثر في نفسه إلا أن يهيئ لهم عزماً صارماً يكف بأسهم، ويعلمهم كيف يحترمون حقوق غيرهم، وكذلك كان عمر ابن عبد العزيز. وكان ﵁ كثيراً ما يركب، فيلقى الركبان، ويسألهم عن أخبار ما وراءهم من البلاد، خرج يوماً هو ومولاه مزاحم، فلقيهما راكب من أهل المدينة، وسألاه عن حال الناس بها، فقال: "إني تركت المدينة والظالم بها مقهور، والمظلوم بها منصور، والغني موفور، والعائل مجبور"، فسر عمر بذلك، وقال: "والله! لأن تكون البلدان كلها على هذه الصفة أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس". بسط ظلال العدل، وأصبح الناس في كثير من النواحي على حال يسر، حتى لا يوجد من بينهم من يقبل الصدقة، قال يحيى بن سعيد: بعثني عمر ابن عبد العزيز على صدقات إفريقية، وطلبت فقراء نعطيها لهم، فلم نجد بها فقيراً، ولم نجد من يأخذها مني، وقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس،

стр. 1336

فاشتريت بها رقاباً، فأعتقتهم، وولاؤهم للمسملمين. * احترامه للعلماء المستقيمين: لو فكرت في حال الولاة الذين يسمتخفون بمقامات أهل العلم، لرأيتهم بين ثلاثة رجال: رجل جاهل، والجاهل لا يعوف فضل العلم حتى يجل أهل العلم. ورجل صغير النفس، عظيم في عينه المنصب، وأخذه التعاظم بالإثم؛ فتخيل أنه سيد من في الأرض، وأن مقامه أرفع من كل مقام. ورجل قصير النظر، يحسب أن إجلاله لأحد من مرؤوسيه - وإن كان عزير العلم، رفيع القدر - يذهب بجانب من مهابته. وكان عمر بن عبد العزيز غزير العلم، كبير الهمة، بعيد النظر، فلا جرم أن يقدر العلماء المستقيمين قدرهم، ويعينهم على الاحتفاظ؛ بكرامتهم حتى يكون لتعليمهم وإرشادهم ثمر رطب، ولا تحيا أمة أو ترقى في سماء المجد إلا أن يكون فيها علماء مخلصون محترمون. أرسل عمر بن عبد العزيز أيام ولايته على المدينة إلى سعيد بن المسيب رسولًا يسأله عن مسألة، وكان سعيد لا يأتي أميراً ولا خليفة، فاخطأ الرسول، فقال له: الأمير يدعوك، فقام سعيد بن المسيب طاعة لولي الأمر، فلما دخل على عمر، قال له عمر: عزمت عليك يا أبا محمد إلا رجعت إلى مجلسك حتى يسألك رسولنا عن حاجتنا، فإنا لم نرسله يدعوك، وإنما أرسلناه يسألك، فأخطأ. * قبوله للوعظ والنصيحة: نجد في كتب الأدب والتاريخ مواعظ كثيرة، وخطباً تشتمل على نصائح

стр. 1337

ألقيت بين يديه، فتلقاها بارتياح وقبول، بل كان ﵁ يدعو أهل العلم والصلاح إلى وعظه وإرشاده إلى ما فيه خير، وتحذيره مما لا خير فيه، ويكفي شاهداً لهذا: أنه قال لمزاحم مولاه: يا مزاحم! إن الولاة جعلوا العيون على العوام، وأنا أجعلك عيناً على نفسي، فإن سمعت مني كلمة تربأ بي عنها، أو فعالاً لا تحبه، فعظني عنده، وانهني عنه. * امتلاؤه بخشية الله وتقواه: عدل لا يشوبه حيف، وحزم لا تحوم عليه غفلة، خصلتان لا يجتمعان لولي الأمر إلا أن يكون قلبه عامرًا بخشية الله وإجلاله، ذلك أن التقوى تنير سبيل العدل، ومن لم يجعل الله له هذا النور، لا يلبث أن تخرج به الأهواء إلى ظلمات الجور، والتقوى تجعل ولي الأمر في يقظة، فلا يدعو الحال إلى مصلحة إلا أقامها، ولا ظهرت مفسدة إلا اقتلعها، وقطع أسبابها، وما تيسر لعمر بن عبد العزيز أن يسير في سياسة الأمة تلك السيرة القيمة إلا لأنه يخاف مقام ربه، ويذكر في كل حال أنه سيسأل عن كل ما قدمت يداه، قالت فاطمة بنت عبد الملك زوجته: "والله! ما رأيت أخوفَ لله من عمر، لقد كان يذكر الله في فراشه، فينتفض انتفاض العصفور من شدة الخوف، حتى نقول: ليصبحن الناس ولا خليفة لهم". وكثيراً ما كان يخطب، فتنهال عبراته، فيتلقاها بطرف ردائه. * شرط الصحبة عنده: في الرؤساء من لا يرضى عن جليسه إلا أن يتزلف له بمدح مبالَغ فيه، أو ينحدر مع أهوائه أينما انحدرت. أما الرئيس العادل، فأحبُّ جلسائه إليه من يدله على مواطن الإصلاح، ويعينه على عمل الخير، أرشدنا إلى هذا

стр. 1338

عمر بن عبد العزيز إذ قال لجلسائه: "من صحبني منكم، فليصحبني على خصال: يدلني من العدل إلى ما لا أهتدي له، ويكون لي على الخير عونأ، ويبلغني حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ولا يغتاب عندي أحداً، ويؤدي الأمانة التي حملها مني ومن الناس، فإذا كان كذلك، فحيّهل به، صالا، فهو خارج من صحبتي، والدخول عليّ". * حزمه: الوقت نفيس، ومن لا يقدر قيمته، فقد يصرف جانباً منه في لهو، أو عمل لا يأتي بثمرة. والرجل الحازم من يحرص على أن لا يذهب شيء من وقته في غير جدوى، ويحرص على أن يقوم بكل عمل في وقته اللائق به، وتأخير بعض الأعمال عن وقتها إيثارًا للراحة، يوقعك في عناء؛ حيث يكون لكل وقت من أوقاتك الآتية عمل يختص به، ولا يسمع ذلك الوقت غيره. ومن حزم عمر بن عبد العزيز ﵁: أنه كان لا يؤخر عمل يومه إلى غده. قال له بعض إخوانه: يا أمير المؤمنين! لو ركبت فتروحت، قال: فمن يجزي عني عمل هذا اليوم؟ قالوا: تجزيه من الغد، قال: قد فَدَحني (شق عليَّ) عمل يوم واحد، فكيف إذا اجتمع عليَّ عمل يومين؟!. * تمسكه بالسنَّة، وكراهته للبدعة: كان ﵁ يتحرى السنّة، ويعمل لإحيائها، ويكره البدعة، ويعمل لإماتتها، ويدلكم على شهرة اقتدائه بالنبي ﷺ : أن أنس بن مالك قدم من العراق إلى المدينة يوم كان عمر أميرها، فكانت تعجبه صلاة عمر، وقال: ما صليت خلف إمام بعد رسول الله ﷺ أشبهَ صلاةً بصلاة رسول الله ﷺ من

стр. 1339

إمامكم هذا. ومن شواهد حرصه على إقامة السنن، وقتل البدع: قوله: "لو كان كل بدعة يميتها الله على يدي، وكل سنّة ينعشها الله على يدي، ببضعة من لحمي، حتى يأتي ذلك على آخر نفسي، كان في الله يسيراً". وقال في خطبة خطبها على المنبر يوم الجمعة: "لولا أن أنعش سنَّة، أو أعمل بحق، ما أحببت أن أعيش فُواقًا (١) ". * إنكاره الثشاؤم: معروف أن الإسلام أبطل فيما أبطل من مزاعم العرب التشاؤم بنحو النجوم والطيور وغير ذلك، غير أن النفوس الضعيفة لا تئبت أمام خواطر السوء، وإنما يثبت أمامها، بل يسلم من خطراتها من كان إيمانه بأنه كفلق الصبح، وثقته به مالئة قلبه من أسفله إلى أعلاه، ومن هؤلاء المتوكلين على الله في كل ما يفعلون أو يقولون: عمر بن عبد العزيز، خرج عمر في بعض أسفاره من المدينة ومعه مولاه مزاحم، فنظر مزاحم، فإذا القمر في الدبران، قال: فكرهت أن أقول ذلك له، فقلت: ألا تنظر إلى القمر ما أحسن استواءه في هذه الليلة! فنظر عمر إلى القمر، وقال له: كأنك أردت أن تعلمني أن القمر بالدبران! يا مزاحم! إنا لا نخرج بشمس ولا بقمر، ولكنا نخرج بالله الواحد القهار. * زهده: إن سيرة نقية من كل مغمز كسيرة عمر بن عبد العزيز لا تنتظم إلا لمن

стр. 1340

يؤثر الحياة الباقية على الحياة الدنيا، ولم يترك حب العمل الصالح لحب الزينة والملاذ في نفسه موضعاً، يكفي شاهداً على زهده في حطام الدنيا: أنه لم يخلف يوم مات سوى سبعة عشر ديناراً، كفّن منها بخمسة دنانير، واشتري له موضع ليقبر فيه بدينارين، وقسم الباقي على ورثته. وقال له مَسلمة بن عبد الملك عند مرض الموت: قد تركت ولدك عيلة لا شيء لهم، فقال: والله! ما منعتهم حقاً هو لهم، ولم أعطهم ما ليس لهم، ثم قال: بَنيَّ أحد رجلين: إما رجل يتقي الله؛ فسيجعل الله له مخرجًا، وإما رجل مكبّ على المعاصي، فإني لم كن أقويه على معصية الله. ولم يكن ﵁ ممن يضع الطعام على مائدته ألواناً، دخل غلام له على مولاته فاطمة بنت عبد الملك، فغدَّته عدساً، فقال الغلام: كل يوم عدس! قالت: يابني! هذا طعام مولاك أمير المؤمنين: وما هي إلا جوعة قد سددتها ... فكل طعام بين جنبيَّ واحد وقومت ثيابه وهو خليفة باثني عشر درهماً، وكانت حلته قبل ذلك بألف درهم. * إيثاره الاجتماع بأهل الفضل على العزلة: قال ميمون بن مهران: وكنت في سمر عمر بن عبد العزيز ذات ليلة، فقلت له: يا أمير المؤمنين! ما بقاؤك على ما أرى؟! أنت بالنهار مشغول في حوائج الناس، وبالليل أنت معنا ها هنا، ثم الله أعلم بما تخلو به. فقال: إليك عني يا ميمون؛ فإني وجدت لقاء الرجال تلقيحًا لألبابهم. * بعد نظره في السياسة: يجمع عمر ﵁ إلى الخلق العظيم استقامةً، وإلى الاستقامة حكمة،

стр. 1341

وحسنَ نظر في السياسة، قال له ابنه عبد الملك يوماً: ما الذي يمنعك أن تمضي الذي تريده؟ فو الذي نفسي بيده! ما أبالي أن لو غَلَت بي وبك القدور في الحق، فقال: يا بني! إني لو باهت الناس بما تقول، لم آمن أن ينكروها، فإذا أنكروها، لم أجد بدًا من السيف، ولا خير في خير لا يجيء إلا بالسيف. يا بني! إني أروض الناس رياضة الصعبة، فإن بطأ بي عمر، أرجو أن ينفذ الله مشيئتي، وإن تعدُ عليَّ منيتي، فقد علم الله الذي أريده. * وفاته ﵀: توفي عمر بدير سمعان من أرض المعرة سنة ١٠١ وله أربعون سنة، وكانت خلافته سنتين وستة أشهر وأياماً، كخلافة أبي بكر الصديق ﵄. وقال الحسن البصري لما جاءه نعيه: مات خير الناس. أيها السادة! هذه محادثة أخذنا فيها بطرف من سيرة رجل من أعاظم رجال الإسلام، عسى أن تكون موضع قدوة لكل من تولى أمراً من أمور المسلمين، وأراد أن يكون له لسان صدق في الآخرين، والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 1342

نظرةٌ في حياة الإمام مالك بن أنس (١) أكمل الله الدين بما أودع في الكتاب والسنّة من أصول وأحكام، وفتح للراسخين في العلم باب الاجتهاد؛ لينتزعوا أحكام الوقائع من أصولها، ويقيسوا الأمور بأشباهها، فانتقل رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى وفي أصحابه ﵃ رجال درسوا الشريعة، ووقفوا على أسرارها، وعرفوا مقاصدها في الإصلاح؛ كالخلفاء الراشدين، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وأبي موسى الأشعري، وغيرهم مما لا يسع ذكرهم هذا المقام. حفظ هؤلاء الأعلام الشريعة من جهة الرواية، فبلَّغوها كما سمعوها، ونصحوا لها من جهة الدراية، فكانوا يتحرّون الحق إذا اجتهدوا، وكان مجلس كل واحد منهم كمدرسة يتلقى فيها الناس القرآن والحديث، ويتعلمون كيف يفصلون للحوادث أحكامًا، ويضعون للسياسة نظمًا، وينقضي عهد الصحابة حتى عمرت بلاد الإسلام برجال رفعوا لواء العلم، وكانوا المثل الكاملة للاستقامة، والألسنة الصادقة لبيان الحقائق، والعقول الراجحة لتدبير وسائل السعادة؛ كالقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وأبي

стр. 1343

بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وسليمان بن يسار، وعبيدالله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وخارجة بن زيد، وعطاء بن أبي رياح، والحسن البصري، وشريح بن الحارث القاضي، وعمر بن عبد العزيز. وفي هذا العصر الزاهر، وفي البلدة الطافحة بعلوم الشريعة أصولاً وفروعاً، وهي المدينة المنورة، ولد مالك بن أنس الذي صار إمام دار الهجرة من بعد. * نسب مالك: يتصل نسبه بذي أصبح أحد ملوك اليمن، فهو مالك بن أنس بن مالك ابن أبي عامر بن غَيمان بن خُثَيل بن عمرو بن الحارث، وهو ذو أصبح. ومالكٌ جدُّ مالك من كبار التابعين، يروي عن عمر، وطلحة، وعائشة، وأبي هريرة ﵃، وهو أحد الأربعة الذين حملوا عثمان ﵁ ليلاً إلى قبره، وأنس - الذي هو أبو مالك - يروي عن أبيه مالك بن أبي عامر، فهو من أهل الرواية والحديث. * مولد مالك ونشأته: ولد مالك في ربيع الأول سنة ثلاث أو أربع وتسعين من الهجرة، ونشأ بين أبوين صالحين، أما أبوه، فقد عرفتم أنه كان من أهل الحديث، وأما أمه، فيدل على صلاحها: أنه لما بلغ سن التعليم، عمّمته، وقالت له: اذهب فاكتب (تعني: الحديث)، وكانت تقول له: اذهب إلى ربيعة، فتعلم من أدبه قبل علمه، ويدل على عناية والده أنس بالقيام على حسن ترييته وتعليمه: ما حكاه مالك نفسه، فقال: كان لي أخ في سن أبي شهاب، فألقى أبي يوماً علينا مسألة، فأصاب أخي، وأخطأت، فقال لي: ألهتك الحَمام عن طلب

стр. 1344

العلم، فغضبت، وانقطعت إلى أبي هرمز سبع سنين لم أخلطه بغيره. وكان مالك شديد الحرص في طلب العلم، تتعرف هذا من انقطاعه لابن هرمز ثمان سنين، وقال: كنت أجعل في كمي قمطراً أناوله صبيانه، وأقول لهم: إن سألكم أحد عن الشيخ (يعني: ابن هرمز)، فقولوا: مشغول، وقال: كنت آتي ابن هرمز بكرة، فما أخرج من بيته حتى الليل. * قوة حافظته: مما ساعد الإمام مالكاً على بلوغه الذروة في العلم: قوة حافظته؛ فقد روي عنه: أنه قال: ما استودعت قلبي شيئاً فنسيته، وقال: كنت آتى ابن المسيب، وعر وة، والقاسم، وأبا سلمة، وحميداً، وسالماً (وعدّ جماعة)، فأدور عليهم أسمع من كل واحد من الخمسين حديثاً إلى المئة، ثم أنصرف وقد حفظته كله من غير أن أخلط حديث هذا بحديث هذا. * ذكاؤه وقوة نظره: جمع مالك إلى قوة الحفظ سعةَ نظر، وغوصاً على حكمة التشريع، ويدلكم على حسن تفقهه فيما يحفظ: أنه كان يحمل النصوص على وجوه تطابق المعروف من قصد الشارع في التعبد أو الإصلاخ، ويأخذ في كثير من الفتاوى بقاعدة رعاية المصالح، وقاعدة سد ذرائع الفساد، وقد كان في عصره من يحفظ حفظه للأحاديث والآثار، وإنما ارتفع ذكر مالك في الأقطار، ورحل إليه طلاب العلم من كل ناحية؛ لجودة نظره في الكتاب والسنة، وكثرة ما يفصله من الأحكام المندرجة تحت الأصول، أو الملوح إليها بالعلل المنصوصة أو المعقولة، وذلك ما لا يحسنه إلا قوي النظر، نافذ البصيرة إلى اللباب، قال ابن وهب: لولا أن الله أنقذني بمالك والليث، لضللت، فقيل

стр. 1345

له: كيف ذلك؟ فقال: أكثرت من الحديث، فحيرني، فكنت أعرض ذلك على مالك والليث، فيقولان: خذ هذا، ودع هذا. * تحرِّيه في رواية الحديث: من رجال الحديث من يأخذ عن الثقات والضعفاء، ومنهم من لا يروي إلا عن الثقات، ومن هذا القبيل: مالك بن أنس، قال ابن عيينة، كان مالك لا يحدث إلا عن ثقات الناس، وذكر مالك مرة حديثاً، فقيل له: من حدثك بهذا؟ فقال: إنا لم نجالس السفهاء، وكان مالك يقول: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذونه، لقد أدركت سبعين ممن يقول: قال رسول الله ﷺ عند هذه الأساطين، (وأشار إلى المسجد)، فما أخذت عنهم شيئاً، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال، لكان أميناً، إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن. وقال ابن عيينة: ما رأيت أحداً أجودَ أخذاً للعلم من مالك، وما كان أشدَّ انتقاءه للرجال والعلماء!. * صدقه وإتقانه للرواية: بلغ مالك في الصدق والضبط في الرواية أقصى ما يبلغ الرواة، وروايته بشهادة كثير من الأئمة أصح رواية، قال البخاري: أصح الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن عمر. وقال أبو داود: أصح حديث رسول الله ﷺ ما يرويه مالك عن نافع عن ابن عمر، ثم ما يرويه مالك عن الزهري عن سالم بن عمر عن أبيه، ثم ما يرويه مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁. وقال ابن مهدي: ما أُقدم على مالك في صحة الحديث أحداً. وقال ابن مهدي أيضاً: ما بقي على وجه الأرض آمن على حديث

стр. 1346

رسول الله ﷺ من مالك. * غزارة علمه: حدثناك عن قوة حافظته، وثقوب ذهنه، وحرصه في طلب العلم، ومن جمع هذه الثلاث خصال، ولقي كبار العلماء، فسرعان ما يكون علماً شامخًا، وبحرًا زاخرًا، وقد دل ثناء كبار العلماء على مالك أنه كان إماماً في العلم، بالغاً فيه أسنى منزلة. قال سفيان بن عيينة لما بلغته وفاة مالك: ما ترك على الأرض مثله. وكان الأوزاعي يقول عندما يذكر مالكاً: هو عالم المدينة، وعالم العلماء، ومفتي الحرمين. وقال الشافعي: مالك أستاذي، وعنه أخذت العلم، وما من أحد أمنّ عليّ من مالك، وجعلت مالكًا حجة بيني وبين الله، وإذا ذكر العلماء فمالك النجم الثاقب، وقال ابن معين: كان مالك من حجيج الله على خلقه، وقال بشر الحافي: إن من زينة الدنيا أن يقول الرجل حدثنا مالك. ولا نمضي من هذا الفصل حتى نذكر لك حديثاً يرويه الثقات، وهو قوله ﷺ : "يوشك أن يضرب الناس- أكباد الإبل في طلب العلم (١)، فلا يجدون أعلم (٢) من عالم المدينة"، وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد، والترمذي وحسَّنه، والنسائي، والحاكم في "المستدرك" وصححه. وقد حمل هذا الحديث بعض السلف عن مالك بن أنس. قال سفيان بن عيينة: ترى أن المراد

стр. 1347

من الحديث مالك بن أنس؛ لأنه عاش حتى لم يبق له نظير بالمدينة، ويؤيده: أن طلاب العلم لم يضربوا أكباد الإبل من مشارق الأرض ومغاريها، ويرحلوا إلى عالم بالمدينة رحلتهم إلى مالك بن أنس. * تعظيمه لحديث رسول الله ﷺ : كان مالك إذا أراد أن يحدث، توضأ، وجلس على صدر فراشه، وسرَّح لحيته، وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة، ثم حدَّث، فقيل له في ذلك، فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله ﷺ ، ولا أحدث به إلا متمكناً على طهارة. وكان يكره أن يحدث على الطريق، أو قائماً، أو مستعجلاً، ويقول: أحب أن أتفهم ما أحدث به عن رسول الله ﷺ . وقال ابن المبارك: كنت عند مالك وهو يحدثنا حديث رسول الله ﷺ ، فلدغته عقرب مرات، ومالك يتغير لونه ويصفر، ولا يقطع حديث رسول الله ﷺ ، فلما فرغ من المجلس، وتفرق الناس، قلت: يا أبا عبد الله! لقد رأيت اليوم منك عجبًا، فقال: نعم، إنما صبرت إجلالًا لحديث رسول الله ﷺ . ومر مالك على ابن أبي حازم وهو يحدِّث، فتعداه، فقيل له، فقال: لم أجد موضعًا أجلس فيه، فكرهت أن آخذ حديث رسول الله ﷺ وأنا قائم. * كراهته للابتداع في الدين: كان مالك يتحرى السنن، ويحث على اتباعها، ويتجنب الباع، ويحذر من ارتكابها، وكان كثيراً ما ينشد: وخير أمور الدين ما كان سنَةً ... وشر الأمور المحدَثات البدائعُ وسئل مرة عن الداء العضال، فقال: الحدث في الدين. ولقد صدق مالك في تسمية البدعة الداء العضال، فقلما تتفشى البدعة

стр. 1348

في قوم، ويشفون منها، فإن كان هناك برء منها، فبتلقي النشء قبحها وسوء عاقبتها قبل أن يشبوا عليها، وصرفِهم عنها قبل أن تتلوث فطرهم بأقذارها. * الرواة عن مالك: بلغ مالك في الفقه والحفظ والتفقه في الدين أقصى ما يمكن أن يبلغه راسخ في العلم، واشتهر بالصدق، واتقان الرواية، فكان فيهما العلمَ الشامخ، والقمر الزاهر، فلا جرم أن يقبل عليه طالبو العلم من كل مكان، وأن يروي عنه أقرانه وشيوخه دون أن يجدوا في صدورهم حرجاً من الرواية عمن هو في طبقتهم، أو من كان يتلقى العلم في مجالسهم. قال جعفر الفريابي: لا أعلم أحداً روى عن الأئمة والجِلّة ممن مات قبله بدهر طويل إلا مالكًا، وقد روى عنه من أقرانه: سفيان الثوري، والليث ابن سعد، والأوزاعي، وسفيان بن عيينة، وروى عنه: الإمام أبو حنيفة، وصاحباه: أبو يوسف، ومحمد بن الحسن. وروى عنه من شيوخه: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وأيوب السختياني، وربيعة بن عبد الرحمن، ونافع بن أبي نعيم القارئ. وكان مالك من أكثر رجال الحديث رواة، وقد أفرد الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي كتاباً في الرواة عن مالك أورد فيه ألف رجل إلا سبعة، وألّف القاضي عياض كتاباً في ذلك، فذكر نحو ألف اسم وثلاث مئة اسم. * كرم أخلاقه وسمو آدابه: كان مالك على خلق كريم، وأدب نبيل، وقد شهد له بذلك أفاضل الرجال من أهل العلم. قال ابن وهب: الذي تعلمت من أدب مالك أفضل من علمه، كان

стр. 1349

يحيى بن يحيى بن بكير أقام عند مالك بعد أن فرغ من سماع الحديث عنه، وقال: إنما أقمت مستفيداً لشمائله، فإنها شمائل الصحابة والتابعين. وكان ربيعة إذا جاء مالك يقول: قد جاء العاقل. وقال زياد بن يونس: كان - والله - مالك أعظم الخلق مروءة، وكثرهم سمتاً، ورأيته كثير الصمت، قليل الكلام، متحفظاً للسانه. وقال ابن المبارك: كان مالك أشد الناس مداراة للناس، وترك ما لا يعنيه. وكان مالك يحافظ على فضيلة الإنصاف، ويقول: ليس في الناس أقل من الإنصاف، فأردت المداومة عليه، وكان- على اعتزازه بمقامه العلمي - شديد التواضع. قال له ابن القاسم: ما أعلم أحداً أعلم بأحكام البيوع من أهل مصر، فقال له: وبم ذلك؟ قال: بك، قال مالك: فأنا لا أعرف البيوع، فكيف يعرفونها بي؟!. ويدلكم على رسوخه في الإنصاف والتواضع، دايثار الحق على حب الانفراد بالإمامة: أن أبا جعفر المنصور قال له: إني قد عزمت أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها (يعني: الموطأ) فننسخ نسخاً، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها، لا يتعدوها إلى غيرها، ويدَعوا ما سوى ذلك من هذا العلم. فقال له مالك: يا أمير المؤمنين! لا تفعل؛ فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، وعملوا به، ودانوا به من اختلاف الناس: أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم، وإنَّ ردهم عما اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه، وما اختار كل أهل بلد لأنفسهم.

стр. 1350

* وعظه للملوك: لم يكن مالك بالذي يهاب الخلفاء هيبة تمنعه من الجهر بنصيحتهم، أو بالذي يحمله الطمع على تملقهم. دخل يوماً على الرشيد، فحثه على مصالح المسلمين، وقال له: لقد بلغني أن عمر بن الخطاب ﵁ كان في فضله وقَدَمه ينفخ لهم عام الرمادة النار تحت القدور حتى يخرج الدخان من تحت لحيته، وقد رضي الناس منكم بدون هذا. ولأنه يقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مجالس الأمراء لم يبال الدخول عليهم، وروي أنه قيل له: إنك تدخل على السلطان، وهم يظلمون ويجورون! فقال: يرحمك الله، فأين يكون الكلام بالحق؟. وناظره الخليفة أبو جعفر المنصور في مسجد رسول الله ﷺ ، ورفع صوته؛ فقال له مالك: يا أمير المؤمنين! لا ترفع صوتك في هذا المسجد؛ فإن الله أدب قوماً فقال: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]، ومدح أقواماً فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات: ٣]. * اعتزازه بمقامه العلمي في مجالسهم: كان مالك متواضعاً، ولكنه يقدر مكانته العلمية، ويصون كرامتها، ويحوطها بالعزة من كل جانب. قدم الخليفة المهديُّ المدينة، فاقبل الناس عليه مسلِّمين، فلما أخذوا مجالسهم، جاء مالك، فقالوا: اليوم يجلس مالك آخر الناس، فلما دنا، ونظر ازدحام الناس، وقف، وقال: يا أمير المؤمنين! أين يجلس شيخك مالك؟

стр. 1351

فناداه المهدي: عندي يا أبا عبد الله، فتخطى الناس حتى وصل إليه، فرفع المهدي ركبته اليمنى، وأجلسه بجنبه. وإذا كان يقبل عطايا الملوك، فلأنه يستعين بها في سبيل بث العلم، دون أن يكون لها أثر في تملقهم، أو الإغضاء عن أهوائهم. لما حجَّ هارون الرشيد، وقدم المدينة، بعث إلى مالك بكيس فيه خمس مئة دينار، ورحل إلى مكة لقضاء نسكه، ولما عاد إلى المدينة، بعث إلى مالك يطلب منه الانتقال معه إلى بغداد، فقال مالك للرسول: قل له: إن الكيس بخاتمه، وإن رسول الله ﷺ يقول: "والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون"، وقال له الرشيد: تأتينا حتى نتعلم عليك، ونسمع منك، فقال له: العلم يُؤتى ولا يأتي، قال: نأتي، وتمنع الناس حتى ننصرف، قال: إذا منع العلم من العامة، لم ينفع الله به الخاصة ولا العامة، فذهب الرشيد إلى منزل مالك، وتعلم منه، وسمع عليه، وكان القارئ له معن بن عيسى القزاز. وسئل عيسى بن عمر المدني: أكان مالك يغشى الأمراء؟ قال: لا، إلا أن يبعثوا إليه فيأتيهم. ودخل مرة على هارون الرشيد، وبين يديه شطرنج منصوب، وهو ينظر فيه، فوقف مالك ولم يجلس، وقال: أحق هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: لا، قال: فماذا بعد الحق إلا الضلال؟! فرفع هارون رقعته، وقال: لا ينصب بين يدي بعدُ. وقال: والله! ما دخلت على أحد منهم - يعني: السلطان - إلا أذهب الله هيبته من قلبي حتى أقول له الحق.

стр. 1352

روي أنه كان جالساً مع أبي جعفر، فعطس أبو جعفر، فشمته مالك، فلما خرج، أنكر عليه الحاجب ذلك، وتهدده إن عاد لتشميته، فلما كان بعد ذلك، جلس عنده، فعطس أبو جعفر، فنظر مالك إلى الحاجب، ثم قال للمنصور: أي حكم تريد يا أمير المؤمنين، أحكم الله، أم حكم الشيطان؟ قال: لا، بل حكم الله، قال: "يرحمك الله". * محنته: من المعروف في تاريخ مالك بن أنس أنه ضُرب بالسياط (١)، واختلف المؤرخون في الخليفة الذي ضرب في عهده، هل هو المنصور، أو هارون الرشيد؟ والمشهور أنه ضرب في عهد المنصور، والضارب له جعفر بن سليمان ابن علي بن عبد الله بن العباس في ولايته الأولى بالمدينة المنورة. أما سبب ضربه، فأكثر الرواة على أنه سعى به إلى جعفر، وقيل له: إنه لا يرى أيمان بيعتكم بشيء؛ فإنه يأخذ بحديث قيس بن ثابت بن الأحنف في طلاق المُكْرَه أنه لا يجوز، ويضيفون إلى هذا: أنه ذكر لجعفر أنه - أي: الإمام - أفتى عند قيام محمد بن عبد الله بن حسن العلوي بن بيعة أبي جعفر لا تلزم؛ لأنها على الإكراه (٢). ولما حج المنصور، أراد إرضاء مالك، فأرسل إليه جعفرَ بن سليمان ليقتص منه، فقال مالك: أعوذ بالله، والله! ما ارتفع منها سوط عن جسمي

стр. 1353

إلا وأنا أجعله في حل من ذلك الوقت؛ لقرابته من رسول الله ﷺ . وجعفر هذا فاطمي من جهة أمه؛ فإن أمه هي أم الحسن بنت جعفر بن حسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁. وقال الدراوردي سمعت مالكاً حين ضربه جعفر يقول: اللهم اغفر لهم فإنهم لا يعملون. وازداد قدر مالك بعد هذه المحنة رفعة، وعظَّمه الناس أكثر مما كانوا يعظونه. * اختياره العزلة في آخر حياته: كان مالك يشهد الجنائز، ويعود المرضى، ويجلس في المسجد، ويجتمع إليه أصحابه، ثم ترك الجلوس في المسجد، فكان يصلي وينصرف إلى مجلسه، وترك حضور الجنائز، فكان يأتي أهلها فيعزيهم، ثم ترك ذلك كله، واحتمل الناس له ذلك حتى مات، وروي أنه خوطب في ذلك، فقال: ليس كل الناس يقدر أن يتكلم بعذره، وروي أنه عندما حضرته الوفاة، سئل عن تخلفه عن المسجد، فقال: سلس بول، فكرهت أن آتي مسجد رسول الله ﷺ على غير طهارة، وكرهت أن أذكر علّتي فأشكو. * نعته: كان مالك طويلاً، جسيماً، عظيم الهامة، أعينَ، شديد البياض إلى شقرة، حسن الصورة، أشم، عظيم اللحية تبلغ صدره، ذات سعة وطول. وكان يأخذ أطراف شاربه ولا يحلقه، ولا يحفيه، ويرى حلقه من المُثْلَة، وكان يترك له سَبَلتين (١) طويلتين، ويحتج بأن عمر ﵁ كان يفتل شاربه

стр. 1354

إذا أهمه أمر. والمشهور عنه أنه لا يغير شيبه بالخضاب. وقال مصعب الزبيري: كان مالك من أحسن الناس وجهاً، وأحلاهم عيناً، وأنقاهم بياضاً، وأتمهم طولاً في جودة بدن. * مؤلفاته: من أشهر مؤلفات مالك: "الموطأ" (١)، وهو كتاب توخى فيه القويّ من الأحاديث المرفوعة والمرسلة، ومزجه بأقوال الصحابة، وفتاوى التابعين ومن بعدهم، وممن شهد ببلوغه في الصحة الغاية القصوى: الإمام الشافعي بقوله: ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: "الموطأ" هو الأصل الأول واللباب، وكتاب البخاري هو الأصل الثاني في هذا الباب، وعليهما بنى الجميع؛ كمسلم، والترمذي. ومن مؤلفاته: رسالة رد فيها على القدرية، وكتاب في النجوم وحساب مدار الزمان ومنازل القمر، ورسالة في الأقضية، كتب بها إلى بعض القضاة في عشرة أجزاء، ورسالة إلى أبي غسان محمد بن المطرف، وكتاب في التفسير لغريب القرآن، ونسب إليه كتاب يسمى: كتاب السير في رواية ابن القاسم عنه، ورسالته إلى الليث بن سعد في إجماع أهل المدينة، أما رسالته المشهورة إلى هارون الرشيد، فقد أنكرها طائفة من أصحابه، حتى إن أصبغ بن الفرج حلف على أنها ليست من وضع مالك.

стр. 1355

* مقتبسات من حكمه ووصاياه: لمالكٍ حِكَم بالغة، ووصايا نافعة، شأن من درس القرآن والسنة بعقل راجح، وسريرة طا هرة؛. قال مالك: من صدق في حديثه، متع بعقله، ولم يصبه ما يصيب الناس من الهم والخوف. وقال: طلب الرزق في شبهة أحسن من الحاجة إلى الناس. وقال: تعلموا الحلم قبل العلم. وقال: العلم نور يجعله الله حيث يشاء ليس بكثرة الرواية. وقال: نعم الرجل فلان، إلا أنه كان يتكلم كلام شهر في يوم. وقال مطرف: قال لي مالك: ما يقول الناس فيَّ؟ قلت: أما الصديق، فيثني، وأما العدو، فيقع، فقال: ما زال الناس هكذا: لهم صديق وعدو، ولكن نعوذ بالثه من تتابع الألسنة. ودلت الروايات على أن أصحابه كانوا إذا أرادوا وداعه، طلبوا منه أن يزوّدهم بنصائح ينتفعون بها في مستقبل حياتهم، قال يحيى بن يحيى الأندلسي: لما ودعت مالكًا، سألته أن يوصيني، فقال: عليك بالنصيحة لله ولكتابه ولرسوله. وقال الحارث بن أسد من أهل قفصة بإفريقية: دخلت على مالك أنا وابن القاسم وابن وهب، فقال له ابن وهب: أوصني، فقال له: اتق الله، وانظر عمن تنقل. وقال لابن القاسم: اتق الله، وانشر ما سمعت. وقال لي: اتق الله، وعليك بتلاوة القرآن. قال الحارث: لم يرني أهلاً للعلم، فكان يستفتي ولا يفتي، ويقول:

стр. 1356

لم يرني مالك أهلاً للعلم. وقال أسد بن الفرات: كنت أنا وصاحباً يلزم مالكاً، فلما أردنا الخروج إلى العراق، أتينا مودّعين، فقلنا له: أوصنا، فالتفت إلى صاحبي، فقال له: أوصيك بالقرآن خيراً، والتفت إليَّ وقال: أوصيك بهذه الأمة خيراً. وقال خالد بن خداش: ودعت مالكًا، فقلت: أوصني، قال: تقوى الله، وطلب الحديث من أهله. * وفاته: مرض مالك نحو اثنين وعشرين يوماً، وتوفي في ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومئة، وكان آخر كلامه أن تشهَّد، وقال: لله الأمر من قبلُ ومن بعدُ، وصلى عليه أمير المدينة وقتئذ عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد ابن علي بن عبد الله بن عباس، وشيع جنازته ماشياً، وكان أحد من حملوا نعشه، وقبره معروف اليوم في البقيع، أفاض الله عليه رحمة ونوراً. قضى هذا الإمام الجليل - رحمه الله تعالى - نحو ستين سنة في التفقه في الدين والإفتاء والاجتهاد في طاعة الله، ورجعت نفسه المطمئنة إلى ربها راضية مرضية، وهذه صفحة من حياته نعرضها على حضراتكم، وإن في ذلك لعبرة لأولي الألباب، والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 1357

صقر قريش وكيف تأسست الدولة الأموية بالأندلس (١) الحديث عن عبد الرحمن الداخل مؤسسِ الدولة الأموية في الأندلس، يستدعي كلمة موجزة في الحالة السياسية بتلك البلاد؛ لنعلم كيف تهيأت الأسباب لتبوئه عرش إمارتها. عين الوليد بن عبد الملك موسى بن نصير عاملاً لإفريقية، وكانت عاصمة إفريقية يومئذ القيروان، فسار موسى بن نصير من القيروان، فوطَّد الأمن ببلاد المغرب، واستعمل على "طنجة" وما والاها تابعه طارق بن زياد، ثم قفل راجعاً إلى القيروان. وبعد عودته كتب إلى طارق ياذنه في المسير إلى فتح الأندلس، فجهز طارق جيشًا يقال: عدته اثنا عشر ألفاً، واجتاز البحر إلى إسبانيا، ونزل بمكان يعرف الآن بجبل طارق، وبعد أن تجاوز البحر، أحرق السفن، وقال في خطبة خطبها: "أيها المجاهدون! لقد آن الأوان، فالعدو أمامنا، والبحر خلفنا، ولم يبق إلا الموت، فاختاروا إحدى الموتتين"، فاختار المسلمون الجهاد، فاختار لهم الله النصر، وفتحوا بلاداً كثيرة في مدة قليلة.

стр. 1358

ولما بلغ خبر انتصاره موسى بن نصير، كتب إليه أن قف بالمكان الذي انتهيت إليه في الفتح، حتى أقدم إليك، وسرعان ما وصل موسى إلى الأندلس، وامتد في الفتح حتى توغل في البلاد. ولما بلغ خبر هذا الفتح الوليدَ بن عبد الملك، أرسل يستدعي موسى ابن نصير، وطارق بن زباد، فنظم موسى الحكومة بالأندلس، وجعل على رأسها ابنه عبد العزيز، وسار بمغانم كثيرة، وركب هو وتابعه طارق البحر إلى دار الخلافة بدمشق. ولما قارب دمشق، أرسل إليه سليمان أخو الوليد بن الوليد في علة سيموت بها قريبًا، فتمهل حتى يكون دخولك في أيامي، لينسب الفتح إليَّ، فأبى موسى أن يتمهل، وقدم دار الخلافة في أيام مرض الوليد. ولما مات الوليد، انتقم من موسى بن نصير، وجرده من كل شيء، حتى مات موسى في حالة فقر وبؤس، ويقال: إن سليمان هذا لا يعرف له شدة غير ما فعله بموسى بن نصير. ثم إن عبد العزيز بن موسى بن نصير قتل سنة ٩٨، وتولى إمارة الأندلس أيوب بن حبيب اللخمي ابن أخت موسى بن نصير، وتولاها بعده الحر بن عبد الرحمن الثقفي، ثم السمح بن مالك، وكان من المصلحين، ثم عبد الرحمن الغافقي، ثم عنبسة بن سحيم الكلبي، ثم عاد إليها عبد الرحمن الغافقي، وكان عادلاً حليماً، وهو الذي دخل بلاد فرنسا، ورفع لواء الإسلام فوق أسوار "ليون" ثم عبد الملك بن قطن الفهري، وكان ظالماً جائراً، فعزل، ثم عقبة بن الحجاج السلوي، وكان خير مثال للعدل والتقوى، ثم ثعلبة بن سلامة.

стр. 1359

ووقع في عهد ثعلبة بن سلامة هذا تنافسٌ بين اليمنيين والمضريين، فانحاز ثعلبة إلى اليمنيين، فهاج عليه المضريون، وجاء أمر الخليفة بتعيين أبي الخطار حسام الكلبي، وهو من اليمنيين، فاستقرت نار الفتنة بين القبيلتين، وانهزم اليمنيون، وقتل أبو الخطار، وتولى الأمر ثوابة بن سلامة، وتوفي، فتولى بعده يوسف بن عبد الرحمن الفهري، فسكنت الأمور، وتراضى الفريقان، وبقي في الأمارة نحو عشر سنين، وقامت في هذه السنين ثورات في نواحي من البلاد متعددة، فأخمد يوسف نارها. لندع الأندلس وهي تحت إمارة يوسف بن عبد الرحمن الفهري، ونرجع إلى الشرق؛ لنعلم كيف خرج عبد الرحمن بن معاوية قاصداً المغرب حتى قبض على زمام الأندلس. معروف أن آخر خلفاء بني أمية في الشرق مروان بن محمد، ففي عهده ظهرت دعوة أبي مسلم إلى العباسيين، وسقطت الدولة الأموية، وقامت مكانها الدولة العباسية. ومن سيرة السفاح، وتابعه عليها المنصور: الفتكُ بالأموميين، ومطاردتهم، وممن خاف من سطوة هذه الدولة: عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك، فاختفى متنقلًا من بلد إلى آخر قاصداً المغرب حتى وصل إلى "مليلة" (١)، ونزل عند شيخ من البربر حيناً، حتى لحق به مولى أبيه (بدر) بأموال أنفذتها إليه أخته من ذهب وجواهر، وكان عبد الرحمن قد جعل مطمح أمله أفريقيا، ثم رأى أمرها عسراً، فوجه نظره إلى الأندلس، وبعث إليها بدراً مولاه ليمهد له السبيل، ويقرب إليه البغية. فاجتمع بموالي المروانيين وأشياعهم،

стр. 1360

فبثوا لعبد الرحمن الدعوة، وصادف ما كان بين اليمنية والمضرية من نهل وتقاطع، فأجمعت اليمنية على أمر بيعته، ورجع بدر بالخبر إلى عبد الرحمن، فعبر عبد الرحمن البحر سنة ١٣٨، ونزل بساحة المنكبّ (١)، فأقبل الناس على مبايعته، وما زال ينتقل في البلاد حتى انتظم له جيش عظيم، فزحف إلى "قرطبة"، ولاقاه يوسف الفهري بظاهرها. ودارت بينهما رحى الحرب، فانهزم يوسف، ودخل عبد الرحمن القصر، وخرجت إلى عبد الرحمن زوج يوسف وابنتاه، فقلن له: يا ابن عمنا! أحسن كما أحسن الله إليك. فقال: أفعل، ودعا بصاحب الصلاة، وكان صاحب الصلاة مولى ليوسف الفهري، وأمره بضم النساء إليه. وخرج عبد الرحمن في ذلك اليوم، فصلى بالناس صلاة الجمعة، ووعدهم في خطبته خيراً. ولما انهزم يوسف الفهري، توجه إلى غرناطة، واستولى عليها، فخرج عبد الرحمن في أثره، وحاصره حتى نزل على أمانه، وجاء به إلى قرطبة، وحجز عنه ولديه: عبد الرحمن، ومحمداً، وأبقاهما عنده كِرهانٍ حتى لا ينقض العهد. ثم إن يوسف الفهري غمر، فخرج هارباً من قرطبة حتى أتى؛ "طليطلة" ليعيد الكرة على عبد الرحمن، فاغتاله أحد أصحابه. وكان من عبد الرحمن أن عاد إلى قرطبة، واشتد في عقوبة ولدي يوسف

стр. 1361

الفهري، فقتل عبد الرحمن، وحكم على أخيه محمد بالسجن الدائم. ثم إن محمداً - وكان يكنى: أبا الأسود - اتخذ حيلة تخلص بها من السجن، ولحق بطليطلة، ودعا إلى نفسه، واستمال الناس، ووقعت بينه وبين عبد الرحمن واقعة انتصر فيها عبد الرحمن، وانهزم جيش أبي الأسود، وفر أبو الأسود إلى ناحية بغرب الأندلس، وتوفي هناك. وقام بعد أبي الأسود أخوه قاسم بن يوسف، فخرج إليه عبد الرحمن، فلما دنا منه، سلم إليه نفسه في غير أمان، فتقبله، وأحسن إليه. وفي سنة ١٤٦ تجهز العلاء بن مغيث اليحصبي عامل أفريقية لغزو الأندلس، فعبر البحر، ونزل بجيشه في "باجة" داعياً إلى أبي جعفر المنصور. فخرج عبد الرحمن لقتاله، وتلاقيا بظاهر "إشبيلية"، فانهزم جيش ابن مغيث، وقتل ابن مغيث مع كثير من أصحابه، وبعث عبد الرحمن برؤوسهم إلى القيروان، فألقيت في أسواقها سراً. وتفرغ عبد الرحمن بعد هذا لغزو بلاد الإفرنج، وتم له النصر على جميع أعدائه. وتوفي عبد الرحمن على فراشه في قرطبة ١٧٣، فكانت ولايته اثنتين وثلاثين سنة، ودفن بجانب من المسجد الجامع الذي بناه. ومن آثاره: بناؤه المسجد الجامع بقرطبة، ولكنه مات قبل إتمامه، ودوّن الدواوين، وزيّن قرطبة بالمباني الضخمة، والحدائق الغناء، وأدار أسوارها. وكان يقعد للعامة، وينظر أمورهم بنفسه، ومن عاداته: أن يتناول معه الطعام كل من أدركه من أصحابه وقت الطعام، وكل من وافق ذلك

стр. 1362

من طلاب الحوائج. وكان مديد القامة، نحيف الجسم، وقال ابن الأثير في نعته: "كان فصيحاً لسناً، شاعراً عالماً حليماً حازماً، ولا يكل الأمور إلى غيره، شجاعاً مقداماً، بعيد الغور، شديد الحذر، سخياً جواداً، وكان يقاس بالمنصور في حزمه وشدته وضبط المملكة". ومن بديع شعره قوله متشوقاً إلى وطنه: أيها الراكب الميمِّم أرضي ... أقر مني بعض السلام لبعض إن جسمي كما تراه بأرض ... وفؤادي ومالكيه بأرض قدَّر البين بيننا فافترقنا ... وطوى البين عن جفوني غمضي قد قضى الدهر بالفراق علينا ... فعسى باجتماعنا سوف يقضي وقال في هذا الغرض: تناءت لنا وسط الرصافة نخلة ... تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل فقلت شبيهي في التغرب والنوى ... وطول التنائي عن بنيَّ وعن أهلي نشأت بأرض أنت فيه غريبة ... فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي وفي أيامه دخل الأندلس عالمان جليلان كانا قد رحلا من الأندلس إلى الشرق بعد دخوله: أحدهما: الغازي بن قيس، دخل الأندلس بموطأ مالك بن أنس، وبقراءة نافع بن أبي نعيم، فكان عبد الرحمن يكرمه، ويواليه بالصلة في منزله. ثانيهما: أبو موسى الهواري، جاء الأندلس، وكان قد جمع العلوم

стр. 1363

العربية إلى علوم الدين. وفي أيامه نشأ شاعر الأندلس أبو المخشيّ، ومما جرى لهذا الشاعر: أن مدح سليمان بن عبد الرحمن بشعر، ووقع في وهم بعض الناس أنه عرض بأخيه هشام، فتعصب لهشام أحد مريديه، واعتدى على الشاعر، فأتلف بصره، فقصد الشاعر عبد الرحمن، وأنشد بين يديه أبياتاً يقول فيها: خضعت أم بناتي للعدا ... أن قضى الله قضاء فمضى ورأت أعمى ضريراً إنما ... مشيه في الأرض لمس بالعصا فاستكانت ثم قالت قولة ... وهي حرّى بلغت مني المدى ففؤادي قرح من قولها ... ما من الأدواء داء كالعمى فأعطاه عبد الرحمن ألفي دينار، وضاعف له الدية. وكان نقش خاتمه: "بالله يثق عبد الرحمن، ويه يعتصم". وقد كنت نظمت خلاصة ما تضمنته هذه القصة في موشح تحت عنوان: (صقر قريش)، وإليك هذا الموشح: خلِّ نفسى الحر تصلى النُّوَبا ... لا تبالي ليست الأخطار إلا سببا ... للمعالي * * * يا مكبّاً بين ظبي أدعجا ... ومهاة إنما الهمة في حجر الحجا ... كالنبات أفلا تذبل إذ تقضي الدجى ... في سُبات فإذا بتَّ تجاري الكوكبا ... في مجالِ

стр. 1364

كنت كالضرغام يمشي الهيدبى (١) ... للنزالِ * * * ما لهذي السمهريات فخار ... في الحرابْ غير عزم هزّه حامي الذمار ... بالتهاب أترى الرامح (٢) ذا قلب يغار ... فيُهاب جرَّ في الآفاق رمحاً سلهبا (٣) ... باختيالِ وهو كالأعزل لا يلقى الظُّبا ... والعوالي * * * رُبَّ كِنٍّ لا نسميه عرينا ... في البيان والذي يحميه لا يلوي جبينا ... عن طعان يحطم الطاغي لا يبقى مهينا ... في هوان وهزبر الغاب يعدو خببا ... في الدِّغال عضَّه الجوع فمدَّ المخلبا ... لاغتيال * * * عاشق العلياء خض في لجج ... من رماح وترشف من عصير المهج ... لا جُناح

стр. 1365

يضحك الملك بثغر بهج ... كالصَّباح إن نكى الخصم فماجوا هرباً ... كالثعالي (١) وابتغاء السلم من باني الزُّبى ... كالمحال * * * خاطر اليأس لدى باغي العلا ... غير سائغْ إن توخى عبقريٌّ أملا ... فهو بالغ وحياة الصقر (٢) سارت مثلا ... للنوابغ إذ بدا في "دير حنا" وشبا (٣) ... كالهلال وليالي الشام في عهد الصبا ... كاللآلي * * * ذاق في الخامس من صدر سنيه ... مضضا والردى سيف بكفٍّ لا تتيه (٤) ... ينتضى أرهف الحدَّ وأودى بأبيه ... حَرَضا (٥)

стр. 1366

هل زوت زهرته حتى هبا (١) ... في كلال إن في نفس تسامت حسبا ... خيرُ وال * * * أبصر الجدُّ به روحَ الهمام ... باديا (٢) كالشذا ينبئ عن زهر الكِمام ... هاديا وتريك الشمس في قوس الغمام ... ماهيا حفه عطفاً كما تسري الصَّبا ... باعتلالِ ويدٌ ظلَّت تحابي الأنجبا ... لم تغالِ * * * ضرب الخطبُ على الملك الأثيل ... محدقا (٣) كم دها السفاح من حُرّ نبيل ... مرهقا (٤) وجرى المنصور في هذا السبيل ... مُوبقا ذهبت عصبته أيدي سبا ... في نكالِ وتداعى عرشه منتحبا ... للزوالِ * * *

стр. 1367

حدق الصقر برأي لا عجل ... لا حَسير وانبرى يطوي الفلا يطوي الأمل ... في الضمير ككَميّ فرَّ من وقع الأمل ... ليُغير عَمِيتْ عنه عيونُ الرُّقبا ... والموالي راح كالشمس تؤمُّ المغربا ... بارتحال * * * جمرةُ الأضغان في ذاك الوطن ... لافحه (١) كم قلوب بتباريح الإِحَنْ ... طافحه فرصة ظلت على وجه الزمن ... سانحه إنما الفرصة تدني الأربا ... بارتجالِ والفتى يرقبها محتسبا ... لليالي * * * نفض البرْدَين من نقع السفر ... في "مليله" (٢) ماله جند سوى الرأي الأغر ... والفضيلة بثَّ لُسناً نفثت نفث السحر ... في الخميلة دعوة حل لها الشعبُ الحُبا ... باحتفالِ

стр. 1368

يرتجي عزاً وعدلاً ذهبا ... في ضلالِ * * * آب (بدرٌ) بفؤاد يتألق ... كالجمانِ (١) إذ رمى عن قوس داهٍ وتفوَّق ... في الرهان ورأى غصن الأماني كيف أوْرَق ... في تداني آن للصمصام أن ينتصبا ... للصقالِ ولغالي الدم أن ينسكبا ... بابتذالِ * * * نهض الصقر ولا صيد سوى ... تاج مُلكِ يتهادى بعد شجو ونوى ... بين أَيْكِ يسبك السيرة في نهج سُوى ... خيرَ سبك عبر البحر يشق الحببا (٢) ... في جلالِ أقبل الأبعد يتلو الأقربا ... ويوالي * * * زج بالجند حواليْ "قرطبه" ... في اتّساق

стр. 1369

وغدا يوسف مما كربه ... في خناق (١) هو صبٌّ كيف يلوي الرقبه ... للفراق هاله الخطب غداة اقتربا ... للقتال لاذ بالرأي فأكدى وكبا ... في خبال * * * خال ما نمَّق كيداً يرشقه ... كسهام لا يبيع المجد شهم يعشقه ... بالحطام لا تُسليّه فتاة ترمقه ... بابتسام فأراه الصقر برقاً خلبا ... في المقالِ وأراه الأحوذيَّ القلبَّا ... بالفعالِ * * * هجم الداخل في وجه الزعيم ... كائدا فطوى ما خلفه طيَّ الظليم ... شاردا واقتفى آثاره الجيش النظيم ... صائدا رام "غرناطة" يبغي مركبا ... للنضالِ أمل أبرق حينا وخبا ... كالذُّبالِ * * *

стр. 1370

أغمد السيف ومد العنقا ... للسلامْ (١) فأراه الصقر عزماً ذلقا ... لا ينامْ أحرز ابنَيْهِ ليأبى الرهقا ... في الذِّمام (٢) كان في الناس زعيماً فاحتبى باعتزال لم يطق - كالطفل - صبراً إذ نبا ... عن فصال * * * تبَّ ليل شدَّ فيه المئزرا ... لانتقام (٣) وامتطى رأيا عقيماً أغبرا ... كالجَهَام ليته ما انسلَّ ليلاً وانبرى ... في احتدام (٤) في مغاني آل هود وثبا ... للصيالِ هزَّ جِذعَ الأمن ألقى الطُّنبا ... في اختلالِ
следующие страницы →